١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ٩ - ١١].
* يأمرُ تعالى عبادَهُ المؤمنينَ بالحضورِ لصلاةِ الجمعةِ، والمبادرةِ إليها من حينِ يُنادَى لها.
والمرادُ بالسعيِ هنا: الاهتمامُ بها، وعدمُ الاشتغالِ بغيرها، لا المرادُ بهِ: العَدْوُ الذي نهى عنهُ النبيُّ ﷺ عندَ المضيِّ إلى الصلاةِ، فالمشيُ إلى الصلاةِ بسكينةٍ ووقارٍ هوَ المرادُ بالسعيِ هنا.
* ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي: اتركوهُ في هذهِ الحالةِ التي أُمرتُم بالمضيِّ فيها إلى الصلاةِ، وإذا أمرَ بتركِ البيعِ الذي ترغبُ فيه النفوسُ وتحرصُ عليهِ فتركُ غيرهِ من الشواغلِ من بابِ أولى، كالصناعاتِ وغيرِها.
* ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حقائقَ الأمورِ وثمراتِها.
وذلكَ الخيرُ هوَ: امتثالُ أمرِ اللهِ ورسولهِ، والاشتغالُ بهذهِ الفريضةِ، التي هيَ من أهمِّ الفرائضِ، واكتسابُ خيرِها وثوابِها، وما رتَّبَ الشارعُ على السعيِ لها، والمبادرةُ والتقدمُ والوسائلُ، والمتمماتُ لها من الخيرِ والثوابِ، ولما في ذلكَ من اكتسابِ الفضائلِ، واجتنابِ الرذائلِ؛ فإنَّ مِنْ أرذلِ الخصالِ الحرصَ والجشعَ الذي يحملُ العبدَ على تقديمِ الكسبِ الدنيءِ على الخيرِ الضروريِّ.
[ ١٠٣ ]
ومنْ الخيرِ: أنَّ مَنْ قدَّمَ أمرَ اللهِ، وآثرَ طاعتَهُ على هوى نفسهِ؛ كان ذلكَ برهانَ إيمانهِ، ودليلَ رغبتهِ وإنابتهِ إلى ربهِ، ومَن تركَ شيئًا للهِ عوضَهُ اللهُ خيرًا منهُ (^١)، ومَن قدَّمَ هواهُ على طاعةِ مولاهُ فقدْ خسرَ دينَهُ، وتبعَ ذلكَ خسارةُ دنياهُ.
* وهذا الأمرُ بتركِ البيعِ مؤقتٌ إلى انقضاءِ الصلاةِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ لطلبِ المكاسبِ المباحةِ، ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: ينبغِي للمؤمنِ الموفقِ وقتَ اشتغالهِ في مكاسبِ الدنيا أنْ يقصدَ بذلكَ الاستعانةَ على قيامهِ بالواجباتِ، وأنْ يكونَ مستعينًا باللهِ في ذلكَ، طالبًا لفضلهِ، جاعلًا الرجاءَ والطمعَ في فضلِ اللهِ نصبَ عينيهِ؛ فإنَّ التعلقَ باللهِ والطمعَ في فضلهِ مِنْ الإيمانِ ومِن العباداتِ.
* ولما كان الاشتغالُ بالتجارةِ مظنةَ الغفلةِ عن ذكرِ اللهِ وطاعتهِ أمرَ اللهُ بالإكثارِ من ذكرهِ، فقالَ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في حالِ قيامِكم وقعودِكم، وفي تصرفاتِكم وأحوالِكم كلِّها؛ فإنَّ ذكرَ اللهِ طريقُ الفلاحِ الذي هوَ الفوزُ بالمطلوبِ، والنجاةُ من المرهوبِ.
ومِن المناسبِ في هذا أنْ يجعلَ المعاملةَ الحسنةَ والإحسانَ إلى الخلقِ نصبَ عينيهِ؛ فإنَّ هذا من ذكرِ اللهِ، فكلُّ ما قربَ إلى اللهِ فإنهُ من ذكرهِ، وكلُّ أمرٍ يحتسبُهُ العبدُ فإنهُ من ذكرهِ: فإذا نصحَ في معاملتهِ وتركَ الغشَّ تقرَّبَ في هذهِ المعاملةِ إلى اللهِ؛ لأنَّ اللهَ يحبُّها، ولأنها تمنعُ العبدَ من المعاملةِ الضارةِ، وكلَّما سامحَ أحدًا، أو حاباهُ في ثمنٍ أو مثمنٍ، أو تيسيرٍ أو إنظارٍ، أو نحوهِ؛ فإنهُ من الإحسانِ والفضلِ، وهوَ من ذكرِ اللهِ، قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
_________________
(١) كما جاء في حديث النبي ﷺ: «إنك لن تدع شيئًا لله إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه» (أحمد: ٣٨/ ١٧٠ رقم ٢٣٠٧٤).
[ ١٠٤ ]
* ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ أي: خرجُوا من المسجدِ حرصًا على تلكَ التجارةِ واللهوِ، وتركوا ذلكَ الخيرَ الحاضرَ، حتى إنهم تركُوا النبيَّ ﷺ قائمًا يخطبُ؛ وذلكَ لحاجتِهم لتلكَ العيرِ التي قدمَتِ المدينةَ، وقبلَ أنْ يعلمُوا حقَّ العلمِ ما في ذلكَ من الذمِّ وسوءِ الأدبِ، فاجتماعُ الأمرينِ حملاهم على ما ذكرَ، وإلا فهم ﵃ كانوا أرغبَ الناسِ في الخيرِ، وأعظمَهم حرصًا على الأخذِ عن الرسولِ، وعلى توقيرهِ وتبجيلهِ، وحالُهم المعلومةُ في ذلكَ أكبرُ شاهدٍ، ولكنْ لكلِّ جوادٍ كبوةٌ، ثم إنَّ الكبوةَ التي عُوتبَ عليها العبدُ، وتابَ منها وأنابَ، وغفَرَها اللهُ، وأبدلَ مكانَها حسنةً؛ لا يحلُّ لأحدٍ اللومُ عليها.
* ﴿قُلْ﴾ لمن قدَّم اللهوَ والتجارةَ على الطاعةِ: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ التي وإنْ حصلَ منها بعضُ المقاصدِ فإنَّ ذلكَ قليلٌ منغصٌ مفوتٌ لخيرِ الآخرةِ.
* وليسَ الصبرُ على طاعةِ اللهِ مفوتًا للرزقِ؛ فإنَّ اللهَ خيرُ الرازقينَ، فمن اتقى اللهَ رزقَهُ من حيثُ لا يحتسبُ، ومَن قدَّمَ الاشتغالَ بالتجارةِ على طاعةِ اللهِ لم يباركْ لهُ في ذلكَ، وكان هذا دليلًا على خلوِّ قلبهِ من ابتغاءِ الفضلِ من اللهِ، وانقطاعِ قلبهِ عن ربهِ، وتعلقهِ بالأسبابِ، وهذا ضررٌ محضٌ يُعقِبُ الخسرانَ.
* وفي هذهِ الآياتِ فوائدُ عديدةٌ:
* منها: أنَّ الجمعةَ فريضةٌ على المؤمنينَ، يجبُ عليهم السعيُ لها، والاهتمامُ بشأنِها، وأنَّ الخيراتِ المترتبةَ عليها لا يقابلها شيءٌ.
[ ١٠٥ ]
* ومنها: مشروعيةُ الخطبتينِ (^١)، وأنهما فريضتانِ (^٢)، وأنَّ المشروعَ أنْ يكونَ الخطيبُ قائمًا؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] يشملُ السعيَ إلى الصلاةِ وإلى الخطبتينِ، وأيضًا فإنَّ اللهَ ذمَّ مَنْ ترَكَ استماعَ الخطبةِ.
* ومنها: مشروعيةُ النداءِ يومَ الجمعةِ وغيرها؛ لأنَّ التقييدَ بيومِ الجمعةِ دليلٌ على أنَّ هناكَ نداءً لبقيةِ الصلواتِ الخمسِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨].
* ومنها: النهيُ عن البيعِ والشراءِ بعدَ نداءِ الجمعةِ، وذلكَ يدلُّ على التحريمِ وعدمِ النفوذِ.
* ومنها: أنَّ الوسائلَ لها أحكامُ المقاصدِ، فإنَّ البيعَ في الأصلِ مباحٌ، ولكن لما كان وسيلةً لتركِ الواجبِ نهَى اللهُ عنهُ.
* ومنها: تحريمُ الكلامِ والإمامُ يخطبُ؛ لأنهُ إذا كان الاشتغالُ بالبيع ونحوهِ -ولو كان المشتغلُ بعيدًا عن سماعِ الخطبةِ- محرمًا فمَن كان حاضرًا تعيَّنَ عليهِ ألَّا يشتغلَ بغيرِ الاستماعِ، كما أيَّدَ هذا الاستنباطَ الأحاديثُ الكثيرةُ (^٣).
* ومنها: أنَّ المشتغلَ بعبادةِ اللهِ وطاعتهِ، إذا رأى من نفسهِ الطموحَ إلى ما يلهِيها عن هذا الخيرِ من اللذاتِ الدنيويةِ والحظوظِ النفسيةِ؛ شُرِعَ أنْ يُذكِّرَها ما عندَ اللهِ من الخيراتِ، وما لمُؤْثِرِ الدينِ على الهوَى، وما يترتبُ من الضررِ والخسرانِ على ضدهِ.
_________________
(١) في (خ): الخطبة.
(٢) في (خ): فريضة.
(٣) من ذلك: قول النبي ﷺ: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت». البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١).
[ ١٠٦ ]
٢ - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
* أي: إذا سافرْتُم في الأرضِ لتجارةٍ أو عبادةٍ أو غيرِهما؛ فقد خففَ اللهُ عنكم، ورفعَ عنكم الجناحَ، وأباحَ لكم بل أحبَّ لكم أنْ تقصرُوا الصلاةَ الرباعيةَ إلى ركعتينِ، فإن حصلَ معَ ذلكَ خوفٌ فلا حرجَ في قصرِ كيفيةِ الصلواتِ كلِّها.
وهذا -والله أعلمُ- الحكمةُ في تقييدِ القصرِ بالخوفِ؛ لأنهُ من المعلومِ المتواترِ عن النبيِّ ﷺ جوازُ القصرِ في السفرِ، ولوْ كان ليسَ فيه خوفٌ، ولكن إذا اجتمعَ السفرُ والخوفُ كان رخصةً في قصرِ العددِ للرباعيةِ والهيئةِ لغيرِها، فإنْ وُجِدَ الخوفُ وحدَهُ ترتبَ عليهِ قصرُ الهيئاتِ على الصفةِ التي ثبتَتْ عن النبيِّ ﷺ، وإنْ وجدَ السفرُ وحدَهُ لم يكنْ فيه إلا قصرُ العددِ؛ ولهذا لما سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن هذا القيدِ قالَ: «صدقةٌ تصدقُ اللهُ عليكم بها؛ فاقبلُوا صدقتَهُ» (^١).
أو يقالُ: هذا القصرُ المذكورُ في الآيةِ الكريمةِ مطلقٌ، والسنةُ عن النبيِّ ﷺ تقيِّدُهُ وتبينُ المرادَ بهِ.
_________________
(١) مسلم (٦٨٦).
[ ١٠٧ ]
٣ - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] أي: ولا تصلِّ على أحدٍ ماتَ من المنافقينَ، ولا تقُمْ على قبرهِ بعدَ الدفنِ لتدعوَ لهُ؛ فإنَّ الصلاةَ عليهم والوقوفَ على قبورِهم للدعاءِ لهم شفاعةٌ لهم، وهم لا تنفعُ فيهم الشفاعةُ.
* ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجونَ عن دينِ اللهِ بالكليةِ؛ ومَن كان كافرًا وماتَ على ذلكَ فما تنفعهُ شفاعةُ الشافعينَ، وفي ذلكَ عبرةٌ لغيرِهم، وزجرٌ ونكالٌ لهم، وهكذا كلُّ مَنْ عُلِمَ منهُ الكفرُ والنفاقُ، فإنهُ لا يُصلَّى عليهِ، ولا يُدعَى لهُ بالمغفرةِ.
* وفي هذهِ الآيةِ: مشروعيةُ الصلاةِ على المؤمنينَ، والوقوفِ على قبورِهم، خصوصًا وقتَ دفنِهم للدعاءِ لهم، وأنَّ هذا كان عادتَهُ ﷺ معَ المؤمنينَ، وقد بيَّنَتِ السنةُ وجوبَ تجهيزِ الميتِ المسلمِ: بالتغسيلِ، والتكفينِ، والصلاةِ عليهِ، وحملهِ، ودفنهِ، كما هوَ معلومٌ.
[ ١٠٨ ]