لم يزلِ اللهُ أولًا ليسَ قبلَهُ شيءٌ، ولم يزلْ فعَّالًا لما يريدُ، ولا خلا وقتٌ من الأوقاتِ من أفعالٍ وأقوالٍ تصدرُ عن مشيئتهِ وإرادتهِ، بحسبِ ما تقتضيهِ حكمةُ اللهِ الذي هوَ حكيمٌ في كلِّ ما قدرهُ وقضاهُ، كما هوَ حكيمٌ في كلِّ ما شرعَهُ لعبادهِ.
فلما اقتضَتِ الحكمةُ الشاملةُ والعلمُ المحيطُ من اللهِ والرحمةُ السابغة خلقَ آدمَ أبي البشرِ الذينَ فضَّلَهم اللهُ على كثيرٍ ممن خلقَ تفضيلًا - أعلَمَ الملائكةَ وقالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] يخلفُ مَنْ كان قبلَهم من المخلوقاتِ التي لا يعلمُها إلا هو.
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذا منهم تعظيمٌ لربِّهم وإجلالٌ لهُ عن أنهُ ربما يخلقُ مخلوقًا يُشبهُ أخلاقَ المخلوقاتِ الأولِ، أو أنَّ اللهَ تعالى أخبرَهم بخلقِ آدمَ، وبما يكونُ مِنْ مجرمِي ذريتهِ.
قالَ اللهُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فإنهُ محيطٌ علمُهُ بكلِّ شيءٍ، وبما يترتبُ على هذا المخلوقِ من المصالحِ والمنافعِ التي لا تعدُّ ولا تُحصَى؛ فعرَّفهم تعالى بنفسهِ بكمالِ علمهِ، وأنهُ يجبُ الاعترافُ للهِ بسعةِ العلمِ، والحكمةِ التي من جملتها أنهُ لا يخلقُ شيئًا عبثًا، ولا لغيرِ حكمةٍ.
[ ٢١١ ]
ثم بيَّنَ لهم [ذلك] (^١) على وجهِ التفصيلِ، فخَلَقَهُ بيدهِ تشريفًا لهُ على جميعِ المخلوقاتِ، قبَضَ قبضةً من جميعِ الأرضِ: سهلِها وحزنِها، وطيبِها وخبيثِها؛ ليكونَ النسلُ على هذهِ الطبائعِ، فكان ترابًا أولًا، ثم ألقَى عليهِ الماءَ فصارَ طينًا، ثم لما طالَتْ مدةُ بقاءِ الماءِ على الطينِ تغيَّرَ ذلكَ الطينُ فصارَ حمأً مسنونًا: طينًا أسودَ، ثم أيبسَهُ بعدما صوَّرَهُ فصارَ كالفخارِ الذي لهُ صلصلةٌ.
وفي هذهِ الأطوارِ هوَ جسدٌ بلا رُوحٍ، فلما تكاملَ خلقُ جسدهِ نفخَ فيه الرُّوحَ؛ فانقلبَ ذلكَ الجسدُ الذي كان جمادًا، حيوانًا لهُ عظامٌ ولحمٌ وأعصابٌ وعروقٌ وروحٌ هيَ حقيقةُ الإنسانِ؛ وأعدَّهُ اللهُ لكلِّ علمٍ وخيرٍ.
ثم أتمَّ عليهِ النعمةَ فعلَّمَهُ أسماءَ الأشياءِ كلِّها، والعلمُ التامُّ يستدعِي الكمالَ التامَّ، وكمالَ الأخلاقِ، فأرادَ اللهُ أنْ يُرِيَ الملائكةَ كمالَ هذا المخلوقِ، فعرضَ هذهِ المسمياتِ على الملائكةِ، وقالَ لهمْ: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] في مضمونِ كلامكِم الأولِ الذي مقتضاهُ أنَّ تركَ خَلْقِهِ أولى، هذا بحسبِ ما بدا لهم في تلكَ الحالِ.
فعجزَتِ الملائكةُ ﵈ عن معرفةِ أسماءِ هذهِ المسمياتِ، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، قال اللهُ: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] شاهَدَ الملائكةُ من كمالِ هذا المخلوقِ وعلمهِ ما لم يكنْ لهم في حسابٍ، وعرفوا بذلكَ على وجهِ التفصيلِ والمشاهدةِ كمالَ حكمةِ اللهِ، وعظَّمُوا آدمَ غايةَ التعظيمِ؛ فأرادَ اللهُ أنْ يُظهرَ هذا التعظيمَ والاحترامَ لآدمَ من الملائكةِ ظاهرًا وباطنًا، فقالَ للملائكةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] احترامًا لهُ وتوقيرًا وتبجيلًا، وعبادةً منكم لربِّكم، وطاعةً ومحبةً وذلًّا؛ فبادرُوا كلُّهم أجمعونَ فسجدُوا.
_________________
(١) زيادة من (خ).
[ ٢١٢ ]
وكان إبليسُ بينَهم، وقدْ وُجِّهَ إليهِ الأمرُ بالسجودِ معَهم، وكان من غيرِ عنصرِ الملائكةِ، كان من الجنِّ المخلوقينَ من نارِ السمومِ، وكان مُبْطِنًا للكفرِ باللهِ، والحسدِ لهذا الإنسانِ الذي فضَّلَهُ اللهُ هذا التفضيلَ؛ فحملَهُ كبرهُ وكفرهُ على الامتناعِ عن السجودِ لآدمَ؛ كفرًا باللهِ واستكبارًا.
ولم يكفهِ الامتناعُ حتى باحَ بالاعتراضِ على ربِّهِ، والقدحِ في حكمتهِ، فقالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فقالَ اللهُ لهُ: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، فكان هذا الكفرُ والاستكبارُ والإباءُ منهُ وشدةُ النفارِ هوَ السببُ الوحيدُ أنْ يكونَ مطرودًا ملعونًا، فقالَ اللهُ لهُ: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣].
فلم يخضَعِ الخبيثُ لربهِ، ولم يتُبْ إليهِ، بلْ بارزَهُ بالعداوةِ، وصمَّمَ التصميمَ التامَّ على عداوةِ آدمَ وذريتهِ، ووطَّنَ نفسَهُ -لما عَلِمَ أنهُ حُتِمَ عليهِ الشقاءُ الأبديُّ- أنْ يدعوَ الذريةَ بقولهِ وفعلهِ وجنودهِ إلى أنْ يكونُوا من حزبهِ الذينَ كُتبَتْ لهم دارُ البوارِ، فقالَ: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦]؛ فيتفرغُ لإعطاءِ العداواتِ حقَّها في آدمَ وذريتهِ.
ولما كانتْ حكمةُ اللهِ اقتضَتْ أنْ يكونَ الآدميُّ مركبًا من طبائعَ متباينةٍ، وأخلاقٍ طيبةٍ أو خبيثةٍ، وكان لابدَّ من تمييزِ هذهِ الأخلاقِ، وتصفيتِها بتقديرِ أسبابِها من الابتلاءِ والامتحانِ الذي مِنْ أعظمهِ تمكينُ هذا العدوِّ من دعوتِهم إلى كلِّ شرٍّ - أجابَهُ فقالَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨].
[ ٢١٣ ]
فقالَ لربهِ معلنًا معصيتَهُ، وعداوتَهُ آدمَ وذريتَهُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، قالَ إبليسُ هذهِ المقالةَ ظنًّا منهُ؛ لأنهُ عرَفَ ما جُبِلَ عليهِ الآدميُّ، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
فمكَّنَهُ اللهُ من الأمرِ الذي يريدهُ إبليسُ في آدمَ وذريتهِ، فقالَ اللهُ لهُ: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٤] أي: إنْ قدرتَ فاجعَلْهم منحرفينَ في تربيةِ أولادِهم إلى التربيةِ الضارةِ، وفي صرفِ أموالِهم المصارفَ الضارةَ، وفي الكسبِ الضارِّ، وأيضًا شارِكْ منهم مَنْ إذْ تناولَ طعامًا أو شرابًا أو نكاحًا ولم يذكُرِ اسمَ اللهِ على ذلكَ في الأموالِ والأولادِ.
﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: مُرْهُمْ أنْ يكذِّبوا بالبعثِ والجزاءِ، وألَّا يُقدِموا على خيرٍ، وخوِّفْهم من أوليائِكَ، وخوِّفْهم عندَ الإنفاقِ النافعِ بالفحشاءِ والبخلِ. وهذا من اللهِ لحكمٍ عظيمةٍ وأسرارٍ!
وإنكَ -أيها العدوُّ المبينُ- لا تُبقِي من مقدورِكَ في إغوائِهم شيئًا؛ فالخبيثُ منهم يظهرُ خبثهُ، ويتضحُ شرُّهُ، واللهُ لا يعبأُ بهِ، ولا يبالي بهِ.
وأما خواصُّ الذريةِ من الأنبياءِ، وأتباعِهم من الصديقينَ، والأصفياءِ، وطبقاتِ الأولياءِ، والمؤمنينَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يجعَلْ لهذا العدوِّ عليهم تسلطًا، بلْ أقامَ عليهم سورًا منيعًا، وهوَ حمايتهُ وكفايتهُ، وزوَّدَهم بسلاحٍ لا يمكنُ عدوهم مقاومتهم، بكمالِ الإيمانِ باللهِ، وقوةِ توكلِهم عليهِ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩].
[ ٢١٤ ]
ومعَ ذلكَ فأعانَهم على مقاومةِ هذا العدوِّ المبينِ بأمورٍ كثيرةٍ:
* أنزَلَ عليهم كتبَهُ المحتويةَ على العلومِ النافعةِ، والمواعظِ المؤثرةِ، والترغيبِ إلى فعلِ الخيراتِ، والترهيبِ مِنْ فعلِ الشرورِ.
* وأرسلَ إليهم الرسلَ، مبشرينَ مَنْ آمنَ باللهِ وأطاعَهُ بالثوابِ العاجلِ [والآجلِ] (^١)، ومنذرينَ مَنْ كفَرَ وكذَّبَ وتولَّى بالعقوباتِ المتنوعةِ.
* وضَمِنَ لمن اتبعَ هداهُ الذي أنزلَ بهِ كتبَهُ وأرسلَ بهِ رسلَهُ، ألَّا يضلَّ في الدنيا، ولا يشقَى في الآخرةِ، وأنهُ لا خوفَ عليهِ، ولا حزنَ يعتريهِ.
* وأرشدَهم في كتبهِ، وعلى ألسنةِ رسلهِ؛ إلى الأمورِ التي بها يحتمونَ مِنْ هذا العدوِّ المبينِ.
* وبيَّنَ لهم ما يدعُو إليهِ هذا الشيطانُ، وطرقَهُ التي يَصطادُ بها الخليقةَ.
* وكما بيَّنها لهم ووضحَها، فقد أرشدَهم إلى الطرقِ التي ينجونَ بها من شرهِ وفتنتهِ، وأعانَهم على ذلكَ إعانةً قدريةً خارجةً عن قدرتِهم؛ لأنهم لما بذلُوا المجهودَ واستعانوا بالمعبودِ سهَّلَ لهم كلَّ طريقٍ يوصلُ إلى المقصودِ.
ثم إنَّ اللهَ تعالى أتمَّ نعمتَهُ على آدمَ، فخلَقَ منهُ زوجتَهُ حواءَ من جنسهِ وعلى شكلهِ؛ ليسكنَ إليها، وتتمَّ المقاصدُ المتعددةُ من الزواجِ والالتئامِ، وتنبثَّ الذريةُ بذلكَ.
وقالَ لهُ ولزوجتهِ: إنَّ الشيطانَ عدوٌ لكما، فاحذراهُ غايةَ الحذرِ؛ فلا يخرجنَّكما من الجنةِ التي أسكنَكُما اللهُ إياها، وأباحَكُما أنْ تأكلَا من جميعِ ثمارِها، وأنْ تتمتَعا بجميعِ
_________________
(١) زيادة من (خ).
[ ٢١٥ ]
لذاتِها، إلا شجرةً معينةً في هذهِ الجنةِ، فحرَّمها عليهما، فقالَ: ولا تأكلَا من هذه الشجرةِ فتكونَا من الظالمين (^١)، وقال اللهُ لآدمَ في تمتيعهِ بهذه الجنةِ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩].
فمكثَا في الجنةِ ما شاءَ اللهُ على هذا الوصفِ الذي ذكرَهُ اللهُ، وعدوُّهما يراقبُهما ويراصدُهما، وينظرُ الفرصةَ فيهما، فلما رأى سرورَ آدمَ بهذهِ الجنةِ، ورغبتَهُ العظيمةَ في دوامِها، جاءَهُ بطريقٍ لطيفٍ في صورةِ الصديقِ الناصحِ، فقالَ: يا آدمُ، هلْ أدلُّكَ على شجرةٍ إذا أكلتَ منها خلدْتَ في هذهِ الجنةِ، ودامَ لكَ الملكُ الذي لا يبلَى؟
فلمَ يزَلْ يوسوسُ ويزينُ ويسولُ ويعِدُ ويمنِّي، ويُلقِي عليهما من النصائحِ الظاهرةِ، وهيَ أكبرُ الغشِّ؛ حتى غرَّهما؛ فأكلَا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها وحرَّمَها عليهما.
فلما أكلَا منها بدَتْ لهما سوآتُهما بعدما كانا مستورينِ، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢] على أنفسِهما من أوراقِ تلكَ الجنةِ، أي: يُلْزِقانِ على أبدانِهما العاريةِ؛ ليكونَ بدلَ اللباسِ. وسُقِطَ في أيدِيهما، وظهرَتْ في الحالِ عقوبةُ معصيتِهما، وناداهُما ربُّهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
فأوقَعَ اللهُ في قلوبِهما التوبةَ التامةَ، والإنابةَ الصادقةَ، وتلقَّى آدمُ من ربهِ كلماتٍ، وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فتابَ اللهُ عليهما، ومحا الذنبَ الذي أصابَا، ولكنَّ الأمرَ الذي حذرَهما اللهُ منهُ -وهوَ الخروجُ من هذهِ الجنةِ إنْ تناولَا منها- تحتَّمَ ومضَى، فخرجَا منها إلى الأرضِ التي حُشِيَ خيرُها بشرِّها، وسرورُها بكدرِها.
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩].
[ ٢١٦ ]
وأخبرَهما اللهُ أنهُ لابدَّ أنْ يبتليَهما وذريتَهما، وأنَّ مَنْ آمنَ وعملَ صالحًا كانتْ عاقبتهُ خيرًا من حالتهِ الأولى، ومَن كذَّبَ وتولَى فآخرُ أمرهِ الشقاءُ الأبديُّ والعذابُ السرمديُّ.
وحذَّرَ اللهُ الذريةَ منهُ فقالَ: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وأبدلَهم اللهُ بذلكَ اللباسِ الذي نزعَهُ الشيطانُ من الأبوينِ، بلباسٍ يوارِي السَّوآتِ، ويحصلُ بهِ الجمالُ الظاهرُ في الحياةِ، ولباسٍ أعلى من ذلكَ، وهوَ لباسُ التقوَى، الذي هوَ لباسُ القلبِ والرُّوحِ بالإيمانِ والإخلاصِ والإنابةِ، والتحلِّي بكلِّ خلقٍ جميلٍ، والتخلِّي عن كلِّ خلقٍ رذيلٍ.
ثم بثَّ اللهُ من آدمَ وزوجَهُ رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرَهم في الأرضِ، واستخلفَهم فيها؛ لينظرَ كيفَ يعملونَ.
* فوائدُ مستنبطةٌ من هذهِ القصةِ، أصوليةٌ وفروعيةٌ وأخلاقٌ وآدابٌ:
* فمنها: أنَّ هذهِ القصةَ العظيمةَ ذكرَها اللهُ في كتابهِ في مواضعَ كثيرةٍ صريحةٍ
لا ريبَ فيها ولا شكَّ، وهيَ من أعظمِ القصصِ التي اتفقَتْ عليها الرسلُ، ونزلَتْ بها الكتبُ السماويةُ، واعتقَدَها جميعُ أتباعِ الأنبياءِ من الأولينَ والآخرينَ، حتى نبغَتْ في هذهِ الأزمانِ المتأخرةِ فرقةٌ خبيثةٌ زنادقةٌ أنكروا جميعَ ما جاءَتْ بهِ الرسلُ، وأنكروا وجودَ البارِي، ولم يثبتوا من العلومِ إلا العلومَ الطبيعيةَ التي وصلَتْ إليها معارفُهم القاصرةُ.
فبناءً على هذا المذهبِ -الذي هوَ أبعدُ المذاهبِ عن الحقيقةِ شرعًا وعقلًا- أنكروا آدمَ وحواءَ، وما ذكرَهُ اللهُ ورسولهُ عنهما، وزعموا أنَّ هذا الإنسانَ كان حيوانًا قردًا، أو شبيهًا بالقردِ، حتى ارتقَى إلى هذهِ الحالِ الموجودةِ!
[ ٢١٧ ]
وهؤلاءِ اغترُّوا بنظرياتِهم الخاطئةِ المبنيةِ على ظنونِ عقولٍ مِنْ أصلِها فاسدة، وتركوا لأجلِها جميعَ العلومِ الصحيحةِ، خصوصًا ما جاءَتْهم بهِ الرسلُ، وصَدَقَ عليهم قولهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣].
وهؤلاءِ أمرُهم ظاهرٌ لجميعِ المسلمينَ، ولجميعِ المثبتينَ وجودَ البارِي، يعلمونَ أنهم أضلُّ الطوائفِ، ولكن تسربَ على بعضِ المسلمينَ مِنْ هذا المذهبِ الدهريِّ بعضُ الآثارِ والفروعِ المبنيةِ على هذا القولِ: إذْ فسَّرَ طائفةٌ من العصريينَ سجودَ الملائكةِ لآدمَ أنَّ معناهُ تسخيرُ هذا العالمِ للآدميينَ، وأنَّ الموادَّ الأرضيةَ والمعدنيةَ ونحوَها قدْ سخَّرَها اللهُ للآدميِّ، وأنَّ هذا هوَ معنى سجودِ الملائكةِ!
ولا يستريبُ مؤمنٌ باللهِ واليومِ الآخرِ أنَّ هذا مستمدٌّ من ذلكَ الرأيِ الأفنِ، وأنهُ تحريفٌ لكتابِ اللهِ، لا فرقَ بينَهُ وبينَ تحريفِ الباطنيةِ والقرامطةِ، وأنهُ إذا أُوِّلَتْ هذهِ القصةُ إلى هذا التأويلِ توجَّهَ نظيرُ هذا التحريفِ لغيرِها من قصصِ القرآنِ، وانقلبَ القرآنُ -بعدما كان تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدًى ورحمةً- رموزًا يمكنُ كلُّ عدوٍّ للإسلامِ أنْ يفعلَ بها هذا الفعلَ، فيبطلُ بذلكَ القرآنُ، وتعودُ هدايتهُ إضلالًا، ورحمتهُ نقمةً، سبحانَكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ!
والمؤمنُ في هذا الموضعِ يكفيهِ لإبطالِ هذا القولِ الخبيثِ أنْ يتلوَ ما قصَّهُ اللهُ علينا من قصةِ آدمَ وسجودِ الملائكةِ؛ فيعلمُ أنَّ هذا منافٍ لما قصَدَ (^١) اللهُ ورسولهُ غايةَ المنافاةِ، وإنْ زخرفَهُ أصحابهُ، ولوَّوا لهُ العباراتِ، ونسبُوهُ إلى بعضِ مَنْ يُحسنُ بهم الظنُّ، فالمؤمنُ لا يتركُ إيمانَهُ ولا كتابَ ربِّهِ لمثلِ هذه الترويجاتِ المغررةِ، أو المغرورِ أصحابُها.
_________________
(١) في (خ): قصه.
[ ٢١٨ ]
* ومنها: فضيلةُ العلمِ، وأنَّ الملائكةَ لما تبيَّنَ لهم فضلُ آدمَ بعلمهِ عرفُوا بذلك كمالَهُ، وأنه يستحقُّ الإجلالَ والتوقيرَ.
* ومنها: أنَّ مَنْ منَّ اللهُ عليهِ بالعلمِ عليهِ أنْ يعترفَ بنعمةِ اللهِ عليهِ، وأنْ يقولَ كما قالتِ الملائكةُ والرسلُ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وأنْ يتوقَّى التكلمَ بما لا يعلمُ؛ فإنَّ العلمَ أعظمُ المننِ، وشكرُ هذهِ النعمةِ: بالاعترافِ للهِ بها، والثناءِ عليهِ بتعليمِها، وتعليمِ الجهالِ، والوقوفِ على ما عَلِمَهُ العبدُ، والسكوتِ عما لم يعلَمْهُ.
* ومنها: أنَّ اللهَ جعلَ هذهِ القصةَ لنا معتبرًا، وأنَّ الحسدَ والكبرَ والحرصَ من أخطرِ الأخلاقِ على العبدِ، فكِبْرُ إبليسَ وحسدُهُ لآدمَ صيَّرَهُ إلى ما ترَى، وحرصُ آدمَ وزوجهِ حملَهما على تناولِ الشجرةِ، ولولا تداركُ رحمةِ اللهِ لهما لأودَتْ بهما إلى الهلاكِ، ولكنَّ رحمةَ اللهِ تكملُ الناقصَ، وتجبرُ الكسيرَ، وتُنجِي الهالكَ، وترفعُ الساقطَ.
* ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ إذا وقعَ في ذنبٍ أنْ يبادِرَ إلى التوبةِ والاعترافِ، ويقولَ ما قالَهُ الأبوانِ من قلبٍ خالصٍ، وإنابةٍ صادقةٍ؛ فما قصَّ اللهُ علينا صفةَ توبتِهما إلا لنقتديَ بهما، فنفوز بالسعادةِ، وننجو من الهلكةِ.
وكذلكَ ما أخبَرَنا بما قالَهُ الشيطانُ مِنْ توعدِنا وعزمهِ الأكيدِ على إغوائِنا بكلِّ طريقٍ؛ إلا لنستعدَّ لهذا العدوِّ الذي تظاهرَ بهذهِ العداوةِ البليغةِ المتأصلةِ، واللهُ يحبُّ منا أنْ نقاومَهُ بكلِّ ما نقدرُ عليهِ:
• مِنْ تجنبِ طرقهِ وخطواتهِ وفعلِ الأسبابِ التي يُخشى منها الوقوعُ في شباكهِ.
• ومِن عملِ الحصونِ: مِنْ الأورادِ الصحيحةِ، والأذكارِ القلبيةِ، والتعوذاتِ المتنوعةِ.
[ ٢١٩ ]
• ومِن السلاحِ المهلكِ لهُ: مِنْ صدقِ الإيمانِ، وقوةِ التوكلِ على اللهِ.
• ومراغمتهِ في أعمالِ الخيرِ.
• ومقاومةِ وساوسهِ والأفكارِ الرديئةِ التي يدفعُ بها إلى القلبِ كلَّ وقتٍ؛ بما يضادُّها ويبطلُها: من العلومِ النافعةِ، والحقائقِ الصادقةِ.
* ومنها: أنَّ فيها دلالةً لمذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ المثبتينَ للهِ ما أثبتَهُ لنفسهِ من الأسماءِ الحسنَى والصفاتِ كلِّها، لا فرقَ بينَ صفاتِ الذاتِ، ولا بينَ صفاتِ الأفعالِ. ومنها: إثباتُ اليدينِ للهِ كما هوَ في قصةِ آدمَ صريحًا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فلهُ يدانِ حقيقةً، كما أنَّ ذاتَهُ لا تشبهُها الذواتُ، فصفاتهُ تعالى لا تشبهُها الصفاتُ.
[ ٢٢٠ ]