١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٣ - ٤].
لما مَنَّ البارِي على عبادهِ بالنكاحِ قدرًا، وأباحَهُ شرعًا، بلْ أحبَّهُ ورضيَهُ وحثَّ عليهِ؛ لما يترتبُ عليهِ من المصالحِ الكثيرةِ - رتَّبَ عليهِ أحكامًا كثيرةً وحقوقًا متنوعةً، تدورُ كلُّها على الصلاحِ وإصلاحِ أحوالِ الزوجينِ، ودفعِ الضررِ والفسادِ؛ وهيَ من محاسنِ الشريعةِ، والشريعةُ كلُّها محاسنُ، وجلبٌ للمصالحِ، ودرءٌ للمفاسدِ.
* يقولُ تعالى هنا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣] أي: تقومُوا بحقِّ النساءِ اليتامَى اللَّاتي تحتَ حجورِكم وولايتِكم؛ لعدمِ محبتِكم إياهنَّ؛ فاعدلوا إلى غيرهنَّ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: ينبغِي أنْ تختارُوا منهنَّ الطيباتِ في أنفسهنَّ اللَّاتي تطيبُ لكم الحياةُ بالاتصالِ بهنَّ، الجامعاتِ للدِّينِ، والحسبِ، والعقلِ، والآدابِ الحسنةِ، وغيرِ ذلكَ من الأوصافِ الداعيةِ لنكاحهنَّ.
* وفي هذهِ الآيةِ: الحثُّ على الاختيارِ قبلَ الخطبةِ، وأنهُ ينبغِي ألَّا يتزوجَ إلا الجامعةَ للصفاتِ المقصودةِ بالنكاحِ، فإنَّ النكاحَ يُقصدُ لأمورٍ كثيرةٍ:
* مِنْ أهمِّها: كفاءةُ البيتِ والعائلةِ، وحسنُ التدبيرِ، وحسنُ التربيةِ؛ وأهمُّ صفةِ هذا النوعِ: الدينُ والعقلُ.
[ ١٥٧ ]
* ويُقصدُ بهِ: إحصانُ الفرجِ، والسرورُ في الحياةِ، وعمدةُ هذا: حسنُ الأخلاقِ الظاهرةِ، وحسنُ الخلائقِ الباطنةِ.
* ويُقصدُ بهِ: نجابةُ الأولادِ وشرفُهم؛ وأساسُهُ: الحسبُ والنسبُ الرفيعُ؛ ولهذا أباحَ الشارعُ بلْ أمَرَ بالنظرِ لمن يخطِبُها؛ ليكونَ على بصيرةٍ من أمرهِ.
* ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي: مَنْ أحبَّ أنْ يتزوجَ اثنتينِ فليفعَلْ، أو ثلاثًا أو أربعًا فليفعَلْ، ولا يزيدُ على الأربع؛ لأنَّ الآيةَ سيقَتْ للامتنانِ، فلا يجوزُ الزيادةُ على غيرِ ما سمَّى اللهُ إجماعًا؛ وذلكَ أنَّ الرجلَ قدْ لا تندفعُ شهوتهُ بالواحدةِ، أو لا يحصلُ مقصودهُ أو مقاصدهُ بها، كما تقدَّمَ أنَّ النكاحَ لهُ عدةُ مقاصدَ؛ فلهذا أباحَ اللهُ لهُ هذا العددَ؛ لأنَّ في الأربعِ غنيةً لكلِّ أحدٍ، إلا ما ندرَ، ومعَ هذا فإذا خافَ من نفسهِ الجورَ والظلمَ بالزيادةِ على الواحدةِ؛ فليقتصِرْ على الواحدةِ، أو على ملكِ يمينهِ التي لا يجبُ عليهِ لها قسمٌ كالزوجاتِ.
* ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الاقتصارُ على واحدةٍ من الزوجاتِ، أو ما ملكَتِ اليمينُ، ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: تظلمُوا وتجورُوا.
ويُستفادُ من هذا المعنى: أنَّ تعرُّضَ العبدِ للأمرِ الذي يخافُ منهُ الجور والظلم، وعدم القيامِ بالواجبِ ولوْ كان مباحًا؛ لا ينبغِي لهُ أنْ يتعرَّضَ لهُ، بلْ يلزمُ السعةَ والعافيةَ؛ فإنَّ العافيةَ خيرُ ما أُعطِيَ العبدُ.
* ولما كان كثيرٌ من الناسِ يظلمونَ النساءَ، ويهضمونهنَّ حقوقهنَّ، وخصوصًا الصَّدَاقَ الذي يكونُ شيئًا كثيرًا دفعةً واحدةً يشقُّ عليهم - حَثَّهم على إيتاءِ النساءِ ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي: مهورهنَّ، ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عن حالِ طمأنينةٍ وطيبِ نفسٍ، من غيرِ مَطلٍ ولا بخسٍ منهُ شيئًا. وفيهِ:
[ ١٥٨ ]
* أنَّ المهرَ للمرأةِ.
* وأنهُ يُدفَعُ إليها أو إلى وكيلِها إنْ كانتْ رشيدةً، أو إلى وليِّها إنْ لم تكنْ رشيدةً.
* وأنها تملكُهُ بالعقدِ؛ لأنهُ أضافَهُ إليها وأمَرَ بإعطائهِ لها، وذلكَ يقتضي الملكَ.
* ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٤] أي: من الصَّداقِ، ﴿نَفْسًا﴾ بإسقاطِ شيءٍ منه، أو تأخيرهِ، أو المحاباةِ في التعوُّضِ عنه، ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ لا تبعةَ عليكم فيه ولا حرجَ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ للمرأةِ الرشيدةِ التصرفَ في مالِها، ولوْ بالتبرعِ، وأنهُ ليسَ لوليِّها من الصَّدَاقِ شيءٌ، إلا ما طابَتْ نفسُها بهِ إذا كانتْ رشيدةً.
* ويؤخَذُ من الأمرِ بنكاحِ ما طابَ من النساءِ: تحريمُ نكاحِ الخبيثةِ التي لا يحلُّ للمسلمِ نكاحُها، وهيَ الكافرةُ غيرُ الكتابيةِ، وكذلكَ الزانيةُ حتى تتوبَ كما نصَّ اللهُ على الثنتينِ.
* وفي هذهِ الآيةِ: دليلٌ على أنهُ لابدَّ في النكاحِ من صَداقٍ، وأنهُ يجوزُ في الكثيرِ واليسيرِ؛ للعمومِ، وأنهُ لا يباحُ لأحدٍ أنْ يتزوجَ بدونِ صَداقٍ، وإنْ لم يُسمَّ فمهرُ المثلِ، إلا النبيَّ ﷺ فإنَّ لهُ ذلكَ خاصةً، كما قالَ تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
* وفي قولهِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]: دليلٌ على اعتبارِ الوليِّ في النكاحِ، وهوَ العاصبُ، ويقدَّمُ منهم الأقربُ فالأقربُ، فإنْ تعذَّرَ الوليُّ القريبُ والبعيدُ؛ لعدمٍ، أو جهلٍ، أو غيبةٍ طويلةٍ؛ قامَ الحاكمُ مقامَ الوليِّ، فالسلطانُ والحاكمُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها مِنْ النساءِ.
[ ١٥٩ ]
٢ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] إلى قولهِ: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
* كان أهلُ الجاهليةِ إذا ماتَ أحدُهم وُرِثَتْ زوجتهُ عنهُ كما يُورَثُ مالهُ، فرأى قريبهُ -كأخيهِ وابنِ عمهِ- أنهُ أحقُّ بها من نفسِها، ويحجرُها عن غيرهِ، فإنْ رضِيَ بها تزوَّجَها على غيرِ صَداقٍ، أو على صَداقٍ يحبهُ هوَ دونَها، وإنْ لم يرضَ بزواجِها عضَلَها ومنعَها من الأزواجِ إلا بعِوضٍ من الزوجِ أو منها.
وكان منهم أيضًا مَنْ يعضلُ زوجتَهُ التي هيَ في حبالهِ، فيمنعُها من حقوقِها، ومن التوسعةِ لها؛ لتفتديَ منهُ.
فنهَى اللهُ المؤمنينَ عن هذهِ الأحوالِ القبيحةِ الجائرةِ، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] كالزِّنَى والكلامِ الفاحشِ وأذيتِها لزوجِها ومَن يتصلُ بهِ؛ فيجوزُ في هذهِ الحالِ أنْ يعضلَها مقابلةً لها على فعلِها؛ لتفتديَ منهُ؛ فإنَّ هذا الافتداءَ بحقٍّ لا بظلمٍ.
* ثم قالَ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا يشملُ المعاشرةَ القوليةَ والفعليةَ، فعلى الزوجِ أنْ يعاشرَ زوجتَهُ ببذلِ النفقةِ والكسوةِ والمسكنِ اللائقِ بحالهِ، ويصاحبُها صحبةً جميلةً؛ بكفِّ الأذَى، وبذلِ الإحسانِ، وحسنِ المعاملةِ والخلقِ، وألَّا يمطُلَها بحقِّها، وهيَ كذلكَ عليها ما عليهِ من العشرةِ.
وكلُّ ذلكَ يتبعُ العرفَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وحالٍ ما يليقُ بهِ، قالَ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
[ ١٦٠ ]
* وقولهُ: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: ينبغِي لكم -يا معشرَ الأزواجِ- أنْ تمسكُوا زوجاتِكم ولوْ كرهتموهنَّ؛ فإنَّ في ذلكَ خيرًا كثيرًا:
* منها: امتثالُ أمرِ اللهِ ورسولهِ الذي فيه سعادةُ الدنيا والآخرةِ.
* ومنها: أنَّ إجبارَهُ نفسَهُ، ومجاهدتَهُ إياها، معَ عدمِ محبةِ زوجتهِ؛ تمرينٌ على التخلقِ بالأخلاقِ الجميلةِ.
* وربما زالتِ الكراهةُ، وخلفَتْها المحبةُ.
* وربما زالتِ الأسبابُ التي كرهَها لأجلِها.
* وربما رُزِقَ منها ولدًا صالحًا نفعَ اللهِ بهِ والدَيْهِ في الدنيا والآخرةِ.
ولابدَّ لهذهِ الكراهةِ من أسبابٍ من الزوجةِ.
فينبغِي إذا كرِهَ منها خُلقًا لَحِظَ بقيةَ أخلاقِها، وما فيها من المقاصدِ الأخرِ، ويجعلُ هذا في مقابلةِ هذا، وهذا عنوانُ الإنصافِ والرأيِ الأصيلِ؛ فإنَّ النَّزِقَ الطائشَ الذي ليسَ عندهُ إنصافٌ يلاحظُ بعضَ أغراضهِ النفسيةِ، فإذا لم يأتِ على ما يريدُ أهدرَ المحاسنَ والمناقبَ الأخرَ، وهذا لا يكادُ يصفُو لهُ خِلٌّ في حياتهِ؛ لا زوجةٌ، ولا صاحبٌ، ولا حبيبٌ؛ بلْ هوَ سريعُ التقلبِ.
أمَّا الرجلُ الحازمُ الوفيُّ الذكيُّ فإنهُ يوازِنُ بينَ الأمورِ، ويقدِّمُ الحقَّ السابقَ، ويفِي بالسوابقِ، ويكون نظرُهُ للمحاسنِ أرجحَ من نظرهِ للمساوئِ.
فإنْ وصَلَ إلى الدرجةِ العاليةِ التي لا يصلُ إليها إلا أفرادٌ من كُمَّلِ الرجالِ؛ جعَلَ المحاسنَ نصبَ عينيهِ، وأغضَى عن المساوئِ بالكليةِ، وعفا عنها للهِ ولحقِّ صاحبِ
[ ١٦١ ]
الحقِّ، فهذا قدْ كسبَ الأجرَ والراحةَ والخلقَ الذي لا يُلحَقُ، وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ.
* وهذا الصبرُ المأمورُ بهِ إنما هوَ معَ الإمكانِ، فإنْ كان لابدَّ من الفراقِ، ولم يبقَ للصبرِ والإمساكِ موضعٌ؛ فاللهُ قدْ أباحَ الفراقَ؛ فلهذا قالَ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] أي: فلا حرجَ عليكم، ولكن إذا آتيتُم ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ أي: الزوجةَ السابقةَ أو اللاحقةَ، ﴿قِنْطَارًا﴾ وهو المالُ الكثيرُ، ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ بلْ وفِّروهُ لهنَّ، ولا تمطلوهنَّ.
وهذا يدلُّ على جوازِ إعطاءِ النساءِ من المهورِ وغيرِها المالَ الكثيرَ، وأنها بذلكَ تملكُهُ، ولكنَّ الأكملَ والأفضلَ التساهلُ في المهورِ؛ اقتداءً بالنبيِ ﷺ، وتسهيلًا للنكاحِ ولطرقهِ، وبراءةً للذممِ.
* ثم ذكَرَ الحكمةَ في تحريمِ أخذِ الزوجِ ما أعطاه لزوجتهِ، فقال: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١].
وبيان ذلكَ: أنَّ الأنثَى قبلَ عقدِ النكاحِ محرمةٌ على الزوجِ، وهيَ لم ترضَ بهذا الحلِّ إلا بالعقدِ والميثاقِ الغليظِ الذي عُقِدَ على ذلكَ العِوضِ المشروطِ، فإذا دخَلَ عليها وباشرَها، وأفضَى إليها وأفضَتْ إليهِ، وباشرَها المباشرةَ التي كانتْ قبلَ هذهِ الأمورِ حرامًا؛ فقدْ استوفَى المعوَّضَ؛ فثبتَ عليهِ العِوضُ تامًّا، فكيفَ يستوفِي المعوَّضَ ثم يرجعُ على العِوضِ؟! لا ريبَ أنَّ هذا من المنكراتِ القبيحةِ شرعًا وعقلًا وفطرةً.
[ ١٦٢ ]
٣ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، ثم عدَّدَ المحرماتِ إلى أنْ قالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
* قدْ استوفَى البارِي المحرماتِ في النكاحِ في هذهِ الآياتِ في النسبِ والرضاعِ والمصاهرةِ:
* أمَّا المحرماتُ بالمصاهرةِ: فإذا تزوجَ الرجلُ امرأةً ترتبَ على هذا الزواجِ أربعةُ أحكامٍ:
• تحريمُ هذهِ الزوجةِ على أولادهِ وإنْ نزلوا نسبًا ورضاعًا.
• وتحريمُها على آبائهِ وإنْ علَوا نسبًا ورضاعًا.
• وحرمَتْ عليهِ أمُّها في الحالِ.
• وأمَّا بنتُها فإن كان قدْ دخَلَ بزوجتهِ حرمَتْ أيضًا، وصارَتْ ربيبةً، لا فرقَ بينَ بنتِها من زوجٍ سابقٍ لهُ، أو من زوجٍ خلفَهُ عليها.
* وأمَّا المحرماتُ بالنسبِ:
• فتحرمُ الأمهاتُ، وهنَّ كلُّ أنثَى لها عليكَ ولادةٌ، وهيَ التي تخاطبُها بالأمِّ والجدةِ وإنْ علَتْ من كلِّ جهةٍ.
• وتحرمُ البناتُ، وهنَّ كلُّ أنثى تخاطبُكَ بالأبوةِ أو بالجدودةِ من بناتِ الابنِ وبناتِ البناتِ وإنْ نزلْنَ.
• وتحرمُ الأخواتُ شقيقاتٍ كنَّ أو لأبٍ أو لأمٍّ.
• وبناتُ الإخوةِ وبناتُ الأخواتِ مطلقًا.
[ ١٦٣ ]
• وتحرمُ العمَّاتُ والخالاتُ، وهنَّ كلُّ أختٍ لأحدِ آبائِكَ وإنْ علا، أو أحدِ أمهاتِكَ وإنْ علوْنَ.
وما سوى ذلكَ من الأقاربِ حلالٌ: كبناتِ الأعمامِ، وبناتِ العماتِ، وبناتِ الأخوالِ، وبناتِ الخالاتِ.
ولهذا ذكرَ اللهُ هذا الحلَّ والتحريمَ المهمَّ في موضعينِ:
- في هذا الموضعِ صرَّحَ بالمحرماتِ السبعِ وقالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
- وفي سورةِ (الأحزاب) أتَى بها بأسلوبٍ آخرَ، فقالَ في الحلِّ: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي: فهنَّ حلالٌ، ومَن عداهنَّ من الأقاربِ حرامٌ.
* وأمَّا المحرماتُ بالرضاعِ: فإنهنَّ نظيرُ المحرماتِ بالنسبِ من جهةِ المرضعةِ وصاحبِ اللبنِ:
• فالمرضعةُ أمٌّ للرضيعِ، وأمهاتُها جداتُهُ، وإخوتُها وأخواتُها أخوالهُ وخالاتهُ، وأولادُها إخوتهُ وأخواتهُ، وهوَ عمٌّ لأولادِهم أو خالٌ؛ وكذلكَ صاحبُ اللبنِ.
• وأمَّا الانتشارُ من جهةِ الطفلِ الراضعِ فلا ينتشرُ التحريمُ لأحدٍ من أقاربهِ، إلا لذريتهِ فقطْ.
* وتقييدُ الآيةِ في الربيبةِ بقولهِ: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]: بيانٌ لأغلبِ أحوالِها، ولبيانِ أعلى حكمةِ تناسبُ حكمةَ التحريمِ، وأنها إذا كانتْ في حجرِكَ بمنزلةِ بناتِكَ لا يليقُ إلا أنْ تكونَ من محارمِكَ.
[ ١٦٤ ]
* وتقييدُها الآخرُ بقولهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]: يخرِجُ ابنَ التبني، لا يخرِجُ ابنَ الرضاعِ في قولِ جمهورِ العلماءِ.
* ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ذوات الأزواجِ، فكلُّ أنثى في عصمةِ زوجٍ أو في بقيةِ عدتهِ لا تحلُّ لغيرهِ؛ لأنَّ الأبضاعَ ليستْ محلَّ اشتراكٍ، بلْ قُصِدَ تمييزُها التامُّ؛ ولهذا شرعَتِ العدةُ والاستبراءُ، ونحوُ ذلكَ.
* وقولهُ: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] المرادُ بهذا الملْكِ: ملكُ السَّبْيِ، إذا سُبيتِ المرأةُ ذاتُ الزوجِ من الكفارِ في القتالِ الشرعيِّ حلَّتْ للمسلمينَ، ولكنْ بعدَ الاستبراءِ أو العدةِ، فزوجُها الحربيُّ الذي في دارِ الحربِ لم يبقَ لهُ فيها حقٌّ، ولا لهُ حرمةٌ، فلهذا حلَّتْ للمسلمينَ كما حلَّ لهم مالهُ ودمهُ؛ لأنهُ ليسَ لهُ عهدٌ ولا مهادنةٌ.
* وقولهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما سِوَى ما نصَّ اللهُ على تحريمهِ: سبعٌ بالنسبِ، وسبعٌ بالرضاعِ، وأربعٌ بالصهرِ؛ فما عداهنَّ فإنهُ حلالٌ، إلا أنهُ حرَّمَ تعالى الجمعَ بينَ الأختينِ، وحرَّمَ النبيُّ ﷺ الجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، وحرَّمَ على الأحرارِ نكاحَ المملوكاتِ؛ لما فيه من إرقاقِ الولدِ، ولما فيه من الدناءةِ والضررِ العائدِ للأولادِ؛ لتنازعِ الملاكِ، وتنقلاتِ الأرقاءِ، لكنْ إذا رجحَتْ مصلحةُ الإباحةِ فقدْ أباحَهُ اللهُ بشرطِ:
* المشقةِ لحاجةِ متعةٍ أو خدمةٍ.
* وألَّا يقدرَ على الطَّولِ للحرةِ.
* وأنْ تكونَ الأمةُ مؤمنةً بإذنِ أهلِها.
فعندَ اجتماعِ هذهِ الشروطِ كلِّها يحلُّ للحرِّ نكاحُ الإماءِ.
[ ١٦٥ ]
٤ - وقولهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
* هذا خبرٌ وأمرٌ، أي: الرجالُ قوَّامونَ على النساءِ في أمورِ الدينِ والدنيا، يلزمونهنَّ بحقوقِ اللهِ، والمحافظةِ على فرائضهِ، ويكفونهنَّ عن جميعِ المعاصِي والمفاسدِ، وبتقويمهنَّ بالأخلاقِ الجميلةِ والآدابِ الطيبةِ، وقوَّامونَ أيضًا عليهنَّ بواجباتهنَّ: من النفقةِ، والكسوةِ، والمسكنِ، وتوابعِ ذلكَ.
* ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: ذلكَ بسببِ فضلِ الرجالِ عليهنَّ وإفضالِهم عليهنَّ، فتفضيلُ الرجالِ على النساءِ من وجوهٍ متعددةٍ:
* من كونِ الولاياتِ كلِّها مختصةً بالرجالِ، والنبوةِ والرسالةِ (^١).
* وباختصاصِهم بالجهادِ البدنيِّ.
* ووجوبِ الجماعةِ والجمعةِ، ونحوِ ذلكَ.
* وبما تميزوا بهِ عن النساءِ: من العقلِ، والرزانةِ، والحفظِ، والصبرِ، والجلدِ، والقوةِ التي ليست للنساءِ.
* وكذلكَ يدهُ هيَ العليا عليها بالنفقاتِ المتنوعةِ، بلْ وكثيرٌ من النفقاتِ الأخرِ والمشاريعِ الخيريةِ، فإنَّ الرجالَ يفضلونَ النساءَ بذلكَ كما هوَ مشاهدٌ.
_________________
(١) أي: وكذلك النبوة والرسالة مختصة بالرجال.
[ ١٦٦ ]
ولهذا حُذِفَ المتعلقُ في قولهِ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ليدلَّ على هذا التعميمِ.
فعُلِمَ من ذلكَ أنَّ الرجلَ كالوالي والسيدِ على امرأتهِ، وهيَ عندَهُ أسيرةٌ عانيةٌ تحتَ أمرهِ وطاعتهِ؛ فليتقِ اللهَ في أمرِها، وليقوِّمْها تقويمًا ينفعهُ في دينهِ ودنياهُ، وفي بيتهِ وعائلتهِ؛ يجِد ثمراتِ ذلكَ عاجلًا وآجلًا، وإلَّا يفعل فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ.
* وهنَّ قسمانِ:
* قسمٌ هنَّ أعلى طبقاتِ النساءِ، وخيرُ ما حازَهُ الرجالُ، وهنَّ المذكوراتُ في قولهِ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أي: مطيعاتٌ للهِ ولأزواجهنَّ، قدْ أدَّتِ الحقَّينِ، وفازَتْ بكفلَينِ من الثوابِ، حافظاتٌ أنفسهنَّ من جميعِ الريبِ، وحافظاتٌ لأمانتهنَّ ورعايةِ بيوتهنَّ، وحافظاتٌ للعائلةِ بالتربيةِ الحسنةِ، والأدبِ النافعِ في الدينِ والدنيا.
وعليهنَّ بذلُ الجهدِ والاستعانةُ باللهِ على ذلكَ؛ فلهذا قالَ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: إذا وفقْنَ لهذا الأمرِ الجليلِ فليحمدْنَ اللهَ على ذلكَ، ويعلمْنَ أنَّ هذا من حفظهِ وتوفيقهِ وتيسيرهِ لها؛ فإنَّ مَنْ وُكِّلَ إلى نفسهِ فالنفسُ أمارةٌ بالسوءِ، ومَن شاهَدَ منةَ اللهِ، وتوكَّلَ على اللهِ، وبذلَ مقدورَهُ في الأعمالِ النافعةِ؛ كفاهُ اللهُ ما أهمَّهُ، وأصلحَ لهُ أمورَهُ، ويسَّرَ لهُ الخيرَ، وأجراهُ على عوائدهِ الجميلةِ.
* والقسمُ الثاني: هنَّ الطبقةُ النازلةُ من النساءِ، وهنَّ بضدِّ السابقاتِ في كلِّ خصلةٍ، اللَّاتي من سوءِ أخلاقهنَّ وقبحِ تربيتهنَّ تترفَّعُ على زوجِها، وتعصيهِ في الأمورِ الواجبةِ والمستحبةِ، فأَمَرَ اللهُ بتقويمهنَّ بالأسهلِ فالأسهلِ، فقالَ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أي: بيِّنُوا لهنَّ حكمَ اللهِ ورسولهِ في وجوبِ طاعةِ الأزواجِ، ورغبوهنَّ في ذلكَ بما يترتبُ عليهِ من الثوابِ، وخوفوهنَّ معصيةَ الأزواجِ،
[ ١٦٧ ]
وذكروهنَّ ما في ذلكَ من العقابِ، وما يترتبُ عليهِ من قطعِ حقوقِها، وإباحةِ هجرِها وضربِها.
فإنْ تقومْنَ بالوعظِ والتذكيرِ فذلكَ المطلوبُ، وحصلَ الاتفاقُ الذي لا يشوبهُ مكدِّرٌ، فإنْ لم يفدِ التذكيرُ فاهجروهنَّ في المضاجعِ، بألَّا ينامَ عندَها، ولا يباشرَها بجماعٍ ولا غيرهِ؛ لعلَّ الهجرَ ينجعُ فيها، وذلكَ بمقدارِ ما يحصلُ بهِ المقصودُ فقطْ، فإنَّ القصدَ بالهجرِ نفعُ المهجورِ وأدبُهُ، ليسَ الغرضُ منهُ شفاءَ النفسِ كما يفعلهُ مَنْ لا رأيَ لهُ إذا خالفتْهُ زوجتُهُ أو غيرُها، ولم يحصِّلْ مقصودَهُ، هَجَرَ هجرًا مستمرًا، أي: بقِيَ متأثرًا بذلكَ، عاتبًا على مَنْ لم يواتِهِ على ما يحبُّ، ووصلَتْ بهِ الحالُ إلى الحقدِ الذي هوَ من الخصالِ الذميمةِ؛ فهذا ليسَ من الهجرِ الجميلِ النافعِ، وإنما هوَ من الحقدِ الضارِّ بصاحبهِ، الذي لا يحصلُ بهِ تقويمٌ ولا مصلحةٌ.
فإنْ نفَعَ الهجرُ للزوجةِ، وإلَّا انتقَلَ إلى ضربِها ضربًا خفيفًا غيرَ مبرحٍ، فإنْ حصلَ المقصودُ، ورجعَتْ إلى الطاعةِ، وتركَتِ المعصيةَ؛ عادَ الزوجُ إلى عشرتِها الجميلةِ، ولا سبيلَ لهُ إلى غيرِ ذلكَ من أذيتِها؛ لأنها رجعَتْ إلى الحقِّ. وهذا الدواءُ لكلِّ عاصٍ ومجرمٍ: أنَّ الشارعَ رغبَهُ إذا ترَكَ إجرامَهُ عادَ حقُّهُ الخاصُّ والعامُّ، كما في حقِّ التائبِ من الظلمِ وقطعِ الطريقِ وغيرِها، فكيفَ الزوجُ معَ زوجتهِ؟!
* وفي هذهِ الآيةِ ونحوِها فائدةٌ نافعةٌ: وهيَ أنهُ ينبغي لمنْ عادَ إلى الحقِّ ألَّا يذكرَ الأمورَ السالفةَ؛ فإنَّ ذلكَ أحرَى للثباتِ على المطلوبِ، فإنَّ تذكيرَ الأمورِ الماضيةِ ربما أثارَ الشرَّ؛ فانتكسَ المرضُ، وعادتِ الحالُ إلى أشدَّ من الأولى.
[ ١٦٨ ]
٥ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥].
* هذهِ حالةٌ أخرى غيرُ الحالةِ السابقةِ التي يمكنُ الزوجُ معالجتَها، وهذهِ إذا استطارَ الشرُّ بينَ الزوجينِ، وبلغَتِ الحالُ إلى الخصامِ وعدمِ الالتئامِ، ولم ينفَعْ في ذلكَ وعظٌ ولا كلامٌ.
* ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾:
* عدلَينِ عاقلَينِ، يعرفانِ الجمعَ والتفريقَ، ويفهمانِ الأمورَ كما ينبغِي؛ فإنَّ الحَكَمَ لابدَّ أنْ يتصفَ بهذهِ الأوصافِ.
* فيبحثانِ في الأسبابِ التي أدَّتْ بهما إلى هذهِ الحالِ، ويسألانِ كلًّا منهما ما ينقمُ على صاحبهِ.
* ويزيلانِ ما يقدرانِ عليهِ من المعتبةِ؛ بترغيبِ الناقمِ على الآخرِ بالإغضاءِ عن الهفواتِ واحتمالِ الزلَّاتِ، وإرشادِ الآخرِ إلى الوعدِ بالرجوعِ، وإرشادِ كلٍّ منهما إلى الرضَا والنزولِ عن بعضِ حقهِ؛ فكم حصَلَ بهذا الطريقِ من المصالحِ شيءٌ كثيرٌ!
* وإنْ أمكنَهما إلزامُ المتعصبِ على الباطلِ منهما بالحقِّ فعلَا.
* ومهما وجدَا طريقًا إلى الإصلاحِ والاتفاقِ والملاءمةِ بينَهما لم يعدِلا عنها: إمَّا بتنازلٍ عن بعضِ الحقوقِ، أو ببذلِ مالٍ، أو غيرِ ذلكَ.
* فإنْ تعذرَتِ الطرقُ كلُّها، ورأيَا أنَّ التفريقَ بينَهما أصلحُ لتعذرِ الملاءمةِ؛ فرَّقَا بينَهما بما تقتضِيهِ الحالُ بعِوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، ولا يشترطُ في هذا رضا الزوجِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهما حكمَينِ لا وكيلَينِ، ومَن قالَ إنهما وكيلانِ اشترطَ في التفريقِ رضا الزوجِ، ولكنَّ هذا القولَ ضعيفٌ.
[ ١٦٩ ]
* ولمحبة البارِي للاتفاقِ بينَهما وترجيحهِ على الآخرِ قالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بسببِ الرأيِ الميمونِ، والكلامِ اللطيفِ، والوعدِ الجميلِ الذي يجذبُ القلوبَ، ويؤثرُ فيها.
* ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالسرائرِ والظواهرِ مطلعًا على الخفايا، فمن كمالِ علمهِ وحكمتهِ شرَعَ لكم هذهِ الأحكامَ الجليلةَ التي هيَ الطريقُ الوحيدُ إلى القيامِ بالحقوقِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
[ ١٧٠ ]
٦ - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].
* هذهِ حالةٌ من أحوالِ الزوجينِ غيرُ الأحوالِ السابقةِ؛ لأنَّ الحالتينِ السابقتينِ: حالةُ نشوزِ الزوجةِ، وحالةُ وقوعِ الخصامِ واستطارةِ الشرِّ بينَهما؛ وهذهِ إذا كان الزوجُ هوَ الراغبُ عن زوجتهِ، إما عدمَ محبةٍ وإما طمعًا، فأرشدَ اللهُ في هذهِ الحالِ إلى الطريقِ الذي تستقيمُ بهِ الأمورُ، وهوَ طريقُ الصلحِ من المرأةِ أو وليِّها ليعودَ الزوجُ إلى الاستقامةِ، بأنْ تسمحَ المرأةُ عن بعضِ حقِّها اللازمِ لزوجِها على شرطِ البقاءِ معهُ، وأنْ يعودَ إلى مقاصدِ النكاحِ أو بعضِها، كأن ترضَى ببعضِ النفقةِ أو الكسوةِ أو المسكنِ، أو تُسقطُ حقَّها من القسمِ، أو تهبُ يومَها وليلتَها لزوجِها أو لضرتِها بإذنهِ.
فمتى اتفقَا على شيءٍ من ذلكَ فلا حرجَ ولا بأسَ، وهوَ أحسنُ من [المقاضاةِ] (^١) في الحقوقِ المؤديةِ إلى الجفاءِ أو إلى الفراقِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وهذا أصلٌ عظيمٌ في جميعِ الأشياءِ، وخصوصًا في الحقوقِ المتنازعِ فيها، أنَّ المصالحةَ فيها خيرٌ من استقصاءِ كلٍّ منهما على حقهِ كلِّهِ؛ لما في الصلحِ من بقاءِ الألفةِ، والاتصافِ بصفةِ السماحِ، وهوَ جائزٌ بينَ المسلمينَ في كلِّ الأبوابِ، إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا.
* واعلَمْ أنَّ كلَّ حكمٍ من الأحكامِ لا يتمُّ ولا يكملُ إلا بوجودِ مقتضيهِ وانتفاءِ موانعهِ، فمِن ذلكَ هذا الحكمُ الكبيرُ الذي هوَ الصلحُ:
_________________
(١) في (خ) و(ط): المقاصاة. ولعل المثبت هو الصواب.
[ ١٧١ ]
* فذَكَر تعالى المقتضِي لذلك، فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والخيرُ كلُّ عاقلٍ يطلبهُ ويرغبُ فيه، فإنْ كان معَ ذلكَ قدْ أمرَ اللهُ بهِ وحثَّ عليهِ ازدادَ المؤمنُ طلبًا لهُ ورغبةً فيه.
* وذكَرَ المانعَ بقولهِ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: جبلَتِ النفوسُ على الشحِّ، وهوَ: الاستئثارُ والتفردُ في الحقوقِ، وعدمُ الرغبةِ في بذلِ ما على الإنسانِ، والحرصُ على الحقِّ الذي لهُ. فالنفوسُ مجبولةٌ على ذلكَ طبعًا، أي: فينبغِي لكم أنْ تحرصُوا على قلعِ هذا الخلقِ الدنيءِ من نفوسِكم، وتقليلهِ وتلطيفهِ، وتستبدلُوا بهِ ضدَّهُ، وهوَ السماحةُ ببذلِ جميعِ الحقوقِ التي عليكَ، والاقتناعُ ببعضِ الحقِّ الذي لكَ، والإغضاءُ عن التقصيرِ.
فمتى وُفِقَ العبدُ لهذا الخلقِ الطيبِ سَهُلَ عليهِ الصلحُ بينَهُ وبينَ كلِّ مَنْ بينَهُ وبينَهُ منازعةٌ ومعاملةٌ، وتسهلَتِ الطريقُ الموصلةُ إلى المطلوبِ، ومَن لم يكنْ بهذا الوصفِ تعسَّرَ الصلحُ أو تعذرَ؛ لأنهُ لا يرضيهِ إلا جميعُ ما لهُ كاملًا مكملًا، ولا يهونُ عليهِ أنْ يؤديَ ما عليهِ، فإنْ كان خصمُهُ مثلَهُ اشتدَ الأمرُ.
* ثم قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تحسنُوا في عبادةِ الخالقِ، والإحسانُ أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراك؛ وتحسنوا إلى المخلوقينَ بكلِّ إحسانٍ قوليٍّ أو فعليٍّ، وتتقوا اللهَ بفعلِ جميعِ المأموراتِ، وتركِ جميعِ المحظوراتِ، أو تحسنُوا بفعلِ المأمورِ، وتتقوا بتركِ المحظورِ.
* ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازِيكم على قيامِكم بالإحسانِ والتقوَى، أو على عدمِ ذلكَ بالجزاءِ بالفضلِ والعدلِ.
[ ١٧٢ ]
٧ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩].
* يخبرُ تعالى أنهُ ليسَ في قدرةِ الأزواجِ العدلُ التامُّ بينَ زوجاتِهم؛ فإنَّ العدلَ التامَّ يقتضي أنْ يكونَ الداعِي والحبُّ على السواءِ، والميلُ القلبيُّ على السواءِ، ويقتضي معَ ذلكَ الإيمانَ الصادقَ، والرغبةَ في مكارمِ الأخلاقِ؛ للعملِ بمقتضى ذلكَ، وهذا متعذرٌ غيرُ ممكنٍ؛ فلذلكَ عذرَ اللهُ الأزواجَ وعفا عنهم عما لا يقدرونَ عليهِ، ولكنهُ أمرَهُم بالعدلِ الممكنِ فقالَ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: لا تميلُوا إلى إحداهنَّ عن الأخرى ميلًا كثيرًا، بحيثُ لا تؤدونَ حقوقهنَّ الواجبةَ، بل افعلُوا مستطاعَكم من العدلِ، فالنفقةُ والكسوةُ والقسمُ في المبيتِ والفراشِ ونحوُ ذلكَ مقدورٌ، فعليكم العدل فيها بينهنَّ، بخلافِ الحبِّ والوطءِ وتوابعِ ذلكَ؛ فالعبدُ لا يملكُ نفسَهُ؛ فعذرَهُ اللهُ.
* وقولهُ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني: أنَّ الزوجَ إذا مالَ عن زوجتهِ وزهدَ فيها ولم يقُمْ بحقوقِها الواجبةِ، وهيَ في حبالهِ أسيرةٌ عندَهُ؛ صارَتْ كالمعلقةِ التي لا زوجَ لها فتستريحُ، ولا ذاتَ زوجٍ يقومُ بحقوقِها.
* ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾: فيما بينَكم وبينَ زوجاتِكم بوجهٍ من وجوهِ الصلحِ كما تقدَّمَ، وبمجاهدةِ أنفسِكم على فعلِ ما لا تهواهُ النفسُ؛ احتسابًا وقيامًا بحقِّ الزوجةِ، وتصلحُوا أيضًا فيما بينَكم وبينَ الناسِ فيما تنازعتُم بهِ من الحقوقِ، وتتقُوا اللهَ بامتثالِ أمرهِ واجتنابِ نهيهِ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩].
* ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] يعني: إذا تعذَّرَ الاتفاقُ والالتئامُ فلا بأسَ بالفراقِ، فقالَ: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ أي: بفسخٍ أو
[ ١٧٣ ]
طلاقٍ أو خلعٍ أو غيرِ ذلكَ، ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ من الزوجَينِ، ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ أي: من فضلهِ وإحسانهِ العامِّ الشاملِ:
* فيُغنِي الزوجَ بزوجةٍ خيرٍ لهُ منها.
* ويُغنِيها من فضلهِ برزقٍ من غيرِ طريقهِ، فإنها وإنْ توهمَتْ أنهُ إذا فارقَها زوجُها المنفِقُ عليها القائمُ بمؤنتِها ينقطعُ عنها الرزقُ، فسوفَ يغنيها اللهُ من فضلهِ؛ فإنَّ رزقَها ليسَ على الزوجِ ولا على غيرهِ، بلْ على المتكفلِ القائمِ بأرزاقِ الخليقةِ كلِّها، وخصوصًا مَنْ تعلَّقَ قلبهُ بهِ ورجاهُ رجاءً قلبيًّا طامعًا في فضلهِ كلَّ وقتٍ؛ فإن اللهَ عندَ ظنِّ عبدهِ بهِ، ولعلَّ اللهَ يرزقُها زوجًا خيرًا لها منهُ وأنفعَ.
* ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ أي: واسعَ الرحمةِ كثيرَ الإحسانِ، ﴿حَكِيمًا﴾ في وضعهِ الأمورَ مواضعَها.
* وفي الآيةِ: تنبيهٌ على أنهُ ينبغِي للعبدِ أنْ يعلِّقَ رجاءَهُ باللهِ وحدَهُ، وأنَّ اللهَ إذا قدَّرَ لهُ سببًا من أسبابِ الرزقِ والراحةِ أنْ يحمدَهُ على ذلكَ، ويسألَهُ أنْ يباركَ فيه لهُ، فإنْ انقطعَ أو تعذَّرَ ذلكَ السببُ فلا يتشوشُ قلبُهُ، فإنَّ هذا السببَ من جملةِ أسبابٍ
لا تُحصَى، لا يتوقفُ رزقُ العبدِ على ذلكَ السببِ المعينِ، بلْ يفتحُ لهُ سببًا غيرَهُ أحسنَ منهُ وأنفعَ، وربما فتَحَ لهُ عدةَ أسبابٍ، فعليه في أحوالهِ كلِّها أنْ يجعلَ فضلَ ربهِ، والطمعَ في برهِ نصبَ عينيهِ وقبلةَ قلبهِ، ويُكثرَ من الدعاءِ المقرونِ بالرجاءِ؛ فإن اللهَ يقولُ على لسانِ نبيهِ: «أنا عندَ ظنِّ عبدِي بي، فإنْ ظنَّ بي خيرًا فلهُ، وإنْ ظنَّ بي شرًّا فلهُ» (^١)، وقالَ: «إنَّكَ ما دعوتَنِي ورجوتَنِي غفرتُ لكَ على ما كان منكَ ولا أبالي» (^٢).
_________________
(١) مسند أحمد (١٥/ ٣٦ رقم ٩٠٧٦). وأصله عند البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) الترمذي (٣٥٤٠).
[ ١٧٤ ]
فصل
١ - قالَ اللهُ تعالى في أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قولهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآيات.
* ذكَرَ اللهُ أحكامَ الفراقِ كما ذكرَ أحكامَ النكاحِ والدخولِ فيه: تقدَّمُ أنهُ تعالى حثَّ الزوجَ على الصبرِ على زوجتهِ ما دامَ متمكنًا من الصبرِ، وفي هذا ذكَرَ اللهُ أنهُ إذا كان لابدَّ لهُ من الطلاقِ فعليهِ أنْ يطلقَ زوجتَهُ لعدتِها، أي: لتستقبِلَ عدَّتَها، وذلكَ أنْ يطلقَها مرةً واحدةً في طهرٍ لم يجامِعْها فيه، أو يطلقَها وهيَ حاملٌ قدْ تبيَّنَ حملُها، أو وهيَ آيسةٌ أو صغيرةٌ؛ لأنها في هذهِ الأحوالِ كلِّها تبتدئُ بالعدةِ البينةِ الواضحةِ.
فمَن طلَّقَها أكثرَ من واحدةٍ، أو وهيَ حائضٌ أو نفساءُ، أو في طهرٍ قدْ وَطِئَ فيه، ولم يتبيَّنْ حملُها؛ فإنهُ آثمٌ متعدٍّ لحدودِ اللهِ.
* وإذا طلَّقَها هذا الطلاقَ المشروعَ فلهُ أنْ يراجعَها ما دامَتْ في العدةِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وسواءٌ رضيَتْ أو كرهَتْ.
* وهذا الطلاقُ الذي يتمكنُ فيه العبدُ من الرجعةِ هوَ الطلاقُ بواحدةٍ إلى ثنتينِ بلا عِوضٍ.
فإنْ طلَّقَها الطلقةَ الثالثةَ فلا تحلُّ لهُ حتى تنقضيَ عدتُها، وتنكحَ زوجًا غيرَهُ نكاحَ رغبةٍ، لا نكاحَ تحليلٍ، ويطأَها ويطلقَها رغبةً في طلاقِها، وتنقضيَ عدتُها منهُ؛ فلهُ أنْ ينكحَها برضاها، وببقيةِ شروطِ النكاحِ مِنْ الوليِّ ومن الصداقِ وغيرهِ.
[ ١٧٥ ]
فإنْ طلقَها بعِوضٍ بلفظِ الطلاقِ أو الخلعِ أو الفداءِ، أو غيرِها من الألفاظِ، فقدْ أباحَ اللهُ هذا الفداءَ عندَ الحاجةِ، وهيَ التي نصَّ عليها بقولهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وسواءٌ كان العِوضُ بقليلٍ أو كثيرٍ؛ لعمومِ الآيةِ، فإذا فارقَها على هذا الوجهِ حصلَ لها الفكاكُ منهُ، ولم يكنْ لهُ عليها رجعةٌ، إلا إذا شاءَتْ بنكاحٍ جديدٍ.
* وعندَ التراجعِ بينَ الزوجينِ إذا رغبَ كلٌّ منهما في الآخرِ، فليسَ لوليِّ الأنثَى أنَّ يعضلَها ويمنعَها أنْ تراجِعَ بعلَها الأولَ أو الذي فارقَها؛ بغضًا لهُ أو نكايةً لهُ وغضبًا عليهِ، أو طمعًا في بذلِها أو بذلهِ لهُ شيئًا من المالِ؛ فكلُّ هذا لا يحلُّ للوليِّ أنْ يفعلَهُ، بلْ عليهِ أنْ يسعَى في التأليفِ بينَها وبينَ زوجِها، وأقلُّ ما عليهِ ألَّا يعارضَ في ذلكَ، وإذا كان منهيًا عن ذلكَ بعدَ الطلاقِ أو الفداءِ ونحوِهما فكيفَ في ابتداءِ الأمرِ؟! ولكنْ بشرطِ أنْ يكونَ الزوجُ كفئًا وترضَى المرأةُ فيه.
وأمَّا إذا منعَها مِنْ تزوجِ مَنْ ليسَ كفئًا لها في دينهِ أو غيرهِ من الصفاتِ المعتبرةِ شرعًا؛ فهوَ محسنٌ؛ لأنَّ منعَها عما فيه ضررُها إحسانٌ عليها، وهذا أحدُ الأسبابِ في اعتبارِ الوليِّ للمرأةِ في النكاحِ.
* وفي قولهِ في الرجعةِ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]، وفي التراجعِ: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] اعتبارُ هذا الشرطِ في الرجعةِ والتراجعِ، وإلَّا فلا يراجِعْ، ولا يتراجعَا؛ للضرارِ وللبقاءِ على غيرِ ما يحبهُ اللهُ.
وفي هذا: أنَّ الأفعالَ مبنيةٌ على مقاصدِها، وأنَّ الأمرَ الذي يُقصدُ فيه الخيرُ والصلاحُ لابدَّ أنْ يجعلَ اللهُ فيه بركةً، كما أنَّ الذي يُقصدُ بهِ غيرُ ذلكَ -ولوْ مُكِّنَ منهُ العبدُ- فإنهُ ضررٌ حاضرٌ، ويُخشى أنْ تكونَ عواقبهُ ذميمةً.
[ ١٧٦ ]
ويُستفادُ من هذا معنًى كليٌّ نافعٌ: وهوَ أنهُ ينبغِي للعبدِ إذا أرادَ أنْ يدخلَ في أمرٍ من الأمورِ، مثلَ الأمورِ التي يترتبُ عليها حقوقٌ كثيرةٌ، ومثلَ الولاياتِ الكبارِ والصغارِ والأمورِ المهمةِ - أنْ يتأنَّى وينظرَ في نفسهِ وعاقبةِ أمرهِ، فإنْ رأى من نفسهِ قوةً على ذلكَ، ووثقَ بقيامهِ بما فيها من الحقوقِ؛ تقدَّمَ إليها، متوكلًا على اللهِ، وإلَّا أحجمَ، واغتنمَ السلامةَ عن الدخولِ في الأمورِ الخطرةِ.
* وأمَرَ تعالى الأزواجَ أنْ يمسكُوا زوجاتِهم بمعروفٍ أو يسرحوهنَّ بمعروفٍ، فإن أمسكَها أمسكَها بعشرةٍ حسنةٍ، وإنْ فارقَها فليكنْ على وجهِ الشرعِ بطمأنينةٍ من غيرِ مغاضبةٍ ولا مشاتمةٍ ولا عداواتٍ تقعُ بينَهُ وبينَها، أو بينَهُ وبينَ أهلِها.
ومِن التسريحِ بالمعروفِ: أنْ يعطيَها شيئًا من المالِ تتمتعُ بهِ، وينجبرُ بهِ خاطرُها، وتذهبُ عن زوجِها شاكرةً، ولا يكونُ لهذا الفراقِ على هذا الوجهِ إلَّا العواقبُ الطيبةُ للطرفَينِ.
* ولما بيَّنَ البارِي هذهِ الأحكامَ الجليلةَ غايةَ التبيينِ، وكان القصدُ بها أنْ يَعْلَمَها العبادُ ويَعملُوا بها، ويقفُوا عندَها ولا يتجاوزُوها؛ فإنهُ لم ينزِلْها عبثًا، بلْ أنزلَها بالعلمِ والصدقِ والحقِّ النافعِ والجدِّ - نَهَى عن اتخاذِها ﴿هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: لعبًا بها، وهوَ التَّجَرِّي عليها، وعدمُ الامتثالِ لواجبِها، مثلَ المضارةِ في الإمساكِ والإرسالِ، أو كثرةِ الطلاقِ وجمعِ الثلاثِ.
* وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣١] عمومًا باللسانِ حمدًا وثناءً، وبالقلبِ اعترافًا وإقرارًا، وبالأركانِ بأنْ يُستعانَ بنعمهِ على طاعتهِ، وخصوصًا ما أنزَلَ عليكم من الكتابِ والحكمةِ، فإنَّ في الكتابِ والسنةِ من بيانِ الحقِّ والهدَى من الضلالِ، والحلالِ من الحرامِ، وجميعِ ما يحتاجهُ العبادُ في أمورِ دينِهم ودنياهم - ما يوجِبُ للعبادِ أنْ يشكروهُ شكرًا كثيرًا، ويقوموا بحقِّهِ، ويخضعُوا لأحكامهِ.
[ ١٧٧ ]
* وخَتْمُ الآياتِ بعمومِ عِلْمهِ تنبيهٌ على أنَّ أحكامَهُ قدْ شرعَها العليمُ الحكيمُ صالحةً للعبادِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
* وقدْ ذكَرَ عِدَّةَ المفارقةِ بحسبِ أحوالِها في كتابهِ:
* فذكَرَ أنَّ المفارِقةَ بطلاقٍ إنْ كانتْ تحيضُ: باستكمالِ ثلاثةِ قرُوءٍ (^١) مِنْ بعدِ وقوعِ الطلاقِ عليها.
* وأنَّ الآيسةَ والتي لم تحِضْ لصغرٍ ونحوهِ: عدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ.
* وأنَّ المفارِقةَ بموتِ زوجِها: تربُّصُ ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
* وأنَّ الحاملَ من المفارِقاتِ في الحياةِ وبعدَ المماتِ: عدُّتها بوضعِ الحملِ.
وفي هذهِ العِدَدِ وتقديرِها من الأسرارِ والحكمِ والمنافعِ للزوجينِ وغيرِهما ما هوَ من آياتِ اللهِ للمتأملينَ المستبصرينَ.
_________________
(١) أي: فعدتها باستكمال ثلاثة قروء.
[ ١٧٨ ]
٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
* ففي هذهِ الآيةِ: أنَّ المفارِقةَ في الحياةِ بطلاقٍ ونحوهِ ليسَ لزوجِها عليها عِدَّةٌ إذا لم يدخُلْ أو يَخْلُ بها، بلْ بمجردِ ما يطلقُها لها التزوجُ في الحالِ.
وفي هذا: أنَّ العدةَ تثبتُ بالدخولِ، وكذلكَ الخلوةُ، كما ثبتَ عن الخلفاءِ الراشدينَ ﵃.
ومفهومُ الآيةِ: أنَّ الفراقَ بالموتِ تعتدُّ لهُ الزوجةُ المعقودُ عليها ولوْ قبلَ الدخولِ، وكما يؤخذُ من مفهومِ هذهِ فإنهُ يؤخذُ من عمومِ قولهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية.
* وفيها: أنَّ العدةَ من حقوقِ الزوجِ؛ لتمكنهِ من الرجعةِ، ولحفظِ فراشهِ ومائهِ من الاختلاطِ، وحقٌّ لها أيضا؛ فإنَّ المعتدةَ نوعانِ:
* نوعٌ حاملٌ، لها النفقةُ بكلِّ حالٍ، قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
* ونوعٌ غيرُ حاملٍ، وهيَ أيضًا نوعانِ:
• مفارِقةٌ بائنةٌ؛ بموتٍ أو فسخٍ أو خلعٍ أو ثلاثٍ أو عِوضٍ، فهؤلاءِ كلهنَّ لا نفقةَ لهنَّ ولا كسوةَ ولا مسكنَ، إلا على وجهِ المعروفِ والإحسانِ.
• ومفارِقةٌ رجعيةٌ، فما دامتْ في العدةِ فلها النفقةُ والكسوةُ والمسكنُ وتوابعُها على الزوجِ، وحكمُها حكمُ الزوجةِ التي في حبالهِ في كلِّ حالٍ، إلا في القسمِ فلا قسمَ لهُ؛ لأنَّ اللهَ سماهُ بعلًا لها في قولهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنَّ لهُ أنْ يرجعَها إلى الزوجيةِ التامةِ رضيَتْ أو كرهَتُ ما دامَتْ في العدةِ.
[ ١٧٩ ]
* وفي قولهِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] دليلٌ على أمانتِها على نفسِها، وقبولِ قولِها في وجودِ الحيضِ وانقطاعهِ؛ لأنهُ توعدَها بكتمانِ ذلكَ، وهذا دليلٌ على أنَّ قولَها معتبرٌ.
* وفي قولهِ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] دليلٌ على أنهُ لا يقعُ الطلاقُ إلَّا بعدَ النكاحِ، وأنَّ مَنْ علَّقَ طلاقًا بنكاحِ امرأةٍ لم ينعقِدْ هذا التعليقُ، ولم يقَعْ عليها شيءٌ إذا نكحَها؛ لأنَّ النكاحَ لا يُرادُ بهِ خلافُ مقصودهِ، وهذا بخلافِ تعليقِ عتقِ المملوكِ للغيرِ بملكهِ إياهُ، فإنهُ صحيحٌ ويُعتَقُ إذا ملكَهُ؛ لأنَّ تملكَ الرقيقِ يُقصَدُ بهِ العتقُ، وهوَ مقصودٌ شرعيٌ صحيحٌ.
* وقولهُ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فيه الأمرُ بتمتيعِ المفارقةِ بالطلاقِ قبلَ المسيسِ مطلقًا، وفي آيةِ (البقرةِ) الأمرُ بالتمتيعِ إذا لم يسمِّ لها مهرًا، فإن سمَّى لها مهرًا فإنهُ يتنصفُ إذا طلقَها قبلَ الدخولِ، ويكون نصفُ الصداقِ هوَ المتعةُ كما قالَ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧].
فحثَّ على العفوِ في هذا الموضعِ الخاصِّ؛ لنفعهِ وعظمِ موقعهِ، وقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا إرشادٌ عظيمٌ نافعٌ في جميعِ المعاملاتِ: أنهُ ينبغِي للعبدِ فيها ألَّا يستقصيَ في كلِّ شيءٍ، بلْ يجعلُ للفضلِ محلًّا من عفوٍ ومحاباةٍ وإعطاءٍ أزيدَ مما في الذمةِ قدرًا أو وصفًا، وقبولِ أدنى من الحقِّ كميةً وكيفيةً، فكم حصلَ بهذا الفضلِ -وإنْ كان طفيفًا- خيرٌ كثيرٌ، وأجرٌ كبيرٌ، ومعروفٌ، وبركةٌ، وراحةُ فكرٍ، وطمأنينةُ قلبٍ!
[ ١٨٠ ]
* وفي قولهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وهذا العمومُ يقتضِي أنَّ كلَّ مطلقةٍ لها على زوجِها متعةٌ، لكنْ إنْ كانتْ غيرَ مدخولٍ بها ولم يُسَمَّ لها مهرٌ، فالمتعةُ واجبةٌ -كما تقدَّمَ- بحسبِ يسارِ الزوجِ وإعسارهِ، وإنْ كان قدْ سُمِّيَ لها مهرٌ تنصفَ المهرُ، وكان النصفُ الحاصلُ لها هوَ المتعةُ، فإنْ لم يكنْ الأمرُ كذلكَ كانتِ المتعةُ حقًّا معروفًا وإحسانًا جميلًا:
* لما فيها مِنْ جبرِ خاطرِها، وقضاءِ نوائبِها التي هيَ مظنةُ الحاجةِ إليها في تلكَ الحالِ.
* وكونِ ذلكَ عنوانًا على التسريحِ بالمعروفِ.
* ودفعًا للمشاغباتِ والعداواتِ التي تحدثُ لكثيرٍ من الناسِ عندَ الطلاقِ.
* واحتياطًا لبراءةِ ذمتهِ مما لعلَّهُ لحقَهُ لها من الحقوقِ.
* وتسهيلًا للرجعةِ أو للمراجعةِ إذا تغيرتِ الحالُ وأحدثَ اللهُ بعدَ ذلكَ أمرًا.
ولها من الفوائدِ شيءٌ كثيرٌ.
* ومدَحَ اللهُ هذهِ الأحكامَ الجليلةَ بقولهِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، فسمَّى هذهِ الأحكامَ آياتٍ؛ لأنها تدلُّ أكبرَ دلالةٍ على عنايتهِ ولطفهِ بعبادهِ، وأنهُ شرَعَ لهم من الأحكامِ الأحكامَ الصالحةَ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، ولا يُصلِحُ العبادَ غيرُها.
[ ١٨١ ]