قدْ قصَّ اللهُ علينا في كتابهِ قصصًا طيبةً من أخبارِ أنبيائهِ، ووصفَها بأنها أحسنُ القصصِ؛ وهذا الوصفُ من اللهِ العظيمِ يدلُّ على أنها أصدقُها وأبلغُها وأنفعُها للعبادِ.
* فمِن أهمِّ منافعِ هذهِ القصصِ:
* أنَّ بها يتمُّ ويكملُ الإيمانُ بالأنبياءِ صلى اللهُ عليهم وسلمَ، فإننا وإنْ كنا مؤمنينَ بجميعِ الأنبياءِ على وجهِ العمومِ والإجمالِ، فالإيمانُ التفصيليُّ المستفادُ من قصصِهم، وما وصفَهم اللهُ بهِ من الصدقِ الكاملِ والأوصافِ الكاملةِ التي هيَ أعلى الأوصافِ، وما لهم من الفضلِ والفواضلِ والإحسانِ على جميعِ نوعِ الإنسانِ، بلْ وصلَ إحسانُهم إلى جميعِ الحيواناتِ بما (^١) أبدوهُ للمكلفينَ في الاعتناءِ بها والقيامِ بحقِّها؛ فهذا الإيمانُ التفصيليُّ بالأنبياءِ يصلُ بهِ العبدُ إلى الإيمانِ الكاملِ، وهوَ من موادِّ زيادةِ الإيمانِ.
* فمن ذلكَ: أنَّ في قصصِهم تقريرَ الإيمانِ باللهِ وتوحيدهِ، وإخلاصَ العملِ لهُ، والإيمانَ باليومِ الآخرِ، وبيانَ حسنِ التوحيدِ ووجوبهِ، وقبحِ الشركِ، وأنهُ سببُ الهلاكِ في الدنيا والآخرةِ.
* وفي قصصِهم أيضًا: عبرةٌ للمؤمنينَ يقتدونَ بهم في جميعِ مقاماتِ الدينِ:
• في مقامِ التوحيدِ والقيامِ بالعبوديةِ.
_________________
(١) في (خ): وبما.
[ ٢٠٨ ]
• وفي مقاماتِ الدعوةِ والصبرِ والثباتِ عندَ جميعِ النوائبِ المقلقةِ، ومقابلةِ ذلكَ بالطمأنينةِ والسكونِ والثباتِ التامِّ.
• وفي مقامِ الصدقِ والإخلاصِ للهِ في جميعِ الحركاتِ والسكناتِ، واحتسابِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ تعالى، لا يطلبونَ من الخلقِ أجرًا ولا جزاءً ولا شكورًا، إلا الأمورَ النافعةَ للخلقِ.
* وفيها أيضًا: عبرةٌ لاتفاقِهم على دينٍ واحدٍ، وأصولٍ واحدةٍ، ودعوةٍ إلى كلِّ خلقٍ جميلٍ، وعملٍ صالحٍ وإصلاحٍ، وزجرِهم عن كلِّ ما يضادُّ ذلكَ.
* وفيها أيضًا من الفوائدِ الفقهيةِ والأحكامِ الشرعيةِ والأسرارِ الحكميةِ شيءٌ عظيمٌ لا غنَى لكلِّ طالبِ علمٍ عنها.
* وفيها أيضًا من الوعظِ والتذكيرِ، والترغيبِ والترهيبِ، والفرجِ بعدَ الشدةِ، وتيسيرِ الأمورِ بعدَ تعسرِها، وحسنِ العواقبِ المشاهدةِ في هذهِ الدارِ، وحسنِ الثناءِ والمحبةِ في قلوبِ الخلقِ - ما فيه زادٌ للمتقينَ، وسرورٌ للعابدينَ، وسلوةٌ للمحزونينَ، ومواعظُ للمؤمنينَ؛ فليسَ المقصودُ من قصصِهم أنْ تكونَ فقطْ سمرًا، وإنما الغرضُ الأعظمُ منها أنْ تكونَ تذكيرًا وعِبرًا.
* واعلَمْ قبلَ الشروعِ فيها أنَّ كثيرًا من قصصِهم -صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم- أعادَها اللهُ في كتابهِ مراتٍ عديدةً، بأساليبَ مناسبةٍ لمقاماتِها، وربما يكونُ في موضعٍ منها ما ليسَ في المواضعِ الأخرِ من الزياداتِ والفوائدِ، أو يأتي بها بألفاظٍ غيرِ ألفاظِ القصةِ الأخرى، والمعاني متفقةٌ أو متقاربةٌ.
فعلى حسب أنَّ هذا التعليقَ مختصرٌ سوفَ آتي بهذهِ القصصِ، وأجمعُ القصةَ في موضعٍ واحدٍ، وأحرِصُ على ما دلَّتْ عليهِ ألفاظُ الكتابِ من سياقِها من أولِها إلى
[ ٢٠٩ ]
آخرِها، وأُتبِعُ كلَّ قصةٍ بما يفتحُ اللهُ بهِ من الفوائدِ الأصوليةِ والفروعيةِ والأخلاقِ والآدابِ والمواضيعِ المتنوعةِ؛ راجيًا من اللهِ أنْ يوفقَني بذلكَ للصوابِ اللفظيِّ، والإخلاصِ الباطنيِّ، وموافقةِ رضاهُ، وأنْ يجعلَ بذلكَ النفعَ العامَّ؛ إنهُ جوادٌ كريمٌ.
[ ٢١٠ ]