وهم فتيةٌ وفَّقَهم اللهُ، وألهمَهم الإيمانَ، وعَرَفوا ربَّهم، وأنكرُوا ما عليهِ قومَهم من عبادةِ الأوثانِ، وقامُوا بينَ أظهرِهم معلنيِنَ فيما بينَهم عقيدتَهم، خائفينَ من سطوةِ قومِهم، فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾ [الكهف: ١٤] أي: إنْ دعَوْنا غيرَهُ، ﴿شَطَطًا﴾ أي: زورًا وبهتانًا وظلمًا، ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥].
فلما اتفقُوا على هذا الأمرِ، وعَرَفوا أنهم لا يمكنُهم إظهارُ ذلكَ لقومِهم؛ سألُوا اللهَ أنْ يسهِّلَ أمرَهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
فآوَوْا إلى غارٍ يسَّرَهُ اللهُ غايةَ التيسيرِ، واسعِ الفجوةِ، بابهُ نحوَ الشمالِ، لا تدخلُهُ الشمسُ، لا في طلوعِها ولا في غروبِها، فنامُوا في كهفِهم بحفظِ اللهِ ورعايتهِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.
وقدْ ضرَبَ اللهُ عليهم نطاقًا من الرعبِ، على قربِهم من مدينةِ قومِهم، ثم إنهُ في الغارِ تولَّى حفظَهم بقولهِ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨]؛ وذلك لئلَّا تُبليَ الأرضُ أجسادَهم.
[ ٣٣٤ ]
ثم أيقظَهم بعدَ هذه المدةِ الطويلةِ ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وليقِفُوا في آخرِ الأمرِ على الحقيقةِ، فقالَ قائلٌ منهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] إلى آخرِ القصةِ.
* ففيها آياتٌ بيناتٌ وفوائدُ متعددةٌ:
* منها: أنَّ قصةَ أصحابِ الكهفِ وإنْ كانتْ عجيبةً فليستْ من أعجبِ آياتِ اللهِ؛ فإن للهِ آياتٍ عجيبةً وقصصًا فيها عبرةٌ للمعتبرِينَ.
* ومنها: أنَّ مَنْ آوَى إلى اللهِ أواهُ اللهُ، ولطفَ بهِ، وجعلَهُ سببًا لهدايةِ الضالِّينَ؛ فإنَّ اللهَ لطَفَ بهم في هذهِ النومةِ الطويلةِ؛ إبقاءً على إيمانِهم وأبدانِهم من فتنةِ قومِهم وقتلِهم، وجعَلَ هذهِ القومةَ (^١) من آياتهِ التي يُستدلُّ بها على كمالِ قدرةِ اللهِ، وتنوعِ إحسانهِ، وليعلمَ العبادُ أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ.
* ومنها: الحثُّ على تحصيلِ العلومِ النافعةِ والمباحثةِ فيها؛ لأنَّ اللهَ بعثَهم لأجل ذلكَ، وببحثِهم ثُم بعلمِ الناسِ بحالِهم حصلَ البرهانُ والعلمُ بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها.
* ومنها: الأدبُ فيمن اشتبهَ عليهِ العلمُ أنْ يردَّهُ إلى عالِمهِ، وأنْ يقفَ عندَ ما يعرفُ.
* ومنها: صحةُ الوكالةِ في البيعِ والشراءِ، وصحةُ الشركةِ في ذلكَ؛ لقولِهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] الآية.
_________________
(١) في (خ): النومة.
[ ٣٣٥ ]
* ومنها: جوازُ أكلِ الطيباتِ، والتخيرِ من الأطعمةِ ما يلائمُ الإنسانَ ويوافقهُ، إذا لم تخرَجْ إلى حدِّ الإسرافِ المنهيِّ عنهُ؛ لقولهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
* ومنها: الحثُّ والتحرزُ والاستخفاءُ والبعدُ عن مواقعِ الفتنِ في الدينِ، واستعمالُ الكتمانِ الذي يدرأُ عن الإنسانِ الشرَّ.
* ومنها: بيانُ رغبةِ هؤلاءِ الفتيةِ في الدينِ، وفرارِهم من كلِّ فتنةٍ في دينِهم، وتركِهم لأوطانِهم وعوائدِهم في اللهِ.
* ومنها: ذِكْرُ ما اشتملَ عليهِ الشرُّ من المضارِّ والمفاسدِ الداعيةِ لبغضهِ وتركهِ، وأنَّ هذهِ الطريقةَ طريقةُ المؤمنينَ.
* ومنها: أنَّ قولَهُ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] فيه دليلٌ على أنَّ هؤلاءِ القومَ الذينَ بُعِثُوا في زمانِهم أناسٌ أهلُ تدينٍ؛ لأنهم عظَّموهم هذا التعظيمَ حتى عزمُوا على اتخاذِ مسجدٍ على كهفِهم، وهذا إنْ كان ممنوعًا وخصوصًا في شريعتِنا فالمقصودُ: بيانُ أنَّ ذلكَ الخوفَ العظيمَ من أهلِ الكهفِ وقتَ إيمانِهم ودخولِهم في الغارِ؛ أبدلَهم اللهُ بهِ بعدَ ذلكَ أمنًا وتعظيمًا من الخلقِ، وهذهِ عوائدُ اللهِ فيمن تحمَّلَ المشاقَّ من أجلهِ أنْ يجعلَ لهُ العاقبةَ الحميدةَ.
* ومنها: أنَّ كثرةَ البحثِ وطولَهُ في المسائلِ التي لا أهميةَ لها لا ينبغِي الانهماكُ بهِ؛ لقولهِ: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢].
* ومنها: أنَّ سؤالَ مَنْ لا علمَ لهُ في القضيةِ المسئولِ فيها، أو لا يُوثقُ بهِ؛ منهيٌّ عنهُ؛ لقولهِ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
[ ٣٣٦ ]