ومن أنزل عليه القرآن هدى ورحمة للمؤمنين
اعلَمْ أنَّ سيرةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ أعظمُ عونٍ على معرفةِ تفسيرِ كتابِ اللهِ، والقرآنُ إنما كان ينزلُ تبعًا لمناسباتِ سيرتهِ، وما يقولهُ للخلقِ، وجواب ما يقالُ لهُ، وما يحصلُ بهِ تحقيقُ الحقِّ الذي جاءَ بهِ، وإبطالُ المذاهبِ التي جاءَ لإبطالها، وهذا من حكمةِ إنزالهِ مفرَّقًا، كما ذكرَ اللهُ هذا المعنى بقولهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]، وقالَ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠].
فلنشِرْ من سيرتهِ ﷺ على الأحوالِ المناسبةِ لنزولِ الآياتِ المعيناتِ، أو لجنسِ النوعِ من علومِ القرآنِ؛ ليكونَ عونًا في هذا المقامِ.
* فأولُ مقاماتهِ في إنزالِ القرآنِ عليهِ: أنهُ كان قبلَ البعثةِ قدْ بُغِّضَتْ إليهِ عبادةُ الأوثانِ، وبُغِّضَ إليهِ كلُّ قولٍ قبيحٍ وفعلٍ قبيحٍ، وفُطِرَ ﷺ فطرةً مستعدةً متهيئةً لقبولِ الحقِّ علمًا وعملًا، واللهُ تعالى هوَ الذي طهَّرَ قلبَهُ وزكَّاهُ وكمَّلَهُ.
فكان من رغبتهِ العظيمةِ فيما يقرِّبُ إلى اللهِ أنهُ كان يذهبُ إلى غارِ حراءٍ الأيامَ ذواتِ العددِ، ويأخذُ معهُ طعامًا يُطعِمُ منهُ المساكينَ، ويتعبَّدُ ويتحنثُ فيه، فقلبُهُ في غايةِ التعلقِ بربهِ، ويفعلُ من العباداتِ ما وصَلَ إليهِ علمهُ في ذلكَ الوقتِ الجاهليِّ الخالِي من العلمِ، ومعَ ذلكَ فهوَ في غايةِ الإحسانِ إلى الخلقِ.
[ ٣٣٧ ]
فلما تمَّ عمرهُ أربعينَ سنةً، وتمَّتْ قوتهُ العقليةُ، وصَلُحَ لتلقِّي أعظمَ رسالةٍ أرسَلَ اللهُ بها أحدًا من خلقهِ؛ تبدَّى لهُ جبريلُ ﷺ، فرأى منظرًا هالَهُ وأزعجَهُ، إذْ لم يتقدَّمْ لهُ شيءٌ من ذلكَ، وإنما قدَّمَ اللهُ لهُ الرؤيا التي كان لا يرَى رؤيا إلا جاءَتْ مثلَ فلقِ الصبحِ.
فأولُ ما أنزلَ اللهُ عليهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فجاءَهُ بها جبريلُ وقالَ لهُ: ﴿اقْرَأْ﴾، فأخبرهُ أنهُ ليسَ بقارئٍ، أي: لا يعرفُ أنْ يقرأَ، كما قالَ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، وتفسيرُها الآيةُ الأخرى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
فغطَّهُ جبريلُ مرتينِ أو ثلاثًا؛ ليهيئَهُ لتلقِّي القرآنِ العظيمِ، ويتجردَ قلبهُ وهمتهُ وظاهرهُ وباطنهُ لذلكَ.
فنزلَتْ هذهِ السورةُ التي فيها نبوتهُ، وأَمْرُهُ بالقراءةِ باسمِ ربهِ، وفيها أصنافُ نعمهِ على الإنسانِ بتعليمهِ البيانَ العلميَّ، والبيانَ اللفظيَّ، والبيانَ الرسميَّ.
فجاءَ بها إلى خديجةَ تُرْعَدُ فرائصهُ من الفَرَقِ، وأخبرَها بما رآهُ وما جرَى عليهِ، فقالتْ خديجةُ ﵂: «أبشِرْ، فواللهِ لا يُخزِيكَ اللهُ أبدًا؛ إنكَ لتصلُ الرحمَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتحملُ الكلَّ، وتُكسبُ المعدومَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ» (^١)، أي: ومَن كانتْ هذهِ صفتهُ فإنها تستدعِي نعمًا من اللهِ أكبرَ منها وأعظمَ، وكان هذا من توفيقِ اللهِ لها ولنبيهِ، ومن تهوينِ القلقِ الذي أصابَهُ.
_________________
(١) البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).
[ ٣٣٨ ]
وبهذهِ السورةِ ابتدأَتْ نبوتُهُ، ثم فتَرَ عنهُ الوحيُ مدةً؛ ليشتاقَ إليهِ، وليكونَ أعظمَ لموقعهِ عندَهُ.
وكان قدْ رأى المَلَكُ على صورتهِ فانزعَجَ، فجاءَ إلى خديجةَ أيضًا تُرْعَدُ فرائصهُ فقالَ: «دثِّرُوني دثِّرُوني» (^١)؛ فأنزلَ اللهُ عليهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥] الآيات.
فكان في هذا: الأمرُ لهُ بدعوةِ الخلقِ وإنذارِهم، فشمَّرَ ﷺ عن عزمهِ، وصمَّمَ على الدعوةِ إلى ربهِ معَ علمهِ أنهُ سيُقاوِمُ بهذا الأمرِ البعيدَ والقريبَ، وسيَلقَى كلُّ معارضةٍ من قومهِ ومن غيرِهم، وشدةٍ، ولكنَّ اللهَ أيدَهُ وقوَّى عزمَهُ، وأيدَهُ برُوحٍ منهُ، وبالدِّينِ الذي جاءَ بهِ.
وجاءتْهُ سورةُ الضحى في فَتْرَةِ الوحيِ لما قالَ المكذبونَ: إنَّ ربَّ محمدٍ قلَاهُ، قالَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣] إلى آخرِها، وهذا اعتناءٌ عظيمٌ من اللهِ برسولهِ، ونفْيٌ لكلِّ نقصٍ، وبشارةٌ بأنَّ كلَّ حالةٍ لهُ أحسنُ مما قبلَها، وخيرٌ منها، وأنَّ اللهَ سيعطيهِ من النصرِ والأتباعِ والعزِّ العظيمِ وانتشارِ الدِّينِ ما يرضيهِ.
* فكان أعظمُ مقاماتِ دعوتهِ: دعوتهُ إلى التوحيدِ الخالصِ، والنهي عن ضدِّهِ، دعا الناسَ لهذا، وقرَّرَهُ اللهُ في كتابهِ، وصرَّفَهُ بطرقٍ كثيرةٍ واضحةٍ تبينُ وجوبَ التوحيدِ وحسنَهُ، وتعيِّنُهُ طريقًا إلى اللهِ وإلى دارِ كرامتهِ، وقرَّرَ إبطالَ الشركِ والمذاهبِ الضارةِ بطرقٍ كثيرةٍ احتوَى عليها القرآنُ، وهيَ أغلبُ السورِ المكيةِ.
_________________
(١) البخاري (٤٩٢٥)، ومسلم (١٦١)، بنحوه.
[ ٣٣٩ ]
فاستجابَ لهُ في هذا الواحدُ بعدَ الواحدِ، على شدةٍ عظيمةٍ من قومهِ، وقاومَهُ قومهُ وغيرُهم، وبَغَوا لهُ الغوائلَ، وحرَصُوا على إطفاءِ دعوتهِ بجدِّهم وقولِهم وفعلِهم، وهوَ يجادلُهم ويتحدَّاهم أنْ يأتُوا بمثلِ هذا القرآنِ، وهم يعلمونَ أنهُ الصادقُ الأمينُ، ولكنَّهم يكابِرُون ويجحَدُونَ آياتِ اللهِ، كما قالَ تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
ولهذا لما كان استماعُهم للقرآنِ على وجهِ الكفرِ والجحدِ والتكذيبِ، وتوطينِ نفوسِهم على معاداتهِ؛ أخبرَ اللهُ تعالى أنهُ جعَلَ على قلوبِهم أكنةً أنْ يفقهوهُ، وفي آذانِهم وقرًا، وأنهم لا يهتدونَ (^١)؛ بسببِ ما أسسوا من هذا الأصلِ الخبيثِ، المانعِ لصاحبهِ من كلِّ خيرٍ وهدًى.
وهذا مما يُعلمُ بهِ حكمةُ البارِي في إضلالِ الضالينَ، وأنهم لما اختارُوا لأنفسهِم الضلالَ ورغبُوا فيه؛ ولَّاهم اللهُ ما تولَّوا لأنفسِهم، وتركَهم في طغيانِهم يعمهونَ، وأنهم لما ردُّوا نعمةَ اللهِ عليهم حينَ جاءَتْهم؛ قلَّبَ اللهُ أفئدتَهم، وأصمَّ أسماعَهم، وأعمَى أبصارَهم وأفئدتَهم، وهذا الوصفُ الذي أشَرْنا إليهِ قدْ ذكرَهُ اللهُ في كتابهِ عنهم (^٢)، وهوَ يُعينكَ على فهمِ آياتٍ كثيرةٍ يخبرُ اللهُ فيها بضلالِهم وانسدادِ طرقِ الهدايةِ عليهم، وعدمِ قبولِ محالِّهم وقلوبِهم للهدَى، والذنبُ ذنبُهم وهم السببُ في ذلكَ؛ قالَ تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٠].
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف: ٥٧].
(٢) قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].
[ ٣٤٠ ]
وبضدِّهِ تُعرفُ الحكمةُ في هدايتهِ للمؤمنينَ، وأنهم لما كانوا منصفينَ ليسَ غرضُهم إلا الحقَّ، ولا لهم قصدٌ إلا طلبَ رضا ربِّهم؛ هداهم اللهُ بالقرآنِ، وازدادَتْ بهِ علومُهم ومعارفُهم وإيمانُهم وهدايتُهم المتنوعةُ، قالَ تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦].
وهذا الوصفُ الجليلُ للمؤمنينَ هوَ الأساسُ لهدايتِهم، وزيادةِ إيمانِهم، وانقيادِهم، وبهِ ينفتحُ لكَ البابُ في فهمِ الآياتِ في أوصافِ المؤمنينَ، وسرعةِ انقيادِهم للحقِّ: أصولهِ وفروعهِ.
* ومن مقاماتِ النبيِّ ﷺ معَ المكذبينَ لهُ: أنهُ يدعُوهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، ويجادلُهم بالتي هيَ أحسنُ، ويدعُوهم أفرادًا ومتفرقينَ، ويذكِّرُهم بالقرآنِ، ويتلوهُ في الصلاةِ وخارجِها.
وكانوا إذا سمعُوهُ صمُّوا آذانَهم، وقدْ يسبونَهُ ويسبونَ مَنْ أنزلَهُ، فأنزلَ اللهُ على رسولهِ آياتٍ كثيرةً في هذا المعنى، يبيِّنُ حالَهم معَ سماعِ القرآنِ، وشدةَ نفورِهم كأنهم حمرٌ مستنفرةٌ فرَّتْ من قسورةٍ، وأنَّ شياطينَهم ورؤساءَهم في الشرِّ فكَّرُوا وقدَّرُوا ونظرُوا فيما يقولونَ عن القرآنِ ويصفونَهُ بهِ؛ لينفِّرُوا عنهُ الناسَ، حتى قَرَّ قرارُ رئيسِهم الوليدِ بنِ المغيرةِ الذي سماهُ اللهُ وحيدًا، فقالَ: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٥]، ولكنْ أبَى اللهُ إلا أنْ يعلوَ هذا الكلامُ كلَّ كلامٍ، ويزهقَ هذا الحقُّ كلَّ باطلٍ.
[ ٣٤١ ]
وكانوا من إفكِهم يقولونَ في القرآنِ الأقوالَ المتناقضةَ، يقولونَ: إنهُ سحرٌ، إنهُ كهانةٌ، إنهُ شعرٌ، إنهُ كذبٌ، إنهُ أساطيرُ؛ فجعلُوا القرآنَ عضينَ (^١). كلُّ هذا أَثَرُ البغضِ الذي أحرقَ قلوبَهم، حتى قالوا فيه مقالةَ المجانينِ.
وكلَّما قالُوا قولًا من هذهِ الأقوالِ أنزلَ اللهُ آياتٍ يُبطلُ بها ما قالُوا، ويبينُ زورَهم وافتراءَهم وتناقضَهم.
وكان من الأدلةِ والبراهينِ على رسالةِ محمدٍ ﷺ، وأنَّ القرآنَ من عندِ اللهِ: مقابلةُ المكذبينَ لهُ، فإنَّ مَنْ نظَرَ إليها عَلِمَ أنها سلاحٌ عليهم، وأكبرُ دليل على أنهم مقاومونَ للحقِّ، ساعونَ في إبطالهِ، وأنهم على الباطلِ الذي ليسَ لهُ حظٌّ من العقلِ، كما ليسَ لهُ حظٌّ من الدينِ.
وكانوا أيضًا يقولونَ في النبيِّ ﷺ الأقوالَ التي ليسَ فيها دلالةٌ على ما كانوا يعتقدونَ، وليسَ فيها نقصٌ بالنبيِّ ﷺ، يقولونَ: لوْ أنَّ محمدًا صادقٌ لأنزلَ اللهُ ملائكةً يشهدونَ لهُ بذلكَ، ولأغناهُ اللهُ عن المشيِ في الأسواقِ، وطلبِ الرزقِ كما يطلبهُ غيرهُ، ولجعَلَ لهُ كذا وكذا مما توحِي إليهِ عقولُهم الفاسدةُ، ويذكرُها اللهُ في القرآنِ في مواضعَ متعددةٍ:
• تارةً يصورُها للعبادِ فقطْ؛ لأنَّ مَنْ تصورَها عرَفَ بطلانَها، وأنها ليستْ من الشبهِ القادحةِ، فضلًا عن الحججِ المعتبرةِ.
• وتارةً يصورُها ويذكرُ ما يبطلُها من الأمورِ الواضحةِ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ.
_________________
(١) عِضِين: «من عَضَّيْتُ الشيءَ، إذا فرقته، المعنى: فرقوا أقاويلهم في القرآن فجعلوه كذبا وسحرا وشعرا وكهانة». (لسان العرب: ١٣/ ٥١٦).
[ ٣٤٢ ]
* ومنْ مقاماتهم معَ النبيِّ ﷺ: أنهم يسعونَ أشدَّ السعيِ أنْ يكفَّ عن عيبِ آلهتِهم، والطعنِ في دينِهم، ويحبونَ أنْ يتارِكَهم ويتارِكُوهُ؛ لعلمِهم أنهُ إذا ذكَرَ آلهتَهم، ووصفَها بالصفاتِ التي هيَ عليهِ من النقصِ، وأنهُ ليسَ فيها شيءٌ من الصفاتِ يُوجِبُ أنْ تستحقَّ شيئًا من العبادةِ؛ يعرفونَ أنَّ الناسَ يعرفونَ ذلكَ، ويعترفونَ بهِ، فلا أحبَّ إليهم من التزويرِ، وإبقاءِ الأمورِ على علاتِها من غيرِ بحثٍ عن الحقائقِ؛ لأنهم يعرفونَ حقَّ المعرفةِ أنَّ الحقائقَ إذا بانَتْ ظهَرَ للخلقِ بطلانُ ما هم عليهِ، وهذا الذي منهُ يفرونَ.
وهذا المقامُ أيضًا ذكرَهُ اللهُ في آياتٍ متعددةٍ، مثلَ قولهِ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ونحوِها من الآياتِ.
وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فهذا إذا ترتَّبَ على السبِّ المذكورِ سبُّهم للهِ فإنهُ يُترَكُ؛ لما يترتبُ عليهِ من الشرِّ.
* ومن مقاماتِهم المتنوعةِ معَ النبيِّ ﷺ: أنهم كانوا يقترحونَ الآياتِ بحسبِ أهوائِهم، ويقولونَ: إنْ كنتَ صادقًا فأتنا بعذابِ اللهِ، أو بما تعدُنا، أو أزِلْ عنا جبالَ مكةَ، واجعلْ لنا فيها أنهارًا وعيونًا، وحتى يحصلَ لكَ كذا وكذا مما ذكرَهُ اللهُ عنهم.
فيجيبُهم اللهُ عن هذهِ الأقوالِ بأنَّ رسولَهُ ﷺ قدْ أيدَهُ اللهُ بالآياتِ، واللهُ أعلمُ بما ينزلُ من آياتهِ، وأعلمُ بما هوَ أنفعُ لهم، وأنهُ قدْ حصلَ المقصودُ من بيانِ صدقهِ، وقامَتِ الأدلةُ والبراهينُ على ذلكَ. فقولُ الجاهلِ الأحمقِ: لوْ كان كذا وكذا، جهلٌ منهُ، وكبرٌ، ومشاغبةٌ محضةٌ.
[ ٣٤٣ ]
وتارةً يخبرُهم أنهُ لا يمنعهُ من الإتيانِ بها إلا الإبقاءُ عليهم، وأنها لوْ جاءَتْ لا يؤمنونَ، فعندَ ذلكَ يعاجلُهم اللهُ بالعقابِ.
وتارةً يبينُ لهم أنَّ الرسولَ إنما هوَ نذيرٌ مبينٌ، ليسَ لهُ من الأمرِ شيءٌ، ولا من الآياتِ شيءٌ، وأنَّ هذا من عندِ اللهِ، فطلبُهم من الرسولِ محضُ الظلمِ والعدوانِ، وهذهِ المعاني في القرآنِ كثيرةٌ بأساليبَ متعددةٍ.
وأحيانًا يقدحونَ في الرسولِ قدحًا يعترضونَ فيه على اللهِ، وأنهُ ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ومحمدٌ ليسَ كذلكَ، وأنكَ -يا محمدُ- لستَ بأَوْلى بفضلِ اللهِ منَّا، فلأيِّ شيءٍ تفضُلُ علينا بالوحيِ، ونحوه من الأقوالِ الناشئةِ عن الحسدِ.
فيجيبُهم اللهُ بذكرِ فضلهِ، وأنَّ فضلَهُ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ، وأنهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَهُ والمحلَّ اللائقَ بها، ويشرحُ لهم من صفاتِ رسولهِ التي يشاهدونَها رأيَ عينٍ ما يعلمونَ هم وغيرُهم أنهُ أعظمُ رجلٍ في العالمِ، وأنهُ ما وُجِدَ ولنْ يوجدَ أحدٌ يقارِبهُ في الكمالِ، مؤيدًا ذلكَ بالأمورِ المحسوسةِ والبراهينِ المسلمةِ، وقدْ أبدَى اللهُ هذهِ المعانيَ وأعادَها معهم في مواضعَ كثيرةٍ.
* ومن مقاماتهِ ﷺ معَ المؤمنينَ: الرأفةُ العظيمةُ، والرحمةُ لهم، والمحبةُ التامةُ، والقيامُ معهم في كلِّ أمورِهم، وأنهُ لهم (^١) أرحمُ وأَرْأَفُ من آبائِهم وأمهاتِهم، وأحنى عليهم من كلِّ أحدٍ، كما قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
_________________
(١) في (خ): بهم.
[ ٣٤٤ ]
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾
[آل عمران: ١٦٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فلم يزَلْ يدعُو إلى التوحيدِ وعقائدِ الدينِ وأصولهِ، ويقررُ ذلكَ بالبراهينِ والآياتِ المتنوعةِ، ويحذرُ من الشركِ والشرورِ كلِّها، منذُ بُعِثَ إلى أنْ استكملَ بعدَ بعثتهِ نحوَ عشرِ سنينَ، وهوَ يدعُو إلى اللهِ على بصيرةٍ.
* ثم أُسرِيَ بهِ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى؛ ليريَهُ من آياتهِ، وعرجَ بهِ إلى فوقِ السمواتِ السبعِ.
وفرَضَ اللهُ عليهِ الصلواتِ الخمسَ بأوقاتِها وهيئاتِها، وجاءهُ جبريلُ على أثرِها، فعلَّمَهُ أوقاتَها وكيفياتِها، وصلَّى بهِ يومينِ: اليومَ الأولَ صلَّى الصلواتِ الخمسَ في أولِ وقتِها، واليومَ الثاني في آخرِ الوقتِ، وقالَ: «الصلاةُ ما بينَ هذينِ الوقتينِ» (^١).
ففُرضَتِ الصلواتُ الخمسُ قبلَ الهجرةِ بنحوِ ثلاثِ سنينَ، ولم يُفرَضِ الأذانُ في ذلكَ الوقتِ، ولا بقيةُ أركانِ الإسلامِ.
وانتشَرَ الإسلامُ في المدينةِ وما حولَها، ومن جملةِ الأسبابِ: أنَّ الأوسَ والخزرجَ كانَ اليهودُ في المدينةِ جيرانًا لهم، وقدْ أخبرُوهم أنهم ينتظرونَ نبيًّا قدْ أظلَّ زمانهُ، وذكرُوا من أوصافهِ ما دلَّهم عليهِ؛ فبادَرَ الأوسُ والخزرجُ لما اجتمعُوا بالنبيِّ ﷺ في مكةَ وتيقنُوا أنهُ رسولُ اللهِ، وأما اليهودُ فاستولَى عليهم الشقاءُ والحسدُ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
_________________
(١) الترمذي (١٤٩)، وأبو داود (٣٩٣)، بنحوه.
[ ٣٤٥ ]
وكان المسلمونَ في مكةَ في أذًى شديدٍ من قريشٍ، فأَذِنَ لهم النبيُّ ﷺ في الهجرةِ أولًا إلى الحبشةِ، ثم لما أسلَمَ كثيرٌ من أهلِ المدينةِ صارَتِ الهجرةُ إلى المدينةِ.
* وحينَ خافَ أهلُ مكةَ من هذهِ الحالِ اجتمعَ ملؤُهم ورؤساؤُهم في دارِ الندوةِ يريدونَ القضاءَ التامَّ على النبيِّ ﷺ؛ فاتفقَ رأيُهم أنْ ينتخبُوا من قبائلَ قريشٍ من كلِّ قبيلةٍ رجلًا شجاعًا، فيجتمعونَ ويضربونَهُ بسيوفِهم ضربةً واحدةً، قالُوا: لأجلِ أنْ يتفرَّقَ دمهُ في القبائلِ، فتعجزُ بنو هاشمٍ عن مقاومةِ سائرِ قريشٍ، فيرضونَ بالديةِ، فهم يمكرونَ ويمكرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرينَ.
فجاءَ الوحيُ إلى النبيِّ ﷺ، وعزَمَ على الهجرةِ، وأخبَرَ أبا بكرٍ بذلكَ وطلبَ منهُ الصحبةَ، فأجابَهُ إلى ذلكَ، وخرجَ في تلكَ الليلةِ التي اجتمعُوا على الإيقاعِ بهِ، وأمَرَ عليًّا أنْ ينامَ على فراشهِ، وخرجَ هوَ وأبو بكرٍ إلى الغارِ، فلم يزالوا يرصدونَهُ حتى برقَ الفجرُ، فخرجَ إليهم عليٌّ فقالوا: أينَ صاحبُكَ؟ قالَ: لا أدرِي.
ثم ذهبُوا يطلبونَهُ في كلِّ وجهةٍ، وجعلُوا الجِعالاتِ الكثيرةَ لمنْ يأتي بهِ، وكانَ الجبلُ الذي فيه الغارُ قدْ امتلأَ من الخلقِ يطلبونَ رسولَ اللهِ ﷺ، فقالَ أبو بكرٍ: يا رسولَ اللهِ، لوْ نظَرَ أحدُهم إلى قدميهِ لأبصَرَنا. فقالَ: «يا أبا بكرٍ، ما ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهما» (^١)؟ وأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
_________________
(١) البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١).
[ ٣٤٦ ]
فهاجَرَ إلى المدينةِ واستقرَّ بها، وأُذِنَ لهُ في القتالِ بعدَما كانَ قبلَ الهجرةِ ممنوعًا؛ لحكمةٍ مشاهدةٍ، فقالَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، وجعَلَ يُرسلُ السرايا.
* ولما كانتِ السنةُ الثانيةُ فرَضَ اللهُ على العبادِ الزكاةَ والصيامَ، فآياتُ الصيامِ والزكاةِ إنما نزلَتْ في هذا العامِ وقتَ فرضِها، وأما قولهُ تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] فإنَّ المرادَ زكاةُ القلبِ وطهارتهُ بالتوحيدِ وتركِ الشركِ.
* وفي السنةِ الثانيةِ أيضًا كانتْ وقعةُ بدرٍ، وسببُها أنَّ عيرًا لقريشٍ تحملُ تجارةً عظيمةً من الشامِ، خرجَ النبيُّ ﷺ بمن خفَّ مِنْ أصحابهِ لطلبِها، فخرجَتْ قريشٌ لحمايتِها، وتوافَوا في بدرٍ على غيرِ ميعادٍ، فالعيرُ نجَتْ والنفيرُ التقَوا معَ الرسولِ وأصحابهِ، وكانوا ألفًا كاملي العددِ والخيلِ، والمسلمونَ ثلاثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ، على سبعينَ بعيرًا يَعتَقِبُونَها.
فهزَمَ اللهُ المشركينَ هزيمةً عظيمةً: قُتلَتْ سَرَواتُهم وصناديدُهم، وأُسِرَ مَنْ أُسِرَ منهم، وأصابَ المشركينَ مصيبةٌ ما أُصيبوا بمثلِها. وهذهِ الغزوةُ أنزلَ اللهُ فيها وفي تفاصيلِها سورةَ (الأنفال).
وبعدَما رجَعَ إلى المدينةِ منها مظفرًا منصورًا ذلَّ مَنْ بقيَ ممنْ لم يُسلِمْ من الأوسِ والخزرجِ، ودخلَ بعضُهم في الإسلامِ نفاقًا؛ ولذلكَ جميعُ الآياتِ التي نزلَتْ في المنافقينَ إنما كانتْ بعدَ غزوةِ بدرٍ.
* ثم في السنةِ الثالثةِ كانتْ غزوةُ أُحدٍ: غزا المشركونَ وجيَّشُوا الجيوشَ على المسلمينَ، حتى وصلُوا إلى أطرافِ المدينةِ، وخرَجَ إليهم رسولُ اللهِ ﷺ بأصحابهِ، وعبَّأَهم ورتَّبَهم، والتقَوا في أُحدٍ عندَ الجبلِ المعروفِ شمالي المدينةِ.
[ ٣٤٧ ]
وكانتِ الدائرةُ في أولِ الأمرِ على المشركينَ، ثم لما ترَكَ الرماةُ مركزَهم الذي رتَّبَهم فيه رسولُ اللهِ ﷺ وقالَ لهم: «لا تبرَحُوا عنهُ، ظهَرْنا أو غُلبْنا» (^١)، وجاءتِ الخيلُ معَ تلكَ الثغرةِ وكان ما كان، حصَلَ على المسلمينَ في أُحدٍ مقتلةٌ أكرمَهم اللهُ بالشهادةِ في سبيلهِ.
وذكَرَ اللهُ تفصيلَ هذهِ الغزاةِ في سورةِ (آل عمران)، وبسَطَ متعلقاتِها، فالوقوفُ على هذهِ الغزوةِ من كتبِ السيرِ يعينُ على فهمِ الآياتِ الكثيرةِ التي نزلَتْ فيها كبقيةِ الغزواتِ.
* ثم في السنةِ الرابعةِ تواعَدَ المسلمونَ والمشركونَ فيها في بدرٍ، فجاءَ المسلمونَ لذلكَ الموعدِ، وتخلَّفَ المشركونَ معتذرينَ أنَّ السنةَ مُجدِبةٌ، فكتبَها اللهُ غزوةً للمسلمينَ، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾
[آل عمران: ١٧٤].
* ثم في سنةِ خمسٍ كانتْ غزوةُ الخندقِ: اتفقَ أهلُ الحجازِ وأهلُ نجدٍ، وظاهرَهم بنو قريظةَ من اليهودِ على غزوِ النبيِّ ﷺ، وجمعُوا ما يقدرونَ عليهِ من الجنودِ، فاجتمَعَ نحوُ عشرةِ آلافِ مقاتلٍ وقصدوا المدينةَ.
ولما سَمِعَ بهم النبيُّ ﷺ خندَقَ على المدينةِ، وخرَجَ المسلمونَ نحوَ الخندقِ.
وجاءَ المشركونَ كما وصفَهم اللهُ بقولهِ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، ومكثُوا محاصرينَ المدينةَ عدةَ
_________________
(١) البخاري (٤٠٤٣) بنحوه.
[ ٣٤٨ ]
أيامٍ، وحالَ الخندقُ بينَهم وبينَ اصطدامِ الجيوشِ، وحصلَ مناوشاتٌ يسيرةٌ بينَ أفرادٍ من الخيلِ، وسبَّبَ اللهُ عدةَ أسبابٍ لانخذالِ المشركينَ، ثم انشمَرُوا إلى ديارِهم.
فلما رجعُوا خائبينَ لم ينالوا ما كانوا جازمينَ على حصولهِ تفرَّغَ النبيُّ- ﷺ لبني قريظةَ الذينَ ظاهَرُوا المشركينَ بقولِهم وتشجيعِهم على قصدِ المدينةِ، ومظاهرتِهم الفعليةِ، ونقضِهم ما كانَ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ؛ فحاصَرَهم، فنزلُوا على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فحكَمَ أنْ تُقتلَ مقاتلتُهم، وتُسبَى ذرارِيهم.
وفي هذهِ الغزوةِ أنزلَ اللهُ صدرَ سورةِ (الأحزاب) من قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، إلى قولهِ: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٧].
* ثم في سنةِ ستٍ من الهجرةِ اعتمَرَ ﷺ وأصحابُهُ عمرةَ الحديبيةِ، وكانَ البيتُ لا يُصدُّ عنهُ أحدٌ، فعزمَ المشركونَ على صدِّ النبيِّ ﷺ عنهُ، ولما بلَغَ الحديبيةَ ورأى المشركينَ قدْ أخذَتْهم الحميةُ الجاهليةُ جازمينَ على القتالِ دخَلَ معهم في صلحٍ؛ لحقنِ الدماءِ في بيتِ اللهِ الحرامِ، ولما في ذلكَ من المصالحِ.
وصارَ الصلحُ على أنْ يرجعَ النبيُّ ﷺ عامَهُ هذا، ولا يدخلَ البيتَ، ويكونَ القضاءُ من العامِ القابلِ، وتضعَ الحربُ أوزارَها بينَهم عشرَ سنينَ؛ فكرِهُ جمهورُ المسلمينَ هذا الصلحَ حينَ توهمُوا أنَّ فيه غضاضةً على المسلمينَ، ولم يطَّلعُوا على ما فيه من المصالحِ الكثيرةِ.
[ ٣٤٩ ]
فرجَعَ ﷺ عامَهُ ذلكَ، وقضَى هذهِ العمرةَ في عامِ سبعٍ من الهجرةِ، فأنزَلَ اللهُ في هذهِ القضيةِ سورةَ (الفتح) بأكملِها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١].
فكانَ هذا الفتحُ لما فيه من الصلحِ الذي تمكَّنَ فيه المسلمونَ من الدعوةِ إلى الإسلامِ، ودخولِ الناسِ في دينِ اللهِ حينَ شاهدُوا ما فيه من الخيرِ والصلاحِ والنورِ.
وقدْ تقدَّمَ أنَّ قصةَ بني قريظةَ دخلَتْ في ضمنِ قصةِ الخندقِ، أما قبيلةُ بني النضيرِ من اليهودِ فإنها قبلَ ذلكَ، حينَ همُّوا بالفتكِ بالنبيِّ ﷺ، وكانوا على جانبِ المدينةِ؛ غزاهم ﷺ، واحتمَوا بحصونِهم، ووعدَهم المنافقونَ حلفاؤُهم بنصرتِهم، فألقى اللهُ الرعبَ في قلوبِهم، وأنزلَهم رسولُ اللهِ ﷺ على أنْ يُجْلَوا عن ديارِهم، ولهم ما حملَتْ إبلُهم، ويدعُوا الأرضَ والعقارَ وما لم تحملْهُ الإبلُ للمسلمينَ؛ فأنزلَ اللهُ في هذهِ القضيةِ أولَ سورةِ (الحشر): ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] إلى آخرِ القصةِ.
* وفي سنةِ ثمانٍ من الهجرةِ، وقدْ نقضَ قريشٌ العهدَ الذي بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ؛ غزا مكةَ في جندٍ كثيفٍ من المسلمينَ يقارِبُ عشرةَ آلافٍ، فدخلَها فاتحًا لها، ثم تمَّمَها بغزوِ حنينٍ على هَوازِنَ وثَقِيفٍ، فتمَّ بذلكَ نصرُ اللهِ لرسولهِ وللمسلمينَ، وأنزلَ اللهُ في ذلكَ أولَ سورةِ (التوبة).
* وفي سنةِ تسعٍ من الهجرةِ غزا تبوكَ، وأوعَبَ المسلمونَ معهُ، ولم يتخلَّفْ إلا أهلُ الأعذارِ، وأناسٌ من المنافقينَ، وثلاثةٌ من صُلَحاءِ المؤمنينَ: كعبُ بنُ مالكٍ وصاحباهُ.
وكان الوقتُ شديدًا، والحرُّ شديدًا، والعدوُّ كثيرًا، والعسرةُ مشتدةً، فوصَلَ إلى تبوكَ ومكَثَ عشرينَ يومًا ولم يحصُلْ قتالٌ، فرجعَ إلى المدينةِ؛ فأنزلَ اللهُ في هذهِ الغزوةِ
[ ٣٥٠ ]
آياتٍ كثيرةً من سورةِ (التوبة)، يذكرُ تعالى تفاصيلَها وشدتَها، ويُثنِي على المؤمنينَ، ويذمُّ المنافقينَ وتخلَّفَهم، ويذكرُ توبتَهُ على النبيِّ والمهاجرينَ والأنصارِ الذينَ اتبعوهُ في ساعةِ العسرةِ، ويَدخلُ معهم الثلاثةُ الذينَ خُلِّفُوا بعدَ توبتِهم وإنابتِهم.
وفي مطاوي هذهِ الغزواتِ يذكُرُ اللهُ آياتِ الجهادِ وفرضَهُ وفضلَهُ وثوابَ أهلهِ، وما للناكلينَ عنهُ من الذلِّ العاجلِ والعقابِ الآجلِ، كما أنهُ في أثناءِ هذهِ المدةِ يُنزلُ اللهُ الأحكامَ الشرعيةَ شيئًا فشيئًا بحسبِ ما تقتضيهِ حكمتهُ.
* وفي سنةِ تسعٍ من الهجرةِ أو سنةِ عشرٍ فرَضَ اللهُ الحجَّ على المسلمينَ، وكانَ
أبو بكرٍ حجَّ بالناسِ سنةَ تسعٍ، ونبذَ إلى المشركينَ عهودَهم، وأتمَّ عهودَ الذينَ لم ينقضُوا.
ثم حجَّ النبيُّ ﷺ بالمسلمينَ سنةَ عشرٍ، واستوعَبَ المسلمينَ معهُ، وأَعلمَهم بمناسكِ الحجِّ والعمرةِ بقولهِ وفعلهِ، وأنزلَ اللهُ الآياتِ التي في الحجِّ وأحكامهِ، وأنزلَ اللهُ يومَ عرفةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فلم يبقَ من العلومِ النافعةِ علمٌ إلا بيَّنَهُ لهم؛ فإنَّ القرآنَ تبيانٌ لكلِّ شيءٍ: فعلومُ الأصولِ، وعلومُ الفروعِ والأحكامِ، وعلومُ الأخلاقِ والآدابِ، وعلومُ الكونِ، وكلُّ ما يحتاجهُ الخلقُ من ذلكَ اليومِ إلى أنْ تقومَ الساعةُ؛ ففي القرآنِ بيانهُ والإرشادُ إليهِ، وهوَ الذي إليهِ المرجعُ في جميعِ الحقائقِ الشرعيةِ والعقليةِ، ومحالٌ وممتنعٌ أنْ يأتيَ علمٌ صحيحٌ -لا محسوس ولا معقول- ينقضُ شيئًا مما جاءَ بهِ القرآنُ؛ فإنهُ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾
[ ٣٥١ ]
[الأحزاب: ٤]، فهذهِ الآيةُ جمعَتْ بينَ نوعَي العلومِ: فإنَّ العلومَ وسائلُ (^١)، ومقاصدُ وهوَ الحقُّ الذي يقولهُ اللهُ في كتابهِ وعلى لسانِ رسولهِ؛ ونوعٌ وسائلُ، وهوَ الهدايةُ إلى السبيلِ إلى كلِّ علمٍ وعملٍ.
كما أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] جمعَتِ الكمالَ في ألفاظهِ ومعانيهِ:
- فألفاظُهُ أوضحُ الألفاظِ وأبلغُها وأحسنُها تفسيرًا لكلِّ ما تفسِّرهُ من الحقائقِ، بوضوحِها وأحكامِها وقوامِها.
- ومعانيهِ كلُّها حقٌّ.
وذلكَ أنهُ: ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، ﴿صِدْقًا﴾ في أخبارِها، ﴿وَعَدْلًا﴾ في أحكامِها: أوامرِها ونواهِيها، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فأحكامُهُ على الإطلاقِ أحسنُ الأحكامِ، وأنفعُها للعبادِ، فهذا في شرعهِ ودينهِ، ونظيرهُ في خَلْقهِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧].
* وقدْ جمعَ اللهُ في كتابهِ بينَ المتقابلاتِ العامةِ؛ وذلكَ لكمالِ هذا الكتابِ وأحكامهِ كالأمثلةِ السابقةِ، وكما في قولهِ تعالى:
* ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فإنَّ البرَّ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبهُ اللهُ ويرضاهُ من العقائدِ والأخلاقِ والأعمالِ. والتقوى: اسمٌ جامعٌ لما يجبُ اتقاؤهُ من جميعِ المآثمِ والمضارِّ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فالإثمُ: المعاصِي
_________________
(١) في (خ): مسائل.
[ ٣٥٢ ]
المتعلقةُ بحقوقِ اللهِ، والعدوانُ: البغيُ على الخلقِ في الدماءِ والأموالِ والأعراضِ والحقوقِ.
* وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] فجمَعَ بينَ زادِ سفرِ الدنيا، وزادِ سفرِ الآخرةِ بالتقوى.
* وكذلكَ قولهُ تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] فهذا اللباسُ الحسيُّ الضروريُّ والكماليُّ، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] فهذا اللباسُ المعنويُّ، وإنْ شئتَ قلتَ عن الأولِ: إنهُ لباسُ البدنِ، وعن لباسِ التقوى: إنها لباسُ القلبِ والروحِ.
* وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] جمَعَ لهم بينَ نعيمِ الظاهرِ بالنضرةِ والحسنِ والبهاءِ، ونعيمِ الباطنِ بكمالِ الفرحِ والسرورِ.
* وكذلك قولهُ في صفةِ نساءِ الجنةِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] فوصفهنَّ بجمالِ الباطنِ بحسنِ الخلقِ الكاملِ، وجمالِ الظاهرِ بأنهنَّ حسانُ الوجوهِ وجميعُ الظاهرِ.
* ولما ذكرَ السيرَ الحسيَّ ذكرَ السيرَ المعنويَّ، فقالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩].
* وكذلك قولهُ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١] أي: أفرادًا؛ بدليلِ قولهِ: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.
* وكذلك قولهُ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] كذَّبَ الخبرَ، وتولَّى عن الطاعةِ، التكذيبُ: انحرافُ الباطنِ، والتولي: انحرافُ الظاهرِ. ونظيرهُ قولهُ: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٨].
[ ٣٥٣ ]
وضدُّ ذلكَ ما رتبَ اللهُ على الإيمانِ والعملِ الصالحِ من خيرِ الدنيا والآخرةِ؛ فإنَّ الإيمانَ ضدُّ التكذيبِ، والتوليَ ضدُّ الاستقامةِ والعملِ الصالحِ.
* وكذلك قولهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، تجمعُ جميعَ ما يُرادُ من العبدِ، فالعبادةُ حقُّ اللهِ على العبدِ، والإعانةُ من ربهِ إسعافهُ بما استعانَ عليهِ من عبوديةِ ربهِ وغيرِها من منافعهِ، فالعبدُ في عبادةٍ للهِ واستعانةٍ بهِ.
* وكذلك قولهُ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] فجمَعَ للمؤمنِ العاملِ للصالحاتِ بينَ طيبِ الحياةِ في الدنيا والآخرةِ.
ونظيرُه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [النحل: ٤١]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
* وكذلك قولهُ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في مواضعَ، نفَى جميعَ المكروهِ الماضي بنفيِ الحزنِ، والمستقبلِ بنفيِ الخوفِ.
* وكذلك قولهُ تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] فالروحُ: اسمٌ جامعٌ لنعيمِ القلبِ، والريحانُ: اسمٌ جامعٌ لنعيمِ الأبدانِ؛ وجنةُ نعيمٍ: تجمعُ الأمرينِ.
* وكذلك قولهُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] أي: القرآنِ الذي أنزلَهُ، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ جمَعَ له بينَ عذابِ الدنيا، وعذابِ البرزخِ وعذابِ دارِ القرارِ.
* وكذلك قولهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥] أي: متكبرٍ على الحقِّ، جبارٍ على الخلقِ.
[ ٣٥٤ ]
ومثلُه: ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] أي: معتدٍ في البغيِّ على عبادِ اللهِ، ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: متجرئٍ على محارمِ اللهِ.
* وكذلك قولهُ في مواضعَ: ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فالوليُّ: الذي يَجلِبُ لمولِّيهِ المنافعَ، والنصيرُ: الذي يدفعُ عنهُ المضارَّ.
[ ٣٥٥ ]