قدْ ذكرَ اللهُ لموسى بنِ عمرانَ ومعَهُ أخوهُ هارونُ ﵉ سيرةً طويلةً، وساقَ قصصَهُ في مواضعَ من كتابهِ بأساليبَ متنوعةٍ واختصارٍ أو بسطٍ يليقُ بذلكَ المقامِ، وليسَ في قصصِ القرآنِ أعظمُ من قصةِ موسى؛ لأنهُ عالجَ فرعونَ وجنودَهُ، وعالجَ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ.
وهوَ أعظمُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وشريعتهُ وكتابهُ التوراةُ هوَ مرجعُ أنبياءِ بني إسرائيلَ وعلمائِهم، وأتباعُه أكثرُ أتباعِ الأنبياءِ غير أمةِ محمدٍ ﷺ، ولهُ من القوةِ العظيمةِ في إقامةِ دينِ اللهِ، والدعوةِ إليهِ، والغيرةِ العظيمةِ ما ليسَ لغيرهِ.
وقدْ وُلِدَ في وقتٍ قدْ اشتدَّ فيه فرعونُ على بني إسرائيلَ، فكان يذبحُ كلَّ مولودٍ ذكرٍ يُولدُ من بني إسرائيلَ، ويستحيي النساءَ للخدمةِ والامتهانِ، فلما ولدتهُ أمهُ خافَتْ عليهِ خوفًا شديدًا؛ فإنَّ فرعونَ جعَلَ على بني إسرائيلَ مَنْ يرقبُ نساءَهم ومواليدَهم، وكان بيتُها على ضفةِ نهرِ النيلِ، فألهمَها اللهُ أنْ وضعَتْ لهُ تابوتًا إذا خافَتْ أحدًا ألقَتْهُ في اليمِّ، وربطَتْهُ بحبلٍ لئلَّا تجريَ بهِ جريةُ الماءِ، ومن لطفِ اللهِ بها أنهُ أوحَى لها أنْ ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٩].
فلما ألقَتْهُ ذاتَ يومٍ انفلَتَ رباطُ التابوتِ، فذهبَ الماءُ بالتابوتِ الذي في وسطهِ موسى، ومِن قدرِ اللهِ أنْ وقعَ في يدِ آلِ فرعونَ، وجيءَ بهِ إلى امرأةِ فرعونَ أسيةَ، فلما رأتْهُ أحبَّتْهُ حبًّا شديدًا، وكان اللهُ قدْ ألقَى عليهِ المحبةَ في القلوبِ.
[ ٢٦٦ ]
وشاعَ الخبرُ ووصلَ إلى فرعونَ، فطلبَهُ ليقتلَهُ، فقالَتْ امرأتهُ: لا تقتلُوهُ، قرَّةُ عينٍ لي ولكَ، عسى أنْ ينفعَنا أو نتخذَهُ ولدًا (^١)؛ فنجا بهذا السببِ من قتلِهم، وكان هذا الأثرُ الطيبُ والمقدمةُ الصالحةُ من السعيِ المشكورِ عندَ اللهِ، فكان هذا من أسبابِ هدايتِها وإيمانِها بموسى بعدَ ذلكَ.
أما أمُّ موسى فإنها فزعَتْ، وأصبحَ فؤادُها فارغًا، وكادَ الصبرُ أنْ يُغلبَ فيها، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص: ١٠]، وقالتْ لأختهِ: قُصِّيهِ وتحسَّسي عنهُ، وكانتْ امرأةُ فرعونَ قدْ عرضَتْ عليهِ المراضعَ فلم يقبَلْ ثديَ امرأةٍ، وعطَشَ وجعَلَ يتلوَّى من الجوعِ، وأخرجوهُ إلى الطريقِ؛ لعلَ اللهَ أنْ ييسرَ لهُ أحدًا.
فحانَتْ من أختهِ نظرةٌ إليهِ، وبصُرَتْ بهِ عن جنبٍ وهم لا يشعرونَ بشأنِها، فلما أقبلَتْ عليهِ وفهمَتْ منهم أنهم يطلبونَ لهُ مرضعًا قالتْ لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.
ثم ذكَرَ اللهُ في هذهِ السورةِ [قصتَهُ] (^٢) مفصلةً واضحةً، وكيفَ تنقَّلَتْ بهِ الأحوالُ، قراءتُها كافيةٌ عن شرحِ معناها؛ لوضوحِها وتفصيلاتِها، واللهُ تعالى ما فصَّلَ لنا إلا ما ننتفعُ بهِ ونعتبرُ، ولكنْ في قصتهِ من العبرِ والفوائدِ شيءٌ كثيرٌ ننبِّهُ على بعضِها.
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩].
(٢) كذا في (خ). وفي (ط): قصة.
[ ٢٦٧ ]
* ذكرُ الفوائدِ المستنبطةِ، نصًّا أو ظاهرًا أو تعميمًا أو تعليلًا، من قصةِ موسى ﷺ:
* منها: لطفُ اللهِ بأمِّ موسى بذلكَ الإلهامِ الذي بهِ سَلِمَ ابنُها، ثم تلكَ البشارةِ من اللهِ لها بردِّهِ إليها، التي لولاها لقضَى عليها الحزنُ على ولدِها، ثم ردِّهِ إليها بإلجائهِ إليها قدرًا بتحريمِ المراضعِ عليهِ؛ وبذلكَ وغيرهِ يُعلَمُ أنَّ ألطافَ اللهِ على أوليائهِ
لا تتصورُها العقولُ، ولا تعبرُ عنها العباراتُ.
وتأمَّلْ [حسنَ] (^١) موقعِ هذهِ البشارةِ، وأنهُ أتاها ابنُها ترضعهُ جهرًا، وتأخذُ عليهِ أجرًا، وتسمَّى أمهُ شرعًا وقدرًا، وبذلكَ اطمأنَّ قلبُها، وازدادَ إيمانُها، وفي هذا مصداقٌ لقولهِ تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فلا أكرهَ لأمِّ موسى من وقوعِ ابنِها بيدِ آلِ فرعونَ، ومعَ ذلكَ ظهرَتْ عواقبهُ الحميدةُ، وآثارهُ الطيبةُ.
* ومنها: أنَّ آياتِ اللهِ وعبرَهُ في الأممِ السابقةِ إنما يَستفيدُ منها ويَستنيرُ بها المؤمنونَ، واللهُ يسوقُ القصصَ لأجلِهم، كما قالَ تعالى في هذهِ القصةِ: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [القصص: ٣].
* ومنها: أنَّ اللهَ إذا أرادَ شيئًا هيَّأَ أسبابَهُ، وأتى بهِ شيئًا فشيئًا بالتدريجِ، لا دفعةً واحدةً.
* ومنها: أنَّ الأمةَ المستضعفةَ -ولوْ بلغَتْ في الضعفِ ما بلغَتْ- لا ينبغِي أنْ يستوليَ عليها الكسلُ عن السعيِ في حقوقِها، ولا اليأسُ من الارتقاءِ إلى أعلى الأمورِ، خصوصًا إذا كانوا مظلومينَ، كما استنقَذَ اللهُ بني إسرائيلَ على ضعفِها واستعبادِها لفرعونَ وملئهِ منهم، ومكَّنَهم في الأرضِ، وملَّكَهم بلادَهم.
_________________
(١) زيادة من (خ).
[ ٢٦٨ ]
* ومنها: أنَّ الأمةَ ما دامَتْ ذليلةً مقهورةً لا تطالِبُ بحقِّها لا يقومُ لها أمرُ دينِها، كما لا يقومُ لها أمرُ دنياها.
* ومنها: أنَّ الخوفَ الطبيعيَّ من الخلقِ لا يُنافي الإيمانَ ولا يزيلهُ، كما جرَى لأمِّ موسى ولموسى من تلكَ المخاوفِ.
* ومنها: أنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ؛ لقولهِ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]، والمرادُ بالإيمانِ هنا: زيادتهُ وزيادةُ طمأنينتهِ.
* ومنها: أنَّ من أعظمِ نعمِ اللهِ على العبدِ: تثبيتَ اللهِ لهُ عندَ المقلقاتِ والمخاوفِ، فإنهُ كما يزدادُ بهِ إيمانهُ وثوابهُ فإنهُ يتمكنُ من القولِ الصوابِ والفعلِ الصوابِ، ويبقَى رأيهُ وأفكارهُ ثابتةً؛ وأما مَنْ لم يحصُلْ لهُ هذا الثباتُ، فإنهُ لقلقهِ وروعهِ يضيعُ فكرهُ، ويذهلُ عقلهُ، ولا ينتفعُ بنفسهِ في تلكَ الحالِ.
* ومنها: أنَّ العبدَ وإنْ عرَفَ أنَّ القضاءَ والقدرَ حقٌّ، وأنَّ وعدَ اللهِ نافذٌ لابدَّ منهُ؛ فإنهُ لا يهملُ فعلَ الأسبابِ التي تنفعُ؛ فإنَّ الأسبابَ والسعيَ فيها من قدرِ اللهِ، فإنَّ اللهَ قدْ وعدَ أمَّ موسى أنْ يردَّهُ عليها، ومعَ ذلكَ لما التقطَهُ آلُ فرعونَ سعَتْ بالأسبابِ، وأرسلَتْ أختَهُ لتقصَّهُ، وتعملَ الأسبابَ المناسبةَ لتلكَ الحالِ.
* ومنها: جوازُ خروجِ المرأةِ في حوائجِها، وتكليمِها للرجالِ، إذا انتفَى المحذورُ، كما صنعَتْ أختُ موسى، وابنتا صاحبِ مَدْينَ.
* ومنها: جوازُ أخذِ الأجرةِ على الكفالةِ والرضاعِ، كما فعلَتْ أمُّ موسى، فإنَّ شرْعَ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يرِدْ مِنْ شرعِنا ما ينسخهُ.
[ ٢٦٩ ]
* ومنها: أنَّ قتلَ الكافرِ الذي لهُ عهدٌ بعقدٍ أو عرفٍ لا يجوزُ، فإنَّ موسى نَدِمَ على قتلهِ القبطيَّ، واستغفرَ اللهَ منهُ وتابَ إليهِ.
* ومنها: أنَّ الذي يقتلُ النفوسَ بغيرِ حقٍّ يُعدُّ من الجبارينَ المفسدينَ في الأرضِ، ولوْ كان غرضهُ من ذلكَ الإرهابَ، ولوْ زعمَ أنهُ مصلحٌ، حتى يَرِدَ الشرعُ بما يبيحُ قتلَ النفسِ.
* ومنها: أنَّ إخبارَ الغيرِ بما قيلَ فيه وعنهُ، على وجهِ التحذيرِ لهُ، من شرٍّ يقعُ بهِ؛
لا يكونُ نميمةً، بلْ قدْ يكونُ واجبًا، كما ساقَ اللهُ خبرَ ذلكَ الرجلِ الذي جاءَ من أقصى المدينةِ يسعَى محذِّرًا لموسى، على وجهِ الثناءِ عليهِ.
* ومنها: إذا خافَ التلفَ بالقتلِ بغيرِ حقٍّ في إقامتهِ في موضعٍ، فلا يُلقِي بيدهِ إلى التهلكةِ ويستسلمُ للهلاكِ، بلْ يفرُّ من ذلكَ الموضعِ معَ القدرةِ، كما فعَلَ موسى.
* ومنها: إذا كان لابدَّ من ارتكابِ إحدى مفسدتَينِ تعيَّنَ ارتكابُ الأخفِّ منهما الأسلمِ؛ دفعًا لما هوَ أعظمُ وأخطرُ، فإنَّ موسى لما دارَ الأمرُ بينَ بقائهِ في مصرَ ولكنهُ يُقتَلُ، أو ذهابهِ إلى بعضِ البلدانِ البعيدةِ التي لا يعرفُ الطريقَ إليها، وليسَ معهُ دليلٌ يدلُّهُ غيرَ هدايةِ ربِّهِ، ومعلومٌ أنها أرجَى للسلامةِ؛ لا جرمَ آثرَها موسى.
* ومنها: فيه تنبيهٌ لطيفٌ على أنَّ الناظرَ في العلمِ عندَ الحاجةِ إلى العملِ أو التكلمِ بهِ، إذا لم يترجَّحْ عندَهُ أحدُ القولينِ فإنهُ يستهدِي ربَّهُ، ويسألُهُ أنْ يهديَهُ إلى الصوابِ من القولَينِ بعدَ أنْ يقصدَ الحقَّ بقلبهِ ويبحثَ عنهُ؛ فإنَّ اللهَ لا يُخيِّبُ مَنْ هذهِ حالُهُ، كما جرى لموسى لما قصَدَ تلقاءَ مدينَ ولا يدرِي الطريقَ المعينَ إليها، قالَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، وقدْ هداهُ اللهُ وأعطاهُ ما رجاهُ وتمناهُ.
[ ٢٧٠ ]
* ومنها: أنَّ الرحمةَ والإحسانَ على الخلقِ، مَنْ عرفَهُ العبدُ ومَن لا يعرفُهُ؛ من أخلاقِ الأنبياءِ، وأنَّ من جملةِ الإحسانِ الإعانةَ على سقيِ الماشيةِ، وخصوصًا إعانةَ العاجزِ، كما فعلَ موسى معَ ابنتَي صاحبِ مدينَ حينَ سقَى لهما لما رآهما عاجزتَينِ عن سقيِ ماشيتِهما قبلَ صدورِ الرعاةِ.
* ومنها: أنَّ اللهَ كما يحبُّ من الداعي أنْ يتوسَّلَ إليهِ بأسمائهِ وصفاتهِ، ونعمهِ العامةِ والخاصةِ؛ فإنهُ يحبُّ منهُ أنْ يتوسَّلَ إليهِ بضعفهِ وعجزهِ وفقرهِ، وعدمِ قدرتهِ على تحصيلِ مصالحهِ، ودفعِ الأضرارِ عن نفسهِ، كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]؛ لما في ذلكَ من إظهارِ التضرعِ والمسكنةِ، والافتقارِ للهِ الذي هوَ حقيقةُ كلِّ عبدٍ.
* ومنها: أنَّ الحياءَ والمكافأةَ على الإحسانِ لم يزَلْ دأبَ الأممِ الصالحينَ.
* ومنها: أنَّ العبدَ إذا عَمِلَ العملَ للهِ خالصًا، ثم حصَلَ بهِ مكافأةٌ عليهِ بغيرِ قصدهِ فإنهُ لا يُلامُ على ذلكَ، ولا يخلُّ بإخلاصهِ وأجرهِ، كما قَبِلَ موسى مكافأةَ صاحبِ مدينَ عن معروفهِ الذي لم يطلبْهُ، ولم يستشرِفْ لهُ على معاوضةٍ.
* ومنها: جوازُ الإجارةِ على كلِّ عملٍ معلومٍ، في نفع معلومٍ، أو زمنٍ مسمًّى، وأنَّ مردَّ ذلكَ إلى العرفِ، وأنهُ تجوزُ الإجارةُ وتكونُ المنفعةُ البُضْعَ، كما قالَ صاحبُ مدينَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] الآية، وأنهُ يجوزُ للإنسانِ أنْ يخطبَ الرجلَ لابنتهِ ونحوِها ممن هوَ وليٌّ عليها، ولا نقصَ في ذلكَ، بلْ قدْ يكونُ نفعًا وكمالًا، كما فعَلَ صاحبُ مدينَ معَ موسى.
* ومنها: قولهُ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] هذانِ الوصفانِ بهما تمامُ الأعمالِ كلِّها، فكلُّ عملٍ من الولاياتِ أو من الخدماتِ أو من
[ ٢٧١ ]
الصناعاتِ، أو من الأعمالِ التي القصدُ منها الحفظُ والمراقبةُ على العمالِ والأعمالِ، إذا جمَعَ الإنسانُ الوصفَينِ: أنْ يكونَ قويًّا على ذلكَ العملِ بحسبِ أحوالِ الأعمالِ، وأنْ يكونَ مؤتمنًا عليهِ؛ تمَّ ذلكَ العملُ، وحصلَ مقصودهُ وثمرتهُ، والخللُ والنقصُ سببهُ الإخلالُ بهما أو بأحدِهما.
* ومنها: من أعظمِ مكارمِ الأخلاقِ: تحسينُ الخلقِ معَ كلِّ مَنْ يتصلُ بكَ مِنْ خادمٍ وأجيرٍ وزوجةٍ وولدٍ ومعاملٍ وغيرِهم، ومن ذلكَ تخفيفُ العملِ عن العاملِ؛ لقولهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، وفيهِ: أنهُ لا بأسَ أنْ يرغِّبَ المعاملُ في معاملتهِ بالمعاوضاتِ والإجاراتِ، بأنْ يصفَ نفسَهُ بحسنِ المعاملةِ، بشرطِ أنْ يكونَ صادقًا في ذلكَ.
ومنها: جوازُ عقدِ المعاملاتِ من إجارةِ وغيرِها بغيرِ إشهادٍ؛ لقولهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، وتقدَّمَ أنَّ الإشهادَ تنحفظُ بهِ الحقوقُ، وتقلُّ المنازعاتُ، والناسُ في هذا الموضعِ درجاتٌ متفاوتةٌ، وكذلكَ الحقوقُ.
* ومنها: الآياتُ البيناتُ التي أيَّدَ اللهُ بها موسى:
• من انقلابِ عصاهُ التي كان يعرفُها حية تسعَى، ثم عَوْدِها (^١) سيرتَها الأولى.
• وأنَّ يدَهُ إذا أدخلَها في جيبهِ ثم أخرجَها صارَتْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ للناظرينَ.
• ومن عصمةِ (^٢) اللهِ وحمايتهِ لموسى وهارونَ من فرعونَ وملئهِ.
_________________
(١) بعدها في (خ): إلى.
(٢) في (ط): رحمة. والمثبت من (خ)، ولعله الصواب؛ لموافقته نص المؤلف في كتابه «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٦١٨).
[ ٢٧٢ ]
• ومن انفلاقِ البحرِ لما ضربَهُ موسى بعصاهُ، فصارَ اثنَيْ عشرَ طريقًا، وسلكَهُ هؤلاءِ فنَجَوا، وقومُ فرعونَ فهلكُوا.
وغيرُ ذلكَ من الآياتِ المتتابعاتِ، التي هيَ براهينُ وآياتٌ لمن رآها وشاهدَها، وبراهينُ لمن سمعَها، فإنها نقلَتْها [أعظمُ] (^١) مصادرِ اليقينِ الكتبُ السماويةُ، ونقلَتْها القرونُ كلُّها، ولم ينكِرْ مثلَ هذهِ الآياتِ إلا جاهلٌ مكابرٌ زنديقٌ، وجميعُ آياتِ الأنبياءِ بهذهِ المثابةِ.
* ومنها: أنَّ آياتِ الأنبياءِ، وكراماتِ الأولياءِ، وما يخرقهُ اللهُ من الآياتِ، ومن تغييرِ الأسبابِ، أو منعِ سببيتِها، أو احتياجِها إلى أسبابٍ أخرَ، أو وجودِ موانعَ
تعوقُها - هيَ من البراهينِ العظيمةِ على وحدانيةِ اللهِ، وأنهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ أقدارَ اللهِ لا يخرجُ عنها حادثٌ جليلٌ ولا حقيرٌ، وأنَّ هذهِ المعجزاتِ والكراماتِ والتغييراتِ لا تُنافِي ما جعَلَ اللهُ في هذهِ المخلوقاتِ من الأسبابِ المحسوسةِ، والنظاماتِ المعهودةِ، وإنكَ لا تجدُ لسنةِ اللهِ تبديلًا ولا تحويلًا؛ فإن سننَ اللهِ في جميعِ الحوادثِ السابقةِ واللاحقةِ قسمانِ:
• أحدُهما: وهوَ جمهورُ الحوادثِ والكائناتِ والأحكامِ الشرعيةِ والقدريةِ وأحكامِ الجزاءِ: لا تتغيرُ ولا تتبدلُ عما يعهدهُ الناسُ ويعرفونَ أسبابَهُ، وهذا القسمُ أيضا مندرجٌ في قدرةِ اللهِ وقضائهِ.
ويُستفادُ من هذا: العلمُ بكمالِ حكمةِ اللهِ في خلقهِ وشرعهِ، وأنَّ الأسبابَ والمسبباتِ من سلَكَ طرقَها على وجهٍ كاملٍ أفضَتْ بهِ إلى نتائجِها وثمراتِها، ومن لم
_________________
(١) كذا في (خ). وفي (ط): معظم.
[ ٢٧٣ ]
يسلُكْها أو سلَكَها على وجهٍ ناقصٍ لم يحصُلْ لهُ الثمراتُ التي رُتبَتْ على الأعمالِ شرعًا ولا قدرًا، وهذهِ توجبُ للعبدِ أنْ يجدَّ ويجتهدَ في الأسبابِ الدينيةِ والدنيويةِ النافعةِ معَ استعانتهِ باللهِ، والثناءِ على ربهِ في تيسيرِها وتيسيرِ أسبابِها وآلاتِها، وكلِّ ما تتوقفُ عليهِ.
• والقسمُ الثاني: حوادثُ معجزاتِ الأنبياءِ التي تواترَتْ تواترًا لا يتواترُ مثلهُ في جميعِ الأخبارِ، وتناقلَتْها القرونُ كلُّها، وكذلكَ ما يكرمُ اللهُ بهِ عبادَهُ من إجابةِ الدعواتِ، وتفريجِ الكرباتِ، وحصولِ المطالبِ المتنوعةِ، ودفعِ المكارهِ التي لا قدرةَ للعبدِ على دفعِها، والفتوحاتِ الربانيةِ، والإلهاماتِ الإلهيةِ، والأنوارِ التي يقذفُها اللهُ في قلوبِ خواصِّ خلقهِ، فيحصلُ لهم بذلكَ من اليقينِ والطمأنينةِ والعلومِ المتنوعةِ ما لا يُدركُ بمجردِ الطلبِ وفعلِ السببِ، ومن نصرهِ للرسلِ وأتباعِهم، وخذلانهِ لأعدائِهم وهوَ مشاهدٌ في كثيرٍ من الأوقاتِ.
فهذا القسمُ ليسَ عندَ الخلقِ اهتداءٌ إلى أسبابِ هذهِ الحوادثِ، ولا جُعِلَ لهم في الأصلِ وصولٌ إلى حقيقتِها وكنهِها، وإنما هيَ حوادثُ قدَّرَها الربُّ العظيمُ الذي هوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، بأسبابٍ وحكمٍ وسننٍ لا يعقلُها الخلقُ، ولا لحواسِّهم وتجاربِهم وصولٌ إليها بوجهٍ من الوجوهِ، وبها آمنَ الرسلُ من أولِهم إلى آخرِهم، وأتباعُهم الأولونَ منهم والآخرونَ، وبها يُعرفُ عظمةُ البارِي، وأنَّ نواصيَ العبادِ بيدهِ، وأنهُ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكنْ، ويُعرفُ بذلكَ صحةُ ما جاءتْ بهِ الرسلُ، كما يُعرفُ أيضًا بالقسمِ الأولِ.
وكما أنهُ لا سبيلَ إلى العبادِ في هذهِ الدار إلى إدراكِ كنهِ صفاتِ اليومِ الآخرِ، وكنهِ ما في الجنةِ والنارِ، وإنما يعلمونَ منها ما علَّمَتْهم بهِ الرسلُ، ونزلَتْ بهِ الكتبُ، ولا سبيلَ إلى أهلِ هذا الكونِ الأرضيِّ للوصولِ إلى العالمِ السماويِّ، ولا سبيلَ لهم إلى إحياءِ الموتى وإيجادِ الأرواحِ في الجماداتِ - فكذلكَ هذا النوعُ العظيمُ من حوادثِ الكونِ.
[ ٢٧٤ ]
وإنما أطَلْنا الكلامَ على هذهِ المسألةِ -وإنْ كانتْ تستحقُّ من البسطِ أكثرَ من هذا- لأمرينِ:
• أحدهما: أنَّ الزنادقةَ المتأخرينَ الذينَ أنكروا وجودَ البارِي، وأنكروا جميعَ ما أخبرَتْ بهِ الرسلُ والكتبُ السماويةُ من أمورِ الغيبِ، ولم يثبتُوا من العلومِ إلا ما وصلَتْ إليهِ حواسُّهم وتجاربُهم القاصرةُ على بعضِ علومِ الكونِ، وأنكروا ما سوى ذلكَ، وزعموا أنَّ هذا العالمَ وهذا النظامَ الموجودَ فيه لا يمكنُ أنْ يغيَّرَهُ مغيرٌ، أو يغيَّرَ شيئًا من أسبابهِ، وأنهُ وُجِدَ صدفةً من غيرِ إيجادِ موجدٍ، وأنهُ آلةٌ تمشي بنفسِها وطبيعتِها، ليسَ لها مدبرٌ ولا ربٌّ ولا خالقٌ!
وهؤلاءِ جميعُ أهلِ الأديانِ يعرفونَ مكابرتَهم ومباهتتَهم؛ لأنهم كما عُدِمُوا الدينَ بالكليةِ فقدْ اختلَّتْ عقولُهم الحقيقة؛ إذْ أنكروا أجلَى الحقائقِ وأوضحَها وأعظمَها براهينَ وآياتٍ، وتاهوا بعقولِهم القاصرةِ وآرائِهم الفاسدةِ، هؤلاءِ أمرُهم معلومٌ.
• ولكنَّ الأمرَ الثاني: أنَّ بعضَ أهلِ العلمِ العصريينَ، الذينَ يتظاهرونَ بنصرِ الإسلامِ والدخولِ معَ هؤلاءِ الزنادقةِ في الجدالِ عنهُ؛ يريدونَ باجتهادِهم أو اغترارِهم أنْ يطبقُوا السننَ الإلهيةَ وأمورَ الآخرةِ على ما يعرفهُ العبادُ بحواسِّهم، ويدركونَهُ بتجاربِهم؛ فحرَّفوا لذلكَ المعجزاتِ، وأنكروا الآياتِ البيناتِ، ولم يستفيدُوا إلا الضررَ على أنفسِهم، وعلى مَنْ قرأَ كتاباتِهم في هذهِ المباحثِ؛ إذْ ضَعُفَ إيمانُهم باللهِ بتحريفِهم لمعجزاتِ الأنبياءِ تحريفًا يؤولُ إلى إنكارِها، وإنكارِهم هذا النوعَ العظيمَ من قضاءِ اللهِ وقدرهِ، وضَعُفَ إيمانُ مَنْ وقَفَ على كلامِهم ممن ليسَتْ لهُ بصيرةٌ، ولا عندَهُ من العلومِ الدينيةِ ما يُبطلُ هذا النوعَ.
[ ٢٧٥ ]
ولم يحصُلْ ما زعموهُ من جلبِ الماديينَ إلى الهدَى والدينِ، بلْ زادُوهم إغراءً في مذاهبِهم؛ لما رأَوا أمثالَ هؤلاءِ يحاولونَ إرجاعَ النصوصِ الدينيةِ، ومعجزاتِ الأنبياءِ، وأمورِ الغيبِ؛ إلى علومِ هؤلاءِ القاصرةِ على التجاربِ والمدركاتِ بالحواسِّ، فيا عِظَمَ المصيبةِ، ويا شِدَّةَ الجُرْمِ المزوَّقِ! ولكنَّ ضعفَ البصيرةِ والإعجابَ بزنادقةِ الدهريينَ أوجبَ الخضوعَ لأقوالِهم، فلا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.
* ومنها: أنَّ مِنْ أعظمِ العقوباتِ على العبدِ أنْ يكونَ إمامًا في الشرِّ، وداعيًا إليهِ، كما أنَّ مِنْ أعظمِ نعمِ اللهِ على العبدِ أنْ يجعلَهُ إمامًا في الخيرِ هاديًا مهديًّا، قالَ تعالى في فرعونَ وملئهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
* ومنها: ما في هذهِ القصةِ من الدلالةِ على رسالةِ محمدٍ ﷺ، إذْ أخبَرَ بهذهِ القصةِ وغيرِها خبرًا مفصلًا مطابقًا وتأصيلًا موافقًا، قصَّهُ قصًّا، صدَّقَ بهِ المرسلينَ، وأيَّدَ بهِ الحقَّ المبينَ، وهوَ لم يحضُرْ في شيءٍ من تلكَ المواضعِ، ولا درَسَ شيئًا عرَفَ بهِ أحوالَ هذهِ التفصيلاتِ، ولا جالسَ وأخذَ عن أحدٍ من أهلِ العلمِ، إنْ هوَ إلا رسالةُ الرحمنِ الرحيمِ، ووحيٌ أنزلَهُ عليهِ الكريمُ المنانُ؛ لينذرَ بهِ العبادَ أجمعينَ؛ ولهذا يقولُ في آخرِ هذهِ القصةِ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦]، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] الآية، وهذا نوعٌ من أنواعِ براهينِ رسالتهِ.
* ومنها: ذكَرَ كثيرٌ من أهلِ العلمِ أنهُ يُستفادُ من قولهِ تعالى عن جوابِ موسى لربهِ لما سألهُ عن العصا فقالَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٧ - ١٨] الآية: استحبابُ استصحابِ العصا؛ لما فيه من
[ ٢٧٦ ]
هذهِ المنافعِ المعينةِ، والمجملةِ في قولهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وأنهُ يستفادُ منها أيضًا: الرحمةُ بالبهائمِ، والإحسانُ إليها، والسعيُ في إزالةِ ضررِها.
* ومنها: أنَّ قولَهُ جلَّ ذكرُهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي: أنَّ ذكرَ العبدِ لربهِ هوَ الذي خُلِقَ لهُ العبدُ، وبهِ صلاحهُ وفلاحهُ، وأنَّ المقصودَ من إقامةِ الصلاةِ إقامةُ هذا المقصودِ الأعظمِ، ولولا الصلاةُ التي تتكررُ على المؤمنينَ في اليومِ والليلةِ لتذكرَهم باللهِ، ويتعاهدونَ فيها قراءةَ القرآنِ، والثناءَ على اللهِ، ودعاءَه والخضوعَ لهُ الذي هوَ روحُ الذكرِ؛ لولا هذهِ النعمةُ لكانوا من الغافلينَ.
وكما أنَّ الذكرَ هوَ الذي خُلِقَ الخلقُ لأجلهِ، والعباداتُ كلُّها ذكرٌ للهِ؛ فكذلكَ الذكرُ يُعينُ العبدَ على القيامِ بالطاعاتِ وإنْ شقَّتْ، ويهوِّنُ عليهِ الوقوفَ بينَ يدي الجبابرةِ، ويخففُ عليهِ الدعوةَ إلى اللهِ، قالَ تعالى في هذهِ القصةِ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤]، وقالَ: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢].
* ومنها: إحسانُ موسى ﷺ على أخيهِ هارونَ؛ إذْ طلَبَ من ربهِ أنْ يكونَ نبيًّا معهُ، وطلَبَ المعاونةَ على الخيرِ والمساعدةَ عليهِ، إذْ قالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢] الآيات.
* ومنها: أنَّ الفصاحةَ والبيانَ مما يُعينُ على التعليمِ، وعلى إقامةِ الدعوةِ؛ لهذا طلَبَ موسى من ربهِ أنْ يحلَّ عقدةً من لسانهِ ليفقهوا قولَهُ، وأنَّ اللثغةَ لا عيبَ فيها إذا حصلَ الفهمُ للكلامِ، ومن كمالِ أدبِ موسى معَ ربهِ أنهُ لم يسأَلْ زوالَ اللثغةِ كلِّها، بلْ سألَ إزالةَ ما يحصلُ بهِ المقصودُ.
[ ٢٧٧ ]
* ومنها: أنَّ الذي ينبغِي في مخاطبةِ الملوكِ والرؤساءِ ودعوتِهم وموعظتِهم: الرفقُ والكلامُ اللينُ الذي يحصلُ بهِ الإفهامُ، بلا تشويشٍ ولا غلظةٍ، وهذا يُحتاجُ إليهِ في كلِّ مقامٍ، لكنَّ هذا أهمُّ المواضعِ؛ وذلكَ لأنهُ الذي يحصلُ بهِ الغرضُ المقصودُ، وهوَ قولهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
* ومنها: أنَّ مَنْ كان في طاعةِ اللهِ، مستعينًا باللهِ، واثقًا بوعدِ اللهِ، راجيًا ثوابَ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ معَهُ، ومَن كان اللهُ معَهُ فلا خوفَ عليهِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿لَا تَخَافَا﴾ [طه: ٤٦]، ثم علَّلَهُ بقولهِ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
* ومنها: أنَّ أسبابَ العذابِ منحصرةٌ في هذينِ الوصفينِ: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] أي: كذَّبَ خبرَ اللهِ وخبرَ رسلهِ، وتولَّى عن طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسلهِ، ونظيرُها قولهُ تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦].
* ومنها: أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] استوعبَ اللهُ بها الأسبابَ التي تُدرَكُ بها مغفرةُ اللهِ:
• أحدُها: التوبةُ، وهوَ الرجوعُ عما يكرههُ اللهُ ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبُّهُ اللهُ ظاهرًا وباطنًا، وهيَ تَجُبُّ ما قبلَها من الذنوبِ صغارِها وكبارِها.
• الثاني: الإيمانُ، وهوَ الإقرارُ والتصديقُ الجازمُ العامُّ بكلِّ ما أخبرَ اللهُ بهِ ورسولهُ، الموجبُ لأعمالِ القلوبِ، ثم تتبعُها أعمالُ الجوارحِ.
ولا ريبَ أنَّ ما في القلبِ من الإيمانِ باللهِ، وكتبهِ، ورسلهِ، واليومِ الآخرِ الذي
لا ريبَ فيه؛ أصلُ الطاعاتِ وأكبرُها وأساسُها، ولا ريبَ أنهُ بحسبِ قوتهِ يدفعُ
[ ٢٧٨ ]
السيئاتِ: يدفعُ ما لم يقَعْ فيمنعُ صاحبَهُ من وقوعهِ، ويدفعُ ما وقَعَ بالإتيانِ بما ينافيهِ، وعدمِ إصرارِ القلبِ عليهِ؛ فإنَّ المؤمنَ ما في قلبهِ من الإيمانِ ونورهِ لا يُجامِعُ المعاصيَ.
• والثالثُ: العملُ الصالحُ، وهذا شاملٌ لأعمالِ القلوبِ، وأعمالِ الجوارحِ، وأقوالِ اللسانِ؛ والحسناتُ يُذهبنَ السيئاتِ.
• الرابعُ: الاستمرارُ على الإيمانِ والهدايةِ والازديادِ منها.
فمَن كمَّلَ هذهِ الأسبابَ الأربعةَ فليَبْشَرْ بمغفرةِ اللهِ العامةِ الشاملةِ؛ ولهذا أتى فيه بوصفِ المبالغةِ فقالَ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ [طه: ٨٢].
ولنكتفِ من قصةِ موسى بهذهِ الفوائدِ، معَ أنَّ فيها فوائدَ كثيرةً للمتأملينَ.
[ ٢٧٩ ]