مكَثَ البشرُ بعدَ آدمَ قرونًا طويلةً وهم أمةٌ واحدةٌ على الهدَى، ثم اختلفُوا وأدخلَتْ عليهم الشياطينُ الشرورَ المتنوعةَ بطرقٍ كثيرةٍ.
فكان قومُ نوحٍ قدْ ماتَ منهم أناسٌ صالحونَ؛ فحزِنوا عليهم، فجاءَهم الشيطانُ فأمرَهم أنْ يصوِّروا تماثيلَهم؛ ليتسلَّوا بها وليتذكَّروا بها أحوالَهم، فكان هذا مبتدأَ الشرِّ.
فلما هلكَ الذينَ صوَّرُوهم لهذا المعنى جاءَ مَنْ بعدَهم وقدْ اضمحلَّ العلمُ، فقالَ لهم الشيطانُ: إنَّ هؤلاءِ -وَدًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسرًا- قدْ كان أولُوكم يدعونَهم ويستشفعونَ بهم، وبهم يُسقَونَ الغيثَ وتَزولُ الأمراضُ، فلم يزَلْ بهم حتى انهمكُوا في عبادتِهم على رغمِ نصحِ الناصحينَ.
ثم بعثَ اللهُ فيهم نوحًا ﷺ يعرفونَهُ ويعرفونَ صدقَهُ وأمانتَهُ وكمالَ أخلاقهِ، فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ورغبَهم في خيرِ الدنيا والآخرةِ فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤].
فلما بادأهم بالأمرِ بالإخلاصِ للهِ، وتسفيهِ آرائِهم، وتخويفِهم بعقوباتِ الدنيا والآخرةِ؛ قالوا: ما نراكَ إلَّا في ضلالٍ مبينٍ (^١)، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧].
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ [الأعراف: ٦٠].
[ ٢٢١ ]
وطلبوا منهُ أنْ يطردَ مَنْ كان معهُ من المؤمنينَ؛ استكبارًا منهم، واستنكافًا على الحقِّ وعلى الخلقِ، فبيَّنَ لهم أنهُ ليسَ بهِ ضلالٌ، وإنما بهِ تزولُ الضلالةُ عن الخلقِ، وأنهُ رسولٌ أمينٌ، على بينةٍ من ربهِ وبراهينَ واضحةٍ، وأنَّ المؤمنينَ لا يحلُّ طردُهم، بلْ حقُّهم الإكرامُ والاحترامُ، وأنهُ لا يدَّعي لهم طورًا يزاحمُ فيه الربَّ، فقالَ: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١].
فلم يزَلْ يدعُوهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، فلم يزِدْهم دعاؤهُ إلا فرارًا ونفورًا وإعراضًا، وتواصيًا منهم على الإقامةِ على ما هم عليهِ من عبادةِ غيرِ اللهِ والتمسكِ بها؛ فقالَ نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢١ - ٢٣].
فلما رأى أنَّ التذكيرَ لا ينفعُ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ، وأنهُ كلَّما جاءَ قرنٌ كان أخبثَ مما قبلَهُ، قالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
فأجابَ اللهُ دعوتَهُ، وأمرَهُ أنْ يصنعَ الفلكَ برعايةٍ منهُ، وحسنِ نظرٍ، وتعليمٍ من اللهِ لهُ هذهِ الصنعةَ التي امتنَّ اللهُ بها على العبادِ، وصارَ نوحٌ لهُ الفضلُ والابتداءُ بهذهِ الصناعةِ التي حصلَ بها من المنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ في جميعِ الأوقاتِ ما لا يعدُّ ولا يُحصَى. وأخبرَهُ اللهُ بتحتمِ إغراقِهم، [وألَّا] (^١) يُخاطِبَ ربَّهُ فيهم؛ فإنهم ظالمونَ.
وجعل ﴿يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، فقالَ لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ اليومَ، ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ إذا وقعَ الهلاكُ بكم.
_________________
(١) كذا في (خ). وفي (ط): وأنه لا.
[ ٢٢٢ ]
وأوحَى اللهُ إليهِ أنهُ إذا جاءَ ذلكَ الوقتُ ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أي: جُعِلَتِ الأرضُ كلُّها تتفجرُ عيونًا من كلِّ جانبٍ حتى المواضعِ البعيدةِ عن النارِ عادةً.
وأمرَهُ أنْ يحملَ من البهائمِ من كلِّ زوجينِ اثنينِ -ذكرٍ وأنثَى- ليبقَى نسلُها؛ لأنهُ يتعذرُ حملُها كلُّها، والحكمةُ تقتضِي إبقاءَ هذهِ الحيواناتِ التي خلَقَها اللهُ مسخرةً لمصالحِ البشرِ، ويحملَ معهُ جميعَ مَنْ آمنَ مِنْ رجالٍ ونساءٍ، والحالُ أنهُ: ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
وأمرهُ أنْ يحملَ أهلَهُ، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] بالهلاكِ.
فلما أركبَ جميعَ مَنْ أُمِرَ بهم قالَ لهم: سمُّوا اللهَ كلَّما جرَتْ وكلَّما رسَتْ؛ لأنَّ الأسبابَ مهما عَظُمَتْ فهيَ من لطفِ اللهِ، ولا تمامَ لها إلا باللهِ.
فحينئذٍ فجَّرَ اللهُ الأرضَ عيونًا، وأمَرَ السماءَ أنْ تصبَّ الماءَ المنهمرَ الكثيرَ، فالتقَتْ مياهُ السماءِ بمياهِ الأرضِ، وساحَتْ على الأماكنِ المنخفضةِ، ثم ارتفعَتْ شيئًا فشيئًا على كلِّ المرتفعاتِ؛ حتى خفيَتْ قممُ الجبالِ الشاهقةِ، والسفينةُ ﴿تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] تضربُ يمينًا وشمالًا.
وفي تلكَ الحالِ المزعجةِ، رأى نوحٌ ابنَهُ الكافرَ الذي كان على دينِ قومهِ، وقدْ اعتزلَ أباهُ حتى في هذهِ الحالِ، فرآهُ مثلَ سائرِ قومهِ قدْ فرَّ هاربًا من المياهِ الجارفةِ، فناداهُ نوحٌ مترقِّقًا، فقالَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢]، فتمادى بهِ الغرورُ في تلكَ الحالِ التي تنقشعُ فيها الغياهبُ إلا عن القلوبِ المحجوبةِ؛ فقالَ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، لم يخطِرْ ببالِهم أنَّ المياهَ سترتفعُ فوقَ
[ ٢٢٣ ]
رؤوسِ الجبالِ، فقالَ لهُ نوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فلا يعصمُ جبلٌ ولا حصنٌ ولا غيرُ ذلكَ، إلا مَنْ رحِمَ اللهُ، ورحمتُهُ في تلكَ الحالِ متعينةٌ في ركوبِ السفينةِ معَ نوحٍ، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود: ٤٣] فكان ذلكَ الابنُ من المغرقينَ.
فأغرقَ اللهُ جميعَ الكافرينَ، ونجَّى نوحًا ومَن معهُ أجمعينَ، وكان في ذلكَ آيةٌ على أنَّ ما جاءَ بهِ نوحٌ -من التوحيدِ والرسالةِ والبعثِ والدينِ- حقٌّ، وأنَّ مَنْ خالفَهُ فإنهُ مبطلٌ، ودليلٌ على الجزاءِ في الدنيا لأهلِ الإيمانِ بالنجاةِ والكرامةِ، ولأهلِ الكفرِ بالهلاكِ والإهانةِ.
فلما حصَلَ هذا المقصودُ العظيمُ أمَرَ اللهُ السماءَ أنْ تقلعَ عن الماءِ، والأرضَ أنْ تبلعَ ما فيها، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] أي: نقُصَ شيئًا فشيئًا، ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ السفينةُ بعدَ غيضِ الماءِ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وهوَ جبلٌ شامخٌ معروفٌ في نواحي «الموصل»، وهذا دليلٌ على أنَّ جميعَ الجبالِ قدْ غمرَتْها المياهُ وجاوزَها الطوفانُ.
وحزِنَ نوحٌ على ابنهِ؛ فقالَ مناديًا ربَّهُ مترققًا متضرِّعًا: يا ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أنْ أحملَ معي أهلي وأنتَ أرحم الراحمينَ، فقالَ لهُ ربهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أي: الموعودِ بنجاتِهم؛ لأنَّ اللهَ قيَّدَ ذلكَ بقولهِ: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] أي: هذا الدعاءُ لابنِكَ الذي على دينِ قومهِ بالنجاةِ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وهذا عتابٌ منهُ لنوحٍ وتعليمٌ لهُ وموعظةٌ عن مثلِ هذا الدعاءِ، الذي إنما حملَهُ عليهِ الشفقةُ الأبويةُ، وإنما الواجبُ في الدعاءِ أنْ يكونَ الحاملُ لهُ العلمَ والإخلاصَ في طلبِ رضا اللهِ تعالى.
[ ٢٢٤ ]
فقالَ نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٧ - ٤٨].
فهبَطَ، وبارَكَ اللهُ في ذريتهِ، وجعَلَ ﴿ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، فكان أولادُهُ: يافِث ملأَ المشرقَ من الذريةِ، وحام ملأَ المغربَ من النسلِ، وسام ملأَ ما بينَ ذلكَ.
ومكَثَ في قومهِ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، ومكثَ بعدَ هلاكِهم ما شاءَ اللهُ.
وكان مِنْ أولي العزمِ من المرسلينَ، ومِن الخمسةِ الذينَ تدورُ عليهم الشفاعةُ يومَ القيامةِ، وهوَ أولُ الرسلِ إلى الناسِ، وهوَ الأبُ الثاني للبشرِ ﷺ تسليمًا.
* يُستفادُ مِنْ هذهِ القصةِ أمورٌ:
* منها: أنَّ جميعَ الرسلِ من نوحٍ إلى محمدٍ -صلى اللهُ عليهم وسلمَ- متفقونَ على الدعوةِ إلى التوحيدِ الخالصِ، والنهيِ عن الشركِ، فنوحٌ وغيرُه أولُ ما يقولونَ لقومِهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، [ويقرِّرونَ] (^١) هذا الأصلَ بطرقٍ كثيرةٍ.
* ومنها: آدابُ الدعوةِ وتمامُها:
• فإنَّ نوحًا دعَا قومَهُ ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، بكلِّ وقتٍ، وبكلِّ حالةٍ يَظنُّ فيها نجاحَ الدعوةِ.
_________________
(١) كذا في (خ). وفي (ط): ويكررون.
[ ٢٢٥ ]
• وأنهُ رغبَهم بالثوابِ العاجلِ بالسلامةِ من العقابِ، وبالتمتيعِ بالأموالِ والبنينَ، وإدرارِ الأرزاقِ إذا آمنوا، وبالثوابِ الآجلِ.
• وحذَّرَهم من ضدِّ ذلكَ.
• وصبَرَ على هذا صبرًا عظيمًا كغيرهِ من الرسلِ.
• وخاطبَهم بالكلامِ الرقيقِ والشفقةِ، وبكلِّ لفظٍ جاذبٍ للقلوبِ محصلٍ للمطلوبِ.
• وأقامَ الآياتِ، وبيَّنَ البراهينَ.
* ومنها: أنَّ الشُّبَهَ التي قدَحَ فيها أعداءُ الرسلِ برسالتِهم من الأدلةِ على إبطالِ قولِ المكذبينَ، فإنَّ الأقوالَ التي قالوها -ولم يكنْ عندَهم غيرُها- ليسَ لها حظٌّ من العلمِ والحقيقةِ عندَ كلِّ عاقلٍ:
• فقولُ قومِ نوحٍ: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] تأمَّلْ جُمَلَها تجِدْها تمويهاتٍ دالةً على أنهم مبطلونَ مكابرونَ للحقيقةِ؛ فقولُهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] فهلْ في كونِ الحقِّ جاءَ على يدِ بشرٍ شيءٌ من الشبهةِ تدلُّ على أنهُ ليسَ بحقٍّ؟!
ومضمونُ هذا الكلامِ: أنَّ كلَّ قولٍ قالَهُ البشرُ من أيِّ مصدرٍ يكونُ باطلًا، وهذا قدحٌ منهم في جميعِ العلومِ البشريةِ المستفادةِ من البشرِ، ومعلومٌ أنَّ هذا يُبطِلُ العلومَ كلَّها، فهلْ عندَ البشرِ علومٌ إلا مستفيدُها بعضُهم من بعضٍ، وهيَ متفاوتةٌ، فأعظمُها وأصدقُها وأنفعُها ما تلقاهُ الناسُ عن الرسلِ الذينَ علومُهم عن وحيٍ إلهيٍّ.
[ ٢٢٦ ]
• وكذلكَ قولُهم: ﴿مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] أي: نحنُ وأنتم بشرٌ.
وقدْ أجابَتِ الرسلُ كلُّهم عن هذهِ المقالةِ فقالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، فمَنَّ اللهُ على الرسلِ، وخصَّهم بالوحيِ والرسالةِ، معَ أنَّ إنكارَهم عليهم مِنْ هذهِ الجهةِ مِنْ أكبرِ الجهلِ وأعظمِ القدحِ في نعمةِ اللهِ؛ فإنَّ رحمَةَ اللهِ وحكمتَهُ اقتضَتْ أنْ يكونَ الرسلُ من البشرِ؛ ليتمكنَ العبادُ من الأخذِ عنهم، وتتيسرَ عليهم هذهِ النعمةُ، ويسهلَ اللهُ لهم طرقَها، فهؤلاءِ المكذبونَ كفروا بأصلِ النعمةِ، وبالطريقِ المستقيمِ النافعِ الذي جاءَتْهم بهِ.
• وكذلكَ قولُهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]، من المعلومِ لكلِّ أحدٍ عاقلٍ أنَّ الحقَّ يُعرَفُ أنهُ حقٌّ بنفسهِ، لا بمَن تَبِعَهُ، وأنَّ هذا القولَ الذي قالوهُ صدرَ عن كِبْرٍ وتيهٍ، والكبرُ أكبرُ مانعٍ للعبدِ من معرفةِ الحقِّ ومن اتباعهِ.
• وأيضًا قولُهم: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] إنْ أرادوا الفقرَ فالفقرُ ليسَ من العيوبِ، وإنْ أرادوا ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ في الأخلاقِ فهذا كذبٌ معلومٌ بالبديهةِ، وإنما الأراذلُ الذينَ قالوا هذهِ المقالةَ.
فهلْ الإيمانُ باللهِ ورسلهِ، وطاعةُ اللهِ ورسلهِ، والانقيادُ للحقِّ، والسلامةُ من كلِّ خصلةٍ ذميمةٍ، هلْ هذا الوصفُ رذيلةٌ، وأهلُهُ أراذلُ؟! أمُ الرذيلةُ بضدِّهِ: مَنْ ترَكَ أفرضَ الفروضِ توحيدَ اللهِ وشكرَهُ وحدَه، [وامتلَأَ قلبُهُ] (^١) من التكبرِ على الحقِّ وعلى الخلقِ؟! هذا -واللهِ- أرذلُ الرذائلِ، ولكنَّ القومَ مباهتونَ، فما نقمُوا من هؤلاءِ الأخيارِ ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].
_________________
(١) كذا في (خ). وفي (ط): وامتلاء القلب.
[ ٢٢٧ ]
• وقولُهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] أي: مبادرةً منهم إلى الإيمانِ بكَ يا نوحُ، لم يُشاورِوا ولمَ يتأنَّوا ويتروَّوا. لوْ فُرِضَ أنَّ هذا حقيقةٌ فهذا من أدلةِ الحقِّ، فإنَّ الحقَّ عليهِ من البراهينِ والنورِ والجلالةِ والبهاءِ والصدقِ والطمأنينةِ، ما لا يحتاجُ إلى مشاورةِ أحدٍ باتباعهِ، وإنما التي تحتاجُ إلى مشاورةٍ هيَ الأمورُ الخفيةُ، التي لا تُعلمُ حقيقتُها ولا منفعتُها، أما الإيمانُ الذي هوَ أجلَى من الشمسِ في نورِها، وأحلَى من كلِّ [شيءٍ] (^١)، فما يتأخرُ عنهُ إلا كلُّ متكبرٍ جبارٍ أمثال هؤلاءِ الطغاةِ البغاةِ.
• وقولُهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] هلْ في هذا الكلامِ شيءٌ من الإنصافِ بوجهٍ؛ لأنهم يخبرونَ عن أنفسِهم، وكلامُهم يَحتملُ أنهُ الذي في قلوبِهم، ويحتملُ أنهم يقولونَ ما لا يعتقدونَ، وعلى كلا الأمرينِ فالحقُّ يجبُ قبولهُ، سواءٌ أقالَهُ الفاضلُ أو المفضولُ؛ الحقُّ أعلى من كلِّ شيءٍ.
• وكذلكَ قولُهم: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] معلومٌ أنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ، ثم لوْ قالوا: بلْ نَعلَمُكم كاذبينَ، فهذهِ كلُّ مبطلٍ يقدرُ أنْ يقولَها، ولكنْ بأيِّ شيءٍ استدلَلْتُم أنهم كاذبونَ؟ فهذهِ أدلتُهم وبراهينُهم أَبطلَتْ نفسَها بنفسِها كما ترَى، فكيفَ وقدْ قابلَها الرسلُ بالأدلةِ والبراهينِ المتنوعةِ التي لا تُبقي ريبًا لأحدٍ في بطلانِها.
* ومنها: أنَّ من فضائلِ الأنبياءِ وأدلةِ رسالتِهم إخلاصَهم التامَّ للهِ تعالى في عبوديتِهم للهِ القاصرةِ، وفي عبوديتِهم المتعديةِ لنفعِ الخلقِ كالدعوةِ والتعليمِ وتوابعِ ذلكَ؛ ولذلكَ يُبدونَ ذلكَ ويعيدونَهُ على أسماعِ قومِهم، كلٌّ منهم يقولُ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩].
_________________
(١) كذا في (خ). وفي (ط): أحد.
[ ٢٢٨ ]
ولهذا كان من أجلِّ الفضائلِ لأتباعِ الرسلِ: أنْ يكونوا مقتدينَ بالرسلِ في هذهِ الفضيلةِ، واللهُ تعالى يجعلُ لهم من فضلهِ من رفعةِ الدنيا والآخرةِ أعظمَ مما يتنافسُ فيه طلابُ الدنيا.
* ومنها: أنَّ القدحَ في نياتِ المؤمنينَ، وفيما مَنَّ اللهُ عليهم بهِ من الفضائلِ، والتألِّي على اللهِ أنهُ لا يؤتِيهم من فضلهِ؛ من مواريثِ أعداءِ الرسلِ؛ فلهذا قالَ نوحٌ لقومهِ حينَ تألَّوا على اللهِ، وتوسَّلوا في ذمِّ المؤمنينَ بهِ بذلكَ، فقالَ: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١].
* ومنها: أنهُ ينبغِي الاستعانةُ باللهِ، وأنْ يذكرَ اسمُهُ عندَ الركوبِ والنزولِ، وفي جميعِ التقلباتِ والحركاتِ؛ وحمدُ اللهِ، والإكثارُ من ذكرهِ عندَ النعمِ، لاسيما النجاة من الكرباتِ والمشقاتِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
وأنهُ ينبغِي أيضًا الدعاءُ بالبركةِ في نزولِ المنازلِ العارضةِ، كالمنازلِ في إقاماتِ السفرِ وغيرهِ، والمنازلِ المستقرةِ كالمساكنِ والدورِ؛ لقولهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩].
وفي ذلكَ كلِّهِ: من استصحابِ ذكرِ اللهِ، ومن القوةِ على الحركاتِ والسكناتِ، ومن قوةِ الثقةِ باللهِ، ومن نزولِ بركةِ اللهِ التي خيرُ ما صحبَتِ العبدَ في أحوالهِ كلِّها - ما لا غنًى للعبدِ عنهُ طرفةَ عينٍ.
[ ٢٢٩ ]
* ومنها: أنَّ تقوى اللهِ والقيامَ بواجباتِ الإيمانِ من جملةِ الأسبابِ التي تُنالُ بها الدنيا، وكثرةُ الأولادِ والرزقِ، وقوةُ الأبدانِ، وإنْ كان لذلكَ أيضًا أسبابٌ أخرُ. وهيَ (^١) السببُ الوحيدُ الذي ليسَ هناكَ سببٌ سواهُ في نيلِ خيرِ الآخرةِ، والسلامةِ من عقابِها.
* ومنها: أنَّ النجاةَ من العقوباتِ العامةِ الدنيويةِ هيَ للمؤمنينَ، وهم الرسلُ وأتباعُهم، وأما العقوباتُ الدنيويةُ العامةُ فإنها تختصُّ بالمجرمينَ، ويتبعُهم توابعُهم من ذريةٍ وحيوانٍ، وإنْ لم يكنْ لها ذنوبٌ؛ لأنَّ الوقائعَ التي أوقعَ اللهُ بأصنافِ المكذبينَ شملَتِ الأطفالَ والبهائمَ.
وأمَّا ما يُذكرُ في بعضِ الإسرائيلياتِ: أنَّ قومَ نوحٍ أو غيرَهم لما أرادَ اللهُ إهلاكَهم أعقمَ الأرحامَ حتى لا يتبعهم في العقوبةِ أطفالُهم؛ فهذا ليسَ لهُ أصلٌ، وهوَ منافٍ للأمرِ المعلومِ، وذلكَ مصداقٌ لقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
_________________
(١) أي: التقوى.
[ ٢٣٠ ]