وفي الآية الكريمة فضيلة العلم، وأن على من علمه الله ما لم يكن يعلم الإكثار من ذكر الله؛ وفيه تنبيه على أن الإكثار من ذكر الله سبب لنيل علوم أخر لم يكن العبد ليعرفها، فإن الشكر مقرون بالمزيد، وقد ذكر الله صلاة الخوف في سورة النساء في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] فأمر بها على تلك الصفة تحصيلا للجماعة لها، وقياما للألفة، وجمعا بين القيام بالصلاة والجهاد حسب الإمكان، وبالقيام بالواجبات مع التحرز من شرور الأعداء؛ فسبحان من جعل في كتابه الهدى والنور والرشاد، وإصلاح الأمور كلها.
فصل
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
قد جمع الله في كتابه في آيات كثيرة بين الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنهما مشتركتان في أنهما من أهم فروض الدين، ومباني الإسلام العظيمة، والإيمان لا يتم إلا بهما، ومن قام بالصلاة وبالزكاة كان مقيما لدينه، ومن ضيعهما كان لما سواهما من دينه أضيع، فالصلاة فيها الإخلاص التام للمعبود، وهي ميزان الإيمان، والزكاة فيها الإحسان إلى المخلوقين، وهي
[ ٧٥ ]
برهان الإيمان، ولهذا اتفق الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وقال أبو بكر ﵁: " لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ".
فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] هذا الأمر موجه للنبي ﷺ، ومن قام مقامه أن يأخذ من أموال المسلمين صدقة، وهي الزكاة، وهذا شامل لجميع الأموال المتمولة من أنعام وحروث ونقود وعروض، كما صرح به في الآية الأخرى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] من النقود والعروض والماشية المنماة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] من الحبوب والثمار.
وقد وضح النبي ﷺ النصب في هذه الأنواع كلها، وبين مقدار الواجب منها، وأنها عشر الخارج من الأرض مما يسقى بلا مؤنة، ونصف عشره فيما سقي بمؤنة، وربع العشر من أموال التجارة، وذلك إذا حال الحول في أموال التجارة، وحصل الحصاد والجذاذ وقت حصول الثمار، كما هو صريح الآية المذكورة.
وأمر تعالى بإخراج الوسط، فلا يظلم رب المال فيؤخذ العالي من ماله - إلا أن يختار هو ذلك - ولا يحل له أن يتيمم الخبيث - وهو الرديء من ماله - فيخرجه، ولا تبرأ بذلك ذمته إن كانت فرضا، ولا يتم له الأجر والثواب إن كانت نفلا؛ وبين تعالى الحكمة في ذلك، وأنها حكمة معقولة: فكما أنكم لا ترضون ممن عليه حق لكم أن يعطيكم الرديء من ماله الذي هو دون حقكم إلا أن تقبلوه على وجه الكراهة والإغماض، فكيف ترضون لربكم ولإخوانكم ما لا ترضونه لأنفسكم؟ فليس هذا من الإنصاف والعدل.
وبين تعالى الحكمة في الزكاة وبيان مصالحها العظيمة، فقال: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهذه كلمة جامعة، يدخل فيها من المنافع للمُعْطِي والْمُعْطَى
[ ٧٦ ]
والمال والأمور العمومية والخصوصية شيء كثير، فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: من الذنوب ومن الأخلاق الرذيلة، فإن من أعظم الذنوب وأكبرها منع الزكاة، وأيضا إعطاؤها سبب لمغفرة ذنوب أخرى، فإنها من أكبر الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات.
ومن أشنع الأخلاق الرذيلة البخل، والزكاة تطهره من هذا الخلق الرذيل، ويتصف صاحبها بالرحمة والإحسان، والشفقة على الخلق، وتطهر المال من الأوساخ والآفات، فإن للأموال آفات مثل آفات الأبدان، وأعظم آفاتها أن تخالطها الأموال المحرمة؛ فهي للأموال مثل الجرب تسحته، وتحل به النكبات والنوائب المزعجة، فإخراج الزكاة تطهير له من هذه الآفة المانعة له من البركة والنماء، فيستعد بذلك للنماء والبركة، وتوجيهه للأمور النافعة، وأما قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فالزكاة هي النماء والزيادة، فهي تنمي المؤتي للزكاة، تنمي أخلاقه، وتحل البركة في أعماله، ويزداد بالزكاة ترقيا في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم؛ وتنمي المال بزوال ما به ضرره وحصول ما فيه خيره، وتحل فيه البركة من الله.
ولهذا قال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال»، بل تزيده، وتنمي أيضا المخرج إليه فتسد حاجته، وتقوم المصلحة الدينية التي تصرف فيها الزكاة كالجهاد والعلم والإصلاح بين الناس والتأليف ونحوها، وأيضا تدفع عادية الفقر والفقراء، فإن أرباب الأموال إذا احتكروها واحتجزوها، ولم يؤدوا منها شيئا للفقراء، اضطر الفقراء وهم جمهور الخلق وثاروا بالشر والفساد على أرباب الأموال، وبهذا ونحوه تسلطت البلاشفة على الخلق؛ فالقيام بالدين الإسلامي على وجهه بعقائده وحقائقه وأخلاقه وأداء حقوقه هو السد المانع شرعا وقدرا لهذه الطائفة التي بها فساد الأديان
[ ٧٧ ]
والدنيا والآخرة، وأمر تعالى الآخذ منهم الزكاة أن يصلي عليهم فيدعو لهم بالبركة، فإن في ذلك تطمينا لخواطرهم، وتسكينا لقلوبهم، وتنشيطا لهم، وتشجيعا على هذا العمل الفاضل، وكما أن الإمام والساعي مأمور بالدعاء للمزكي عند أخذها فالفقير المحتاج إذا أعطيها من باب أولى أن يشرع له الدعاء للمعطي تسكينا لقلبه، وفي هذا إعانة على الخير.
ودل تعليل الآية الكريمة أن كل ما أعان على فعل الخير، ونشط عليه، وسكن قلب صاحبه أنه مطلوب ومحبوب لله، وأنه ينبغي للعبد مراعاته وملاحظته في كل شأن من شؤونه، فإن من تفطن له فتح له أبوابا نافعة له ولغيره بلا تعب ولا مشقة، وأنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين.
ولما أمر في آية البقرة بالنفقات قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] غني بذاته عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين وطاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لمحض مصلحتهم ونفعهم، وبمحض فضله وكرمه عليهم، إذ تفضل عليهم بالأمر بهذه الأعمال، والتوفيق لفعلها، التي توصل أصحابها إلى أعلى المقامات، وأفضل الكرامات.
ومع كمال غناه وسعة عطاياه فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، وحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، وحميد الأوصاف؛ لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات، لا يدرك العباد كنهها، ولا يقدرونها حق قدرها، فلما حثهم على الإنفاق النافع نهاهم عن الإمساك الضار! وبين لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن يدعوهم إلى الخير، ويعدهم عليه الفضل، والثواب العاجل والآجل، وخلف ما أنفقوا؛ وداعي الشيطان الذي يحثهم على الإمساك، ويخوفهم إن
[ ٧٨ ]
أنفقوا افتقروا؛ فمن كان مجيبا لداعي الرحمن وأنفق مما رزقه الله فليبشر بمغفرة الذنوب، وحصول كل مطلوب؛ ومن كان مجيبا لداعي الشيطان فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير؛ فليختر العبد أي الأمرين أليق به، وختم الآية بالإخبار بأنه " واسع عليم " أي: واسع الصفات، كثير الهبات، عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين المخلصين الصادقين، وعليم بمن هو أهل لذلك، فيوفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]
المراد بالصدقات هنا الزكاة، فهؤلاء الثمانية هم أهلها، إذا دفعت إلى جهة من هذه الجهات أجزأت ووقعت موقعها، وإن دفعت في غير هذه الجهات لم تجز؛ وهؤلاء المذكورون فيها قسمان: قسم يأخذ لحاجته كالفقراء والمساكين والرقاب وابن السبيل والغارم لنفسه، وقسم يأخذ لنفعه العمومي والحاجة إليه، وهم البقية.
فأما الفقراء والمساكين فهم خلاف الأغنياء، والفقير أشد حاجة من المسكين، لأن الله بدأ به، والأهم مقدم في الذكر غالبا، ولكن الحاجة تجمع الصنفين، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] وهم السعاة الذين يجبونها ويكتبونها ويحفظونها، ويقسمونها على أهلها، فهم يعطون ولو كانوا أغنياء لأنها بمنزلة الأجرة في حقهم، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] وهم سادات العشائر والرؤساء الذين إذا أعطوا حصل في إعطائهم مصلحة للإسلام والمسلمين، إما دفع شرهم عن المسلمين، وإما رجاء إسلامهم وإسلام نظرائهم، أو جبايتها ممن لا يعطيها
[ ٧٩ ]
أو يرجى قوة إيمانهم، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: في فكها من الرق كإعانة المكاتبين، وكبذلها في شراء الرقاب لعتقها، وفي فك الأسارى من المسلمين عند الأعداء، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] للإصلاح بين الناس إذا كان الصلح يتوقف على بذل مال، فيعانون على القيام بهذه المهمة والمصلحة العظيمة، وهي الإصلاح بين الناس، ولو أغنياء، ومن الغارمين من ركبتهم ديون للناس وعجزوا عن وفائها، فيعانون من الزكاة لوفائها، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: بذلها في إعانة المجاهدين بالزاد والمزاد والمركوب والسلاح ونحوها مما فيه إعانة المجاهدين، ومن الجهاد التخلي لطلب العلم الشرعي والتجرد للاشتغال به، ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعان على سفره من الزكاة.
فالله تعالى فرضها لهؤلاء الأصناف بحسب حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها، فإن سد الكفايات وقيام المصالح العمومية النافعة من الفروض على المسلمين، وهي على أهل الأموال شكر منهم لله تعالى على نعمته بالمال، وتطهير لهم ولها، ونماء وبركة، واتصاف بصفات الأخيار، وسلامة من نعوت الأشرار.
فصل