قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلى قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ١٣]
والتي في آخر السورة:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخرها [النساء: ١٧٦].
تضمنت هذه الآيات الكريمة أحكام المواريث في غاية البيان والتفصيل والإيضاح، وفي غاية الحكمة، فتوصيته للعباد بأولادهم من كمال رحمته وعنايته، وأنه أرحم بهم من والديهم، ولذلك وصى الوالدين بالأولاد، فالأولاد عند والديهم وصايا من الله وأمانات عندهم؛ على الوالدين أن يربوهم تربية نافعة لدينهم ودنياهم، فإن فعلوا فقد قاموا بهذه الأمانة، وإلا فقد ضيعوها، وباءوا بإثمها وخسرانها، فذكر الله ميراث الأولاد، وأن لهم ثلاث حالات:
[ ١٢٥ ]
الحالة الأولى: إما أن يجتمع الذكور والإناث، فحينئذ يتقاسمون المال، أو ما أبقت الفروض على عدد رؤوسهم: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] سواء كانوا أولاد صلب أو أولاد ابن، ويؤخذ من هذا:
الحالة الثانية: أن يكون الأولاد ذكورا فقط، فإنهم يتقاسمونه متساوين، ومن ارتفعت درجته حجب من دونه من الأولاد إذا كان الرفيع من الذكور.
الحالة الثالثة: إذا كن إناثا، فإن كانت واحدة فلها النصف، سواء كانت بنت صلب أو بنت ابن، وإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان، ومن الحكمة في الإتيان بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] التنبيه على أنه لا يزيد الفرض وهو الثلثان بزيادتهن على الثنتين، كما زاد فرض النصف لما صرن أكثر من واحدة، وقد نص الله على أن الأختين فرضهما الثلثان، فالبنتان من باب أولى وأحرى، فإن كان البنتان بنات صلب لم يبق لبنات الابن شيء، وصار البقية بعد فرض البنات للعاصب، وإن كانت العالية واحدة أخذت النصف، وباقي الثلثين وهو السدس لبنت أو بنات الابن.
هذا ميراث الأولاد قد استوعبته الآية استيعابا، وقد علمنا من ذلك أن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى من أولاد الصلب وأولاد الابن وإن نزل، وأما أولاد البنات فلا يدخلون في إطلاق اسم الأولاد في المواريث.
ثم ذكر الله ميراث الأبوين: الأم والأب، فجعل الله للأم سدسا وثلثا، جعل لها السدس مع وجود أحد من الأولاد مطلقا، منفردين أو متعددين، أولاد صلب أو أولاد ابن، وكذلك جعل لها السدس بوجود جمع من الإخوة والأخوات اثنين فأكثر، وجعل لها الثلث إذا فقد الشرطان المذكوران.
[ ١٢٦ ]
وأما ثلث الباقي في زوج أو زوجة وأبوين فقيل إنه يؤخذ من قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فإذا كان معهما أحد الزوجين خرجت عن هذا فلم يكن لها ثلث كامل، أو يقال: إن الله أضاف الميراث للأبوين - وهو الأب والأم - فيكون لها ثلث ما ورثه الأبوان، ويكون ما يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغريم. . فالله أعلم.
وأما الأب فقد فرض الله له السدس مع وجود أحد من الأولاد، فإن كان الأولاد ذكورا لم يزد الأب على السدس، وصار الأبناء أحق بالتقديم من الأب بالتعصيب بالإجماع.
وإن كان الأولاد إناثا واحدة أو متعددات فرض له السدس ولهن أو لها الفرض، فإن بقي شيء فهو لأولى رجل، وهو الأب هنا؛ لأنه أقرب من الإخوة وبنيهم ومن الأعمام وبنيهم، فجمع له في هذه الحال بين الفرض والتعصيب، وإن استغرقت الفروض التركة لم يبق للأب زيادة عن السدس، كما لو خلف أبوين وابنتين؛ فلكل واحد من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان.
ومفهوم الآية الكريمة أنه إذا لم يكن أولاد ذكور ولا إناث، أن الأب يرث بغير تقدير، بل بالعصب، بأن يأخذ المال كله إذا انفرد، أو ما أبقت الفروض إن كان معه أصحاب فروض، وهو إجماع، وحكم الجد حكم الأب في هذه الأحكام إلا في العمريتين؛ فإن الأم ترث ثلثا كاملا مع الجد؛ وأما ميراث الجدة السدس عند عدم الأم فهو في السنة.
ثم ذكر الله ميراث الزوجين، وأن الزوج له نصف ما تركت زوجته إن لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد فله الربع، وأن الزوجة واحدة أو متعددات
[ ١٢٧ ]
لها الربع مما ترك الزوج إن لم يكن له ولد، فإن كان للزوج ولد منها أو من غيرها ذكر أو أنثى، ولد صلب أو ولد ابن فلها أو لهن الثمن.
ثم ذكر الله ميراث الإخوة من الأم، وأنهم لا يرثون إلا إذا كانت الورثة كلالة ليس فيهم أحد من الفروع ولا الأب والجد، فللواحد من الإخوة من الأم أو الأخوات السدس، وللأنثيين فأكثر الثلث، يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم، وهذه الفروض كلها ذكر الله أنها من بعد الوصية إذا حصل الإيصاء بها، ومن بعد الدين، وقد قضى النبي ﷺ: أن الدين قبل الوصية، وقد اتفق العلماء على ذلك، وشرط الله في الوصية أن لا تكون على وجه المضارة بالورثة، فإن كانت كذلك فإنها وصية إثم وجنف يجب تعديلها ورد الظلم الواقع فيها.
وأخبر تعالى أن هذه التقديرات والفرائض حدود الله قدرها وحددها، فلا يحل مجاوزتها، ولا الزيادة فيها والنقصان، بأن يعطى وارث فوق حقه، أو يحرم وارث، أو ينقص عن حقه.
ثم ذكر في آخر السورة ميراث الإخوة لغير أم وأخواتهم بأن الأنثى الواحدة لها النصف، وللثنتين فأكثر الثلثان، وإن اجتمع رجال ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين، ويقال فيهم كما يقال في الأولاد إذا كانوا ذكورا تساووا إذا كانوا أشقاء أو لأب، فإن وجد هؤلاء وهؤلاء حجب الأشقاء الإخوة للأب، وإن كن نساء شقيقات وأخوات لأب، واستغرق الشقيقات الثلثين لم يبق للأخوات للأب شيء؛ فإن كانت الشقيقة واحدة أخذت نصفها، وأعطيت الأخت للأب أو الأخوات السدس تكملة الثلثين.
وما سوى هذه الفروض فإن الورثة من إخوة لغير أم وبنيهم وأعمام
[ ١٢٨ ]
وبنيهم وولاء يدخلون في قوله ﷺ في حديث ابن عباس الصحيح: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». رواه مسلم، فيقدم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم ثم الولاء؛ ويقدم منهم الأقرب منزلة، فإن استوت منزلتهم قدم الأقوى وهو الشقيق على الذي لأب. والله أعلم.