قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]
وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى آخر الآيات المتعلقة بالحج.
لما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ - فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]
وكان في ذلك تنبيه على الحكم والأسرار والمصالح والبركات المتنوعة المحتوي هذا البيت العظيم عليها، وكان ذلك داعيا إلى تعظيمه بغاية ما يمكن من التعظيم، أوجب الله على العباد حجه وقصده لأداء المناسك التي فعلها رسول الله ﷺ، وعلمها أمته، وأمرهم أن يأخذوا عنه مناسكهم.
فأوجبه على من استطاع إليه سبيلا بأن قدر على الوصول إليه بأي مركوب متيسر، وبزاد يتزوده ويتم به السبيل، وهذا هو الشرط الأعظم لوجوب الحج، وهذه الآية صريحة في فرضية الحج، وأنه لا يتم للعبد إسلام ولا إيمان وهو مستطيع إلا بحجه، وأن الله إنما أمر به العباد رحمة منه بهم، وإيصالا لهم إلى أجل مصالحهم وأعلى مطالبهم، وإلا فالله غني عن العالمين وطاعتهم، فمن كفر فلم يلتزم لشرع الله فهو كافر، ولن يضر إلا نفسه.
وأما آية البقرة فإن الله أمر فيها بإتمام الحج والعمرة بأركانهما وشروطهما
[ ٩٧ ]
وجميع متمماتهما؛ ولا فرق في ذلك بين الفرض والنفل، وبهذا تميز الحج والعمرة عن غيرهما من العبادات؛ وإن من شرع فيهما وجب عليه إتمامهما لله مخلصا، ويدخل في الأمر بإتمامهما أنه ينبغي للعبد أن يجتهد غاية الاجتهاد في فعل كل قول وفعل ووصف وحالة بها تمام الحج والعمرة، وذلك شيء كثير مفصل في كتب أهل العلم، وأن من دخل فيهما فلا يخرج منهما إلا بإتمامهما والتحلل منهما إلا بما استثناه الله وهو الحصر.
ولهذا قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: منعتم من الوصول إلى البيت، ومن تتميم المناسك بمرض أو عدو أو ذهاب نفقة أو ضللتم الطريق أو غير ذلك من أنواع الحصر الداخلة في عموم قوله: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فاذبحوا ما تيسر من الهدي وهو شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة يذبحها المحصر ويحلق رأسه ويحل من إحرامه بسبب الحصر، كما فعل النبي ﷺ وأصحابه لما صدهم المشركون عن البيت وهم محرمون عام الحديبية، فإن لم يتيسر الهدي على المحصر فهل يكفيه الحلق وحده ويحل، كما فعله الصحابة الذين لم يكن معهم هدي - وهو الصحيح - أو ينوب عن الهدي صيام عشرة أيام قياسا على هدي التمتع كما قاله آخرون ثم يحل؟
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي هذا أن المحرم يحرم عليه إزالة شيء من شعر بدنه تعظيما لهذا النسك، وقاس عليه أهل العلم إزالة الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع من ذلك حتى يبلغ الهدي محله، وهو وقت ذبحه يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر، ويجوز أن يقدم الحلق على النحر كما رخص في ذلك النبي ﷺ حين سئل عمن قدم الحلق أو الرمي أو الذبح أو الطواف بعضها
[ ٩٨ ]
على بعض، فقال: «افعل ولا حرج».
ويستدل بالآية الكريمة على أن المتمتع كالقارن والمفرد لا يحل من عمرته إذا كان سائقا للهدي حتى يبلغ الهدي محله، فقيل: إنه إذا حل من عمرته بأن فرغ من الطواف والسعي بادر بالدخول بالحج بالنية، وقيل: إنه بسوقه للهدي صار قارنا، وأن الهدي الذي استصحبه - حيث إنه كان للنسكين كليهما - مزج بين النسكين وصار صاحبه قارنا، وهذا هو القول الصواب، وإنما منع تعالى من الحل لمن ساق الهدي قبل محله لما في سوق الهدي، وما يتبعه من كشف الرأس، وترك أخذ الشعور ونحوها من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو روح النسك وعين صلاح العبد وكماله، وليس عليه في ذلك ضرر؛ فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من رأسه من مرض ينتفع بحلق رأسه أو قروح أو قمل أو نحو ذلك، فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية تخيير، يخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وهذه تسمى فدية الأذى، وألحق بذلك إذا قلم أظفاره، أو لبس الذكر المخيط، أو غطى رأسه، أو تطيب المحرم من ذكر وأنثى، فكل هذا فديته فدية تخيير بين الصيام أو الإطعام أو النسك.
وأما فدية قتل الصيد فقد ذكر الله التخيير فيها بين ذبح المثل من النعم، أو تقويمه بطعام فيطعم كل مسكين مدبر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوما؛ فهذه الأنواع فديتها تخيير.
وأما المتمتع والقارن فإن هديهما هدي نسك، غير هدي جبران، وهو على الترتيب، إن تيسر الهدي وجب الهدي، فإن لم يتيسر فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج - ولا يؤخرها عن أيام التشريق -، وسبعة إذا
[ ٩٩ ]
رجع - أي: فرغ من جميع شؤون النسك -، ودل إطلاق إيجاب الصيام على أنه يجوز فيها التتابع والتفريق.
(ذَلِكَ) أي: وجوب الهدي على المتمتع والقارن؛ أو بدله لمن لم يجد من الصيام، ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهم الأفقية؛ لأن من الحكمة في إيجاب الهدي على الأفقي أنه لما حصل نسكين في سفرة واحدة كان هذا من أعظم نعم الله، فكان عليه أن يشكر الله على هذه النعمة الجليلة، ومن جملة الشكر إيجاب الهدي عليه.
وأما المقيمون في مكة أو كانوا في قربها - بحيث لا يقال لهم مسافرون - فليس عليهم هدي ولا بدله لما ذكرنا من الحكمة وَاتَّقُوا اللَّهَ: في جميع أموركم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك امتثالكم لهذه المأمورات في هذه العبادة الجليلة، واجتنابكم لمحظوراتها، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: لمن عصاه، وذلك موجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله انكف عن السيئات، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف الله فإنه لا بد أن يتجرأ على المحارم، ويتهاون بالفرائض.
ثم أخبر تعالى أن الحج واقع في أشهر معلومات عند المخاطبين، بحيث لا تحتاج إلى تعيين كما احتاج الصيام لتعيين شهره، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس، وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته، معروفة بينهم، والمراد بالأشهر المعلومات عند الجمهور: شوال وذو القعدة، وعشر أو ثلاثة عشر من ذي الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا، وهي التي تقع فيها أفعال الحج: أركانه وواجباته ومكملاته، ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: عقده وأحرم به؛ لأن الشروع فيه يصيره فرضا ولو كان قبل ذلك نفلا.
[ ١٠٠ ]
واستدل بهذه الآية الشافعي، ومن قال بقوله: إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره، ولو قيل: إن الآية فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبا، لأن قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] دليل على أنه يقع الفرض فيهن وفي غيرهن، وإلا لما كان في القيد فائدة ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: يجب عليكم أن تعظموا حرمة الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقضه من الرفث، وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا التكلم في أمور النكاح بحضرة النساء، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهو جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام، ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والجدال هو المماراة والمنازعة والمخاصمة؛ لكونها تثير الشر وتوقع العداوة، والمقصود من الحج الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه يكون بذلك مبرورا، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء - وإن كانت ممنوعة في كل زمان ومكان - فإنه يتأكد المنع منها في الحج.
واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، فلهذا أتبعه بقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] أتى (بِمَنْ) المفيدة لتنصيص العموم؛ فكل عبادة وقربة فإنها تدخل في هذا، والإخبار بعلمه يتضمن الحث على أفعال الخير خصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة فإنه ينبغي اغتنام الخيرات والمنافسة فيها من صلاة وصيام وصدقة وقراءة وطواف وإحسان قولي وفعلي، ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧] لهذا السفر المبارك؛ فإن التزود فيه الاستغناء عن الخلق وعدم التشوف لما عندهم، وإعانة المسافرين، والتوسعة على الرفقة، والانبساط والسرور في هذا السفر، وزيادة التقرب إلى
[ ١٠١ ]
الله تعالى، وهذا الزاد المراد به إقامة البنية بلغة ومتاع، وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة وأجل نعيم دائما أبدا؛ ومن ترك هذا الزاد فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر وممنوع من الوصول إلى دار المتقين.
وقد يتمكن الموفق من جعل الزاد الحسي يجمع الزادين: بأن يقصد به وجه الله، والقيام بواجب النفس والرفقة ومن يتصل به، والقيام بالإحسان المستحب، وقصد امتثال أمر الله، فالنية هي الأساس لكل خير، التي تجعل الناقص كاملا والعادة عبادة، ثم قال: ﴿وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: يا أهل العقول الرزينة اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول، وتركها دليل على فساد العقل والرأي.
ولما أمر بتقواه أخبر أن ابتغاء فضله بالاشتغال بالتكسب في التجارة في مواسم الحج وغيرها ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله معترفا فيه بنعمة الله، لا منسوبا إلى حذق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه في كل وقت، فكيف إذا قارن النسك الفاضل.
وفي قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] دلالة على أمور:
* أحدها: أن الوقوف بعرفة من المشاعر الجليلة، ومن أركان الحج، فإن الإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف الذي هو ركن الحج الأعظم بعد الطواف.
[ ١٠٢ ]
* الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام، وهو المزدلفة، وذلك أيضا معروف، يكون الحاج ليلة النحر بائنا بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعيا حتى يسفر جدا، ويدخل في ذكر الله عند المشعر الحرام ما يقع في المشعر من الصلوات فرضها ونفلها.
* الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل عليه (الفاء) المفيدة للترتيب.
* الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كليهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها.
* السادس: أن مزدلفة في الحرم، كما قيده بالمشعر الحرام.
* السابع: أن عرفة بالحل كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة.
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي: اذكروا الله كما من عليكم بالهداية بعد الضلالة، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بالإكثار من ذكر المنعم بالقلب واللسان، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] أي: من مزدلفة ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] من لدن إبراهيم إلى هذا الوقت، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وتكميل بقية المناسك.
ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر، والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى بعد الفراغ منها باستغفاره؛ خشية الخلل الواقع من العبد في أداء العبادة وتقصيره فيها، وبالإكثار من ذكره؛ شكرا له على نعمة التوفيق
[ ١٠٣ ]
لهذه العبادة العظيمة وتكميلها، وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، فهذا حقيق بأن الله يجبر له ما نقص منها ويتقبلها، ويزيده نعما أخرى، لأن من جهل حق ربه فرأى نفسه أنه قد كمل حقوق العبادة فأعجب بنفسه، ومن بعبادته على ربه، وتراءى له أنه قد جعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ويخشى عليه من رد العمل.
ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم؛ ولكن هممهم ومقاصدهم متباينة، فمنهم من يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي: يسأل ربه من مطالب دنياه وشهواته فقط، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] لا رغبة له فيها، ولا حظ له منها، ومنهم عالي الهمة من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إلى ربه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء له نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم الله على حسب أعمالهم ونياتهم، جزاء دائرا بين الفضل والإحسان والكرم للمقبولين، وبين العدل والحكمة لغيرهم، وفي هذه الآية دليل على أن الله تعالى يقبل دعوة كل داع، مسلما كان أو كافرا، برا أو فاجرا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلا على محبته وقربه منه إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين، فمن أجيبت دعوته في هذه الأمور الدائم نفعها كان من البشرى، وكان أكبر دليل على بره وقربه من ربه.
والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، وما به تكمل حياته، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، ومن راحة وعلم نافع وعمل صالح، وما يتبع ذلك من المطالب النافعة المحبوبة والمباحة.
[ ١٠٤ ]
وأما حسنة الآخرة فهي السلامة من العقوبات التي يستقبلها العباد من عذاب القبر والموقف وعذاب النار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فهذا الدعاء أجمع الأدعية وأكملها وأولاها بالإيثار، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء به، ويحث عليه.
ولما أكمل الله تعالى أحكام النسك أمر بالإكثار من ذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق في قول جمهور المفسرين، وذلك لمزيتها وشرفها وكون بقية المناسك تفعل بها، ولكون الناس فيها أضيافا لله، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله»، ويدخل في ذكر الله رمي الجمار، والتكبير عند رميها، والدعاء بين الجمرتين، والذبح والتسمية فيه، والصلوات التي تفعل فيها من فرائض ونوافل، والذكر المقيد بعد الفرائض فيها، وعند كثير من أهل العلم أنه يستحب فيها التكبير المطلق كالعشر، فجميع ما يقرب إلى الله داخل بذكره: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أي: خرج من منى، ونفر منها قبل غروب الشمس فلا إثم عليه، ومن تأخر بأن بات بها ليلة الثالث من أيام التشريق؛ ليرمي من غده فلا إثم عليه، وهذا تخفيف من الله على عباده حين أباح الأمرين، مع أن التأخر أرجح لموافقته فعل النبي ﷺ وزيادة العبادات، وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] هذا من الاحتراز العالي، لأن نفي الحرج يوهم العموم، فقيل ذلك بهذا الشرط الذي هو شرط لنفي الحرج في كل شيء، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه وجد عنده جزاء المتقين، ومن لم يتقه عاقبه عقوبة تارك التقوى، فإن التقوى هي ميزان الثواب والعقاب في القائم بها والمضيع لها، فالعلم بالجزاء والإيمان به هو أعظم الدواعي للقيام بالتقوى.
[ ١٠٥ ]
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] الآية - وما تلاها -[الحج: ٢٦ - ٢٩].
يذكر الله تعالى عظمة البيت الحرام وجلالته، وعظمة بانيه، وهو خليل الرحمن فقال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] أي: هيأناه له وأنزلناه إياه، بحيث جعل قسما من ذريته هم سكانه، وأمره الله ببنيانه، فبناه وأسسه على تقوى الله ورضوانه هو وابنه إسماعيل بنية صادقة وخضوع لله وإخلاص ودعاء منهما أن يتقبل منهما هذا العمل الجليل، فتقبله الله.
فهذه آثار القبول لهذا البيت في كل وقت وجيل متواصلة، ووصاه بأن لا يشرك به شيئا، بأن ينفي الشرك عنه، وعن ذريته، وعمن وصلت إليه دعوته، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] أي: من الشرك والمعاصي، ومن الأنجاس والأدناس، وأضافه إلى نفسه ليكتسب شرفا إلى شرفه، ولتعظم محبته في القلوب، لكونه بيت محبوبها الأعظم، وتنصب وتهوي إليه الأفئدة من كل جانب، وليكون أعظم لتطهيره وتعظيمه للطائفين به؛ والقائمين عنده للعبادات المتنوعة، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] أي: المصلين، أي: طهره لهؤلاء الفضلاء الذين ليس لهم هم إلا طاعة مولاهم وما يقربهم إليه، فهؤلاء لهم الحق، ومن إكرامهم تطهير هذا البيت لهم، وتهيئته لما يريدونه عنده، ويدخل في تطهيره تطهيره من الأصوات اللاغية المرتفعة التي تشوش على المتعبدين بالصلاة والطواف والقراءة وغيرها، وقدم الطواف لاختصاصه بهذا البيت، ثم الاعتكاف لاختصاصه بجنس المساجد، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] أي: أعلمهم به وادعهم إليه، وبلغ دانيهم وقاصيهم فرضه
[ ١٠٦ ]
وفضيلته، فإنك إذا دعوتهم عن أمر الله أتوك حجاجا وعمارا ﴿رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي: مشاة على أرجلهم من الشوق، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] أي: ناقة ضامر تقطع المهامه والمفاوز، وتواصل السير حتى تأتي إلى أشرف الأماكن ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] أي: مكان وبلد بعيد، وقد فعل الخليل ﷺ ذلك، ثم من بعده ابنه محمد ﷺ، فدعيا الناس إلى حج هذا البيت، وأبديا وأعادا فيه فحصل ما وعد الله به، أتاه الناس رجالا وركبانا من مشارق الأرض ومغاربها.
ثم ذكر فوائد زيارة بيت الله الحرام مرغبا فيه فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أي: لينالوا بوصولهم لبيت الله في الأنساك منافع متنوعة دينية، ومنافع دنيوية كالتكسب وحصول الأرباح، وهذا أمر مشاهد يعرفه كل أحد، فجميع العلوم والعبادات الدينية التي تفعل في تلك البقاع الفاضلة، وما جعل الله لها من التضعيف داخل في هذه المنافع، وجميع المنافع الدنيوية التي لا تعد ولا تحصى داخلة في ذلك؛ فصدق الله وعده، وأنجز ما قاله، وكان ذلك آية وبرهانا على توحيده وصدق رسله.
وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] وهذه تجمع الأمرين: الدينية والدنيوية؛ أي: ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا؛ شكرا لله على ما رزقهم منها ويسرها لهم، فإذا ذبحتموها ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] أي: شديد الفقر.
والآية الأخرى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ الْقَانِعَ﴾ [الحج: ٣٦] وهو الفقير الذي لا يسأل الناس، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] الفقير السائل، وفي هذا الأمر بالأكل والإهداء والصدقة، فإن الأمر يشمل أكل أهلها منها وإهداءهم للأغنياء، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أي: يستكملوا بقية أنساكهم، ويزيلوا
[ ١٠٧ ]
عنهم محظورات الإحرام، وما ترتب عليها من الشعث ونحوه ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] التي أوجبوها على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا، فنفس عقد العبد للإحرام إيجاب منه على نفسه، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أي: القديم أقدم المساجد على الإطلاق، المعتق من تسلط الجبابرة عليه، وتخصيص الطواف به دون غيره من المناسك لفضله وشرفه، ولكونه المقصود وما قبله وما بعده وسائل وتوابع، ولأنه يتعبد به لله مع الأنساك ووحده، وأما بقية الأنساك فلا تكون عبادة إلا إذا كانت تابعة لنسك.
فصل