قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]
[ ٨٠ ]
[المائدة: ٦].
هذه الآيات جمع الله فيها أحكام طهارة الماء وطهارة التيمم، والتنبيه على شروطهما، وبيان كيفياتهما، وذكر فوائد ذلك، وثمراته الطيبة، فبين فيها الأحكام وحكمها وأسرارها، وهي أحكام كثيرة تستفاد من هذا الموضع.
منها: أن الطهارة من الحدثين شرط لصحة الصلاة؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] إلخ، ومنها: أن ذلك عام للفرائض من الصلوات والنوافل، فكل ما يسمى صلاة فلا بد فيه من هذه الطهارة.
ومنها: اشتراط النية للطهارة؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أي: لأجل الصلاة، فإن المتطهر إما أن ينوي رفع ما عليه من الأحداث، أو ينوي الصلاة ونحوها مما يحتاج إلى الطهارة، أو ينويهما.
ومنها: أن غسل هذه الأعضاء لا بد منه في الحدث الأصغر، فحد الوجه ما يدخل في مسماه، وما تحصل به المواجهة، وذلك من الأذن إلى الأذن عرضا، ومن منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا مع مسترسل اللحية، لأن هذا هو الذي تحصل به المواجهة، وأما اليدان فقد حدهما الله إلى المرفقين، فقال العلماء: إن (إِلَى) بمعنى مع المرفقين، وأيدوا هذا بأن النبي ﷺ أدار الماء على مرفقيه، وكذلك يقال في الرجلين إلى الكعبين، وأما الرأس فإنه يتعين استيعاب مسحه، فإن الله أمر بمسحه، والباء للإلصاق الذي يقتضي إلصاق المسح بهذا الممسوح، وليست للتبعيض.
ومنها: أن الترتيب بين هذه الأعضاء الأربعة شرط، لأن الله رتبها، وأدخل عضوا ممسوحا بين الأعضاء المغسولة، ولا يعلم لهذا فائدة سوى الترتيب وعموم قوله ﷺ: «ابدأ بما بدأ الله به»، فهو وإن كان واردا في الحج فإنه يعم
[ ٨١ ]
كل شيء، مع أن جميع الواصفين لوضوئه ﷺ ذكروه مرتبا.
ومنها: أن الموالاة شرط أيضا، ووجه ذلك أن الله تعالى ذكر الوضوء مقترنا بعض الأعضاء ببعض بالواو الدالة على اجتماع هذه العبادة بوقت واحد، فإذا فرقها في وقتين لم تكن عبادة واحدة كما لو فرق الصلاة، وبفعل النبي ﷺ الدائم الذي كأنك تشاهده أنه كان يوالي بين أعضاء وضوئه، وهذا أولى من استدلال كثير من أهل العلم بقصة صاحب اللمعة الذي أمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء كله، فهو وإن كان فيه بعض الدلالة على هذه المسألة، لكن يحتمل أن أمره بالإعادة كأمر المسيء في صلاته أن يعيد، لأنه رآه مخلا بوضوئه غير متمم له.
ومنها: بيان الطهارة الكبرى، كيفيتها وذكر سببها، فكيفيتها: أن يطهر العبد جميع ظاهر بدنه بالماء؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فلم يخصه بعضو أو بأعضاء معينة، بل جعل الله التطهير لجميع البدن، فعلى المتطهر أن يعمم التطهير لجميع ظاهر بدنه وما تحت الشعور، خفيفة أو كثيفة، وأن يكون ذلك غسلا لا مسحا.
ومنها: أن طهارة الحدث الأكبر لا ترتيب فيها ولا موالاة.
ومنها: أن من أسبابها الجنابة، والجنابة قد عرفها المسلمون عن نبيهم ﷺ أنها: إنزال المني يقظة أو مناما - وإن لم يكن جماع -، أو الجماع - وإن لم يحصل إنزال -، أو وجود الأمرين كليهما.
وقد بين الله أيضا في سورة البقرة سببا آخر للاغتسال وهو الحيض في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأضاف التطهير فيها إلى البدن كله كالجنابة، ويشمل ذلك النفاس، وأما التطهير من إسلام الكافر وتطهير الميت فإنه يؤخذ من السنة.
[ ٨٢ ]
ومنها: ما استدل به كثير من أهل العلم في قراءة الجر في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أنها تدل على مسح الخفين الذي بينته السنة وصرحت به، وأما قراءة النصب في (أَرْجُلِكُمْ) فإنها معطوفة على المغسولات.
ومنها: مشروعية التيمم، وأن سببه أحد أمرين: إما عدم الماء لقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] أو التضرر باستعماله لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] فكل ضرر يعتري العبد إذا استعمل الماء فإنه يسوغ له العدول إلى التيمم؛ وأنواع الضرر كثيرة؛ وأما ذكر السفر فلأنه مظنة الحاجة إلى التيمم لفقد الماء كتقييد الرهن في السفر، لا لأن السفر وحده مسوغ للتيمم كما ظنه بعض الناس، وهو مناف لقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]
ومنها: أن التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض سواء كان له غبار أم لا، إذا كان طيبا غير خبيث، والخبيث هو النجس في هذا الموضع.
ومنها: أن التيمم خاص بعضوين: بالوجه واليدين، وأن اليدين عند الإطلاق وعدم التقييد هما الكفان كما في آية السرقة، وإذا قيدت كما في آية الوضوء إلى المرفقين تقيدت بذلك.
ومنها: التنبيه على ما يوجب الطهارة الصغرى، وهو الإتيان من الغائط، يعني: خروج الخارج من أحد السبيلين، وملامسة النساء لشهوة، والسنة بينت الوضوء من النوم الكثير، ولمس الفرج، وأكل لحوم الإبل على اختلاف من أهل العلم في ذلك.
ومنها: أن التيمم كما أنه مشروع في الحدث الأصغر، فكذلك في الحدث الأكبر؛ لأن الله تعالى ذكره بعد سبب الطهارتين.
ومنها: أنه في طهارة التيمم تستوي فيه الطهارة الصغرى بالكبرى في
[ ٨٣ ]
مسح العضوين فقط.
ومنها: أن الآية الكريمة تدل على أن طهارة التيمم تنوب وتقوم مقام طهارة الماء عند عدمه، أو التضرر باستعماله؛ لأن الله أنابه منابه، وسماه طهارة.
وكذلك الأحاديث الكثيرة تدل على هذا، وبهذا يعرف أن الصحيح أن طهارة التيمم لا تبطل بخروج وقت ولا دخوله، ولا غير ذلك مما قاله كثير من أهل العلم، بل إنها تبطل بأحد أمرين: إما حصول ناقض من نواقض الطهارة، وإما وجود الماء أو زوال الضرر المانع من استعمال الماء.
ومنها: أن الماء المتغير بالطاهرات - ولو تغيرا كثيرا - أنه يجب تقديمه على طهارة التيمم، لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] نكرة في سياق النفي، فيعم أي ماء سوى الماء النجس.
ومنها: ما استدل به كثير من أهل العلم أن من كان في موضع ليس فيه ماء، وهو يشك في وجوده فيما يقاربه أن عليه أن يطلبه، ويفتش فيما حوله قبل أن يعدل إلى التيمم، لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [المائدة: ٦] لا يقال إلا بعد طلب ما يمكن طلبه من دون مشقة، وهو استدلال لطيف.
ومنها: أنه لا بد في الطهارة من النية؛ لقوله في طهارة الماء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]) إلى آخره، وفي طهارة التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] أي: اقصدوا ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ومن لازم ذلك النية.
ومنها: أن هذه الأحكام التي شرعها الله لعباده إنما ذلك رحمة منه بعباده؛ ليقوموا بالعبادات التي تتوقف سعادتهم وفلاحهم عليها، وأنه يريد إتمام نعمته عليهم بالأوامر الشرعية التي لا مشقة فيها ولا حرج؛ لينالوا
[ ٨٤ ]
الفضل العظيم من ربهم، فمنه التفضل على عباده بالسبب والمسبب.
ومنها: أن طهارة التيمم - وإن لم يشاهد فيها نظافة حسية - فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال العبد لأمر الله ورسوله.
ومنها: القاعدة الكلية في قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] وأن الحرج منفي شرعا في جميع ما شرعه الله لعباده، فأصل العبادات في غاية السهولة على المكلفين، ثم إذا عرضت فيها عوارض عجز أو مرض أو تعذر لبعض شروطها فإن الشارع يخففها تخفيفا يناسب ذلك العارض.
ومنها: أن هذه الأحكام وغيرها من محاسن الدين الإسلامي، لما فيها من المنافع للعباد في قلوبهم وأبدانهم وأخلاقهم، والتقرب بها إلى الله، والتوسل بها إلى ثوابه العاجل والآجل، فجميع الأحكام من أكبر الأدلة على حسن دين الإسلام، وأنه الدين الحق الذي فيه الصلاح والإصلاح، وأن سعادة الدنيا والآخرة منوطة به، مترتبة عليه، فتأمل أحكام الله وما فيها من الحكم والأسرار والمنافع ودفع المضار، تجد هذا مشاهدا فيها.
فصل