قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١١]
[ ٨٥ ]
[الجمعة: ٩ - ١١].
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة، والمبادرة إليها من حين ينادى لها؛ والمراد بالسعي هنا: الاهتمام بها وعدم الاشتغال بغيرها، لا المراد به العدو الذي نهى عنه النبي ﷺ عند المضي إلى الصلاة، فالمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار هو المراد بالسعي هنا ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اتركوه في هذه الحالة التي أمرتم بالمضي فيها إلى الصلاة؛ وإذا أمر بترك البيع الذي ترغب فيه النفوس، وتحرص عليه، فترك غيره من الشواغل من باب أولى، كالصناعات وغيرها.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] حقائق الأمور وثمراتها، وذلك الخير هو امتثال أمر الله ورسوله، والاشتغال بهذه الفريضة، التي هي من أهم الفرائض، واكتساب خيرها وثوابها، وما رتب الشارع على السعي لها، والمبادرة والتقدم والوسائل، والمتممات لها من الخير والثواب، ولما في ذلك من اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل، فإن من أرذل الخصال الحرص والجشع الذي يحمل العبد على تقديم الكسب الدنيء على الخير الضروري.
ومن الخير أن من قدم أمر الله، وآثر طاعته على هوى نفسه، كان ذلك برهان إيمانه، ودليل رغبته، وإنابته إلى ربه، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ومن قدم هواه على طاعة مولاه فقد خسر دينه، وتبع ذلك خسارة دنياه.
وهذا الأمر بترك البيع مؤقت إلى انقضاء الصلاة ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] لطلب المكاسب المباحة، ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: ينبغي للمؤمن الموفق وقت اشتغاله في مكاسب الدنيا أن يقصد
[ ٨٦ ]
بذلك الاستعانة على قيامه بالواجبات، وأن يكون مستعينا بالله في ذلك، طالبا لفضله جاعلا الرجاء والطمع في فضل الله نصب عينيه، فإن التعلق بالله والطمع في فضله من الإيمان ومن العبادات.
ولما كان الاشتغال بالتجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله وطاعته أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: في حال قيامكم وقعودكم، وفي تصرفاتكم وأحوالكم كلها، فإن ذكر الله طريق الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، ومن المناسب في هذا أن يجعل المعاملة الحسنة والإحسان إلى الخلق نصب عينيه، فإن هذا من ذكر الله، فكل ما قرب إلى الله فإنه من ذكره، وكل أمر يحتسبه العبد فإنه من ذكره، فإذا نصح في معاملته وترك الغش تقرب في هذه المعاملة إلى الله؛ لأن الله يحبها، ولأنها تمنع العبد من المعاملة الضارة، وكلما سامح أحدا أو حاباه في ثمن أو مثمن أو تيسير أو إنظار أو نحوه فإنه من الإحسان والفضل، وهو من ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] أي: خرجوا من المسجد حرصا على تلك التجارة واللهو، وتركوا ذلك الخير الحاضر، حتى إنهم تركوا النبي ﷺ قائما يخطب، وذلك لحاجتهم لتلك العير التي قدمت المدينة، وقبل أن يعلموا حق العلم ما في ذلك من الذم وسوء الأدب، فاجتماع الأمرين حملاهم على ما ذكر؛ وإلا فهم ﵃ كانوا أرغب الناس في الخير، وأعظمهم حرصا على الأخذ عن الرسول، وعلى توقيره وتبجيله.
وحالهم المعلومة في ذلك أكبر شاهد، ولكن لكل جواد كبوة، ثم إن
[ ٨٧ ]
الكبوة التي عوتب عليها العبد، وتاب منها وأناب، وغفرها الله، وأبدل مكانها حسنة، لا يحل لأحد اللوم عليها، قل لمن قدم اللهو والتجارة على الطاعة: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، التي وإن حصل منها بعض المقاصد فإن ذلك قليل منغص مفوت لخير الآخرة.
وليس الصبر على طاعة الله مفوتا للرزق؛ فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا يحتسب، ومن قدم الاشتغال بالتجارة على طاعة الله لم يبارك له في ذلك، وكان هذا دليلا على خلو قلبه من ابتغاء الفضل من الله، وانقطاع قلبه عن ربه، وتعلقه بالأسباب، وهذا ضرر محض يعقب الخسران.
* وفي هذه الآيات فوائد عديدة:
منها: أن الجمعة فريضة على المؤمنين يجب عليهم السعي لها والاهتمام بشأنها، وأن الخيرات المترتبة عليها لا يقابلها شيء.
ومنها مشروعية الخطبتين، وأنهما فريضتان، وأن المشروع أن يكون الخطيب قائما؛ لأن قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] يشمل السعي إلى الصلاة وإلى الخطبتين، وأيضا فإن الله ذم من ترك استماع الخطبة.
ومنها: مشروعية النداء يوم الجمعة وغيرها، لأن التقييد بيوم الجمعة دليل على أن هناك نداء لبقية الصلوات الخمس، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]
ومنها: النهي عن البيع والشراء بعد نداء الجمعة، وذلك يدل على التحريم وعدم النفوذ.
ومنها: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن البيع في الأصل مباح،
[ ٨٨ ]