وقصة لوط ﵇ تبع لقصة إبراهيم، لأنه تلميذه وقد تعلم من إبراهيم، وكان له بمنزلة الابن، فنبأه الله بحياة الخليل، وأرسله إلى قرى سدوم من غور فلسطين، وكانوا مع شركهم بالله يلوطون بالذكور، ولم يسبقهم أحد إلى هذه الفاحشة الشنعاء، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وحذرهم من هذه الفاحشة، فلم يزدادوا إلا عتوا وتماديا فيما هم فيه، ولما أراد الله هلاكهم أرسل الملائكة لذلك، فمروا بطريقهم على إبراهيم وأخبروه بذلك، فجعل إبراهيم يجادل في إهلاكهم - وكان رحيما حليما - وقال:
﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]
فقيل: ﴿يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]
ولما ذهب الملائكة إلى لوط بصورة أضياف آدميين شباب ساء لوطا ذلك وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]
لعلمه بما عليه قومه من هذه الجراءة الشنيعة، ووقع ما خاف منه، فجاءه قومه يهرعون إليه يريدون فعل الفاحشة بأضياف لوط، فقال: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]
لعلمه أنه لا حق لهم فيهن، كما عرض سليمان للمرأتين حين اختصمتا في الولد فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، ومن المعلوم أنه لا يقع ذلك، وهذا مثله، ولهذا قال قومه:
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]
وأيضا يريد بعض العذر من أضيافه، وعلى هذا التأويل لا حاجة إلى
[ ٢١٥ ]
العدول إلى قول بعض المفسرين ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يعني: زوجاتهم، يعني: لأن النبي أب لأمته، فإن هذا يمنعه أمران:
أحدهما: قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يشير إليهن إشارة الحاضر.
ثانيا: هذا الإطلاق على زوجاتهم لا نظير له، وأيضا النبي إنما هو بمنزلة الأب للمؤمنين به، لا للكفار، والمحذور الذي توهموه يزول بما ذكرنا، وأنه يعلم أنه لا حق لهم فيهن، وإنما يريد مدافعتهم بكل طريق، فاشتد الأمر بلوط وقال:
﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]
أي: لدافعتكم، فلما رآهم جازمين على مرادهم الخبيث قال لقومه: فَاتَّقُوا ﴿اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]
فاستلجوا في طغيانهم وسكرهم، فحينئذ أخبرته ملائكة الرحمن بأمرهم، وأنهم أرسلوا لإهلاكهم، فصدم جبريل أو غيره من الملائكة الذين يعالجون الباب ليدخلوا على لوط فطمس بهذه الصدمة أعينهم، فكان هذا عذابا معجلا وأنموذجا لمن باشروا مراودة لوط على أضيافه، وأمروا لوطا أن يسري بأول الليل بأهله ويلح في السير حتى يخلف ديارهم، وينجو من معرة العذاب، فخرج بهم فما أصبح الصباح حتى خلفوا ديارهم، وقلب الله عليهم ديارهم، فجعل أعلاها أسفلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين الذين يعملون عملهم ببعيد.
وفي هذه القصة أكبر دليل على أن فاحشة اللواط من أشنع القبائح، وأنها توجب العقاب الشديد، وأن من ابتلي بهذه الفاحشة فمع ذهاب دينه
[ ٢١٦ ]
قد انقلب عليه الحسن بالقبيح، فاستحسن ما كان قبيحا، ونفر من الطيب، وذلك دليل على انحراف الأخلاق.
وفيها وفي قصة إبراهيم، جواز التعريض، أما قصة إبراهيم ففي قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ - فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]
وأما لوط ففي قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] والتعريض يكون في الأقوال، ويكون في الأفعال، وهو أن يقصد المتكلم أو العامل لعمل أمرا من الأمور التي لا بأس بها، ويوهم السامع والرائي أمرا آخر؛ ليستجلب منفعة، أو يدفع مضرة.
ومنها: أن من علامة الرجل الرشيد أنه هو المسدد في أقواله وأفعاله، ومن ذلك أنه ينصر المظلومين، ويفرج الكرب عن المكروبين، ويأمر بالخير، وينهى عن الشر، هذا هو الرشيد حقيقة، فلهذا قال لوط: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]؟ أي: فيأمر بمعروف، وينهى عن منكر، ويدفع أهل الشر والبغي.
ومنها: الحث على السعي في الأعوان على أمور الخير ودفع الشر، ولو كان المعاون على ذلك من أهل الشر، فإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم عند الله، ولهذا قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] وأكثر الأنبياء يبعثهم الله في أشراف قومهم، ويحصل بذلك من تأييد الحق وقمع الباطل، والتمكن من الدعوة ما لا يحصل لو لم يكن كذلك، واعتبر هذا بحال شعيب وقول قومه له:
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] وكذلك نبينا محمد بعث في أشرف بيت في قريش وأعزه، وقد رماه قومه بالعداوة البليغة، وعقدوا المجالس المتعددة في إبطال قوله ودينه، بل وفي
[ ٢١٧ ]
كيفية الفتك به، ومن الأسباب التي أوقفتهم عند حدهم خوفهم من قبيلته، وانظر إلى حالته في تضييقهم عليه بالشعب، وانحياز قبيلته معهم - مسلمهم وكافرهم - ولم يخطر ببالهم أنهم يصلون إلى الفتك بشخصه الكريم حتى مكروا ذلك المكر العظيم، إذ اتفق رأيهم على أن ينتدب لقتله من كل قبيلة رجل ليتفرق دمه في القبائل، فيعجز قومه عن الأخذ بثأره، ولكنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.