١ - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. قال ابن جُريج: (قال مجاهد: نُبّئتُ أن الذنوبَ على القلب تحُفُّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع. والطبع: الخَتم. قال ابن جُريج: الخَتم خَتمٌ على القلب والسمع) (^١).
٢ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]. قال عبد الرحمن بن زيد: (هذا مرضٌ في الدين وليس مرضًا في الأجساد. قال: هم المنافقون) (^٢).
٣ - ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. قال الحسن: (ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عينٍ قطّ، وإنه لأصلُ الجن كما أن آدمَ أصلُ الإنس) (^٣).
٤ - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]. قال مجاهد: (ليس بالسحاب، هو الغَمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم) (^٤).
٥ - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]. قال الحسن: (أما إنه لم يذكر أصفرَكم وأحمرَكم، ولكنه قال: ينتهون إلى حلاله) (^٥).
٦ - ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]. قال مجاهد: (الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم) (^٦).
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ١/ ٢٦٦.
(٢) جامع البيان، لابن جرير ١/ ٢٨٨.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ١/ ٥٣٩.
(٤) جامع البيان، لابن جرير ١/ ٦٩٨. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٣٤٣).
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١١٦.
(٦) جامع البيان، لابن جرير ٢/ ٣٥.
[ ٥٠٩ ]
٧ - ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. قال مجاهد: (مُسخَت قلوبهم، لم يُمسخوا قردةً، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثلما ضرب مثلَ الحمار يحمل أسفارًا) (^١).
٨ - ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. عن القاسم بن ربيعة: (أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قرأ: (مَا نَنْسَخُ مِنْ آيةٍ أَوْ تَنسها)، قلت له: فإن سعيد بن المسيَّب يقرؤها: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيَّب ولا على آل المسيَّب، قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]) (^٢).
٩ - قال عبد الله بن عباس ﵁: (والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامدٌ إلى حاجةٍ له، وفي يده الدِّرّة، وما معه غيري، قال وهو يحدّث نفسه، ويضرب جهةَ قدمه بدِرَّته، إذ التفتَ إليّ فقال: يا ابن عباس: هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله ﷺ؟ قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين، أنت أعلم. قال: فإنه والله إن الذي حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فوالله إني كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى في أمته، حتى يشهد عليها بآخرِ أعمالها، فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت) (^٣).
١٠ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال القاسم بن عبد الرحمن: (قال رجلٌ لابن عمر: من أنتم؟ قال: ما تقولون؟ قال: نقول إنكم سِبْط، وتقولون إنكم وسَط. فقال: سبحان الله، إنما السِّبط في بني إسرائيل، والأمة الوسَط أمة
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ٢/ ٦٥. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٣٤٥).
(٢) جامع البيان، لابن جرير ٢/ ٣٩٢.
(٣) تفسير ابن المنذر ١/ ٤٠٩.
[ ٥١٠ ]
محمد جميعًا) (^١).
١١ - قال داود بن أبي هند: (قلت لأبي العالية: قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] هو عندك النصف؟ قال: لا، هو تلقاءه) (^٢).
١٢ - قال عروة بن الزبير: (قلت لعائشةَ زوج النبي ﷺ، وأنا يومئذٍ حَدَثٌ: أرأيتِ قولَ الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما أرى على أحدٍ شيئًا ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما. قالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت كما تقول لكانت: فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما. إنما أُنزِلت هذه الآية في الأنصار، كانوا إذا أَهلّوا لمناةَ في الجاهلية، لا يَحِلُّ لهم أن يطَّوَّفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يَطَّوَّفوا بينهما؛ للَّذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فسألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قالت: فطافوا) (^٣).
١٣ - قال عمر بن عبد العزيز يومًا: (إني أكلت حمّصًا وعدسًا فنفخَني. فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين إن الله يقول في كتابه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. فقال عمر: هيهاتَ، ذهبتَ به إلى غير مذهبِه، إنما يريد به طيّب الكَسب، ولا يريد به طيّب الطّعام) (^٤).
١٤ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. عن ابن عباس ﵄: (أنه كان يقرأ: (وعلى الذين يُطوَّقونه) مشدّدَة، قال: يَكلَفونه ولا يُطيقونه.
_________________
(١) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٣١٦.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٤.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٢/ ٧١٨. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٢١٣).
(٤) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٣٧١.
[ ٥١١ ]
ويقول: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهَرم، والعجوز الكبيرة الهَرِمة، يطعِمون لكل يوم مسكينًا ولا يقضون) (^١).
١٥ - عن عكرمة: (أنه كان يقرأ (وعلى الذين يُطوَّقونه) [البقرة: ١٨٤] قال: يَكلَفونه. وقال: ليس هي منسوخَة، الذين يطيقونه يصومونه، والذين يُطوَّقونه عليهم الفدية) (^٢).
١٦ - قال عدي بن حاتم ﵁: (لمّا نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عمَدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدَوتُ على رسول الله ﷺ، فذكرتُ له ذلك فقال: «إنما ذلك سوادُ الليل وبياضُ النهار» (^٣).
١٧ - قال سعيد بن جبير: (خرج إلينا ابن عمر ونحن نرجو أن يحدِّثَنَا حديثًا عجيبًا، فبَدرَ إليه رجلٌ بالمسألة فقال: يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك من القتال والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ قال: ثكلتك أمك، أتدري ما الفتنة؟ إنما كان رسول الله ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس يقاتلهم على المُلْك) (^٤).
١٨ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. جاء رجلٌ إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال له: ألا تخرج تقاتل مع الناس حتى لا تكون فتنةٌ؟ فقال سعد: (قد قاتلتُ مع رسول الله ﷺ حتى لم تكنْ فتنة، فأمَّا أنت وذا البَطينِ تريدون أن أقاتل حتى تكون فتنة) (^٥).
_________________
(١) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٣٩٦.
(٢) المرجع السابق.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٢٥٠. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٤٦).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٧. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٢١٩).
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٠.
[ ٥١٢ ]
١٩ - قال أسلم أبي عمران: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبةُ بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فصَفَفْنا صفين لم أَرَ صفين قَط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصِقون ظهورَهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجلٌ منَّا على العدوّ، فقال الناس: مَهْ، لا إله إلا الله! يلقي بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصاري ﵁: أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه! إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالنا ونصلحَها، وندعَ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) (^١).
٢٠ - ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال أبو إسحاق: (قلت للبراء بن عازب ﵁: الرجل يحملُ على المشركين أهو ممّن ألقى بيده إلى التَّهلكة؟ فقال: لا، لأن الله ﷿ بعث رسوله فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]، إنَّما ذاك في النفقة) (^٢).
٢١ - قال أبو إسحاق: (سمعتُ البراء، وسألَه رجلٌ فقال: يا أبا عمارة أرأيت قول الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أهوَ الرجلُ يتقدَّم فيقاتلُ حتى يُقتل؟ قال: (لا، ولكنَّه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيَده ولا يتوب) (^٣).
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٣٢٢. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٢٢٤).
(٢) الدر المنثور، للسيوطي ٢/ ٥٦٢.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٣٢٠.
[ ٥١٣ ]
٢٢ - قال ابن عباس ﵁: (ليس التَّهلكة أن يُقتل الرجلُ في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله) (^١).
٢٣ - قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]: (ليس ذلك في القتال، ولكن في النفقة، إذا لقيتَ العدوّ فقاتلهم) (^٢).
٢٤ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال سفيان: (هو يعني تمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد الا الحج، والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة، ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت: لو حججت، أو اعتمرت. وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره) (^٣).
٢٥ - قال طاووس: (سألتُ ابن عباس عن قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]؟ قال: الرّفَث الذي ذَكَر هنا ليس الرّفَث الذي ذَكَر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ذاك الجماع، وهذا العِرَاب بكلام العَرَب، والتعريضُ بذكرِ النِّكاح) (^٤).
٢٦ - قال حصين بن قيس: (نزل ابنُ عباس عن راحلته فجعل يسوقها وهو يرتجز ويقول:
وهُنّ يمشين بنا هَميسًا … إن تصدُق الطيرُ نَنِك لَميسا
فذكر الجماعَ ولم يَكْنِ عنه، فقلت له: يا أبا عباس، تقول الرَّفَث وأنت محرم؟! قال: الرَّفَث ما رُوجِع به النساء) (^٥).
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٣١٤.
(٢) تفسير الثوري (ص: ٥٩).
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٣٣١.
(٤) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٤٩١. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٢٢٩).
(٥) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٤٥٨.
[ ٥١٤ ]
٢٧ - ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قال محمد بن عبيد الله بن الزبير: (ليس هذا بعامٍّ، هذا لأهل البلد) (^١).
٢٨ - قال أبو الجوزاء: (قلت لابن عباس: أخبرنا عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقد يأتي على الرجل اليوم وما يذكر أباه فيه، فقال ابن عباس: ليس كذلك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِيَ، أشدَّ من غضبك إذا ذُكِر والدك بسوء، أو أشد) (^٢).
٢٩ - قال سعيد بن مسلم: (سألت عكرمةَ عن قول الله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أهوَ ذِكْري أبي؟ قال: لا، ولكن ذِكْر أبيك إيَّاك، إنّ الوالدَ موَكّلٌ بالولد) (^٣).
٣٠ - ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال ابن عباس ﵁: (إنهم يتأوّلونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفّر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج!) (^٤).
٣١ - قيل للحسن: (الناس يقولون: إن الحاجَّ مغفورٌ له. فقال: آيةُ ذلك أن يدعَ سيّءَ ما كان عليه) (^٥).
٣٢ - قال أبو معشر: (سمعتُ سعيدًا المقبُرِي يُذَاكِر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنا نجد في بعض الكتب: إن لله ﷿ عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصّبِر، يلبسون للناس مسوكَ الضأن من اللِّين، ويَجترُّون الدنيا بالدين، قال
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٣.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٥. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٢٣٣).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٦.
(٤) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٥٦٢.
(٥) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٤٩١.
[ ٥١٥ ]
الله ﵎: أَعَلَيَّ يجتَرِءون؟ وبِي يغتَرُّون؟ وعِزَّتِي لأبعَثَنَّ عليهم فتنةً تترك الحليمَ منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جلَّ ثناؤُه. فقال سعيد: وأين هو في كتاب الله؟ قال: قول الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥]. فقال سعيد: قد عرفتُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ) (^١).
٣٣ - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. قال مجاهد: (إذا تولّى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبسُ الله بذلك القطرَ، فيهلك الحرثَ والنّسلَ، والله لا يحب الفساد. ثم قرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] وقال: أما والله ما هو بحرُكم هذا، ولكن كلُّ قرية على ماءٍ جارٍ فهو بحر) (^٢).
٣٤ - قال عبد الرحمن بن زيد: (كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السُّبحَة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف، قال: فَمَرُّوا بهذه الآية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت، اقتتل الرجلان؟ قال: فلما
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٥٧٤. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٣٤٩).
(٢) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٥٨٣.
[ ٥١٦ ]
رأى ذلك ابنُ عباس قال: أرى هاهنا من إذا أُمِرَ بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله، فاقتتل الرجلان. قال عمر: لله بِلادُك يا ابن عباس) (^١).
٣٥ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. قال قتادة: (ما هم بأهل الحَرور المُرّاقُ من دين الله تعالى، ولكن هم المهاجرون والأنصار) (^٢).
٣٦ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. قال مجاهد: (هو غير السحاب، لم يكن إلا لبني إسرائيل في تَيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءَت فيه الملائكة) (^٣).
٣٧ - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. قال السّدي: (يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاةٌ، هي النفقة، نفقةُ الرجل عل أهله، والصدقةُ يتصدق بها) (^٤).
٣٨ - قال ابن جُريج: (سألتُ عطاء قلت له: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أواجبٌ الغزوُ على الناس من أجلها؟ قال: لا، كُتب على أولئك حينئذٍ) (^٥).
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٥٨٨. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٩٧).
(٢) الكشف والبيان، للثعلبي ٢/ ١٢٥.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٦٠٨.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٣٨١.
(٥) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٦٤٤.
[ ٥١٧ ]
٣٩ - قال أبو المنهال: (كنت عند أبي العالية يومًا فتوضأ وتوضأت، فقلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب) (^١).
٤٠ - قال سعيد بن جبير: (بينا أنا ومجاهدٌ جالسان عند ابن عباس، أتاه رجلٌ فوقف على رأسه، فقال: يا أبا العباس، أو يا أبا الفضل، ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى. فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدمُ من ثَمّ أُمرتَ أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل كيف بالآية التي تتبعها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؟ فقال: إي ويحك، وفي الدُّبر من حَرث؟ لو كان ما تقول حقًّا لكان المحيضُ منسوخًا، إذا اشتغلَ من هاهنا جئتَ من هاهنا، ولكن أنّى شئتم من الليل والنهار) (^٢).
٤١ - قال عكرمة: (جاء رجلٌ إلى ابن عباس فقال: كنتُ آتي أهلي في دبرها، وسمعتُ قولَ الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فظننتُ أن ذلك لي حلالٌ. فقال: يا لُكَع، إنما قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمةٌ وقاعدةٌ ومُقبلةٌ ومدبرةٌ في أقبالهن، لا تعد ذلك إلى غيره) (^٣).
٤٢ - ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. قال موسى بن أيوب الغافقي: (قلت لأبي ماجد الزيادي: إن نافعًا يُحدّث عن ابن عمرَ: في دُبر المرأة. فقال: كذبَ نافع، صحبتُ ابنَ عمر ونافعٌ مملوك، فسمعتُه يقول: ما نظرتُ إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا) (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٣. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٣٧٩).
(٢) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٧٥٠.
(٣) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٥٩٤.
(٤) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٧٥٢.
[ ٥١٨ ]
٤٣ - ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. رَوح بن القاسم عن قتادة قال: (سُئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: هل يفعل ذلك إلا كافر! قال رَوح: فشهدتُ ابنَ أبي مُلَيكة يُسأل عن ذلك فقال: قد أردتُه من جاريةٍ لي البارحةَ فاعتاصَ عليَّ فاستعنتُ بدُهنٍ أو بشحم. قال: فقلت له: سبحانَ الله، أخبرنا قتادةُ أن أبا الدرداء قال: هل يفعل ذلك إلا كافر! فقال: لعنك الله ولعن قتادة. فقلت: لا أحدّثُ عنك شيئًا أبدًا. ثمّ ندمتُ بعد ذلك) (^١).
٤٤ - أبو بشرٍ عن سعيد بن جبير في قوله: (﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله؟ قال: لا، ولكنه تحريمك ما أحلّ الله لك، فذاك الذي يؤاخذك الله بتركه، وكفّر عن يمينك) (^٢).
٤٥ - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال عكرمة: (الأقراءُ الحيضُ وليس بالطّهر، قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولم يقل: لقروئهنّ) (^٣).
٤٦ - ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. قال أبو بشر: (قال سعيد بن جبير: هو الزوج. وقال مجاهد وطاوس: هو الوَليّ. قال: قلت لسعيد: فإن مجاهدًا وطاوسَ يقولان: هو الوَليّ. قال سعيد: فما تأمرني إذًا؟ قال: أرأيتَ لو أنّ الوَليّ عفا وأبت المرأةُ أكان يجوزُ ذلك؟ فرجعتُ إليهما فحدّثتهما، فرجعا عن قولِهما وتابعا سعيدًا) (^٤).
_________________
(١) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٧٥٣.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤١٠.
(٣) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٥٩٤.
(٤) جامع البيان، لابن جرير ٣/ ٧٥٣.
[ ٥١٩ ]
٤٧ - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قيل لعبد الله بن عمرو ﵄: (إن أبا هريرة يقول: هي العصر. فقال: إن أبا هريرة يُكثر، إن ابن عمر يقول: هي الصبح) (^١).
٤٨ - قال ابنُ وهب: (سألتُ مالكًا عن قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. فقال: راكبًا أو ماشيًا. ولو كانت إنما عنى بها الناس لم يأتِ إلا رجالًا. وانقطعت الألف، إنما هي: رجالٌ مُشاة. وعن: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] قال: يأتوك مُشاةً أو ركبانًا) (^٢).
٤٩ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال محمد بن سيرين: (سألتُ عَبيدة السلماني عن هذه الآية فقال: إنما ذلك في الزكاة. أو قال: إنما ذلك في الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة، والدّرهم الزّائف أحب إليّ -أو: خيرٌ- من التمرة) (^٣).
٥٠ - قال ابن سيرين في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]: (إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوّع فلا بأس أن يتصدق الرجل بالدّرهم الزّائف، والدّرهم الزّائف خيرٌ من التمرة) (^٤).
٥١ - ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال مجاهد: (ليست بالنبوّة، ولكنه القرآن والعلمُ والفقه) (^٥).
_________________
(١) الدر المنثور، للسيوطي ١/ ٦٨٥.
(٢) جامع البيان، لابن جرير ٤/ ٣٩٢.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٤/ ٧١٠.
(٤) جامع البيان، لابن جرير ٤/ ٧١٠.
(٥) جامع البيان، لابن جرير ٥/ ٩.
[ ٥٢٠ ]
٥٢ - قال ابنُ وهب: (حدثنا مالكُ بن أنس قال: قال زيدُ بن أسلم: إن الحكمة: العقل. قال مالك: وإنه ليقعُ في قلبي أن الحكمةَ هي الفقه في دين الله، وأمرٌ يُدخله الله في القلوب من رحمته وفضله. وممّا يُبيّن ذلك أنك تجدُ الرجلَ عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجدُ آخرَ ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمةُ: الفقه في دين الله) (^١).
٥٣ - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. عن مغيرة بن مِقسم عن الحسن: (أن الربيع بن خُثَيم كان له على رجلٍ دَيْن، فيقول: أثَمَّ فلانٌ؟ إن كنت موسرًا فأدِّه، وإن كنت مُعسرًا فإلى مَيْسرَة. قال مغيرةُ: فقلت ذلك لإبراهيم النخعي: فقال: إنما ذلك في الربا) (^٢).
٥٤ - عن ابن سيرين: (أن رجلَين اختصما إلى شُريح في حقٍّ كان لأحدهما قِبلَ الآخر، فقضى عليه شُريح وأمرَ بحبسه، فقال رجلٌ عنده: إنه مُعسر، والله يقول في كتابه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. فقال شُريح: إنما ذلك في الربا، وإن الله قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ولا يأمرُنا الله بشيءٍ ثمّ يعذّبنا عليه) (^٣).
٥٥ - قال سفيان بن عيينة: (ليس تأويل قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] من الذِّكْر بعد النِّسيان، إنما هو من الذَّكَر، بمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَّكَر) (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٣٢. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٣٨٦).
(٢) سنن سعيد بن منصور ٣/ ٩٨٤، وجامع البيان، لابن جرير ٥/ ٥٨.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٥/ ٥٧.
(٤) جامع البيان، لابن جرير ٥/ ٨٩. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ٣٩٠).
[ ٥٢١ ]
٥٦ - ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال الشافعي: (إنما معناه أن يقرّ قطُّ بالحقّ، ليس معناه أن يُملي) (^١).
٥٧ - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال داود بن أبي هند: (سألتُ مجاهدًا عن الظّهار من الأمةِ؟ فقال: ليس بشيء. فقلتُ: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، أفَلسن من النساء؟ فقال: والله يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أفَتجوزُ شهادةُ العبد!) (^٢).
٥٨ - قال سعيد ابن مَرْجانة: (جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، ثم قال: لئن أُخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فقلت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها مثل ما وَجَد عبدُ الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخر السورة، فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل) (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٧.
(٢) الدر المنثور، للسيوطي ٢/ ١١٩.
(٣) جامع البيان، لابن جرير ٥/ ١٣٢. وينظر: استدراكات السلف في التفسير (ص: ١٠٣).
[ ٥٢٢ ]