قوله: (إنما فتح الميم في المشهور الخ) قد سبق الكلام في معنى ألم وهل هي معربة أو
مبنية، أو موقوفة وأن الصحيح أنها معربة وإنما سماها بعضهم مبنية لعدم الإعراب بالفعل لفقد المقتضى له، وأنّ سكون أعجازها سكون وقف لا بناء، ولذا اغتفر فيها التقاء الساكنين، وحينئذ كان حقها هنا سكون الميم، وفتح الهمزة لكن جمهور القرّاء على فتح الميم وطرج الهمزة، واختلف في توجيهه فذهب سيبويه، وكثير من النحاة إلى أنه حرّك لالتقاء الساكنين بالفتح لخفته وللمحافظة، على تفخيم لفظ الله، وعليه مشى في، ألمفصل لأنه مختصر الكتاب، وذهب الفرّاء واختاره في الكشاف إلى أنه نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، وحذفت وأورد عليه أن همزة الوصل سقطت في الدرج، ونقل الحركة إنما يكون على تقدير ثبوتها لآنّ إبقاء حركتها) بقاء لها، وأجيب عنه بأنه على نية الوقف فتكون ثابتة لأنه ابتداء كلام، ولإجرائه مجرى الدرج الصل به وحرّك، وأمّا قول ابن الحاجب إنه ضعيف غير مسلم، ولما كان التقاء الساكنين شائعا لي الوقف لم يقل إنّ التحريك له، وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله: توهم التحريم فإنه غير محذور، وقوله: وقرئ بكسرها الخ هي قراءة أبو حيوة، قال الزمخشري: وما هي بمقبولة لكن الفارسي قال: إن القياس لا يدفعها، وعن عاصم تسكين ميم، والابتداء بالهمزة مع الوقف وعدمه، واختير الفتح لئلا يجتمع كسرتان وياء بمنزلة كسرتين وأورد عليه اتفاقهم على كسرة الرحيم الله في الوصل، وفي شرح الطيبة كسر ميم الرحيم الله الجمهور على أنه حركة إعراب فلا يرد ما ذكر.
وبحتمل أنها سكنت بنية الوقف، ثم حركت لالتقاء الساكنين، وروي عن أمّ سلمة
﵂ قراءة سكون الميم وقطع الهمزة، وروي عن الكسائي فتح ميمه وصلا، وهو موجه بما مرّ، ويحتمل نصبه بأعني مقدرًا. قوله: (روي الخ) المرويّ أنه ﵊ قال: اسم الله الآعظم في ثلاث سور سورة البقرة وآل عمران وطه قال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم الخ، والمصنف رحمه ألله رواه بالمعنى. قوله: (القرآن
[ ٢ / ٣٥٦ ]
نجومًا) أي على التدريج بناء على الفرق بين الإنزال والتنزيل، واليه أشار في تفسير أنزل هنا بقوله: (جملة)، وقد مرّ أنّ بعضهم فسر التدريج بالتكثير الذي دل عليه فعل، وردّ بأنه إنما يدلّ عليه لو لم يكن للتعدية كما هنا، فإن نزل! لازم فلا يصح فيه ذلك، ومرّ جوابه.
وأمّا ردّ أبي حيان ﵀ بأنه ورد في وصف القرآن نزل وأنزل فغير وارد، وقال الحلبيّ إنه يرى في كلام الزمخشريّ تناقضًا حيث قال: إنّ نزل يقتضي التنجيم، وأنزل يقتضي الإنزال الدفعيّ، وتجويزه أن يراد بالفرقان القرآن مع أنه قيل فيه أنزل قال ولا ينبغي أن يقال ذلك لأنه لم يقل إن أنزل للإنزال الدفعيّ.
وفي المغني يشكل على الزمخشرفي قوله تعالى: ﴿لولا نزل عليه القرآن﴾ [سورة الفرقان،
الآية: ٣٢] جملة واحدة فقرن نزل بكونه جملة، وقوله: وقد نزل عليكم في الكتاب.
وقال العراقي: إنّ القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ومن
سماء الدنيا منجمًا في ثلاث وعشرين سنة فيجوز أن يقال فيه نزل وأنزل، وأمّا بقية الكتب فلا يقال فيها إلا أنزل، وهذا أوجه وأظهر، وهذا فطير لم يخمر، وتخميره أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئا فشيئا، كما في تسلل والألفاظ لا بدّ فيها من ذلك فصيغة نزل تدل عليه والإنزال مطلق، لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام إذا عرفت هذا فكل ما ذكر من عدم البصيرة، وضيق العطن
فافهم، وقد مرّ ما فيه مفصلًا. قوله: (بالعدل أو بالصدق الخ) قيل ليس في اللغة الحق بمعنى العدل، والحجج المحققة، ووصفه بالصدق باعتبار بعض أجزائه وهو الأخبار ويمكن أن يجعل باعتبار جميع أجزائه لاستلزام كل إنشاء خبرا وليس بشيء لأنه نص عليه أمام اللغة الراغب وعليه تعويل المصنف ﵀ فيما مرجعه إلى اللغو، ومع قوله في أخباره كيف يتوهم السؤال بالإنشا آت، وما بين يديه ما تقدمه من الكتب كما مرّ تحقيقه، وهو في موضع الحال، وتقديره ملتبسا بالحق أو محقا. قوله: (واشتقاقهما من الورى والنجل الخ) الظاهر أنهما أعجميان لا عربيان وعلى القول بعربيتهما فأمر الاشتقاق والوزن ظاهر وعلى الأوّل فلا معنى له على الحقيقة لأنه إمّا أن يشتق من ألفاظ أخر أعجمية ولا مجال لإثباته، أو من ألفاظ عربية فهو استنتاج للضبّ من الحوت، ولذا عده المصنف ﵀ تعسفا، فلم يبق إلا بعد التعريب اجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة، والأصالة وفرضوا له أصلا ليتعرّف ذلك، وقد نقل هذا عن بعض المتقدمين، ومثله ما مرّ في طالوت، فمن قال: إنه فقول عن البصريين والكوفيين لم يات بشيء، وعلى هذا الأخير فالتوراة قيل إنها من ورى الزناد يرى إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور تجلو ظلمة الضلال، وقيل: إنها من ورّى أي عرّض لأنّ فيها رموزا كثيرة، وقوله: ووزنهما بتفعلة بفتح العين عند بعض الكوفيين، وبكسرها عند الفرّاء لكن فتحت وقلبت ياؤها ألفا للتخفيف كما قالوا: في توصية وتوصاة وهي لغة لبعض العرب، وعند الخليل وسيبويه فوعلة، والأصل وورية فأبدلت الواو تاء، وقوله: والنجل بفتح فسكون هو الماء الذي ينز في الأرض، ومنه: النجيل لما ينبت فيه، ويطلق على الوالد والولد، وهو أعرف فهو ضد كما قاله للزجاجيّ: وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به إمّا لاستخراجه من اللوح المحفوظ، وظهوره منه أو من التوراة، وقيل إنه من التناجل، وهو التنازع لكثرة النزاع فيه، وقيل: من النجل بمعنى الوسع لتوسيعه ما ضيق في التوراة، وقوله: لأنهما أعجميان قد عرفت وجهه وتوجيهه، وما قيل: إنّ الدليل على عربيتهما دخول اللام لأنّ دخولها في الأعلام الأعجمية محل نظر لا وجه له لأنهم ألزموا بعض الأعلام العجمية الألف واللام علامة للتعريب كما في الإسكندرية فإن أبا زكريا التبريزيّ قال: إنه لا يستعمل بدونها مع أنه لا خلاف في أعجميته حتى لحن من استعمله بدونها وافعيل بالكسر كثير، وأمّا بافتح فليس من أبنية العرب. قوله:) على العموم إن قلنا إنا متعبدون) بفتح الباء من تعبد الله الخلق بمعنى استعبدهم أي مأمورون
بشرائع من قبلنا، وجوّز العلامة في شرح الكشاف كسرها من التعبد بمعنى التنسك، وإنما عبروا بالتعبد لأنه إذا أطلق أريد منه العمليات إذ لا خلاف في الاعتقاديات بين الشرائع، ومن لم يتنبه لهذا قال: يعني الناس مستغرق على
[ ٣ / ٢ ]
تقدير، ومعهود على آخر، وفيه أنه للاستغراق على كل تقدير إذ لا خلاف في أن الكتابين أخبرا عن نبوّة محمد ﷺ فهما هدى للناس جميعًا، وبأن أصول الكتابين لم تنسخ بكتابنا فنحن متعبدون بهما. قوله: (يريد به جنس الكتب الخ) الضمير في قوله ليعمّ لذلك المذكور أو للذكر، وسائر بمعنى الباقي أو بمعنى الجميع عند من جوّزه، وأعاد أنزل لئلا يتوهم أن المعنى وللفرقان، وعلى هذا فهو من ذكر العامّ بعد الخاص للتتميم، ولكونه بوصف آخر لا تكرار فيه. قوله: (أو الزبور أو القرآن الخ) اختار الإمام الوجه الأخير لأنّ التكرار خلاف الظاهر ولأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق، والباطل من الأحكام، وأجيب بأنه لا تكرار لتنزيل تغاير الوصف منزلة تغاير الذات أو أنه تنزيل تدريجي، وانزال دفعيّ، وكان الظاهر تقديمه لكنه أخر لأن الانتفاع لنا بالأوّل أظهر، وأنّ المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضا، ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به، وأورد عليه أن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى تغني عن ذكر موصوفه، والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به، وقوله بما هو نعت له ليس المراد به النعت المصطلح بل الصفة مطلقًا لأن الكتب السماوية كلها فارقة بين الحق والباطل، فأعادته بذلك العنوان، وتخصيصه إشارة إلى أنه الكامل فيه لكونه بمعناه، ولفظه المعجز، ولو أجرى عليه لم يكن بهذه المنزلة.
وفي بعض النسخ وعن محمد بن جعفر بن الزبير قال الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى ﵊ وغيره قال ابن جرير ﵀: وهذا القول أولى لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبيّ ﷺ في أمر عيسى ﵊. قوله: (من كتبه المنزلة وغيرها) إشارة إلى أن الإضافة ليست للعهد وقوله بسبب كفرهم إشارة إلى أن التعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية، وهو معنى تضمنه الرط، وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام، والعذاب الذي في مقابلة الكفر أو الشديد مخصوص بهم فلذا قدّم لهم فلا ينافيه تعذيب عصاة الموحدين. قوله:) غالب
لا يمنع الخ) فسره به لأنه من شأن العزيز، وبه يتمّ الارتباط بما قبله، وقوله: لا يقدر على مثله منتقم أخذ المبالغة من التعبير بذي فإنه لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقًا مع ما فيه من التنوين المفيد للتعظيم، والإبهام ومنه يعلم أنّ ذا الإحسان أبلغ من محسن، ولذا عدل فيه عن المنهج المسلوك، وهو أخصر. قوله: (والنقمة عقوية المجرم (، وقيل: هي العقوبة البليغة وقيل: السطوة والانتصار والفعل منه نقم كعلم وضرب، وقيل: نقم عليه أنكر وانتقم عاقب، وتقرير التوحيد من لا إله إلا هو، والعمدة في إثبات النبوّة الوحي والكتب السماوية والزجر بالانتقام، والإعراض هو الكفر. قوله: (أي شيء كائن الخ) يصح قراءته بالتخفيف والتشديد، وقوله: كليا كان أو جزئيا ردّ على منكري العلم بالجزئيات كما بين في الكلام وقوله: إيمانا أو كفرا وقع في نسخة وكفرأ، وهو بمعناه وقوله: فعبر عنه بالسماء والأرض الخ يعني لأنهما العالم كله في النظر الظاهر، وجعله من إطلاق الجزء وارأدة الكل قيل: إنه ليس بسديد إذ لا يصح في كل جزء وكل بناء على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء كما في التلويح، وهو مما اختلف فيه فهو عنده كناية لا مجاز. وقوله: ما اقترف أي اكتسبه العباد من المعاصي فإنه فيها وجعله كالدليل لأنّ العلم
يستلزم الحياة، ولم يقل دليلاَ لأن السياق إنما هو للوعيد والتحذير من عقاب من هو مطلع عليهم، وعبادته معطوف على نفسه عطف تفسير، واختلاف الصور مأخوذ من عموم كيف يشاء، والتصوير من جملة تدبيرهم، والقيام بامرهم واتقان الفعل يدل على العلم كما مرّ. توله:) اي صوّركم لنفسه وعبادته) أي ليس المراد بالتصوّر قيام الصورة بالذهن، وهذا المعنى يؤخذ من صيغة التفعل كما في الكشاف يقال: أثلث مالًا إذا جعلته أثلة أي أصلًا وتأثلته إذا أثلته لنفسك، ومنه تبناه اتخذه ابنا له، وباب تفعل يجيء للاتخاذ نحو توسدت التراب أي اتخذته وسادة لي فما قيل كأنه من تصوّرت الشيء بمعنى توهمت صورته فتصوّر لي توهم
محض. قوله: (إشارة إلى كمال قدرته الخ) لأنّ الغلبة تقتضي القدرة التامّة، وصيغة
[ ٣ / ٣ ]
حكيم تقتضي تناهي الحكمة، وقوله وقيل: ايخ أي نبه بالتصوير لجميع الناس على أن عيسى ﵊ عبد كغيره لحدوثه، وأن الرب من لا يخفى عليه خافية ومن لا يكون كذلك لا يكون ربًا لأنه لا يعلم بما في نفسه إذ صوّر، وهذا من قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٥] الخ ولخفائه ضعفه بقوله: وقيل الخ ولذا قيل إنه إدماج وليس مأخوذا من حاق النظم فافهم. قوله: (أحكمت عبارتها بأن حفظت الخ) في الكشاف بدل الإجمال الاحتمال وهو ما ذهب إليه الشافعية من أنّ المحكم المتضح المعنى، والمتشابه بخلافه ومعنى اتضاح المعنى أن يظهر عند العقل أنّ معناه هذا لا غير، وأمّا عند الحنفية فالمحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ والمتشابه الخفيّ الذي لا يدرك معناه عقلًا ولا نقلًا وهو ما استأثر الله بعلمه والغرض من إنزاله ابتلاء الراسخين وكج عنان التصرّف وقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضا في البلاغة وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن قال المدقق في الكشف واعلم أنه لا ينكر أنّ في القرآن من الحقائق ما لا سبيل للبشر إلى الوقوف عليه تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾، ولقوله ﵊: " هو البحر لا تنقضي عجائبه في وصفه)، إنما النزاع في المتشابه المذكور في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وفي أن ما سيق لتلك المعاني المستأثر بها في علم الغيب له ظاهر كلفنا علمه، وباطن كلفنا تصديقه إيمانا بالغيب فلا نزاع بين الفريقين، ومن المتشابه الصفات السمعية من الاستواء واليد والقدم، والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها فعند السلف، ومنهم الأشعري أنها صفات أخر غير الثمانية ثابته وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التشبيه والتجسيم لئلا يتعارض! العقل، والنقل وعند الخلف ليست صفات زائدة على الثمانية بل راجعة إليها والأليق أن يتوقف لأنه المنقول عن السلف الصالح، ولنا بهم أسوة حسنة مع ظهور وجهه، ثم إنّ التأويل له معنيان مشهور وهو ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له وآخر وهو بيان حقيقته وابرازها لما بالعلم، أو بالفعل وكلاهما وارد في القرآن ومحتمل هنا أيضًا وعليه ينبني الوقف، وعدمه أيضًا.
قال الراغب: التأويل من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ومنه الموئل للموضمع الذي
يرجع إليه وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علمًا كان أو فعلاَ ففي العلم نحو وما يعلم تأويله إلا الله وفي الفعل كقوله:
وللنوى قيل يوم البين تأويل
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ٥٣] أن بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٩] قيل: أحسن ترجمة ومعنى وقيل أحسن ثوابا في الآخرة انتهى، ويكون المحكم في مقابلة المنسوخ أيضآ لكنه غير مشهور وفي الترجيح بينهما كلام في شرح الكشاف، والأصول من أراد تفصيله فليرجع إليه. قوله: (والقياس أمّهات الخ الما لم يتطابق المحمولان أوّله بأنّ المراد منهن كل واحدة فيصح حمل المفرد عليه، وحينئذ فالكتاب إنا أن يراد به الجنس الشامل لكل آية أو يقدر فيه أي بعض الكتاب، أو إنه جعلهن في حكم شيء واحد لاتحاد نوعها فلذا أفرد الخبر. قرله:) محتملات الخ) مخالفة الظاهر من ذكر العامّ بعد الخاص لأنهم عرّفوه بما لا يتضح معناه وتحته أنواع منها المجمل فأو لمنع الخلوّ فلا يرد عليه شيء، وعلى هذا فكل آية منه تحتمل وجوها يشبه بعضها بعضا فتوصف بالتشابه باعتبار معناها وما فيها من الوجوه فسقط ما تيل إن واحد متشابهات متشابهة وواحد أخر أخرى والواحد منهما لا يصح وصفه بالآخر، فلا يقال أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحد شبه بعضًا، وليس المعنى عليه بل لا يصح في المفردات وإنما المعنى أنّ كل آية تشبه الأخرى فكيف يصح وصف جمع بجمع لا يصح وصف مفرده بمفرده، ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه لأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليه صحة إسناده إلى كل واحد كما في وجد فيها رجلين يقتتلان إذ الرجل لا يقتتل رلذا قيل في قوله حافين من حول العرس ليس لحافين مفرد إذ الواحد لا يكون حافا أي محيطأ، وسيأتي بيانه على أنه إذا علم أن المتشابه مجاز أو كناية عما لا يتضح معناه، أو ما لا يعلم معناه على الرائين علم أن السؤال مغالطة غير واردة رأسا.
[ ٣ / ٤ ]
قوله: (ليظهر قيها فضل العلماء الخ) جواب سؤال عن حكمته، ولم لم يكن كله محكمًا لأنه أنزل للهداية والإرشاد فأجاب بأنه متضمن للإرشاد أيضا إلى فضل العلماء واكتساب العلوم والكد المحصل للثواب، والاستنباط الاستخراج، والقرائح الطبائع ثم أشار إلى معنى آخر للمحكم والمتشابه وقد مرّ بيانه. قوله: (وأخر جمع أخرى لخ) أخر جمع أخرى مؤنث آخر أفعل تفضيل وقياس بابه إذا
قطع عن الإضافة أن لا يستعمل إلا باللام فاستعماله بدونها عدول عما هي فيه، واعترض عليه أبو عليّ ﵀ بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر فأجابوا بأنه لا يعد في استعماله نكرة بعد حذف اللام المانعة منه كذا في الإيضاح، والى هذا الأشكال أشار المصنف ﵀ بقوله، ولا يلزم منه معرفته وفي نسخة تعريفه يعني أنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه، وإنما يلزم أن يكون قد أخرح عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى نعم قد يقصد إرادة تعريفه بعد النقل إمّا بألف ولام تضمن معناهما فيبنى وامّا بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف، ولما لم يقصد في آخر إرادة الألف واللام أعرب ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضادّ الوصفية المقصودة منه.
قوله:) أو عن آخر من) هذا مذهب ابن جني وقال ابن مالك وغيره: إنه التحقيق ولكن
ما مر مذهب الجمهور، ووجهه أنّ أصل باب التفضيل أن يستعمل بمن، ويستغنى به عن جمعه فلما خالفه جعل معدولًا عنه ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأنّ المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف كما في الغايات أو مع ما يسدّ مسده، وفيه نظر. قوله: (عدول عن الحق) الزيغ الميل، قيل: لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ وزال ومال متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل انتهى، هاليه أشار المصنف وزبغ مبتدأ وفاعل. قوله:) فيتعلقون بظاهره الخ) هذا مأخوذ من الحصر المفهوم من التقابل إذ معناه أنهم يتبعون المتشابه وحده بأن ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم، ويردّوه إليه وهو إمّا بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة، وحينئذ يضربون القرآن بعضه ببعض، ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادآ منهم وكفرًا ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك، وهذا معنى قوله: ابتغاء الفتنة وابتغاء تأوبله فالإضافة في تأويله للعهد أي بتأويل مخصوص لا يوافق المحكم بل يوافق ما يشتهونه، وتوله: كالمبتدعة إشارة إلى أنه أعئم من المسلمين هنا إذ المراد من يخالف الحق، ويأتي بما يختلفه من الباطل لما ذكر في سبب النزول فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يكون الداعي الخ (قيل: كأنه جعل الداعي أوّلًا الطلبتين على التوزيع بأن جعل ابتغاء الفتنة طلبة بعض، وابتغاء التأويل حسبما يشتهي طلبة بعض فعقبه باحتمالين آخرين، ويشير إليه تفسير اتباع
ما لابه، ومناسبة المعاند أنه لقوّة عناده يتشبث بهما معا، والجاهل أنه لتحيره تارة يتبع هواه لعدم علم يصرفه إلى ما سواه وتفسير تأويله بما يجب أن يحمل عليه لأنه هو المطابق للواقع يعلم من التعبير بالعلم وإضافته إلى الله، والمراد بما يجب أن يحمل عليه أي على نوعه وما يضاهيه، والتعبير بالراسخين يقتضي تقابله بالزائغين. قوله: (ومن وقف على إلا الله) فيه ثلاثة مذاهب منهم من وقف على إلا الله ومنهم من وقف على الراسخون، ومنهم من جوّز الأمرين د! اليه ذهب كثير من أئمة التحقيق ولهم في ترجيح ذلك كلام طويل فرجح ما ذهب إليه بوجوه أما اوّلًا فلأنه لو أريد بيان خط الراسخين مقابلًا لبيان خط الزايغين لكان المناسب أن يقال وأمّا الراسخون فيقولون.
واما ثانيًا فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم.
وأما ثالثا فلأنه لا ينحصر حينئذ الكلام في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر
العبارة حيث لم يقل ومنه متشابهات لأن ما لا يكون متضح المعنى، ويهتدي العلماء إلى تأويله ورذه إلى المحكم مثل إلى ربها ناظرة لا يكون محكما ولا متشابها بالمعنى المذكور، وهو كثير جدًا، وأمّا رابعا فلأنّ المحكم حينئذ لا يغون أثم الكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه لما استاثر الله به كعدد الزبانية، وقد رجح الثاني بأنّ أمّا للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على
[ ٣ / ٥ ]
الراسخين لتحقق التفصيل غاية الأمر أنه حذفت أمّا والفاء وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله: أنزل عليك الكتاب والتقسيم في قرله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والتفريق في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم، وهو أن الراسخين يتبعونه، ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله والراسخون في العلم الخ والجواب أنّ كون أمّا للتفصيل أكثريّ لا كليّ ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم، ثم لو سلم كون الآية من قبيل الجمع والتفريق والتقسيم فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني يقولون الخ كاف في ذلك، والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على إلا الله وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل، والمؤوّل فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضا لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله وأما إذا فسر بما دلّ القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان فمنهم من يجوّز الخوض! فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادّة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه
، منهم من يمنع الخوض فيه على ما عرفت في الصفات السمعط فيمتنع تأويله ويجب الوقف
عنده ففي قول المصنف ﵀ أو بما دلّ القاطع تأمّل. قوله: (اسمئناف موضح الخ) والنحاة يقدرون له مبتدأ دائمًا أي هم يقولون وقد قيل: إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر، وقوله: موضح لحال الراسخين إشارة إلى وجه ترك العطف فيه، وهذا القول، وإن لم يخص الراسخين لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريقًا لا يليق من تأويله على ما مرّ فكأنّ غيرهم ليس بمؤمن، وليس فيه أنه يقتضي أنّ الراسخين يعلمون جميع المتشابه مع أنّ منه ما استاثر الله بعلمه أي انفرد واستبذ به مع أن الواصلين لا يفسرون المتشابه بما يشمله بل بما يقابله فتأمل، وقوله: إن جعلته مبتدأ أي الراسخون، وقوله: كل من المتشابه هذا ظاهر إن رجع ضمير به إلى المتشابه وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضًا لأنّ مآله كل من أجزاء الكتاب، وهي لا تخلو عنهما. قوله: (مدح للراسخين الخ) فهو معطوف على جملة يقولون لا من جملة المقول فهو حي! سذ من وضعالمظهر موضمع المضمر أي الأهم ودلالته على ما ذكر لحصر التذكر والتدبر فيهم وتجرّد عقولهم عما يغشاها من الحس المكدر لها من التعبير باللب إذ هو الخالص، وخلوصه عما ذكر كما مرّ تفسيره به. قوله: (واتصال الآية الخ (جعل العلم تصويرًا وتربية للروح على ضرب من التمثيل لأنّ به كمالها وشقاوتها وسعادته فتبقى به في النعيم وتفارقه بعدمه كما أنّ الجسد يبقى بالروح ويفنى بمفارقتها، ولا يخفى أنّ كون كل منهما تصويرا وتكميلًا في الجملة يناسب ذكره معه، ولما بين التصوير الحقيقيّ الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف وقوله: (أو أنه جواب الخ) أي هذه الآية رد عليهم في فهمهم، من روج الله وكلمته ما فهموه، وما قبلها أيضا ردّ عليهم في إنه ابن الله لأنه لا أب له بأن من يقدر على هذا يقدر على التصوير من غير نطفة ولأنّ المصوّر لا يكون أب المصوّر كما مرّ، وقيل: المناسبة إنّ في المتشابه خفاء كما انّ تصوير ما في الأرحام كذلك. قوله: (من مقال الراسخين الخ) وقيل: إنه تعليم للعباد أي قولوا إذا مرّ بكم متشابه ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ عن الإيمان بأنه حق أو عن تأويله بما ترتضيه بعد إذ هديتنا بإنزاله علينا وما ذكره المصنف ﵀ أقرب، وما ذكره هذا القائل مآله إلى الوجه
الثاني عند التأملى، والحديث المذكور أخرجه الترمذفي والشيخان وأصبعي الرحمن تأويل لأنّ هدايته وضلاله موقوف على إرادته فأيهما أراد وقع سريعا شبه تصرّفه ذلك بأمر خفيف يهون تقليبه بالأصابع وفي التعبير بالرحمن إشارة إلى أنّ لطفه به أكثر. قوله:) وقيل لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا) قائله الزمخشري بناء على مذهب المعتزلة، ولذا ردّه المصنف وعبارته لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا، أو لا تمنعنا ألطفاك بعد إذ لطفت بنا، وقرئ لا تزغ قلوبنا بالتاء والياء ورفع القلوب قال العلامة ظاهر النظم لا تضلنا لأنّ زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقبال الهداية الإضلال فيلزم أن يكون الإضلال من الله كما أنّ الهداية منه لكنه ليس موافقًا لمذهبه يعني في أفعال العباد فلا جرم أوّله بأحد
[ ٣ / ٦ ]
أمرين إما السبب أو منع اللطف، وقراءة الرفع من قبيل لا أرينك ههنا وهو من الكناية ولكونها بحسب الظاهر تؤيد مذهب المعتزلة تركها المصنف ﵀. قوله: (إلى الحق والإيمان الخ) هذا بناء على أن الهداية الدلالة الموصلة، وفسرها الزمخشريّ باللطف أيضًا إشارة إلى أنه يصح أن يراد بها مطلق الدلالة وبعد منصوب على الظرفية والعامل فيه تزغ، واذ مضاف إليه لأنها متصرّفة أو مصدرية، وأمّا القول بأنها بمعنى أن المصدرية المفتوحة الهمزة والمعنى بعد هدايتنا فلم نر من تعرّض له من النحاة أصلا لكن المصنف ﵀ ثقة والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل فيؤوّل ما بعدها بالمصدر نحو، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أي لظلمكم فإن كان أخذه من هذا فهو كما ترى، ثم إني رأيته في إعراب القرآن للحوفي، ولم أره لغيره وقوله: (تزلفنا إليك) أي تقرّبنا أخذه من لدن في لدنك ولدن أخص من عند لأنها تستعمل للحاضر بخلاف عند وأشار بقوله: عندك إلى أنها ظرف مثلها وعلى هذا التفسير الرحمة بمعنى الإحسان والأنعام، وعلى تفسيرها بالتوفيق فهي إنعام مخصوص وإنما ذكر الثبات ليفيد بعد ما فسر به إذ هديتنا، وقوله: لكل سؤال العموم مأخوذ من حذف المعمول، كما في فلان يعطي ويمنع، والهبة ما يكون بلا عوض! في الأصل
فلذا يفيد ما ذكره، والقول بالوجوب ليس مذهب أهل السنة والكلام عليه مبسوط في الكلام، وقوله: (لحساب الخ) إشارة إلى تقدير مضاف وأن اللام للتعليل، والطلبتين عدم الزيغ وهبة الرحمة. قوله: (فإنّ الإلهية تنافيه الخ (يعني أنّ العدول عن المضمر المخاطب على ما هو الظاهر إلى الاسم المظهر بغير لفظ الرب المتقدم للدلالة على أنّ الحكم مترتب على ما يدل عليه اسم الله كما في التعليق بالوصف، وهذا بملإحظة معناه قبل العلمية، وهو المقصود من تلوين الخطاب، والتلوين أعمّ من الالتفات واستدل به الوعيدية وهم المعتزلة القائلون بوجوب الثواب والعقاب، وأجيب عنه بأجوبة منها أنه مشروط بشروط معلومة من ضوص أخر كعدم العفو أو عدم التوبة للوفاق بيننا وبينهم عليه على إن الميعاد مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأنّ الأوّل مقتضى الكرم كما قال:
واني وان أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
أو هو إنشاء فلا يلزم الكذب في تخلفه، وعلى الأوّل فالتعريف جنسيّ، وعلى ما بعده الألف واللام فيه للعهد. قوله: (أي من رحمته أو طاعته الخ) يعني أنّ من للبدل على تقدير مضاف كقوله:
فليت لنا من ماء زمزم شربة
أي بدلها ومعنى أغنى عنه أجزاء وكفاه فشيئًا نصب على المصدر، وقد يجعل مفعولًا به
لما في أغنى من معنى الدفع لأنه في الأصل دفع الحاجة لكن لا يخفى أنّ المعنى ليس لا تدفع عنهم شيئًا بدل الرحمة، أو الطاعة نعم يصح أن يكون مفعولًا به لأنّ معنى أغنى عنه كفاه وشيئا ثاني مفعولي كفى كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢٥] وقال أبو حيان ﵀: كون معنى من البدلية ينكره أكثر النحاة فهي لابتداء الغاية كما قاله المبزد. أو التبعيض على أنها صفة لشيئًا قدمت عليها فصارت حالًا، والتقدير من عذاب الله حينئذ، وذكر أبو عبيدة أنها بمعنى عند وهو ضعيف واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: أو من عدّابه فتأمّل، وقوله: حطبها إشارة إلى أنه على قراءة الفتح ليس بمصدر فلا يحتاج إلى تقدير وهذا هو الصحيح وقيل إنه مصدر أيضًا. قوله: (متصل بما قبله الخ) في إعرابه وجهان النصب على أنه صفة مصدر لتغني أي إغناء كعدم إغناء وفيه الفصل بين العامل، ومعموله بجملة وأولئك إلا أن تقدر اعتراضية أو أنه صفة لوقود وعلى كونه مصدرأ فهو ظاهر وأما على كونه اسما جامدًا
مفيه نظر كما قاله أبو حيان ﵀ وفيه وجوه، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلا كدأب هؤلاء، وهو إن كان استئنافا بيانيا بتقدير ما سبب هذا على ما قاله النحرير: فلا يليق أن يقول المصنف ﵀ والعذاب والا فلا يرد عليه هذا كما قيل والجواب أن المراد لالعذاب استحقاقه بعيد، والدأب في الأصل بمعنى إتعاب النفس في العمل، ولدا استعمل في الثأن والخطر لأنه لا يحصل بدونه غالبا وقوله: إن ابتدأت بالذين هو الوجه الذي في العمل، ولدا استعمل في الشأن والخطر لأنه لا يحصل بدونه غالبا وقوله: إن ابتدأت بالذين هو الوجه الذي أشار إليه قوله: وقيل استئناف. قوله: (قل لمشركي مكة ستنلبون يعني يوم بدر) وعلى هذا إذا كان الخطاب
[ ٣ / ٧ ]
في قد كان لكم آية لهم فهو إئا مقول لهم بعد ذلك أو عبر عن المستقبل لالماضحي لتحقق وقوعه، وقينقاع بفتح القاف وتثليث النون طائفة من يهود المدينة، والإغمار لالغين المعجمه جمع غمر بالضم، والسكون وقوله: نحن الناس أي الكاملون العارفون لالحروب وفي " الكشاف " أيضًا أنه ﷺ لما غلب يوم بدر قالوا هذا والله النبيّ الأميّ الذي بشرنا به موسى ﵊، وهموا باتباعه فقال بعضم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى فلما كان يوم أحد شكوا فالمعنى لا تشكوا فإني إن غلبت اليوم فستغلبون وتحشرون إلى حهنم وعلى الأوّل ستغلبون كما غلبت قريش، وقريظة بالتصغير والنضير بالفتح والتكبير طانفتان من اليهود وهو حينثذ من دلائل النبوّة للإخبار بالغيب. قوله: (وقرأ حمزة الخ) قال الخحرير: حاصل الفرق أنّ المعنى على تقدير تاء الخطاب أمر النبيّ ﷺ بأن يخبرهم من عند لفسه بمضمون الكلام حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه، وعلى تقدير ياء الغيبة أمره بأن يزذي إليهم ما أخبره الله تعالى به من الحكم بأنهم سيغلبون بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعا إلى الله تعالى قالوا: فعلى الخطاب الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الغيبة بلفظه وإلا ظهر أنّ الأمر بالعكس، وكانهم جعلوا ضمير بلفظه لما أخبره به، والحق أنه للنبيّ ﷺ
كالمنصوب في أخبره، والمرفوع في يحكي أي أمره بأن يحكي لهم بلفظه هذا الوعيد على الوجه الذي يناسب ولا خفاء في أنه! لا يناسب أن يقول لهم سيغلبون بلفظ الغيبة فأحسن التدبر ففي المعنى تضييؤ، وفي اللفظ تعقيد حيث قال: وهو أن معنى سيغلبون الكائن، أي ما هو كائن من نفس المتوعد به أي الأمر الذي وقع به الوعيد إلى أن قال: وإذا كان الإخبار به! االمعنى فلا بد من الإتيان باللفظ الداذ عليه بخلاف الأمر بحكاية الإخبار فإنّ اللفظ من عنده على ما يقتضيه سوق الكلام هذا وما ذكره بعبارة الكتاب أوفق، وما ذكرناه بحسب المعنى أليق وذكر في قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم﴾ [سورة الأنفال، الآبة: ٣٨] أن المعنى لأجلهم، وفي حقهم فذكر في كل من الآيتين أحد الوجهين فلا تكون الغيبة بلفظ الله والحكاية بلفظه ففي مثل هذا التركيب ثلاثة وجوه فأعرفه، وما ذكره رذ على العلامة لكنه ليس بوارد إذ لا خلاف بينهما إلا في مرجع الضمير، وقد اعترف بأنه أليق بعبارة الكتاب وليس على الشارح إلا موافقة كلامه لمشروحه فتأمّل، والمهاد كالفراش لفظأ ومعنى والجملة أفا مقول القول أو تذييل متعلق به والمحخصحوص بالذمّ مقدّر وهو جهنم وما مهدوه وحكمه معلوم في النحو- قوله: (الخطاب لقريش الخ) وقيل: إنه عاتم وارتضاه في الكشف، وقال: إنه الذي يقتضيه المقام كي لا يقتطع الكلام، ويقع التذييل والله يؤيد بنصره موقع المسلث في الختام. قوله: (يرى المشركون المؤمنين) في ضمير الفاعل في يرونهم احتمالان، الأوّل أن يعود إلى المشركين واستدلّ له في الكشاف بقراءة نافع ترونهم بالخطاب لأنّ الخطاب الأؤل عنده لمشركي مكة فيكون فاعل ترونهم للمشركين قطعا، وحينئذ فالضمير المفعول للمسلمين لا غير، والضمير المضاف إليه مثليهم أمّا للمشركين فالمعنى يرى المشركون المسلمين مثلى المشركين وكانوا قريبا من ألف فرأوا المسلمين قريبا من ألفين أو للمسلمين أي يرى المشركون المسلمين مثلى المسلمين وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر فرأوهم ستمائة ونيفًا وعشرين، قيل: والمعنى على هذا واضح، وأمّا على ما قبله فيكون فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة هاليه أشار الزمخشرقي بقوله: مثل فئتكم الكافرة، وحينئذ يكون في الآية ثلاث التفاتات في قوله: ﴿وأخرى كانرة ترونهم مثليهم﴾ وقيل عليه أن ضمير الفاعل للفئة الكافرة وضمير المفعول للفئة المقابلة المسحمهآ لكنهم عبروا عنهما بالمشركين والمسلمين تنبيهًا على جهة العدول عن الإفراد أعني تراها إلى الجمع وضمير مثليهم يحتمل أن يكون للفئة الكافرة، وأن يكون للفئة المؤمنة والدليل على أنّ الخطاب لمشركي قريش قراءة نافع ترونهم بتاء الخطاب فإنّ المشركين هم
الذين كثر المؤمنون في أعينهم لا اليهود، ولا يليق بنظم القرآن أن يجعل خطاب ترونهم لغير من له خطاب قد
[ ٣ / ٨ ]
كان لكم، وفي مثل فئتكم الكافرة إشارة إلى أن الصفة للفئة الكافرة المذكورة بطريق الغيبة لا للمخاطبين بترونهم لئلا يلزم الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وخطاب ترونهم للمخاطبين بقوله لكم لا للفئة الكافرة لئلا يلزم الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وفئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة في موضع الخبر أي هما فثة تقاتل، وأخرى كافرة أو البدل من فثتين أو المفعول أو الحال فليست عبارة عن المخاطبين في لكم بحيث يكون مقتضى الظاهر الخطاب ليلزم الالتفات فلا يلتفت إلى قول من زعم أنّ فيه ثلاث التفاتات وهذا مما ردّ به ما مرّ، وقد تبع فيه المدقق في الكشف وما ذكر من الالتفات سبقه إليه صاحب الانتصاف وتابعه الطيبي وسنبين لك حقيقته وقوله: فلما لاقوهم بالقاف من الملاقاة وروي بالفاء المشددة أي خالطوهم من الالتفاف في القتال، وهو مخالطة الجيشين كما قيل ما تصافوا حتى تلافوا وقوله وذلك كان بعدما قللهم إشارة إلى دفع ما قيل: إنه يناقض قوله في الأنفال ويقللكم في أعينهم بأنهم قللوا أوّلًا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. قوله: (أو يرى المؤمنون المشركين الخ (هذا احتمال آخر ولا يرد عليه السؤال السابق في تعارض الآيتين لأنهم كانوا ثلاثة أمثالهم فاراءتهم مثليهم تقليل لهم في الواقع لما قرّر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦] بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ ولهذا أيضا وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف، فإن قلت: إنه قال في الكشاف بعدما ذكر هذا وقراءة نافع لا تساعد عليه فكيف يقول المصنف رحمه الله تعالى، ويؤيده قراءة نافع قلت أجيب عن هذا بأن الزمخشريّ لما تعين عنده أنّ خطاب قد كان لكم للمشركين كانت قراءة الخطاب في ترونهم على تقدير أنهم المسلمون تفكيكا للنظم فلذا قال إنها غير مساعدة، وأمّا المصنف رحمه الله تعالى فلما جوّز كون الخطاب الأوّل للمؤمنين لم يجعلها غير مساعدة وهذا لا يقتضي أنها مؤيدة خصوصا وقد أخر ذلك الاحتمال ولم يبين أنه مراد على هدّا التوجيه أتول الظاهر أنه يريد أن الخطاب الواقع في آية الوعد المتقدمة للمؤمنين يقتضي أنه هنا إنجاز للوعد فيكون معنى قوله لكم آية علامة على ما وعدتم به فاثبتوا، فالخطاب الأوّل للمؤمنين على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به وهذا معنى لطيف ولا يضرّ كونه خلاف الظاهر لأنه يقتضي مرجوحيته وقد أشار إليه بتأخيره، وفي الانتصاف إنما قال الزمخشرقي ذلك لأن الخطاب على قراءة نافع يكون للمسلمين أي ترونهم يا مسلمين وبكون ضمير المثلين أيضًا للمسلمين، وقد جاء على لفظ الغيبة فيلزم الخروج في جملة واحدة من الحضور إلى الغيبة
والالتفات، وان كان شائعا فصيحا إلا أنه إنما يأتي في الأغلب في جملتين وقد جاء ههنا الكلام جملة واحدة لأنّ مثليهم مفعول ثان للرؤية ولو قال القائل. ظننتك يقوم على لفظ الغيبة بعد الخطاب لم يكن بذاك فهذا هو الوجه الذي باعد الزمخشريّ من قراءة نافع ومن هذا التأويل إلا أنه يلزم مثله على أحد وجهيه المتقدمين آنفًا لأنه قال: معناه على قراءة نافع ترون يا مشركون المسلمين مثلى عددهم أو مثلى فئتكم الكافرة فعلى هذا الوجه الثاني يلزم الخروج من الخطاب إلى الغيبة في الجملة بعينها كما التزمه هو على ذلك الوجه (وههنا بحث) وهو أنه إذا عبر عن جماعة بطريق من الطرق الثلاثة، ثم عبر عن بعضه بطريق آخر يخالفه هل يعدّ هذا من الالتفات أم لا الظاهر أنه لا يعدّ منه لكن وقع في كلام بعضهم ما يقتضي أنه منه فلعل من ذهب إلى الالتفات هنا بناء على هذا فلا تعارض بين مسلك الانتصاف والطيبي، والعلامة وبين ما ذهب إليه في الكشف وشرح النحرير. قوله: (وقرئ بهما) أي بالياء والتاء على البناء للمفعول، قيل: لم يجعله بمعنى الظن كما هو الشائع في الإراءة لأنه يأباه رأي العين لكن الأولى حمله عليه وجعل الظن بمعنى اليقين ولا حاجة إليه لأنه مصدر تشبيهيّ وقد اعترف به هذا القائل. قوله: (والنصب على الاختصاص) اعترض عليه أبو حيان﵀- بأنّ المنصوب على الاختصاص
[ ٣ / ٩ ]
لا يكون نكرة فالوجه أنه منصوب بتقدير فعل كأمدح وأذمّ، وأجيب بأنه لم يرد به معناه المصطلح عليه في النحو في نحو نحن معاشر الأنبياء لا نورث إنما يعني النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذأ اختصاصا وكذا فسره الطيبيّ وغيره، وعلى الحالية المقصود مؤمنة وكافرة وفئة وأخرى توطئة للحال.
قوله: (رؤية ظاهرة) في الدر المصون أي بصرية ومصدرها الرأي والرؤية وعلمية اعتقادية ومصدرها الرأي فقط وحلمية ومصدرها الرؤيا، وظاهر هذا التفسير أنها بصرية فتتعدى لواحد، ومثليهم حال فان كانت علمية فهو مفعول ثان، وقيل: إنّ الثاني لا يصح لقوله رأي العين فإنه مصدر مؤكد ولأنّ رؤية القلب علم ومحال أن يعلم الشيء شيئين وأجيب بأنه مصدر تشبيهيّ أي رأيا مثل رأي العين، وبأنّ المراد بالرؤية هنا الاعتقاد فلا يلزم ما ذكره، وقيل: إنّ المعنى على المفعولية فالوجه أنه متعدّ إلى مفعولين لكونه بمعنى العلم المستند إلى المعاينة لا بمنزلة أن يقال يبصرونهم، وفيه نظر وقيل: إنّ رأي العين منصوب على الظرفية أي في رأي العين، ومعاينة وقع في نسخة بدله معينة والأولى هي الموافقة لما في الكشاف وعديم العدة بضم العين هي آلات الحرب، وشاكي السلاح صفة الكثير بمعنى حامل السلاح وكون الوقعة آية أي
معجزة للنبيّ ﷺ لما فيها من إراءة القليل كثيرا أو غلبة القليل الكثير، أو لمطابقتها للغيب الذي أخبر به النبيّ ﷺ من نصرهم، والعبرة ما يعتبر به ويتعظ وجعل الأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة استعارة أو بمعناه المعروف. قوله: (اي المشتهيات الخ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر القتال، وكان كثيرا ما يقع للحظوظ النفسانية أتبعه التنفير عنها حثا لهم على الإخلاص في كل ما يأتون ويذرون وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها، والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض ما تشتهي فقال: أشتهي أن أشتهي، ولما كان في الإيماء معنى التنبيه عداه بعلى تسمحًا، وقيل: الأنسب أنه جعلها شهوة تنبيها على خستها لأنّ الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء فالقصد التنفير عنها، والترغيب فيما عند إدته كما في الكشاف. قوله: (والمزين هو الله تعالى الخ) قال السيوطي: هذا أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ﵁ وفي الانتصاف التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وه وبهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو ويطلق، ويراد به الحض على تعاطي الشهوات والأمر به وهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى الله إذ هو لا يخص الأعلى المشروع شهوة أو غيرها، وأمّا الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلًا لوسوسته، وخسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها وكلام الحسن ﵀ محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله إلى غيره لكن الزمخشريّ كثيرا ما يورد أمثال هذه العبارة المبهمة وينزلها على قواعدهم الفاسدة فتفطن لها ونزه من قالها من السلف الصالح عما يزعمه انتهى، وكذا الجباتي بناء على قواعدهم جعل التزيين بمعنى الخلق وجعله في المباح لله، وفي الحرام للشيطان بناء على أنه ليس مخلوقا لله لخلق العباد أفعالهم، ولكن الحق ما عرفت، وقد صرّح به الإمام الراغب كما مر والمصنف ليس بغافل عنه لكنه نقل كلامهم على ما فهموه فمن قال: المزين في الحقيقة هو الشيطان لأنّ التزيين صفة تقوم به ومن قال: المزين هو الله لأنه الخالق للأفعال والدواعي، فقد أخطا في المدعي وما أصاب في الدليل فالمخطئ ابن أمّه وكلا التفسيرين منقولان عن السلف وقد مرّ تحقيقه ومن قال: إنه من قبيل أتدمني بلدك حق لي على فلان فقد تعسف وتصلف، وقوله: ولعله زينه أي زين ما ذكر ابتلاء للعباد أي معاملة لهم معاملة
المبتلى، والمختبر ليتميز الزاهد فيها عن غيره أو للحكمة الأخرى. قوله: (والقنطار الخ (وقيل: هو ألف دينار والمسك بفتح فسكون الجلد ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة نحو ظل ظليل، وهو كثير في وزن فاعل ويرد في المفعول كما هنا والبدرة ألف دينار أو درهم والسومة بالضم العلامة والمشهور فيه السمة وفي القاموس السومة السوم في البيع والمطهمة
[ ٣ / ١٠ ]
التامّة الخلق، والأنعام يطلق على الأصناف الثلاثة والنعم مختصة بالإبل. قوله: (إشارة إلى ما ذكر) يعني أن إفراده وتذكيره لتأويل المشار إليه بما ذكر ويصح أن يكون لتذكير الخبر وإفراده و﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ بمعنى المآب الحسن والباء في قوله: بالشهوات داخلة على المتروك والمخدجة بمعنى الخداج الناقصة. قوله: (يريد به تقرير أنّ ثواب الله الخ) أي المأخوذ من قوله: ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وذلكم إشارة إلى ما قبله من النساء وما معه وللذين الخ خبر مقدم وجنات مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة لما ذكر وعلى تعلقه بخير لم يجعل عند وبهم خبرًا مقدما لأنه يقال عند الله الثواب ونحوه، ولا يقال عند الله الجنة ووجه التأييد ظاهر لمطابقته له معنى ولأنه لا موقع لقوله للذين حينئذ سوى تعلقه بخير سواء جعل تعلقًا لفظيا أو معنويا بأن يكون صفة لخير، وما يستقذر من النساء الحيض ونحوه، ويرتفع معطوف على يتعلق ويجوز رفعه قيل وهو أرجح. قوله: (فيثيب الخ) فالعباد عامّ وعلى ما بعده خاص، ومتاع الدنيا وان ذكر للذم والتنفير لكن يعلم من خير أنّ المفضل عليه خير أيضًا فهو نعمة، والرضوان رضا عظيم
ولذا خص بالله في القرآن. قوله: (صفة للمتقين) أي للذين اتقوا، وفيه الفصل بين الصفة والموصوف فهو بعيد لفظا وكونه صفة للعباد بعيد معنى وكونه واردا على المدح أسلمها وًا حسنها، وقوله: في استحقاق المغفرة يعني إن وقع منه ذنب أو كونه مستعدأ لها إن لم يقع، ثم إنّ التوسل اتخاذ الوسيلة ويترتب عليها الطلب وأقصى مراد السالك المغفرة ثم هي بعد ذلك مراتب وأقصاها الرضوان فلا يرد عليه أنه قال: أوّلًا ورضوان من الله أكبر وهنا المغفرة أعظم المطالب ولا حاجة إلى أن يقال إنها شاملة للرض! وان. توله: (وتوسيط الواو الخ) وهذا مما تقرر في علم البيان فلا عبرة بقول أبي حيان ﵀: لا نعلم العطف في الصقة بالواو يدؤ على الكمال، والروع بالضم القلب والمراد بالمجتهدين المجدين في العبادة. وقوله: (وقيل الخ (وجه آخر للتقييد وهو أنه كان كذلك في الواقع. قوله:) بين وحدانيته الخ) يعنى أنه استعارة تصريحية تبعية فالمشبه دلالته على الوحدانية بما نصب من الأدلة العقلية ونزذ من الأدلة السمعية، وكذا الإقرار والإيمان والاحتجاج من الثقلين والمقصود تشبيه إظهار مخصوص بإظهار آخر والجامع بينهما مطلق الإظهار والبيان والكشف فلا يرد عليه أنه يلزم الجمع بين المعاني المجازية لأنه يمتنع كما يمتنع الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يرد أيضا أنّ قوله: بين يقتضي أنّ المشبه البيان، وقوله: في البيان الخ يقتضي أنه وجه الشبه وخص الاحتجاج بأولي العلم لأنه وإن لم يمنع مانع من صدوره من الملائكة لكن لا داعي لذكره. قوله:) مقيما
للعدل) أشار به إلى معنى القسط وأنّ الباء للتعدية، والقسم مصدر قسم المال، وقوله: وانتصابه على الحال الخ جوّز فيه وجوه إعرابية الحال والنصب على المدح والاختصاص من فاعل شهد أو ضمير هو، والوصف لاسم لا المبنيّ وهو إله وجوّز إفراد المعطوف عليه بالحال كالمعطوف في نافلة إذا قامت قرينه تعينه معنوية أو لفظية وأمّا إذا التبس فلا يجوز وإنما أخرت الحال للدلالة على علوّ مرتبتهما وقرب منزلتهما، والمنصوب على المدح وان كان إنما عرف في المعرفة وأمّا في النكرتين أو في النكرة بعد المعرفة، كما هنا فقد أثبته الزمخشريّ والفصل بين الصفة بالخبر والبدل ظاهر، ثم أشار إلى أنه على الحالية من الفاعل لا يندرج في المشهود به وفي غيره يندرج، وعلى قراءة التعريف فهو بدل من هو وهو حينئذ من بدل البدل فتأمّل وأشار في جعلها حالًا من هو إلى أنها حال مؤكدة وترك ذكره على كونها حالًا من الفاعل كما ذكره الزمخشرفي إشارة إلى ما فيه لأنه اعترض عليه بأنّ الحال المؤكدة إنما تجيء عقب الجملة الاسمية على ما في المفصل حتى ذهب بعض الشراح إلى أنّ هذا ليس بتعريف، بل بيان أنها خاصة تجيء بعد الاسمية بخلاف المنتقلة، أو هو تعريف للحال المؤكدة التي يجب حذف عاملها، وقد شاع القول بالحال المؤكدة في الجملة الفعلية حتى قيل مبناه على أن يجعل كل حال ليست مما ثبت تارة وتزول أخرى مؤكدة، ولا كلام في وقوع مثل هذا في الكلام فالحال المؤكدة مقولة بالاشتراك على معنيين، وتسمى هذه حالًا ثابتة فتنقسم الحال إلى المنتقلة والثابتة والمؤكدة. قوله: (كرره للتأكيد الخ) أمّا التأكيد
[ ٣ / ١١ ]
فظاهر، وأمّا مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته فلأن تثبيت المدعي إنما يكون بالدليل والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته، وقوله: والحكم به أي بوجدانيته بعد ما ذكر الحجج إجمالًا بقوله: شهد الله الخ وقوله الموصوف بهما أراد به الوصف اللغوي إذ الضمير لا يوصف فهو إمّا بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وأمّا كونه صفة فاعل شهد فبعيد، وقوله: وقدم الخ يعني أنّ العزيز يدلّ على القدوة لكونه بمعنى الغالب والقدرة إذا علمت علم أنّ له مصنوعات إذا تأملها العاقل علم ما اشتملت عليه من الحكم. قوله: (وقد روي في فضلها) أي فضل تلاوة هذه الآية، والمراد بصاحبها من كان يقرؤها وفي المدارك:
" من قرأها عند منامه وقال بعدها أشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهي عنده وديعة بقول الله تعالى يوم القيامة إنّ لعبدي عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة " والحديث ضعيف لكنه في الفضائل وكونه دليلًا على شرف الأصول لدلالته على شرف التوحيد الذي هو معلومه، وشرف أهله لأن قيمة المرء ما يحسنه. قوله: (جملة مستأنفة الخ) أي مبتدأة لا استئنافًا بيانيًا، ولذا قال: مؤكدة لأن المستًا نفة لا تكون مؤكدة عندهم، وهذا لأكيد معنوقي لا اصطلاحيئ، وأشار بقوله سوى الإسلام إلى الحصر المستفاد من تعريف الطرفين، وقوله: والتدزع ًاي التحصن من تدزع إذا لبس الدرع وقوله: (يدل الكل الخ) إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد بالإيمان الإقرار بوحدانية الله تعالى، والتصديق بها الذي هو الجزء الأعظم فبدلية الكل ظاهرة، دمان فسر بالتصديق بما جاء به النبيّ ئسر مما علم من الدين لالضرورة فكذلك لأنه عين الشهادة بما ذكر باعتبار ما يلزمها فهي عينه مآلأ وأما إذا فسر لالشريعة فهي شاملة للإيمان والإقرار بالوحدانية ولا يضر كونه جزءا إن سلم لأن المانع منه العكس، فاندفع ما قيل إنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به النبيئ-لمج! فلا يمون بدل كل لثموله لما قبله ولغيره وأنه إذا أريد الشريعة فما قبله جزؤه فلا يكون بدل اشتمال، قال الفارسي: قرأ الكسائيئ بالفتح فيهما من باب بدل الشيء من الشيء لأن الدين الذي هو الإسلام يتضمن التوحيد والعدل، وهو هو في المعنى أو من بدل الاشتمال لأن الإسلام يتضمن التوحيد والعدل انتهى، وهو بعينه كلام المصنف ﵀ ومنه يعلم معنى كلامه، وأن البدل لا إشكال فيه مع ملاحظة قائما بالقسط فلا تغفل. قوله: (أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى) أي أنه لاحظ فيه الاعتبارين في حال فكسر أنه لملاحظة معنى قال وفتح أن لملاحظة معنى علم ولك أن تحمله على التضمين أي قال: عالمأ إنه الخ فتأقل. قوله: (من اليهود الخ) يعني في معنى الذين أوتوا الكتاب وجوه منها أنهم اليهود والنصارى، والمختلف فيه دين الإسلام وشأنه
فاعترف به قوم منهم على الوجه الحق وآخرون مع ادعاء تخصيصه بالعرب، وإنكار عموم البعثة، ولما كان هذا موافقا للأوّل في الاعتراف في الجملة قدمه على النفي فلا يقال الظاهر تقديم قوله: ونفاه عليه، أو أمر التوحيد وتخصيصه بقوم موسى ﵊ لأن الكتاب المعزف كالعلم للتوراة واختلافهم أنّ موسى جملى لما استحضر استودع التوراة سبعين حبرًا من بني إسرائيل وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعدما جاءهم علم التوراة بغيأ بينهم وتحاسدأ على حظوظ الدنيا والرياسة، واختلاف النصارى في أمر عيسى ﵊ بعدما جاءهم أنه عبد القه ورسوله إلى فرق مفصلة في الملل والنحل. قوله: (أي بعدما علموا الخ) لم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي ولما كان العلم يقتضي عدم الاختلاف لأن الحقيقة واحدة وبخهم بأنه بغي وحسد لا يليق صدوره من عاقل أو يؤوّل مجيء العلم بالتمكين منه لسطوع براهينه وتفسير البغي بالحسد مز تحقيقه. قوله: (الا شبهة وخفاء في الأمر) يعني أنه للبغي لا لهذا وهو عطف على قوله حسدًا على حذ ما جاءني إلا زيد لا عمرو وهو تركيب حكم الشيخ عبد القاهر والسكاكي بعدم صحته لكنه وقع مثله في الكشاف كثيرًا وقالوا: إن عدم صحته غير مسلمة وسيأتي تحقيقه، يريد أن بغيا مفعول له لما دل
[ ٣ / ١٢ ]
عليه ما والا من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديبا وأما ما أشار إليه من حصر الباعث في البغي فمن المقام أو من الكلام إن جوزنا تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول ما ضرب إلا زيد عمرًا أي ما ضرب أحد أحدأ إلا زيد عمرأ وسرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة فلذا أفاد الوعيد وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء. قوله: (بعدما أقمت الحجج الخ) يعني ليس أمره بما ذكر لترك المحاجة والإلزام بل لأن الحجة قامت عليهم، وهم للعناد واللجاج لا ينتهون وستسمع تتمته، وقوله: أخلصت نفسي وجملتني قيل يعني إن الوجه مجاز عن نفس الشيء وذاته كما في ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٧، أو عن جملة الشخص تعبيرا عن الكل بأشرف الأجزاء، وقيل عليه لو كان القصد
الترديد بين المعنيين لقال أو جملتني فالوجه أن قوله نفسي إشارة إلى المراد وقوله: وجملتي إشارة إلى وجهه بأنه من التعبير عن الكل بأشرف الأجزاء لتنزيله منزلة الكل وإليه أشار بقوله وإنما عبر الخ وما ذكره في كلام المصنف واضح وأما في كلام الكشاف فلا يتعين، وإذا جعل مجازا عن النفس ففي علاقة المجاز خفاء فإن كانت الثانية اتحدا وإلا فلا تظهر. قوله: (عطف على التاء في أسلمت الخ) أورد عليه وعلى ما بعده إنه يقتضي اشتراكهم معه في إسلام وجهه، وليس المعنى أسلمت وجهي، وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح أكلت رغيفا وزيد وقد أكل كل منهما رغيفًا، وردّ بأنه لا مانع منه، قال الزمخشري: أخلصت نفسي وجملتي دئه وحده لم أجعل فيها لغيره شركًا بأن أعبده، وادعوه إلها معه، يعني إن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بئيء بديع حتى تجادلوني فيه ونحو: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٤] الآية فهو دفع للمحاجة فيه، وقوله: يعني الخ بيان لكيفية الربط بين الشرط والجزاء ًاي قوله: أسلمت دفع للمحاجة بأنه لا معنى لها لكونها مجادلة فيما اتضح حقيقته وقوله، وهو الدين القويم في بعض نسخ الكشاف القديم يعني دين إبراهيم، وقوله: أسلمت وجهي كما قال الخليل: أسلمت لرب العالمين: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ . قوله: (وقل للذين أوتوا الكتاب الخ) هو عطف على الجملة الشرطية والمعنى فإن حاجك أهل الكتاب فرذ محاجتهم بذلك، فإذا أفحمتهم عمم الدعوة وقل للأسود والأحمر أأسلمتم إذ جاءكم ما وجب قبوله من الدين القويم دين أبيكم إبراهيم فإن أسلموا فقد اهتدوا ودليل العموم ضمّ الأفيين لأهل الكتاب، وأما تأويل اهتدوا بقوله: فقد نفعوا الخ فقيل لتقييد الجزاء وفيه نظر ووجه الوعيد مرّ بيانه فافهم ووجه التعبير أنه كما إذا قرّرت مسألة ووضحتها، ثم قلت للسائل هل فهمت. قوله: (هم أهل الكتاب الخ) ولما لم يقع منهم قتل لهم أوّله بالرضا به والهمّ والقصد الآن، فإن أوّل قتل النبيين بالأول وقتل الآمرين بالقسط بالثاني، وجعل شاملا للنبيّ فظاهر وإلا يلزم الجمع بين معنيين مجازيين في لفظ واحد وهو
ممتنع وقد مرّ ما فيه فتذكره. قوله: (وقد منع سيبويه الخ) أشار بقوله كليت إلى دليله وأشار إلى الفرق بينهما بأن إنّ المكسورة، وكذا المفتوحة لا تغير معنى الكلام لأنه باق على خبريته بخلافهما ومن جعل الخبر ما بعده جعل قوله: فبشرهم جملة معترضة بالفاء كما في قولك زيد فافهم رجل صالح، وقد صزح به النحاة في قوله:
واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
ومن لم يفهم هذا قال: إنّ الفاء جزائية وجوابها مقدم من تأخير والتقدير زيد رجل صالح، وإذا قلنا لك ذلك فافهم وإنما أعاد قوله: ويقتلون للفرق بينهما فإن أحدهما بالقوّة والآخر بالفعل، وقال: هنا بغير حق لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط المناسب للعموم وثمت في ناس بأعيانهم، وكان الحق الذي يقتل به معينًا عندهم. قوله: (يدفع عنهم العذاب الخ) أشار بالإفراد إلى أنّ المعنى ما لهم ناصر وإنما عبر بالجمع ليعلم غيره بالطريق الأولى ولأن شأن من ينصر التجمع والتحزب، وقوله: التوراة الخ قيل إنه لف ونشر غير مرتب، فإذا أريد التوراة فمن للبيان وإن أريد الجنس فللتبعيض، واللام على الأوّل للعهد، وعلى الثاني للجنس، وهو محتمل فيها ويجوز أن تكون للابتداء، وترك تفسيره باللوج الذي في الكشاف لأنه
[ ٣ / ١٣ ]
خلاف الظاهر، والتنكير كما يحتمل التعظيم والتحقير يحتمل التكثير، ورجح التعظيم بأنه أدخل في التوبيخ لأنهم مع ما معهم من الحظ الوافر يفعلون خلافه، وفيه نظر لا! المعنى يحتمل إن ما معهم شيء قليل بالنسبة إلى غيره وهم يتركون الخير الكثير، ولما كان المتبادر من كتاب الله القرآن أيد الوجه الأخر بما رواه ابن إسحق وغيره من سبب النزول، والمدراس صاحب الدراسة ومعلمها، ويطلق على الموضحع الذي يقرأ اليهود فيه التوراة وهو المراد هنا، وقصة الرجم والتسخيم ستأتي. قوله: (وقرئ ليحكم على البناء للمفعول الخ) في الكشاف والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم، وبين من لم يسلم يعني لا بينهم وبين الرسول في إبراهيم ﷺ بدليل، قوله: ليحكم بينهم فالداعي ليس هو
الرسول ﷺ بل بعضهم لبعض فمن قال: إنه ردّ على الزمخشري ﵀ لم يصب وكذا من قال: فيه بحث فإنه يجوز أن يكون ضمير بينهم لليهود والرسول ﷺ كما في القراءة المشهورة بلا فرق وقيل إن قوله: والوجه ليس مخصوصا بهذه القراءة بل هو الراجح مطلقا، والمصنف ﵀ فهم منه خلاف مراده وفيه نظر. قوله: (وفيه دليل الخ) لأنهم لما اذعوا أنّ دين إبراهيم ﵊ اليهودية وأراد إثباته بما في التوراة، وهو دليل سمعي دل على ذلك، وفيه بحث لأنه ليس بمتعين لذلك لاحتمال أن يكون الحكم مما هو في الفروع كالرجم وهو المتبادر من الحكم وأمّا احتمال أنه أراد إثبات معجزة له ﷺ باطلاعه على ما في التوراة مع أنه أفي لا إثبات دين إبراهيم ﵊ فبعيد مع إنّ المستدل عليه حال إبراهيم ﷺ أنه يهودي أم مسلم، وليس من الأصول إلا أن يراد به غير العملي فتأمل. قوله: (استبعاد الخ) يعني أنّ التراخي رتبي لا حقيقيّ، وقوله: وهم قوم عادتهم الإعراض كذا فسره الزمخشرقي فقيل إنه إشارة إلى أنّ الجملة معترضة على رأيه أو تذييل على رأي الأكثر وأياما كان فهي مؤكدة لما سبق لا حال كما ذكره المصنف ﵀ شعم إنما تكون حالًا إذا لم تفسر بأنهم قوم عادتهم الإعراض انتهى، والمصنف ﵀ جنح إلى أنّ التفسير بما ذكر لا يمنع الحالية وكذا الوصفية بأن يعطف على منهم بناء على قلة الفائدة بعد وصفهم بالتولي لأنه إنما فسر بذلك لتحصل الفائدة إذ الأوّل يقتضي الحدوث الذي يكون في معرض! الزوال فأردفه بما يدل على أنه ثابت لهم كالطبيعي فيهم، والحال لا يلزم أن تكون منتقلة فلا يرد عليه ما توهموه واردا. وقوله: (بسبب تسهيلهم الخ (لا جهلهم بحقيقته، والطمع الفارغ استعارة لما لا يجدي كما مرّ وقوله: (ألا تحلة القسيم) أي إلا قليلأ وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [سورة مريم، الآية: ٧١] . قوله: (فكيف إذا جمعناهم الخ) أي كيف يكون حالهم في ذلك الوقت فالفعل محذوف، وهو كثير في كلامهم لأنّ كيف سؤال عن الحال وهذا الاستفهام للاستعظام والتهويل، وأن حالهم كذا وما حدثوه به أنفسهم كذا. قوله: (جزإء ما كسبت الخ)
يعني أنّ في الكلام مضافًا مقدّرًا وحبوط العبادة سقوطها بالمعاصي، والمسألة مفصلة في شرح المقاصد، وقوله: (وأن المؤمن لا يخلد الخ) رذ على المعتزلة، وهم يؤولون التوفية بتخفيف العذاب ولا وجه له ٠ قوله: (الضمير لكل نفس الخ) يعني أن النفس مفردة مؤنثة وقد أرجع إليها ضمير الجمع المذكر لأنها في معنى كل إنسان وكل يجوز مراعاة معناه فيجمع ضميره فلا يقال الصواب كل الناس كما في الكشاف: ولا حاجة إلى الاعتذار بأن المراد توجيه التذكير وتوجيه الجمع يعلم منه. قوله: (الميم عوض عن يا الخ) وشذد لأنه عوض عن حرفين وأمّا جمعها مع يا في قوله:
أقول يا اللهم يا اللهما
فشاذ.
والقول بأن أصله يا الله آمنا قول الكوفيين ولا يخفى ما فيه، ويقتضي أن لا يليه أمر دعائيّ آخر إلا بتكلف. قوله: (يتصرف فيما يمكن التصرف فيه) في الكشف إنه تعزيف للملك لأنّ الملك من له الملك كما أنّ المالك من له المال، ولو قيل مللث المللث لم يصح إلا على ضرب من التجوّز، وكون اللهم لا يوصف مذهب سيبويه ﵀ لأنه لاتصال الميم به أشبه أسماء الأصوات وهي لا توصف وخالف غيره ونقض دليله بسيبويه وعمرويه فإنه مع كونه فيه اسم صوت يوصف، وأجيب بأن اسم الصوت مركب معه، وصار كبعض حروف الكلمة بخلاف ما نحن
[ ٣ / ١٤ ]
فيه. قوله: (فالملك الأوّل الخ) لأنّ الله تعالى مالك جميع الملك والملك المعطى والمنتزع بعض منه والتعريف للجنس في الجميع، وقيل: في الأوّل للجتس وفي الأخيرين للعهد، وقيل: في الأوّلط للاستغراق وفي الأخيرين للعهد الذهني، والمراد بالأدبار
ضد النصر كما أن الخذلان ضد التوفيق. قوله: (ذكر الخير وحده لآنه المقضئ بالذات الخ) هذا ما ذهب إليه المحققون من الحكماء قال: في شرح الهياكل إن الشرّ مقضيّ بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشرّ القليل، فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشرّ القليل شرا كثيرا فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشرّ، وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شرّ لتضمنه فوات ذلك الخير، فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء انتهى، وهذا بناء على الأصلح، ونحن نقول يفعل ما يشاء من خير وشرّ ولا يسئل عما يفعل فعلى مذهبهم تخصيص الخير لأنه المقصود له بالذات، وقدمه لظهور الآية فيه أو مراعاة للأدب إذ لم يضف إليه أو لا! سبب نزول الآية ما أتى الله النبيّ ﷺ من البشارة بالفتوج وترادف الخيرات، وقوله: (خط الخندق) ًاي حفره والخندق معرب كنده (وقطع لكل عشرة أي عين لهم حفرها) والمعاول جمع معول بكسر الميم الفأس، وضمير صدعتها ومنها للصخرة والمستكن للضربة، وضمير لابتيها للمدينة، وهما حزتان يكتنفانها، والحرّة كل أرض ذات حجارة سود كأنها محترقة من الحرّ واللوب الحوم حول الماء للعطش عند الازدحام، وقوله: لكانّ جواب قسم، والحيرة بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة وراء مهملة مدينة بقرب الكوفة، وتشبيه القصور بأنياب الكلاب في صغرها وبياضها وانضمام بعضها إلى بعض مع الإشارة إلى تحقيرها وإن استعظموها وما ذكره لي الخندق هو ما وقع في غزوة الأحزاب والحديث بطوله مخرج في الدلائل للبيهقي
وكونه سبب النزول أخرجه ابن جرير ﵀، والفرق بفتحتين الخوف وفي الحديث أسرار ولطائف تنظر بعيون الأفكار. قوله: (والولوج الدخول الخ) يعني هو حقيقته كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ٤٠] وأمّا هنا فهو إما استعارة للتعاقب أو زيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان. قوله: (نهوا عن موالاتهم الخ (هذا على قراءة الجزم ظاهر وكذا على الأخرى لأنه نفي في معنى النهي واتخذ بمعنى صير متعدّ إلى اثنين والوليّ بمعنى الموالي من الولي، وهو القرب يعني لا يراعوا أمورًا كانت بينهم في الجاهلية بل يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب، وقوله: أو عن الاستعانة بهم في الغزو كأنه قول للشافعيّ ﵁ ومذهبنا وعليه الجمهور إنه يجوز ويرضخ لهم وإنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة كذا صرحوا به وما روي عن عائثة ﵂ أنها قالت خرج رسول الله ﷺ لبدر فتبعه رجل مشرك كانت ذا جراءة ونجدة قفرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه فقال له النبتي ﷺ: " ارجع فلن استعين بمشرك " فمنسوخ بأن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن لكن بشرط الحاجة والوثوق كذا في كتاب الناسخ والمنسوخ. قوله: (إشارة إلى أنهم الأحقاء) يعني ليس النهي مقيدًا بكونه من دون المؤمنين حتى يفهم منه
جواز اتخاذهم أولياء مع ولاية المؤنين بل الإشارة إلى أن الحقيق بالمولاة هم المؤمنون،، مندوحة بمعنى سعة وقد استدل بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز جعلهم عمالًا ولا اشخدامهم في أمر الديوان، وغير. لثبوته بالنص المؤكد. قوله: (من ولايته في شيء يصح الخ (أشار إلى أنه بتقدير مضاف وصفة لشيء وفيه إشارة إلى أن ولايتهم كما لا تجتمع مع ولاية المؤمنين لا تجتمع مع ولاية الله لأنهم أعداء الله ومن والى عدوّ الله لا يواليه، وأنثد في معخاه البيت المذكور وبعده:
وليس أخي من ودّني رأى عينه ولكن أخي من ودّاني في المغايب
والنوك بضم النون والكاف الحماقة وعازب بالمعجمة بمعنى بعيد غائب. قوله: (إلا أن تخافوا من جهتهم الخ) لما كان اتقى متعديا بنفسه، وههنا تعدى بمن أشار إلى أن المفعول تقاة على أنه وصف بمعنى ما يتقى منه
[ ٣ / ١٥ ]
ومن لابتداء الغاية وأصل الكلام تقاة كانت من جهتهم فلما تذم انتصب على الحال فإن كانت تقاة مصدرا فهو مفعول مطلق ويكون تعدى بمن لأنه بمعنى خاف وحذر، وهو يتعدى بمن قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا﴾ فتعديه بمن للثاني مما لا شبهة فيه، فعلى هذا يكون ترك أحد مفعوليه للعلم له أي ضررا ونحوه، فقول النحرير: هذا يشعر بأنّ حذر وخاف يجيء متعديا بمن خلاف اتقى لإنه ليس إلا متعديا بنفسه مردود.
قوله: (منع عن موالإسم الخ) كونه ظاهرا وباطنا مأخوذ من عموم الاستثناء، وقول موسى ﵊ معناه المداراة للضرورة لأنه أمر بأن يظهر ما ليس هو عليه وقيل معناه كن وسطا في معاشرتهم ومخالفتهم، وامش جانبا في موافقتهم فيما يأتون ويذرون، وقيل كر بجسدك مع الناس وقلبك في حظيرة القدس، وعقاب الله إذا أسنده إليه وكذا كل شيء أضيف إليه دل على عظمه ولا يؤيه بمعنى لا يبالي. قوله: (يعلم ضمائركم الخ) في قوله إن
تخفوها أو تبدوها إشارة إلى وجه ذكر المبدي مع أن علمه المخفي يستلزم علمه وهو أنه استوى في علمه المخفي والمبدي وأنهما عنده على حد سواء وهي نكته لطيفة، ولو قيل المراد التعميم لصح لكن قوله بعد.: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الخ يفيده فلا تكون النكتة سرية، وقوله: (فيعلم سرّكم وعلنكم) إشارة إلى أنه بمنزلة الدليل لما قبله إلا أنه يحتاج إلى نكتة للعطف حينئذ فتأمّله، وقوله: فيقدر الخ بيان لربط النظم، وقوله: بيان لقوله ﷾ ويحذركم الخ أي بيان لوجه التحذير لا لمعناه. قوله: (بعلا ذاتئ الخ (في الكشف ذات في الأصل مؤنث وقطع عنها مقتضاها من الوصف والإضافة وأجريت مجرى الأسماء المستقلة فقالوا ذات متميزة وذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها من غير حذف التاء فقالوا: ذاتيئ وحكى الأزهري عن ابن الأعرابيّ ذات الشيء حقيقته وهو منقول عن مؤنث ذو بمعنى صاحب لأنّ المعنى القائم بنفسه بالنسبة إلى ما تقوم به وافراده يستحق الصاحبية والمالكية، ولمكان النقل لم يعتبروا أن التاء للتأنيث عوضا عن اللام المحذوفة وأجروها مجرى تاء هات ولهذا، أبقوها في النسبة ولم يتحاشوا عن إطلاقها على الباري تعالى وان لم يجروا نحو علامة عليه تعالى واطراده في لسان حملة الشريعة دليل على أن الإذن في الإطلاق صادر، وقد يطلقونها على ما يرادف الماهية. قوله: (يوم منصوب بتودّ الخ) في ناصبه وجوه منها أنه قدير، ولا يرد عليه تقييد قدرته بذلك اليوم لأنه إذا قدر في مثله علم قدرته، في غيره بالطريق الأولى، ومنها أنه منصوب بالمصير أو يحذركم أو باذكر مقدرا فيكون مفعولًا به، ومنها ما ذكره المصنف ﵀ تبعا للزمخشرقي أنه منصوب بتودّ وضمير بينه لليوم، ومعناه واضح لكنه مبنيّ على أمر اختلف فيه النحاة، وهو إذا كان الفاعل ضميرا عائدا على ما اتصل به معمول الفعل المتقدم نحو غلام هند ضربت هي أي هند وقوله:
أجل المرء يستحث ولا يد ري إذا ما ينعي حصول الأماني
ففاعل يستحث ضمير المرء المضاف إليه أجل المنصوب، وما نحن فيه مثله فجوّزه الجمهور ومنعه بعضهم لأنّ عود الضمير يقتضي لزومه ونصبه ويجعله فضلة يصح الاستغناء عنه وفيه نظر، وتجد يجوز أن تكون الناصية لمفعولين ثانيهما محضرًا وأن تكون بمعنى تصيب فمحضرا حال، وجوّز في ما الموصولية، وهو الراجح والشرطية والمصدرية، واحضاره إمّا
بإحضار صحفه أو جزائه. قوله: (بينها وبين ذلك اليوم) قيل الظاهر عوده على ما علمت لقربه، ولأنّ اليوم أحضر فيه الخير والشرّ والمتمني بعد الشرّ لا ما فيه مطلقا، ورذ بأنه أبلغ لأنه يودّ البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من السوء، والمعنى كل ما علصت من خير محضر أو ما علمت من سوء محضرا فيكون من العطف على المفعولين وحذف الثاني اختصارا بقرينة ذكره في الأوّل وهو جائز كم صرح به في الدرّ المصون، وقيل: إنه كقولك علمت زيدا فاضلًا وعمرًا فليس من باب الاقتصار على المفعول الأوّل وليس بشيء لأنه مثل زيد قائم وعمرو وهو مما حذف فيه الخبر كما صرحوا به فيلزم الاقتصار ضرورة وأما الفرق بين المبتدأ والمفعول في هذا الباب فوهم، وجوّز أن يكون توذ مفعولًا ثانيًا وأن تكون متعدية لواحد فلا حذف، وعلى تقدير اذكر ففي ما علمت وجهان إما مبتدأ خبره جملة توذ أو
[ ٣ / ١٦ ]
معطوفة على ما الأولى وتوذ إمّا مستأنف أو حال من ضمير عملت لقربه لا من نفس ولا يرد عليه أنه تخصيص للعمل، والمقام لا يناسبه لأنه ليس القصد التخصيص بل بيان سوء حالهم وحسرتهم ولا بأس فيه. قوله: (ولا تكون ما شرطية لارتفاع توذ الخ! عليه اعتراض مشهور، وهو إنه إذا كان الشرط ماضيًا والجزاء مضارعا جاز فيه الجزم والرفع من غير تفرقة بين أن الشرطية وأسماء الشرط وما قيل ولا يمتنع إطباق القراء على أحد الجائزين وان كان مرجوحا، وما يقال المراد الارتفاع على وجه اللزوم ليس بشيء لأنّ اللزوم إنما هو من جهة أنه ورد كذلك ولا مجال لتغيير النظم كما لا مجال لتغيير ما ورد فيه من الشعر وأجيب بأنه شاذ بحيث لم يوجد إلا في قوله:
وان أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
وهو غير مسلم لأنه ورد كثيرا في كلام العرب حتى اذعى بعض المغاربة أنه أحسن ص
الجزم وأنشد له أبو حيان رحمه الله تعالى شواهد كثيرة منها قوله:
أن يسألوا الخيريعطوه وإن خبروا في الجهد أدرك منهم طيب الخبر
والشاهد في الشرط الثاني فإنّ جوابه أدرك وهو مضارع مرفوع لا في الأوّل حتى يقال إنه
سهو لأنه مضارع مجزوم بحذف النون فيهما كما توهم، وفي المغني أن الزمخشري امتنع من تخريجه على رفع الجواب مع مضي الشرط وقد صرح في المفصل بجواز الوجهين في نحو إن قام زيد أقوم لكنه لما رأى الرفع مرجوحا لم يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه يوضح لك هذا أنه جوّز ذلك في قراءة شاذة مع كون فعل الشرط مضارعا لتأوّله بالماضي، أعني قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [سررة النساء، الآية: ٧٨] برفع يدرك لأنه في معنى أينما كنتم وقد ظنه كثير تناقضًا منه والصواب ما بينا لك وفيه نظر يعلم مما سلف. فوله: (وقرئ وذت
حأشية الشهأب / ج ٣ / م ٣
الخ) وعليها ارتفع مانع الارتفاع لكن الحمل على الموصولية أولى لكونها أوفق بقراءة العامّة، وأجرى على سنن الاستقامة لأنه كلام لحكاية الحال الكائنة في ذلك اليوم فيجب أن يحمل على ما يفيده الوقوع ولا كذلك الشرطية على أنها تفيد الاستقبال، ولا عمل سوء في استقبال ذلك اليوم وهذا لا ينفي الصحة لأنها وان لم تدل على الوقوع لا تنافيه وحديث الاستقبال يدفعه تقدير، وما كانت عملت كما في نظائر له كذا قال النحرير: وقال إنّ في صحته كلاما لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على تجد والشرطية لا تقع حالًا ولا مضافا إليها الظرف فلم يبق إلا عطفها على (اذكر) وهو بتقدير صحته مخل بالمعنى وهو كون هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم، ولا محيص سوى جعلها حالًا بتقدير مبتدأ أي وهي ما عملت من سوء تود، وفي قوله الحمل على الابتداء والخبر إشعار بأنها لو جعلت شرطية لم تكن في موقع المبتدأ بل المفعول كما في قولك ما تصنع أصنع لأنّ عملت لم تشتغل بضميره بل بقي مسلطا عليه كما يعلم من معرفة أحوال أسماء الشرط والاستفهام وصدارتها قلت: ولا يخلو هذا الكلام من تكلف واهمال وما ذكروه من دعاوى أكثرها بلا برهان فإنهم أعربوا أن الوصلية مع جملتها على الحالية، ولم ينص النحاة على منع الإضافة إليها نعم لا مجال للشرطية هنا بحسب الصناعة والمعنى لأنه لا مفعول لتجد حينئذ إذ لا يصح عمله في اسم الشرط ولا فيما بعده لصدارته والمعنى على تعلقه بما بعده ولا وجه له غير العمل فيه ففيه تفكيك للنظم المرتبط، وحل لما عقد من غير داع وحديث الاستقبال لا يرد رأسا إذا لم يتعلق به حتى يحتاج إلى التأويل فتأمل. قوله: (كرر للتوكيد والتذكير) هذا بحسب الظاهر، وقال النحرير: الأحسن أنه ذكر أوّلًا للمنع عن موالاة الكافرين، وثانيا: للحث على عمل الخير والمنع عن عملى السوء، وقوله: إشارة الخ يعني أنّ رأفته أمّا بنفس تحذيره لمنعه لهم به وهو نوع من اللطف فيكون تتميما لما قبله أو بغيره فيكون مريدا لهم الخير مع وعيده فكيف مع وعده ورضاه كما في قوله تعالى إن الله لذو مغفرة وذو عقاب فهو تكميل كما في الكشاف وشروحه. قوله: (المحبة ميل النفس الخ) ذهب عامة المتكلمين إلى أنّ المحبة نوع من الإرادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته قإذا قيل إن العبد يحب الله فمعناه يحب
طاعته
[ ٣ / ١٧ ]
وخدمته أو ثوابه واحسانه وأمّا محبة الله العباد فعبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليهم، وهما مجاز من باب إطلاق الملزوم على اللازم أو استعارة تبعية شبه إرادة العباد اختصاصه تعالى بالعبادة، ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت إلا إليه وقد اغتز بهذا صاحب الكشاف حتى طعن على من اذعى محبة ذات الله بما لا يليق صدوره عن عاقل، وأمّا العارفون فقالوا: إنّ العبد يحب الله لذاته وأمّا محبة ثوابه فدرجة نازلة قال الغزالي رحمه الله تعالى: المحبة عبارة عن ميل النفس إلى الشيء المستلذ فإذا قوي ذلك سمي عشقا، والبغض نفرة الطبع عن المؤلم فإن زاد سمي مقتا ولا يظن أن الحب مقصور على المحسوس وهو سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب لأنه ﵊ سمى الصلاة قرّة عين وجعلها أبلغ المحبوبات وليس للحواس فيها حظ بل جس البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، القلب أشد إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فيكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي يجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما فيه إدراك لذة فلا ينكر حب الله إلا من قيده القصور في مربط البهائم، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الورّاق ﵀: تعصي الإله وأنت تظهرحبه هذالعمري في القياسم! بديع
لوكان حبك صادقالأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
وهذا معنى قول المصنف بحيث يحملها الخ فإنه يشير إلى أن ما ذكره المتكلمون نظرا
إلى الظاهر، والتفاسير المذكورة في كلامهم كالإرادة تفسير باللازم، وقوله من الله أي حدوثه منه وبالله أي بقاؤه به وإلى الله أي مآله ومرجعه إليه، والحب لله أي لأجله أو المختص به وفي الله أي مرضاته وهما متقاربان وهو إشارة إلى مرتبة الحب الصرف الذي لم يمتزج مشربه في زجاجة كأنها كوكب درّي، وهي التي بها العقول سكارى وما هي بسكارى:
على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منهانصيب ولاسهم
والقطرة تغني عن الغدير. قوله:) جواب للأمر الخ) والكلام في إن جازمه الأمر أو
الشرط المقدر معروف في النحو فالمراد بالمحبة الرضا لأنه يلزمها فهو استعارة لغوية أو مشابه لها لأن من رضي بشيء كأنه استلذه، والمشاكلة ظاهرة والتجاوز عما فرط معنى المغفرة فقوله: عبر عن ذلك أي الرضا لا جميع ما تقدم فتسمح اتكالًا على ظهور المراد أو لأن الرضا مستلزم له فكأنه غير مغاير له ومعنى يبوّئه ينزله وقوله: لمن تحبب إليه هو مقتضى السياق، وقوله: على عهده أي في حياته، وعلى احتمال المضارعية في تولوا أصله تتولوا على الخطاب، وحيسئذ يحتمل أن يكون داخلًا تحت القول قوله: (يرض عنهم ولا يثني عليهم الخ (لما كان رضا الله دعاء وثناء متضمنا لأنواع اللطف والجميل أجمل به ما مضى في قوله ويكشف الحجب الخ فلا يقال الأحسن أن يقال فلا يكشف الحجب عن قلوبهم بالتجاوز عما فرط منهم ولا يقربهم من جنات عزه وجوار قدسه. قوله: (وإنما لم يقل الخ) دلالته على العموم لأن الكافرين يشمل من تولي ويفهم منه أن التولي كفر لاندراجه فيه وان نفي المحبة عنهم لذلك لتعليقه بالوصف المشعر بالعلية ونفي المحبة عنهم يقتضي الحصر في ضدهم، وقيل عليه إن جعل إن الله لا يحب الكافرين جزاء لا يصح تصد العموم لأن تولي طائفة خاصة لا يصير سببًا لعدم محبة جميع الكافرين، بل سبب عدم محبة كل أحد توليه وإن جعل دالًا عليه وقائما مقامه فتقدير الكلام إن تولوا فإن الله لا يحبهم لأنه لا يحب الكافرين فليس من وضع الظاهر موضع المضمر حتى يحتاج إلى نكتة وهذه مغالطة، لأن المراد بالكافرين من تولى فتسببه ووضعه موضع الضمير ظاهر، والعموم إنما هو بحسب التعبير المذكور بقطع النظر عن المراد لأنه إذا لم يحبهم لكفرهم دل على أنه لا يحب كل من هو كذلك. قوله: (بالرسالة والخصائص الخ (ذكر آل عمران بعد آل إبراهيم
[ ٣ / ١٨ ]
مع دخولهم فيهم لبيان أنهم مقصودون هنا بالذات إذ السورة
نزلت لبيان فضلهم لا لكونهم أشرف لدخول نبينا ﷺ في آل إبراهيم، وفي كلامه إشارة إلى أن المقصود بمن ذكر جميع الرسل لا خصوص من خص بالذكر، ووجه الاستدلال المذكور أن العالمين شامل لجميع المخلوقات فإذا اختار هؤلاء عليهم اقتضى تفضيلهم، والتأويل خلاف الظاهر، وقوله: وكان بين العمرانين يعني عمران أبا موسى وعمران أبا مريم وعمران المذكور في النظم يحتملها، ورجح في الانتصاف القول الثاني بأن السورة تسمى آل عمران ولم تثرح قصة عيسى ﵊ ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة، وأمّا موسى وهارون فلم يذكر من قصتهما في هذه السورة طرف فدل ذلك على أن عمران المذكور ههنا هو أبو مريم انتهى. قوله: (حال أو بدل الخ) اختلف في إعراب نصبه فقيل على البدلية من آدم، وما عطف عليه وهذا إنما يتأتى على قول من يطلق الذرية على الآباء والأبناء لأنه من الذرء بمعنى الخلق والأب ذرئ منه الولد والولد ذرئ من الأب، وبه صرح الراغب وغيره فلا يرد عليه قول أبي البقاء إنه لا يصح أن يبدل من آدم لأنه ليس بذرية، وقيل بدل من نوج وما بعده، وقيل بدل من الآلين لأنّ المتبادر من الذرية النسل، ولذا اقتصر المصنف ﵀ على هذين القولين لما فسر الذرية به، وقس عليه الحالية، وقوله: ذرية واحدة الوحدة مستفادة من التاء ومن ابتدائية على الأوّل اتصالية على الثاني أو هي اتصالية فيهما، وعلى الثاني يكون كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٦٧] . قوله: (والذزية الولد الخ) فيه أقوال فقيل منسوب إلى الذز بالفتح والضم لتغيير النسب بمعنى الخلق أو البث لأنه تعالى خلقها وبثها، أو بمعنى صغار النمل لإخراجهم ست صلب آدم ﵊ على هيئتها واختاره الزجاج وقيل أصلها ذرّورة فعولة منه فأبدلت الراء ياء ثم قلبت الواو ياء أيضًا وأدغمت كأحد الوجوه في سرية ولو جعلت من الذر ولكان أنسب وقيل إنه من ذرًا الخلق مهموزًا والتزم تخفيفه كما في البرية، قال: في الكشف الأول أصح ومعنى التفريق والبث أظهر وفعوله بتشديد العين. وقوله: (بأقوال الناس الخ الف ونشر، والتعميم من حذف المتعلق، والتخصيص بقرينة السياق. قوله:) فينتصب به إذ) أي بسميع عليم على التنازع أو بسميع، ولا يضر الفصل بينهما بالأجنبي لتوسعهم في الظروف، وحنة بفتح الحاء المهملة ونون مشذدة وتاء تأنيث اسم عبراني، ثم ذكر أن مريم اثنتان كعمران وتوله: فظن أن المراد زوجته أي المراد
بامرأة عمرإن في الآية أمّ مريم هذه وزوجته وفي نسخة أنه المراد وزوجته. قوله: (وتردّه كفالة زكريا) أي يردّ هذا القول قوله تعالى، وكفلها زكريا فإن زكريا في عصر عمران بن ماثان لا عمران بن يصهر وتزوّج زكريا إيشاع بنت عمران بن ماثان أخت مريم فيكون عيسى أبن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة لأب كما ورد في الحديث الصحيح، دمانما كانتا لًاب لأنهما بنتا عمران لكن مريم من حنة وايشاع من غيرها لما ذكر أنّ حنة كانت عاقرا حتى صارت عجوزا، ثم حملت بمريم وايشاع كانت أكبر سنا من مريم لكن ما سيأتي من أن زكريا قال: أنا أحق بها عندي خالتها يدل على أنها خالتها فمنهم من وفق بينهما بان حنة وإيشاع بنتا فاقوذا فمريم بنت أخت إيشاع وبنت الأخت يطلق عليها أخت إطلاقًا متعارفا فيكونان ابني خالة مجازا، ومنهم من قال: كان عمران تزوّج أم حنة فولدت له إيشاع وكانت حنة ربيبته فتزوّجها، وكان ذلك جائزا في شريعتهم فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضًا لكن أورد عليه أنّ الأوّل مجرذ احتمال لا رواية فيه والثاني لا يصح مع قوله إن إيشاع بنت عمران. قوله:
(روي أنها كانت عاقرا) أي حنة وخدم بفتحتين جمع خادم كتبع، وهو جمع نادر، ونذر تحرير الأولاد في شرعهم مخصوص بالذكور وبعد هذه القصة جاز بالبنات أيضا فما في بطني بمعنى إن كان ذكرا على تقدير العرف، وتعيينه فيه أو أنها طلبته، ودعت أن يكون ذكرا فيكون المعنى رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكرا على حدّ أعتق عبدك عني، وقيل: إنّ هذه الرواية تنافي ظاهر النص يعني قوله رب إني نذرت لك ما في بطني فلذا
[ ٣ / ١٩ ]
مرّضه بقوله: روي وهو مدفوع بان المراد كنت نذرت أو نذرت ما سيكون في بطني. قوله: (محرّرا معتقًا الخ) التحرير من الحرّية وهي ضربان أن لا يجري عليه حكم السبي، وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذإئل الدنيوية والى هذين المعنيين أشار المصنف، وهما! سيران مرولان عن السلف، وقد أشار إلى
هذا الراغب ﵀، فما قيل إن الأوّل من التحرير بمعنى الإعتاق، والثاني من تحرير الكتاب لتقويمه لأنّ جعله مخلصًا للعبادة تقويم له تكلف لا حاجة إليه، والحالية إمّا من ما أو من الضمير في الطرف وهي حال مقدرة على الثاني قيل ويحتمل المصدرية. قوله: (الضمير لما في بطنها وتأنيثه الخ) في الكشاف لأنّ ما في بطنها كان أنثى في علم الله قال: الشارح المحقق يعني لما علم المتكلم أنّ مدلول ما مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وان كان اللفظ مذكرًا هذا في قوله فلما وضعتها، وأمّا في قوله: حكاية رب إني وضعتها أنثى فقد يوجبه بأنّ تأنيث الضمير ههنا ليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة وأنثى حال بمنزلة الخبر فأنث الضمير العائد إلى ما نظر إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو، وفيه نظر لأنها حال مؤكدة كم قال المعربون: وأيضًا فإنه إذا كان المقصود التحسر لا يتوجه ما ذكر أصلا فكأنه قيل وضعت ما في البطن أنثى كما أنّ فإن كانتا اثنتين لا لغو فيه لأنّ ضمير كانتا لمن يرث وإنما ثنى نظرا إلى الخبر ومن لم يفرق بين الموضعين زعم أن تأنيث الضمير بناء على العلم بكونه أنثى فلا يتوجه حينئذ أنه باعتبار الحال. وقوله: (أو على ثأويل مؤنث الخ) يعني يؤوّل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث كالحبلة بفتحتين وهي النتاح فلا يشكل تأنيثه ولا يلغو ذكر أنثى. قوله: (وإنما قالته تحسر الخ (جواب سؤال تقديره إنّ الإخبار إمّا للفائدة أو لازمها وعلم الله محيط بهما فأيّ فائدة في هذا الإخبار فقيل إنما يلزم ما ذكر إذا كان الإخبار للمخاطب وهذا إخبار للمتكلم يعرض حاله ويحسره عليه تعالى فإن قلت كما أنه يلغو الخبر لاستغناء المخاطب عن الإفادة يلغو الكلام مع قصد التحسر لعلم المخاطب بكونه متحسرًا قلت أجيب بأنّ الكلام لإنشاء التحسر وبالتلفظ به يصير المتكلم متحسرًا وليس لإفادة التحسر، وفرق بين إحداث الشيء وإفادته، ويحتمل أنه لتحقير محررة استجلابًا للقبول لأنه من تواضع لله رفعه.
وقد قال الإمام المرزوقي: إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى إخبار كما في قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي
فإن هذا الكلام تحزن، وتفجع وليس بإخبار فقوله: ليس! بإخبار هو الدافع للسؤال فلا
حاجة إلمى شيء آخر لأنه ما لم يلتزم هذا يرد أن دلالته على التحسر لا بد أن تكون كناية أو مجازا، والكلام الخبريّ سواء كان حقيقة، أولًا لا بد فيه من أحد الأمرين الفائدة أو لازمها وهما مفقودان هنا فيعود السؤال فتأمّل، وقوله: وهو استئناف أي مقطوع عما قبله فليس معطوفًا فلا ينافي كونه اعتراضا كما سيأتي، وقوله: تعظيمًا لموضوعها أي المولود الذي وضعته، يعني ليس المراد الردّ عليها في إخبمار الله بما هو أعلم به كما يتراءى من السياق، وما موصولة والعائد محذوف تقديره ما وضعته، وأمّا كون ما وضعت عبارة عن أم مريم أي هو أعلم بحالها من التحزن والتحسر فلا وجه له وجزالة النظم تأباه، وقوله: على أنه من كلامها فليس للتجهيل بل لنفي العلم لأنّ العبد ينظر إلى ظاهر الحال، ولا يقف على ما في خلافه من الإسرار. قوله: (بيان لقوله والله أعلم الخ) وذلك أنّ توله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ الخ وارد لتفخيم المولود وتفضيله على الذكر بمعنى أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، وألله هو الذي اختص بعلمه لفضل هذه الأنثى على الذكر فكان قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ بيانًا لما اشتمل عليه الأوّل من التعظيم، وليس بيانا لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه العطف، واللام فيهما للعهد أمّا التي في الأنثى فلسبق ذكرها صريحا في قولها إني وضعتها أنثى والتي في الذكر فلقولها إني نذت الخ إذ هو الذي طلبته، والنحرير لا يكون إلا للذكر. قوله: (ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والآنثى سيان) وفي ليس ضمير الشان، ولذا رفع سيان وفي نسخة سيين وهو ظاهر وكون اللام على
[ ٣ / ٢٠ ]
هذا للجنس لأنه لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل المراد أنّ هذا الجنس خير من هذا كقولهم الرجل خير من المرأة ويؤيد كونه من كلامها عطف قولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ قال في الانتصاف أورد على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يقال وليس الأنثى كالذكر فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفي عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجدت الأمر في ذلك! ختلفًا ولم يتبين لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٢] فنفي عن الكامل شبه الناقص لأنّ الكمال لأزواج النبي ﷺ ثابت بالنسبة إلى عموم النساء، وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ومنه أيضًا أفمن يخلق كمن لا يخلق انتهى.
(قلت): إذا دخل نفي بلا أو غيرها أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه أو ببعضها أحتمل معنيين تفضيلى المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى
كقولك ليس زيد كحاتم في الجود، ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب ماء ولا كصدى مرعى ولا كالسعدان فتى ولا كمالك وقوله:
طرف الخيال ولا كليلة مدلج
ووقع في شروح المقامات وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وإن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين حتى اعترضوا على قول الحريري: في قوله في مقاماته غدوت ولا اغتداء الغراب، وما يشبهه كقوله في خطبة التلويح نال حظا من الاشتهار ولا اشتهار الشمس نصف النهار أي، ولا مثل ذلك فحذف مثل المنصوبة بلا وأقيم المضاف إليه مقامها وأراد أن اغتداءه كان قبل اغتداء الغراب الذي هو أكثر الطير بكورا، وهذا وأمثاله في هذا الكتاب معناه أن المشبه أقوى من المشبه به ولم يأت هذا عن العرب كما مر مثاله، وليس مذهبهم في ذكر لا بين المشبهين وإنما هو من كلام العامة، ووقع مثله في مقامات البديع، وما نقله المحشي مبنيّ على هذا فأشار إلى أنه ليس بلازم كما ورد في الآيات المذكورة، ومما أورده الثعالبي من خلافه في كتابه المنتخب فلأن حسن، ولا القمر وجواد ولا المطر على أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أنّ ما ورد في النفي بلا المعترضة بين الطرفين، لا في كلى نفي وهذا من نفائس المعاني التي ينبغي حفظها، ولم أر من صرح به حتى وقع في بعض حواشي التلويح فيه خبط لعدم الضبط وقيل قول المصنف ليس الذكر والأنثى سيان إشارة إلى أن التشبيه ليس لإلحاق الناقص بالكامل والا ينبغي أن يقال: وليس الأنثى كالذكر بل للتشابه، والمراد نفي المساواة واللام للجنس على هذا التوجيه لأنها تريد ليس جني الأنثى كالذكر في خدمة بيت المقدس، وعلى الوجه الأوّل هذه الجملة معترضة من متكلم آخر نحو قلت: ضربت زيدا ونعم ما فعلت وبكرًا وخالدا بخلافه على هذا أو هما كلام متكلم واحد بالنظر إلى الحكاية لا المحكي فتأمّل. قوله: (وإنما ذكرت ذلك لربها تقربًا لخ (يفهم التقرب من كون مريم بمعنى عابدة، وفهم التغاير ظاهر لتغاير المفعولين، وقد مرّ لمريم معنى آخر وقد سبق أنها معرّبة مارية بمعنى جارية وهو أصح عندي. قوله: (أجيرها بحفظك الخ (أصل العوذ كما قاله الراغب ﵀: الالتجاء إلى الغير والتعلق به يقال عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه أخذت العوذة وهي التميمة والرقية والرجيم المرجوم استعمل
في لازم معناه وهو المطرود وما ذكره من الحديث رواه الشيخان فقوله في الكشاف: الله أعلم بصحته فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٤٠] واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لماتؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وأما حقيقة المس النخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطًا مما يبلونا به من نخسه انتهى، يريد أنه من التخيلات الادّعائية وليست كذلك في الواقع، وقد استعمله ابن الرومي على نهج حسن التعليل فالاستهلال صارخا أي الابتداء به واقع عنده، والمس
[ ٣ / ٢١ ]
تخييل ليس بشيء أما تردده في الحديث فظاهر البطلان لما ذكرنا وأما تأويله بما ذكر فقد اتفق أهل الأثر على خلافه وان تابعه المصنف، وما ذكره من امتلاء الدنيا صراخا وهم فاسد لكن أشار إلى أنّ الحديث ليى على عمومه وأنّ أوّل بدليل الآية التي تلاها ولا ينافيه الحصر لأنه قد يكون باعتبار الأغلب أو يقدر له ما يخصصه فخرج النبيّ ﷺ منه أبضا حتى لا يلزم تفضيل عيسى ﷺ في هذا ال! عنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه كما روى الجلال في البهجة السنية عن عكرمة قال لما ولد النبيّ ﷺ أشرقت الأرض نورًا فقال إبليس: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقالت له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته فلما دنا منه ركضه جبريل ﵊، فوقع بعدن فما قيل لا يبعد اختصاصهما بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا وجه له.
وقال السهيلي ﵀: شق صدره في حال طفوليته وشق الملكين قلبه، واخراج علقة سوداء، وتولهما إنه مغمز الشيطان الحديث لا يدل على فضل عيسى ﵊ على نبينا ﷺ لأنه خلق مكملا في القوى البشرية ثم نزع منه ذلك وملئ حكمة وإيمانًا بعد غسله بالثلج والبرد وللإمام السبكي فيه كلام نفيس تعرض له ابنه في طبقاته، وقوه: حين يولد أي حين تمت ولادته وقوله يولد للاستمرار مع قطع النظر عن المضيّ والاستقبال وقيل: إنه بمعنى ولد ليصح استثناء مريم وابنها فعبر عن الماضي بالمضارع لحكاية الحال فتأمل، ومعنى قوله: تخييل أنه استعارة تمثيلية شبه حال الشيطان في قصد الإغواء بحال من يمس الشيء باليد ويعينه لما يريد به كما سيأتي في نحو قوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: - ٦٧] . قوله: (فرضي بها الخ (فسر القبول للنذر بالرضا إشارة إلى تشبيه النذر بالهدية، ورضوان الله
بالقبول، وقوله: أي بوجه حسن إشارة لتوجيه دخول الباء فإنه يرد عليه أنه مصدر ويجب نصبه بان يقال تقبلها قبولًا ولذا جعل بعضهم الباء زائدة فبين أن فعولًا يكون للآلة التي يفعل بها الفعل كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد فليس مصدرا هنا حتى يدعي زيادة الباء، والنذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة، والتاء كتاء النطيحة، وهو ضمير عائد لوجه، وقوله: أو تسلمها مصدر معطوف على إقامتها وتفسير آخر للوجه، والسدانة مصدر بمعنى الخدمة، وقوله: روي الخ بيان للتسلم المذكور، وقوله: وصاحب قربانهم هو من تسلم له ليصفها وتنزل النار فتأكلها كما كان ذلك لهم ولذلك ورد في وصف أمة محمد ﷺ قربانهم دماؤهم أي الذبح لا أكل النار، وقوله: عندي خالتها مر ما فيه، وطفا بمعنى علا على الماء، وضده رسب. قوله: (ويجوز أن يكون مصدرا الخ) أي هو مصدر على تقدير مضاف أي رضي بها ملتبسة بأمر ذي قبول ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما اختصت به من الإكرام، وهو جواب آخر، ثم جوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل كتعجل بمعنى استعجل أي واستقبلها وتلقاها وهذا جواب آخر، قال ابن المنير في تفسيره: فيكون القبول عبارة عن أوله واستقباله وتقبلها بمعنى استقبلها بأوّل وهلة من ولادتها وأظهر الكرامة فيها حينئذ، وفي المثل خل الأمر بقوابله أي بأوائله انتهى، وقوله: ويجوز أن يكون مصدرًا جواب ثالث. قوله: (مجارّ عن تربيتها الخ (أي هو استعارة أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإنّ الزارع لا يزال يتعهد زرعه بسقيه وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النباتات، وقوله: على أنّ الفاعل هو الله أي الضمير العائد على اسم الله وهو الرب، وليس مراده على لفظ الجلالة المفهوم من الكلام حتى يقال إنه لا حاجة إليه مع أنه خلاف الظاهر وزكريا فيه لغات المد والقصر وزكرى بترك الألف ومنعه من الصرف
للعلمية والعجمة وقيل لألف التأنيث. قوله: (المحراب أي الغرفة (لم يعطف على ما قبله لأنه بيان لقبولها، وذكر للمحراب معاني المشهور منها الأخير، ولذا اقتصر عليه أخيرًا في قوله: كأنها الخ، قال: في الدر المصون هذه معان للمحراب من حيث هو وأمّا في الآية فلا خلاف في أنه المحراب المتعارف وأصله مفعال صيغة مبالغة كمطعان فسمي به المكان لكثرته فيه، وقيل: إنه يكون اسم مكان واليه يميل كلام المصنف ﵀ وكونه من المحاربة لمحاربة الشيطان فيه أو لتنافس الناس عليه ولبعض المغاربة في المدج:
[ ٣ / ٢٢ ]
جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب
قوله: (جواب كلما وناصبه الخ (وجد بمعنى أصاب ولقي متعد لواحد وهو رزقا وكل منصوب على الظرفية لإضافته إلى ما الظرفية المصدرية وصلتها دخل والعامل فيها الجواب بالاتفاق لأنّ ما في حيز المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يجري فيها الخلاف المذكور في أسماء الشروط ومن الناس من وهم فقال: إن ناصبه فعل الشرط، وادعى أنه الأنسب معنى فزاد في الطنبور نغمة. قوله: (من أين لك هذا الررّق الخ) تقدّم الكلام في أين وكونه كرامة ظاهر لأنّ مريم لا نبوة لها على المشهور، وأما كون هذه العبارة تقتضي الاشتباه وهو ينافي كونه معجزة فبناه على الظاهر، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العجب بتكلمها ونحوه وسيذكر هذه العبارة بعينها في الحديث الذي بعده، ولا اشتباه فيه. قوله: (قيل تكلمت صغيرة الخ) الذين تكلموا في المهد أحد عشر نظمهم الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في قوله:
تكلم في المهد النبيّ محمد ~ ويحيى وعيسى والهخليل ومريم
ومبري جريج ثم شاهد يوسف ~ وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مرّ بالأمة التي ~ يقال لها تزني ولا تتكلم
وماشطة في عهد فرعون طفلها ~ وفي زمن الهادي المبارك ص يختم
قوله: (بغير تقدير) هو إمّا بمعنى بيان المقدار أو التقييد فإنه يرد بمعناه، وقوله: أو بغير استحقاق هو مجاز لأنه لو كان بالاستحقاق لكان كل رزق في مقابلة عمل فيستلزم الحساب، حعنى التعداد وقوله: (روي الخ) أخرجه أبو يعلى في مسنده وبضعة بفتح وكسر بمعنى قطعة وقرله:) قرجع الخ) أي أرسلها إليها أو أخذها ورجع به مغطاة، وهلمي بمعنى أقبلي وفي الكلام تقدير أي فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام الخ. قوله: (في ذلك المكان الخ) قدمه لأنه المعنى الحقيقي المعروف فيها، وقيل إنها وثمّ بالفتح والتشديد مع كونهما للإشارة إلى المكان " ردا للزمان مجازًا كحيث، وذهت الزجاج إلى أنها مستعارة للجهة والحالة كما تستعار حيث ا! ابتنزيلها منزلتها، وكون الفواكه في غير أوانها لأن فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه كما مر،، ير تعدية انتبه بعلى تسمح، ووجه التنبه أنّ الولد كالثمرة والعقر كذهاب إبانه قيل وكذا تكلمها! غير أوانه وقوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقوله: مجيبة فسر السميع بالمجيب لأنّ السمع ورد بمعنى القبول كثيرا. قوله: (أي من جنسهم الخ) يعني أنه أطلق الجمع المعرّف
على الجنس الشامل للواحد كقولهم يركب الخيل لمن له فرس وكذا هنا المنادي واحد، وهو جبريل ﵊. قوله: (ويحيى اسم أعجمي) هذا هو الصحيح وأمّا كونه منقولًا من الفعل فقول ضعيف، واحتمال أنه منقول من فعل فيه فاعل مستتر حتى يكون جملة محكية تكلف مستغنى عنه، وقوله: على إرادة القول الخ هما مذهبان في النحو للبصريين والكوفيين مشهوران. قوله: (بعيسى ﵊ الخ (سمى عيسى كلمة لأنه وجد بأمركن من دون تناسل كما يسمى نحوه عالم الأمر والمراد بالكتاب الإنجيل فسمي كلمة كما تسمى القصيدة الطويلة كلمة، والحويدرة تصغير الحادرة بالمهملات وهو لقب شاعر جاهلي اسمه تطبة بن محصن بن خرول، وأصل معنى الحادرة الضخم المنكبين وهي قصيدة عينية معروفة عند الرواة مشهورة بالبلاغة. قوله: (يسود قومه ويفوقهم الخ) أصل معنى السيد من يسود قومه ويكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا، وورد في الحديث إطلاقه على الله. قوله: (مبالغًا (الحصور من الحصر وأصله المنع، ويطلق على كل من لا يدخل في الميسر فلذا استعمل فيما ذكره وقوله: ناشئًا منهم فمن للابتداء وان كان بمعنى من جملتهم ومعدودًا فيهم، فللتبعيض، ومعناه على الأوّل ذو نسب وعلى الثاني معصوم فلا يلغو ذكره بعد نبيًا ومنهم من فسر الحصور بالذي لا يميل إلى النساء واستدل به على فضل العزوبة على التزوّج. قوله: (استبعادًا من حيث العادة الخ) ومع قوله: من حيث العادة لم يبق وجه لما قيل لا وجه للاستبعاد مع أنّ قدرة الله واضحة وكذا لا حاجة للتعجب، وقوله: بلغني الكبر أدركني إشارة إلى
[ ٣ / ٢٣ ]
إنهما بمعنى في الاستعمال وهما في المجاز من باب واحد، وعاقر كحائض وطامث على النسب فلذا لم يؤنث وأشار إليه بقوله: ذات عقر أي قطع. قوله: (أي يفعل ما يشاء من
العجائب الخ) أي إنّ كذلك معمول يفعل مقدم عليه والتقدير كهذا الفعل العجيب يفعل الخ كما مز تحقيقه في وكذلك جعلناكم، وقوله: (كما أنت الخ) هو راجع إلى كونه استفهاما عن كيفية حدوثه أهو بردّهما شابين أم بغير ذلك، وكذلك الله على الابتداء والخبر بمعنى الدوام! الاستمرار كما مز، وقوله: وتزيح بالرفع عطف على أعرف وبالنصب عطف على استقبله. ترله: (أن لا تقدر الخ) إنما فسره به لأنه الظاهر من كونه آية، وأمّا امتناعه مع الغدرة وان قبل له فبعيد هنا، وقيل إنه حبس عقوبة له على السؤال، وقوله: وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال أي أخذ منه وانتزع بأن يكون يناسبه لفظا ومعنى لأنه لما سأل آية لأجل الشكر أجيب لانه أن لا يقدر إلا على الشكر كما قيل لأبي تمام لم تقول ما لا يفهم، فقال: لم لا تفهم ما لقال. قوله: (والاستثناء منقطع الخ) الأوّل هو الظاهر لأنّ الرمز ليس من جنس الكلام أئا لو أؤل الكلام بكل ما يفهم فإنه يكون متصلًا لكنه خلاف الظاهر، ويلزم أن لا يكون استثناء منقطع أصلًا إذ ما من استثناء إلا، ويمكن تأويله بمثله، ورمزا بفتحتين جمع رامز هو من نادر الجمع، وقد حصر في ألفاظ مخصوصة. قوله: (متى ما تلقني الخ) في أمالي ابن الشجري كان عمارة بن زياد العبسي يحسد عنترة على شجاعته، ويظهر تحقيره ويقول لقومه ليتني لقيته خاليًا لاريحكم منه وأعلمكم أنه عبد فبلغ عنترة ذلك فقال:
أحولي تنفض استك مذرويها لتقتلني فها أناذا عمارا
متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه أصابع لاترى فيها انتشارا
في أبيات أخر، قال: والمد وان جانبا الأليتين، ومن كلامهم ما ينفض مذ رويه إذا جاء
يتهدد، وفردس ويروى خلوين حال من المفاعل والمفعول، ويروى برزين أو بارزين، وترجف بمعنى تضطرب، والرانفة طرف الألية التي تلي الأرض من القائم، وأراد بالروانف التثنية لأنه ليس له إلا رانفتان ولذا ثني ضمير تستطار أو تستطارا بمعنى تستخفا وهو مجزوم معطوف على جواب الشرط، وأصله تستطاران وضمير النثنية للروانف لأنه بمعنى الرانفتين كما مرّ، ويحتمل أن يكون منصوبًا بعد الشرط، والتاء للخطاب أو لتأنيث الروانف والألف للإطلاق، وقيل: إنها بدل من نون التأكيد الخفيفة. قوله: (وهومؤكد لما قبله الخ (لأنّ المنع عن كلامهم للاشتغال بالذكر والشكر، فإن قلت الإنشاء لا يعطف على الخبر وكذا المبين لا يعطف على المؤكد، قلت قيل: إنه معطوف حينئذ على مقدر أي أشكر وأذكر أو الأمر مؤوّل بالخبر أي أن لا تكلم وتذكر الخ وفيه نظر وقوله: (وتقييد الخ) فيه نظر لأنّ العشيّ والإبكار قيد له ولأنّ الكثرة أخص من التكرار. قوله: (والإبكار (بكسر الهمزة مصدر، وعلى الفتح جمع بكسر كسحر لفظا ومعنى وهو نادر الاستعمال. قوله: (كلموها شفاها الخ) الإرهاص التأسيس من الرهص وهو الساق الأسفل من الجدار والإرهاصات أن يتقدم على دعوى النبوّة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله ﷺ، وتكلم الحجر معه وفي كونه معجزة زكريا ﷺ بعد، إذ لم يقع الكلام معه، ولم تقترن بالتحذي، ودعوى الإجماع على عدم استنباء امرأة ليس بصحيح لأنه ذهب إليه كثير من السلف، ومال السبكي ﵀ وابن السيد إلى ترجيحه واستدلاله بالآية لا يصح أيضًا لأنّ المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء فإن فسر القول بالإلهام فإسناده إلى الملائكة عليهم الصلاة والسلام خلاف الظاهر وان كان لا منع من أنه يكون بواسطتهم أيضا، ولما تكرّر الاصطفاء في الآية تغاير الاصطفا آين ليظهر له فائدة، وما يستقذر هو الحيض، وقذفها أنهم رموها بيوسف النجار وكان عابدًا في بني إسرائيل وفي نسخة قرفته بالقاف والراء
المهملة والفاء يقال: فرقت الرجل بكذا، إذا اتهمته. قوله: (أمرت بالصلاة الخ (لما كان الظاهر أن يقال صلى أو فصلى أركان الصلاة وهي القيام المعبر عنه بالقنوت والركوع والسجود، ويؤخر
[ ٣ / ٢٤ ]
السجود بين وجهه بأنها أمرت بكل ركن على حدة مبالغة في المحافظة، وقدم السجود لأنه كان كذلك في صلاتهم، وأمّا كونه للتنبيه على أنّ الواو لا تفيد الترتيب فلا يخفى ضعفه لأن الكلام مع من يعلم لا مع من يتعلمه من هذا النظم، وكذا كونه قدم لشرفه، نه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه إنما يتم على القول بأن القيام ليس أفضل منه كما نقل عن الشافعيّ، وكذا الوجه الأخير غير تام إذ لو قيل واسجدي مع الساجدين أو مع المصلين لم يتأت ما ذكره، وفي الكشاف أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها ثم قيل لها واركعي مع الراكعين بمعنى، ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة أو انظمي نفسك في جملة المصلين، وكوني معهم في عدادهم، ولا تكوني في عداد غيرهم، ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم وشمجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين، يعني بعد الأمر بالصلاة أمرت بقيد في الصلاة، وهو الجماعة أو بالمواظبة على ذلك بحيث تعد من جملة المصلين وتنسب إليهم أو بحقيقة الركوع والكون مع الذين يركعون لا مع الذين يصلون بلا ركوع، وقوله عليها أي على الصلاة أو الأركان. قوله: (وقيل المراد بالقنوت الخ (قال الراغب ﵀: القنوت لزوم الطاعة فلا بقال إنّ الآية لا تدلّ على الإدامة لأنها مفهومة من قوله: آناء الليل والتعبير عن الصلاة بالسجود من التعبير بالجزء عن الكل، والإخبات التواضع. قوله:) أي ما ذكرنا الخ) من القصص بيان لما هو إفا بفتحتين أو جمع قصة وقوله: من الغيوب تفسير لقوله من أنباء الغيب وقوله:) التي لم تعرنها الخ) الحصر مأخوذ من المقام، والأقداح جمع قدح بكسر فسكون وهو سهم يوضع للميسر والقرعة سميت أقلاما من القلم، وهو القطع وهو بيان لإفراد اسم الإشارة بأنه باعتبار حاضية الثهأب / ج ٣ / م ٤
تأويله بما ذكر. قوله: (والمراد تقرير كونه وحيا الخ) يعني أنه يخبر بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه، وتنكرون إنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاء. قوله: (متعلق بمحذوف الخ الما لم يصلح تعلق يلقون باسم الاستفهام لفظا ومعنى لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام، وذكر له الزمخشري ثلاثة أوجه أحدها: جملة هي حال مما قبلها أي ينظرون لأنّ النظر يؤدّي إلى الإدراك فيتعلق باسم الاسنفهام كالأفعال القلبية كما صزح به ابن الحاجب وابن مالك في التسهيل فمن ظن أنه مخصوص بها حتى ارتكب تأويل النظر بنظر البصيرة وقال: إنّ المصنف تركه لهذا لم يصب. الثاني: ليعلموا أنّ الإلقاء سبب العلم لكنه سبب بعيد والقريب هو النظر إلى ما ارتفع من الأقلام وقدره السكاكي ينظرون ليعلموا نظرًا إلى المعنى واللفظ.
والثالث: يقولون قالوا: وهو ضعيف لأنه ليس فيه فائدة يعتد بها وإنما هو إصلاج لفظي، وقيل: إنه مفيد إذ المراد بالقول المقدر القول للبيان أي ليبينوا ويعينوا الكافل ووقع في عبارة القاضي ﵀ أو يقولون فهو مثل ما قدره الزمخشريّ والجملة حالية وفي بعض النسخ أو يقولوا بالنصب عطفا على يعلموا، ووجه التعليل فيه خفاء إلا أن يؤوّل بما مرّ فلا يرد عليه ما قيل إنه سهو من الناسخ إلا أن يقالط إنه أراد بيقولوا ليحكموا إلا ليستفهموا فتأمل. قوله: (وما بينهما اعتراض الخ) دفع به الاعتراض! بالفصل كما دفع بما بعده أن الوقتين مختلفان فكيف يصح البدل وبدل الغلط لا يقع في فصيح الكلام، وعلى تقدير الإبدال من إذ قالت الملائكة جاز اتحاد الوقتين فهو ظاهر أنه بدل كل وتيل: بدل اشتمال وأما وقت الاختصام فظاهر أنه قبل وقت البشارة بمدّة فاحتيج في جواز الإبدال إلى أن يعتبر زمان ممتذ يقع الاختصام في بعضه والبشارة في بعض آخر ليصح بالنظر إلى ذلك أنهما في زمان واحد كما يقال: وقع القتال والصلح في سنة واحدة، مع أنّ القتال في أوّلها والصلح في آخرها، وتحقيقه أنّ كلا من الزمان والمكان قد يؤخذ حقيقيا، وهو القدر الذي ينطبق على الشيء ولا يفضل عنه، وقد يؤخذ غير حقيقيّ وهو خلافه والأصوليون يسمونه معيارًا وغير معيار فيكون بدل كل من كلى لا بدل اشتمال أو جزء من كل باعتبار أنّ أحدهما لجميع الوقت والآخر لمعياره لأنه وإن كان في صحته نظر تحكم لا داعي إليه. قوله: (المسيح لقبه وهو من الآلقاب المشرّفة)
ركسر الراء أي المفيدة للمدح ويصح
[ ٣ / ٢٥ ]
فتحها والاشتقاق لا يجري في الأعجمية فادعاؤه تسمح لكن قيل دخول اللام في المسيح ربما يشعر بأنه عربي كالخليل، إلا أن يقال لما عرّبت أجريت. - جرى الأوصاف لأنه في لغتهم بمعنى المبارك، وقد مرّ أنها لا تنافي العجمة في التوراة والإنجيل والإسكندر فإنه لم يسمع إلا معرّفا مع أنه لا شبهة في عجمته وعيسى أصله ايشوع ومعناه السيد. قوله: (وابن مريم لط كان صفة تميز الخ) دفع لما يقال إن قوله المسيح الخ خبر كلن اسمه والاسم إنما هو عيسى والمس! يح لقب وابن صفة فكيف جعلت الثلاثة خبرًا عنه فأشار لقوله: وابن مريم الخ إلى أنّ اسمه بمعناه المصطلح وهو العلم مطلقًا وهو ليس بمعنى مقابل اللقب كما أشار إليه بجعل المسيح لقبا بل ما يعمه، وغيره وأنّ إضافته تفيد العموم لأنّ إضافة اسم الجنس قد يقصد بها الاستغراق وأن إطلاقه على ابن مريم على طريق التغليب لأنه مثله في التمييز، أو الاسم بمعناه اللغوي وهو السمة والعلامة المميزة لا العلم وتميزه بهذه الثلاثة أشد من تميزه بكل واحد منها، ولبعضهم هنا خبط لا طائل تحته فإن قيل ابن مريم لا يصح حمله على اسمه أصلًا لأن الابن هو المسمى لا الاسم قلنا نعم إذا أريد المفهوم لا اللفظ، وكذلك المسيح وعيسى فإن قيل كيف قدم اللقب على الاسم ولم يضف الاسم إلى اللقب مع تعين الإضافة فيه كسعيد كرز كما في المفصل، قيل: الجواب ما قاله ابن الحاجب في شرحه من أن المراد باللقب: وان أطلق ما لم يكن غير صفة وليس بشيء لًا نه ليس صفة في العربية فالظاهر أن يقيد بما لم يقارن أل وضعه لمنعها من الإضافة وبعضهم قدر عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن صفة فلا يرد شيء من الأوهام، ثم ذكر أنّ فائدة قوله ابن مريم مع عدم الحاجة إليه ظاهرا الإشارة إلى أنه خلق من غير أب إذ لو كان له أب نسب إليه وقد يقال إنه ردّ على النصارى. توله: (حال مقدّرة الخ) جعلها مقدرة لأنّ وجاهته كانت بعد البشارة والوجاهة ليست بمعنى
الهيئة والبزة بل بمعنى الرفعة كالجاه. قوله: (أي يكلمهم حال كونه طفلاَ وكهلاَ الخ) إنما جعل في المهد حالًا مع صحة كونه ظرفا لغو العطف، وكهلًا عليه ولما كان الكلام في حال الكهولة ليس مما خص به أشار إلى أنه ذكر للتسوية بينهما من غير تفاوت كما مرّ في نحو ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وهذا وجه ونكتة تجري في مواضع شتى فالمجموع لأكل على الاستقلال، وقيل: إن كلا منهما حال وإنه تبثير لها ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره.
والقول الثاني: مبنيّ على أنه لم يبلغ الكهولة وأحواله المختلفة تبدلات السق الطارئة
عليه وغيره من الأحوال المستلزمة للحدوث المنافي للألوهية. قوله: (حال ثالث الخ) قيل عليه أنّ الوجه أن يقال حال رابع من كلمة أو ثالث من ضميرها فإنها أربعة وجيهًا ومن المقرّبين ويكلم، ومن الصالحين مع ما في جعل المعطوف على الحال حالًا من التسامح إلا أن يقال: إنه جعل جملة اسمه المسيح حالية ولم يعد المعطوفين حالًا فتأمّل. قوله: (تعجب الخ) يعني الاستفهام إمّا مجازيّ أو حقيقي وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ تقوية ولا ينافيه كما توهم وقوله: يخلق ما يشاء ولو بغير مادّة وسبب كعيسى ﷺ بلا أب وكون القائل جبريل ﵊ القرينة عليه ذكر الملائكة عليهم الصلاة والسلام قبله، وكون القائل هو الله وقد حكاه جبريل ﵊ فيه التفات إن حكى بلفظه ويكون الله حكى ما حكى عنه والداعي إليه أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير خاصتهم عليهم الصلاة والسلام. قوله: (إشارة إلى أنه تعالى الخ) يعني أنّ قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ تمثيل لسرعة تكوينه من غير توقف على شيء آخر كما سنحققه في سورة يس، ولما كان الخلق التدريجي والناشئ عن الأسباب أمرا ظاهرًا لم يذكره في النظم والحصر في النظم باعتبار أنّ الأمر بمعنى الشأن البديع العجيب والمصنف ذكره بيانا لأنهما منه وعنده سواء فلا يرد أنه ليس في النظم ما يدل عليه، ولا يتوهم أنه مغاير لما ذكره في سورة يس فأفهم. قوله: (كلام مبتدأ الخ) يعني أنه كلام مستأنف ليس داخلًا في حيز قول الملائكة عليهم الصلاة والسلام والواو تكون للاستئناف وتقع في ابتداء
الكلام كما صرّح به النحاة فلا حاجة إلى تأويله بأنه معطوف على جملة مستأنفة سابقة، وهي واذ قالت الخ أو مقدرة ولا إشكال في العطف، كما ذكره النحرير: وكذا لا يدعي أن الواو زائدة كما قاله أبو حيان، وقوله: لما وهمها أي
[ ٣ / ٢٦ ]
وقع في وهمها وفي نسخة همها. قرله: (أو عطف على يبشرك الخ) ولا يرد عليه طول الفصل لأنه اعتراض لا يضر مثله قيل: إنما يحسن هذا بعض الحسن على قراءة الياء وأمّا على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول أي إنّ الله يبشرك بعيسى ﷺ ويقول: نعلمه أو وجيها ومقولًا فيه تعلمه. قوله: (والكتاب الكتبة) بالفتح أي بالمعنى المصدريّ، وقدمه على تفسيره بجنس الكتب السماوية لأنه فيه خفاء لتقديم الحكمة، وان كان المراد ما اشتملت عليه من الشرائع وفي نسخة وقرأ عاصم ونافع ويعلمه بالياء. قوله: (منصوب بمضمر الخ الما كانت المنصوبات قبله واقعة في كلام الملائكة عليهم الصلاة والسلام وتبشيرها وهذا محكيّ عن عيسى ﷺ، وأيضا هي في حكم الغيبة وهذا في حكم التكلم لتعلق قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم﴾ ولما بين يدفي به احتاج العطف إلى التوجيه بأنه إقا منصوب بمضمر على إرادة القول والتقدير، ويقوله: أرسلت رسولًا الخ وهو معطوف على نعلمه بناء على أنه مستأنف، وأمّا على تقدير عطفه على يبشرك، أو يخلق يكون التقدير إنّ الله يبشرك، أو إنّ الله يخلق ما يشاء، ويقول عيسى: كذا عطفا على الخبر ولا رابطة بينهما إلا بتكلف عظيم، وقال أبو حيان: إنّ هذا الوجه ضعيف لإضمار القول ومعموله والاستغناء بالحال المؤكدة فالأولى أن يقدر ويجعله رسولًا. قوله: (أو بالعطف على الآحوال المتقدّمة الخ (هذا توجيه آخر لما مرّ قيل ولا يخفى أنه خروج عن قانون التضمين وأنه إن جعل ونعلمه عطفا على وجيها فهذا هو الوجه لقلة الحذف وعلى الثلاثة الأخر فالأوّل لئلا يلزم الفصل الممتنع، ولا يخفى أنّ قوله وناطقا يحتمل تقديره معطوفا على رسولًا وهو أحد طرق التضمين في الأسماء كما قدروا ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] بالرفث والإفضاء، ويحتمل أن يكون صفة رسولًا والحال فيه غير ظاهرة، ووجها التخصيص متقاربان. قوله: (نصب بدل الخ (بناء على أن محل أنّ وأن بعد حذف الجار نصب لا غير، وعلى تقدير هي الجملة صفة آية أو مستأنفة في جواب ما هي، وقوله: أقدر بيان لمعنى أخلق ومعنى أقدر أصوّره وأبرزه على مقدار معين قيل: وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب. قوله:
(الضمير للكاف الم يجعله للهيئة لأنّ الهيئة لا ينفخ فيها وإنما ينفخ في الجسم المماثل والكاف على هذا اسم وهي صفة لمقدر أي شيئا مثل هذا الطير، ومرجع الضمير في الحقيقة الموصوف بها، وقد ضعف كونها تكون اسما وعود الضمير عل! ! اغير معهود، والمراد بإذن الله كما مرّ إرادته وتقديره، والممسوح العين هو الذي لم يشق بصره ولم يخلق له حدقة، وقوله: لوهم الإلوهية وفي نسخة اللاهوتية يعني التي توهمتها النصارى، ولذا ذكرها أيضًا في خلق الطير، وهذا بناء على تعلقه بأحيى، وتيل: إنه متعلق بجميع ما قبله قبل وكون إبراء اكمه من جنس أفعال البشر فيه نظر وليس بشيء، وقوله: التي لا تشكون فيها إشارة إلى وجه تخصيص الأنباء بأحوالهم لتيقنهم بها، فلا يبقى لهم شبهة وفسر المؤمنين بما ذكره على أنه من مجاز المشارفة لأنهم المحتاجون للآية أو بمعنى المصدق أي الذي لا يعاند ويكذب، وقوله: على الوجهين أي اللذين سبق ذكرهما في تفسير ورسولًا. قوله: (مقدّر بإضماره) أي الجار والمجرور مقدر بإضمار وجئتكم لأحل فهو من عطف الجملة على الجملة، وقوله: أو مردود أي معطوف على بآية من قوله: ﴿جِئْتُكُم بِآيَةٍ﴾ لأنه في معنى لا ظهر لكم آية ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم﴾ الخ فلا يرد أنه لا يصح عطف المفعول له على المفعول به وعطفه على مصدقا لتأويله بما يجعلهما من باب واحد وان كان الأوّل حالًا والثاني مفعول له، وقيل: لا بد فيها كلها من تقدير جئتكم إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر وما ذكروه بناء على الظاهر المتبادر. قوله: (أي في شريعة موسى الخ) قيل أو ما حرّمه علماؤهم تشهيًا أو خطأ في الاجتهاد، والثرب شحم رقيق يغشي
الكرس والأمعاء، وقوله: والسمك المراد به بعض أنواعه فإنهم لم يحرموه مطلقًا، ولما كان عيسى ﷺ مأمورا بالعمل بالتوراة وشريعة موسى ﵊ أشار إلى أنّ نسخ بعضها لا ينافي ذلك إذ لم تبطل شريعته كما أنّ نسخ بعض القرآن لا يبطله، وقوله: فإنّ النسخ الخ أي هو بيان لانتهاء زمان الحكم الأوّل لا رفع وابطال له كما مرّ وتقرر في الأصول. قوله: (أي جئتكم بآية أخرى الخ) أي فالمراد بالآية على هذا العلامة، لا المعجزة
[ ٣ / ٢٧ ]
ليرد أن مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوامّ، بل المراد أنه بعدما ثبتت نبوّته بالمعجزة كان ذلك القول الصادر عن غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام علامة لنبوته تطمئن به النفوس، وقيل حصول المعرفة والتوحيد. والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمن نشأ في قوم بدلوا وحزفوا من خوارق العادة.
قوله: (﴿قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ﴾ على أن الخ) قيل مذا ظاهر على القراءة بفتح إنّ فكان ينبغي ذكرها
كما في الكشاف وان كانت شاذة وليس بوارد لأنه على الكسر قبلها قول محذوف بدلأ من آية أي قولي إنّ الله، وبه صرّج المصنف ﵀ فقال: وهي قولي فالاعتراض غفلة عما أراده وعلى الفتح فهي بدل من آية. قوله: (والظاهر أنه ثكرير لقوله الخ) أي أنه معطوف على جئتكم الأول وكرر ليعلق به معنى زائد وهو قوله: إن الله ربي الخ أو للاستيعاب كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [سورة الملك، الآية: ٤] ويؤيده قوله جئتكم باية بعد أخرى فيقدر ما يناسب الايات السابقة من كونه مولودا بغير أب وتكلم في المهد، واليه الإشارة بقوله: (مما ذكرت لكم) والحكم هو قوله: (فاتقوا الخ) وقوله: لما جئتكم بكسر اللام وتخفيف الميم ويجوز الفتح والتشديد، والتوحيد من الحصر المستفاد من تعريف الطرفين، والجمع بين الأمرين لأن
الصراط المستقيم الاعتقاد الحق والعمل الصالح كما مرّ. قوله: (قل آمنت بالله الخ) هو من حديث أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن سفيان الثقفي أنّ رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: " مقل آمنت بالله ثم استقم " والتنظير به لأنه قدم الإيمان، كما قدم قوله: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي﴾ هنا ثم عقبه بما يشمل الاعتقاد والعمل. قوله:) تحقق كفرهم عنده الخ) يعني أنّ الإحساس استعير استعاوة تبعية للعلم بلا شبهة إذ الكفر لا يحس، وأما تأويله بأحس آثار الكفر فليس بذاك. قوله: (ملتجئًا إلى الله الخ) لما كان النصر لا يتعدى بإلى جعله حالًا من الياء، والمعنى من ينصرني حال كوني ذاهبا إلى الله أو ملتجئًا إلى الله فالمقصود طلب النصرة لرسوله ﷺ في دينه فلذا فسر نحن أنصار الله بأنصار ديته وقوله: أو ضامّا إليه أي ضامّا نفي إليه أو هي متعلقة به بتضمين الإضافة، وكونها بمعنى مع أو في أو اللام مذكور في بعض كتب النحو لكن قيل عليه إنّ المصرح به فيها لام الاختصاص نحو الأمر إليك لا التعليل وفي تفسير الفراء أن إلى إنما تكون بمعنى مع إذا ضم شيء إلى آخر نحو الذود إلى الذود ابل أي إذا ضممته إليه صار ابلا ألا تراك تقول قدم ومعه مال، ولا تقول: وإليه وكذا نظائره وهو كلام من ذاق طعم البلاغة، ولذا ضعفه المصنف.
وفي الكشاف في سورة الصف إن إضافة أنصاري للملابسة أي من حربي ومشاركي في توجهي لنصرة الله تعالى ليطابق جوابهم نحن أنصار الله، ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لعدم المطابقة، وتابعه المصنف ﵀ هناك وقد صرح هنا بخلافه وعدم المطابقة غير مسلم إذ نصرة الله ليست على ظاهرها فلا بد من تأويل أو إضمار لما تظهر به المطابقة، وهو ظاهر لمن تدبر. قوله: (حواريّ الرجل الخ) قال الكرماني: في قوله ﷺ: " الزبير حواريي " الحواريي الناصر وهو لفظ مفرد منصرف.
وقال الزجاج: حواريّ منصرف لأنه منسوب إلى حوار وليس كبخاتيّ وكراسي لأن واحدها بختيّ وكرسيّ، وقد وقع مصروفا في غير موضع ومثله الحواليّ، وهو الكثير الحيلة فمن قال: معنى قول المصنف خالصته، أي جماعته الخالصة الاختصاص به نسب إلى الحور وهو البياض فأطلق الحوريّ على الخالص، وجمع على حواريّ ككرسي وكراسيّ، وجعله التفتازانيّ مفردًا وألفه من تغييرات الشب، وكأنه دعاء إليه إطلاقه على الواحد، ويصح أن يكون منقولًا من الجمع إلى الجنس بتنزيل الواحد الكامل في الخلوص منزلة جماعة فقد خبط خبط عشواء إلا أن ما ذكره النحريمر فيه نظر لأنّ الألف إذا زيدت في النسبة وغيرت بها تخفف الياء في الأفصح في أمثاله والحواريّ بخلافه، والحور البياض! مطلقا ومنه الحور العين، وأئا إذا وصفت به العين فمعنى آخر.، والحضريات نساء لمحضر يعني المدن والقرى ويغلب فيهن البياض لعدم البروز للشمس والريح، وقوله: يلبسون البيض أي الثياب البيض وكون الحوارقي القصار صرح به أهل اللغة، وهو بلغة النبط هواري، وقيل: معناه المجاهد وقيل إنه من حار بمعنى رجع لرجوعهم إلى
[ ٣ / ٢٨ ]
الله. قوله: (آمنا بالته وأشهد الخ (في عطف أشهد على آمنا مع أن بينهما اختلافا ما يقتضي جوازه فيما له محل من الإعراب ولا يلزم ذلك هنا لأنه قيل آمنا لإنشاء الإيمان أيضًا، وقيل: الكتابة كناية عن تثبيتهم على الإيمان في الخاتمة، والظاهر أن المراد اجعل ذلك وقدّره لنا في صحائف الأزل أو أدخلنا في عداد أتباعهم، وهذا على تفسيري الشاهدين وعلى الأخير فتعريفه للعهد وطلبهم أن يكونوا من أمة محمد ﷺ المعروفين بالشهادة على الناس فلا يرد تضعيفه بأنه لا قرينة على ذلك التخصيص على أنه كما نقلوه تفسير ابن عباس ﵄، وغيلة بكسر الغين المعجمة أن يتبع المرء مستترا حتى يقتله فجاة وهو لا يدري. قوله: (ومكر الله حين رفع الخ) أي المراد بمكر الله ما ذكر، وذكر أن المكر لا يطلق على الله إلا بطريق المشاكلة لأنه منزه عن معناه غير محتاج إلى حيلة، وهو المراد بالمقابلة والازدواح فلا يقالط: مكر الله ابتداء وكذا قاله العضد في شرح أصول ابن الحاجب وأورد السيف الأبهري عليه قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٩٩] فإنه أطلق عليه ابتداء من غير مشاكلة ونقل عن الإمام أنّ المكر إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيه وأنه يجوز صدوره عنه تعالى حقيقة وقد ذهب إليه طائفة وقالوا: إنه عبارة
عن التدبير المحكم فليس بممتنع عليه.
(قلت): يؤيده قوله والله خير الماكرين فإنه يبعد المشاكلة وأمّا جوابه عن الآية المذكورة
بأنها من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٨] فلا يخفى ما فيه. قوله: (أتواهم مكرًا الخ (قيل عليه إنه لا يستفاد من النظم والمفيد له أشذ الماكرين أو أقواهم، فينبغي أن يفسر بأنّ مكره أحسن وأوقع في محله لبعده عن الظلم، ولا يخفى أن الخيرية في معنى تقتضي زيادته، وهو المكر هنا فالخيرية فيه ما ذكر وتفسير المصنف أنسب بالمراد وهو التهديد. قوله: (ظرف لمكر الخ (قدمه لأنه أولى إذ لا يظهر وجه تقييد قوة مكر. تعالى بهذا الوقت، ولو قدر إذ كر كما في أمثاله لم يبعد. قوله: (أي مستوفي أجلك ومؤخرك الخ الما كان ظاهره مخالفًا للمشهور المصرح به في الآية الأخرى أوّله بوجوه الأوّل أنه كناية عن عصمته عن الإعداء وما هم فيه من الفتك به لأنه يلزم من استيفاء أجله وموته حتف لنفسه ذلك أو قابضك من الأرض من توفي المال بمعنى استوفاه وقبضه وقوله: مالي يحتمل ما أن تكون موصولة ولي صلته، ويحتمل أن تكون كلمة واحدة أو المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان، ويطلق كل منهما على الآخر لأنه رفع كذلك رفقًا به، وأمّا أنه أريد بالموت والوفاة موت القوى الشهوانية العائقة عن إيصاله بالملكوت فبعيد لأنّ اسم الفاعل لا يناسبه، وقوله: إلى محل الخ إشارة إلى أنّ إليّ على تقدير مضاف أي إلى سمائي، وتطهيره من الكفرة إمّا تبعيده عنهم بالرفع أو أنحاؤه عن قصدهم بجعلهم أو بجعل معلمهم كأنه نجاسة وبما قرّرناه سقط ما قيل: إنه تبع فيه الزمخشري في أن المقتول لم يصت بأجله كما هو مذهب المعتزلة. قوله: (يعلونهم بالحجة أو السيف الخ) يريد أنّ الفوقية رتبية لا مكانية، وقوله: ومتبعوه من أقز بنبوّته من المسلمين والنصارى فمان أريد بالنصارى من آمن به قبل مجيء نبينا ﷺ ونسخ شريعته فهو ظاهر، وان أريد المطلق فلا ضير في غلبتهم على غيرهم من الكفرة مع غلبة المسلمين عليهم، وقوله: وإلى الآن الخ ظاهر في الثاني. قوله: (الضمير لعيسى الخ)
ويحتمل أنه لمن تبع وكفر فقط، فهو التفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. قوله: (تفسير للحكم وتفصيل له) قال الخرير: اعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله بالمعاد، وهو في القيامة فكيف يصح تفسيره بالعذاب في الدنيا، وأجيب أوّلًا بأنّ المقصود التأبيد، وعدم الانقطاع من غير نظر إلى خصوصهما كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [سورة هود، الآية: ١٠٧] وثانيا أن المراد بهما المعنى اللغوي أي أوّلًا وآخرا وهو بعيد جدا وثالثا أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي وكونه بعد جعل الفوقية الثابتة إلى يوم القيامة لا يوجب كونه بعد ابتداء يوم القيامة، وعلى هذا فتوفية الأجور أيضًا تتناول نعيم الدارين، وقوله: فيما كنتم فيه نبوة عنه، أو المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم تختلفون فيه في الدنيا، ورابعًا بأن عذاب الدنيا
[ ٣ / ٢٩ ]
هو الفوقية عليهم والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة وفيه بعد، إذ معنى أعذب في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال إيجاد الكل لا يلزم أن يكون بإيجاد كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل عذاب الآخرة، وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة، وقيل: لا يبعد أن يتعلق قوله في الدنيا والاخرة بشديد تشديد الأمر الشدة وهذا وان ارتضاه بعض الفضلاء واستظهره لا يخفى ما فيه، وقوله: تقرير لذلك أي للحكم المفصل بأنه جار على الحكمة والعدل، ثم إن تفصيل المجمل باعتبار وصفي الإيمان والكفر، واعطاء، كل ما يليق به بضمير الغائب العائد إلى الموصوف إشارة إلى علية الوصفين هل هو التفات من الخطاب إلى الغيبة فيه تردّد بناء على أن الثاني هل يكفي في عدة التفاتا تلوين الخطاب لما هو في ضمن أمر شامل له، أو لا بد أن يكون مقصودًا بالذات الظاهر الثاني. قوله: (إلى ما سبق (يشير إلى وجه إفراده وتذكيره، وقوله: على أن العامل معنى الإشارة لا الجار والمجرور لأنّ مثله لا يجوز تقدمه على عامله المعنوي، وقوله: وأن ينتصب يعني ذلك. قوله: (المشتمل على الحكم أو المحكم الخ) إن كان الحكيم بمعنى المحكم المتقن نظمه بناء على أنّ فعيلًا يكون بمعنى مفعل كما مرّ والذكر بمعنى القرآن فظاهر وإن كان بمعنى صاحب الحكم فاستعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته إمّا استعارة نبعية في لفظ حكيم، أو إسناد مجازي بأن أسند إليه ما هو لمسببه وصاحبه، وأمّا استعارة مكنية
وتخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة، وأثبت له الوصف بحكيم تخييلا، وقد صرح به في الكشاف هنا، وأفاد الطيبي ﵀ أن ما ذهب إليه السكاكي من رذ الإسناد المجازي إلى المكنية سبقه إليه غيره، فلا اعتراض عليه كما ظن وشبهة ذكر الطرفين حينئذ، واردة فتأمّل دفعها، وتفسير الذكر الحليم باللوج المحفوظ لاشتماله عليه. قوله: (أي شأنه الغريب الخ) يعني أنّ المثل هنا ليس هو المستعمل في التشبيه والكاف زائدة كما قيل بل بمعنى الحال والصفة العجيبة، كما مرّ تحقيقه في البقرة يعني صفة عيسى ﵊ كصفة آدم ﷺ في خلقه من غير أبوين. قوله: (جملة مفسرة للتمثيل الخ) في الكشاف فإن قلت كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب، ووجد آدم بغير أب وأمّ قلت هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودأ خارجًا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ولأنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادّة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه انتهى، جعل عيسى ﵊ مشبهًا لأنه المقصود في المقام والا فمثله ورد للتشابه يعني أنّ تجملة خلقه مفسرة للشبه فإمّا أن تكون مبينة لوجه الشبه، والمشترك بينهما الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين أو هو لبيان أنّ المشبه به أغرب فيكون أثم وأكمل كما هو شأن التشبيه والمصنف ﵀ جعله بيانا لوجه الشبه ضمنا، وعدوله عن الاقتصار على المشترك بينهما لما ذكر لأنه أغرب وأقطع المادّة الشبهة ومن لم يدر معزاه ظنه خلط بين الوجوه وأنه كان عليه أن يقول لما فيه الشبه، والشبه جمع شبهة قطع مادة الشبهة أبلغ من قطع الشبهة مع ما في أقحامه من مناسبه المقام لأنّ الأبوين ماذة النسل. قوله: (والمعنى خلق قالبه من التراب) فسر الخلق بذلك، وقول: كن بإنشائه بشرا تصسحيحا لكلمة، ثم وحمل يكون على حكاية الحال لأن المقام يقتضي كن فكان، ويصح أنه مستقبل بالنظر لما قبله، وهو قوله كن، وقد تقدم تحقيقه وأنه تمثيل ومن حمله على ظاهره جعل التأخير، والتراخي في الإخبار، وما قيل إنّ المصنف ﵀ جعله في البقرة كناية عن الخلق دفعة بلا ماذة وسبب وما هنا يخالفه ليس بشيء لأنّ معناه كما قرره سرعة الإيجاد، وعدم الماذة إنما تستفاد ثمة من المقام والتعبير بالإبداع. قوله: (خبر محذوف
اي هو الحق) ضمير هو راجع إلى البيان والقصص المذكور سابقًا، ومن ربك حال من الضمير في الحق وقدّمه لأنه أولى من جعله مبتدأ ومن ربك خبره، إذ المقصود الدلالة على كون عيسى بهق مخلوقًا كآدم ﷺ
[ ٣ / ٣٠ ]
هو الحق لا ما يزعمه النصارى، وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يصح إلا بتكلف أن الحق من الله كل حق أو جنسه، ومن جملته هذا الشأن أو المراد لالحق ما ذكر فتعريفه للعهد لكن قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ﴾ أوفق به كما أنّ فلا تكن من الممترين وفق بالأوّل، وحمل العلم على البينات الموجبة للعلم إمّا حقيقة لأنها نوع من العلم أيضا أو مجاز، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة وحمل تعالوا بمعنى هلموا وأقبلوا على الإقبال بالرأي والعزم لا بالجسد لظهور أنه المراد. توله: (خطاب للنبي ﷺ الخ (التهييج الإثارة يقال هيجه وهاجه، وهو كقوله: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤] وفائدته أنه إذا سمع ﷺ مثل هذا الخطاب حرّك أريحيته فكان يقينه نورًا على نور وغيره إذا سمعه ينزجر لأنه ع! ير مع جلالته إذا خوطب به فما ظنك بغيره، ومعنى كونه خطأ لالكل سامع أي لكل من يقف عليه، ويصلح للخطاب فلا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز كما وس هم. قوله: (أي يدع كل منا ومنكم الخ (أعزه جمع عزيز، وألصقهم بقلبه بمعنى أحبهم، أقربهم إليه ويحمل عليها أولئك أيضا بأن يدعوا بغير إيصاء والأصل في البهلة اللعنة والدعاء لها، ثم شاع في مطلق الدعاء كما يقال فلان يبتهل إلى الله في قضاء حاجته وكشف كربته هذا ما قاله الزمخشري، وقال الراغب ﵀: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليلته، ثم استعمل لي الاسترسال في الدعاء سواء كان لعنًا أو لا وإنما فسر به هنا لأنه الواقع فيه فبينهما اختلاف بل والذي عليه أهل اللغة ما ذكره الراغب رحمه الله تعالى قال ابن دريد:
لم أركالموت سوى مابهلا يحسبه مدعيه وهومستدك
وقوله: (وإنما قدّمهم الخ (يعني أنهم أعز من نفسه ولذا يجعلها فداء لهم فلذأ قدم ركرهم اهتماما به وقوله: أي نتباهل إشارة إلى أن الافتعال هنا بمعنى التفاعل، وتفاعل وافتعل اخوان في مواضع كثيرة كاجتوروا وتجاوروا واشتوروا وتشاوروا وفوله: (والبهلة الخ (هو معنى ما مر عن الراغب وصرار مكسورا مهملًا خيط يشد على خلف الناقة لئلا يرضعها فصيلها
وحديث المباهلة مخرّج في الدلائل عن ابن عباس ﵄، وقوله: عطف فيه بيان أي أنه عطف على نبتهل عطف المفصل على المجمل. قوله: (فلما ثخالوا) أي حون بعضهم ببعض، والعاقب من يخلف السيد والأمير، وقوله: بالفصل في أمر صاحبكم يعني القول الفاصل بين الحق والباطل في أمر عيسى ﵊ إذ لم يجعله لها ولا كاذبًا بل عبد الفه ونبيه عتييرو، وقوله: فإن أبيتم إلا إلف دينكم استثناء مفرّغ لما في أبى من معنى النفي، والموادعة المصالحة والتاركة ومحتضنا بمعنى آخذ إله تحت حضنه، والأسقف يضم الهمز والقاف وتشديد الفاء حبر النصارى، وعالمهم معرّب على الصحيح، وقوله: فأذعنوا بمعنى أطاعوا وانقادوا وأمّا الإذعان بمعنى الإدراك فليس من كلام العرب. قوله: (وهو دليل على نبوّته ﷺ الخ) أي الحديث المذكور دليل لاعترافهم وامتناعهم عن مباهلته وعلمهم بنبوته، وما فضل آل الله والرسول فالنهار لا يحتاج إلى دليل. قوله: (بجملتها خبر أنّ الخ) الجملة إمّا المصطلح عليه أو بمعنى المجموع، وهو في قوله: أو هو مراد به لفظه والتقابل بين الفصل وكونه مبتدأ بناء على أنه لا محل له من الإعراب وقوله: (يفيد الخ) أي يفيد القصر الإضافي كم يفيده تعريف الطرفين، وذهب النحرير إلى أنه للقصر، والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيده، وان كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد وما ذكره المصنف ﵀ أوجه ثم أفاد أنّ أصل
اللام الدخول على المبتدأ، ولذا سميت لام الابتداء لكنها زحلقت لئلا يجتمع حرفا تأكيد وزيادة من للتأكيد كما هو شأن الصلات، وقد فهم أهل اللسان أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها به في أكثر، وقد توقف بعضهم في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان وهو حوالة على مجهول وتوله: (دخلت فيه الخ) أي التزم ذلك مع أنه لا مانع من دخولها على الخبر لقربه منه لفظًا ومعنى قيل، وعلم من كلامه أن ما من رجل أقوى من لا رجل وفيه ما مر. قوله: (لا أحد سواء
[ ٣ / ٣١ ]
الخ) القدرة التامة هي معنى العزة إذ هي بمعنى الغلبة المقتضية لها والتامة والبالغة بمعناها أي البالغة إلى النهاية من صيغة المبالغة، وفي الآلهية وقع بدله في نسخة الألوهية، وأقحم سواه للتأكيد إشارة إلى مدلول الفصل، فلا يقال إنه لا فائدة في ذكره، ولما كان المراد منه هذا ومما قبله حصر الألوهية فيه رذًا على النصارى قصر إفراد لأنه تذييل لما قبله علم أن ما قيل إنّ الفصل والتعريف ليس للحصر إذ الغالب على جميع الأغيار لا يكون إلا واحدًا فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب، والمقام يأباه خبط وخلط، واليه أشار بقوله ليشاركه الخ فافهم. قوله: (وعيد لهم الخ (في الكاف وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٨] فاللام في المفسدين للعهد يعني فإن تولوا فإنّ الله يعذبهم العذاب الذي تعورف واشتهر في المفسدين، وهو العذاب المضاعف والمصنف ﵀ لم يره ظاهرا من النظم فجعل الوعيد باعتبار وصفهم بالفساد ووضعه موضع المضمر إذ علمه بذلك أن يجازي عليه كما مرّ، وفي تركيبه تسامح لأنّ قوله المؤذي لا يصح صناعة أن يكون صفة لإفساد النكرة ولا للدين والاعتقاد معنى إلا بتقدير المؤدّي فساده فحذف المضاف، وقام الضمير مقامه فارتفع واستتر ويقرّ به رجوعه له بعد تعلق الإفساد به وأمّا جعل إفساد للدين من قبيل لا أبا لك ونحوه فتكلف، وقوله: (بل والى الخ) حذف فيه المعطوف عليه بالواو، والتقدير بل إلى فساد النفس والى فساد العالم، وحذف لدخوله في العالم ولم يستغن به لأنه لا يلزم من فساده فساد جميع أجزائه، ومثله كثير في كلامهم. قوله: (يعثم أهل الكتابين) جزم به! لأنه الظاهر من غير حاجة إلى التخصيص، وقوله: لا يختلف الخ بيان لمعنى الاستواء وقوله: ويفسرها ما بعدها يعني أنه بدل من كلمة مبين
للمبدل منه وموضح له لاشتماله على التصريح به لا إنّ أن تفسيرية لأنّ تعالوا متضمن معنى القول دون حروفه، إذ هي ناصبة والتفسيرية لا تعمل، وفسر قوله لا نشرك بنفي الاسنحقاق ليكون تأسيسا أكثر فائدة. قوله: (يريد به وفد نجران (هم نصارى قدم وفدهم ستون راكبًا فنظرهم رسول الله ﷺ في مسجده وأنزلت فيه هذه الآيات فلما حجهم أمرهم أن يجيبوا، أو يباهلوا فطلبوا المباهلة، ثم تئاوروا فقال بعضهم: أنه نبيّ وما باهل نبيّ قومًا إلا نزل بهم العذاب فاطيعوه في الجزية فأعطوها وهم أوّل من أداها سنة تسع أو عشر وأشرأفهم أربعة عشر أعلمهم أبو حارثة، وقد اعترف بدين الإسلام وقال أعلم أنه نبيّ ولكن ملوك الروم شرّفونا وأمدونا بأموالهم فنحن على دينهم والقصة مفصلة في السير وأعلم أنّ المباهلة مشروعة ولها شروط تعزض لها بعض الفقهاء. قوله: (ولا نقول عرير ابن الله الخ) يعني لا نجعل بعض البشر ربا ومعبودا فضميرنا للناس لا للممكن وإن أمكن حتى يشمل الأصنام لأنّ أهل الكتاب لم يعبدوها، وفي التعبير بالبعض نكتة للإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكون ربا، وفيه وجه آخر وهو أنّ المراد باتخاذهم أربابًا إطاعتهم فيما يحللون ويحرّمون كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أسورة التوبة، الآية: ٣١] وإليه أشار بقوله: روي الخ، فإن قلت: هم جعلوهم شركاء لا آلهة دون الله قلت هو للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلًا، وقوله: هو ذاك ضمير هو للأخذ بقولهم وذاك للإشارة لكونهم معبودين أو معناه إن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ذاك أي إطاعتهم في التحليل والتحريم، وهذا الحديث أخرجه الترمذيّ وحسته، وقوله: لأن كلاَ منهم الخ كذا وقع في الكشاف فقالوا: بعضنا خبر أن وبشر مثلنا بدل منه أو خبر بعد خبر وفيه الإخبار بالمعرفة عن النكرة لتأويلها بالمعرفة إذ معناه المسيح بعضنا وعزير بعضنا أو بعضنا خبر مبتدأ محذوف والجملة خبر إنّ. قوله: (أي لزمتكم الحجة الخ) يعني فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه
عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبو إعنادا فقولوا لهم أنصفوا واعترفوا وأقروا بأنا على الدين الحق، وهو تعجيز لهم أو هو تعريض لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا إنا لسنا كذلك، والأطوار المنافية للإلهية كونه مولودًا متوفى الخ وما يحل عقدتهم أي ما عقدوه ورسخ في عقولهم القاصرة، بقوله: إنّ مثل عيسى الخ
[ ٣ / ٣٢ ]
وقوله: بنوع من الإعجاز أي إظهارة عجزهم عن المباهلة لعلمهم بإجابة دعائه ﵊، أو المراد بالإعجاز الإعلام بالمغيب وهو أنهم لا يفعلون ذلك، ولذلك دعاهم ﷺ، وقوله: لم يجد يعني لم يفد من الجدوى بمعنى المعطية. قوله: (تنازعت اليهود والنصارى الخ) هكذا أخرجه ابن جرير ﵀ وليس فيه أنهم نازعوا رسول الله ﷺ والمؤمنين كما في الكشاف فلذا عدل عنه المصنف ﵀ فلا حاجة إلى التوفيق بأنهم نازعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجابهم بما لم يرضوه. قوله: (والمعنى الخ) ضمير عليهما لليهودية والنصرانية والمراد على واحدة منهما، وما ذكر ٣ من التاريخ رواية وقعت في الثعلبي والتيسير، وما مرّ في قصة مريم من أن بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة المقتضى أن يكون إبراهيم ﵊ قبل عيسى ﷺ بثلاثة آلاف ويوافقه قول الزمخشريّ بين إبراهيم وموسى ﷺ ألف سنة، وبينه وبين عيسى ﷺ ألفان رواية أخرى، فلا يقال إنه غفل عما قدمه أو أنه سهو من الناسخ وانّ العبارة وعيسى بعده بألفين أو إفه ظن ضمير بينه في الكشاف لإبراهيم بمتيرو، والظاهر أنهم ادّعوا حقيقة أنه منهيم فلذا حمقوا وجهلوا فلا داعي إلى ما قيل أنّ مدعاهم أنّ دين إبراهيم يوافق دين موسى لا إن إبراهيم تبع موسى وعمل بما في التوراة فكيف يقال إنهم ادعوا المحال، وأغرب منه دفعه بأنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى ﵊ التوراة بل أمر بتبليغ صحف إبراهيم عليه الصلاة
والسلام. قوله: (ما حرف تنبيه الخ) الظاهر أن بقول على حالهم بدل عن حالهم وحرف التنبيه يدخل على الضمير الواقع مبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة قياسا مطردا نحو ها أناذا، وكرّر هنا للتأكيد وقوله حاججتم جملة الخ يعني مستأنفة مبينة وقيل إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيرًا نحو ها أناذا قائما وهذه الحال لازمة، وقوله: أنتم هؤلاء الحمقى فسره به لتظهر فائدة الحمل وأخذ ذلك من اسم الإشارة فإنه يستعمل للتحقير والتنقيص نحو:
أبعلي هذا بالوحي المتقاعس
قوله: (وبيان حماقتكم الخ) في الكشاف حاججتم جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى
يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ولا ذكر له في كتابكم من دين إبرإهيم ﵊، وكتب عليه الشارح المحقق نظم الكلام ليس على ما ينبغي انتهى، وفيه تأمّل فإنه إمّ أن يريد بالنظم القرآني أو عبارة الكشاف وعلى كل حال فلم يلح لي وجه كونه كذلك اللهم إلا أن يريد إنه إذا كان بيانًا فلا ينبغي عطفه وأن البيان المتعارف فيه أن يكون لا يفهم من اللفظ لا للنكات في التعبير، وبمكن أن يقال لا مانع منه ولكونه على النهج الغير المعتاد عطفه لخفاء البيان فيه.
وقيل عليه ويحتمل أن يريد النظم القرآني على تفسيره كما عليه المصنف أيضًا إن فيه
نظرًا لأن ما لهم به علم إن كان خلاف ما جادلوا عليه كما هو الظاهر المفهوم من قوله عنادا يرد عليه أنّ قوله تعالى: فم تحاجون لا ينتظم مع السابق لأنّ إنكار غير المنصوص المعلوم دون إنكار المنصوص المعلوم ولا يلائم قوله أو تدعون وروده لأنّ دعوى ورود ما لم يرد في الكتاب مع المجادلة على الخلاف ليس بمقبول وإن كان ما جادلوا عليه فالجدال في المعلوم المنصوص ليس بسبب الحماقة، ولا يلائمه قوله: عنادا ويمكن اختيار الثاني بأنّ الجدال! مع النبيّ الثابتة نبوّته بالآيات الباهرات ولو على المنصوص في كتاب آخر حماقة لأنّ ذلك المنصوص يحتمل النسخ والتأويل على ما لا يخفى وقد يختار الأوّل فالحماقة والجمع بين الجدالين والتجاوز من واحد إلى اثنين ولا يخفى ما فيه وعدم ملاءمتة لقوله أو تدعون انتهى.
(أقول): لا وجه لهذا لأنّ الإتيان بالواو إشارة إمّا إلى أنه في معنى الحال أو لما مرّ،
وكان المراد بما لهم به علم أمر عيسى وموسى أو نبينا ﷺ، ولما لا علم لهم به أمر إبراهيم ﵊ لأنّ الأوّل نبيهم وكتابه بين أيديهم بخلاف الثاني بقرينة السياق والسباق ومجادلتهم مذمومة هنا فهي في الباطل الغير المطابق للواقع فلا يتعلق علم بما جادلوا فيه فالعلم هنا إمّا بحسب المدير أو بالنسبة للطرف الآخر
[ ٣ / ٣٣ ]
عنادا واليه أشار المصنف ﵀ وهو
معنى قول الإمام فيما لكم به علم لم يقصد بالعلم حقيقته وإنما أراد هب أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون فكيف تحاجون فميا لا علم لكم به البتة، وهذا من دقائق هذا الكتاب فافهمه وأمّا ما أجاب به فليس بشيء.
قوله: (وقيل هؤلاء بمعنى الذين الخ (هذا مذهب الكوفيين إن كل اسم إشارة يكون موصولًا والمعنى عليه ظاهر، ومذهب غيرهم أنه مخصوص بذا في نحو ماذا صنعت وكون أصل هأنتم أأنتم مذهب الأخفش، وقيل عليه إنّ إبدال همزة الاستفهام هاء لم يسمع إلا في بيت نادر، ثم الفصل بالمدّان كان لتوالي الهمزتين فلا وجه له هنا وهو إنما يرد لو كان الفصل بعد الإبدال. قوله: (علم ما حاججتم فيه) في نسخة ما حاجهم فيه الأوّل هو المطابق لما في الكشاف قيل في وجه زيادة علم أنه هنا بمعنى حقيقته، وكنهه إذ ليس المقصود هنا التهديد حتى يذكر علم المحاجة بمعنى المجازاة والعقاب عليه كما هو الوارد في أمثاله، وقوله: وأنتم جاهلون به إشارة إلى المفعول المقدر وفيه رمز إلى أنّ محاجة رسول الله ﷺ محاجة لله، وهذا مبنيّ على أنّ المحاجة وقعت معه وقد مر الكلام فيه، وقوله، تصريح الخ إشارة إلى وجه الفصل، وحينئذ قد مرّ تحقيقه. قوله: (منقادا لله الما كان الإسلام يختص في العرف بالدين المحمدي وهو لا يصح هنا لأنه يرد عليه إنه كان قبل ذلك ت مان كثير فكيف يكون مسلما فيكون كادّعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٥] فيرد عليه ما ورد عليهم ويشترك الإلزام بينهما فسروه هنا بالمعنى اللغوي وهو المستسلم المنقاد لطاعة الحق أو بالموحد لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد، وينصره قوله: وما كان من المشركين وهو بهذا المعنى يوصف به من كان قبلنا وقد ورد في القرآن بهذا المعنى كثيرًا ولهذا قال الجصاص إنّ المسلم المؤمن ولو من غير هذه الأمة، وفي رسالة للسيوطي إن الإسلام مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر فإن قيل قولكم إنّ إبراهيم ﵊ على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس مختصا بدين الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون محمد ﷺ صاحب شريعة بل مقرر الشرع من قبله قيل يختار الأول والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث واشراك عزير إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ
تلك الفروع بشرع موسى ﷺ ثم نسخ نبينا ﷺ شرع موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم ﵊ فيكون صاحب شريعة مع موافقته لإبراهيم كذا قال النيسابوري ﵀ وهو يقتضي أنّ المراد بكون إبراهيم مسلما إنه على ملة الإسلام والمصنف ﵀ لم يرتض هذين الوجهين لبعدهما فذهب إلى ما ذكر لأن سالم من القدح. قوله:) تعريض بأنهم الخ) هذان وجهان الأوّل أنّ المراد بالمشركين معناه المطلق ففيه تعريض لهم على طريق الكناية، الثاني أنّ المراد بالمشركين أهل الكتاب وأصله منكم فوضع الظاهر موضع المضمر للتصريح بأنهم مشركون لما ذكر فالظاهر أن يقول أو رذ أو هو وجه واحد وهو الأوّل وترك الثاني لأنه تكرار مع قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا﴾ وفيه نظر. قوله:) أي أخصهم الخ (أولى أفعل تفضيل وأصل معناه أقرب من وليه يليه وليا، ومنه ما في الحديث لأولى رجل ذكر ويكون بمعنى أحق كما تقول العالم أولى بالتقديم والمراد هنا الأوّل فقوله: وأقر بهم عطف تفسير. قوله: (من أمّته الخ) عدل عن تفسيره بمطلق من اتبعه فيكون ما بعده من ذكر الخاص بعد العام لأنه أشرف لكونه خلاف الظاهر، وقوله: لموافقتهم له علة لكونهم أولى وقوله على الأصالة إشارة إلى أنّ اتحاد الشريعتين لا يقتضي أن يكون الشرع هو الأوّل لأن هذا شرع جديد وان وافق شرع إبراهيم ﵊ كما يوافق قول المجتهد قول آخر حتى لا يلزم أنه مقلد له، وشرع مبني للمجهول، وقال: في أكثر إذ يجب علينا الإيمان بالقرآن الذي لم يجب عليهم وكذا في شرعهم ما لا يجب علينا. قوله: (وقرئ والنبتي بالنصب الخ) في عبارته تسمح أي وهذا النبيّ كما في الكشاف، وعلى قراءة الرفع هو معطوف على الموصول قبله الذي
[ ٣ / ٣٤ ]
هو خبر إنّ وعلى قراءة النصب معطوف على الضمير المفعول والتقدير للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبيّ، ويكون قوله: والذين آمنوا عطفا على قوله للذين اتبعو. وليس بلغو لشموله لمؤمني أمّة موسى وعيسى وغيرهما، وعلى الجر هو عطف على إبراهيم أي إن أولى الناس بإبراهيم وهذا النبيّ للذين اتبعوه وفيه أنه كان ينبغي أن يثني ضمير اتبعوه ويقال: اتبعوهما إلا أن يقال هو من باب والله ورسوله أحق أن يرضوه وأيضآ فيه الفصل بين العامل والععمول بأجنبي، وقوله: والذين آمنوا إن كان عطفا على الذين اتبعوه يكون فيه ذلك أيضا وان كان عطفًا على النبيّ فلا فائدة فيه إلا أن يقال إنه من عطف الصفات بعضها على بعض فتأمل، وقوله: ينصرهم الخ لأنه شأن الوليّ فأريد به لازمه وتوله: لإيمانهم إشارة إلى انّ
عنوان المشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق كما مرّ. قوله: (ولو بمعنى أن) أي المفتوحة الهمزة المصدرية وقد مرّ الكلام فيه وكونها للتمني وهو مذهب للنحاة، وقوله: وما يتخطاهم الخ الإضلال الإيقاع في الضلال، وهم ضالون فيؤدّي ذلك إلى جعل الضال ضالًا فلذلك أوّل الإضلال بما يعود من وباله أي فهو مجاز مرسل أو استعارة أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ قيل: وهو من الإخبار لالغيب الذي هو أحد وجوه الإعجاز فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال أنفسهم إذ لم يتهوّد مسلم قط، وقوله: وزره الخ لف على غير الترتيب راجع إلى هذين الوجهين. قوله:) أو بالقرآن الخ) يعني المراد بآيات الله إمّا التوراة والإنجيل ويشهدون من الشهادة مجازًا عن الاعتراف بحقيتها، وأمّا القرآن ومعنى تشهدون تشاهدون نعت الرسول ﷺ المذكور في التوراة والإنجيل، وأمّا آيات الله جميعا ومعنى تشهدون تعلمون حقيتها بلا شبها بمنزلة علم المشاهدة،، ضمير نعته لمحمد ع! ير أو للقرآن. قوله: (بالتحريف وإبراز الباطل في صورته) أي صورة الحق قال الراغب: أصل اللبس ستر الشيء، ويقال في المعاني كلبست عليه أمره قال تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ويقال في الأمر لبسة أي التباس ولابست الأمر زاولته ولابست " لإنأ خالطته فتلبسون بالفتح من لبست الثوب والباء بمعنى مع، وبالكسر من لبست الشيء االئيء سترته به وقيل: خلطته والياء صلته وكذا في قراءة التشديد، واستشهدوا لاستعمال االمبس، وما في معناه للاتصاف بالشيء والتلبس به بما وقع في الحديث الصحيح الذي رواه ااحخاري. وغيره عن عائثة ﵂ أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إنّ زوجي أعطاني ما لم بعطني فقال: المتليس بما لم يعط كلابس ثوبي زور والمتشبع الذي يرى أنه شبعان وليس به
والمراد المتصلف، ولابس ثوبي زور هو الذي استعار ثوبًا يتجمل به أو يتنسك متقبل شهادته فهو يشهد به زورا ويظهر أنه له وليس له فيتلبس بجهتي زور ويصير كأنه لابس ثوبين من الزور، وفي الفائق المتشبع على معنيين أحدهما المتكلف إسرافا في اكل وزيادة في الشبع ليمتلئئ والثاني المتشبه بالشبعان وليس به وبهذا المعنى استعير للمتحلي بفضيلة ليست له وشبه بلابس ثوبي زور أي ذي زور وهو الذي يزوّر على الناس ويتزيا بزفي أهل الزهد رياء واضافة الثوبين إلى الزور على معنى اختصاصهما به من جهة كونهما ملبوسين لأجله أو أراد أنّ المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبين من الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالاخر، وقيل: كانت النسوة تتظاهرن في اللباس يظهرن السمن، وقوله: تكتسون هو الصححيح، ووقع في نسخة تلبسون، وقوله: عالمين إشارة إلى أنّ الجملة خالية، وقوله: أوّل النهار إشارة إلى أن الوجه استعير للأوّل وهو استعارة معروفة كما ذكره الثعالبي. قوله: العلهم يشكون الخ) إنما قال يشكون لأنه أقل المراتب المتيقنة والا فالرجوع يكون عن اعتقاد البطلان، وكعب بن الأشرف ومالك بن الصيف بفتح الصاد المهملة من اليهود، وقوله: (اثنا عشر الخ) رواه ابن جرير عن السدي وتقاولوا تفاعل من القول والمراد المشاورة. قوله:) ولا تقرّوا عن تصديق فلب الخ) إنما أوّل تؤمنوا بتقرّوا أو تظهروا أو تفشوا على طريق التضمين ليتعدى باللام وليست هنا للتقوية، وقيل: إنها زائدة وقيل: إنه يتعذى باللام أيضا أي لا تصدقوا عن قلب إلا لهؤلاء، وعلى هذا فليس قل إنّ الهدى الخ اعتراضًا أي قل لهم إن الهدى هدى الله أو قل
[ ٣ / ٣٥ ]
لنفسك أو للمؤمنين فهو يهدي لأصل الإيمان وللثبات عليه من يشاء فلا يضرّ كيدهم. قوله: (أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى الخ) تحقيق ذلك وتفصيله ما أفاده المدقق في الكشف أنّ فيها أوجهآ.
أحدها: أنّ التقدير ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتابا سماويا كالتوراة، ونبيًا مرسلًا كموسى ﷺ وبأن يحاجوكم ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة! لأ لأتباعكم، نهوهم عن الإظهار للمسلمين فيزدادون تصلبا ولمشركي العرب فيبعثهم على الإسلام، وأتي بأو على وزان ولا تطع منهم آثمًا الخ وهو أبلغ والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح، وفائدة الاعتراض أنّ كيدهم غير ضحارّ لمن لطف الله به بالدخول في الإسلام أو زيادة التصلب فيه، ويفيد أيضا أن الهدى هداه فهو الذي يتولى ظهوره فلا يطفا نوره فالمراد بالإيمان إظهره كما ذكره الزمخشرفي أو الإقرار اللساني كما ذكره الواحدفي، والمراد التصلب من التابعين لإلا وقع ما فرّوا منه.
وثانيها: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم أؤلًا وهم الذين أسلموا منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهتم وأوقع، وهم فيه أرغب وأطمع، ثم قيل: إنّ الهدى هدى الله من يهده الله فلا مضل له، وقوله: أن يؤتى أحد على هذا معللة لمحذوف أي لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وما يتصل به من الغلبة بالحجة يوم القيامة دبرتم ما دبرتم، والمعنى أنّ داعيكم إليه ليس إلا الحسد، وإنما أتي بأو تنبيهًا على استقلال كل منهما في غيظهم وحملهم على الحسد حتى دبروا ما دبروا، ولو أتي بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم بلزوم الثاني للأوّل لأنه إذا كان ما أوتوا حقًا غلبوا يوم القيامة مخالفهم فلا لاندة فيه، وأما أو فتشعر بأنّ كلا مستقل في بعثهم على الحسد والتدبير، وحملها على معنى حتى وإن كان ظاهرًا لا يروع السامع ويؤيد هذا قراءة آن يؤتى بالاستفهام للدلالة على انقطاعه، الاستقلال بالإنكار، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أوّل النهار بقرينة أنّ الكلام فيه وتخصيص من سع بمسلميهم بقرينة المعنى ولأنّ غيرهم متبع دينهم الآن، وعن المصنف إنه من جملة المقول ثانه قيل قل لهم هذين القولين، ومعناه أكد عليهم أنّ الهدى ما فعل الله من إيتاء اليهاب غيركم، أنكر عليهم أن يمتغصوا من أن يؤتى أحد مثله كأنه قيل قل إنّ الهدى هدى الله، وقل لأن لؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم وكذبتم ما كذبتم، وثالثها أن يقرّر ولا تؤمنوا على ما قرّر علبه الثاني وبجعل أن يؤتى خبر ان وهدى الله بدل من اسمها وأو بمعنى حتى على أنها غاية سبية وحينئذ لا يخص عند ربكم بيوم القيامة بل بالمحاجة المحقة كما مرّ في البقرة، ولو حملت على العطف لم يلتئم الكلام، ورابعها: أنّ قوله ولا تؤمنوا إلا لمن الخ على إطلاقه أي
، أثفروا آخره واستمروا على اليهودية ولا تقرّوا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة ٤ـ فرل الطائفة فقيل قل إنّ الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى حتى تحاجوا وقرينة الإضمار أنّ مر له ولا تؤمنوا تقرير على اليهودية وأنه لا دين يساويها فماذا أمر النبيّ ﷺ أن يجيبهم علم أنّ ااجراب أنّ ما أنكروه غير منكر وأنه كائن، وحمل أو على معناها الأصلي حسن لأنه تأييد الإبتاء وتعريض بأنّ من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون لا هم، وأمّا على قراءة إن بالكسر فهو
من مقول الطائفة وقدره بقولوا لهم توضيحًا وبيانا لأنه ليس استئنافا تعليلا بل خطابا لمن أسلم منهم رجاء العود، والمعنى لا إيتاء فلا محاجة وذكر عقيب الثالث لتساويهما في أنّ أو بمعنى حتى، وقوله: إنّ الهدى هدى الله اعتراض ذكر قبل تمام كلامهم للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه، وأرجح الوجوه الثاني انتهى محصله.
(وههنا بحث) ذكره صاحب الانتصاف على قطع آن يؤتى أحد عن لا تؤمنوا وهو أنه
يلزمه وقوع أحد في الإثبات لأنّ الاستفهام هنا إنكار وهو في مثله إثبات إذ حاصله أنه وبخهم على ما وقع منهم، وهو إخفاء الإيمان بأن النبوّة لا تخص بني إسرائيل، وأجاب عنه بأنه روعي فيه صيغة الاستفهام وان لم يرد حقيقته فحسن دخول أحد في سياقه، وترك التعرّض له الناظرون فيه لأنهم لم يروه واردا لأن التوبيخ لا ينبغي، ولا يليق فهو نفي معنى بلا ارتياب واحتياج إلى جوابه الساقط، وقوله: من كلام الطائفة أي المذكور في الآية واحتمال أن يكون خطابًا من الله للمسلمين أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون حتى يحاجوكم لأنه
[ ٣ / ٣٦ ]
لا ينسخ دينكم دين بعيد. قوله: (عطف الخ) قد مرّ ما يشرحه وقوله: (رذوا إبطال الخ الأنه تعالى كريم متفضل مختار فيما يريد فيعطي مثل ما أوتيتم وأفضل منه غيركم. قوله: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار الخ) من أمنته بمعنى ائتمنته، والأوقية بالضم سبعة مثاقيل كالوقية، وقال الجوهري: إنها أربعون درهمًا، ثم استعملت في العرف في عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وفنحاص بكسر الفاء وسكون النون والحاء المهملة بعدها ألف ثم صاد مهملة، وكون الغالب في اليهود الخيانة لأنّ نهم من لا يخون كعبد الله بن سلام رضي الله عته، وقوله مدة دوامك إشارة إلى أنّ ما مصدرية ظرفية والتقاضي طلب القضاء ولا عبرة بقول بعض الفقهاء أنه لم يرد في اللغة إلا بمعنى الأخذ والترافع هو صد الأمر وانهاؤه إلى الحكام فالقيام مجاز عما ذكر. قوله: (إشارة إلى ترك الآداء الخ) بقوله: لا يؤدّه هذا هو الصحيح من النسخ وسقط لا
رنرذه من بعضها اكتفاء بالإضافة العهدية، وقيل: إنه من سهو الناسخ، وتوله: عتاب وذم لما ثان السبيل بمعنى الطريق والمعنى ليس لأحد منهم علينا طريق فلا يصل إلينا حتى نسمع كلامه إذمه، وعتابه فهو كناية كقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أفاد ما ذكر. قوله: (تقاضوهم الخ (يعني رجال قريش طلبوا من اليهود حقهم، وقوله: تحت قدمي أي ساقط لا يؤاخذ به فهو لمثيل لأنّ ما سقط يوطأ ويداس. قوله: (استئناف الخ (المراد بكونها سذت مسدها أنها دلت طليها فلا يمتنع التصريح بها، ووجه التقرير أنها تفيد ذم من لم يف بالحقوق مطلقا فيدخلون! يه دخولًا أوليا، وقوله: باب عن الراجح في نسخة نائب عن الراجع، وسقوط في بعض النسخ من سهو الكاتب، ومن إما موصولة أو شرطية ولا بدّ من ضمير يعود إليها من الجملة ال! انية فإما أن يقام الظاهر مقام الضمير في الربط إن كان المتقين من أوفى، وما أن يجعل لحمومه وشموله له رابطا، وقال ابن هشام: الظاهر أنه لا عموم وأنّ المتقين مساو لمن تقدم دكره والجواب لفظا أو معنى محذوف تقديره يحبه الله ويدل عليه قوله: فإنّ الله يحب المتقين لال الحلبي: وهو تكلف لا حاجة إليه وقوله: الظاهر أنه لا عموم ليس بمسلم فإنّ ضمير بعهده إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة لعموم كما هو المعهود في أمثاله واضافة لحهده إما للفاعل أو للمفعول، وقوله: يعم الوفاء وغيره توجيه لأنه لم يقل فإنّ الله يحب أأءس فين بالعهد والمتقين. قوله: (بما عاهدوا الله عليه (إشارة إلى أنه مضاف للمفعول وقوله:) بما يسرهم الخ (توجيه لنفي الكلام بأنّ المنفيّ الكلام السارّ فلا ينافي كلامه بغيره، أو المراد أاحطلق لسؤالهم في القيامة بواسطة الملائكة تحقيرًا لهم، أو المراد بنفي الكلام نفي فائدته
وثمرته فينزل منزلة المعدوم. قوله: (والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم) هذا جواب آخر عن نفي الكلام لكن ظاهره أيضا أنّ قوله ولا ينظر إليهم كناية فإن أراد أنه كناية لاقترانه بكناية أخرى، وان أراد أنه أريد به السخط كما أنّ المراد بما بعده ذلك، ولو مجازًا صح وإنما كان كناية لأنه يمكن أن يراد من عدم التكليم معناه الحقيقي فلا وجه للحكم بالمجازية فيه فإن لوحظ فيه قرينة مانعة عن إرادته صحت المجازية لكنها خلاف الظاهر، وفي الكشاف أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأنّ من اعتذ بالإنسان التفت إليه وأعاره عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وان لم يكن، ثئم نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرّدًا لمعنى الإحسان مجازًا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، قال النحرير: يريد أن ترك النظر عند قرينة مانعة عن إرادة معناه الحقيقي يكون مجازًا عن الاستهانة والسخط كما أن النظر يكون مجازًا عن الإكرام والإحسان لكون النظر من لوازم الإحسان وتركه من لوازم الإهانة، ثم فرق بين استعمال النظر نفيا واثباتا في حق من يجوز عليه النظر أي تقليب الحدقة كالإنسان وبين من لا يجوز عليه كالباري وان كان بصيرًا بمعنى أنّ له صفة البصر بأنه إذا استعمل فيمن يجوز عليه النظر وأريد الإحسان والإكرام فهو كناية حيث جاز إرادة المعنى الحقيقي بل ربما أريد لكن لا ليكون مناط الإثبات والنفي والصدق والكذب والأمر والنهي، ونحوه بل لينتقل عنه إلى معنى آخر وإذا استعمل فيمن لا يجوز عليه النظر فهو
[ ٣ / ٣٧ ]
مجاز لا غير لأن إرادة المعنى الحقيقي أو جواز إرادته شرط للكناية، وههنا العلم بامتناع النظر قرينة مانعة عن إرادته، وفي كلامه إشارة إلى أنه عند الكناية قد يتحقق المعنى الحقيقي ويراد لا قصدًا إليه وقد لا يتحقق أصلا، وان جاز وما ذكره هنا يشكل بما ذكره في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الرحمن على العرش استوى ونحو ذلك أنها كلها كنايات مع امتناع المعنى الحقيقيّ قطعًا فإن أجيب بأنّ إرادة المعنى الحقيقي لا تستلزم تحققه وهو ظاهر ولا يلزم منه الكذب لأنّ إرادته لا تكون على وجه القصد إليه إثباتًا ونفيا وصدقًا وكذبا بل لينتقل منه إلى المقصود، قلنا: وكذلك النظر في حق من يجوز عليه النظر يراد، ولا يتحقق فيكون كناية.
وأمّا ما يقال: من أنه إذا أريد المعنى الحقيقي لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز بمعنى
إرادة المعنى الحقيقي والمجازيّ، وهو ممتنع فمدفوع بأنّ ذلك إنما هو حيث يكون كل منهما مناط الحكم ومرجع الصدق والكذب ٠
وأمّا إذا أريد الأوّل لينتقل إلى الثاني فلا وصرّح في المفتاح بأنه في الكناية يراد معناها ومعنى معناها جميعًا، وفي الحقيقة معناها فقط وفي المجاز معنى معناها يعني الحقيقة الصريحة إلا فقد صرّح هو بأنّ الكناية حقيقة حيث قال: الحقيقة والكناية يشتركان في كونهما حقيقتين، ويفترقان في الصريح وعدمه، وبهذا يظهر أنّ الكناية ليست واسطة بين الحقيقة والمجاز بل نسما من الحقيقة وحيث يجعل واسطة يراد بالحقيقة الصريح منها، وأمّا عند الأصوليين فكل من الحقيقة والمجاز إن استتر المراد به فكناية والا فصريح وليست الكناية واسطة ولا داخلة في المجاز بناء على الاستعمال في غير الموضوع له على ما توهم.
(أقول) ما ذكره من التناقض سبقه إليه غيره من الشراح، وأشار المحقق في الكشف إلى
أنه لا تناقض فيه حيث قال: بعد سوق كلامه إنه تصريح بأنّ الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وان لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وحينئذ يلحقن بالمجاز، ولا تجعل مجازًا إلا بعد الشهرة لأنّ جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أوّلًا غير واضحة بخلاف المعنى المكنى عنه، وقد سبق أن هذا الكلام منه يرفع ما توهم من المخالفة بين قوليه في جعل بسط اليد كناية عن الجود تارة، ومجازًا أخرى فتذكر يعني أنه إن تطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهما كما توهموه، والعجب من الشارح في متابعة المعترض مع علمه بدفعه فتأمّل فقول المصنف إنه كناية عن غضبه عليهم لقوله الخ إن حمل على أنه فيهما كناية لا يخالف ما في الكشاف. قوله: (قيل إنها نزلت الخ) فالمراد بعهد الله ما عهده إليهم في التوراة من أمر النبيّ ﷺ وغيره، والثمن الرشوة وهذا أخرجه البخاري في صحيحه وغيره من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنّ رجلًا أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلًا من المسلمين فنزلت هذه الآية وقوله: (في ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهوديّ في بئر أو أرض وتوجه الحلف على اليهوديّ) أخرجه الستة عن ابن مسعود ﵁ وتعدد سبب النزول لا مانع منه كما مرّ. قوله: (يعني المحرّفين الخ) تفسير فريقًا لا.
الضمير وحنى بالتصغير وأخطب بالخاء المعجمة أفعل من الخطب، وقوله: يقتلونها الفتل بالفاء والتاء الفوقية بمعنى الليّ، والصرف أي يفتلون الألسنة في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييرا يتغير به المعنى ليحسب المسلمون أن المحرّف هو التوراة فيلتبس عليهم الأمر أو المراد يميلون ألسنتهم بشبه الكتاب أي مشابهه ولا فرق بين الوجهين في المعنى إذ ليس في الوجه الأوّل إلا إظهار المحرف وهو شبه الكتاب لكن المضاف المقدّر في الوجه الأوّل هو القراءة والباء للظرفية أو الاستعانة أو للملابسة والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب، وضمير تحسبوه لما دل على الليّ من المحرّف، وفي الثاني شبه وضمير تحسبوه للشبه المقدر والباء صلة، وقيل للآلة وقوله: (وقرئ بلون الخ (هي قراءة مجاهد ﵀ بفتح الياء وضم اللام، وبعدها واو مفردة ساكنة بقلب الواو المضمومة همزة كما في وجوه وأجوه، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فحذفت لالتقاء الساكنين وقيل عليه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه فأقي حاجة إلى قلب الواو
[ ٣ / ٣٨ ]
همزة ورذ بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو، وثم حذفها على ما عرف في التصريف، وفيه نظر لأنّ الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضًا نعم أنه قرئ يلؤن بالهمز في الشواذ، وهو يؤيده وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير، وأما جعله من الولي بمعنى يقرّبون ألسنتهم بميلها إلى المحرّف فقريب من المحرّف، وقوله: أو يعطفونها بشبه الكتاب من عطف الناقة بأن جذب زمامها ليميل رأسها والمراد الإبهام في الكلام أي كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب، والفرق بينهما أنهم على الأوّل يتركون النص ويقرؤون ما بذل، وعلى الثاني لا يتركونه بل يصحفونه بما يوهم خلاف المراد، وعلى هذا يكون كناية عن الخلط. قوله: (تثيد لقوله وما هو من الكتاب ا! خ (لأنّ إسناد كونه من عند الله إلى زعمهم يشعر أيضًا بأنه ما هو من الكتاب فمجموعه مؤكد له فلا وجه لما قيل إن التأكيد هو قوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ وسوقه يقتضي أنّ مجموعه مؤكد فكأنه جعلهما خبرين وجعل وصف المجموع بوصف جزئه وقوله:) وتشنيع الخ) إشارة إلى أنه ليس المقصود به التأكيد فقط إذ لو كان كذلك لم يتوجه العطف لأنه لما كان الأوّل تعريضا،
، هذا تصريحا حصل بينهما مغايرة اقتضت العطف. قوله:) أي ليس هو نازلًا من عنده) يعني المقصود بالنفي نزوله من عند الله وهو أخص من كونه من فعله، وخلقه ونفي الخاص لا قتضي نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله وفعل العبد هنا هو التحريف ونحوه وقوله:) ويقولون الخ) تسجيل عليهم بأنّ ما اقترفوه عن عمد لا خطأ. قوله: (تكذيب الخ (أي لا ينبغي لبشر أن يأمر بغير عبادة الله فكيف بالنبيّء! الذي أوتي الحكم والنبوّة فما فعلتموه من عند أنفسكم، والحكم بمعنى الحكمة وفسرها الزمخشرقي لالسنة لأنها تالي الكتاب والسيد علم شخص من نصارى نجران. قوله: (معاذ الله أن يعبد) وقع ير الكشاف: " أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله " وهو أحسن طباقا لما سبقه لأن الكلام في نفي عبادة غير الله لا في نفي غير العبادة، وأجيب بأنّ المراد بغير عبادة الله عبادة غير كلبادة الله، أو غير عبادة الله عام، ونفيه جعل كناية عن نفي الخاص على طريق المبالغة وبهما وردت الرواية والأمر فيه سهل. قوله:) ولكن يقول الخ (لكن لإثبات ما نفي سابقا وهو القول المنصوب بأن فيقول هنا منصوب أيضًا عطفا عليه، ويصح رفعه عطفا على المعنى لأنه في معحى لا يقول، وقيل: يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك ولكن كونوا ربانيين أي مبلغين ما أتى من الرب وضمير يقول هنا لبشر والرباني منسوب إلى الرب كالهيئ والألف والنون تزاد في النسبة للمبالغة كثيرا كلحياني بكسر اللام عظيم اللحية ورقباني بمعنى عليظ الرقبة، وفسره بالكامل في العمل والعمل وقيل إنه سرياني، وقيل: إنّ ربان صفة لأ! طشان بمعنى مرب نسب إليه. قوله: (كونوا ربانيين الخ) أي كونوا منسوبين إلى الرب
بالطاعة والعبادة بسبب علمكم أو تعليمكم ودراستكم لئلا تدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فالباء متعلقة بكونوا والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتدّ بأحدهما بدون الآخر. قوله:) عطفًا على ثم يقول الخ) أي على يقول في، ثم يقول ففيه تسمح وجعله بعضهم عطفًا على يؤتيه ولا مزيدة وعلى عطفه على يقول والزيادة المعنى ما كان لبشر أن يؤتيه الله ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة النبيين أربابا كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي أو غير مزيدة لأنه ﷺ كان ينهي عن عبادة الملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام فلما قيل له أنتخذك ربًا قيل لهم ما كان لبشر أن ينبئه الله ثم يأمر الناس بمبادنه وينهاكم عن عبادة الأنبياء والملانكة وقوله: بل ينهي إشارة إلى أن المقصود من عدم الأمر النهي وان كان أعمّ منه لكونه أمس بالمقصود وأوفق للواقع. قوله: (وهو أدنى من العبادة) ضمير هو للاتخاذ أو للأمر بالاتخاذ، وأدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل من الدنو فإن من يريد أن يستعبد شخصًا يقول له: ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي، وقيل: أدنى بمعنى أنزل وأقل من العبادة
[ ٣ / ٣٩ ]
لأنّ الاتخاذ ربًا لا يستلزم العبادة بالفعل، وفي بعض النسخ وهو نهي عن العبادة أي النهي عن الاتخاذ ربا او عدم الأمر نهي عن العبادة فتأمل.
قوله:) ورفعه الباقون الخ) في الكشاف الرفع على ابتداء الكلام أظهر وتنصرها قراءة عبد
الذ " ولن يأمركم " ووجهت الأظهرية بأنها خالية عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي وبأن العطف يستدعي تقديمه على لكن وكذا الحالية أيضًا، والمراد بالبشر بشر النكرة السابق، فالإنكار عامّ وإنما عرّفه لسبق ذكره. قوله: (دليل على أنّ الخطاب للمسلمين) يعني هذه الفاصلة ترجح القول بأنها نزلت في المسلمين القائلين أفلا نسجد لك لا في أبي رافع والسيد بناء على الظاهر، وان جاز أن يقال للنصارى أنأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أي منقادون مستعدّون لقبول الدين الحق إرخاء للعنان واستدراجا، ولبعض أرباب الحواشي هنا كلام لا
علانل تحته رأينا تركه خيرأ من تكثير السواد برذه. قوله:) قيل إنه على ظاهره الخ الما كان الله لحهد إلى جميع خلقه بالإيمان سواء الأنبياء وغيرهم احتاج التخصيص إلى التوجيه فوجه بوجوه. حها ما ذكره المصنف وهو أنّ غيرهم معلوم بالطريق الأول أو أنه من الاكتفاء وهو قريب من هدا، أو أنه مصدر مضاف إلى الفاعل أي الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم، أو هو على حذف مضاف أي أمم النبيين أو أولاد النبيين، والمراد بهم بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم!، نّ السياق في شأنهم، وأمّا إنّ المراد بأولاد الأنبياء أولاد آدم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ءكأ تسلمه ليعم فخلاف الظاهر، فلذا لم يذكروه مع أنّ قراءة ابن مسعود ﵁ ميثاق الذين أوتوا الكتاب تدل على تعينه كما أشار إليه في الكشاف، وأمّا أنه سمى بني إسرائيل نبيين لهكمًا بهم فلا قرينة عليه، ولذا أخره المصنف ﵀ لبعده، أو المراد واذ أخذ الله ميثاقا مثل ميثاق النبيين أي ميثاقا غليظا ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، ومن الغريب ما قيل: إق الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل واذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم بينه بقوله: لما آتيتكم الخ، ولم نر من ذكر أنّ الإضافة تفيد التعليل في غير ثلامه. قوله: (واللام في لما موطئة الخ) اللام الموطئة وتسمى اللام المقرونة هي من قولهم وطؤ الموضع يوطأ وطأ صار وطيئًا أي سهل المشي فيه، ووطأته أنا توطئة فهذه اللام كأنها وطأت طريق القسم أي سهلت تفهم الجواب على السامع، وعرّفها النحاة بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء إن وغيرها لكنها غلبت في إن بعد تقدم القسم لفظا أو تقديرًا لتوذن أن الجواب له لا للشرط، كقوله: لئن أكرمتني لأكرمنك، ولو قلت: أكرمك أو فإني أكرمك أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز صرح به ابن الحاجب وليس هذا متفقا عليه فإنّ الفراء خالف فيه فجوّز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأوّل هو الصحيح، وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور وخالف فيه بعض النحاة، وقال الزمخشري: إنه لا يجب دخولها على كلمة المجازاة صرح به في سورة هود في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًاّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ! يمن قرأ بالتخفيف ونقله الأزهري عن الأخفش وانّ ثعلبًا غلطه فيه فهذا يدل على أن ما أشترطوا فيها غير متفق عليه. قوله: (ساد مسد جواب القسم والثرط الخ (فيه تسمح لأنه جواب القسم لكنه لما دل على جواب الشرط جعله سادًّا مسده لدلالته عليه وايجاد معناهما وإلا فجواب القسم لا محل له وجواب الشرط له محل فيتنافيان، ولا حاجة إلى أن يقال أنّ الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالمحلية وعدمها باعتبارين وعلى جعلها موصولة فقد دخلت
اللام الموطئة على غير الشرط ولا إشكال فيه كما مرّ فإنّ من النحاة من جوّزه كما أن منهم من أطلق على لام الجواب موطئة تسمحًا والأمر فيه سهل لكن على القول بأنها تدخل على غير الشرط هل يشترط مشابهته له كما الموصولة أو لا كما الزائدة في إنّ كلا لما ليوفينهم ظاهر كلام المغني وبعض الثراج هنا يشعر بالأوّل، وقوله: وتحتمل الخبرية المراد ما يقابل الجزائية أو الموصولية الاسمية أو الحرفية، وورد في كلامهم بهذا المعنى فلا يقال إنه لم يسمع ما الخبرية، وعلى الموصولية فهي مبتدأ والخبر إمّا مقدر أو جملة لتؤمنن، وأورد عليه أنّ الضمير
[ ٣ / ٤٠ ]
في به إن عاد إلى المبتدأ على ما هو الظاهر كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم والمقصود من الآية أخذ الميثاق بالإيمان بالرسول عش! هـ ونصرته وان عاد إلى الرسول لمجب خلت الجملة التي هي خبر عن العائد إلا أن يقدر، ويدفع بما قاله الإمام السهيلي: في الروض الأنف إن ما مبتدأ بمعنى الذي والخبر لتؤمنن به ولتنصرنه وان كان الضميران عائدين على رسول ولكن لما كان الرسول مصدقا لما معكم ارتبط الكلام بعضه ببعض واستغنى بالضمير العائد على الرسول عن ضمير يعود على المبتدأ، وله نظائر في التنزيل وهذا بناء على مذهب الأخفش كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤]) وجاءكم الخ) معطوف على الصلة والرابط ما معكم أو مقدّر أيضًا. قوله: (أي لأجل إيتاتي إياكم بعض الكتاب الخ) إشارة إلى أن من تبعيضية وهي على الموصولية والشرطية بيانية، وظاهره أنّ اللام متعلقة بقوله: لتؤمنن مع أنّ لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فقيل إنّ الزمخشريّ يرى جوازه، وقيل: هو بيان للمعنى: وأما بحسب اللفظ متعلق بأقسم المحذوف، وقوله: مصدق له إشارة إلى أنّ ما معكم بمعنى الكتاب أو بعضه وأنه هو القائم مقام العائد في الموصولية. قوله: (وقرئ لما بمعنى حين الخ) هذه قراءة سعيد فلا وجه لما قيل إن صحت ولما إمّا ظرفية وجوابها مقدر من جنس جواب القسم كما ذهب إليه الزمخشرقي أي لما آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق، وجب عليكم الإيمان به ونصرته وقدره ابن عطية ﵀ من جن! ما قبلها أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق وكذا وقع في تفسير الزجاج ومآل معناها للتعليل أيضًا أو أصله لمن ما فأدغمت النون في الميم بعد قلبها ميمًا فحص ثلاث ميمات فخفف بحذف إحداها، والمحذوف أما الأولى أو الثانية لأنّ بها الثقل ولذا رجحه أبو حيان، ومن مزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش عند ابن
جني وتعليلية وهو الأصح لاتضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف، واللام إمّا زائدة أو موطئة إن لم يشترط دخولها على أداة الشرط، وقوله: استثقالًا مفعول لأجله لأنه الباعث على ذلك أو التقدير لإزالة الاستثقال. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ﴾ الآية) هو بيان لأخذ الميثاق دماذ متعلقة به أو بمقدر أي اذكر، وقيل العامل فيه اصطفى فيكون معطوفا على إذ المتقدمة، والإصر بالكسر العهد وأصله من الإصار وهو ما يعقد به ويشد، وبالضم لغة فيه كناقة عبر أسفار بالضم والكسر بمعنى أنه لا يزال يسافر عليها وهو يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، أو هو بالضم جمع إصار، وهو ما يشد به استعير للعهد وقوله: فليشهد بعضكم أي المقر بعضهم والشاهد بعض آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد. قوله:) وأنا أيضًا على إقراركم الخ) هذا بيان لمحصل المعنى لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه وهو الإقرار هنا فلا وجه لما قيل إنّ الصواب، وأنا معكم من الشاهدين وأق هذا تفسير لما في سورة اقترب ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٥٦] وتفسر الفاسقين بالمتمردين لأنّ أصل معنى الفسق الخروج وهو قريب من التمرد. قوله: (عطف على الجملة المتقدّمة الخ) المراد بالجملة مجموع الشرط والجزاء، وقي! قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن هشام: الأوّل هو مذهب سيبويه ﵀ وهو الأصح وحذف الجملة لا داعي إليه والهمزة مقدمة من تأخير للدلالة على أصالتها في الصدارة. قوله: (وتقديم المفعول لأنه المقصود الخ) أي لا للحصر كما توهم لأنّ المنكر اتخاذ غير الله ربا ولو معه، ودعوى إنه إشارة إلى أن دين الله لا يجامع دين غيره في الطلب تكلف فالمقام يقتضي إنكار اتخاذ المعبود من دون الله ليكون الدين كله لله بدليل قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فوجب لذلك التقديم، وما قيل عليه إنّ الإنكار لا يتوجه إلى الذوات وإنما يتوجه إلى الأفعال وهو الابتغاء هنا وإنما قدم للفاصلة ليس بشيء وقوله: على تقدير، وقل لهم أي قل لهم أتتولون أو أتفسقون وتكفرون فتبغون غير دين الله ومن جعله التفاتا لم يقدره، وقوله: لأنه المقصود الخ لا ينافي التقدير لا! الإنكار منسحب عليه فتأمل. قوله:) طائعين بالنظر الخ (إشارة إلى أنه حال وقيل. إنه منصوب على المصدرية من غير لفظه لأن أسلم بمعنى انقاد وأطاع
[ ٣ / ٤١ ]
وفيه نظر لأنه ظاهر في طوعا لموافقة معناه ما قبله لا في كرها، والقول بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع، وقد
يدفع بأنّ الكره فيه انقياد أيضًا يقال طاع يطوع وأطاع يطيع بمعنى، وقيل؟ طاعه يطوعه انقاد له وأطاعه بمعنى مضى لأمره، وطاوعه بمعنى وافقه، وقرأ الأعمش كرها بالضم وجملة وله من في السموات جملة حالية أيضا أي كيف تبغون غير دينه والحالة هذه، وعلى هذا التفسير المراد بمن في السموات والأرض الناس فلا يرد عليه أنه لا وجه لحصر سبب الإسلام طوعا في النظر، واتباع الحجة لأنه يكون بسبب هدايته ومشاهداته عندهم كما في الملائكة أو المراد أولو العلم مطلقًا وليس المراد بالنظر الاستدلال بل العلم مطلقا فيشمل ما يحصل بالمشاهدة فتأمل. قوله: (كنتق الجبل) أي رفعه فوقهم من نتق الشيء جذبه ونزعه حتى يسترخي كنتق عري الحمل، ومنه استعير امرأة ناتق أي ولدها كثير، وزند ناتق أي وار. قوله: (أو مختاربن الخ) هذا تفسير آخر فالمراد بالطوع الاختيار وبالكره التسخير فهم مسخرون لحكم القضاء، وما أراد الله بهم فالكفرة مسخرون لإرادة كفرهم إذ لا يقع ما لا يريده، وهذا لا ينافي الجزء الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فلا يرد أنّ الكفرة لو لم يكونوا مختارين لم يتوجه تعذيبهم على الكفر، والمؤمنون والملائكة لا يفعلون أيضا إلا ما قضى عليهم فلا فرق وأنه ذهب إلى مذهب الجبرية، والحاصل أنّ الانقياد هنا إمّا لأمره وهو إمّا بالطوع مطلقا أو النظر والحجة بناء على الأغلب أو لإرادته وكونه على وفقها والمؤمن ينقاد لإرادة الله إيمانه باختياره لأنّ الله أمره به فاتبعه راشدًا مهديًا تابعًا للأرجح والكافر منقاد لإرادته كفره لما خلقه عليه من حيث جبلته الذي هو كالقاسر له على مخالفة الأمر واتباع المرجوح فتأمل. قوله: (وإليه ترجعون) جوز فيه أن يكون جملة مستأنفة للأخبار بما تضمنته من التهديد أو معطوفة على وله أسلم فهي حالية أيضًا وقرأ عاصم بياء الغيبة والضمير لمن أو لمن عاد عليه ضمير يبغون، فإن قرئ بالخطاب فهو التفات وقراءة الباقين بالخطاب، وهو عائد لمن عاد إليه ضمير يبغون فعلى الغيبة فيه التفات أيضًا. قوله: (أمر للرسول ﷺ الخ) يعني ضمير آمنا للرسول والأمة والقرآن نازل عليهم لا على الرسول فقط أو على الرسول كما هو الظاهر، وهو نازل عليه وحده ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحد منه مجازًا كما في بنو فلان قتلوا قتيلا لكون بين أظهرهم، ونفعه وأصل إليهم أو النون نون العظمة لا ضمير الجماعة. قوله: (والنزول كما يعدى بإلى الخ) فلا فرق بينهما إلا بالاعتبار وفرق الراغب ﵀ بأنّ ما كان واصلًا من الملأ الأعلى بلا واسطة
كان لفظ على المختص بالعلو أولى به وما لم يكن كذلك كان لفظ إلى المختص بالإيصال أولى به، وهذا كلام في الأولوية فلا يرد عليه قول الزمخشري إنه تعسف وقيل أنزل عليه يحمل على ما أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره، وأنزل إليه يحمل على ما خص به نفسه لأنه إليه انتهى الإنزال وعليه قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥١] ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [صورة النحل، الآية: ٤٤] وفيه نظر فالتحقيق عدم الفرق كما ذهب إليه العلامة وقوله: (وإنما قدم الخ) أي لما كان معرّفا له ومصدقًا لما فيه ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف قدم عليه أو لتعظيمه والاعتناء به، وقوله: (بالتصديق الخ) إشارة إلى جواز التفريق بغيره كالتفضيل، وقوله: منقادون الخ تفسير للإسلام المعدى باللام والأوّل مبني على إن نحن عبارة عما يعمّ المسلم والكافر، والثاني بناء على تخصيصه بالمسلمين. قوله:) الواقعين في الخسران الخ) إشارة إلى أنه نزل منزلة اللازم فترك مفعوله وقوله: بإبطال الفطرة أي الجبلة إشارة إلى أنّ الخسران وزوال الربح باعتبار ما جبل عليه فكأنه ضيع رأس ماله لأنّ كل مولود يولد على الفطرة فهو قريب من المكنية. قوله: (واستدل به الخ) قيل عليه إن الإسلام هو التوحيد والانقياد كما سبق، وهذا مشتمل على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيدًا بالاستسلام فينبغي أن يحمل عليه ودينا تمييز للإسلام ومبين له كما حمل عليه في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩] فلا حاجة إلى ما ذكره من الجواب فتأمل. توله: (استبعاد لأن يهديهم) أي يدلهم دلالة موصلة لا مطلق الدلالة ولذا فسره في الكشاف بيلطف بهم
[ ٣ / ٤٢ ]
والحائد بالحاء والدال المهملتين بمعنى المائل المعرض عنه والمقصرد من الإنكار التقريع والتوبيخ فلا يدل على عدم التوبة. قوله:) وشهدوا عطف على ما في للمانهم من معنى الفعل الأن إيمانهم بمعنى آمنوا، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ لا على التوهم كما ذكره المصنف ﵀ ثبعا للزمخشريّ كما
في قوله فأصدق وأكن بالجزم على توهم سقوط الفاء لأنها لو سقطت انجزم في جواب شرط، مفهوم مما قبله أي إن أخرتني كما سيأتي في سورة المنافقين لا لأن التوهم لا يليق به تعالى لأنه صار كالعلم على هذا النوع من العطف بل لأنه هو الموافق للواقع والتأويل، ويجوز أن يؤوّل الثاني بالاسم بأن يجعل شهدوا بمعنى الشهادة بتقدير أن كما قاله الراغب: وأما عطفه على كفروا وان كان هو الظاهر فلم يلتفتوا إليه لفساد المعنى إذ يكون صفة قوما ويكون هو المنصرف إليه الإنكار وهو غير صحيح فإن قلت العطف بالواو لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة بالكفر أو المتقدمة عليه قلت هذا هو معنى العطف على الإيمان والحالية وهي هنا أولى وأظهر فيقدر فيه قد، وقيل لأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله، وهو غير مسلم لأنه لا يلزم تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه، ولو قصد ذلك لآخر وقيل لأنهم ليسوا جامعين بين الكفر والشهادة وردّ بالمنع بل هم جامعون وان لم يكن ذلك معا ألا ترى أنه صح جعله حالًا وأما جعله معطوفًا عليه وإنه في المنافقين فخلاف المنقول والمعقول. قوله: (وهو على الوجهين دليل الخ (أي على العطف المذكور والحالية ووجه الدلالة ما يقتضيه الظاهر من تغاير المعطوف والمعطوف عليه، وعلى الثاني خلو ذكره عن الفائدة وفيه نظر ظاهر ولذا قيل يجوز أن يراد بالإيمان الإيمان بالله تعالى بقرينة ما بعده مع أنّ الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان المصطلح عند أهل الشرع، وليس هذا مما يقبل النزاع. قوله: (الذين ظلموا أنفسهم الخ (يعني المراد بالظلم الكفر، ويحتمل أن يراد مطلق الظلم فيدخل فيه الكفر دخولًا أوّليا واسم الإشارة المشار به للذوات مع الصفات المشعر بكونها علة للعن ينتفي بانتفائها وما ذكر من الأوصاف يقتضي بعدهم عن الرحمة والفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم، والناس حينئذ أمّا المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة أو المطلق لأن كل أحد يلعن من لم يتبع الحق وإن لم يكن غير متبع بناء على زعمه وضمير فيها لما ذكر، ولا يأباه قوله: ولا يخفف عنهم العذاب كما توهم، ومعنى لا ينظرون لا يمهلون أو لا ينظر إليهم ويعتذ بهم. قوله:) وأصلحوا ما
أفسدوا الخ) يعني أنه متعد مفعوله ما ذكر أو لازم بمعنى دخلوا في الصلاح، قيل وهو أبلغ قال النحرير: يعني أن مجرّد الندم على ما مضى من الرذة والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف فلا تدارك لما أخلوا به من الحقوق، وقيل عليه إن مجزد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم فالظاهر أنه ليس تقييدا بل بيانا لأن يصلح ما فسد، وليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها فالمآل واحد عند التحقيق. قوله: (قيل إنها نزلت في الحرث الخ) فأرسل إلى قومه أن يسألوا وفي نسخة إن اسألوا وجلاس كغراب بالضم واللام والسين المهملة صحابي، وفي شروح الكشاف إنه نقل تشديد لأمه أيضا وهو مخرج من النسائي عن ابن عباس ﵄ وريب المنون حوادث الدهر والموت وقوله: (بإظهاره (أي بإظهار الإيمان أو بإظهار إتباعه. قوله: الأنهم لا يتوبون الخ (لما كان هذا ينافي قبول توبته المقرر في الشرع وقوله: قبيلة إلا الذين تابوا أوله بأنه من قبيل:
ولا ترى الضب بها ينجحر
أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها أو هو من قبيل الكناية دون المجاز حيث
أريد باللازم معناه لينتقل منه إلى الملزوم، أو المراد لهم توبة غير مقبولة في الإشراف على الهلاك ومثلها عرف عدم قبوله وما مرّ خلافه، أو لكونها ليست مطابقة لما في قلوبهم بل نفاقا لما مرّ عنهم من قولهم ننافقه، وقوله: أشرفوا وفي نسخة أشفوا والأشفاء الإشراف، وحقيقته من أشفى صار ذا شفى لأن من كان على حالة ثم أشرف على ما ينافيها فقد بلغ شفى
[ ٣ / ٤٣ ]
الحالة الأولى أي حدها وطرفها وتعديته بعلى لما فيه من معنى الاطلاع، وقوله: فكنى الخ بيان للأوّل. قوله: (ولذلك لم تدخل الفاء فيه) في الكشاف فإن قلت: لم قيل في إحدى الآيتين لن
تقبل بغير فاء، وفي الأخرى فلن يقبل قلت قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء، وأنّ سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر وبترك الفاء أنّ الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب كما تقول الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سببًا في استحقاق الدرهم بخلاف قولك فله درهم انتهى، وحاصله ما ذكره المصنف ﵀ وهو أنّ الصلة في الأوّل الكفر، وازدياده وهو لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل على الموت عليه إذ لو وقعت لقبلت أو على عدم مصادفة زمانها أو عدم إخلاصه فلذلك أوّل كما مرّ بخلاف الموت على الكفر فإنه يترتب عليه ذلك، ولذلك لو قال من جاءني له درهم كان إقرارًا بخلاف ما لو قرنه بالفاء وهي مسألة معروفة، فمان قيل: أليس ترتب الحكم على الوصف دليلا على السببية قيل ليى هذا بلازم فإنّ التعبير بالموصول قد يكون لإغراض! كالإيماء إلى تحقق الخبر كما فصل في المعاني، وقوله الثابتون على الضلال أخذ الثبوت من التعبير بالاسمية ومنهم من فسره بالكاملين في الضلال، وبهما يتضح الحصر لأن الضلال يوجد في غيرهم أيضا وملء بالفتح مصدر ملأه ملأ وبالكسر مقدار يملأ به، وقراءة رفع ذهب إنا على البدلية منه أو عطف بيان وعبر عنه بالردّ الزمخشرفي، وهو معروف في التبعية عنده قيل ولا بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة بالنكرة، وجعله خبر مبتدأ محذوف إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة أو حالًا ولا يخلو عن ضعف يعني، وصف المعرفة بالجملة على حد قوله:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني
واذا جعلت حالًا بدون الواو ففيه أيضا ما مرّ. قوله: (محمول على المعنى كأنه قيل الخ (
لما كانت الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر يعطف عليه معنى والاستعمال فيه على أن يكون المذكور منبهًا به على المحذوف لكونه يعلمه بالطريق الأولى كما في أحسن إلى زيد ولو أساء، وهنا بحسب الظاهر ليست كذلك لأن هذه الحالة أجدر بقبول التفدية من سائر الحالات إذ ليس الفدية وراءها حالة أخرى أولى منها بالقبول وحاصله أنّ الواو الوصلية تقتضي كون نقيضى الشرط أولى بالجزاء، أجيب عنه بوجوه الأوّل أنّ عدم قبول ملء الأرض كناية عن عدم قبول فدية ما لأنه غاية الفدية فجعل عبارة عن جميعها فلا يرد عليه ما قيل إنه لا دلالة للكلام
عليه، وضمير به لحقيقة ملء الأرض فيصير المعنى لا يقبل منه فد. ية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، والثاني أنّ المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرّح به في تلك الآية فالمعنى لا يقبل ملء الأرض! فدية ولو زيد عليه مثله، قيل: والمراد أنّ الباء بمعنى مع ومثل يقدر بعده أي مع مثله ولا يخفى بعده، وبهذا التقرير علمت أنه لا وجه لما قاله أبو حيان ومن تبعه من أنه لا حاجة إلى تقدير مثل وأنّ الزمخشريّ تخيل أن ما نفى أن يقبل لا يمكن أن! ط ي ب فاحتاج إلى إضمار مثل حتى يتغايرا وليس كذلك، والثالث أن لا يحمل ملء الأرض أوّلًا على الافتداء بل على التصدق ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأك! د الحكم السابق بل يكون شرطا محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذصبا تصدق به ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه وضمير به للمال من غير اعتبار وصف التصدق، وقيل: إنّ المراد من افتدى به بذله أي لو أقرّ به ولو بذله وإذا لم ينفع البذل علم عدم نفع كيره بالأولى وتبل إنّ الواو زائدة كما قرئ به في الشواذ، ولو قيل: إنّ لو ليست وصلية بل للشرط وجوابه فوله: أولئك الخ أو هو ساد مسد الجواب لكان قريبًا قيل وقوله: والمثل يحذف ويراد ا! خ يراد من الإرادة أي أنه لكون مثل الشيء وهو في حكم شيء واحد صح حذفه واقامته مقامه وحمله عليه، وأما جعله مقحما على أنّ يزاد من الزيادة فبعيد وكون من المزيدة النفي ل! لاستغراق سواء دخلت على مفرد نحو ما جاءني من أحد أو جمع كما هنا مقرر في العربية فلا وجه للاعتراض على المصنف بأنه مخصوص بالمفرد كما قيل. قوله: (أي لن تبلنوا حق! قة البرّ الخ) البرّ بكسر الباء الإحسان وكمال الخبر وبالفتح صفة منه، وتبلغوا تفسير لتنالوا وحقيقة البر إشارة إلى أنّ التعريف
[ ٣ / ٤٤ ]
للجنس فيكون التركيب كناية عن كون فاعله بارًا، ولذا فسره الزمخشرفي بلن تكونوا أبرارا فنيله البر يدل على البلوغ إليه والبلوغ إليه يدل على كونه بارًا كقول الخنساء:
وما بلغت كف امرئ متناولًا من المجد إلا والذي نال أطول
أي أنه ماجد فاق كل ماجد أو تعريفه للعهد والمراد بر الله لهم كالرحمة ونحوها، وهو تفسير ابن عباس ﵄. قوله:) أي من المال الخ) قدّمه لأنه الظاهر من الإنفاق وعلى الثاني يتجوّز فيه، وقوله:) روي الخ) رواه الشيخان والنسائيّ وبيرحا روى بكسر الباء وفتحها وفتح الراء وضمها والمد والقصر، وهو اسم بستان وحديمته بالمدينة المنوّرة وكانوا
يسمون الحدائق آبارًا، وفي الفائق إنها فيعلى من البراج وهو الأرض الظاهرة، وقيل أضيفت إلى حا وهو قبيلة من مذحج أو اسم رجل، واعلم أنّ لبعض علماء اليمن في هذه اللفظة رسالة مستقلة حاصلها أنهما اسمان جعلا اسما واحدًا مبنيا مفتوج الراء فيه همزة بعد حاء وهو اسم مكان، وروي بكسر الباء وفتحها، وقال المنذري: إنه اسم موضع بقرب المسجد، وقيل حا اسم ينسب إليه البير وروي مثلث الراء معربا، والأقرب أنه كحضرموت فيضات ويعرب بالوجوه الثلاثة أو يبنى ويجوز صرفه وعدمه ومده وهمزه، وحا اسم حيّ أو رجل، وقيل اسم صوت تزجر به الإبل إلى آخر ما فصله وقوله: بخ بخ كلمة استحسان ومدح وكررت للتأكيد وهما مسكنان ومكسوران منونان مع التخفيف والتشديد، ويقال: عند الرضا والإعجاب والفخر وقوله: ذلك مال رائح من الرواج مقابل الغدو ويشهد له قولهم، والمال غاد ورائح وهو حث على الإنفاق وفعل الخير إذ لكل ممسك تلف وقيل معناه تروح إليه وتغدو لقربه من البلد، وروي رابح بال! اء الموحدة أي إنفاقه ربح له لبقاء ثوابه وتضاعفه عند الله وقوله: رائح أو رابح إشارة! إلى الوجهين وأو للشك من الراوي ومن جوّز فيه أن يكون بالجيم من الرواج فقد خالف الرواية وقوله: (وجاء زيد الخ) رواه ابن المنذر وابن جرير مرسلًا، وقوله: وذلك أي الحديث وأقرب الأقارب الولد لأن أسامة بن زيد ودلالة الحديث على المستحب ظاهرة فيعلم منه الواجب بالضرورة، وقوله: ويحتمل التبيين والتقدير حينئذ شيئًا مما تحبون، وذلك الشيء بعض ما تحبون فلا يخالف تلك القراءة معنى فلا يرد ما قيل إنّ من البيانية ظرف مستقز صفة نكرة أو حال عن معرفة، ولا يظهر هنا إلا بحذف مفعول تنفقوا على أحد الوجهين وهو تكلف ظاهر. قوله:) من أيّ شيء (التعميم مستفاد من النكرة بعد الشرط ولذا بين اسم الشرط ولم يطلق لئلا يصرف إلى ما يحبونه وقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيه إشارة إلى الحث على إخفاء
الصدقة. قوله: (أي المطعومات والمراد كلها) جعله بمعنى الجمع لأنّ كل المضافة للمفرد المعرفة لعموم الأجزاء وهو أيضا مصدر منعوت به معنى فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره، كما في قوله: حلا وإنما ذكره ثمة لأنه وقع موصوفا به صريحا لكونه خبرا ومنه يعلم حال هذا، والاستواء المذكور هو الأصل المطرد فلا ينافيه قول الرضى: إنه يقال رجل عدل ورجلان عدلان رعاية لجانب المعنى، وقيل: إنه إذا جعل الطعام بمعنى المطعومات أفاد الاستغراق كما هو شأن الجمع المعرّف باللام فكل للتأكيد وإنما قال أكلها لفهمه من الطعام بمعنى المطعوم ولئلا يتوهم أن المراد إنفاقه بقرينة ما قبله، ومناسته لما قبله لأنّ الأكل إنفاق مما يحب لكنه على نفسه. قوله: (كان به عرق النسا الخ) هذا حديث أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عباس ﵄ (بسند صحيح، والئسا يوزن العصا عرق في باطن الفخذ إلى القدم مقصور واويّ أو يائي وأنكر قوم من أهل اللغة إضافة العرق إليه وجوّزه آخرون لأنه من إضافة العام إلى الخاص مع اختلاف لفظيهما، وقيل النسا الفخذ وأنشدوا:
لما رأيت ملوك كندة أصبحت كالرجل خان الرجل عرق نسائها
وروي في الحديث أنّ يعقوب ﵊ كان به عرق النسا وجمعه أنساء ثم
أنه صار في العرف عبارة عن وجع يمتد من الورك من خلف وينزل إلى الركبة، وربما بلغ إلى الكعب وهو المراد هنا فهو اسم مرض! معروف، وذلك إشارة إلى ما ذكر من لحوم الإبل وألبانها، وقوله: وقيل فعل ذلك للتداوي
[ ٣ / ٤٥ ]
بإشارة الأطباء أي رأيهم والمراد بالتحريم الامتناع. قوله: (واحتج به الخ) هذه مسألة معروفة في الأصول وقوله: (وللمانع الخ الا يخفى أنه مخالف لظاهر لفظ النظم. قوله: (مشتملة على تحريم الخ) إشارة إلى أنه متعلق بحرم وفائدته بيان أنه مقدم عليها وأنّ التوراة مشتملة على محرّمات أخر حدثت عليهم حرجا وتضييقا فلا يرد ما قيل إنه لا تظهر فائدة في التقييد فإنّ تحريم إسرائيل لا يتصوّر بعد نزول التوراة وإنه قيد للحل فحيسئذ يلزم قصر الصفة قبل تمامها إلا أن يقال هو متعلق بمحذوف. قوله: (نعى عليهم الخ) أصل النعي رفع الصوت بذكر الموت ونعى عليه هفواته شهره بها.
قال الأزهريّ: فلان ينعي على نفسه بالفواحش أي يشهرها بتعاطيها ونعى فلان على
فلان أمرًا إذا أظهره.
وقال ابن الأعرابي: الناعي المشنع يقال نعى عليه أمره إذا قبحه وهو المراد هنا وفيه نكتة
بليغة، وهو الإشارة إلى أنهم أهلكوا أنفسهم بما فعلوا، وقوله: وفي منع النسخ معطوف على قوله في دعوى البراءة، ووجه ظاهر إذ تحريم ما كان حلالًا لا يكون إلا بالنسخ والطعن معطوف على النسخ وقوله بهتوا مجهول أي سكنوا ولم يجسروا أو يجترؤوا من الجراءة أو الجسارة، ووجه الدليل علمه ﷺ بما في التوراة وهو لم يقرأها ومثله لا يكون إلا بوحي. قوله: (ابتدعه) أي اخترع الكذب والافترأء المذكور، فمن عبارة عنهم، وبحتمل التعميم فيدخلون فيه دخولًا أوليًا وقوله: صدق الله بعد تكذيبهم تأكيد له ويفهم منه الحصر الإضافي لأنه لما قال صدق الله بعد تكذيبهم صار المعنى صدق الله لا أنتم. قوله:) أي ملة الإسلام الخ) أي هي في الأصل موافقة لملة إبراهيم ﵊ ومشابهة لها فعبر عن الإسلام بملة إبراهيم لذلك فلا يلزم كون نبينا ﷺ عاملا بشريعته كأنبياء بني إسرائيل وقوله:) واجب في التوحيد الصرف) الذي لا يشوبه ما ينافيه كما فعل اليهود والاستقامة في الدين مأخوذة من قوله: حنيفًا لأنّ الحنف كما قال الراغب: الميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف بالجيم
الميل عن الاستقامة، والتجنب عن الإفراط أي المبالغة في الإيجاد والتفريط أي الإهمال تفسير للاستقامة وهو ظاهر ومن لم يفهمه قال دلالته: على التجنب المذكور غير ظاهرة إلا أن يقال الشرك إفراط أو الأمر باتباع إبراهيم ﵊ وتخصيصه بالذكر دون سائر الأديان يدلّ على ما ذكر، وهو خبط وخلط بما لا يفيد. قوله: (وضع للعبادة) فمعنى وضعه للناس لعبادتهم وليس المراد أن يعبد البيت نفسه بل أن يجعل موضعا لعبادة الله فلذا فسره بقوله: وجعل متعبدًا لهم وقوله:) ويدل عليه أنه قرئ الخ) لأنّ الظاهر أن الضمير راجع إلى الله إن لم نعتبر الذكر السابق في قوله صدق الله لكون الآية مستأنفة، والا فهو المتبادر أيضًا فلا يرد عليه أنه يحتمل رجوعه لإبراهيم ﵊ فلا دلالة للقراءة عليه فتأمّل، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة. قوله: (كالنبيط والنميط) الميم والباء تعقب إحداهما الأخرى كثيرًا في كلام العرب والنبيط والنميط مصغرًا علم موضع بالدهناء، وهما بمعنى أو متغايران كما أشار إليه بقوله: وقيل الخ، وبكة من إليك بمعتى الازدحام لازدحام الحجيج قيها أو بمعنى الدق لدق أعناق الجبابرة أي إهلاكهم إذا أرادوها بسوء واذلالهم فيها، ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم الله من تخليته لفعلوا. قوله: (روي أئه محثنبرو سئل الخ) أخرجه الشيخان عن أبي ذرّ ﵁ وهو حديث صحيح إلا أن فيه إشكالًا أجاب عنه الطحاوفي في الآثار قال فيه فإن قلت لا شك أنّ باني المسجد الحرام إبراهيم ﵊ وباني الأقصى داود وابنه سليمان بعده وبينهما مدة طويلة تزيد على الأربعين بأمثالها، قلت الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة ما بين بناءيهما فيحتمل أن يكون واضعالأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ثم بنياه بعد ذلك ولا بد من تأويله بهذا انتهى، وجرهم بضم الجيم وسكون الراء والهاء المضمومة حيّ من اليمن كانوا أصهار إسماعيل، والعمالقة قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵊ وهم قوم تفرّقوا في البلاد، والضراح بوزن غراب بضاد معجمة وراء وحاء مهملتين قال الطيبي ﵀: من رواه بصاد مهملة
[ ٣ / ٤٦ ]
فقد صحفه وهو من المضارحة وهي المقابلة أو البعد، وكونه في
السماء الرابعة أورد عليه الطيبي أن الصحيح المروي في البخاري أنه في السابقة. قوله:) وقيل هو أوّل بيت بناه آدم فانطمس الخ) رواه الأزرقي في " تاريخ مكة " وقيل: إنه نزل مع آدم ﵊ من الجنة ثم رفع بعد موته إلى السماء وبنى شيث مكانه بيتًا من طين أو نزل قبله أو بناه آدم ﵊ كما ذكره المصنف ﵀ من طين على نحو ما رأى في السماء، وقوله: وهو لا يلائم ظاهر الآية لأنه لا يكون أوّل بيت لسبق الضراح عليه أن اعتبر تغايرهما والا لكونهما تعبدًا في مكان واحد فلأنه لم يكن موضوعًا للناس فقط لطواف الملائكة به، وإنما قال: ظاهر الآية لأنه لا يخالفها عند التأمّل بالنظر الدقيق، ومن جعل الأوّلية أولية شرف لا يرد عليه شيء إلا أنه خلاف المتبادر، وقوله: كثير الخير أي البركة والزيادة وهي في خيراته ومنافعه لا في بنائه وهو حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة، وقوله: لأنه قبلتهم فهو هاد للجهة التي أرادها الله أو هاد لهم بما فيه من الآيات التي ستأتي وقوله: لأنه قبلتهم إن أراد به وضع لأن يكون قبلة فالعالمين على عمومه، وان أراد يستقبلونه فالمراد بالعالمين المسلمون وما بعده عام للجميع. قوله: (﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ الخ (انحراف الطير باق إلى الآن ولا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء كما صرحوا به وفيه كلام للمحدّثين لأن الجاحظ قال إنها تعلو للاستشفاء، واعترض! عليه ابن عطية بأنه بائن خلافه وعلته العقاب لأخذ الحية، وقيل: إنّ الطيور المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه وبه يجمع بين الكلامين فتدبر وفي شرح الكشاف إنّ منها أن أي ركن من أركان البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما يليه من البلاد، وقوله: قهره أي قهره الله، وقيل قهره البيت على الإسناد المجازي وجعله الجملة حالًا بدون الواو مرّ تفصيله وقدر خبر مقام إبراهيم منها، وقدره غيره أحدها. قوله:) وقيل عطف بيان الخ (قيل عليه إنّ آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف بينهما
بإجماع البصريين والكوفيين حتى قال ابن هشام ﵀ في المغني وغيره إنه أراد بعطف البيان البدل تسامحا كما أنّ سيبويه قد يسمى التوكيد وعطف البيان صفة، وهذا التأويل يتأتى في عبارة الزمخشريّ دون كلام المصنف ﵀، وقوله على أنّ المراد الخ جواب عن أن المبين جمع والمبين مفرد فقوله: المراد بالآيات يعني التي دل عليها المقام فهو وان كان مفردا لكنه جمع في المعنى لاشتماله على آيات كثيرة والا لأنه أفعال من اللين، والصخار جمع صخرة وقوله: (ويؤيده) أي يؤيد هذا القول مطابقتهما في هذه القراءة فعبر عن الآيات بالآية وقوله: (وسبب هذا الأثر الخ) كذا وقع في الأثر مرويا عن سعيد بن جبير ﵁. توله: أجملة ابتدائية) المراد بالابتدائية المركبة من المبتدأ والخبر على أنها ليست بشرطية، وتوله: لأنه في معنى الخ إشارة إلى الوجهين السابقين في إعراب مقام إبراهيم وتوله:) اقتصر الخ (من تتمة الوجه الثاني وهو جعله بيانا كما في الكشاف إما لأن الاثنين جمع أو أنه ذكر من الجمع المبين بعض إفراده وترك الآخر لنكتة، ومثله واقع في الأحاديث النبوية والأشعار العربية وفي الكشاف ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما ونحوه في طيّ الذكر قول جرير:
كانت حنيفة أثلاثافثلثهم من العبيدوثلث من مواليها
ومنه قوله لمج! رو: " حبب إلتي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرّة عيني ني الصلاة " انتهى، وفصل البيت بقوله: ونحوه لأنه مثله في طيّ لذكر وان لم يكن لغرض الاشتهار وقصد الكثرة كما في الآية بل القصد السكوت عما ليس بذم وهو الثلث الصميم ولأنه هو الأصل المعلوم فلا حاجة لذكره، وأمّا الحديث فقوله " وقرّة عيني " كلام مبتدأ قصد به الإعراض عن ذكر الدنيا وما يحبب منها وليست عطفا على الطيب والنساء لأنها ليست من الدنيا وهذا بناء على ذكر " ثلاث " فيه، وقد تال الطيبي: وغيره
[ ٣ / ٤٧ ]
أنه لي! في كتب الحديث، فلا شاهد فيه على
هذه الرواية لكن إثباتها كما وقع للزمخشريّ وقع للراغب أيضًا، وحسن الظن بهم يقتضي أنهم ظفروا به في رواية، وليس هذا محلًا للرّواية بالمعنى ولا للسهو ولا مانع من جعل الصلاة الواقعة في الدنيا منها لأنه ليس المراد بها ما يكون صرف أمور دنيوية بل ما يقع فيها وإن كان له تعلق بالآخرة وتغيير التعبير إشارة إلى مغايرته لما قبله وفي قوله ثلاث تغليب للمؤنث على المذكر والا لقال ثلاثة، وقوله: " حبب " مجهول أي حببه الله، وقوله: " دنياكم " إشارة إلى أنه لا علاقة له بالدنيا وأن تحبيبها من الله، ولذا أبيح له الزيادة على الأربع لفوائد جمة كمعاملتهن باللطف تشريعًا وكأطلاعهن على أموره الخفية حتى يتعلمها منهن النساء، وليس محبتهن لمجرد الوطء والتلذذ معاذ الله حتى أن بعض القصاص قال: ما سلم أحد من هوى حتى محمد ﷺ وذكر الحديث لجهله فأنكره عليه بعض العارفين وكفره، ووقع في هئم لذلك فرأى النبيّ ﷺ في المنام يقول له لا تهتم فقد قتلناه فخرج عليه بعض قطاع الطريق وقتله عقيب ذلك، وقدم الطيب لأنه حظ الروح المقدم على البدن، وفي قوله: ومن دخله تغليب للعقلاء لأنه يأمن فيه الوحوش والطيور بل النبات، وإنما يلزم الحذف في الحديث لو لم يكن من بدل البعض من الكل وعلى ما ذكروه فيه حذف بعض البدل أو البيان وفسر الأمن بالأمن من عذاب الآخرة، وأشار بما نقل عن أبي حنيفة إلى جواز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة وقوله: (بقاء الأثر والآمن) بالجرّ بدل من ضمير غيرهما. قوله: (من مات في أحد الحرمين الخ) أخرجه أبو داود والطيالسيّ والبيهقيّ والطبراني، بأسانيد مختلفة وقوله: ولكن ألجئ إلى الخروج أي بمنع إطعامه ومبايعته والمسألة وخلاف الثافعي فيها في الفروع قال الجصاص لما كانت الآيات المذكورة في الحرم ثم قال: ومن دخله كان آمنًا وجب أن يكون مراده جميع الحرم. قوله: (قصده للزيارة (يعني أنّ الحج في اللغة مطلق القصد والمراد به هنا قصد مخصوص غلب فيه حتى صار حقيقة فيه شرعًا وحج بالكسر كعلم لغة فيه. قوله:) بدل من
الناس مخصص له) يعني من بدل من الناس العامّ بدل بعض من كل مخصص له لأنه المقصود بالنسبة، واحتمال أن يراد بالناس من استطاع وهذا مبين له فهو بدل كل من كل خلاف الظاهر. قوله: (الاستطاعة الخ (أصل معنى الاستطاعة استدعاء طواعية الفعل وتأتيه، والمراد بالاستدعاء الإرادة وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقا أو بسهولة فهي أخص منها، وهو المراد هنا والقدرة إمّا بالبدن أو بالمال أو بهما وفسر النبئ ﷺ الاستطاعة وقد سئل عنها كما رواه ابن ماجه وغيره بسند حسن بالزاد والراحلة وهو بحسب الظاهر مع الشافعي ﵁ حيث قصر الاستطاعة على المالية دون البدنية وهو مخالف لمالك ﵀ مخالفة ظاهرة، وأما أبو حنيفة ﵀ فيؤوّل ما وقع في الحديث بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة بدليل أنه لو فقد أمن الطريق أو لم تجد المرأة محرمًا لم يجب، وقوله: وكل مأتي أي ما يتأتى به الوصول من الطريق وما يلزم اسم مكان تجوّز به، وقيل: إنه آلة. قوله: (وضع كفر الخ) يعني أن المراد بمن كفر من لم يحج، وتاركه ليس بكافر إلا إذا استحله فأشار إلى أنه للتغليظ على تاركه كما وقع في الحديث فليس المقصود ظاهره، وقوله: ولذلك أي للتغليظ. قوله: (من مات ولم يحج الحديث) قال ابن الجوزي: هو موضوع وردّه في اللآلي بأنه أخرجه الترمذيّ وضعفه من حديث عليّ ﵁ ولفظه من ملك زادا وراحلة تبغله إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وأخرجه الدارمي في مسنده من حديث أبي أمامة ﵁:
" من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا " وتعدد طرقه إن لم يحسنه خفف ضعفه، وموافقة معناه للآية تقوّيه أيضًا. قوله: (وقد كد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الخ) أي شأنه وما يتعلق بإبرازه في صورة الخبر قد تقدم وجه أبلغيته والاسمية تفيد الثبات والدوام وكونه حقًا واجبا يفهم من اللام ومن على والتعميم من الناس والتخصيص من قوله: من استطاع الداخل فيهم، وقوله: من حيث إنه فعل الكفرة إشارة إلى أنه مجاز للمشابهة في تركه، والعدول عن المضمر للمظهر
[ ٣ / ٤٨ ]
تأكيد للأمر سيما بلفظ العالمين المشعر بأنه غيئ عن العالمين فضلا عمن كفر، وان دخلوا فيهم دخولًا أوّليا وذكر الاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط بل عن كماله، وقوله: كإيضاح في الكشاف إنه إيضاح والمصنف زاد الكاف لأنه لم يتحد معناهما حتى يوضحح أحدهما الآخر لكنه تخصيص والتخصيص شبه الإيضاح فمن قال لو حذف الكاف لكان أولى لم يتنبه لقصده، وقوله: بالبرهان لأنّ من استغنى عن جميع العالمين فهو غنيّ عمن لم يحج، وعظم السخط من التعميم كما مرّ، وقوله: لأنه تكليف شاق علة للتأكيد لأنه لما كان كذلك اقتضى الاهتمام به أو لأنه ربما ترك لمشقته فأكد تنبيهًا على أنه لا ينبغي أن يترك والتجرد عن الشهوات كاللباس والطيب والجماع. قوله:) روي الخ) إشارة إلى وجه يبقى فيه من كفر على ظاهره والملل
الست ما ذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهو يقتضي أنه يطلق على الشرك ملة وقد تردّد فيه النحرير، وقال في الكشف: إنه من النحل لا الملل فإن قيل بعدمه فهو تغليب، وهذا الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير عن الضحاك وفيه أنّ تلك الملل كانت موجودة في جزيرة العرب فلينظر.
(تنبيه مهم): اعلم أنّ في إعراب الآية وجوها نقلها الزركشيّ في تذكرته عن شيخه ابن هشام لأنّ الظرفين أعني لله وعلى الناس إمّا خبران أو الأول خبر والثاني حال أو العكس، أو الأوّل خبر والثاني متعلق به أو العكس، وفي تقديم الحال في مثله خلاف نقله ثم إنّ السبكي في كتاب الانتصار قال: إنّ هنا فرض عين على المستطيع الذي لم يحج وفرض كفاية وهو ما يجب على كل مستطيع من إحياء شعائر الحج في كل سنة حج أو لم يحج وعلى الأوّل من بدل من الناس وهو مذهب سيبويه، وعلى الثاني هو فاعل المصدر أي حج البيت من والتقدير لئه على الناس مطلقا حج المستطيع منهم فمن حبئ أدّى الفرضين بالثوابين، وفيه بحث من وجهين:
الأول: أن رفع المصدر المضاف للمفعول فاعلًا ضرورة.
الثاني: أنّ إحياء البيت يحصل بالعمرة، ورذ بأنه ليس بضرورة والمراد بالحج معناه اللغوي وفيه نظر. توله: (أي بآياته السمعية والعقلية الخ) حمل الآيات على مطلق الدلائل اأررالة على نبوّة محمد مجشح! وصدق مذعاه الذي من جملته الحج وأمره، وبه تظهر المناسبة تما لله وكون كفرهم أقبح! قراءتهم الكتب المصدقة بخلاف المشركين وكفرهم بالتورأة والإشجيل أورخولهما في آيات الله الشاملة لجميع السمعيات والعقليات، وقياى: إنه مبني على أن يراد لآيات الله الكتابان وليس في الكلام ما يدل عليه. قوله: (والحالى أنه شهيد الخ) إشارة إلى أنّ ال! خلة حالية وأنّ الشهيد بمعنى اأ! البم ااصمطلع وأما جعله بمعنى الشاهد فتكلف من غير*! فه ٠ ة وأ،:) كرر الخطاب والاستفهام الخأ الخطاب الم! ش ر في اأسنداء وء! المحتبعه رالاستف! اا في قوأط
لم، وكان الظاهر لم تكفرون بآيات الله وتصذون عن سبيل الله مبالغة في التفريع والتوبيخ لهم على قبائحهم وتفصيلها، ولو قيل: كما ذكر لربما توهم أنّ التوبيخ على مجموع الأمرين والتحريش التحريك بما يوقع بينهم الفتن وضمير عنه للإسلام. قوله: (حال من الواو الخ) أي جملة تبغونها حال من فاعل تصدون، وجوّز فيها الاستئناف، وقوله: طالبين لها اعوجاجا إشارة إلى أنّ عوجًا مفعول وضميرها من ايحذف والإيصال لأنّ بغي يتعدّى لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر باللام كما صرّح به أهل اللغة، وقيل: لا حاجة إليه بل هنا مفعول وعوجا حال، ورذ بأنه لا يستقيم المعنى عليه وليس كذلك وقيل: عوجا حال من فاعل تبغون، وضمير تبغونها للسبيل لأنها تذكر وتؤنث والمراد بها ملة الإسلام ومعنى ادّعاء العوج فيها أنها مائلة عن الحق لأنّ ديننا لم ينسخ، أو أنّ النبيّ ﷺ المذكور في كتابهم ليس هو هذا، فلا يصح هذ وقوله: (أو بأن تحرشوا) الخ مبنيّ على التفسير الثاني الذي قدمه وقوله: وأنتم شهداء جمع شهيد بمعنى عالم مشاهد أو شاهد والجملة حالية أي كيف تفعلون هذا وأنتم علماء أو وأنتم عدول وصفتكم هذه تقتضي خلاف ما أنتم عليه والفرق بين العوج والعوج سيأتي. قوله: (ولما كان المنكر الخ) يعني أنّ الشهادة تكون لما يظهر ويعلم، فلما كان كفرهم ظاهرا ناسب ذكر الشهادة معه لأنها علم ما شاهد أو ما هو بمنزلته، وصدّهم عن سبيل الله وما معه لما كان بالمكر والحيلة الخفية التي تروج على
[ ٣ / ٤٩ ]
الغافل ناسب ذكر الغفلة معه فكان مقتضى حالهم إن الله العالم بالخفيات والسرائر غافل عما يعملون وهذا لا ينافي قوله: فيما سبق لا ينفعكم التحريف والاستسرار أي الإخفاء لأنّ المراد منه إخفاء الحق لعلمهم بخلافه لا الكفر فلا يرد عليه كما لا يرد أن علم الله لا يقتضي الجهر كما قيل. قوله: (نزلت في نفر من الأوس والخزرج الخ) الأوممى! والخزرج جدا الأنصار وكانا أخوين كما سيأتي، وشاس بمعجمة في أوّله ومهملة في آخره علم ويوم بعاث حرب كان بينهم وبعاث بضم الباء الموحدة وفتح العين المهملة وألف وثاء مثلثة يصرف، ولا يصرف اسم حصن أو بستان كما سيأتي وقعت الحرب عنده ورواه أبو
عبيد بغاث بافين المعجمة، وقال ابن الأثير: أعجمها الخليل أيضا لكن جزم أبو موسى في ذيل الغريب وتجعه صاحب النهاية بأنه تصحيف وإنما البغاث ضعاف الطير كما في المثل، إنّ البغاث بأرضحنا يستنسر وخبر. كما في كامل ابن الأثير أنّ قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على ا! وازرة والتناصر واستحكم أمرهم فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت واحتشدت وارسلت لحلفمائها من أشجع وجهينة وأرسلت الأوس لحلفائها من مزينة والتقوا ببعاث هي من اموال بني قريظة وعلى الأوس حضير والد أسيد الصحابيّ ﵁ وعلى الخزرج عمرو ابن النعمان! االتقوا اقتتلوا قتالًا شديدا وصبروا جميعا، ثم إنّ الأوس وجدت مس السلاح فولوا منهزميز فلما رأى حضير ذلك نزل وطعن قدمه وصاح واعقراه والله لا أعود حتى أقتل فإن شئتم يا ص! ضر الأوس أن تسلموني فافعلوا فعطفوا عليه، وأصاب عمرو بن النعمان البياضي رنيس الخزرج سهم فقتله وانهزمت الخزرج فوضمعت فيهم الأوس السلاح فصاح صائح يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب فانتهوا عنهم، وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج في الجاهلية، ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمس اعلى نصر الإسلام وأهله، وقيل: في ذلك أشدا! وهي التي أشار إليها بقوله:) وينشدهم الخ) وقوله: (السلاح السلاح) بالنصب على الإغراء أي خذوا السلاح. قوله:) أتدعون الجاصلية) كذا في الكشاف وهو بالتخفيف لا بالتشديد من الدعوى كما توهم أي لدعون دعوى الجاهلية وهي قولهم يا لكذا يا لثارات كذا وليس هذا اللفظ تحريفا كما قيل إنّ الواتع في الحط يث: " أتديمون الجاهلية " فحرّفه الزمخشريّ وتبعه المصنف فهو إمّا رواية أخرى أو نقل بالمعنى ومثله سهل، وقوله: خاطبهم الله بنفسه فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول ﷺ بوفدير قل لهم. قوله: (إنكار ونعجيب لكفرهم الخ) تقدّم الكلام في مثله من الجمع بين الانكار والتعجيب ومعنى الإنكار هنا أنه كيف يقع أو المراد بكفرهم فعل أفعال
الكفرة كدعوى الجاهلية والأوّل أولى وهو تأييس لليهود مما راموه، وحال منوّنة وجملة اجتمع صفة والعائد مقرّر. قوله:) ومن يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في مجامع أموره (أي إئا أن يقدر مضاف ويعتصم بمعنى يتمسك استعارة تبعية كما سيأتي أو لا يقدر، ويجعل الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إليه قيل وعلى الأوّل ومن يعتصم الخ معطوف على وأنتم تتلى أي كيف تكفرون والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بأن المتمسك بدين الله على هدى لا يضل متبعه، وعلى الثاني تذييل لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا﴾ الآية لأن مضمونه إنكم إن تطيعوهم لخوف شرورهم ومكايدهم فلا تخافوهم والتجؤوا إلى الله في دفع ذلك لأن من التجأ إليه كفاه فعلى الأوّل ومن يعتصم لإنكار الكفر مع هذا الصارف القويّ وعلى الثاني للحث على الالتجاء، ويحتمل على الأوّل التذييل وعلى الثاني الحال أيضا وفيه أنّ هذا التعيين لا داعي إليه ولا قرينة عليه. قوله: (فقد اهتدى لا محالة) أي فقد تحقق له حصول الهدي وهذا مستفاد من جعل الجزاء فعلًا ماضيا مع قد فإنه لا ينقلب إلى المستقبل مثل أن تكرمني فقد كرمتك. قوله: (حق تقواه وما يجب منها) يعني أن التقاة بمعنى التقوى وحق من حق بمعنى وجب وثبت ومنها بيان لما، واستفراغ الوسع بمعنى بدل الطاقة والمقدر واستعارة من استفرغت الماء والبئر نزحتهما فإذا كان حق التقاة هذا المعنى فهو بمعنى الاستطاعة فلا تكون تلك الآية ناسخة لها، وقال الزجاج ﵀ هذه الآية منسوخة بقوله:
[ ٣ / ٥٠ ]
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٣] قال الكواشي: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوي لهذا فنزل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والمصنف ﵀ رأى أن الثانية مبينة للأولى إذ لا مخالفة بينهما فلا تكون ناسخة، ومن قال به جنح إلى أن المراد من حق تقاته ما يحق له ويليق وتقوي الله حق تقواه أي كما هو حقه غير ممكنة فتكون الآية الأخرى ناسخة لها فإن صح الحديث السابق وتعين أن المراد ما ذكر فلا كلام وان فسرت بما يجب مما أوجبه الله علينا وهو لا يكلفنا بما لا يطاق لا تكون منسوخة، وقوله: وعن ابن مسعود ﵁ هكذا هو مروقي في التفاسير وكتب الحديث وصححه أبو نعيم في الحلية ووقع في نسخة بل ابن مسعود ابن عباس ﵄ وهو مخالف للمنقول، والمراد بالالتفات إلى الطاعة الاغترار بها ووجه التأكيد ظاهر. قوله: (وأصل تقاة وقبة الخ (أي هو مصدر على فعلة كتؤدة بمعنى التثبت من اتأد في مشيه وأمره والتخمة امتلاء المعدة قيل ولا
حاجة إلى جعل قلب الواو تاء لضمها لأنها قلبت في اتقى يتقي ولا ضمة ولتوهم أصالتها لكثرة استعمالها ثبتت هنا. قوله: (ولا تكونن على حال الخ) يعني أن المقصود بالمنهي عنه عدم الإسلام وهو الكفر عند الموت والإسلام حال الموت يقتضي وجوده قبله فالمعنى استمرّوا ودوموا عليه، والموت ليس بمقدور لهم حتى ينهوا عنه وقد مرّ تحقيقه في البقرة، وما ذكر. من القاعدة في النفي والنهي أمر مقرّر كما مر. قوله: (بديته ال! ! م الخ) جوّز في الكشاف أن لكون استعارة تمثيلية على تشبيه الحالة بالحالة من غير اعتبار مجاز في المفردات أو الحبل استعارة للعهد الدّي يتمسك به الاعتصام اسنعارة للوثوق بالعهد أو ترشيحًا لاستعارة الحبل، والمعنى اجتمعوا على استعانتكم بالله أو على التمسك بعهده، وجوّز فيه المكنية أيضًا والمصنف ﵀ ذهب إلى الثاني، وجعل المستعار له الدين أو القرآن لما وقع في الحديث من تسميته حبل الله المتين وخالف الزمخشريّ في جعل الترشيح مقابلا للاستعارة بناء على انه لا تنافي بينهما إذ يكفي في الترشيح أن يكون اللفظ مناسبًا له وان كان المراد به معنى لا يرشحه ولكل وجهة، والتردّي تفعل من تردّى إذا وقع في هوّة كالبئر وقوله: (مجتمعين) إشارة إلى أنه حال من الفاعل كما هو الظاهر المتبادر فيكون قوله: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ تأكيد وقوله: (عن الحق) أي دين الإسلام السابق أو لا يقع بينكم شقاق وحروب، كما هو مراد المذكرين لكم لايام الجاهلية الماكرين بكم. قوله: (التي من جملتها الخ) ويحتمل أن المراد بها ما بينه بقوله: ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء﴾ أي ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ التي هي تبديل عداوتكم بالمحبة والأخوّة ونجاتكم عن نار جهنم بالعدوان وقطع الرحم فلا تضيعوها. قوله: (متحابين الخ) يشير إلى أن الأخ إذا جمع على إخوان كان بمعنى المحب الصديق وقد يكون جمعًا لأخي النسب وكان قوله: إشارة
إليه قال في الإتقان الأخ في النسب جمعه إخوة وفي الصداقة إخوان قاله ابن فارس: وخالفه غيره وأورد في الصداقة إنما المؤمنون أخوة وفي النسب أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بيوت إخوانكم انتهى، فهو الأكثر وقوله: مشفين أي مشرفين وقد تقدم تحقيقه وحمل النار على نار جهنم وحملها على نار الحرب بعيد، وقوله: على تلك الحالة أي الكفر وفي نسخة في تلك الحالة. قوله: (والضمير للحفرة أو للنار الخ) اقتصر الزمخشريّ على الأخير فقال الضمير للشفا وهو مذكر وإنما أنث للإضافة إلى الحفرة وهو منها كما قال:
كما شرقت صدر القناة من الدم
يعني أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه كما في شعر الأعشى المذكور وهو يكتسبه منه لا مطلقًا بل كما قال العلامة: إذا كان بعضًا منه كصدر الفتاة أو فعلا له أو صفة وما نحن فيه من الأوّل والمصحنف ﵀ ترك تقييده وزاد تأويله بالمؤنث لكونه بمعنى الشفة وجوّز وجهين آخرين، والداير للزمخشرفي على ما صنعه أن الضمير يعود على المضاف لا المضاف إليه إذ هو غير مقصود لذاته حتى يرجع عليه الضمير وغيره لا يسلمه، وفي الانتصاف المعنى على عوده إلى الحفرة لأنها التي يمتن بالإنقاذ منها حقيقة، وأما الامتنان بالإنقاذ، من الشفا فلما يستلزمه غالبًا من الهوي إلى الحفرة فيكون الإنقاذ منه إنقاذا منها لكن الأوّل أبلغ وأوقع مع إنّ اكتساب التأنيث من المضاف إليه عذه أبو عليّ ﵀ في التعليق من
[ ٣ / ٥١ ]
الضرورة وأن خالفه في الإيضاح، والذي أوقع الزمخشري فيه إنه هو الذي كانوا عليه ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالإنقاذ منها وقد مرّ أنهم كانوا صائرين إليها لولا الإنقاذ الربانيّ فبولغ في الامتنان بذلك كما قيل من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وبهذا اندفع قول أبي حيان ﵀؟ لا يحسن عوده إلا إلى الشفا لأنه المحذث عنه والشفا الطرف ويضاف إلى الأعلى كشفا جرف هار والأسفل كما هنا واعلم أنّ الأصل أن يعود الضمير على المضاف إذا صلح لكل منهما ولو بتأويل، ويجوز عوده على المضاف إليه مطلقا عند صاحب الانتصاف، وقال الواحديّ: إنه يعود عليه بشرط كونه بعضه أو كبعضه كقول جرير:
أرى مرّ السنين أخذن منيّ
وقول العجاج:
طول الليالي أسرعت في نقضي
فان مرّ السنين وطول الليالي من جنسها وكذا ما نحن فيه. قوله: (مثل ذلك التبيين) يعني
أن الجارّ والمجرور نعت لمصدر محذوف أو حال مضمرة أي يبين لكم تبيينًا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة، وقد مرّ تفصيله في البقرة وإنما أوّل الهداية بالنبات أو الزيادة لأنّ الخطاب للمؤمنين، ومرّ الكلام فيه في الفاتحة، وقيل الثبات من المضارع المفيد للاستمرار والزيادة من صيغة الافتعال وقوله: (١ رادة الخ) إشارة إلى أنه للتعليل وليس للترجي لاستحالته عليه تعالى، ومز تحقيقه في أوّل البقرة والكلام فيه. قوله: (من للتبعيض الخ) يعني أنّ فرض الكفاية يقع لي الخارج من البعض فلذا أتى بمن التبعيضية لا أنه يجب على البعض من غير تعيين فإنّ المختار أنه يجب على الكل كما سيصرح به ويسقط بفعل البعض فلو ترك أثم الجميع ولا معنى للرجوب عليهم سوى هذا، إذ لو وجب على البعض لكان الآثم بعضًا مبهمأ وهو غير معقول لخلاف الإثم لواحد مبهم كما في الواجب المخير، وأمّا أنّ له شرائط فلا تنافي الوجوب لأنّ عليهم تحصيلها، ولهذا ذهب بعضهم إلى أنّ من للبيان على هذا القول، والاحتساب النظر في أمور الناس العامّة كالحسبة وهي معروفة. قوله: (خاطب الجمع وطلب فعل جضهم الخ) خاطب الكل لأنه واجب عليهم كما مرّ، وطلب فعل بعضهم لقوله منكم فلا يتوهم مما مضى انه واجب على البعض غير معين كما ظنه بعض شراح الكشاف وتبعه هنا بعض أرباب الحواشي " ن قلت إنّ هذا الخطاب لا يفيد الوجوب على الكل لأنّ معناه أنه يجب على بعضكم الأمر
! النهيئ، وهدّا صريح في أنه يجب على البعض قلت قد مرّ ما يدفعه لأنّ الوجوب على بعض محير معين لا يعقل فتعين الوجوب على الكل والتبعيض إنما هو يالنسبة للقيام به، فتأمّل وقوله:
ر أسًا أي جميعًا مجاز. قوله:) أو للتبيين الخ (قال العلامة: في شرح الكشاف اختلف ا، صوليون في أنّ الواجب على الكفاية هل هو واجب على جميع المكلفين ويسقط عنهم بفعل سضهم أو على بعض غير معين، ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض
الكفايات فمن ذهب إلى أنها على بعض غير معين قال: من هنا للتبعيض ومن ذهب إلى أنها على الجميع قال من للتبيين وهي تجريدية أخرج من الكل كما يقال لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يراد بذلك جميع الأولاد والغلمان، ومما يدل على أنّ من للتبيين أنّ الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لبهل الأمّة في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٠ ا] الخ ومنه تعلم وجه جعلها بيانية واختيار ذكر منكم على تركه الأخصر، وأمّا التبعيض السابق فبالنسبة إلى فعله فإنه من البعض لا إلى الوجوب، ومن لم يفهم معزاه قال إنه خطأ إذ غير عبارة الكشاف وانّ أوّل كلامه لا يناسب آخره فتأمّل. قوله: (وعطف الأمر بالمعروف الخ) يعني أنه من عطف الخاص على العامّ للنكتة المعروفة فيه، وفي النهي أيضا دعوة إلى الخير، وهو الكف عن المنكر، وقيل عليه ليس الآية منه لأنه ذكر بعد العام جميع ما تناوله إذ الخير المدعو إليه إمّا فعل مأمور أو ترك نهي لا يعدو واحدأ من هذين حتى يكون تخصيصهما بتمييزهما عن بقية المتناولات فالأولى أن يقال إنه ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلاَ لمزيد العناية به إلا أن يثبت ما يخص الأمر بالمعروف والضهي عن المنكر ببعض أنواع الخير، ولا أرا. ثابتًا وعلى ما فسر به المصنف ﵀ مما يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر ونهي لا يرد عليه ما ذكر، وفيه نظر لأنه يكون حينئذ أعمّ من فرض الكفاية. قوله: (المخصوصون بكمال الفلاح) إشارة إلى الحصر المستفاد من الفصل
[ ٣ / ٥٢ ]
وتعريف الطرفين أو أنه باعتبار الكمال إذ قد يوجد الفلاح في غيرهم، وقوله: (روي الخ) أخرجه أحمد وأبو يعلى والخير والفلاح متقاربان، فإن قلت الحديث لا يدلّ على أنه الآمر بالمعروت والناهي عن المنكر بل مع التقوي ووصل الرحم قلت أجيب بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستدعي ذلك أو هو داخل في الدعاء إلى الخير وفيه نظر. قوله: (والنهي عن المنكر الخ) قيل: عليه أن المكروه منكر شرعا والنهي عنه مندوب فلا وجه لما قاله، وقيل: لو فسر المنكر بما يعاقب عليه كما أنّ المعروف ما يثاب عليه لتم الكلام ولا يخفى أنهما ليسا على طرفي نقيض. قوله: (والآظهر أنّ العاصي يجب أن ينهي المخ) وإن كان ظاهر قوله تعالى:
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف، الآية: ٢] يدل على خلافه لأنه صؤوّل بأنّ المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول لأنّ الواجب عليه نهى كل فاعل وترك نهي بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي ولأنه نهى عن الكذب لا عن النهي مع عدم الفعل المتبادر منه. قوله:) والأظهر أنّ النهي فيه مخصوص الخ) التخصيص المذكور مأخوذ من التشبيه وقيل إنه شامل للأصول والفروع لما نرى من اختلاف أهل السنة فيهما كالماتريديّ والأشعري، وإنما النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع عليه. قوله: (اختلاف أمتي رحمة) قال السيوطيّ ﵀: عزاه الزركشيّ في الأحاديث المشتهرة إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي لدون سند، ورواه الطبراني والبيهقي في المدخل بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ لال قال رسول الله ﷺ: " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم بكن ني كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني فما قاله أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة) وأخرجه ابن سعد لي طبقاته بلفظ كان اختلاف أصحاب محمد! ي! رحمة للناس ولفظ البيهقيّ لعباد الله، وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ ما سرّني لو أنّ أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ومنه تعلم أنّ المراد الاختلاف في الدين مطلقا لكن المراد اختلاف الصحابة، والمجتهدين المعتدّ بهم وعلماء الدين الذين ليسوا بمبتدعين هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فما قيل: إنه لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع وإنما وقع في كلام بعضهم فظن حديثا وفسر باختلاف الهمم والحرف! الا فهو مخالف لنصوص الآيات
والأحاديث كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود، الآية: ١١٨] ونحوه قوله ﵊: " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " وغيره من الأحاديث الكثيرة والذي يقطع به أنّ الاتفاق خير من الخلاف لا وجه له، ولو كان المراد اختلاف الصنائع ونحوها لم يكن لقوله ﷺ امتي وجه. قوله: (من اجتهد الخ) الأجران أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحق وي الثاني أجر الاجتهاد فقط، وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما، وهذا يقتضي أن المصيب واحد وهو الصحيح وليس كل مجتهد مصيبا كما ذهب إليه بعض أهل الأصول وقوله: وعيد ظاهر، والتهديد لأن التشبه بالمغضوب يستدعي الغضب وأولئك إشارة للذين تفرّقوا لا للمتشبهين بهم ولا للجميع كما قيل. قوله: (نصب بما في لهم من معنى الفعل الخ) أي الاستقرار أو اذكر مقدرًا، وفيه وجوه أخر ذكرها السمين وغيره فقيل العامل فيه عذاب وضعف بأن المصدر الموصوف لا يعمل وقيل عظيم، وأورد عليه أنه يلزم تقييد عظمته بهذا اليوم، وردّ بأنه إذا عظم فيه وفيه كل عظيم ففي غيره أولى وبأنه ليس المراد التقييد، والكآبة بالمد الحزن وقوله: يوسم من الوسم وهو العلامة. قوله: (على إرادة القول الخ (جواب عما يقال إن جواب أمّا لا يترك فيه الفاء إلا في ضرورة الشعر فكيف حذفت هنا فأجابوا عنه بأن الممنوع حذفها وحدها، وأمّا مع القول بطريق التبعية فشائع سائغ حتى قيل إنه البحر حدث عنه ولا حرج لأنه لما كثر حذف القول استتبعها ولا يرد عليه أنه لا يلزمه استتباعها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ لأن المراد أنه يقال لهم ذلك لأن هذه الفاء ليست الجوابية بل مما في حيزها إذ التقدير فيقال لهم أفلم تكن آياني تتلى
[ ٣ / ٥٣ ]
عليكم وإنما أورده صاحب أسرار التنزيل لأنه أديب لا يعرف النحو كما قاله أبو حيان: وأطال فيه والاستفهام للتوبيخ وهو حكاية لما يقال لهم فلا التفات فيه كما قيل وقوله: (أقرّوا به) أي
بالإيمان بالله في عالم الذرّ أو المراد بالإيمان الإيمان بالقوّة والفطرة، وحمل الأمر على الإهانة لتقرّره وتحققه. قوله: (بسبب كفركم الخ (التأويلان بناء على أنّ الأعمال سبب له أو أنه يقع في مقابلتها من غير نظر إلى التسبب فعلى الأوّل الباء سببية وعلى الثاني للمقابلة نحو بعته بكذا وليست بمعنى اللام كما توهم. قوله (يعني الجنة الخ) جعل الرحمة بمعنى الجنة من التعبير لالحال عن المحل والظرفية حقيقية، أو بمعنى الثواب فالظرفية مجازية كما هي في نعيم وعيش رغد إشارة إيى كثرته وشموله له شمول الظرف، وأمّا الرحمة التي هي صفة ذاتية فلا يصح فيها الظرفية، ويدل على هذا التفسير مقابلتها بالعذاب ومقارنتها للخلود، وهذا مجاز نكتته ما ذكره وكان حقه التقديم لشرفه ولكن أخر لما ذكر ومطلعه يأيها الذين آمنوا ومقطعه آخره ومحل انقطاعه فالكلام فيه لف ونشر غير مرتب لهذه النكتة الجليلة، وإنما قال أخرجه مخرج الاستئناف لأنه للتأكيد معنى وإن كان استثنافا ظاهرًا. قوله: (إذ يستحيل الظلم منه الخ) الاستحالة مأخوذة من نفي إرادته دونه، أو المراد أنه ثابت بالدليل المذكور وهو إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن نفي الشيء يقتضي إمكانه في الجملة بأنه نفي وان كان مستحيلاكما في نحو لم يلد ولم يولد وقوله لا يحق أي لا يجب عليه شيء حتى يكون تركه كله أو بعضه ظلمآ ولا يحول بينه وبين ما يريد شيء حتى يظلمه بالأخذ منه لأنه المالك المطلق، وقيل: المراد لا لريد ما هو ظلم من العباد لأنّ المقام مقام ٠ أنه لا يضيع أجر المحسنين ولا يمهل الكافرين وأنه المجازيّ ولا يخفى أنّ سوق الكلام يخالفه كما صرح به النحرير وقوله: (فيجازي الخ (بيان لارتباط الكلام بعضه ببعض. قوله: (دل على خيريتهم فيما مضى الخ) يعني أنها كان الناقصة ولا دلالة لها على غير الوجود في الماضي سواء انقطع أو دام فقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يشعر لانهم الآن ليسوا كذلك، وهذا بحسب الوضع وقد يستعمل للأزلية في صفاته تعالى وقد
يستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا ولا فرق فيها بين ما مضى بزمان كثير أو قليل ولو آنا وقيل إنها تدل على الانقطاع كغيرها من الأفعال الماضية وهو قول لبعض النحاة، والمراد بما بين الأمم أنه في علمه معروف بينهم. قوله: (اسئناف الخ) بيان لترك العطف كأنه قيل لم كنا خير أمّة فقال: تأمرون الخ وقيل إنه صفة ثانية لأمّة ووجه تضمن الإيمان ما عداه أنه التصديق به في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه فيلزمه الإيمان بجميع ما جاء منه وثبت أنه حكمه والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ اسورة آل عمران، الآية: ١١٠] مع إيمانهم بالله كما في الكشاف، ولما ذكره المصنف. قوله: (وإنما أخره الخ) كان حقه أن يقدم لشرفه فلما أخر على خلاف المتبادر حرك الذهن إلى أن ينظر لوجهه فهو حينئذ تلويح إلى مكان التعليل لأنه من الإخبار عن حصول الجملتين وتفويض الترتيب إلى الذهن ولو قدّم لم يتنبه لهذه النكتة كذا فسره الطيبي فتأمّله. قوله: (واستدل بهذه الآية على أن الإجماع الخ) أي إجماع هذه الأمّة لأنها لا تجتمع على الضلالة كما نطق به الحديث، ودلت عليه هذه الآية بالالتزام لأنهم إذا أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لم يمكن اجتماعهم على منكر، والا لم ينهوا عنه لاتفاقهم عليه، وإنما كان للاستغراق إذ لا يصح إرادة معروف ومنكر معين ولا ترجيح لبعضه على بعض فليس الحديث دليلًا آخر كما توهم، ولو قيل قدّم الأمر بالمعروف وأخا. اهتماما وليرتبط الإيمان بما بعده صح، وهو وجه آخر وقوله: فلو اجتمعوا في نسخة أجمعوا وهما بمعنى. قوله: (إيمانًا كما ينبغي الأنهم مؤمنون بزعمهم والخيرية فيما هم عليه خيرية دنيوية كالرياسة أو فرضية وقوله: (وهذه الجملة الخ) يعني منهم المؤمنون وما عطف عليه، ولن يضروكم وما عطف عليه للاستطراد وهو أن يذكر في أثناء الكلام ما يناسبه وليس السياق له، والفرق بينه وبين الاعتراض مرّ الكلام فيه ولذا لم يعطفا على الجملة الشرطية قبلهما أعني ولو آمن لأنها معطوفة على كنتم خير أمّة مرتبطة بها على
معنى، ولو آمن أهل الكتاب كما آمنوا وأمروا بالمعروف كما أمروا لكان خيرا لكم، وإنما لم يعطف الاستطراد الثاني
[ ٣ / ٥٤ ]
على الأوّل لتباعدهما وكون كل منهما نوعا من الكلام، والأذى إنما لستعمل في الضرر اليسير كما يشهد به الاستعمال، وتولية الإدبار جمع دبر كناية عن الانهزام معروفة. قوله: (ثم لا يكون أحد ينصرهم الخ) العموم مأخوذ من ترك الفاعل، وقوله: ما يكون بقول هو الأذى بتفسيره السابق، والدبرة بسكون الباء الانهزام، وعاقبتهم مأخوذ من ثم والعجز مأخوذ من النصرة لأنّ المحتاج إليها عاجز وعلى هذه القراءة الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء، وثم فيه للترتيب والتراخي الإخباري ولو حملت على الحقيقي لأنّ النصرة ممتدة فهي باعتبار ما بعد الأوّل متراخية صح وكذا في القراءة الأخرى. قوله: (على أنّ ثم للتراخي في الرتبة الا في الزمان لمقارنته لا في الوجه الأوّل كما مرّ والزمخشرقي، وإن نص على أنها كذلك في الوجه الأوّل لكن تفاوت الرتبة ثمة بين الإخبارين وهنا بين الخبرين وهو المتبادر عند الإطلاق فلا فرق بين كلاميهما كما توهم وتقييده بقتالهم لترتبه عليه ترتب الجزاء على الشرط وكونها من المغيبات مشاهد. قوله:) هدر النفس والمال الخ) فسره به لأنه لا ذل فوقه وقدمه لأنّ قوله: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ يقتضيه بحسب الظاهر، وضرب الذلة على تشبيهها بالقبة استعارة بالكناية واثبات الضرب تخييل أو تشبيه إحاطتها واشتمالها عليهم به استعارة تبعية وجعل النحرير: هنا كونه كناية كما في:
في قبة ضربت على ابن الحشرج
وهم فاسد ومرّ تحقيقه في البقرة وستأتي أشارة المصنف إليه في ضرب المسكنة. قوله:) استثناء من أعئم عامّ الأحوال (قالوا: إنّ هذه الإضافة من قبيل حب رمان زيد حيث لا رمان فإن المقصود إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد وكون القصد إلى إضافة أعمّ العامّ الذي لا أعم منه في الجنس الذي منه الاستثناء من الفاعلية أو المفعولية أو الحالية أو نحوها لا إضافة العام، ومثاله ابن قيس الرقيات فإن الملتبس بالرقيات ابن قيس لا قيس وفي مثل هذا لا بد من ذكر المضاف والمضاف إليه ثم الإضافة، وتحقيقه أن مطلق الحب مضاف إلى الرمان
والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد ولا يصح جعل عام الأحوال! من قبيل جرد قطيفة لإفراده، ثم لما كان الاستثناء مفرّغا وهو لا يكون من غير الموجب إلا عند استقامة المعنى بالعموم أشار إلى توجيهه بما ذكر وهو يرجع إلى التأويل بالنفي أي لا يسلمون من الذلة إلا في هذه الحالة، وقوله: بذمّة إشارة إلى أن الحبل مجاز عن الذمّة المتمسك بها والتفسير الأوّل راجع إلى تفسير الذلة الأوّل والثاني إلى الثاني، وأشار بقوله: في عامّة الأحوال إلى الأعم المقدر المستثنى منه حالة الاعتصام. قوله: (رجعوا به الخ) إشارة إلى أن أصل معنى باء رجع وأن الرجوع به كناية عن استحقاقه واستيجابه من قولهم باء فلان بفلان إذا كان حقيقًا أن يقتل به أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة الانتقام منهم، وأمّا تفسيره في الحديث بالإقرار فمجاز. قوله: (ذلك إشارة إلى ما ذكر) إشارة إلى توجيه إفراده، وكون قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس حقا في اعتقادهم مرّ تحقيقه وجعل ذلك الثاني إشارة للكفر والقتل لقربه فلا يتكرّر، وقوله: وقيل إشارة إلى مرجوحية هذا بسبب تكرير ذلك وقوله: (معلل ومسبب) تفنن في العبرة وقوله: (في المساوي) متعلق بسواء، وأورد عليه أن الظاهر ترك كما في الكشاف لإيهامه أن يكون لكل منهم مساو لكن بعضهم أكثر من بعض فيها، والفائمة من قام اللازم بمعنى استقام والآناء الساعات مفردها قيل إني بوزن عصا وقيل إني كمعي، وقيل: إني بفتح فسكون أو كسر فسكون وقيل أنو فالهمزة منقلبة عن واو أو ياء وهو منصوب على الظرفية متعلق بيتلون أو بقائمة. قوله: (عبر عنه الخ (ضمير عنه للتهجد أي عبر عن صلاة الليل بالتلاوة والسجود، لأنه أبين أركانها المميزة لها عن العادة إذ صلاتها جهرية وأبلغ في المدح مما لو عبر بالتهجد لاحتمال معناه اللغوي لأنه تصوير لها بأحسن هيئة. قوله: (لما روي الخ)
أخرجه ابن حبان والنساتي ولعل المحدثين فهموا منه ذلك لقرينة أو رواية فيه، والا فقد قيل إنه لحتمل أنّ أهل الكتاب يصلونها ولكن لا يؤخرونها لذلك الوقت وقوله: " غيركم منصوب خبر ليس ومن أهل الآديان حال من أحد مقدّم عليه وجملة يذكر الله صفتة ومنحرفون الخ " مأخوذ من قائمة وغير متعبدين مأخوذ من جملة يتلون، وملحدون في صفاته من يؤمنون بالله واليوم
[ ٣ / ٥٥ ]
الآخر، والمداهنة المداراة مجازًا من الدهن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا وقوله: الموصوفون بتلك الصفات مرّ تحقيقه في أولئك هم المفلحون، وقوله: رضاه وثناءه إشارة إلى أنّ المقصود المدح، ودلّ على الرضا واستحقاق الثواب الاتصاف بتلك الصفات السابقة. قوله: (فلن يضيع ولا يتقص الخ) يعني أنّ الكفران والشكر عبارة عما ذكر إذ لا نعمة لأحد عليه حتى تكفر أو تشكر وهو مجاز لا مشاكلة كما قيل، وقوله: البتة مأخوذ من لن فإنها لتأكيد النفي كما مرّ لكن الشكر ونقيضه يتعدى باللام على المشهور وهنا عدى لمفعولين نائب الفاعل والهاء لتضمينه معنى الحرمان ولو قصرت المسافة وجعل أوّلًا بمعنى الحرمان كان أولى، والقراءة بالغيبة بالنظر إلى أمّة وبالخطاب بالنظر إلى كنتم أو التفات. قوله: (بثارة لهم الخ) يعني في ذكر العلم بعد الصفات المذكورة إشارة إلى أنه علم حالهم ومجاهدتهم فيوفيهم أحسن ما عملوه، وفي وضع المتقين موضع الضمير إيذان بالعلة وأنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى فقوله: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الخ) مؤكد له ولذا فصل. قوله: (من العذاب الخ) الغناء لالفتح مصدر أغني أي أجزاه كما في الصحاح فشيئًا مصحدر لأنه لازم ومن للبدل أو الابتداء أو هو مضمر معنى الدفع والمنع وشيئًا مفعول به، والصاحب ليس هنا بمعناه اللغوي بل العرفي
وهو الملازم. قوله: (ما ينفق الكفرة الخ (خص السمعة والمفاخرة بالكفرة لأنهما شأنهم وهم مجاهرون الكفر فلا يراؤون، وأمّا المنافقون فلا ينفقون على الكفرة وإنما ينفقون على المسلمين وذلك إما رياء أو خوف فلا معنى لما قيل لا وجه للتخصيص المذكور. قوله: (برد شديد الخ (أصل الصر كالصرصر الريح الباردة فيكون معنى النظم ريح قيها ريح باردة، وهو كما ترى يحتاج إلى التوجيه فقال في الكشاف فيه أوجه.
أحدها: أنّ الصزفي صفته الريح بمعنى الباردة فوصف بها القرّة بمعنى فيها قزة صرّ كما
تقول برد بارد على المبالغة.
والثاني: أن يكون الصرّ مصدرًا في الأصل بمعنى البرد فجيء به على أصله.
والثالث: أن يكون من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢١] يعني أن الصرّ صفة بمعنى بادر موصوفه محذوف أي برد بارد فهو من الإسناد المجازي كظل ظليل وفيه يعد لأن المعروف في مثله ذكر الموصوف، وأمّا حذفه وتقديره فلم يعهد أو هو مصدر حقيقة بمعنى البرد، واستعماله بمعنى البارد مجاز وهنا جاء على الأصل وهو أظهر الأجوبة أو هو صفة واردة على التجريد كقوله: وفي الرحمن كاف أي هو كاف وجعله بعضهم أحسن الوجوه، والمصنف ﵀ تركه واقتصره على الأوّلين هـ قوله: (والمراد تشبيه الخ) يعني خص الحرث بحرث من ذكر، والا فكان يكفي في التشبيه كمثل حرث لأنه يقتضي أنّ إهلاكه عن غضب من الله وهو أشذ ولأنّ المراد عدم الفائدة في الدنيا والآخرة وإنما هو في هلاك ما للكافر، وأما غيره فمثاب على ما هلك له لصبره عليه فلا يضيع ذلك بالكلية كما صرّح به في الكشاف، وبحرث كفار إشارة إلى أن المراد بالظلم الكفر، واستأصلته بمعنى قلعته بأصله وأفنته وجعله من التشبيه المركب ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبه به كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢٤] وقد مرّ في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ أسورة البقرة، الآية: ٩ ا] وأن تقدير ذوي إنما
هو لضرورة مرجع الضمير وأنه إذا صرّح بتشبيه المثل بالمثل لزم أن يراعي فيما يضاف إليه المثل من الجانبين المماثلة ولذا قدر في هذه الآية المهلك أو الإهلاك على أنه من المركب الحسيئ أو العقليّ، والوجه قلة الجدوى والضياع، ويجوز أن يكون من التشبيه المفرد فيشبه إهلاك الله بإهلاك الريح والمنفق بالحرث وجعل الله أعمالهم هباء بما في الريح الباردة من جعله حطاما ومهلك على صيغة المفعول. قوله: (وقرئ ولكق الخ) وتقديم أنفسهم على القراءتين للفاصلة لا للحصر والا لا يتطابق الكلام لأنّ مقتضاه ما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا غيرهم، وعلى قراءة التشديد أنفسهم اسمها وجملة يظلمون خبرها والعائد محذوف تقديره يظلمونها وليس مفعولًا مقدمًا واسمها ضمير الشأن لما ذكر وقوله: (ولكن الخ) من قصيد للمتنبي يمدح بها سيف الدولة أوّلها:
لعينيك مايلقي الفؤادومالقي وللحبّ مالم يبق مني ومابقي
[ ٣ / ٥٦ ]
ومنها:
وماكنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصرجفونك يعشق
ومن شرطية لجزمها الفعل، ولا تدخل عليها النواسخ لصدارتها ولأنها تبقى بلا خبر. قوله: (وليجة وهو الذي الخ) الوليجة من الولوج فهي ما كان داخل الشيء كالبطانة التي تلي الجسد فاستعيرت لمن اختص بك بدلالة قولهم ليست فلانا إذا اختصصته، والشعار بالكسر اللباس الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره والدثار هو اللباس الذي يكون فوقه، وسمي شعارًا لأنه علامة لصاحبه وقوله: (﵊ الخ) رواه الشيخان قاله ﷺ حين فتح حنينا في حديث طويل أي أنهم الخاصة والبطانة وغيرهم العامة والدثار. قوله: (من دون المسلمين الخ (يعني الضمير للمسلمين ومن دونكم إمّ بمعنى غيركم لأنّ دون بمعنى غير كقوله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٦ ا] أي غير الله أو بمعنى إلا دون والدني أي ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة. قوله: الا يقصرون الخ (يعني إلا لو التقصير والخيال الفساد مطلقا، وأصله الفساد الذي يلحق الحيوان فيورثه اضطرابا
كالمرض والجنون، يقال: ألى في الأمر بقصر الهمزة بوزن غزا قالوا: وأصله أن يتعدّى بحرف الجر فهو لازم فلدا قدره بتقدير اللام وفى فيكونان منصوبين على نزع الخافض، واليه ذهب ابن عطية أو متعد إلى مفعولين كما قالوا: لا آلوك نصحا وجهدًا بمعنى لا أمنعكه ولا أنقصكه على التضمين لأنّ من قصر في حقك فقد منعك قال السمين ﵀ والتضمين قياسيّ على الصحيح، وان كان فيه خلاف واه أو هو متعد إلى واحد وهو الضمير وخبالًا منصوب بنزع الخافض أي لا يألونكم في الخبال أو تمييز أو مصدر في موضع الحال ففيه ثلاث وجوه. قوله: (تمنوا عشكم وهو شدّة الضرر) .
قال الراغب في مفرداته: الودّ محبة الشيء وتمني كونه، ويستعمل في كل وأحد من المعنيين، والعنت من المعانتة كالمعاندة لكن المعانتة أبلغ لأنها معاندة فيها خوف هلاك، وعنت فلان إذا وقع في أمر يخاف منه الهلاك ويقال للعظم المجبور إذا أصابه ألم فهاضه قد أعنته، فمن قال الود أعثم من التمني لأنه في المحال أو المستبعد، ولذا اختير هنا عليه لأنه لا يناسب مقام التحذير لأنه إذا تصوّر بعدما يودّه من الوقوع هان عليه أن يعده غير معلوم فتفسيره به بعد عن التأمل لم يصب، وقوله: لا يتمالكون أنفسهم أي يملكون منعها مما جبلوا فإبداؤها للمسلمين على هذا، وهو أحسن من تفسير قتادة بإبداء بعضهم لبعض لأنه لا يناسب ما بعده وقوله: (ليس عن رؤية واختيار) بل فلتة ومثله يكون قليلا. قوله: (والجمل الآربع الخ) في الكشاف فإن قلت كيف موقع هذه الجمل، قلت: يجوز أن يكون لا يألونكم صفة للبطانة، وكذلك قد بدت البغضاء كأنه قيل بطانة غير آليكم خبالًا بادية بغضاؤهم، وأمّا قد بينا فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستًا نفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة قيل يعني لا يألونكم، وقد بدت البغضاء، وقد بينا الآيات لظهور أن وما تخفى صدورهم حال وأن ودوا ما عنتم بيان وتأكيد لقوله: الا يألونكم خبالا (فحكمه حكمه ولذا لم يذكره عند تفصيل المواقع، وقيل: لأنه لما وقع بين الصفتين تعين أنه صفة وإنما كان أحسن ما في الاستئناف من الفوائد وفي الصفات من الدلالة على خلاف المقصود أو إيهامه لا أقل وهو تقييد النهي، وليس المعنى عليه، وأمّا على كلام المصنف فهي لا يألونكم ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء قد بينا لكم الآيات لا وما تخفى صدورهم لما مرّ فلا حاجة له إلى ما سبق من التوجيه
والحدس الظاهر عند التأمّل، وقوله: للتعليل أي لبيان وجه النهي كانه قيل لم نهيتم عنه، وليس المراد أنها كلها علة مستقلة ترك عطفها للاستقلال وقيل الأحسن أن يجعل كل مستأنفا عما قبله على الترتيب كأنه قيل لم لا نتخذهم بطانة فأجيب لأنهم لا يقصرون في إفساد أمركم فقيل: ولم يفعلون ذلك فقيل لأنهم يبغضونكم ولما ترتب كل على الآخر صح جعلها كلها علة للنهي عن اتخاذهم بطانة، وأورد عليه أنه لا يحسن في قد بينا إذ لا يصح تعليلاَ لبدوّ البغضاء ويصلح تعليلًا للنهي، وان كان الأحسن أن يكون ابتداء كلام فتأمل. قوله:) أي أنتم أولاء الخاطئون الخ) الخاطى بمعنى المخطئ هنا وإن قيل بينهما فرق وليس هذا محله وفي إعرابه مذاهب
[ ٣ / ٥٧ ]
للنحاة أظهرها أن أنتم مبتدأ واسم الإشارة خبره والجملة بعده حال والعامل فيها ما في الإشارة أو التنبيه من معنى الفعل كما حقق في العربية لأنّ العرب قالوا ها أنت ذا قائما فصرّحوا بالحالية، وان كان المعنى على الإخبار بالحال لأنه المقصود بالاستبعاد ومدلول الضمير اسم الإشارة متحد، وقيل أنتم مبتدأ والجملة خبره نقله المعرب عن ابن كيسان وغيره، وأولاء منصوب على النداء أو الاختصاص وضعفوه بأنه خلاف الظاهر والاختصاص لا يكون باسم الإشارة، وقيل: هو مبتدأ وخبر وا) جملة مستأنفة للبيان وقال الرضي: ليس المراد من ها أنا وها أنت ذا تعريف نفسك أو المخاطب إذ لا فائدة فيه بل استغراب وقوع الفعل المذكور بعده منك أو من مخاطبك وأنه كان غير متوقع فالجملة لازمة لبيان الحال المستغربة ولا محل لها إذ هي مستأنفة.
وقال البصريون: هي حالية في محل نصب، وهي لازمة إذ هي المقصود الذي تتم به الفائدة وردّه بما بيناه في حواشيه قيل: فقد فات المصنف أرجح التوجيهات وهو كون يحبونهم جملة مستأنفة.
ولو قال أو خبر ثان لم يفته فلعله سبق قلم وما سوى الحال ابتداع منه منشؤه عدم الاطلاع ومتابعة العقل مع أنه لا يخفى حال الحال، ولا يخفى أنه مجازفة منه فإنّ المتقدّمين جوزوا في هذه الجملة الخبرية كما مرّ نقله.
ووجوه التركيب لا حجر فيها، وما ردّه الرضيّ هو الظاهر من كلام المعرب وما قاله بحث يظهر جوابه بالتأمل فلا تغترّ بالتجويز العقلي، وعلى أنّ المعنى تحبون هؤلاء يكون المشار إليه الكفار ويتغاير مدلوله ومدلول الضمير وقوله: (أوصلته) بناء على أن أسماء الإشارات تكون موصولة كما مرّ، وإذا عمل فيه معنى الإشارة فعاملهما بحسب التحقيق واحد
لأنه في معنى أشير إليكم في هذه الحالة، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى فلا يرد أن اسم الإشارة خبر وعامله المبتدأ أو الابتداء وعامل الحال معنى الفعل فيه والإشارة للتحقير فاستعملت هنا للتوبيخ كأنه ازدرى بهم لظهور خطئهم، فافهمه. قوله: (بجنس الكتاب الخ) كله تأكيد للجنس لا للكتاب وكونه من قبيل الرجل أي الكامل كما قيل تعسف وكونهم لا يؤمنون بكتابكم مأخوذ من فحوى الكلام ومما بعده، وأشار بقوله: وأنكم تؤمنون إلى أنّ الجملة مؤوّلة بالاسمية ولذا قرنت بالواو، والمعروف فيه تقدير أنتم ولم يجعل معطوفا على ولا يحبونكم أو تحبونهم كما ارتضاه أبو حيان لأنه في معرض التخطئة، ولا كذلك الإيمان بالكتاب فإنه محض الصواب وان أعتذر له بأنّ المعنى يجمعون بين محبة الكفار والإيمان وهما لا يجتمعان لبعده والحالية مقرّرة للخطأ فتأمل. قوله: (وفيه توبيخ (أي في قوله: ها أنتم الخ لا في هذه الجملة فقط، كما توهم وقوله: لم يجدوا إلى التشفي سبيلًا المراد بالتشفي شفاء الصدر بنيل المراد، وعض الأنامل عادة النادم العاجز، فلذا فسره بما ذكر. قوله: (دعاء عليهم بدوام الغيظ الخ) هذا من الكناية لأنّ الموت على الغيظ يلزمه استمراره عرفا، ويلزم من ذلك قوّة الإسلام وتزايده عصرًا بعد عصر قال النحرير ﵀: يشير إلى أنه من كناية الكناية غير مدعي موتهم بالغيظ بل ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حد الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوّة الإسلام وأهله وذلك لأنّ مجرّد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعي.
(قلت) المجاز على المجاز مذكور، وأمّا الكناية على الكناية فنادرة وقد صرح بها السبكي في قواعده الأصولية ونقل فيها خلافا إلا أنه ما الفرق بين الكناية بوسايط والكناية على الكناية فإنه محتاج إلى التأمل الصادق ومن العجب ما قيل كونه دعاء عليهم مما اتفقت عليه كلمتهم وفيه خفاء إذ في الدعاء لا يخاطب المدعوّ عليه بل الله تعالى ويسأل منه ابتلاؤه، وهو غفلة عن قولهم قاتلك الله وقولهم دم بعز وبت قرير عين وغيره مما لا يحصى. قوله: (بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب الخ (إن كان المخاطب بقل كل من يقف على الكلام فلا كلام في
كون التعجب على حقيقته وظاهره وان كان النبيّ يكتي! فهو خارج مخرح العادة مجازا والمراد منه تعظيم الله والنظر فيما تكل العقول عنه من دقائق علمه على ما حققه الزمخشرفي وغيره في قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [سورة مريم، الآية: ٣٨] كما سيأتي، ومن لم يتنبه لهذا قال النهي عن التعجب المذكور يفيد أنّ النبيّ ﷺ لم يعلم اطلاعه على ما في الصدور فالوجه الأوّل وهو من قلة التدبر. قوله:
[ ٣ / ٥٨ ]
(والمس مستعار للإصابة) أي فإنّ المس اللمس الخفيف فتجوّز به عما ذكر يعني أنهما بمعنى، وأنّ المغايرة بينهما للتفنن فلا يسأل لم عبر في أحدهما بالمس وفي الآخر بالإصابة، وقد سوّى بينهما في غير هذا الموضع كقوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥٠] وقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سورة المعارج، الآية: ٢٠] والأحسن ما قيل إنه للدلالة على إفرإطهم في السرور، والحزن لأنّ المس أقل من الإصابة كما هو الظاهر فإذا ساءهم أقل خير نالهم فغيره أولى منه وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت والحاسد فهم لا يرجى موالاتهم أصلا فكيف تتخذونهم بطانة فهذا أنسب بالمقام. قوله: (بفضل الله ﷿ وحفظه الخ (على الأوّل نفي الضرّ على ظاهره وعلى الثاني نفي عدم المبالاة به، وفي الكشاف هذا تعليم من الله، وارشاد إلى أن يستعان على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، وقد قال الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك، ومنه أخذ الشافعي ﵁ توله:
إذا ما شئت إرغام الأعادي بلا سيف يسل ولا سنان
فزد في مكرماتك فهي أعدى على الأعداء من ثوب الزمان
وقد قيل عليه إنّ ما ذكر الحكماء معناه إنك كلما ازددت فضلًا في نفسك ازداد الحسود احتراقا بناء الحسد فكان هذا مقابلة له بالإيذاء والإضرار الأشد، وما في الآية أنك ببركة الصبر والتقوى لكونهما من محاسن الطاعات ومكارم الأخلاق تكون في كنف الله وحمايته من أن يضرك كيد عدوّ وتكلف الجواب بأن فضلا مطلق ينصرف إلى الكامل وهو التقوى وكذا الكبت محمول على ما هو من جهة الله لأنه أكمل من غيره والظاهر أنه تنظير له لاشتراكهما في المفع عن الاشتغال بالعدوّ بالاشتغال بالطاعة أو تكميل النفس كما أن في الأوّل كفاية الله وفي الثاني كفاية بهلاك العدوّ. قوله: (وضمة الراء الخ) أي لاتباع ضمة الضاد كما تقرّر في المجزوم
والأمر المضاعف المضموم العين والجزم مقدر، ويجوز الفتح للخفة والكسر لأجل تحريك الساكن فلا حاجة إلى ما قيل إنه مرفوع بتقدير الفاء. قوله: (واذكر الخ) إشارة إلى ما مز في أمثاله وقوله: من حجرة عائشة ﵂ إشارة إلى أنه على تقدير مضاف إذ المعنى من عند أهلك، وقراءة اللام شاهدة لأنه بمعنى تهيئ وتسوى المعدى بها إذ ليس محل التقوية والزيادة غير فصيحة في مثله، والمقعد والمقام محل القعود والقيام، ثم توسع فأطلقا بطريق المجاز على المكان مطلقًا وان لم يكن فيه قيام وقعود وقد يطلق على من به كقولهم المجلس السامي والمقام الكريم. قوله:) سميع لأقوالكم عليم بنياثكم) إن كان سميع وعليم كرحيم من صيغ المبالغة الملحقة باس الفاعل كما ذكره سيبويه فهذا بيان لتقدير معموله واللام للتقوية كما صرح به قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ أسورة إبراهيم، الآية: ٣٩] دمان كانا صفة مشبهة فلا عمل لهما في المفعول، فهذا بيان لمحصل المعنى والحديث المذكور رواه ابن جرير والبيهقيّ من طريق ابن إسحق، وقوله: شرّ محبس أي أخبث مكان يقيمون به إذ لا ماء فيه ولا طعام والإشارة إلى الخروج رأيه والقول به والأصل فيه التعدي بعلى والبقر الجماعة المقاتلة لأنها معدة للعمل وقوله: (أوّلتها خيرًا (لم يذكره لأن المراد كثرة الشهداء، وجعله خيوا لما فيه من الأجر العظيم، وذباب السيف طرنه والثلم بالمثلثة الكسر وقوله: (فأوّلته هزيمة) في
النهاية فأوّلته أن يصاب رجل من أهلي فقتل حمزة وادخال يده في الدرع تحصين أصحابه بها دونه لأنه معصوم، ولهذا لم يقل لبستها. قوله:) فلما رأوا ذلك) أي ما صنعه النبيّ ﷺ، ولأمته بالهمزة وتبدل ألفًا بمعنى الدرع وقيل السلاح، والشعب بالكسر الطريق في الجبل وتشعبت الشيء بمعنى فرقته وجمعته ضد وعدوة الوادي بضتم فسكون جانبه وقوله عبد القه بن جبير هو ابن نعمان الأنصاري وهو الصحيح، ووقع في البخاري وفي الكشاف بجير وهو علم آخر وأمر بالتشديد أي جعله أميرًا والنضح بالنبل الرمي مستعار من نضح الماء وقوله: (متعلق بسميع عليم) يعني على التنازع لا بهما معافان كانا صفتين فظاهر أيضا لأنها تعمل في الظرف والا فأظهر وليس المراد تقييد كونه سميعا عليما
[ ٣ / ٥٩ ]
بذلك الوقت، وجناح العسكر جانبه وله جناحان وقلب وساقة ومقدمة، ولذا سمي خميسا، وقوله: في زهاء ألف بالمذ والضم أي مقداره، وهو مروفي عن السدفي، وقوله: لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أي عزم أن يرجع، والشوط بشين معجمة وواو ساكنة وطاء حائط عند جبل أحد ومكانه القريب منه وأصل معناه المرّة من الجري فمن قال السوط: بالمهملات الخلط أي لما بلغوا مقام الخلط أي المحاربة ومخالطة العدوّ فقد خلط وقوله: انخزل ابن أبيّ أي انقطع ورجع لنفاقه وقوله:) أنثدكم الله) تسم أي أسألكم بالله والله منصوب والحيان المراد بهما الطائفتان السابقتان. قوله: (والظاهر أنه ما كانت عزيمة (أي أنّ الهمّ المذكور وتأنيث ضميره لمراعاة الخبر أي لم يكن ذلك عن عزم وتصميم على مفارقة النبيّ ﷺ، ومخالفته لأنه لا يصدر مثله من مؤمن بل مجرّد حديث نفس
ووسوسة كما في قوله:
أقول لها إذا جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
لأنّ من نصره الله وعصمه لا يثبت على مثل هذا العزم بل هو مخذول منافق، ولذلك
قال: منكم إشارة إلى أنهما من المسلمين، وقوله: ولا يتوكلوا على غيره الحصر من تقديم المعمول، وبدر اسم رجل من الجاهلية سمي باسمه بئر حفرها ثم سمي ذلك المكان جميعه به، وأذلة جمع قلة ولكونه مضاعفًا لم يجمع على ذلل ولا على ذلائل لأنه جمع كثرة وتفسيره الذلة بعدم العدة لأنه ليس بمعنى الذل المعروف، وبتقواكم باؤه سببية متعلق بأنعم، ومن نصره بيان لما، وقوله: أو لعلكم ينعم الله عليكم فهو كناية أو مجاز عن نيل نعمة أخرى توجب الشكر وقوله: وقيل بدل ثان والأوّل إذا همت، وعلى هذا فالقول المذكور بأحد، ولما كان النصر بالملائكة ببدر أشار إلى أنّ قوله هذا كان مشروطًا فيه الصبر والتقوى عن المخالفة فلذا لم يقع لتخلف شرطه. قوله: (وإنما جيء بلن الخ (لأنها لتأكيد النفي كما مرّ وهذا مذهب لبعض النحاة، وقوله: (بألف الخ) إشارة إلى التوفيق بين ما وقع في الآيات. وقوله: (للتكثير أو للتدريج) إشارة إلى الفرق بينهما كما مرّ. وقوله: (الزيادة) أي على الثلاثة آلاف بأن جعلها خمسة. قوله: (وهو في الأصل الخ) أي من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل للسرعة من غير ريث أي بطء من قولهم ريثما، والفوّارة القدر، وفوّارة الماء على التشبيه وتوصف به النار
والغضب مجازًا وقوله: بلا تراخ مأخوذ من الشرط ومسوّمين على الفتح بمعنى معلمين من السمة، وهي العلامة نقل أنهم كانوا بعمائم صفر وقيل على خيل بلق، وقيل: على خيل محزوزة الأذناب وعلى قراءة الكسر فالمعنى أنهم مسوّمين أنفسهم ومعلميها بعلامات، أو هما من الأسامة والمراد الإرسال لهم أو لخيلهم وقوله: إلا بشارة هذا يقتضي أنهم عرفوهم بإعلام النبيّ ﷺ لهم بقوله: " تسوّموا " الحديث وهو حديث مرسل رواه ابن إسحق وغيره، وفيه أنه أوّل يوم وضعت فيه الصفوف، وأتا اطمئنان القلب فلا يقتضيه لأنه بكثرة الجند مطلقا وهو المراد من الأسباب، والحث على عدم المبالاة بالمتأخرين لتأييدهم بالملائكة بدلهم، وأقضية جمع قضاء بمعنى مقضيّ به وحمل الحكمة على فعله النصر على مقتضاها لأنه المناسب للمقام. قوله:) متعلق بنصركم الخ) فيكون في شأن بدر لما قتل فيه من المشركين فقطع طرف منهم وفز منهم قوم فكبتوا وهذا على تقدير أن يجعل إذ تقول ظرفًا لنصركم لا بدلًا من إذ غدوت لئلا يفصل بأجنبيّ ولأنه كان يوم واحد، وأما تعلقها بالنصر فهل العامل فيه النفي المنقوض بإلا أو النصر الواقع
[ ٣ / ٦٠ ]
مبتدأ ظاهر كلام المصنف ﵀ الثاني، وكلام الكشاف
الأوّل والألف واللام للعهد أي النصر الواقع في يوم بدو وسكت عنه الزمخشريّ، ولو حمل على الجنس لصح أي وما نصر الله إلا لإعزاز دينه وخذل أعدائه، وصناديد جمع صنديد وهو الرئيس، قال الطيبي: جعلهم أشرافا لأنه كان في الواقع كذا، وتنكير طرفًا يدل عليه وفي الأساس وهو من أطراف العرب أي أشرافها، وقيل: تخصيص الطرف لأنّ أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وازالته.
(قلت) كون الأطراف بمعنى الإشراف لتقدمهم في السير، ونحوه الأطراف منازل الأشراف، والناس تستعمله الآن لعكسه والكبت الغيظ والغنم المؤثر وقيل: إنّ كبته يكون بمعنى كبد. أي أصاب كبده كرآه بمعنى أصاب رئته وإنه مراد المتنبي بقوله:
لا كبت حاسدًا وأرى عدوًّا كأنهما وداعك والرحيل
أي لا وجع كبده ورئته، وشبه الحاسد بالوداع لما فيه من زوال نعمة الوصال التي يتمناها الحاسد والعدوّ بالرحيل لأنه قاتل مبغوض، وهو معنى حسن، وإنما حمل أو على التنويع دون الترديد لأنهما وقعا. قوله: (عطف على قوله أو يكبتهم الخ (في الكشاف عطف على ما قبله منقوله ليقطع أو ليكبت ويحتمل عطفه على ينقلبوا وله وجه قال النحرير: وجه سببية النصر على تقدير تعلق اللام بقوله: وما النصر إلا من عند الله ظاهر، وأما على تعلقها بقوله: ولقد نصركم الله فلأن النصر الواقع من أظهر الآيات فيصلح سببًا للتوبة على تقدير الإسلام أو لتعذيبهم على تقدير البقاء على الكفر لجحودهم بالآيات وان أريد تعذيب الدنيا بالإسر فظاهر فإن قيل هو يصلح سببًا لتوبتهم، والكلام في التوبة عليهم قلنا يصلح سببا للإسلام الذي هو سبب التوبة عليهم فهو سبب لها بالواسطة. قوله: (ويحتمل أن يكون معطوفًا الخ) قال قدس سره: لما كان في وجه سببية النصر للتوبة والتعذيب خفاء وفي الفصل مع الاعتراض بعد ذهب بعضهم إلى أنه ليى معطوفا على يقطع بل بإضمار أن من عطف الفعل المضارع المنصوب على الأمر أو شيء وهو من عطف الخاص على العام، وفي كونه بأو نظر وذهب بعضهم إلى أنها بمعنى إلا أن وهو معروف في النحو، وقيل في الفرق بين العطف على الأمر وشيء أنّ الأوّل سلب توابع التوبة من القبول والردّ، توابع التعذيب من الخلاص والمنع من النجاة. والثاني سلب نفس التوبة والتعذيب يعني أنك لا تريد بالتوبة ما هو سبب التوبة عليهم
أعني الإسلام إذ لم يذكر توبتهم وقيل هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن، ولك أن تجعله بمعنى
التكليف والإيجاب أي ليس ما تأمرهم به من عندك، ولا يخفى ما في حمله على التكليف من التكلف. قوله: (روي أنّ عتبة بن أبي وقاص الخ) أخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن قتادة وهو في الصحيح من حديث سهل بن سعد وليس فيه ذكر عتبة، وقوله: وكسر رباعيته بتخفيف الياء هي من مقدم الأسنان، وفيه تصريح بأنها لم تقلع من أصلها بل كسر طرفها وهو المصرّح به في السير، وإنما أوّل الظلم باستحقاق التعذيب لأنه المتفرّع على التعذيب، ولولاه لكان الظاهر العكس.
وقال النحرير ﵀: أنّ قوله:) شجه الخ) يشبه أن يكون وجها آخر في معنى (ليس
لك من الأمر) الخ وهو أنه نوع معاتبة على إنكاره فلاح القوم، وكذا القيل الآخر فإنه نهى له عسير أن يدعو عليهم، وقيل: هما لمجرّد بيان سبب النزول، وقوله: (قله الأمر كله الا لك فهو بيان لما قبله. قوله: (صريح في نفي وجوب التعذيب الخ) هذا ردّ على الزمخشرفي إذ قيده بما ذكر بقرينة ما قبله واستدل به على مذهبه من وجوب تعذيب العاصي واثابة المطيع، ولا يخفى أن التقييد خلاف الظاهر، وان تعليقه بمشيثته ناطق بالإطلاق، مع أنّ الآية في الكفار فكيف يستدل بها على إغراضه الفاسدة لكن العصبية تعمي وتصمّ، وقوله: فلا تبادر إلى الدعاء الخ مبنيّ على القيل الأخير. قوله: الأ تزيدوا زيادت مكرّرة) إشارة إلى أن التضعيف بمعنى التكرير مطلقا وعنب الخيل رحمه الله تعالى التضعيف أن يجعل الشيء مثلين أو أكثر وضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله، وفي الكشف الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثني، اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف على ما نقله الراغب بمعنى ضعفته
[ ٣ / ٦١ ]
وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر، والنظر فيه إلى ما فوق بخلاف الزوج فإنّ
النظر فيه إلى ما دون فإذا قيل ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أوّل مراتب تضعيفها ولو قال له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه، وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناء، على ما يتوهم أنّ ضعف الشيء موضوعه مثلاه، وضعفيه موضوعه ثلاثة أمثاله بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور، وهذا مغزي الفقهاء في الأقارير والوصايا، ومن البين في ذلك أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثاله ومنه يظهر أنه لا حاجة إلى اعتذار الأزهري ﵀ عنهم بأنه على المتعارف العامي لأنه المعتبر في الأقارير ونحوها لا على الموضوع اللغوي، وكذلك ظهر أنه لو قال له على الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال هما الأخوان وكذلك لو قال: أعطه الضعفين كان أمرًا بإعطاء زوجين وهذا معنى قول الراغب هو كالزوجين لأنّ كلا منهما يزاوج الآخر ويضاعفه، وظهر أنّ تفسير أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي ثلاثة أعذبة كما ذكره الأزهري وأيده بأنها تؤتي الأجر مرتين فكيف يزاد في عذابها، وأن قوله: أولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا صحيح لتنزيله على عشرة الأمثال كما ذكره أيضا لأنه ليس مقصورا على مثل واحد كما مرّ، وحاصله أنّ تضعيف الشيء ضمّ عدد آخر إليه، وقد يزاد وقد ينظر إلى أوّل مرأتبه لأنه المتيقن ئم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذا معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وكل هذا موضوع له في اللغة لا عرف كما توهموه فاحفظه فإنه مما اضطرب فيه كلامهم. قوله: (ولعل التخصيص الخ) دفع لما يتوهم من أنه لم ينه عن الربا مطلقا بل إذا كان مضاعفا فأجاب بأنه وقع منهم كذلك فلذا خص ومثله لا مفهوم له، والطفيف بالطاء المهملة وفاءين القليل، وقيل: إن حرمته علمت من دليل آخر كاية وأحل الله البيع، وحزم الزبوا وقوله: راجين الفلاح إشارة إلى أنّ الرجاء منهم لا من الله وأنّ الجملة في موقع الحال، وقوله: بالتحرز متعلق باتقوا واشارة إلى أنّ التقوى بمعناها اللغوي وأنّ الكافرين وضع موضع المرابين للتغليظ والتهديد وأنّ إطلاقه عليهم لمشابهتهم لهم في تعاطي ما تعاطوه،
وجعلها مخلوقة معدة لهم إشارة لما ذكره، وترهيبا وترغيبا لف ونشر مرتب وعزة التوصل تستفاد من الترجي، ولما كانت المبادرة إلى ما يفعله المبادر أوّل المغفرة بما ذكر.. قوله: (وذكر العرض للميالغة الأنه أقصر الامتدادين، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف فليس المقصود تحديد عرضها حتى يمتنع كونها في السماء بل هو كناية عن غاية السعة بما هو في تصوّر السامعين كذلك قال النحرير: وهو مناف لقول المصنف إنها خارجة عن هذا العالم، وما نقله عن ابن عباس ﵄ رواه ابن جرير. قوله: (وفيه دليل على أنّ الجنة مخلوقة) أي كما يدل عليه الفعل الماضي وكونها خارجة عنه لأنها أعظم منه فلا يمكن أن يكون محيطًا بها، وفيه نظر لأنه مبالغة ولم يقصد ظاهره كما مرّ والسرّاء الحالة التي تسرّ، وهي الرخاء والضراء التي تضرّ ضدّها فالمراد بهما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله، ويخلون بتشديد اللام من الإخلال. قوله: (الممسكين الخ (بين معناه وحقيقته، ولما كان الإمساك فعلا اختياريًا اقتضى أنه عن قدرة لا عن عجز لًا نه هو الممدوح، والحديث أخرجه أحمد وعبد الرزاق عن أبي هريرة ﵁، وفي ملء قلبه بما ذكره جزاء من جنس العمل. قوله: (التاركين الخ) المؤاخذة مفاعلة من أخذ والمراد المعاقبة المسببة عنه، والحديث
في الفردوس، وقوله: لا من عصم الله اسنثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم، وكون بعض الخصائص في الأمم السالفة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه حتى يتكلف لتأويله بما لا طائل تحته وقوله: فعلة بالغة في القبح كالزنا جعل التاء أو التنوين للمبالغة، وخص الزنا بالتمثيل لأنّ سبب النزول كان ذلك كما ذكر. الواحدي ﵀. قوله: (بأن أذنبوا أيّ ذنب كان) فهو من ذكر العام بعد الخاص
[ ٣ / ٦٢ ]
وعلى ما بعده هما متغايران وأو للتنويع على الوجوه، وأشار بقوله: تذكروا إلى أنه ليس المراد مجرّد ذكر اسمه كما أنه ليس المراد من الاستغفار مجرّد طلب المغفرة بل الندم والتوبة. قوله: (والمراد به وصفه ﷾ بسعة الرحمة (سعتها تؤخذ من أنه لا يغفر جميع الذنوب إلا هو إذ يلزمه شمول المغفرة والرحمة وهو عين سعتها، فإن قلت: هذا ترديد بين الخاص والعام، وقد تقدم أنّ أولًا تعطف مثله فما وجهه، قلت: وجه بأنه ترديد بين فرقتين من يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأقي ذنب صدر عنه، وكم بينهما وكأنّ من خصصه احترز عن هذا، وكون الاستفهام نفيًا يصحح الاستثناء المفرغ ظاهر، وأما احتمال أنّ الجملة حالية بتقدير قائلين فتعسف بارد. قوله: (ولم يقيموا على ذنويهم غير مستغفرين الخ) غير مستغفرين حال من الضمير في يقيموا والمجموع تفسير لقوله: ولم يصرّوا لأن الإصرار الإقامة على القبيح من غير استغفار ورجوع بالتوبة، وأمّا توهم أن عدم الاستغفار قيد في عدم الإصرار والمعنى لم يكونوا مصرين غير مستغفرين فلا طائل تحته كذا قال النحرير ﵀ وقوله:) ما أصرّ من استغفر (الحديث أخرجه الترمذفي وأبو داود عن الصذيق ﵁. قوله: (وهم يعلمون حال الخ) قيل الحال بعد الفعل المنفيئ، وكذا جميع القيود قد تكون راجعة إلى النفي قيدًا له دون المنفيّ مثل ما جئتك لاشتغالي بأمورك أو مشتغلا بها بمعنى تركت المجيء لذلك، وقد
تكون إلى ما دخله النفي مثل ما جئتك راكبا وما ضربت تأديبا، وهم يعلمون ليس قيدًا للنفي لعدم الفائدة لأنّ ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع الجهل أولى وإذا قيد الفعل المنفيّ فله معنيان.
أحدهما: وهو الأكثر أن يكون النفي راجعا إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل، مثل ما
جئت راكبا بمعنى جئت غير راكب وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٧٣] أنه نفي للصمم والعمي وأثبات للخرور وأنّ النفي إذا ورد على ذات مقيدة بالحال يكون إثباتا للذات ونفيًا للحال، وهذا أيضا ليس بمراد إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم.
وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معًا بمعنى انتفاء كل من الأمرين مثل ما جئتك راكبا بمعنى لا مجيء ولا ركوب وهذا أيضًا ليس بمناسب إذ ليس المعنى على نفي العلم والإصرار أو بمعنى انتفاء الفعل من غير اعتبار لنفي القيد واثباته، وهذا هو المناسب في الآية أي لم يصرّوا عالمين بمعنى أنّ عدم الإصرار متحقق البتة، وعلى هذا ينبغي أن يحمل وحرف النفي منصت عليهما معا والحاصل أنّ النفي في الكلام قد يكودط لنفي القيد والمقيد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط، وردّ بأنّ المعنى أنهم عالمون بقبحه وجزائه حتى لو ترك الإصرار لكل أو تنفر طبع لم يكن له جزاء لأنّ الجزاء على الكف لا على العدم والا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم قبائح لا تتناهى مما لا يخطر بباله وقد صرحوا به في الأصول فقوله: (وهم يعلمون) تقييد للمنفيّ والنفي راجع إلى الفيد يعني لم يكن لهم الإصرار مع العلم بالقبح لأنّ المصرّ مع عدم العلم بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصرّ للكسالة أو لعدم ميل الطبع لم يبلغه، وفيه بحث. قوله: (خبر للذين إن ابتدأت به) يعني أنّ في هذه الجملة إعرابين وفي كل منهما ما يعين ترك العاطف وقوله: (ولا يلزم الخ) ردّ على الزمخشريّ في زعمه أنها دالة على خلود العاصين ولا دلالة فيها كما ذكره المصنف ﵀، وهو الحق واستدل عليه بما مرّ في النار وقوله: (على الآوّل) أعني جعله خبرا وكلاما آخر، وأمّا إذا جعل بيانا لما قبله فلا يدل عليه لأنه بالغ في الأول في وصف مقرّهم بما ليس في هذه وقوله: (فصل آيتهم (بالتخفيف أي أتى بفاصلتها وآخرها وقوله: (مستوجبون لمحبة الله) أي مستحقون لها بالتفضل
والتكرّم منه فليس مخالفًا لمذهبنا والتخطي إلى التخصيص من كثرة التصدق، وكظم الغيظ، وتدارك التقصير بالتوبة والاستغفار وقدر المحذوف ذلك أي ما ذكر لأنه أشمل من تلك، والجزاء للمحسنين يكون زيلدة واضعافا بخلاف الأجر فإنه على قدر العمل. قوله: (وقايع الخ) السنن جمع سنة بمعنى طريقة وعادة، ومنه سنة النبيّ ﷺ والمراد بها هنا الوقايع السالفة لأنها جارية على عادة الله.
وقال: في المفصل السنة بمعنى الأمّة من الناس وأنثد " البيت المذكور، وقد قالوا: إنه لا
دليل فيه لاحتماله المعنى المشهور وهو ظاهر، وقيل: السنن هنا بمعنى الأديان ولا
[ ٣ / ٦٣ ]
يخفى نبوّ المقام عنه وان روّجه بعضهم.
قوله: (إشارة إلى قوله قد خلت الخ) يعني ذكر الوقايع السالفة للأمم المكذبة بيان لكم وكونه زيادة بصيرة وموعظة لأنّ المؤمنين متعظون متبصرون، وكونه للقرآن بعيد عن السياق ولذا أخره. قوله: (تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد الخ (وتهنوا من الوهن، وهو الضعف وفيه إشارة إلى تعلقه بما سبق من قصة أحد معنى وإن كان ظاهر لفظه العطف على سيروا في الأرض فحديث الربا وما معه استطراد، والا فطريقة النظم فيها صعبة، وقيل: إنه إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين، وقيل في ربطها: إنّ المشركين كانوا يرابون ويتقوّون بذلك على مصالح الحرب فربما هتم المسلمون بذلك فنهوا عنه، فلما قال له: ليس لك من الأمر شيء قيل له إله عما ذكر ولا يهمك ما قدر، والظاهر في وجه الربط أنهم نهوا عن التقيد بنموّ المال المانع عن الاشتغال به لأنه أنفع لهم في الدنيا بالغنائم ثم والنصر وفي الآخر فتأمل. قوله: إ وحالكم أنكم أعلى متهم شأنا (يعني أن هذه الجملة حالية واشترإكهم في
العلؤ بناء على الظاهر وزعمهم أو العلو بمعنى الغلبة والحرب سجال لكن العاقبة للمتقين، اتوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ليس على ظاهره لأنّ إيمانهم مقرّر ثابت ولكنه تهييج لهم وتحريض، لذا قيل أنه تتميم كالتعليل لأنّ الخطاب مع الرسول عش! هـ وأصحابه ﵃ تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد فلا يجري على ظاهره وكون الشرط للتعليل فائدة حسنة أشار إليها الرمخشريّ في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ اصورة الممتحنة، الآية: ا] وابن عياش بعين مهملة وياء مثناة تحتية، وشين معجمة من القراء، إدوله: قبل أن يخالفوا أمر الرسول ﷺ في اشتغال من خلفه بالغنائم الذي كان سببًا لما مز، االتداول التعاقب على أمر بأن يكون لهذا مرة وللآخر أخرى، ومنه أخذت الدولة. قوله: (أن! مسسكم قرح) قيل المضارع لحكاية الحال لأنّ المساس مضى، وأمّا استعمال إن فبتقدير كان افا إن كان مسكم قرح وأن لا تقلب كان لقوّته في المضيّ، أو على ما قيل إنها قد تعلق في أ) ! اضي من غير قلب. قوله: (فيوما الخ) بنصب يوما والذي ذكره النحاة رفعه وذكر ا) رمخشريّ في شرح أبيات الكتاب أنه من شعر للنمر بن تولب وهو ة
إن الناس قدأحدثواشيمة وفي كل حادثة مؤتمر
يهينون من حقرواشيه وان كان فيهم تقيا وبر ويعجبهم من رأوا عنده سواما وان كان فيه الغمر
فيالأبي الناس ولويعلمون للخيرخيروللشرشر
فيوم عليناويوم لنا ويوم نساء ويوم ئسز
قيل الأحسن أن يقدر فيومًا يكون الأمر علينا أي بالإضرار، ويوما لنا أي بالنفع ليكون
ط لم فًا ملائمًا لقوله ويوما نساء من سيء فلان أصيب بحزن من ساءه أحزنه ويوما نسر من سره
جعله مسرورا وأنشده ابن مالك:
فثوب لبست وثوب أجر ويوم نساء ويوم نسر
على أنّ ثوب ويوم رفع بالابتداء بتقدير الوصف أي ثوب لي ويوم لنا والعائد من الخبر محذوف قال: والبيت لامرى القيس اهـ وفيه خلط في الرواية فإن المصراع الأوّل لامرى القيس من قصيدة معروفة وكان ابن مالك أشار إليه، والنحرير لم يتأمّل كلامه. قوله: (والمداولة كالمعاورة) النهاية يقال تعاور القوم فلانا إذا تعاونوا عليه بالضرب واحدا بعد واحد ثم عم للتعاقب مطلقًا كالتداول. قوله: (والأيام تحتمل الوصف والخبر) والبدل والبيان. وقوله: (ونداولها (يحتمل الخبر والحال لف ونثر مرتب، واليوم بمعنى الوقت لا اليوم العرفي وتعريفها للعهد، أي أوقات النصر تكون تارة لكم وتارة لغيركم واسم الإشارة مثار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو ربه رجلًا ومثله يفيد التفخيم والتعظيم كما في هذا فراق بيني وبينك، قال العلامة: في حواشيه قد تصوّر فراق بينهما
[ ٣ / ٦٤ ]
عند حلول ميعاده وأشار إليه، وهذا يوضح ما مز من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] فتنبه له. قوله: (عطف على علة محذوفة الما كان الظاهر ليعلم بدون واو على أنه تعليل لما قبله احتاج للتأويل كما مرّ بأن يقدر معطوف عليه حذف لقصد الإبهام، وتكثير الفائدة أي تلك الأيام نجعلها دولًا لحكم وفوائد جمة وليعلم الخ فحذف العلة لا المعلل وقوله: إيذانا أي من أوّل الأمر والا فلو ذكر كذلك لدل على ما ذكر لكن في الحذف إيهام أنه مما يطول لتعدده ويقصر عنه البيان ولا يحيط به علم البشر واليه أشار بقوله: ما لا يعلم ولا شك أنّ فيه ما ليس في الذكر، وقيل: إنه معطوف على ما قبله باعتبار المعنى لأنّ معناه لجري عادتنا بذلك وليعلم. قوله: (أو الفعل المعلل به محذوف الخ) بخلاف الأوّل فإنه مذكور والمحذوف العلة فالعلم كناية عما ذكر لأنّ علمه بهم يستلزم وجودهم كذلك لا إنه مجاز عن التمثيل بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، وجعله الزمخشريّ تمثيلًا بتشبيه الحالة بالحالة، ومعناه فعلنا فعل من يريد أن يتميز الثابت عنده من غيره، وإنما لم يحمل الكلام على حقيقته لدلالته على أنّ العلم يحصل بعد الفعل وعلمه تعالى أزلي لا يتصف بالحدوث، ولو سلم فالعلم بالمؤمن والكافر حاصل قبل ذلك الفعل وقوله: (على حرف) أي غير ثابت كما سيأتي. قوله. (والقصد في أمثاله ونقائضه) أي إثبات العلم ونفيه كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ﴾ الآتي يعني أنّ الغرض والحكمة في التعليل بحصول علمه المكنى به عن التمييز ليعلم الذين آمنوا وقوّة الثابتين على
الإيمان بطريق البرهان فإنّ علمه دليل على ثبوتهم، ولا يخفى أنه إمّا أن يكون المراد من إثبات
العلم إثباته في الخارج فيلزم أن يكون إثباته في الخارج أزليا وإلا لم يصح استدلاله من علمه
تعالى على ثبوته إذ صحة الاستدلال إنما هي بالاستلزام أو يكون المراد إثباته في علم الله، ولا
يخفى إنّ إثباته في علم الله وعلمه تعالى واحد فلا وجه للحكم بالقصد إلى الأوّل دون الثاني
وأجيب باختيار الأوّل ولا يلزم أزلية المعلوم في الخارج لأنّ المراد من العلم تعلقه الحادث
بالوجود الخارجي وبهذا سقط ما قيل: إنّ المثبت هنا هو التمييز لا المعلوم الذي هو
المؤمنون، ولا حاجة إلى أنّ المراد ليعلم الثابتون على الإيمان، والمقصود وليتحقق الثبات
على الإيمان بطريق البرهان والمراد بالتميز التميز في الخارج الذي هو كناية عن التحقق لا
التميز عند الله الذي هو لازم علمه وذلك في قوله: (فعلنا ذلك) إشارة إلى التداول المذكور في
قوله: وتلك الأيام الخ وقوله: (وقيل الخ) هو مختار الزمخشريّ وغيره أي المراد بالعلم تعلقه
التنجيزي المترتب عليه الجزاء قال الزجاح: المعنى ليقع ما علمناه غيبا مشاهدة للناس ويقع
منكم وإنما تقع المجازاة على ما علم الله من الخلق وقوعه لا على ما لم يقع وفي الانتصاف
التعبير عن نفي المعلوم بنفي العلم خاص بعلمه تعالى، وكلام الزمخشريّ يقتضي عدم
اختصاصه وهو الظاهر فتأمّل. قوله: (ويكرم ناسًا منكم بالشهاد ٣ اسخ) فشهداء جمع شيد بمعنى
فتيل المعركة وعلى ما بعده بمعنى شاهد وكنى بالاتخاذ عن الإكرام لأنّ من اتخذ شيئأ لنفسه
فقد اختاره وارتضاه كقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه، الآية: ٤١] لأن الشهيد مقرّب في
حظيرة القدس، وعلى الثاني فهو كقوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سررة البقرة، الآية:
١٤٣] المعلل به وكذلك ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] أي خيارًا حتى تكونوا
اصحاب عزم وصبر كما هنا بما يبتلى به صبرهم من الشدائد. قوله: (الذين يضمرون الخ)
أخذه من مقابلة المؤمنين بمعنى الثابتين على الإيمان وظاهرهم يوافق باطنهم، والقرينة عليه
سبب النزول من قصة ابن أبيئ المنافق وكذا تفسيره بالكافرين ووجه التنبيه ظاهر لأنّ المحب
انمر من أحبه وإذا لم يرد ذلك كان لا محالة استدراجًا. قوله: (ليطهرهم ويصفيهم) المحص
في اللغة تخليص الشيء عما فيه عيب يقال محصت الذهب إذا أزلت خبثه قال الراغب
ظ لتمحيص هنا كالتزكية والتطهير وفي الأدعية المأثورة اللهمّ محص عنا ذنوبنا وقوله الدولة قال
الراغب: بالفتح والضم بمعنى واحد، وقيل: هي بالضم في المال وبالفتح في الحرب والجاه، وقيل: بالضم اسم الشيء المتداول وبالفتح مصدر، ولما كان المؤمنون قد تمحص ما فيهم وتطهر، والكافرون خبث كلهم انمحقوا والمحق تنقيص الشيء قليلًا قليلًا ومنه المحاق. قوله: (بل أحسبتم) يعني أن أم منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وقيل إنها متصلة وعديلها مقدر، وهو تكلف ولذا تركه المصنف رحمه
[ ٣ / ٦٥ ]
الله وقوله: (ولما تجاهدوا) إشارة إلى ما مرّ أنّ نفي العلم عبارة عن نفي المعلوم وتجري فيه الوجوه الأخر قبله وفي رمز إلى ترك الرياء وأنّ المقصود من الفعل علم الله لا الناس، ووجه الدلالة على أنه فرض كفاية من من التبعيضة وفي بعض النسخ ولما يجاهد بعضكم. قوله: (والفرق بين لما ولم الخ) أي النافيتين الجازمتين قال الزجاح: إذا قيل قد فعل فلان فجوابه لما يفعل، وإذا قيل فعل فلان فجوابه لم يفعل، وإذا قيل: لقد فعل فجوابه ما فعل كأنه قال والله لقد فعل فقال المجيب: والله ما فعل، وإذا قيل هو يفعل يريد ما يستقبل فجوابه لا يفعل، وأذا قيل سيفعل فجوابه لن يفعل فلا عبرة لإنكار أبي حيان التوقع في لما ومن فتح الميم جعله مؤكدًا بنون خفيفة محذوفة في الدرج كقوله:
إذا قال قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا أنائك أجمعا
على رواية فتح اللام وحذفها جائز قيل مطلقا، وقيل بشرط ملاقاة ساكن بعدها، وقيل:
إنّ فتح الميم اتباع للام في تحريك أحد الساكنين ليبقى تفخيم اسم الله ولم يرتكب هذا فيما بعده لبعده. قوله: (نصب بإضمار أن) نصب أمّا مصدر أو ماض مجهول والناصب له أن المصدرية على الصحيح، وقيل: الواو وتسمى واو الصرف وجوّز فيه الوجه السابق في ولما! يعلم وعلى قراءة الرفع قيل هو مستأنف، وقيل: حال بتقدير مبتدأ أي وهو يعلم الصابرين واليه أشار بتأويلها بالاسمية. قوله: (أي الحرب فإنها من أسباب الموت الخ (فالتمني للحرب لا للموت فإنه لا يطلب الدعاء به كما صرحوا به أو إنه جائز لا مطلقًا بل بتمني الشهادة، ولا يرد عليه أنّ في تمنيها تمني غلبة الكفرة لأنّ قصد متمني الشهادة الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا
غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته، لأنّ غلبة الكفرة لا يكون بموت واحد، وقد وقع هذا التمني من عبد الذ بن رواحة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ولم ينكر عليه، وأشار فيما سيأتي إلى جواب آخر وهو أن المقصود توبيخهم على ذلك، والمسنون فيه أن يقول اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي وأمتني ما علمت الممات خيرًا لي كما صرح به الفقهاء. قوله: (أي فقد رأيتموه معاينين له الخ) قال الزجاج: رأيتموه وأنتم بصراء كما تقول رأيت كذا وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية أي فهي حال مؤكدة مقترنة بالواو كما مرّ تحقيقه، والتعبير بالرؤية دون الفعل كناية عن انهزامهم وقد شاهدوا من قبل بين أيديهم ففيه توبيخ لهم على ذلك أو على تمني الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا. قوله: (فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل) الذي توهموه، ولو تركه كما في الكشاف لكان أولى لكن هذا مناسب لقوله أو قتل. قوله: (إنكار لارتدادهم الخ (والارتداد مأخوذ من قوله: ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ لأن معناه رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر وليس ارتدادًا حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله ﷺ واسلامه لهم ولذا فسر الانقلاب بالأدبار أو الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع أو هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به، والمنكر ترتيب الارتداد على خلوه بموت أو قتل والفاء استئنافية أو لمجزد التعقيب لا للسببية فإنه لا ينسب على خلوه وخلو الرسل ما ذكر بل عكسه وسيأتي ما يعلم منه جوابه. قوله:) وقيل الفاء للسببية الخ) هذا رد على الزمخشرقي حيث قال: الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت، أو قتل مع علمهم إن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببًا للتمسك بدين محمد ﷺ لا الانقلاب عنه، قال النحرير؟ لا خفاء في أن الفاء تفيد تعليق الجملة الشرطية أعني مضمون الجزاء مع اعتبار التقييد بالشرط بالجملة قبلها، وهي وما محمد الخ تعليقا على وجه تسببها عن الجملة السابقة وترتبها عليها، وتوسيط الهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا
لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بل سببًا لتمسكهم بدينه، كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ففي انقلابهم على أعقابهم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولًا يخلو كما خلت الرسل اهـ، فقد
[ ٣ / ٦٦ ]
حمل كلامه على إنكار التعقيب لأن كلامه صريح فيه ومنهم من حمله على تعقيب الإنكار، والأوّل أنسب بكلام العلامة، ثم اعلم أنّ صاحب المفتاح ﵀ صرح بأن هذه الآية من قبيل قصر الإفراد إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظام هلاكه منزلة استبعادهم إياه وانكارهم حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والتبرّي عن الهلاك فقصر على الرسالة نفيا للتبري عن الهلاك قال النحرير: وفيه بعد من جهة عدم اعتبار الوصف أعني قد خلت من قبله الرسل حتى كأنه لم يجعل وصفًا بل ابتداء كلام لبيان أنه ليس متبرئًا عن الهلاك كسائر الرسل في أنه يخلو كما خلوا ويجب التمسك بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدهم فرد عليهم بأنه ليس إلا رسولًا كسائر الرسل سيخلو كما خلوا، ويجب التمسك بدينه كما وجب بدينهم، وهو صريح كلام المصنف ﵀، ومن زعم أنه يلزم من حمله على قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة فقد أخطأ خطأ بينا وذهل عن الوصف يعني جملة قد خلت فإنها صفة لرسول، وقيل حال من الضمير فيه والأصح الأوّل وهو تصحيح للمسلكين وأنّ من جعله قصر إفراد لم ينظر إلى الوصف ومن جعله قصر قلب نظر إليه وهو الظاهر وردّ لما قال العلامة من أن صاحب المفتاح لم ينظر إلى قوله قد خلت الخ فكأنهم ذهبوا إلى أنه ﷺ رسول، ولا يموت فقيل ما هو إلا رسول يموت كسائر الرسل، وحيحئذ لا يترتب عليه الانقلاب فتبطل فائدة الفاء، ولا يطابقه التعريض بهم في قوله فما وهنوا الخ كما سيجيء، ومن حمل التركيب على قصر القلب فقد أخطأ لأنه أثبت الرسالة لمحمد ﷺ والقوم لم ينكروها والا لزم ارتدادهم لكن المصنف صرح بأنه لم يرتد أحد منهم اهـ.
ووجه الرد عليه أنّ التقييد في محله وأن من قال: يقصر القلب لأخطأ في كلامه كما توهم، ثم إنّ في كلامه بحثا من وجهين الأوّل إن ردّه على العلامة تخطئة القائل بالقلب، إنما يتوجه لو علم كلامه حتى يقال إنه لاحظ معنى الصفة أو لم يلاحظها الثاني أنه ادّعى لزوم أنّ جملة قد خلت مستأنفة، وهو بعيد لمخالفته للقواعد في الجمل بعد النكرات، والداعي له أنها لو كانت صفة لكان القصر منصبًا عليها، وهو مخالف لتقريرهم وليس بلازم لجواز أن يكون صفة مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير كقولك ما زيد إلا عالم يعلم الدقائق والحقائق فإنه لا ينافي القصر إلى معنى أنه عالم لا جاهل، وهذا تحقيق لطيف في التوابع الواردة في باب القصر وممن ذهب إلى القصر القلبي الطيبي وتبعه في الكشف لكنه لاحظ الصفة فإنه قال: التركيب من القصر القلبي لأنه جعل المخاطبين بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتله ﷺ كأنهم اعتقدوا أنه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة عليهم الصلاة
والسلام في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل على خلافه فأنكر الله عليهم ذلك وبين أن حكمه حكمهم الخ، فإن قلت كيف جوّزوا قتله ﷺ مع قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أسورة المائدة، الآية: ٦٧] قلت أجابوا عنه بأنه لا يعلم ذلك كل أحد والعالم به قد يذهب عنه لهول المقام مع أجوبة أخر. قوله: (روي أنه لما رمي الخ) عبد القه بن قميئة بقاف وميم وياء وهمزة وهاء بوزن سفينة علم من القماءة، وهي الصغر والحقارة وهذا مخالف لما سبق في قوله ليس لك من الأمر شيء من أنه عتبة بن أبي وقاص لكن ابن الجرزي والطيبي صححوا هذه الرواية، قوله: حتى قتله أي قتل مصعبًا رضي الله تعالى عنه، والصارخ قيل إنه الشيطان وانكفا الناس استعارة بمعنى رجعوا والى عباد الله اسم فعل أي ارجعوا وعباد الله مفعوله، وانحاز بمعنى اجتمع وقوله: وشدّ بسيفه أي حمل وأصل معنى الشد العقد، قالوا شد في عدوه بمعنى أسرع قال: ويجوز أن يكون أصله شد حزامه للعدو. قوله: (بل يضر نفسه (أخذه من توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله وليس إلا نفسه، وقوله: بالثبات عليه إشارة إلى أنه مجاز وضعفيه الشاكرين موضع الثابتين على الإسلام لأنه ناشئ عن تيقن حقيته، وذلك شكر له وأنس هو ابن النضر لسابق. قوله: " لا بمشيئته تعالى أو بإذنه فملك الموت الخ) ههنا شيآن ما كان له أن يموت وبإذن الله، والأول: إنما يستعمل في الفعل الذي يقدم عليه اختيارًا فجعله الزمخشريّ تمثيلًا بأن أخرح مخرح فعل اختياري لا يقدّم عليه إلا بإذن، والمراد عدم القدرة عليه والثاني: إذن الله وهو مستعار
[ ٣ / ٦٧ ]
للمشيثة والتيسير كما أن الأذن بيسير الدخول على
المحتجب، وبعض شراح الكشاف لم يفرق بينهما، وقوله: أو بإذنه لملك الموت فيكون الأذن على حقيقته، ومفعوله مقدر للعلم به وقوله: (بالإحجام عن القتال والإقدام الف ونشر مرتب ووجه التشجيع والوعد ظاهر. قوله: (مصدر مؤكد الخ) أي مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الأجل المأذون فيه المعين بإرادته كتابًا مؤجلًا ولا يضرّه التوصيف لأنه معلوم مما سبق أيضًا فليس كل وصف يخرج عن التأكيد، فلا يرد عليه أنه ينافي كون مؤجلا صفة له فتأمّل وفسر المؤجل بما له أجل مضروب، أو بما لا يتقدم ويتأخر والفرق بينهما ظاهر والتعريض بذكر الدنيا وأن منهم من أرادها، والانتهاز من انتهاز الفرصة أي اغتنامها والمسارعة إليها، والمراد بالثاكرين المريدين للأخرة وفي إبهام جزائهم واسناده إلى الله ما لا يخفى من المبالغة. قوله: (أصله أيّ الخ) اختلف في هذه الكلمة هل هي بسيطة وضعت كذلك ابتداء والنون أصلية، واليه ذهب أبو حئان وغيره وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم.
وقيل: إنها كلمة مركبة من أي المنونة والكاف واختلف في أي هذه فقيل هي أفي التي في قولهم أيّ الرجال وقال ابن جني ﵀: إنها من قولهم أوى يأوي، أويا فأعلت بالإعلال المشهور وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث، في كذا بعد التركيب معنى آخر فكم وكأين بمعنى واحد، وعلى هذا فإثبات تنوينها في الوقت والخط على خلاف القياس لأنه نسخ أصلها وفيها لغات.
إحداها: بالتشديد على الأصل.
والثانية: كائن بوزن كاعن كاسم الفاعل واختلف في توجيهها فعن المبرد ﵀ إنها
اسم فاعل من كان وهو بعيد إذ لا وجه لبنائها ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة، ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها أو الثانية لثقلها بالحركة، وقلبت الياء الساكنة ألفا كما في آية ونظيره في حذف إحدى الياءين، وقلب الأخرى ألفًا دون انقلب المكاني طاني في النسبة إلى طيء اسم قبيلة فإنّ
أصله طيئيّ بياءين مشدودتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين كما مرّ وقلبت الأخرى ألفًا فقيل طائي، وقيل إنّ إحدى الياءين حذفت قبل القلب، ثم قدّمت وقلبت.
والثالثة: كئين بياء بعد الهمزة وبها قرأ ابن محيصن ﵀.
الرابعة: كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة.
الخامسة: كئن بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون قال:
كئن من صديق خلته صادق الإخا أبان اختياري أنه لي مداهن
وتفصيله في الدرّ المصون، والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها ومن قال به فقد تعسف وموضعها رفع بالابتداء والخبر قتل، وضميرها يجمع ويفرد نظر اللفظ والمعنى، فمعه ربيون جملة حالية من ضمير قتل أو من نبيّ لتخصيصه بالصفة، أو معه حال وربيون فاعله أو جملة قتل صفة نبيّ ومعه ربيون خبر أو معه ربيون فاعله، أو الخبر محذوف تقديره مض ونحوه، وان كان ربيون تائب فاعل قتل فالجملة خبر أو صفة نبيّ والخبر محذوف ففي خبرها أربعة أوجه وإذا أسند القتل إلى النبيّ ورد عليه أنه ينافي قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ أسورة غافر، الآية: ٥١] فإمّا أن يكون المقتول من الأنبياء والمومحود بنصرهم الرسل أو هو عام كما صرح به في بعض الروايات، وا! مراد بنصرهم نصرهم في الحروب فلا ينافي قتلهم في غيرها واليه ذهب الحسن وابن جبير وجماعة فقالوا: لا نعلم نبيًا قتل في حرب وإليه حال الزمخشرقي أو المراد نصرهم لإعلاء كلمتهم ونحوه لا على الأعداء مطلقًا، وقوله: ككاءن جريا على معتادهم في إبدال الهمزة في الموازن بالعين لتخفيفها لفظا، وخطًا كما بينوه في الصرف وتولهم زغقلي بتقديم الراء في لعمري لغة فيه نادرة كضم العين، وهو قسم والتنظير به لتصرّفهم في المركب كالمفرد وقوله: (فصار كبئن) بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون، والتنظير بطائي مرّ وجهه. قوله: (بيان له) يعني أنه تمييز لكأين كتمييزكم والأكثر فيه الجرّ بمن وزعم بعضهم أنها لازمة ويرذه أنه ورد منصوبا في قوله:
اطرد اليأس بالرجاء فكائن أملا جمّ يسره بعد عسر
[ ٣ / ٦٨ ]
وأما جرّه بالإضافة فممتنع للتنوين أو صورته، ولا تجر بحرف خلافًا لابن قتيبة وابن عصفور ومعناها التكثير في الأكثر، وترد للاستفهام نادرًا. قوله: (ربانيون نالخ) يعني أنه منسوب إلى الرب كرباني والمراد به عالم زاهد، والضم والكسر على هذا مخالف للقياس والفتح موافق له وبها قرئ، وقيل الضمّ والكسر منسوب إلى الربة بالضم والكسر لغتان فيه
بمعنى الجماعة وياء النسبة للمبالغة كاحمري ومن قال: معناه الكثير العلم من ربا يربو فقد أخطأ لاختلاف الماذتين، وقوله: (منسوب إلى الربة) أي بالكسر بناء على أنّ الضم ليس لغة فيها، ومنهم من قال إنه لغة كما مرّ وقوله: (ويؤيد الأوّل الخ) لأنّ التضعيف للتكثير وهو ينافي إسناده إلى نبيّ واعتبار المعنى فيه أو رجوعه إلى كأين خلاف الظاهر، وأيد أيضًا بما مرّ من أنه لم يقتل نبيّ في حرب قط. قوله: (فما فتروا الخ) جدهم بكسر الجيم بمعنى اجتهادهم ولو قرئ بالحاء المهملة على أنه كناية عن عدم الضعف لم يبعد، وقوله:) من قتل النبئ (بناء على الوجه الثاني لأنه أبلغ وأظهر في الضعف، وقيل: إنه على الوجهين لأنّ قتل الربيين معه يفيد قتله أيضا نحو ضرب زيد مع عمرو وقوله: أو بعضهم إشارة إلى أنّ إسناد القتل إليهم بمعنى قتل بعضهم أو أكثرهم كما يقال: قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم، وفسر الوهن بمعنى الفتور ليكون ضعفوا تأسيسًا والا فأصل معناه الضعف، وفسر الضعف بالضعف عن العدوّ وهو عدم المقاومة أو في الدين بأن يتغير اعتقادهم لعدم النصر كما مرّ من قولهم لو كان نبيا لما غلب، وهذا ناظر لم مرّ. قوله: (وما خضعوا للعدوّ وأصله الخ) استكان بمعنى تضرّع أو خضع، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأنّ الخاضع يسكن لمن خضع له فألفه ل! شباع وهو كثير ولا يختص! بالضرورة، كما قيل أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو والسين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود فقوله أن يكون بالفوقية والتحتية، ووجه التعريض ظاهر، وقيل: إنه من قول العرب بأنّ فلان مكينة سوء أي بحالة سيئة أو من كأنه يكينه إذا أذله قاله الأزهريّ: وأبو عليّ فألفه منقلبة عن ياء وقوله: (فينصرهما الخ) لأنّ محبة الله للعبد إنما هي بفعل ما يريده، وهذا هو المناسب هنا. قوله:) وما كان قولهم مع ثباتهم وقوّتهم الخ) الثبات والقوّة يستفادان من عدم الفترة والضعف والربانيون من قوله: ربيون على التفسير الأوّل والإسراف تجاوز في فعل
ما يجب الذنب عامّ فيه، وفي التقصير وقيل إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم وقوله: ليكون عن خضوع بجعلهم أنفسهم مذنبة مسرفة، وطهارة يعني من الذنوب بالمغفرة وهو أقرب الإجابة وقوله: ليكون تعليل لتأخير طلب التثبيت من ثم. قوله: (وإنما جعل قولهم خبرا الخ (الجمهور على نصب قولهم خبرًا وأن وما معها اسم وعن عاصم عكسه، ورجحت الأولى بأنه إذا اجتمع معرفتان فالإعراب أن يجعل الأعرف محكوما عليه والمصدر المؤوّل أعرف لأنه بمنزلة المضمر إذ لا يوصف ولا ينكر، والثاني ليس بمسلم لأنه قد ينكر كما في وما كان هذا القرآن أن يفتري أي افتراء، وقد صرح به شرح التسهيل ووجهه المصنف بدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث، وجهة النسبة هي الفاعلية والمفعولية والحدث مستفاد من الفعل فهو يدل على زيادة معنى، وهو كونه صادرًا عنهم في الماضي فيكون أكثر تعينا وهو يقتضي زيادة التعريف بخلاف إضافة المصدر الصريح فإنها لا تدل على ذلك صريحا، ومعنى ما كان ما صح ما استقام، وفي الانتصاف أن فائدة دخول كان المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه باعتبار الكون. قوله: (فآتاهم الله بسبب الاستنفار الخ) اللجأ بوزن الحذر بمعنى الالتجاء، وهو مأخوذ من الدعاء والتضرّع والنصر والغنيمة الخ ما فيه من أمور الدنيا تفسير لثوابها، وما تعلق بالآخرة من ثواب الآخرة، والاعتداد به من وصفه بالحسن حتى كأنّ ما عداه ليس بحسن عنده، والسببية تستفاد من الفاء. قوله: (نزلت في قول المنافقين الخ) فالمراد بالكافرين المنافقون، وقولهم: ما قيل إرجاف منهم والألم يقع قتله، وعلى القول الآخر الطاعة الخضوع والانقياد لما مرّ، ويستجر بمعنى يقتضي جرّهم، وقوله
[ ٣ / ٦٩ ]
بالنصب أي نصب الجلالة، وقيل: هو عامّ الخ فالمخاطب هم المؤمنون جميعا، والمخاطب على الأوّل الصحابة والكافرون للعهد والمعهود إمّا المنافقون وامّا اليهود والنصارى والمشركون، وتوله (عن ولاية غيره) هو أبو سفيان وما
عداه من الكفرة.
قوله: (يريد ما قذف الخ) فالرعب رعب المؤمنين بأحد قيل وينافيه السين إلا أن يحمل
على التأكيد، ولقابل يعني للعام القابل، وليستأصلوهم يعني ليقتلوهم جميعًا ويقلعوهم من أصلهم وعلى هذا فالرعب رعب المشركين وقوله: (بالضم (أي ضم عين الرعب وهي الأصل والسكون للتخفيف وقيل هما لغتان، وقيل: الأصل السكون والضم للاتباع. قوله:) بسبب إشراكهم به الخ) فالباء سببية وما مصدرية وآلهة تفسير لما، وحجة تفسير لسلطانا لأنه بها يتقوّى على الخصم فالنون زائدة والسليط الزيت أو دهن السمسم، وقيل: النون أصلية، وقوله: ولا ترى الضب بها ينحهجر أي يدخلى حجرا وهو شاهد لما فيه انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، وهذا كقولهم السالبة لا تقتضي وجود الموضوع غحاصله أنه سلب لا يقتضي وجود الموضوع، وهو في وصف مغارة وأوّله:
لا يفزع الأرنب أهوالها
أي لا ضب بها حتى ينحجر ولا حجة حتى ينزلها فالمراد نفيهما جميعًا. قوله: (أي مثواهم فوضع الظاهر الخ) فالتغليظ من جعلهم ظالمين والتعليل من التعبير بالمشتق فإنه يقتضي أن مأخذه علة الحكم كما مرّ. قوله: (أي وعده إياهم بالنصر الخ) يعني أن المصدر مضاف لفاعله، وصدق يتعدى لمفعولين وقد يتعدى لواحد وهذا إشارة إلى ما مر في قوله:) إن تصبروا ولتقوا الخ) ومعنى يرشقونهم يرمونهم بالسهام، والرماة جمع رام فالمراد بالوعد النصر
المشروط بما ذكر وقوله: تقتلونهم أصل معنى حسه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده ولذا عبر به عن القتل، وقيل للقتل حسيس ومنه جراد محسوس إذا طبخ كله عن الراغب ﵀ ومن لم يقف عليه استبعده وأصل معنى الفشل الضعف وضعف القلب بالجبن والحرص من ضعف العقل واليقين وكذا ضعف الرأي من ضعف العقل فلذلك فسرها بها وقوله: فثبت مكانه أي في مكانه ولزمه، والمعنيّ كالمرضيّ بمعنى المقصود ومن الظفر والغنيمة بيان لما، وفاعل أراكم الله. قوله: (وجواب إدّا محذوف وهو امتحنكم الخ (في حتى هذه قولان قيل حرف جر بمعنى إلى ومتعلقها تحسونهم أو صدقكم أو محذوف تقديره دام لكم ذلك، وقيل حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية من إذا وما بعدها وجوابها قيل تنازعتم والواو زائدة، وقيل صرفكم، وثم زائدة وهو ضعيف جدا والصحيح أنه محذوف وقدره ابن عطية، انهزمتم والزمخشريّ منعكم نصره وأبو البقاء بأن لكم أمركم بدليل ما بعده وقدره المصنف ﵀ امتحنكم، وقدره أبو حيان انقسمتم قسمين ولكل وجهة والمركز مكانهم الذي أمرهم النبيّ ﷺ بلزومه. قوله: (كفكم عنهم الخ) أي بترك القتال، وتحول الحال من الغلبة إلى ضدها، والمراد بالابتلاء الامتحان وهو استعارة تمثيلية أي يعاملكم معاملة من يمتحن ليبين أمركم والا فالامتحان على الله محال وقوله: (ولما علم من ندمهم) أي فإنه سبب للعفو بمقتضى الفضل والكرم فالمراد بالتفضل محض التفضل ليقابل ما بعده، وأديل بمعنى جعل الدولة إمّا لهم وإمّا عليهم. قوله:) أو بمقدر كاذكر الخ) هذا على قراءة الياء التحتية المذكورة في الكشاف ظاهر وأمّا على قراءة الخطاب فقيل إنه مشكل إذ يصير المعنى اذكر يا محمد إذ تصعدون يعني لما فيه من خطأ بين بدون عطف فالصواب اذكروا وأجيب بأنّ المراد باذكر جنس هذا الفعل فيقدر
اذكروا لا أذكر ويحتمل أن يكون من قبيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر قد سنح لنا أنّ أذكر متضمن لمعنى القول والمعنى قل لهم حين تصعدون الخ، ومثله لا منع فيه كما تقول قل لزيد أتقول كذا فإنّ الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمّل، وأشار إلى أنّ الصعود هنا بمعنى الذهاب في الأرض مطلقأ وأصله الذهاب إلى جهة العلو، ويقابله الانحدار، وظاهر كلامهم الفرق بين الصعود والتصعد فإنه الذهاب في العلوّ، وهو الذهاب مطلقا وفيه نظر وقبل إنه إشارة إلى غلوهم فيما تخيروه كقولهم: أبعدت في كذا، وارتقيت فيه مرتقي فكأنه قال: إذا بعدتم في استشعار الخوف، والاستمرار على
[ ٣ / ٧٠ ]
الهزيمة، وقوله: الإصعاد إشارة إلى أنّ القراءة المشهورة بضم حرف المضارعة، وقرئ بفتحة والهمزة فيه للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح. قوله: (لا يقف أحد لأحد الخ) يعني أنه من لوى بمعنى عطف فالمراد به وتف وانتظر لأنّ من شأن المنتظر أن يلوى عنقه، وفسر أيضًا بلا ترجعون وهو قريب منه، وقرئ تلون وتقدم توجيهها، ومعنى من بكر من يرجع وأخرى مقابل أولى والمراد الساقة من العسكر أو جماعة أخرى مطلقًا، وقوله: (عطف على صرفكم) قيل عليه أنّ فيه طول الفصل بين المتعاطفين فالظاهر عطفه على تصعدون، وهو دمان كان مضارعًا لفظًا فهو ماض معنى لإضافة إذ إليه وفاعل إثابكم ضمير الله وقيل الرسول ﷺ كما سيأتي وجازاكم تفسير لأثابكم ومتعلقه محذوف تقديره ما ذكر. قوله: (غمًا متصلاَ بغم (يعني أنّ الباء للمصاحبة والظرف مستقرّ والغئم، والأوّل القتل والجرح والثاني الإرجاف بقتل النبيّ عت! هـ، والأولى أن يقول وغلبة المشركين لأنّ الظفر كان للمؤمنين والارجاف هو الإخبار بما يورث الاضطراب من الأخبار الكاذبة، ويقال: ل! اذيب أراجيف حقيقته الاضطراب فقط وقوله: (أو فجازاكم الخ) فالباء فيه سببية متعلقة بأثابكم والغنم الأوّل للصحابة ﵃ بالقتل ونحوه، والثاني للرسول ﷺ بمخالفة أمره. قوله: (لتتمرّنوا الخ) التمرّن مزاولة الأمر واعتياده ولما كان الغثم المضاعف سببًا للحزن لا لعدمه أوّله بما ذكر لأنّ من اعتاد شيئا صار طبيعة له لا يؤلمه ويحزنه، وعلى الزيادة ظاهر ولا يخفى أنّ تأكيدها وتكريرها يبعد الزيادة. قوله: (وقيل الضمير في فأثابكم للرسول ﷺ) هذا
خلاف الظاهر ولذا أخره، ومرضه والمراد بأبا بكم آساكم بالهمز والمد أي جعلكم أسوة له متساوين في الحزن واللغة الفصيحة فيه آسى وأمّا واسي فقيل مولدة وقيل: رديئة وعليه فالتعليل ظاهر، وعلى الأوّل الإثاية بحاز عن المجازاة أو تهكم على حد:
تحية بينهم ضرب وجيع
والتثريب التعيير والاستقصاء في اللوم وقوله:) عليم الخ) تفسير لخبير وفي نسخة عالم. توله: (أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس الخ) هذا بيان لمحصل المعنى، وقوله وعن أبي طلحة الخ حديث صحيح رواه البخاري، واختلف في الأمنة فقيل مصدر كالمنعة بدليل قراءة السكون، وقيل: جمع آمن كبررة وقوله كأنها المرّة إنما أفحم كأنها لأنها لم يقصد بها مرة من الأمن وإنما المقصود إلا من مطلقًا لكن لوقوعها في زمان يسير شبهت بالمرّة، والبدل هنا يدل اشتمال وعلى الحالية لا يضر كونها من النكرة لتقدمها وعلى أنه مفعول له فالأمن بمعنى كونهم آمنين ليتحد فاعلهما فلا يرد ما اعترض به عليه لكن يلزمه تقديم معمول المصدر عليه، وهذه عادة الله مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر، وقد وقع كذلك لعليّ رضي الله تعالى عنه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة. قوله: (أوقعتهم أنفسهم في الهموم الخ) يعني أن أهمه إمّا بمعنى جعله ذا هم وحزن أو جعله مهما له ومقصودا وهذا من الأوّل لأنّ ما يعتني به يحصل الهمّ لعدمه وكلاهما منقول عن الأزهري، فإن كان من الأوّل فالمعنى أنّ أنفسهم أوقعتهم في الحزن وان كان من الثاني فالمعنى ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبيّ -حرو وغيره، والحصر مستقاد من المقام. توله: (صفة أخرى الخ) الحالية من ضمير أهمتهم لا
من المبتدأ، وقوله: غير بالنصب على المصدرية المؤكدة لأنه بحسب ما يضاف إليه فلذا قدر غير الظن، وقوله: الذي يحق أن يظن به تفسير للحق وضمير يظن للظن فالإسناد مجازي كجذ جذه فلا يتوهم أنه يقتضي أنّ الظن بمعنى المظنون فيكون مفعولًا به لا مفعولًا مطلقًا. قوله:
(الظن المختص الخ) إضافته إمّا من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية، والتاء للتأنيث اللازم له أو من إضافة المصدر لفاعله أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله وهي اختصاصية حقيقية أيضًا، وإلى هذا أشار المصنف ﵀. قوله: (يقولون أي لرسول الله ﷺ وهو بدل من يظنون الخ) فالقائل من كان حاضرًا من المنافقين للنبيّ صلى
[ ٣ / ٧١ ]
الله عليه وسلم، وعلى الثاني القائل بعض المنافقين لبعض، وعن العلامة أن قوله يقولون هل لنا الخ تفسير ليظنون وترجمة له، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول أخبرني زيد قال لي: لا تذهب وكذلك كل ما لا طباق فيه كنحو نهاني قال لي اضرب وأمرني قال لي: لا تضرب ومن هذا المثال يظهران ما يتوهم من أن البدل يقولون، وهو خبر ليس بشيء وتحقيقه أن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة وحاصل السؤال أن متعلق الظن النسبة التصديقية فكيف يقع الاستفهام ترجمة له، والجواب أن الاستفهام طلب علم فيما يشك أو يظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم متعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام، وهذا كما قال لك صديقك هل تسعفني في كذا فتقول ظننت بنا سوءًا إشارة إلى أنه كان يجب عليه القطع بالإسعاف ولا يجعله مورد الاستفهام الناشئ عن الظن الفاسد وفي الآية وجه آخر وهو أن الاستفهام إنكارفي لا حقيقيّ فهو خبر وأوثر الأوّل لأنّ هذا يدفعه أنهم أخفوا قولهم لو كان لنا من الأمر شيء وهذا السؤال على القول الأوّل، وأمّا على الثاني وهو أن معنى هل لنا لم نملك من التدبير فلا ورود له، وإنما ظن السوء تصويبهم رأي عبد الفه ومن تبعه، وقوله: إنا منعنا إشارة إلى أنّ الاستفهام غير حقيقيّ وما بعده إشارة إلى أنه على ظاهر.. قوله:) أي الغلبة الحقيقية الخ (فالأمر بمعنى البال والشأن والمراد ما ذكر، وقوله: وأوليائه إشارة إلى أنّ كون الغلبة لله كناية عن غلبة أوليائه وحزبه لكونهم من الله بمكان فعلهم فعله، أو الأمر بمعنى
القضاء أي القضاء مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يريد. قوله:) حال من ضمير يقولون الخ (وأتم جعله حالًا من فاعل قل والرابط لك فلا يخفى حاله وفسر يقولون بالقول النفسي، أو بقول بعضهم لبعض لأنه لو كان جهارًا لم يكونوا منافقين، وأمّا الاستئناف ففي جواب سؤال كأنه قيل ما الذي أخفوه تيل، وهو أجود لكثرة فوائده وقلة الاعتراض بين الحال وذيها ولأنّ بدل الحال حال ولا مقارنة بينهما لترتبه على ما قبله لا لأنه لا يجتمع قولان من متكلم واحد لأنّ زمان الحال المقارن ليس مبنيًا على التضييق مع أنّ القول إذا كان نفسيا لا يتأتى هذا التوجيه، وقوله: كما وعد الخ إشارة إلى تفسير الأمر السابق بالنصر والظفر، وقوله: أو لو كان لنا اختيار مبني على تفسير هل لنا بأنا منعنا من التدبير وهو رأي ابن أبيّ بعدم الخروج من المدينة فقوله: لم نبرح أي لم نبرح بالمدينة. قوله: (لما غلبنا ولما قتل من قتل الخ) القائلون ليسوا ممن قتل لاستحالته فلذا أوّله بغلبنا وقتل منا على أنّ القتل بمعنى المغلوبية أو الإسناد مجازي بإسناد ما للبعض للكل. قوله: (أي لخرج الذين قدّر الله عليهم الخ (المضاجع إن كان بمعنى المراقد فهو استعارة للمضارع، وان كان بمعنى محل امتداد البدن مطلقا للحيّ والميت فهو حقيقة، وقوله: لا معقب لحكمه أي لا يأتي بعده ما يغيره فإن قلت كيف يكونون جميعا في بيوت المدينة مع بروز المقتولين إلى أحد قلت المراد بكونهم في بيوتهم! ولم يخرجوا للقتال بجملتهم، وهو لا ينافي خروج بعضهم لأمر آخر، وأما أنّ المراد بمن كتب عليهم القتل الكفار الذين قتلوهم بأن يخرجوا من عسكرهم ويدخلوا عليهم المدينة فيقتلوهم في بيوتهم بحيث لا يفيدهم التحصن، كما قيل: فبعيد لأنّ الظاهر من عليهم أنهم مقتولون لا قاتلون. قوله: (وليمتحن الله ما في صدوركم الخ (تقدم أنّ الامتحان مجاز عن
الإظهار وأنّ مثل هذا التركيب متعلق بمعلل معطوف على ما قبله من مجموع الشرطية أو جوابها والظاهر أنه معطوف على أنزل عليكم، ولا فصل بينهما لأنّ ما بعده إلى هنا من متعلقات المعطوف عليه أو على علة أخرى محذوفة، وأمّا عطفه على لكيلا فبعيد وتوسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة، وقوله: من الإخلاص والنفاق يدل على أنه عنده معطوف على أنزل وأنه عاتم للطائفتين والزمخشريّ جعله للمؤمنين فقط لأنهم المعتد بهم ولأنّ إظهار حالهم مظهر لغيرهم، فما قيل: إنه يدل على أنّ الخطاب في هذه الآية للمؤمنين والمنافقين معًا فإنّ إظهار الإخلاص يناسب المؤمنين واظهار النفاق يناسب المنافقين وسوق الآية على أنه للمنافقين لأنهم القائلون لو كان لنا الخ، وصاحب الكشاف جعله للمؤمنين والاعترأض عليه أقوى ليس له وجه مع كون السياق على أنّ الخطاب للمنافقين لا وجه له مع قوله وليمحص، وقد
[ ٣ / ٧٢ ]
اعترف به القائل كما سيأتي وهو الذي حمل الزمخشريّ على تخصيصمه بالمؤمنين فلله دره. قوله: (وليكشفه ويميزه الخ) قد مرّ معنى التمحيص، واسناده في النظم سابقًا للمؤمنين يقتضي ترجيح الوجه الثاني الذي اقتصر عليه الزمخشرفي، وعلى التعميم يفسر بالتمييز والمراد بما في قلوبهم الاعتقاد ولذا قال ما في قلوبكم ولم يقل قلوبكم ولا يرد عليه أنّ الخطاب للمنافقين وهو لا يناسب التخليص من الوسواس كما مر، وذات الصدور ما في القلوب التي فيها جعلها لتمكنها منها كأنها مالكة لها وقيده بقوله: قبل إظهارها لدلالة صيغة المبالغة عليه إذ بعد إبدائها لا تكون كذلك وجعله وعدًا ووعيدًا بناء على العموم الذي ارتضاه والعالم بالخفيات لا يحتاج إلى الامتحان والتجربة فهذا دليل على أنه تمثيل كما مرّ قوله:) يعني أن الذين انهزموا يوم أحد الخ (في الكشاف اسنزلهم طلب منهم الزال ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم أي إن المنهزمين بأحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا فلذلك منعهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا يعني أن التولي غير الاستزلال، وقيل استزلال الشيطان إياهم هو التولي وإنما دعاهم إليه بذنوب تقدّمت لهم لأنّ الذنب يجرّ الذنب كما أنّ الطاعة تجرّ الطاعة.
وقال الحسن استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة، وقيل: بعض ما كسبوا ترك المركز
الذي أمرهم به ﷺ فجرّهم ذلك إلى الهزيمة وقيل: ذكرهم خطايا لهم تركوا لقاء الله معها فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية وقوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ كقوله: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥ ا] يعني أنّ في الآية وجهين مبني الثاني على أنّ الزلل الذي أوقعهم فيه ودعاهم إليه هو التولي، وبعض ما كسبوا أمّا الذنوب السابقة ومعنى السببية انجرارها إليه كما في الطاعات تجرّ البعض إلى البعض، وأما قبول ما زين لهم الشيطان من الهزيمة وأمّا مخالفة أمره ﷺ بالثبات في المركز وأمّا الذنوب السابقة لا بطريق الانجرار بل لكراهة الجهاد معها فاستزلال الشيطان إيقاعهم في التولي بتذكيره إياهم تلك الذنوب حالة القتال فالوجه الثاني أربعة أوجه لا خفاء فيها، وإنما الخفاء في الأوّل المبنيّ على أنّ الزلل ليس هو التولي والانهزام بل الذنوب المفضية إليه من جهة منعها التأييد وتقوية القلب، والمعنى إنّ الذين تولوا إنما سبب توليهم استزلال الشيطان إياهم ببعض الذنوب أي إيقاعهم في الزلل، ودعاؤهم إليه بأن اقترفوا ذنوبا لم يستحقوا معها التأييد الإلهيّ، وقوّة القلب فلذا تولوا والجار والمجرور أي ببعض الخ في موقع البيان والتقرير للزلل وايقاعهم فيه بأن أطاعوه، واقترفوا الذنوب كما يقال استزله الشيطان بقتل المسلم فقوله: استزلال الشيطان توليهم وذلك لكونه زللا عن موقف الحق والمركز المأمور به وإذا أريد به الذنوب فبالمعنى الأخير، والمصنف ﵀ أشار إلى زبدته على أخصر وجه وصرح بترك المركز وغيره وأومأ إلى تزيين الشيطان بالحرص على الغنيمة والحياة لم يتركهما كما توهم، وقوله: ببعض ما كسبوا ليس بعض زائدة ولا حاجة إليه بل إشارة إلى أن في كسبهم ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال أو يقال: هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا فإنه يستحق به عقوبة أزيد منها لكنه تعالى من بالعفو عن كثير ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٤٥] ولذلك ذيله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . قوله: (يعني المنافقين الخ) فسر الكفرة بهم لأنهم هم القائلون كابن أبيئ وهم كفرة في نفس الأمر وقولهم لأجلهم الخ جعل اللام تعليلية لأنهم غائبون لقوله إذا ضربوا فلا حاجة لتأويله وأمّا شمول الإخوان للغائبين والحاضرين والقول لبضهم وهم الحاضرون والضرب لبعض آخر كما قيل فتكلف لا حاجة إليه سوى كثرة الفضول، وعمم الأخوة للحقيقية والمجازية كالصداقة وموافقة الاعتقاد وتقدّم أنه يجمع فيهما على إخوان لكنه غلب في الثاني. قوله: (إذا سافروا الخ (أصل الضرب إيقاع شيء على شيء واستعمل في السير لما فيه من ضرب الأرض بالرجل، ثم صار حقيقة فيه، وإنما قابل الغزو به
لأنه قد يكون بدونه كما في أحد. قوله: (وكان حقه إذا لقوله قالوا الخ) يعني أن متعلقه ماض! فحقه إذ لأنها للمضيّ وجعله لحكاية الحال الماضية تبع فيه الزمخشري، وقد اعترض! بوجهين الأوّل أن حكاية الحال إنما
[ ٣ / ٧٣ ]
تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال، الثاني إن قولهم لو كانوا عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرضى، وأجيب بأنّ إذا للاستمرار كما صرح به الزجاج من أنها تكون لمجرّد الوقت وقصد الاستمرار، وبأنّ قالوا لإخوانهم في موضع الجزاء معنى فيكون المعنى إذا ضربوا الخ قالوا لو كانوا عندنا الخ فيقيد القول به باعتبار آخره لأنّ المعتبر في مثله المقارنة العرفية كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٨، وهذا لا يصحح ما ذكره الزمخشريّ والمصنف ولا يدفع الاعتراض لأنها إذا كانت للاستمرار شمل الماضحي فلا تكون لحكاية الحال، وكذا إذا كان قالوا جواب إذا يصير مستقبلا فلا تتأتى فيه حكاية الحال المذكورة، وأجيب أيضا بأنّ النظر الصائب يقتضي أن تجعل إذا ظرفا لما يحصل للإخوان حتى يقال لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل قالوا: الآجل الأحر ال العارضة للأخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون وهذا لا يصحح بحسب العربية فكأنه نحا نحوا مما قاله أبو حيان ﵀: من أنه يمكن إقرار إذا على الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضافا مستقبلا على أنّ ضمير لو كانوا عائد على إخوانهم لفظا لا معنى على حد عندي درهم ونصفه والتقدير قالوا؟ لمخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزًا لو كان إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا، وما قتلوا فتكون هذه المقالة تثبيطًا لإخوانهم الباقين عن الضرب، والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأوّلين، ونقل في المغني أنها تكون للحال بعد القسم فلو حمل عليه هذا لصفا عن الكدر لكنهم تركوه لأنه غير مسلم عندهم. قوله: (جمع غاز كعاف وعفا الخ) يعني جمع فيه فاعل على فعل بالتشديد كشاهد وشهد وهو من نوادر الجمع قي المعتل ولهذا استشهد عليه بعفا في قول امرئ القيس:
ومغبرّة الآفاق خاشعة الصوى لها قلب عفا الحياض أجون
يصف مفازة بأنها لم تسلك قبله، والصوى جمع صوة وهي الحجارة تنصب علما للمفازة والقلب جمع قليب وهي البئر القديمة، وعفا بمهملة وفاء آخره بمعنى دارسات وأجون جمع أجنة بمعنى متغيرة والمصنف ﵀ أشار إلى محل الشاهد منه، وقرئ بالتخفيف بحذف إحدى الزايين أو التاء فاصله غزة ويجمع أيضا على غزاة وغزاه ككرام وغزيّ كغنيّ وغازين، وقوله: يدل على أن إخوانهم لم يكونوا مخاطبين لأنه تصريح بأنهم ليسوا عندهم فاللام للتعليل كما مرّ. قوله: (متعلق بقالوا الخ) هذا ما داخل في التشبيه أو خارج عنه فعلى الأوّل يتعلق
بقالوا وليس هذا علة لقولهم فيجعل مجازًا بأن يشبه الأمر المترتب على الفعل بالعلة الباعثة عليه وششعار له حرفه وهو المسمى بلام العاقبة وعلى الثاني متعلق بلا تكونوا أي نهاكم عنه ليجعل اعتقادكم الظاهر لهم حسرة فذلك إشارة إلى الاعتقاد الذي تضمنه القول أو للنفي المدلول عليه بالنهي قيل وجعل الحسرة في قلوبهم عبارة عن تمكنها ولزومها لهم، وقولهم: مما يغمهم أي يورثهم الغم والحزن. قوله: (أي هو المؤثر في الحياة والممات الخ) صرف المحيي عن معناه الظاهر وهو موجد الحياة لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الردّ وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما، وجعله تهديدأ لهم لأنّ علم الله ورؤيته يستعمل في القرآن للمجازاة على المعلوم والمرئيّ والمؤمنون لم يماثلوهم فيما ذكر لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه، وقرئ متم بالضم من مات يموت مثل كنتم من كان يكون، وبالكسر من مات يمات مثل خفتم من خاف يخاف كما هو مقرّر في التصمريف، ولام لئن موطئة للقسم ولام لمغفرة في جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه وهو معنى قوله ساذ مسده، وقدم القتل على الموت أوّلًا لأنه أكثر ثوابا وأعظم عند الله فترتب المغفرة والرحمة عليه أقوى، وقدم الموت في الثانية لأنه أكثروهما مستويان في الحشر، وقوله: وان وقع ذلك أي الموت لا التقديم. قوله: (لإلى معبودكم الخ) في الكشاف اسم الله لما كان اسما للذ ات الجامع لصفات الكمال على وجه الكمال كان ذكره في معرض! الوعد منبئا عن تمام الرضا والكرم والرحمة، وفي معرض الوعيد عن غاية السخط والانتقام وتقديمه يدل على الحصر أي
إليه تحشرون لا إلى غيره فلا
[ ٣ / ٧٤ ]
رجاء ولا ثواب إلا منه وادخال لام القسم على المعمول المقدم مشعر بتأكيد الحصر والاختصاص، وبأنّ ألوهيته هي التي تقتضي ذلك، وقوله: الذي توجهتم إليه يقتضي أن في هذه الجملة مقدّرا بقرينة ما قبله أي ولئن متم أو قتلتم في سبيل الله ولو حمل على العموم لكان أولى، وقوله: لا محالة مأخوذ من التأكيد بالقسم ولما كان المقصود من ذكر الحشر ذكر ما فيه من الجزاء قال فيوفي الخ. قوله: (والدلالة على أنّ لينه لهم ما كان إلا برحمة) وفي نسخة والتنبيه وقد تبع فيه الكشاف، ولما كان مخالفًا لما تقرر من أن الحصر إنما يستفاد من التقديم لا من التأكيد الزائدة ونحوه ذهب شراحه إلى أنّ الحصر إنما استفيد من تقديم الجار والمجرور وزيادة ما إنما تفيد تأكيد ذلك قالوا ففي كلامه حذف أي ما مزيدة والظرف مقدم للتأكيد، والدلالة على اللف والنشر التقديري، ولا يخفى ما فيه من العناية التي هي بسلامة الأمير وقد وقع من الزمخشري هذا في مواضع من كشافه ولا قرينة على ما ذكروه، ولو قيل: إن الحصر إنما استفيد من التقديم لدلالته على الاهتمام به والتأكيد أيضا يدل على ذلك فلا مانع من دلالته على الحصر أيضًا لأنّ تأكيد سببيته يفيد أنه لا سبب غيرها ولعل هذا مراده لكن الشراح لم يعوّلوا عليه لأنه لم يذكره أحد من أهل المعاني وكم في كتابه من أمثاله، وقد صرح به في بعض كتبه وربط الله على جأشه أي تقوية قلبه من قولهم فلأن رابط الجأس بالهمزة أي شديد القلب كأنه يربط نفسه عن الفرار لشجاعته، وإنما جعل اللين مسببًا عن ربط الجأس لأنّ من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة والفظاظة سوء الخلق وترك حسن العشرة وغلظ القلب القساوة وعدم التأثر والمراد برحمة الله ما يرحمه به مما ذكر أو الرحمة التي خلقها في فطرته. قوله:) وشاورهم الخ (كان ﵊ مأمورًا بالمشاورة مع الأصحاب، واختلف هل أمر بها في أمور الدنيا والدين أو في أمور الدنيا فمن أبى الاجتهاد له ع! ي! م ذهب إلى الثاني، ومن جوّزه وهو الأصح ذهب إلى الأوّل وهذا فيما لم يكن فيه وحي بالاتفاق فقوله في أمر الحرب بناء على الثاني أو لأنه المناسب للمقام، والاستظهار التقوّي، وقوله: (وتطييبًا لنفوسهم) هذا منقول عن السلف لكن قال الجصاص في الأحكام غير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة إلى جهة تطييب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله لأنه
لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه ثم لم يكن معمولًا به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم، ولا رفع أقدارهم بل فيه إيحاشهم لأن آراءهم غير مقبولة ولا معوّل عليها فهذا تأويل ساقط لا معنى له فانّ المشاورة حينئذ لم تفد شيئا واذ قد بطل هذا فلا بد أن يكون لمشاورته إياهم فائدة وأن يكون للنبيّ ﷺ معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل به وما خالفه ترك من غير لوم وفيه إرشاد للاجتهاد وجوازه بحضرته ﷺ واشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل اجتهاد وأنّ باطنهم مرضيّ عند الله وفيه تأمل، وقوله: بعد الشورى مأخوذ من الفاء. قوله: (في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك الخ) أي ليس التوكل إهمال التدبير بالكلية بل مراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إليه تعالى كذا في شروح الكشاف، وفي كلام الصوفية ما يخالفه وهو راجع إلى التوفيق، وقراءة عزمت على التكلم تفيد صحة إسناد العزم إلى الله تعالى وقد صرّح به أهل اللغة وأنه بمعنى القطع والإيجاب ومنه قالوا عزمات الله كما حكاه الأزهري ووقع في أوّل مسلم وشرحه، وكلام المصنف ظاهر فيه وفي أنّ المشاورة فيما لا نص فيه وقوله: فينصرهم وبهديهم لأنّ من أحب أعان محبوبه وأنجح مطلوبه. قوله: (من بعد خذلانه الخ) بعد ظرف زمان وشستعمل للمكان كقبل نقيضه على الاستعارة كما في الكشاف فقوله: بعد خذلانه وارد على الزمان بحذف مضاف، وقوله: إذا جاوزتموه وارد على المكان كما تقول جئت بعد فلان ومن بعده بمعنى واحد لكن من تدل على ابتداء المجيء، وفي المغرب في قول محمد وإنه كان بالذي لا بعد له يعني ليس له نهاية في الجودة أخذه من قولهم هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة فاختصره وأدخل عليه لا النافية للجنس كذا في شروح الكشاف، ويعلم من التوكل عليه كفايتة لمهماتهم وأهمها النصرة ومن
[ ٣ / ٧٥ ]
تقديم المتعلق أنه لا ناصر سواه.
قوله: (وما صح لنبئ أن يخون الخ) يعني المراد الإخبار بأنه يمتنع عليه امتناعا ظاهرًا
قويا لما في الانتصاف من أنّ هذه الصيغة ترد للامتناع العقلي كثيرًا نحو ما كان دئه أن يتخذ من ولد ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، وأمّا إذا كان مبالغة في النهي فهو خبر أجرى مجرى الطلب مبالغة وفي الانتصاف أن هذه الصيغة وردت نهيًا في مواضع من التنزيل نحو: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦٧، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٣ ا] وهي واردة فيهما لا تختص بأحدهما كما قيل ومنافاة النبوّة للخيانة ظاهرة، وأصل الغل والإغلال! الأخذ في خفية، ولذا استعمل في السرقة، ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم. قوله: (والمراد منه إمّ براءة الرسولى ﷺ! ااتهم ب الخ) وحديث القطيفة أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ وحسته وظن معطوف على اتهم وفي الكشاف فيه زيادة وهي كما لم يقسم يوم بدر فقال لهم النبئ ﷺ ألم أعهد إلبكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفًا فقال ﷺ: بل ظننتم أنا ننل ولا نقسم لكم فنزلت وكذا هو في تفسير الواحدي وغيره عن مقاتل وتركه المصنف لما فيه من مخالفة ما سيأتي في الأنفال من قسم غنائم بدر ٠ قوله: (وأمّا المبالغة في النص للرسول ﷺ الخ) والطلائع الجواسيس على العدوّ واحدهم طليعة وقد يطلق على الجماعة أيضًا، والمراد من التغليظ المبالغة في المنع حيث جعله سرقة وهو للتهييج والإلهاب على الترك كما في لئن أشركت، وفي شرح الكشاف أن لفظة التغليظ قبيحة لأنّ عادة الله مع حبيبه ﷺ التلطيف لا التغليظ، وكذا أنكر على النحرير في قوله عد أدنى زلة منه غلولًا إطلاق الزلة عليه ﷺ وإنه مخالف للأدب وقوله: (ولم يقسم للطلائع) أي لم يعين لهم قسما، وقوله: ثانية يعني كما بالغ في النهي بصيغة الخبر المستعمل في الممتنعات كما مرّ بالغ في تسمية الحرمان غلولًا، وقيل النهي عن الحرمان الذي هو أدنى صفة من الغلول نهى عن الغلول بطريق المبالغة والتسمية
الأخرى مبالغة في ذلك فتأمّل. قوله: (والمعنى وما صح له أن يوجد كالًا الخ (في هذه القرأءة توجيهات منها أنه من أغله بمعنى وجده غالأ كقولهم أحمده وأبخله وأجبنه بمعنى وجده كذلك ومنها أنه من أغله بمعنى نسبه للغلول كأكذبه إذأ نسبه للكذب، والمعنى النهي عن نسبة ذلك إليه. قوله: (يأت بالذي غله الخ) والحديث الذي أشار إليه ما رواه الشيخان: " والذي نفس محمد ﷺ بيده لا يغلى أحدكم شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه " وفي معناه أحاديث أخر فالإتيان على ظاهره وعلى ما بعده الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم مجازا، وكذا قوله ما كسبت فإنه عبارة عن جزائه، ويحتمل تقدير المضاف، وقوله: كالبرهان لأنه يلزم من توفية كل كاسب جزاءه أن يبوء بإثمه. قوله:) فلا يخقص! ثواب مطيعهم) تفسير لعدم الظلم وليس فيه أن ذلك بطريق الوجوب على الله تعالى فهو بمقتضى الحكمة والعدل، فلا يرد عليه أنه ليس مدّهب أهل السنة كما قيل وقد تقدّم الكلا! على قوله أفمن الخ وقوله: وبئى المصير إمّا تذييل واعتراض أو معطوف على الصلة بتقدير ويقال في حقهم وبئس المصير، ولم يذكر في مقابله الجنة لأنّ رضوان الله أكبر وهو مستلزم لكل نعيم عندهم فافهم وفرق بين المصير والمرجع بأنّ الأوّل يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم إلى ما كان عليه في الدنيا لأنّ الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفًا، والمصير اسم مكان ويحتمل المصدرية. قوله: (شبهوا بالدرجات الخ) أي هو تشبيه بليغ بحذف الأداة والضمير لمن اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله جميعًا شبههم بالدرج في تفاوتهم علوًا وسفلًا وعلى تقدير ذو ولا تشبيه، والمراد أنهم ذوو درجات أي منازل! أو أحوال متفاوتة وفيه نظر. قوله: (عالم بأعمالهم الخ) تبع فيه الزمخشري، والحق خلافه قال:
في شرح المواقف اتفق المسلمون على أنه سميع بصير لكن اختلفوا في معنافما فقالت الفلاسفة والكعبي وأبو الحسن البصري: إنهما عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات والمسموعات وقال الجمهور: منا ومن المعتزلة والكرامية إنهما صفتان زائدتان على العلم فإنا إذا علمنا شيئا علمًا جليًا ثم
[ ٣ / ٧٦ ]
أبصرناه نجد فرقًا بين الحالتين بالبديهة وأنّ في الحالة الثانية حالة زائدة في الإبصار. قوله: (أنعم على من آمن الخ) يعني أن المنة على مؤمني قومه، وهم العرب المستفاد من قولهم من أنفسهم لزيادة انتفاعهم بها في الدنيا بالغنائم والعز السرمدي ككون الإمامة فيهم وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون لفهم لسانه، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، والقراءة الأخرى بمن الجارة لمن المشذد النون واعرابها ما ذكره المصنف ﵀ وترك احتمال كون إذ مبتدأ المذكور في الكشاف لما فيه من مخالفة جمهور النحاة مع تكلفه. قوله: (من نسبهم أو من جنسهم الخ) يعني كونه منهم إمّا نسبا فيخص قريشا أو جنسأ فيعم العرب، وكونه ﷺ من أشرف القبائل غنيّ عن البيان، والبطن ما دون القبيلة كالفخذ وتفصيله في اللغة والمراد من دنس الطباع ما كان فيهم من الجاهلية، وفسر الحكمة بالسنة والمراد بها الشريعة مطلقًا المعروفة بغير وحي متلو لمقابلة الكتاب. قوله: (وإن هي المخففة واللام هي الفارقة) أي المزيدة للتأكيد والفرق بين أن المخففة والنافية، وأن هذه إن دخلت على جملة اسمية جاز إعمالها في الاسم الظاهر خلافا للكوفيين والسماع يبطل مذهبهم، وأمّا عملها في ضمير شأن أو غيره مقدرًا فذكره مكي والزمخشرفي، وتبعه المصنف ﵀ وردّه أبو حيان بأنه لم يقل به، أحد من النحاة وانها إذا دخلت على الفعلية كما هنا وجب إهمالها والأكثر كون مدخولها ماضيًا ناسخا ككان ودونه أن يكون مضارعا ناسخًا نحو وان يكاد الذين كفروا وهو قياسيّ، ودونه أن يكون ماضيا غير ناسخ نحو:
شلت يمينك إن قتلت لمسلما
أو مضارعا غير ناسخ نحو:
أن يزينك لنفسك
وأمّا قول الحلبيّ إنّ كلام الزمخشرفي، وهو معنى كلام المصنف بعينه تفسير معنى لا إعراب فخلاف الظاهر، وأن وضحه بعضهم بأنهما لم يريدا بقولهما وأنّ الشأن تقدير ضمير الشأن بل جعل الجملة حالًا بتأويل الشأن، والقصة لئلا يختلف زمان الحال والعامل فإنّ زمان الكون في ضلال قبل زمان التعليم لكن كون القصة ذلك مستمرّ، وادّعى إنه تأويل شائع في الحال الذي يتقدم زمان تحققه زمان تحقق العامل، وفيه تأمل. قوله: (الهمزة للتقريع والتقرير الخ) جملة قد أصبتم أي نلتم ووجدتم صفة مصيبة وقلتم جواب لما فإنه ظرف بمعنى حين لا حرف وجود لوجود على الصحيح يستعمل للشرط يليه ماض لفظا أو معنى، والجملة بعده مجرورة بالإضافة وناصبه الجزاء وأنى هذا جملة اسمية مقدمة الخبر وهي مقول القول ومجموع الجملة معطوف على قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ إلى هنا، وللتعلق بقصة واحدة لم يتخلل بينهما أجنبيّ، والهمزة متخللة بين المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار، والتقريع على مضمون المعطوف كذا قال النحرير وفيه دفع لما قيل إنّ العطف على ما مضى فيه بعد، ويبعد أن يقع مثله في القرآن لكن فيه نظر لأنه عطف القصة على القصة كما ذكر لكن هذا من جملة تلك القصة فلا يعد قصة أخرى. قوله: (أو على محذوف الخ (ففي مثله ثلاثة طرق العطف على ما تقدم وجعل الإنكار للجمع متعقبا أو غير متعقب والهمزة مقدمة من تأخير، والعطف على مقدر وصاحب المغني لم يحقق مسلك الزمخشريّ فيه فخلط الطريقين، والعطف على مقدر بعد الهمزة، وقوله: ولما ظرفه أي ظرف قلتم كما مرّ بيانه وجعل المثلين ضعفًا وقد مز تحقيقه وقوله والحال بيان للمعنى المراد لا إعراب للجملة حالًا لأنه يحتاج إلى تكلف، وجعل الضعف قتل سبعين وأسر سبعين بجعل الأسر كالقتل أو لأنهم كانوا تادرين على القتل، وهو كان مرضيّ الله فعدم القتل كان لتركه مع القدرة لا ينافي الإصابة، وقوله: من أين هذا مقول القول، وفسر أن بمعنى من أين أصابنا هذا لا بمعنى كيف كما مز تحقيقه لأنّ قوله من عند أنفسكم يدلّ عليه ولو كانت بمعنى كيف لم يطابق الجواب، ومعنى كونه من عند أنفسهم إنهم السبب له لا الفاعل والخالق. قوله:) وعن علئ الخ الأنهم اختاروا الفداء لصناديد العرب
ولو قتلوهم لم يقدروا على غزو أحد كما سيأتي تفصيله، وهذا رواه الترمذفي والنسائيّ وحسنه وقوله: (أن يصيب بكم ويصيب منكم (قال النحرير: أصاب منه هزمه ونال منه ما أراد وأصاب به جعله واحدًا من العدوّ وما أراد، ويوم أحد بمعنى الحرب لأنّ أيام العرب وردت بهذا المعنى كثيرًا.
[ ٣ / ٧٧ ]
قوله: (فهو كائن بقضائه الخ) قيل: إنه إشارة إلى أنّ الظرف خبر مبتدأ ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط ووجه السببية ليس بظاهر، إذ ليست الإصابة سبب التخلية بل العكس فهو من قبيل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥٣] أي ذلك سبب للإخبار بكونه من الله لأن قيد الأوامر قد يكون للمطلوب، وقد يكون للطالب وكذا الإخبار، وتقدير هو كائن بيان للمعنى والا فالتقدير ب! ذن الله يكون ويحصل وجعل الإذن مجازًا عن التخلية اللازمة للإذن لأنّ حقيقته إنما يكون عند الأمر والرضا، وليعلم عطف على بإذن الله والمراد التميز لحصول العلم قبل الإصابة، وفيه بحث لأنه ما المانع من جعل القضاء والتخلية سببا لإصابتهم ولولا ذلك لم يغلبوهم، ثم إن جعله بمعنى التخلية تبع فيه الزمخشريّ، وقد أورد عليه أنه غفلة فإنه مذهب المعتزلة لأن غلبة الكفار ليست بإرادة الله عندهم لقبحها وأمّا عند أهل السنة فالإذن بمعنى الإرادة وكأنه غفلة عن قوله بقضائه، وفي كلام النحرير دفع آخر له. قوله: (وليتميز المؤمنون والمنافقون الخ) قد قرّر سابقا أنّ إثبات علمه كناية عن إثبات معلومة على وجه برهاني والمعلوم هنا وهو الإيمان والكفر ثابت قبل إصابة ما أصابهم فأوّله بظهورهما، ولو أوّله بالثبات لصح، وليعلم مرّ أنه عطف على باذن لسبب على سبب آخر، ويصح عطفه على علة محذوفة للإبهام كما مرّ فسقط ما قيل إن أراد التميز عند الله ورد أن الطائفتين ممتازتان في علمه دائمًا وان أراد عند الناس ورد أنه لا وجه لتفسير علم الله به ولا حاجة إلى أنّ المراد لتميزهم فيتميزوا عند الخلق فاكتفى بلازمه وقوله: (أو كلام مبتد " أي معطوف على مجموع ما قبله أو هو اعتراض!. قوله: (تقسيم للأمر عليهم الخ) الظاهر أن المراد بالأمر ظاهره وجوّز فيه أن يكون بمعنى البيان، وقوله عن الأنفس والأموال أي أنفسهم وأموالهم بيان لمتعلقه، ويحتمل الدفع بأن لا يظهروا الكفر فيكون ذلك هذا فالمعنى حينئذ ادفعوا المسلمين، وهو بعيد وقوله: فإنّ كثرة السواد أي الناس يعلم من مقابلته للقتال والتخلف وقوله: يروع بالتشديد والتخفيف،
ويكسر منه على حد قوله:
تجرح في عراقيبها نصلي
قوله: (لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالًا) يعني نفي علم القتال كناية عن أن ما هم فيه
ليس قتالًا بناء على نفي العلم بنفي المعلوم لأنّ القتال يستدعي التكافؤ من الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة فهذا إلقاء للتهلكة لا قتال، أو المراد أنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه لأن علم الله بفعله الاختياري من لوازم القدرة عليه فعبر بنفيه عن نفيها، والدغل أصل معناه الاختفاء، ثم استعمل للفساد وهو المراد. قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ﴾ لانخزالهم الخ الانخزال بمعنى الانقطاع، ويومئدّ أصله يوم إذ قالوا لو نعلم قتالًا أي وقت قولهم هذا كانوا أقرب منهم للكفر قبل ذلك لظهور أماراته، قيل الظروف كلها متعلقة بًا قرب لما فيها من الاتساع لكن تعلق الكفر باعتبار الزيادة وتعلق الإيمان من حيث المفضولية كأنه قيل قربهم من الكفر يزيد على قربهم من الإيمان وصلة القرب تكون من والى تقول قرب منه وإليه ولا تقول له فقيل اللام بمعنى إلى.
(أقول (يعني أنه لا يتعلق حر فاجر أو ظرفان بمعنى متعلق واحد إلا في ثلاث صور أن
يتعلق أحدهما به مطلقا، ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأوّل كما مر تحقيقه في كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا وأن يكون الثاني تابعا للأوّل ببدلية ونحوها أو يكون المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد والمطلق فاحفظه وقول أبي البقاء: وغيره جاز أن يعمل أقرب فيهما لأنهما يشبهان الظرف في هذا بسرا أطيب منه رطبا إشارة إلى أنه كثر في الظرف التغاير الاعتباري فحمل هذا عليه، فلا يرد عليه أن ظاهره أنّ المسوغ لتعلقهما بعامل واحد شبههما بالظروف وليس كذلك وفي الدر المصون إنّ القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة حروف اللام والى ومن فإذا قلت زيد أقرب من العلم من عمرو فمن الأولى للتعدية الأصلية والثانية الجارة للمفضول فلا حاجة إلى أن اللام بمعنى إلى اص.
فما ذكره النحرير مردود، وقيل: إن أقرب هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء،
ومنه القارب لسفينته وليلة القرب أي الورود، والمعنى هم أطلب للكفر وهو يتعدى باللام. قوله:) وقيل هم لأهل الكفر الخ) يعني أنه على تقدير
[ ٣ / ٧٨ ]
مضاف وهو أهل واللام متعلقة بالتمييز
المقدّر أعني نصرة كما تقول أنا لزيد أشد ضربا لعمرو ولا يبعد ذلك عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضًا، وقوله: تخذيلا من الخذلان وهو عدم النصرة. قوله: (يظهرون خلاف ما يضمرون الخ) هذه الجملة إمّا مستأنفة أو حال من ضمير أقرب وقوله: (بأفواههم) قيل: إنه تأكيد على حذ ولا طائر يطير بجناحيه وقيل: إنه بيان لأنه كلام لفظيّ لا نفسيّ، وأثا تفسير المصنف ﵀ له كقول الزمخشريّ: إنه تصوير لنفاقهم وانّ إيمانهم موجود في أفواههم فقط فينبغي كونه تأكيدًا لهذه الفائدة فكان على المصنف ﵀ أن يقول أو تصوير ولا يتبعه وفسر بعضهم التصوير بالتحقير لأنه بمجرّد اللسان كأنه وقع في نسخته تصغير، وكأنه غلط من الناسخ. قوله: (من النفاق وما بخلو به إلى قوله بعلم واجب) أي يقينيّ قطعي بدليل مقابله. قوله: (بدلًا من واو يكتمون الخ) فهو كقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أسورة الأنبياء، الآية: ٣] وعلى الجرّ في الوجهين فهو من باب التجريد كقوله:
ياخيرمن ركب المطي ولا شرب الكؤس بكف من بخلا
واستشهد لإبدال المظهر من ضمير الغيبة بما ذكره وهو من شعر للفرزدق ومنه:
فلما تصافينا الإداوة أجهشت إليئ غضون العنبري الجراضم
فجاء بجلمودله مثل رأسه ليشرب ماء القوم بين الصرائم
على حالة لوا! في القوم حاتمًا على جوده لضن بالماءحاتم
بجرّ حاتم بدلًا من ضمير جوده لأن القوافي مكسورة، والتصافي اقتسام الماء بالحصص
عند ضيق الماء ويكون بحجر صغير يسمى مقلة بوزن وفعة يشرب قدر ما يغمره فحاول العنبريّ أي رجل من بني العنبر كان رفيقًا له الزيادة لشرهه وشدة عطشه ولسعة بطنه، وهو معنى الجراضم بضم الجيم والراء المهملة وألف وضاد معجمة فميم، والصرائم جمع صريمة وهي منقطع الرمل ويقل فيه الماء، والإجهاش التفزع إلى الغير تهيؤ للبكاء، وغضون الجلد مكاسره، وأسند لها الإجهاش لأنّ مخايله تظهر فيها وأعرب قعدوا حالًا لأنه أقعد من العطف. قوله:
(أي إن كنتم صادقين) أي ما اذعيتموه سبب النجاة ليس بمستقيم ولو فرض استقمامت فليى بمفيد أمّا الأوّل فلأن أسباب النجاة كثيرة غايته إنّ القعود والنجاة وجدا معًا وهو لا! ل ل! لى السببية، وأمّا الثاني فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد طرقه وأ! ابه فإن صح ما ذكرتم أرفعوا سائر أسبابه وأنتم معترفون بعدم ذلك هذا إذا كان متعلق الصدق هو! اتضمنه قولهم من أن سبب نجاتهم القعود عن القتال، أمّا لو كان ما صرح به مش أنهم لو أطاعونا ما قتلوا فظاهر إنه غير معلوم لجواز قتلهم في مضاجعهم، وفي الكشاف وروي أر٤ مات يوم تالوا هذه المقالة سبعون منافقا بعدد من قتل بأحد. قوله: (والخطاب لرصول الله ﷺ أو لكل أحد الخ) كون الآية في شهداء أحد هو المروي في أسباب النزول حتى تيل إن كونها في شهداء بدر غلط لم يرو عن السلف، ولذا مرضمه المصنف ﵀ و! لى قراءة الخطاب المخاطب الرسول ﷺ أوكل من يقف على الخطاب مطلقًا، وقيل: (من المنافقين الذين قالوا لو قعدوا ما ماتوا) وإنما عبر عن اعتقادهم بالظن لعدم الاعتدادب. تو! ٤: (والمفعول الأوّل محذوف الخ) قدره الزمخشريّ ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا أي لا! حسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا، واعترض بأن فيه تقديم المضمر على مفسره وهو مخصوص دأ! اكن ليس هذا منها وردّ بأنهم وان لم يذكروه لكن عود الضمير على الفاعل المتأخر لفظًا جائز! ر!، رتبة ومعنى وتعدى أفعال القلوب إلى ضمير الفاعل جائز، وقد صرّح في شرح الك! اف! جواز ظنه زيد منطلقا فهذا غريب منه، وأمّا حذف أحد مفعولي باب علم وظن فلا يمتنع ا! صار إلا اقتصارا وما هنا من الأوّل فيجوز مع أنه جوّز الاقتصار بعضهم ويكفي للتخريج مثه فإن قيل كيف جاز نهي المقتولين قيل: لأنهم أحياء ونفوسهم بالله مدركة، وقيل: إنهم تيقنوا كونهم أحياء فكيف ينهوا عن الظن بكونهم أمواتا إلا أن يجعل نفيا لأنه ورد تأكيد النفي وإن! ل، أو هو نهي عن حسبانهم أنفسهم أمواتا في وقت مّا
[ ٣ / ٧٩ ]
ويناسبه تقدير بلى هم أحياء للاست! رار. قول: (بل أحسبهم أحياء) هذا تخريج الزجاج، وأورد عليه الفارسيّ إنّ الأمر يقين فلا يؤمر فيه
بحس! بان ولا يضمر إلا الحسبان لا اعتقدهم أو اجعلهم إذ لا دلالة للمذكور عليه، وردّ بأنه يكفي مثله قرينة على أفي حال وهذا تحامل وتعصب وأمّ الأمر بالحسبان والظن فلا مانع منه بلى التكليف بالظن واقع نحو قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أسورة الحشر، الآية: ٢] أمرًا بالقياس وتحصيل الظن وأمّا أنّ المراد اليقين وتقدير احسبوا للمشاكلة فتعسف لأن الحذف في المشاكلة لم يعهد. قوله:) ذوو زلفى منه) يعني أنّ عند هنا ليس للقرب المكاني لاستحالته، ولا بمعنى في علمه وحكمه كما يستعمل له عند في نحو عند أبي حنيفة كذا لعدم مناسبة المقام وعدم مناسبته ظاهرة، وان قيل إنه مناسب بلا شبهة لأنه يدل على التحقق لأنّ المقام مقام مدح، وهذا التفسير أنسب به، وفي الكلام دلالة على التحقق من وجوه أخر بل هي بمعنى القرب شرفًا ورتبة، واختلف في رسع! ذوو ونحوه فرسمه بعضهم بدودط ألف لأنّ الألف إنما تزاد بعد واو ضمير الجمع الاسمية نحو قالوا وهذه ليست ضميرًا، ومنهم من رسمها في واو مثله تشبيها لها بواو الضمير في الفعل، والحياة الأبدية من كونهم أحياء، والقرب من عند الله والتمتع من قوله يرزقون. قوله: (يسرّون بالبشارة الخ (البشارة الخبر السارّ والاستبشار طلبها، والمعنى هنا على السرور بما علموا من حالهم فاستعمل في لازم معناه، وهو استئناف أو معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون والمراد بالخلفية التأخر في زمان شهادتهم، أو في رتبة فضيلتهم وأن لا خوف بدل من الذين بدل اشتمال وجوّز فيه النصب بنزع الخافض أي لأن لا أو بأن لا، والخوف وقوع المكروه والحزن ضد الفرج وخصه بفوات المحبو! لأن أكثر استعماله فيه وبه تتم مقابلة الخوف، وخوف مضاف ولا وجه لما قيل إنّ خوف بلا تنوين لتقدير الإضافة كما في بين ذراعي وجبهة الأسد. قوله: (والآية تدل على أنّ الإنسان غير الهيكل المحسوس الخ) الهيكل بمعنى البدن، وهو يطلق عليه كثيرًا يعني ليس الإنسان مجزد البدن بدون النفس المجرّدة بل هو في الحقيقة النفسى المجرّدة، واطلاقه على البدن لشدة التعلق
بها وهي جوهر مدول لذاته أي من غير احتياج إلى هذا البدن لوصفه بعد مفارقته بالتنعم ونحوه، وأمّا جواز أن يتوقف إدراكه على بدن آخر كما في حديث الطير الخضر فلا دليل عليه مع عمومه لأهل العذاب وكونه مدرك لذاته بإضافة مدرك لجمع اللذة بعيد. قوله: (في أجواف طير خضر الخ) قيل هو على ظاهره وإنّ أرواح الشهداء أعني نفوسهم التي بها الإدراك، والتمييز تحل أبدان الطيور المتنعمة في الجنة فتلتذ بذلك أو تتمثل طيورأ خضرًا، أو تتعلق بها فيمن جعلها مجرّدة، وقيل المراد أنها تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك أو تكتسب زيادة كمال، وهذا يلائم القناديل المعلقة تحت العرس، ومن أوّل الحديث قصد سد باب التناسخ، ومن هذا الحديث أخذ المثل المشهور النفس خضراء بمعنى أنها تميل لكل شيء وتشتهيه، ومن أنكر تجرّدها وجعلها عرضًا أو الأنفاس أوّل الحياة المذكورة بحياة أخرى أو بالحياة المعنوية وهي بقاء الذكر الحسن وحكم الإيمان وثوابه، والإحماد من أحمدته وجدته محمودًا، وذلك أنهم مدحوا بأنهم يستبشرون بحصول النعمة والفضل وعدم الحزن واللحوق لمن خلفهم، والبيان لقوله ألا خوف لأنه بنعمة الله وفضله أو الاستبشار الأوّل بدفع المضار ولذا قدم، والثاني لوجود المسارّ، وقوله: عطف على فضل هو قول للنحاة أو على نعمة على الآخر. قوله: (على أنه استئناف الخ (والاعتراض على القول بأنه يكون تذييلأ وفي آخر الكلام، ولا يشترط أن يكون في وسطه، ولا حاجة إلى تكلف توجيه له أصلا. قوله:) دال على أت ذلك أجر لهم على إيمانهم) هو مأخوذ من التعليق بالمشتق كما مرّ مرارًا واحباط العمل أن لا يعتذ به
ولا يثمر، وهو من المسائل المبينة في الأصول ووجه دلالة النظم عليه ظاهر. قوله: (خبره للذين الخ) يعني أجر مبتدأ مؤخر والجار والمجرور خبره والجملة خبر المبتدأ الأوّل، أو الجار والمجرور خبر وأجر فاعله ومن بيانية وفيه تجريد ومبالغة كما تقول لي منك عالم وإنما حمل عليه لأنهم كلهم محسنون متقون، والروحاء براء مفتوحة وواو ساكنة وحاء ومد موضع بين مكة والمدينة وقوله: فندب أي دعا وقوله: يومنا أي وقعتنا
[ ٣ / ٨٠ ]
وأيام العرب وقائعهم، وحمراء بالمد مضاف إلى الأسد اسم موضمع على ثمانية أميال من المدينة وليست بدرا الصغرى لأنّ هذه في وقعة أحد وبدر الصغرى بعد بسنة، وقوله: وكان بأصحابه القرح يعني جراحات من حرب أحد، ومعنى تحاملوا على أنفسهم تكلفوا حمل المشقة عليها وكان المشركون هموا بالرجوع إلى المدينة فلما نهض المسلمون خلفهم خافوا وذهبوا. قوله: (يعني أي بالناس الركب الخ) فالناس الثاني غير الأوّل وأل فيهما للعهد لكن الناس الأول إن كان الركب فظاهر لأنهم جمع وإن كان نعيما فأطلق عليه ذلك كما يطلق الجمع واسم الجمع المحلى بالألف واللام الجنسية على الواحد منه مجازًا كما صرحوا به أو باعتبار أنّ المذيعين لكلامه كالقائلين لهم. قوله: (روي الخ) رواه ابن جرير أو غيره وضمير إنه لأبي سفيان ﵁ ومرّ الظهران محل
معروف بقرب مكة، والميرة بكسر الميم شراء الطعام أو الطعام نفسه، وثبطوا بمعنى عاقوهم عن الخروج وغرضه أن يقال خرج أبو سفيان ولم يخرجوا أو أن لا يقع القتال لخوفه، وقوله: اتوكم في دياركم يعني أحدًا، والشريد الفارّ. قوله: (الضمير المستكن للمقول الخ) قيل في رجوعه إلى الفاعل ضعف لأنّ الجمع أطلق على واحدًا مجازًا فلا يجوز إفراد ضميره إذ لا يقال مفارقه شاب باعتبار أنّ المراد مفرقه، وردّ بأنه يكون كرجوع الضمير للفظ والمعنى ولا مانع منه ويحتمل أنّ الضمير لله أي فزادهم إيمانا بسبب ذلك.
تنبيه: قوله: إنّ المراد بالناس نعيم هذا ما ذهب إليه المفسرون والسهيلي.
وقال ابن عبد البرّ وابن حجر في أماليه هذا لم أره مسندأ وان نقله الثعلبي عن مجاهد وعكرمة، وقال الواقدي: وابن إسحق إنهم ناس من عبد قيس ورووه بسند فيه انقطاع واتهام وانحصر تسميته نعيما في مقاتل، وهو متروك ووقعت لي التسمية بسند قوي فيهم متهم وساقه. قوله: (وهو دليل على ان الإيمان يزيد ويتقص الخ (واركلام فيه معروف في الأصول والحديث والمصنف ﵀ بني كلامه أوّلًا على أنّ الأعمال داخلة في الإيمان فزيادته ظاهرة، وثانيا على أنّ نفس التصديق والاعتقاد يقبل ذلك، وأما من لم يجعل الأعمال منه ولم يجعل التصديق قابلا للزيادة والنقصان فيؤوّل ما ورد فيه بأنه باعتبار المتعلق وما يؤمن به وقوله: وينقص حتى يدخل صاحبه النار معناه يضعف حتى يوقع صاحبه في أمور توجب دخول النار، والا فالإيمان لا يوجب النار بل الجنة ولو بمقدار خردلة. قوله: (محسبنا وكافينا الخ) يعني أنه بمعنى اسم الفاعل ولذا وصف به النكرة، وهو مضاف لأن إضافة اسم الفاعل لفظية لا
تفيده تعريفًا ويعلم منه أنّ المصدر المؤوّل باسم الفاعل له حكمه في الإضافة، وفي عطف جملة نعم الوكيل الإنشائية على حسبنا الله الخبرية كلام فمن جوّزه مطلقا أو فيما له محل من الإعراب لتأويله بالمفرد فالأمر عنده ظاهر، وتفصيله في حواشي المطول، وقوله: الموكول إليه إشارة إلى أن فعيل بمعنى مفعول، وقوله: فرجعوا من بدر المراد بدر الصغرى وهي بعد أحد بسنة. قوله: (قد تفضل عليهم بالتثبيت الخ) التثبيت، وما بعده معلوم مما مرّ وقوله: تحسير بالحاء المهملة بمعنى إيقاعهم في حسرة وندم على ما فاتهم ويحتمل الإعجام أن نسبة إلى الخسران والضلال، وحرم مبني للفاعل ونفسه مفعوله أو مبني للمفعول ونفسه تأكيد للضمير المستتر وما فازوا به مفعوله الثاني. قوله: (يريد به المثبط نعيمًا الخ) يعني ذلكم إشارة إلى المثبط والمعوّق بقوله: إنّ الناس قد جمعوا لكم بالذات وهو نعيم أو بالواسطة كأبي سفيان والشيطان بمعنى إبليس خبره على التشبيه البليغ أو الشيطان صفة على التشبيه أيضا، ويحتمل أن يكون مجازا حيث جعله هو فإن كان الإشارة إلى القول فلا بد من تقدير مضاف، أي قول الشيطان ويكون الشيطان بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة وأمّا على تقدير المضاف وان احتمل أن يكون الشيطان مستعارًا له لكن فيه تكلف معنى مع التقدير والتجوز فلذا تركه المصنف ﵀ كغيره والتجوّز في الإضافة إلى
[ ٣ / ٨١ ]
إبليس لأنه بوسوسته وسبه فجعل كأنه قوله.
قوله: (أولياءه القاعدين عن الخروج الخ) يعني أولياءه يحتمل أن يكون ثاني مفعولي يخوّف والأوّل محذوف أي يخوّفكم من أوليائه أي أبي سفيان وذويه لقوله فلا تخافوهم فإن الظاهر عود ضميرهم إلى الأولياء فيكون هم المخوّف بهم ليلائم النهي عن المخوّف منهم، ويحتمل أن يكون المذكور هو المفعول الأوّل على أنّ المراد بهم القاعدون عن الخروج معه ﷺ، والثاني متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه فلا يصح عود ضمير تخافوهم على أوليائه، بل هو راجع إلى الناس في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٧٣] كضمير اخشوهم فهو رذ له، وبقي
الخطاب في ذلك إلى قوله إن كنتم مؤمنين للقاعدين أو للخارجين معه ﷺ أو للجميع قال النحرير: الظاهر الأوّل لأن الخارجين لم يخافوهم بل خافوا الله وقالوا: حسبنا الله، ويجوز أن يكون للجميع والقصد التعريض بالقاعدين وإذا كان الخطاب للقاعدين فأولياؤه على أحد الوجهين من وضع الظاهر موضع المضمر نعيًا عليهم بأنهم أولياء الشيطان. قوله: (الضمير للناس الخ) الناس الثاني هو الذي في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ وقوله: على الأوّل أي على التفسير الأوّل لقوله أولياء. إذ المراد به القاعدون عن الخروج معه من المنافقين، والمخوّف ليس هم بل أبو سفيان، والمشركون وهم المراد من الناس الثاني كما مرّ، وعلى تفسير الأولياء الثاني هم عين الناس الثاني فيعود إليهم الضمير، ولذا رجحه الزمخشريّ لقربه وتبادره والمصنف عكسه. قوله: (من مخالفة أمري الخ) فالمخاطب بقوله فلا تخافوهم كما مرّ المؤمنون وقوله: إن كنتم مؤمنين مع تحقق إيمانهم إلهاب وتهييج لهم، فإن كان المخاطب الجميع ففيه تغليب وأمّ جعل الخطاب للمنافقين على الالتفات وان كان لا تكلف فيه فخلاف الظاهر، ولذا ترك الالتفات إليه. قوله: (يقعون فيه سريعًا) يعني أنّ المسارعة ضمنت معنى الوقوع فعديت بفي والا فتعديتها بإلى. قوله: (والمعنى لا يحزنك خوف أن يضروك الخ) يعني المنهي عنه الحزن لخوف ضررهم بدليل ما بعده لا الوقوع في الكفر، لأنه أمر قبيح يحزنه فليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله، وفي المائدة أنّ المعنى يسارعون في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين وهو راجع إلى هذا التفسير لأن كيدهم وموالاتهم هو عين الضرر فلا يرد عليه ما قيل إنه أيضًا قبيح يفتقر إلى تأويل. قوله: (أي لن يضروا أولياء الله الخ) قدر المضاف للقرينة العقلية عليه، وكونهم إنما يضرون أنفسهم مأخوذ من أنّ الله لم يجعل لهم حظًا في الآخرة لمسارعتهم للكفر وقوله: (شيئًا " يحتمل) المفعول أي بواسطة حرف الجرّ أي بشيء واليه أشار بقوله: يضرون بها ولا حاجة إلى تأويله بما يتعدى بنفسه إلى مفعولين، والمعنى على المصدرية ضرر أمّا. قوله: (وهو يدل على
تمادي الخ الأنه إن لم يستمرّ كفرهم لم يقطع نصيبهم من الآخرة قيل، وما ذكره من وجه ذكر الإرادة تبع فيه الزمخشريّ وهو مبني على مذهبه في أنّ إرادة الله تعالى لا تتعلق بالشر فالصواب، تركه وإنّ وجه ذكرها لأنه لا يخرج عن إرادته شيء من خير أو شر وليس بشيء لأنه لم يقل إنه لم يرد كفرهم ولم يرمز إليه فليس فيه مخالفة لأهل السنة لا منه ولا من العلامة وهذه نكتة سرية لا داعي لتركها وقوله: (مع الحرمان عن الثواب) مستفاد مما قبله. قوله: (تكرير للتكيد الخ الما كان هذا وما قبله واحدًا بحسب المآل والظاهر بين وجهه بأنه تأكيد له أو المسارعون للكفر المنافقون أو من ارتد، وهذا عامّ لكل كافر فأردفعه به تتميما وتنبيها على أنه لا يختص بهم وجوز الزمخشرفي العكس بأن يكون الأوّل عاما للكفار، وهذا خاص بالمنافقين أفردوا بالذكر لأنهم أشد منهم في الضرر والكيد وقوله: (أو ارثد من العرب) في نسخة الإعراب.
وقيل إنّ المراد بالأوّل المنافقون أو من ارتد وهؤلاء اليهود. قوله: (والذين مفعول وإنما نملي لهم بدل الخ) إذا كان الخطاب للنبيّ ﷺ فالمقصود التعريض بهم إذ حسبوا ما ذكروا الذين أحد المفعولين ولا يجوز الاقتصار في هذا الباب على الصحيح وإنما الخ لتأويله بالمصدر لا يصح حمله على الذوات فلا يقع ثانيا في باب علم إلا بتقدير في الأوّل أي حال الذين
[ ٣ / ٨٢ ]
وشأنهم أو في الثاني أي أصحاب إنما الخ، أو هو بدل مقصود بالذات وأنّ المفتوحة مع اسمها وخبرها تسد مسد المفعولين لحصول المقصود من تعلق أفعال القلوب بالنسبة الإسنادية لا باعتبار الحذف اختصارًا أي لا تحسبن خيرية الإملاء ثابتة لهم وان كان رأيا لأنه ليس مرادهم هنا، ثم مثل بالآية الأخرى لوقوعه فيها بدون بدلية، وقوله: أو المفعول الثاني معطوف على
قوله بدل وهو إشارة إلى وجهي التقديرين السابقين وإنما قيدهم بقوله: لأنفسهم لأنه خير للمؤمنين لنيل الشهادة، وفضيلة الجهاد وغيره وما مصدرية فكان حقها الفصل لكنها كتبت في المصحف العثماني موصولة وهو المراد بالإمام في اصطلاح القراءة والمفسرين فاتبع واتباعه لازم ووجهه مشاكلة ما بعده والحمل على الأكثر فيها، والإملاء بمعنى الطول ليس خيرًا لهم لازدياد آثامهم، وتفسيره بالتخلية هو الذي في الكشاف وتفسيره به مبني على مذهبهم لأنّ شأنهم الكفر وقد خلى بينه وبينهم لا إنه إرادة وخلقه فيهم وشأنهم مفعول معه وطول بكسر الطاء وفتح الواو الحبل الذي يطول للدابة لترعى فعلى هذا هو استعارة. قوله: (استئناف بما هو العلة للحكم قبلها) بين نهيهم عن حسبان خيريته بأنه لازدياد إثمهم والقائلون بأن الخير والشرّ بإرادته تعالى يجوّزون التعليلى بمثل هذا إمّا لأنه غرض وامّا لأنه مراد مع الفعل فيشبه العلة عند من لم يجوّز تعليل أفعاله بالأغراض، وأمّا المعتزلة وإن قالوا بتعليلها لكن القبيح ليس مرادًا له عندهم، ومطلوبا وغرضًا فلذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثا نحو قعدت عن الحرب جبنًا لا غرضا يطلب حصوله ولما لم يكن الازدياد متقدما على الإملاء هنا والباعث متقدم جعلوه استعارة بناء على أن سبقه في علم الله شبهه بتقدم الباعث في الخارج قيل ولم يذهب إلى أنها لام العاقبة مع قلة تكلفه لأنّ هذه الجملة تعليل لما قبلها فلو كان الإملاء لغرض صحيح يترتب عليه هذا الأمر الفاسد القبيح لم يصح ذلك ولم يصلح هذا تعلياذ لنهيهم عن حسبان إملائهم خيرًا لهم فليتأمّل، فقول المصنف ﵀ وعند المعتزلة لام العاقبة مخالف لمذهبهم كما سمعته فلذا تكلف بعضهم له أنّ المراد بقوله: لام العاقبة أنها ليست للإرادة. توله: (على معنى ولا يحسبن الخ (على هذه القراءة الإملاء لإرادة التوبة لأنّ الإملاء للازدياد منفيّ، وعلى القراءة الأخرى هو مثبت والآخر منفي ضمنًا، ولا تعارض بين القراءتين لأنه عند أهل السنة يجوز إرادة كل منهما ولا يلزم تخلف المراد عن الإرادة لأنه مشروط بشروط كما اشار إليه المصنف ﵀ بقوله: (١ ن انتبهوا الخ) وإنما على اعتراض ولا وجه لجعلها حالية. قوله: (على هذا يجوز أن يكون حالًا الخ) يعني أن- ما في هذه القراءة مصدرية، وليزدادوا خبران، ولما لم يكن الإملاء الذي للتوبة والدخول في الإيمان ملائمًا لمقارنة العذاب المهين بل الثواب جعل الواو حالية داخلة في حيز النهي عن الحسبان بمنزلة أن يقول ليزدادوا وليكون لهم عذاب، وهذا المعنى لا يحصل بالعطف نعم للاعتراض وجه، ولذا قال المصنف
﵀ يجوز، وأن المصدرية سابكة للجملة وما المصدرية سابكة لصلتها فلا يتوهم أنه كيف يتوالي حرفا مصدر، وأمّا تصحيح العطف ويكون لهم عذاب معطوفا على ليزدادوا فغنيّ عن الردّ وعلى القراءة الأخرى يجوز العطف وألاعتراض أيضًا وقراءة الفتح في الثانية شاذة. قوله: (الخطاب لعامّة المخلصين الخ) أي خطاب أنتم وهذا هو الذي يقتضيه الذوق والا كان الظاهر على ما هم عليه أو ليلأركم، فما قيل: إنه يحتمل أن يكون للمؤمنين وعدًا لهم بتصفيه حوزتهم عن الكفار وتمحيص أمرهم أو للمنافقين تهديدا لهم لم يتركوه إلا لعدم مناسبته للنظم ولا داعي لتلوين الخطاب، ثم ذكر القراآت وهي ما مازه أي ميزه مشددًا وأمتا أمازه مزيدًا فلا يوجد في اللغة كذا قال النحرير: وأثبته في القاموس وهو حجة عليه. قوله: (وما كان الله ليؤتي أحدكم الخ) فسره بهذا المناسبة سبب النزول وإن احتمل أنه لا يطلع جميعكم بل يختص به من أراد ونصب ما يدل على الغيب من العلامات التي تدرك بالفراسة الصائبة والإلهام الرباني لبعض أهل الكشف من الأنفس القدسية، وإنما أوّل آمنوا بما ذكر لأنّ الخطاب عام للمنافقين وهم مؤمنون ظاهرا ومجتبين كمصطفين لفظًا ومعنى، وقوله: ولا يقولون إلا ما أوحي إليهم أي في أمر الشرائع، وهذا لا ينافي
[ ٣ / ٨٣ ]
اجتهاده ﷺ لأنه مأمور به فهو مستند إلى الوحي أيضا وقوله.) روي الخ) رواه ابن جرير عن السدفي، وأمّا المذكور بعده فقال السيوطي ﵀: لم أقف عليه والمراد بالأمة في قوله: " أمتي " أمّة الدعوة ولا يجوز أن يراد الإجابة وهو عام لمن في عصره وغيره ويحتمل أنّ المراد من في عصره فقط، وقوله حق الإيمان لما مرّ، وفسر التقوى بالمعنى اللغوي وخصه بما ذكر لأنه أنسب بالمهفام ولا ب! دهـ بمعنى لا يقدر ويحذ. قوله: إ قدر مضافًا
الخ (مرّ وجهه وقوله: (محذوفًا لدلالة يبخلون الخ) تكرر في هذا الكتاب والكشاف جواز حذف أحد مفعولي هذا الباب، وظاهر كلامه في سورة النور أنه إذا اتحد الفاعل والمفعولان كما في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٩ ا] ففهم منه بعضهم أنه يشترط في حذفه ذلك وأجيب بأنّ المراد منه الجواز إذا قويت الدلالة وظهرت القرينة، وهنا كذلك على أنّ الذين يبخلون الفاعل لما اشتمل على البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفدول، وهو تكلف لم يذهب إليه أحد من النحاة، وأمّا جعل هو ضمير رفع استعير في مكان المنصوب وهو راجع للبخل أو الإيتاء على أنه مفعول أوّل فتعسف لا يليق بالنظم وان جوّزه بعضهم تبعا لأبي البقاء حتى قال في الدر المصون: إنه غلط وهو ضمير فصل بين مفعولي حسب وهو مراد أبي البقاء بقوله: إنه تأكيد فلا وجه لردّه بأنّ الضمير لا يؤكد المظهر. قوله: (والمعنى سيلزمون الخ) بالبناء للفاعل والمفعول، قيل: إنه إشارة إلى أنّ ما في الآية والحديث تمثيل ولا طوق حقيقة وفي قوله: زكاة ما له إشارة في أنّ الوعيد على ترك الإنفاق الواجب والحديث المذكور أخرجه البخاريّ والترمذيّ والنسائيّ والشجاع هنا الحية العظيمة وفي شروح الكشاف، إنّ من أمثالهم تقلدها طوق الحمامة والضمير للخصلة والصفة وشبهه بطوق الحمامة في اللزوم قيل ولا يستعمل إلا في الشر فإن أرادوا في هذا المثل فصحيح والا فلا لقول المتنبي:
أقامت في الرقاب له أياد هي الأطواق والناس الحمام
وبه صرّح في الأساس. قوله: (وله ما فيهما مما يتوارث الخ) يعني أن الميراث مصدر
كالميعاد والمراد به ما يتوارث فهو حقيقة، أو أن المراد أنه يرثه يعني أنه ينتقل إليه ويخرج عن أيديهم ظاهرًا والا فهو له حقيقة، وعلى هذا فهو مجاز قال الزجاج ﵀: أي إنّ الله تعالى يفني أهلهما فيفنيان بما فيهما فليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثأ ملكًا له وقوله: فيجازيكم قيل الأظهر فيجازيهم لأنه في صدد قراءة الغيبة بدليل ما بعده، ومر بيان كون العلم عبارة عن الجزاء في القرآن وكونه أبلغ لأنّ تهديد العظيم بالمواجهة أشد. قوله: (قالتة اليهود لما سمعوا الخ) وفي نسخة قاله اليهود والحديث المذكور (٢! مخرج عن ابن عباس ﵄ رواه ابن إسحق وابن جرير ومثله سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن، وهو الظاهر لا يصدر إلا عن تمرّد عظيم، وفسر سماع الله بعدم خفائه عليه واعداد العقاب عليه وتبع فيه الزمخشرفي وهو مناسب لمذهبه في إنكار الصفات ولكنه ليس مراده ذلك كما بينه شراحه بل مراده أنه تعالى سميع لجميع المسموعات فتخصيص هذا كناية عن أنه أعد له عقابًا يناسبه فليس سماع قبول ورضا كما في سمع الله لمن حمده بل سماع ظهور وتهديد لأنه سمع ما قالوه من غير تبليغ فهو أشد للغضب عليهم وأيضا أنهم أنكروه ولا مجال لإنكاره لأنه سمعه ولهذا أكده لأنّ إنكارهم للقول بمنزلة إنكار السمع. قوله: (سنكتبه في صحائف الكتبة الخ) يعني أنّ الكتابة حقيقية والإسناد مجازيّ أو استعارة والإسناد على حقيقته، وقوله: لا نهمله مأخوذ من الكتابة لأنّ من لم يهمل شيئًا يكتبه وكذا من السين المفيدة للتأكيد، وقوله: ليس أوّل جريمة ارتكبوها مأخوذ من عطف ما سبق من جرائم
أسلافهم. قوله: (ون! قم منهم الخ) الباء في بأن نقول كباء كتبت بالقلم أي ننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب، قال الزجاح ﵀: ذق كلمة تقال لمن أي! من العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص مته، وقوله: العذاب المحرق إشارة إلى أنه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب الله لا الحريق أو الإضافة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل.
[ ٣ / ٨٤ ]
قوله: (وفيه مبالغات في الوعيد) أي في نقول ذوقوا عذإب الحريق بذكر العذاب والحريق والذوق المنبئ عن اليأس كما مرّ، والقول للتشفي المنبئ عن كمال الغيظ والغضب، وقيل في قوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ إلى هنا لأنّ السماع كناية عن العقاب ال! ظيم وجعل ما قالوه عديلا لقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحفظه بالكتابة واسناده لذاته وتأكيده بالسين. قوله: (والذوق إدراك الطعوم الخ) قال الراغب: الذوق وجود الطعم بالفم وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له أكل يقال فلان ذاق كذا وأنا أكلته أي خبرته أكثر مما خبره اهـ ثم اتسع فيه لإدراك سائر المحسوسات والحالات واستعمل في العذاب الشديد لأنّ الذوق يكون لأجل اكل فهو المبالغة فيه أن معناه إن ما أنتم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد وأدهى، ثم ذكر المصنف ﵀ مناسبة ذكره هنا بأنه نشا من حب المال الذي أعظم مصارفه وأدومها المأكل مع تناسب التوسع في الذوق والأيدي. قوله: (إشارة إلى العذاب الخ (أي ذلك العقاب والعذاب المحقق حتى كأنه محسوس بسبب أعمالكم التي قدّمتموها وبسبب عدله المقتضي له، والإتيان بصيغة المبالغة سيأتي تحقيقه في موضع آخر وتقديم الأيدي عملها لأنّ من يعمل شيئا يقدّمه، فجعله في الكشاف عبارة عن جميع الأعمال التي أكثرها أو كثير منها يزاول باليد على طريق التغليب فيما قدمت بلا تجوّز في اليد، والمصنف ﵀ جعل التجوز فيها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مد ارجل العمل عليه، وبعض الناس لم يعرفه ففسر بما رأينا تركه خيرًا من ذكره قيل، ولقوله: ظلام للعبيد توجيه آخر غير ما ذكره المصنف ﵀ يدرك بحدة بصر البلاغة، وهو الإشارة إلى أنهم استحقوا العذاب بحيث لو لم يعذبهم كان كالمانع لحقهم وأورد عليه أنه مخالف للمذهب الحق من أنه المالك الحقيقي،
وتصرّف المالك في ملكه كيف يشاء فله أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي، ولا ظلم في أفعاله كيفما كانت إذ هو الفعال لما يرد، وقد فسروا العدل بأنه لا يقبح له فعل فجعلوه صفة سلبية، والجواب أن ما ذكروه من أنّ إثابة العاصي وعقاب المطيع لا تنافي ما ذكر يعني عقلًا وأمّا كونها تنافي الحكمة والعدل سمعًا فلا خلاف فيه قال في المسايرة وقد نص تعالى على قبحه حيث فال: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الجاثية، الآية: ٢١] فجعله تعالى سيئا وكلامهم في التجويز وعدمه أمّا الوقوع فمقطوع بعدمه اتفاقًا غير أنه عند الأشاعرة للوعد بخلافه وعند غيرهم لذلك وقبح خلافه عقلا فتأمّل. قوله: (بأنّ لا تؤمن لرسول الخ) الباء في قوله أن يقرّب بقربان أي يذبح ذبيحة إمّا زائدة أو لتضمنه معنى يأتي والا فهو متعد بنفسه، وقوله: أي تحيله بيان لأنّ كل النار مجاز عن إحالته إلى طبعها إمّا استعارة على التشبيه أو مجاز مرسل لأنّ المأكول يستحيل أخلاطًا تناسب أخلاط اكل وكذا المحرق بالنار ينقلب دخانًا ونارا إمّا جميعه أو بعضه، وقوله شرع بشين معجمة وراء وعين مهملتين بوزن حسن معناه سواء، ص قال في شرح الفصيح قال ابن وستوربه كأنه جمع شارع كخادم وخدم أي كلكم يشرع فيه شروعا واحدًا، ويستوي فيه المذكر والمفرد وغيره وأجاز كراع والقزار تسكين رائه وأنكره يعقوب في الإصلاح وقال: إنما شرع بمعنى حسب. قوله: (تكذيب وإلزام الخ) التكذيب من قوله بالبينات أي المعجزات فإن الرسل السابقة عليهم الصلاة والسلام لم تقتصر معجزتهم على ما ذكرتم كما ادّعيتم ومنه يعلم الإلزام أيضًا أو الإلزام بأنه لو كان التصديق بتلك المعجزة دون غيرها لما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ببينات أخر ونقل عن السدّي ﵀ أن هذا الشرط جاء في التوراة هكذا من جاء يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما الصلاة والسلام، وكانت هذه العادة جاربة إلى مبعث المسيح ع! هـ وقوله: في
معجزات أخر أي معها والظرفية إشارة لكثرتها. قوله: (ثسلية للرسول يكني! الخ) إشارة إلى أنّ قوله فقد كذب الخ جواب للشرط مؤوّل بلازمه أي فلا تحزن وتسل، وتيل: إنه لا حاجة إلى تأويله إذ المعنى أن يكذبوك فتكذيبك تكذيب للرسل قبلك لأنهم أخبروا
[ ٣ / ٨٥ ]
ببعثتك ففيه توضيح لصدقه وتوبيخ لمن كذبه وقوله: (مغايرة للبينات بالذات) بأن يراد بالبينات المعجزات غير الكتب لأنّ إعادة العامل تقتضي المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من عطف الخاص على العام. قوله: (وعد ووعيد للمصدّق الخ الف ونشر، ووجهه أنّ بعد الموت يجزى كل بما عمل والبيت شاهد للنصب مع عدم التنوين لأنه المحتاج للإثبات والشعر لأبي الأسود الدؤلي وهو: رأيت امرأ كنت لم أبله أتاني فقال اتخذني خليلا فخاللته ثم أكرمته ولم أستفدمن لدنه فتيلا
فوافيته حين جرّبته كذوب اللسان شؤمابخيلا
فذكرته ثم عاتبته عتابًا رفيقاوقولًا جميلا
فألفيته غيرمستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
بعاتب من صادقه فطلب حلة له هبة أو شراء فلم يعطها له وتعلل بعلل، وذاكر بالجرّ
عطفًا على مستعتب ويجوز نصبه عطفا على غير وترك تنوينه وكان الأصل فيه أن ينون ويكسر لالتقاء الساكنين لكنه حذف لالتقاء الساكنين في بعضه من غير تحريك والله منصوب به لاعتماده أي ذكرته ما كان بيننا من العهود وعاتبته، أو في عتاب فما وجدته طالب رضاي، يقال: استعتبته فاعتبي أي استرضيته فأرضاني. قوله: (تعطون جزاء أعمالكم خيرا كان أو شرا تاما وافيا) حالان من المفعول والتمام يشعر بأن من الجزاء ما يكون قبله فيدل على عذاب القبر وبه صرح الزمخشريّ مع مخالفة المعتزلة فيه فلم ير رأيهم في هذه المسألة كما نبه عليه الشراح، وفسر القيامة بالقيام من القبور فهي مصدر فيه الوحدة لقيامهم دفعة واحدة، وقيل: في نكتته
أيضًا إنه قد يقع الجزاء ببعضها في الدنيا وقوله: (القبر روضة الخ) أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وقال إنه غريب لا يعرف إلا عنه ورده العراقي ﵀ بأنّ الطبراني أخرجه في الأوسط عن أبي هريرة رضي أدلّه عنه أيضا. قوله: (والزحزة الخ الما كان الزح الجذب استعمل في لازمه وهو البعد وكرّر لأنّ بتكراره يحصل البعد ويتحقق، وقوله: بالنجاة إشارة إلى متعلقه ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد، وذكر دخول الجنة بعده لأنه لا يلزم من البعد عن النار دخول الجنة وهو ظاهر والحديث المذكور أخرجه مسلم وضمير يأتي راجع لمن، وفي الأساس أتى إليه إحسانًا إذا فعله أي يحسن إلى الناس بما يحب أن يحسن به إليه. قوله: إ شبهها بالمتاع إلى آخره (المتاع ما يتمتع وينتفع به مما يباع ويشترى والمستام بمعنى المشتري، والتدليس قريب من التلبيس مأخوذ من الغرور لأنه ما يفرّ به، وبلاغ بمعنى تبليغ وإيصال إلى الآخرة. قوله ة (أي والله لتختبرنّ الخ) يعني اللام جواب القسم والابتلاء الاختبار والامتحان، وهو تمثيل كما مرّ، وقوله: لا يرهقهم أي لا يسوءهم. قوله: (من معزومات الأمور (قال النحرير: إن العزم مصدر بمعنى المعزوم أي المعزوم عليه يقال عزمت على الأمر وأعزمت ولم
يسمع عزمت الأمر والفاعل هو العبد بمعنى أنه يجب عليه أن يعزم على ذلك أو الله تعالى ومعنى عزم الله أي أراد وقصد وقطع وفرض أن يكون ذلك ويحصل، وذكر الإمام المرزوقي أن حقيقة العزم توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله ولذلك لم يجز إطلاقه على الله تعالى، وفيه أن قوله: لم يسمع عزمت الأمر فيكون معزوم من الحذف والإيصال لا وجه له لأنّ الراغب قال: في مفرداته يقال عزمت الأمر وعزمت عليه واعتزمت قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٥] وما نقله عن المرزوقي من أنّ العزم لا يطلق على الله لإيهامه ما لا يليق بجنابه غير صحيح أيضًا لأنه ورد إطلاق عليه تعالى بمعنى الإرادة والإيجاب، وقرئ به فإذا عزمت كما مر ونقله أئمة اللغة كالأزهري وغيره وورد إطلاقه في الحديث كما مرّ، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: أي أمر الخ وقوله: نحو إمضائه أي تنفيذه وفي نسخة لإمضائه. قوله: (أي اذكر وقت أخذه الخ) يعني إذ مفعول أو ظرف بتقدير الحادث كما مرّ، وقوله: حكاية الخ الميثاق والعهد والقسم يعامل معاملة اليمين ويجاب بما يجاب به فقوله لتبيننه جواب ميثاق لتضمنه معنى القسم، وقرئ بالياء والتاء لما قزر
[ ٣ / ٨٦ ]
علماء العربية من أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء، كأن تقول استحلفته ليقومن.
الثاني: أن يأتي بلفظ الحاضر يريد اللفظ الذي قيل له فيقول استحلفته لتقومن كأنك قلت
له لتقومن.
الثالث: أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول استحلفته لأقومن ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ بالنون والتاء والياء ولو كان تقاسموا أمرًا لم يجىء فيه الياء لأنه ليس بغائب، وقوله: ولا تكتمونه يحتمل العطف والحال. قوله: (والنبذ وراء الظهر (أي الطرح تمثيل واستعارة لعدم الالتفات وعكسه جعله نصب العين ومقابلها، وقوله: وأخذوا بدله أوّله به لئلا يكون الثمن مشترى وقد تقدم تحقيقه، وقوله: واغراضها بالمعجمة جمع غرض بمعنى متاع لا مقابل الجوهر وقوله: (من كتم علمًا) الحديث من أهله وعن أهله وقعا في النسخ قال
العراقي إنه لم يرد بهذا اللفظ وإنما المروفي في السنن " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار " وما روي عن عليّ ﵁ رفعه صاحب الفردوس وغيره، ومعنى ألجمه جعله في فمه كاللجام وجعل فمه محل العذاب جزاء له بجنس عمله ومن نار ترشيح. قوله: (والمفعول الأوّل الذين يفرحون الخ) الفاء للإشعار بأنّ أفعالهم السابقة سبب لعدم الحسبان، والذين على هذه القراءة مفعول أوّل وفلا تحسبنهم تأكيدًا وبدل وبمفازة المفعول الثاني أي فائزين بالنجاة من العذاب، وبمفازة إمّا مصدر ميمي بمعنى الفوز والتاء ليست للوحدة لبناء المصدر عليه فمن العذاب متعلق به، وهو ظاهر كلام المصنف ﵀، أو اسم مكان أي محل فوز ونجاة ويجوز أن يستعار من المفازة للقفر فمن العذاب صفة له لأنّ اسم المكان لا يعمل، ولا بد من تقديره خاصا أي منجية من العذاب، وقوله: من الوفاء بيان لما وخص ما فعلوا بما ذكر للقرينة السابقة وبجوز تعميمه وفسر أتوا بفعلوا لأنه يكون بهذا المعنى، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ويدل عليه قراءة أبيئ وضي الله عنه يفرحون بما فعلوا. قوله:) ومفعولًا لا يحسبن محذوفان الخ) قيل هذا إذا جعل التأكيد هو مجموع لا تحسبنهم أعني الفعل والفاعل والمفعول وأمّا إذا جعل التأكيد هو الفعل والفاعل على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقًا إلا الفعل والفاعل فالضمير المنصوب المتصل بالتأكيد هو المفعول الأوّل ولا حذف ألا ترى أنه لم يحمل القراءتين السابقتين على حذف المفعول الثاني من أحد الفعلين أعني التأكيد، والمؤكد انتهى ورد بأنّ فيه اتصال ضمير المفعول بغير عامله أو فاعله المتصل بعامله كضربته ولم يقل به
أحد من النجاة وان كان فيه تحاس عن الحذف في هذا الباب، أقول ليت شعري من النحاة الذين ذكرهم والمسألة في شروح الكتاب مفصلة، وفي الكتاب إشارة إليها في قوله:
وجيران لنا كانوا كرام
وفصلها ابن خروف، والشلويين ولولا خوف الإطالة كنا أوردنا لك كلامهم قي اتصال الضمير بغير عامله وما ذكره بعينه في غيره من الكتب وقد أفردت هذه المسألة برسالة مستقلة.
(قلت أليس هو بغافل عنه لكن وقع في كلام الزمخشري، والنحاة أن الفعل المزيد للتأكيد وكذا المؤكد يتصل به الضمير وان لم يكن عاملًا فيه كما صرّح به في تفسير وإن كانت لكبيرة في قراءة الرفع ووقع مثله في التسهيل فقال شارحه الدماميني القاعدة المقررة أن الضمير لا يتصل بغير عامله والاعتلال بإصلاح اللفظ نشأ منه إفساد هذه القاعدة، ثم وقوع الضمير المنفصل إلى جانب الفعل لا يضرّ إذا كان لفرض! نحو إنما قام أنت فلو فعل به هنا كذا لكان مستقيمًا وفيه نظر يعلم مما تقدم، وقوله: أو المفعول الأوّل محذوف أي والثاني مذكور وهو بمفازة كما مرّ. قوله: (روي أنه الخ) هذا أخرجه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عتهما ووجه فرحهم تكذيبهم للنبيّ ﷺ أنه لو كان نبيًا لعلم كذبهم فلما نزل الوحي تبين خلات ما ظنوه وانقلب فرحهم غما وكذا قوله: (وقيل نزلت الخ) رواه الشيخان أيضًا وقوله: (واستحمدوا) أي طلبوا أن يحمدوا. قوله: (فهو يملك أمرهم الخ) لأنّ ملك السموات والأرض عبارة عن ملكهما وما فيهما وضعف كونه رذًا لقولهم إن الله تعالى فقير لبعده، ولو قيل وفيه ردّ لهان الأمر، وقوله: إنّ في خلق السموات والأرض! تأكيد لما قبله ولهذا لم يعطف عليه وإنما خص هذه الثلاثة هنا بعد ما زاده في البقرة
[ ٣ / ٨٧ ]
لأنّ الآيات على كثرتها منحصرة في السماوية والأرضية، والمركبة منهما فأشار إلى الأوّلين بخلق السموات والأرض والى الحالثة باختلاف الليل والنهار لأنهما من دوران الشمس على الأرض ولما فرغ من آيات الربوبية بين العبودية، ولما كان العبد مركبا من النفس والبدن أشار إلى عبودية البدن بقوله:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الخ والى عبودية القلب والروح بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وخصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته، ثمّ ذكر الدعاء بعده تعليما لأنّ الدعاء إنما يجدي بعد تقديم وسيلة وهي إقامة وظائف العبودية من الذكر والتفكر فانظر إلى هذا الترتيب ما أعجبه وهذا وجه آخرغير الذي ذكره المصنف ﵀ ولعله أقرب منه فإن ذكره مبني على مذهب الحكماء في إثبات الصورة والهيولى والأوضاعه الفلكية المبينة في الهيئة.
قوله: (لدلائل واضحة الخ) ووجه الدلالة على وجود الصانع تغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها إلى مؤثر قديم وإذا دلت على ذلك لزم منه الوحدة، ووجه الدلالة على ما بعده اتقان هذه المصنوعات المقتضى له ولكماللأ القدرة أيضًا ويكفي هذا القدر لمن كان على بصيرة من ربه، وقوله: العقول المجلوّة أخذه من التعبير باللب لأنّ معناه الخالص عن الشوائب وشوائب الحس والوهم وإغلاطه، وقوله: بتبدل صورها علمت ما فيه وقوله: (ويل لمن قرأها الخ) أخرجه أبن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: (يذكرونه دائمًا على الحالات الخ) أخذ الدوام من ذكر هذه الأحوال لأنه يفهم منها الدوام عرفا كما لا يخفى، وقي أخذه من المضارع الدال على الاستمرار، وأشار بقوله على الحالات إلى أنّ الدوام ليس حقيقيا، ولذا قال الزمخشريّ في أغلب أحوالهم وقوله: قائمين يحتمل أنه إشارة إلى أنّ قياما جمع قائم وقعودًا جمع قاعد فإنهما ورد أجمعين كما صرحوا به ويجتمل أنها مصدران مؤوّلان بما ذكر وقوله: (ومضطجعين) تفسير لمعنى الجارّ والمجرور أو لمتعلقه الخاص وقوله:) من أحب الخ) حديث مخرّج صحيح. قوله: (وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث الخ) وقوله: (فهو حجة) إن رجع الضمير إلى الحديث فظاهر وان رجع إلى القول به في الآية فكونه لا ينهض
حجة غني عن البيان وبسط المسألة في الفروع وعند أبي حنيفة ﵀ يستلقي على ظهره ولك أن تقول إنه لما حصر أمر الذاكر في الثلاثة دل على أنّ غيرها ليس من هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غيره فتأمل، ومقاديم جمع مقدم على خلاف القياس كما صرح به أهل اللغة، والحديث المذكور أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وليس فيه ذكر الإيماء. قوله: (استدلالًا واعتبارا الخ (أي يكون تفكرهم فيها للاستدلال على الصانع وإنما كان التفكر أفضل العبادات لأنّ أجله معرفة الله ولأنه لا يدخله رياء وتصنع وقوله: الا عبادة كالتفكر الخ) أخرجه ابن حبان والبيهقي وضعفاه، وقوله: لأنه المخصوص بالقلب يعني أنه يقتضي الخلوص وهذا بيان لفضله في نفسه، وفضله باعتبار المتعلق ما مر وقوله:) بينما رجل الخ) أخرجه ابن حبان، ووجه دلالته على شرف أصول الدين أنّ غايته معرفته تعالى، وموضوعه نحو ذلك وشرف العلم بشرفه، وجملة ربنا مقول قول مقدر هو حال كما ذكره أو بتقدير يقولون على أنّ الذين مبتدأ وهذا خبره. قوله: (وهذا إشارة الخ) إشارة إلى تفسير اسم الإشارة وبيان لوجه إفراده وتذكيره فإذا كان إشارة إلى المتفكر فيه شمل اختلاف الليل والنهار وإذا كان إلى المخلوق من السموات والأرض استتبع ذلك أيضًا لأنه بطلوع الشمس وغروبها والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للدلالة على أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتني بكمال تمييزها استعظامًا لها كما ذكره في الكشاف، وفسر الباطل بالعبث وهو ما لا
فائدة فيه مطلقا، أو ما لا فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة كما بين في أوّل شرح ابن الحاجب العضدي. قوله: (سبحانك) مصدر منصوب بفعل محذوف والجملة المعترضة يؤتى بها لتقوية الكلام وتأكيده كما صرّح به النحاة والمفسرون فلا وجه لما قيل فيه بحث لأنه مؤكد لنفي البعث عن خلقه. قوله: (وفائدة الفاء الخ الما دل قوله:
[ ٣ / ٨٨ ]
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا﴾ على وجوب الطاعة واجتناب المعصية رتب عليه الدعاء بالاستعاذة من النار بالفاء كأنه قيل فنحن نطيعك فقنا عذاب النار التي هي جزاء من عصاك، والمقصود منه فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة وقيل: إنه مترتب على قوله سبحانك أي نزهناك فقنا، وقيل: إنه جواب شرط مقدر. قوله: (فقد أخزيته غاية الإخزاء الخ) في الكشاف فقد أبلغت في إخزائه وهو نظير قوله: فقد فاز ونحوه في كلامهم من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ومن سبق فلانًا فقد سبق، يعني أنه أذا جعل الجزاء أمرا ظاهر اللزوم للشرط سواء كان اللزوم بالعموم والخصوص كما في المثل أو بالاسنلزام مع التغاير كما في الآيتين يكون الكلام خاليًا عن الفائدة إن حمل على ظاهره فيحمل على أعظم أفراده وأخصها لترتيب الفائدة كفاز فوزًا عظيمًا، وأخزى غاية الإخزاء، ونحوه: فلا يرد أن الآية ليست كالمثلى المذكور لأن فيه جعل العامّ جوابا وفي الآية هما متغايران لأنّ الشرط عذاب جسمانيّ، والجواب عذاب روحاني كما صرّح به فأوّل كلامه لا يلائم آخره، وبهذا عرفت وجه قوله غاية الإخزاء وجعل المثل نظيرًا له، والصمان اسم جبل والخزي الافتضاح، وتهويله بجعله غاية ذلك وفيه إشارة إلى أنه لا يقتضي تخليد كل من دخلها كما توهم، وهذا من كلام رجل يسمى حنيف الحناتم ضربت العرب به المثل فقالوا آبل من حنيف الحناتم وهو رجل من تيم اللات كان أعرف الناس بأحوال الإبل في الجاهلية قال القالي: وهو القائل من قاظ الشرف وتربع الحزن وشتى الصمان فقد أصاب المرعى اص. قوله: (وقيه إشعار بأنّ العذاب الروحاني أفظع) هو مأخوذ من التفسير الكبير قال فيه: احتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أنّ العذاب الروحاني أقوى قالوا: الآن الآية تدل على تهديد من عذب بالنار بالخزي، وهو عبارة عن التخجيل والإهانة، وهو عذاب روحاني فلولا أنّ العذاب الروحاني أقوى لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة، اهـ يعني أنه رتب فيه العذاب الروحاني وهو الإخزاء على الجسماني الذي هو إدخال النار، وجعل الثاني شرطًا والأوّل جزاء، والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له فيشعر بأنه أقوى وأفظع والا عكس.
وأيضًا المفهوم من قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وطلب الوقاية منه، وقوله: ربنا الخ دليل
عليه فكأنه طلب الوقاية من المذكور لترتب الخزي عليه فيدلّ على أنه غاية ما يخاف منه فما قيل إن أراد العذاب بالأعمال الروحية فالأمر ظاهر وان أراد المعنى المشهور فوجه الإشعار أنّ السوق قرينة على أنّ المراد بإدخال النار التعذيب الروحاني وفيه ما فيه مما لا وجه له بعد التأمّل فيما ذكرناه. قوله: (أواد بهم المدخلين الخ) يعني بمقتضى السياق ومالهم أي لمن دخلها من أنصار وهو ردّ على الزمخشرفي في قوله فلا ناصر لهم بشفاعة ولا غيرها إيماء إلى مذهبه وفي الكشف الظاهر من الآية من دخل النار فلا ناصر له من دخولها إمّا أنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول، وذلك لأنه عامّ في نفي الإفراد مهمل بحسب الأوقات والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولًا لأجله كمن أخذ يعاقب فقلت ماله من ناصر لم يفهم منه أنّ العقاب لا ينتهي بتغييبه وإنه بعد العقاب لا يشفع له بل يفهم منه أنه لا مانع يمنعه عما حل به، ثم إن سلم التساوي لم يدل على النفي، وما قاله القاضي من أن نفي الناصر لا يمنع الخ ظاهر، والقول بأنّ العرف لا يساعده غير متجه. قوله: (أوقع الفعل على المسمع الخ (اختلف النحاة في سمع المعلقة بعين فذهب الأخفش وكثير من النحاة إلى تعديه إلى مفعولين وذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدى إلا إلى واحد واختاره ابن الحاجب قال: وقد يتوهم أنه متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال أمّا المعنى فلتوقفه على مسموع وأمّا الاستعمال فلقولهم سمعت زيدًا يقول ذلك وسمعته قائلا وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [سررة الشعراء، الآية: ٧٢] ولا وجه له لأنه يكفي في تعلقه المسموع دون المسموع منه وإنما المسموع منه كالمشموم منه فكما أنّ الشم لا يتعدّى إلا إلى واحد كذلك السماع فهو مما حذف فيه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للعلم به ويذكر بعد. حال تبينه ويقدر في يسمعونكم إذ تدعون يسمعون أصواتكم، وهو أبلغ من تقدير دعاءكم هذا ملخص كلامه في الأمالي، والزمخشري جعل المسموع
[ ٣ / ٨٩ ]
صفة بعد النكرة، وحالًا بعد المعرفة فقيل لا يخفى أنه لا يصح إيقاع فعل السماع على الذات إلا بإضمار أي سمعت كلامه وأن الأوفق بالمعنى فيما جعله حالًا أو وصفًا، أن يجعل بدلًا بتأويل الفعل بالمصدر على ما يراه بعض النحاة لكنه قليل في الاستعمال فلذا آثر الوصفية أو الحالية وإنما جعل البدلية أوفق لًان توقف صحة المعنى عليه في بدل الاشتمال كسلب زيد ثوبه معروف في اللسان مطرد بخلاف الحال، وما قيل إنه لا يجوز بعده إلا المضارع غير صحيح لوقوع الظرف واسم الفاعل كما سمعته، وقول النحرير: لا يصح الخ مبني على مذهب الجمهور والا فعلى مذهب الأخفش لا يحتاج إلى تقدير وقول المصنف ﵀ لدلالة وصفه بيان لما في الآية وإلا فهو يكون حالًا وظرفا، ووجه المبالغة جعل
الذات كأنها مسموعة فلذا لا يستعمل إلا فيما كان بدون واسطة. قوله: (وفي تنكير المنادى وإطلاقه الخ) يعني أنه قال أولًا مناديًا فلم يذكر ما دعا له، ثم قال: ينادي للإيمان تعظيمًا لشأن المنادي والمنادى له ولو قال: أولًا مناديا للإيمان لم يكن بهذه المثابة ولما كان النداء مخصوصًا بما نودي له ومنتهيا إليه تعدى، بالاعتبارين بهذين الحرفين وقوله: بأن آمنوا إشارة إلى أن أن مصدرية والفعل متعد إليه بالباء أي ينادي بأن آمنوا وقيل إنها تفسيرية، وقوله: فآمنا عطف على سمعنا والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول، وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة والمعنى فآمنا بربنا قال النحرير: أن المصدرية وان دخلت على الماضي والمضارع والأمر لكن لا ينبغي، أن يجعل الكل بمعنى المصدر بل بمعنى حصحول الإيمان في الماضي أو المستقبل أو المطلوب وهو جواب عما قيل إنه إذا أوّل بالمصدر فات معنى الطلب وأخويه وهو المقصود، وهو حجة من ذهب إلى أنها تفسيرية وعلى التفسير فآمنوا تفسير لقوله: ينادي لأنّ نداءه عين قوله: آمنوا والتقدير ينادي للإيمان أي يقول آمنوا وليس تفسيرًا للإيمان كما توهم وعلى ما اختاره المصنف من تقدير الجارّ هو متعلق بينادي لأنه المنادى به وليس بدلًا من الإيمان كما توهمه بعضهم، ولما أبى كثير من النحاة أن التفسيرية لما فيها من التكلف كما فصله في المغني تركه المصنف ﵀.
ووقع في نسخة حكاها بعض الحواشي أي آمنوا أو بأن آمنوا فيكون موافقا للزمخشري
في ذكر الوجهين. قوله: (ذنوبنا كبائرنا الخ (خولف بين معنييهما لأنه أفيد ولأنه تتميم للاستيعاب وأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى أنه المناسب للغة لأنّ الذنب مأخوذ من الذنب بمعنى الذيل فاستعمل فيما يستوخم عاقبته لما يعقبه من الإثم العظيم، وكذلك سمي تبعة اعتبارًا بما يتبعه من العقاب كما صرّح به الراغب، وأمّا السيثة فمن السوء وهو المستقبح ولذا تقابل بالحسنة فتكون أخف قال الطيبي: ولأنّ الغفران مختص! بفعل الله والتكفير قد يستعمل في العبد كما يقال كفر عن يمينه وهو يقتضي أنّ الثاني أخص من الأوّل وفي كلام المصنف ما يوضحه. قوله: (مخصوصين بصحبتهم معدودين الخ (الاختصاص من المعية لأنه لا مجال لكونها معية زمانية إذ منهم من مات قبل، ومن يموت بعد فهو كناية عن الانخراط في سلكهم والعدّ في زمرتهم ويلزمه أن لا يكونوا مع غيرهم، والأبرار جمع بر وأما كونه جمع باز فضعف
بأنّ فاعلا لا يجمع على أفعال حتى قيل إنّ أصحاب ليس جمع صاحب بل صحب أو صحب بالكسر مخفف من صاحب بحذف الألف وبعض أهل العربية أثبته وجعله نادرا ووجه الدلالة على محبة لقاء الله طلبه التوفي، واسناده إلى الله وقيل إن نكتة قوله: مع الأبرار دون أبرار التذلل وأنّ المراد لسنا بإبرار فأسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم، قال: في الكشف وفيه هضم للنفس وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب هو من العلماء، بدل عالم ولا يخلو من لطف وقوله: " من أحب لقاء الله " الحديث أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت ﵁. قوله: (أي ما وعدتنا على تصديق رسلك الخ) قدر التصديق للرّسل عليهم الصلاة والسلام لأنّ المراد بالمنادى الرّسول على الأرجح والإيمان التصديق لتعديته بالباء، فكأنه قيل إنا سمعنا رسولًا يدعو إلى التصديق فصدقناه فإذا كان ذلك فاتنا ما وعدتنا من الأجر على ذلك التصديق، وقوله: لا خوفا إشارة إلى أنّ ما وعده الله، واجب الوقوع لاستحالة الخلف في وعده تعالى فكيف طلبوا ما هو واقع لا محالة، وأجاب بأنّ وعد الله لهم ليس بحسب ذواتهم بل يحسب
[ ٣ / ٩٠ ]
أعمالهم فالمقصود من الدعاء التوفيق للأعمال التي يصيرون بها أهلا لحصول الموعود أو الدعاء تعبدي لقوله ادعوني أو المقصود الاستكانة والتذلل لله بدليل قولهم: إنك لا تخلف الميعاد، وبهذا يلتئم التذييل أتم التئام وبهذا سقط ما قيل: إنه كيف يخافون أن لا يكونوا من الموعودين مع طلب ما وعدهم الله فإن لم يكونوا، موعودين لم يصح قولهم ما وعدتنا فالأولى الاقتصار على الأمرين الأخيرين. قوله: (ويجورّ أن يعلق على بمحذوف الخ الم يقل يتعلق بمحذوف للتصريح بعلى أي به منزلًا على رسلك أو محمولًا على رسلك، أي حالة كونه مكلفًا به رسلك ومبلغا منهم لأنّ الرسل عليهم الصلاة والسلام محمولون قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٩٤ ا] ومتعلق الظرف يكون خاصا إذا قامت عليه قرينة فلا عبرة بإنكار أبي حيان له، أو التقدير على ألسنة رسلك فهو متعلق بوعد وهو الثواب وقيل النصرة على الأعداء. قوله: (ولا تخزنا يوم القيامة) قال الإمام إشارة إلى
قوله وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فإنه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح، ثم يظهر له في القيامة أنّ اعتقاده كان ضلالًا وعمله كان ذنبا فهنالك تحصل له الخجلة العظيمة، والحسرة الكاملة والأسف الشديد وذلك هو العذاب الروحاني فأوّل مطالبهم دفع العذاب الجسماني وآخره دفع العذاب الروحاني والمصنف رحمه الله تعالى أوّله بأنه طلب العصمة عما يقتضيه أي يقتضي الإخزاء، والميعاد مصدر بمعنى الوعد وتفسيره بالإثابة والإجابة هو الظاهر لما مرّ، وأمّا تفسيره بالبعث فصحيح لأنه ميعاد الناس للجزاء فقد يرجع إلى الأؤل والتكرير وجهه ما ذكروه والاستقلال يؤخذ من الإعادة وعدم العطف، وما ذكر. من قوله من حزبه بالحاء المهملة والزاي المعجمة والباء الموحدة أي أهمه وبجوز أن يكون بالنون أيضًا لأنه يقال حزنه وأحزبه كما ضبط بهما في حديث آخر، وأمّا هذا فقال السيوطي ﵀: لم أقف عليه. قوله: " لى طلبتهم وهو أخص من أجاب الخ (طلبة بوزن تركة اسم بمعنى المطلوب إشارة إلى مفعوله المقدر واستجاب أخص من أجاب كما نقل عن الفراء أنّ الإجابة تطلق على الجواب ولو بالردّ والاستجابة الجواب بحصول المراد لأنّ زيادة السين تدل عليه، إذ هو طلب الجواب والمطلوب ما يوافق مراده لا ما يخالفه وهو يتعدى باللام وهو الشائع وقد يتعذى بنفسه كما في قول الغنوي:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وهذا في التعدية إلى الداعي وأئا إلى الدعاء فسائغ بدون اللام مثل استجاب الله دعاءه
كما سيأتي ولهذا قيل إن هذا البيت على حذف مضاف أي لم يستجب دعاءه كما سيأتي في سورة القصص، وأني لا أضيع متعلق باستجاب لأنّ فيه معنى القول وهو مذهب الكوفيين وقول المصنف على إرادة القول يحتملهما، وقوله: بيان عامل على أي بمعنى شخص عامل أو على التغليب. قوله: (لأنّ الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر الخ) فمن ابتدائية، وعلى أنّ المعنى أنهما من أصل واحد من ابتدائية بتقدير مضاف أي من أصل ب! أو هي اتصالية أيضا بحسب اتحاد الأصل وكلام المصنف ﵀ يناسب الأوّل أو المراد الإيصال في الاختلاط والتعاون أو الاتحاد في الدين حتى كأن كل واحد من الآخر لما بينهما من أخوة الإسلام، وما روي عن أمّ سلمة ﵂ رواه الترمذي، والاتصال بين الاثنين لأن الهجرة من الأعمال فهي لا.
تضيع للذكر والأنثى وقوله فنزلت أي هذه الآية كلها أو قوله: (فالذين الخ) وقوله: (وهي جملة معترضة) أي قوله بعضكم من بعض اعترضت بين ما قبلها وتفصيله بقوله: فالذين الخ. قوله: (ت! فصيل لأعمال العمال الخ) أي فيه تفصيل كما يدل عليه الفاء بعد الإجمال وتخصيص بعد تعميم يشير إلى تعظيم العامل وعمله والإجار على سبيل القسم بتكفير السيئات وادخال الجنات وعظيم الثواب من الله الجامع لصفات الكمال، وأصل المهاجرة من الههجر، وهو الترك فإن كان المتروك الشرك كان قوله: ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ تأسيسًا أو الأوطان والعشائر فقوله: ﴿وَأُخْرِجُواْ﴾ الخ عطف تفسيريّ، وقوله: بسبب إيمانهم بالله ومن جملة قا! ل افنحرير: التعارف على أنه يقال بعث في سبيل الله
[ ٣ / ٩١ ]
أي لأجله وسببه، واليه يشير المصنف رحمه " الله. قوله: (لأنّ الواو+ لا كوجب ترتيبًا) يعني على هذه القراءة كيف تكون المقاتلة بعد القتل- فإن كان القتل والمقاتلة من شيء واحد قالوا ولا توجب الترتيب وقدم القتل لفضله بالشهادة وان كان قتل بعض وقاتل بعض آخر فما انهزموا ولم يضعفوا بقتل إخوانهم إمّا على أنّ التقدير والذين قتلوا، والذين قاتلوا أو على التوزيع أي منهم الذين قتلو!، ومنهم الذين قاتلوا، والى التوجيهين أشار المصنف ﵀، وفسر التكفير بالمحولان أصل معناه الستر المقتضي للبقاء، فأشار إلى أنه غير مراد هنا. قوله: (أي أثيبهم بذلك إثابة) ذكر في نصبه أوجه أحدها أنه مصدر مؤكد لأنّ معنى الجملة قبله لا ثيبنهم بذلك فوضمع ثوابا موضع الإثابة وإن كان في الأصل اسما لما يثاب به كالعطاء لما يعطي، وقيل: إنه حال من جنات لوصفها أو من الضمير المفعول أي مثابين، وقيل: إنه بدل من جنات، وقيل منصوب على القطع ومن عند الله صفة له، والثواب لا يكون إلا من الله فالوصف المؤكد لا ينافي كون المصدر مؤكدا، فلا يرد عليه أنه إذا وصف كيف يكون مصدرًا مؤكدًا كما قيل وفي قوله: " من عند الله " التفات وقيل إن المعنى ثوابا فوق الجنات.
واعلم أن قوله: " لأكفرنّ " الخ جواب قسم محذوف تقديره والله وانقسم رجوابه خبر الممبتدأ وهو ألذين، وزعم ثعلب أنّ الجملة ايق! سمية لا تقعخبرآ ووجهه أنّ الخب! أحه محل
وجواب القسم لا محل له وهو إنشائي فإما أن يقال إنه له محل من جهة الخبرية ولا محل له من جهة الجوابية أو الذي لا محل له الجواب والخبر مجموع القسم وجوابه ولا يضرّ كون الجملة إنشائية لتأويلها بالخبر، أو يقدر قول كما هو معروف في أمثاله. قوله: (والله عنده حسن الثواب على الطاعات قادر عليه) في الكشاف وعنده مثل أي يختص به وبقدرته وفضله لا يثيبه غيره، ولا يقدر عليه كما يقول الرجل عندي ما تريد يريد اختصاصه به وبملكه وان لم يكن بحضرته يعني ليس معناه أنّ الثواب بحضرته وبالقرب منه على ما هو حقيقة لفظ عنده بل مثل لكونه بقدرته، وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال الشيء يكون بحضرة أحد لا يد عليه لغيره والاختصاص مستفاد من هذا التمثيل حتى لو لم يجعل حسن الثواب مبتدأ مؤخرًا عنه كان الاختصاص بحاله. قوله: (الخطاب للنبئ ﷺ والمراد منه أمّتة) لأنّ سيد القوم يخاطب بشيء ويراد أتباعه فيقوم خطابه مقام خطابهم ولو ترك الوجه الثاني لكان أولى لأنه لا يكون منه تزلزل حتى يؤمر بالثبات فليس بقوقي في دفع المحذور أو الخطاب عامّ شامل للنبيّ ﷺ وغيره بطريق التغليب تطييبًا لقلوب المخاطبين فلا يلزم نسبة الغرور والاغترار له ﷺ، فلا يرد ما قيل ينبغي أن يراد كل أحد سوى النبي تخت لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ خطاب غيره بمعنى النهي عن الغرور وخطابه ﷺ بمعنى الثبات على الانتهاء، فما وقع في الكشاف من أنه خطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أخد مختل اهـ بل لا وجه له إذ الخلل إنما جاء منه وعاد إليه ومن هنا تعلم نكتة سرية في إسناده إلى التقلب تفاديًا عن أن ينسب إليه. قوله: (والنهي في المعنى للمخاطب الخ) السبب عين التقلب والمسبب الاغترار به، والنهي ورد على الأوّل والمراد النهي عن الثاني أي الاغترار مجازأ أو كناية فما قيل السبب تقلبهم والمسبب الغرور به فنهى التقلب لينتهي غروره ليس على ما ينبغي كذا قيل يعني إنه من قبيل لا أرينك ههنا إذ هو نهي له عن الحضور لا عن الرؤية التي هي فعل الغير الذي لا يتصوّر منه فكيف ينهي عنها فأريد لازمه ونهى عنه، وأورد عليه أنّ الغارية والمغرورية متضايفان، وقد صرّحوا بأن القطع والانقطاع ونحوه مثلا متضايفان، وحقق في العلوم العقلية إن المتضايفين لا يصح أن يكون أحدهما سببًا للآخر بل هما معًا في درجة واحدة، فالأولى أن يقال علق النهي بكون التقلب غارًا ليفيد نهي المخاطب عن الاغترار لأنّ نفي أحد المتضايفين يستلزم نفي الآخر، وما ذكره مبني على إن الأثر والتأثير أمر واحد لا أمران متغايران أحدهما مترتب على الآخر وهو وان ذهب إليه كثير
لكن النظر الصائب يقتضي خلافه، فلا تكن من المقلدين والجهد العناء. قوله: (خبر مبتدأ محذوف الخ) معنى في جنب
[ ٣ / ٩٢ ]
ما أعد الله أي بالقياس والإضافة إليه وتسمى في قياسية وأصله أنه إذأ قيس شيء بشيء وضع بجنبه ومثله قوله في الحديثأ ا (في جنب الآخرة وفي نسخة " وفي جنب " بالعطف على مقدر أي في نفسه وفي الخ أو بالنسبة لما فاتهم من الآخرة أو لانقضائه وعدم بقائه، وهذا الحديث في صحيح مسلم وقوله: (ما مهدوا) إشارة إلى تقدير المخصوص بالذم والمهاد كالفراس لفظا ومعنى، وقوله: (ما الدنيا في الآخرة) أي ما تقدير الدنيا واعتبارها وهو العامل في الجار والمجرور أو هو حال عاملها معنى النفي. قوله: (النزد والنزل الخ) يعني بضمتين أو ضم فسكون أصل معناه الفضل، والريع في الطعام ويستعار للحاصل عن الشيء كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ نُّزُلًا﴾ [سورة الصافات، الآية: ٦٢] والنزل ما يعد للنازل، ثم استعمل بمعنى الزاد مطلقًا ويكون جمعا بمعنى النازلين وقد جوّز هنا، وقوله: أبو الشعر لقب شاعر لكثرة شعره الضبيّ أي المنسوب لبني ضبة قبيلة معروفة، والمراد بالجبار الملك المسلط، وبالجيش بمعنى مع الجيش أو للتعدية وضافنا بمعنى نزل بنا وجعل مجيئه لحربهم كمجيء المسافر للضيافة لعدم مبالاتهم بذلك، وهي استعارة لطيفة رشحها بجعل القنا أي الرماح والمرهفات أي السيوف المرفقة، نزله وزاده وهو تهكم على حد:
تحية بينهم ضرب وجيع
وعلى الحالية فجعل الجنة نفسها نزلًا تجوّز أو بتقدير مضاف أي ذات نزل، وعلى المصدرية فهو بمعنى النزول أي نزلوها نزلًا وفي نسخة أنزلوها ووجه الاستدراك في الآية أنه ردّ على الكفار فيما يتوهمون من أنهم ينعمون والمؤمنون في عناء فقال ليس الأمر كما توهمتم فانهم لا عناء لهم إذا نظر إلى ما أعد لهم عند الله أو أنه لما ذكر تنعمهم أوهم أنّ الله لا ينعم المؤمنين فاستدرك عليه بأنّ ما هم فيه عين النعيم لأنه سبب لما بعده من النعم الجسام فتأمّل، ولا يخفى ما في جعلهم ضيوف الله من اللطف بهم، وقوله والعامل فيها الظرف يعني إذا كان جنات فاعله لاعتماده فإذا كان مبتدأ فهو حال من الضمير المستتر في الخبر والعامل الظرف أيضًا، وقوله للأبرار من وضع الظاهر وضحع الضمير لما مرّ، وعبد الفه بن سلام بتخفيف اللام وأصحمة بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وحاء مهملة وميم وهاء ملك الحبشة ومعناه بلسانهم عطية الصنم والنجاشي بفتح النون ونقل ابن السيد كسرها وفتح الجيم مخففة وتشديدها غلط وآخره ياء ساكنة، وهو الأكثر رواية لأنه ليسى لملنسبة، ونقل ابن الأثير في النهاية تشديدها ومنهم من جعله غلطا وهو لقب كل من ملك الحبشة، واسم هذا مكحول بن صصه، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة، وقوله: نعاه جبريل أي أخبره بموته وهذا رواه الواحدي وغيره، وفي الصلاة عليه دليل للشافعيّ ﵀ في الصلاة على الغائب، وفي الكشاف أنه مثل له لمجبي! سريره فرآ. وحاول به الردّ على الشافعي ولا يخفى ضعفه، والعلج في الأصل القويّ الغليظ من الكفار، واللام لا تدخل على اسم إن إذا لم يفصل بينهما لئلا يتوالى حرفا تأكيد فإن فصل جاز كما جاز دخولها على الخبر. قوله: (حال من فاعل يؤمن) وجمع حملا على المعنى بعدما حمل على اللفظ أوّلًا، وقيل: إنه حال من ضمير إليهم وهو أقرب لفظًا فقط وجيء بالحال تعريضًا بالمنافقين الذين يؤمنون خوفا من القتل. فوله: (ما خص بهم من الأجر الخ) إشارة إلى أن الإضافة للعهد وقوله: (لعلمه الخ) عني أنّ الإخبار بكونه سريع الحساب كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي، ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر لكونه من لوازمها ولكونه من لوازمها أشبه التأكيد فلذا لم يعطف عليه وسرعة الحساب للمؤمنين وهو لا ينافي تطويل حساب غيرهم تعذيبًا لهم. قوله: (وغالبوا أعداء الله) يعني أن المصابرة مفاعلة فهي
المجاهدة للعدوّ أو لاعدى الأعداء يعني النفس لأنه الجهاد اكبر، وذكر. بعد الصبر العام لأنه أشد فيكون أفضل فهو كعطف جبريل على الملائكة والصلاة الوسطى على الصلوات. قوله: (أبدانكم وخيولكم الخ) المرابطة نوع من الصبر فهو كالعطف السابق، وروي عن ابن عمر ﵄ أن الرباط أفضل من الجهاد لآنه حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين ولذا ورد أنه لا يسئل في قبره وانتظار الصلاة عد من الرباط والثغور وأطراف ممالك الإسلام التي يخاف فيها من العدوّ وقوله: (من
[ ٣ / ٩٣ ]
رابط الخ) رواه مسلم وغيره والرباط مصدر ربطت الدابة ومصدر رابط المرابطة، والمرابطة ضربان مرابطة الثغور ومرابطة النفوس، والعدل بالفتح المثل من غير جنس، وبالكسر منه فهو بالفتح هنا، وقال: الراغب العدل والعدل متقاربان لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، والعدل فيما يدرك بالحس كالموزونات، وقوله: إلا لحاجة متعلق بالفعلين، وقوله: ولا ينفتل عن صلاته أي لا ينصرف عنها والمراد أنه معادل لصوم رمضان وتيامه. قوله: (قانقوه بالتبري عما سواه الخ) المضض الألم، والمعبر عنها صفة المقامات فالصبر على الطاعات المرتبة الأولى التي هي الشريعة ورفض العادات التي هي الطريقة الثانية والمرابطة على جنات الحق التي هي الحقيقة الثالثة، وأوّل تفسيره ناظر إلى هذه. قوله: (من قرأ سورة آل عمران الخ) تجب الشمس بمعنى
تغرب وأصل معنى الوجوب السقوط، وقوله: التي يذكر فيها آل عمران مر الكلام عليه والحديث الثاني أخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄ والأوّل موضوع وهو من الحديث الطويل المذكور فيه فضائل جميع السور، وهو مما اتفقوا على أنه موضوع مختلق وقد خطؤوا من أورده من المفسرين وشنعوا عليه، وقوله: بكل آية منها أمانًا اعتبر في الأمان تعددًا بحسب أجزاء الزمان والمسافة، تمت سورة آل عمران اللهمّ وفقنا لإتمام باقيه، وألهمنا لفهم معانيه.