قطب هذه السورة يدور على إثبات الصانع، ودلائل التوحيد قال أبو إسحق الإسفرايني ﵀ في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد، ولما كانت نعمه تعالى مما تفوت الحصر إلا أنها ترجع إجمالًا إلى إيجاد وابقاء في النشأة الأولى، وإيجاد وابقاء في النشأة الآخرة، ولما أشير في الفاتحة إلى الجميع ابتدئت بالتحميد لأنها ديباجة نعمه المذكورة في كتابه المجيد ثم أشير في الأنعام إلى* الإيجاد الأوّل وفي الكهف إلى الإبقاء الأوّل وفي سبأ إلى الإيجاد الثاني، وفي فاطر إلى الإبقاء الثاني فلهذا ابتدئت هذه السور الخمس بالتحميد فقال جل ثناؤه: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ . قوله: (غير ست الخ) وقيل غير اثنتين نزلتا في رجل من اليهود قال ما أنزل الله على بشر من شيء الخ. قوله: (أخبر بأنه ﷾ حقيق بالحمد الخ) يشير به إلى إنها جملة خبرية وقد جوّز في هذه الجملة أن تكون خبرية وإنشائية، وذهب بعضهم إلى تعين الخبرية فيها، وبعضهم إلى تعين الإنشائية قال ابن الهمام في شرح البديع هي إخبار صيغة إنشاء معنى كصيغ العقود وبالغ بعضهم في إنكار كونها إنشائية لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود ويبطل من وجهين أحدهما أنّ الحامد ثابت قطعًا بل الحمادون، والآخر أنه لا يصاغ للمخبر عن غيره لغة من متعلق أخباره، اسم قطعا، فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخبارًا محضًا لم يقل لقائل الحمد حامد وهما باطلان فيبطل ملزومهما، واللازم مما ذكره انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف، وهذا لانّ الحمد إظهار الصفات الكمالية الثابتة لا ثبوتها نعم يتراءى كون كل مخبر منشئًا حيث كان واصفا للواقع ومظهرأ له، وهو توهم وأن الحامد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم، وهذا ليس ماهية الخبر فاختلفت
الحقيقتان، وظهر أنّ الغفلة عن اعتبار هذا القيد جزء ماهية الحمد هو
[ ٣ / ٣٠٧ ]
منشأ الغلط إذ بالغفلة عنه ظن أنه إخبار لوجود خارج يطابقه وهو الاتصاف، ولا خارج للإنشاء، وأنت تعلم أن هذا خارج عن المفهوم، وهو الوصف الجميل وتمامه، وهو المركب منه ومن كونه على وجه ابتداء التعظيم لا خارج له بل هو ابتداء معنى لفظه علة له انتهى قلت إن نظرت بدقيق النظر إلى ما قال فهذا كلام لا يخلو من اختلال فإنه لا يلزم في كل إنشاء صحة اشتقاق اسم فاعل صفة للمتكلم به منه بل إنما يكون إذا كان إنشاء لحال من أحواله كما فيما نحن فيه، ولا فرق فيه بينه وبين الخبر في ذلك، فكما يصح أن يقال حامد يقال لمن ضربت ضارب فإن لم يكونا كذلك لم يصح فيهما، وكما لا يقال لمن قال زيد قائم إنه قائم لا يقال لمن قال: اضحرب إنه ضارب وهذا لا يختص بالأمر، ألا ترى أنّ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ [البقرة، الآية: ٢٣٣] أنها خبرية لفظا وانشائية معنى لأنها لأمرهم بالإرضاع ولا يطلق عليه تعالى مرضحع، كذا نحو قاتله الله جملة إنشائية معنى خبرية لفظًا، ولا يقال لقائلها قاتل، وهذا تخيل فاسد والذي غرّه صيغ العقود، وقد علمت وجهه فيها وأنها لا تختص بها وما نحن فيه من قبيلها، فتأمّل منصفًا. قوله: (ونبه على أنه المستحق له الخ) يعني أنه أخبر أوّلًا أنه حقيق بالحمد باعتبار ذاته تعالى، ولذا لم يقل للمنعم ونحوه، ثم نبه على استحقاقه باعتبار الأنعام تنبيها على تحقق الاستحقاقين، وأعلم أن الحمد لغة الثناء بالجميل الاختياري تعظيما، وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم فقد تضمن محمودًا به ومحمودأ عليه، إن قلنا إنه مغاير للمحمود به، ومعتبر فيه كما يعلم تحقيقه من شرح المطالع وحواشيه، وأمّا المستحق للحمد فهو المحموإ، ولا يشترط فيه ذلك بل لا يصح، قال الفاضل الليثي المراد بالاستحقاق الذاتي استحقاقه تعالى الحمد بجميع صفاته وأفعاله كما أشار إليه الشريف في شرح الكشاف حيث قال: لما كانت صفاته عين ذاته أو مستندة إليها. وكانت أفعاله متفرّعة على صفاته كان استحقاقه العبادة لصفاته، وأفعاله راجعا إلى الاستحقاق الذاتي، أقول هذا مردود من وجهين، الأوّل أن المحمود لا يشترط فيه أن يكون اختياريا كما مرّ فحينئذ التعظيم، وهو الحمد العرفي الذي الحمد اللغويّ نوع منه، وأقصاه العبادة يضاف إلى الذات من غير تأويل بل هو الطرف الأعلى كما صرّج به في الإشارات في مقامات العارفين، وقال الرازي في شرحه: أعلم أنهم في ذلك ثلاث طبقات. فالأولى: في الكمال والشرف الذين يعبدونه لذاته لا لشيء آخر، والثانية: وهي التي تلي الأولى في الكمال الذين يعبدونه لصفة من صفاته، وهي كونه مستحقا للعبادة، والثالثة: وهي آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتستكمل نفوسهم بالانتساب إليه انتهى، والعجب كيف خفي مثله على هؤلاء الفحول، فإن قلت كيف يتصوّر تعظيم الذات من حيث هي قلت لو وقع ذلك ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كان كذلك أما بعد معرفة المحمود بسمات الجمال، وتصوّره بأقصى صفات الكمال فلا بدع في أن يتوجه إلى تمجيده وتحميده
مرّة أخرى بقطع النظر عما سوى الذات بعد الصعود بدرجات المشاهدات، وإذا قال أهل الظاهر:
صفاته لم تزده معرفة لكننا لذة ذكرناها
فما بالك بهؤلاء وهم القوم كل القوم، الثاني أن ما استند إليه من كلام السيد السند غير
مفيد لمدعاه بل شاهد عليه لأن صاحب الكشاف قال: لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات اا! ظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء، وغاية الخضوع وألاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته تخص بالعبادة، والاستعانة لا نعبد غيرك، ولا نستعينه ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التمييز الذي لا تحق العبادة إلا به، فقال الشريف: في أثناء تحقيقه ولما كانت صفاته إمّا عين ذاته أو مستندة إليها وحدها، وكانت متفرّعة عن صفاته الذاتية كان استحقاقه العبادة بصفاته وأفعاله راجعًا إلى الاستحقاق الذاني، أقول يريد قدس سرّه أنه لما تحصل من ضمير الحطاب الدال على تلك الصفات، ومن تقديمه الدال على الحصر أن استحقاق العبادة ليس إلا لذلك، والحال أنّ الاستحقاق الذاتي مقرّر بل هو المطلوب الأعلى فلا يصح الحصر، أجاب بأنه لا ينافيه إلا إذا كان مغايرًا له رأسا، وأمّا إذا كان عينه أو راجعًا إليه فلا، فلذا جعل الاستحقاق الذاتي أصلًا وأرجع
[ ٤ / ٢ ]
الاستحقاق بالصفات إليه ولو كان معناه ما ذكره المحشي لعكس، لأنه جعل الاستحقاق بالذات راجعا إلى جميع الصفات، وتسميته ذاتيا بنوع تأوّل، وقد اهتدى إلى هذا بعض الفضلاء فقال في شرح كلامه هذا إشارة إلى دفع سؤال مقدر، وهو أن العبادة هي الحمد فإذا كان استحقاقه إياها منحصرًا في التمييز بتلك الصفات كما يدلّ عليه قول المصنف لا تحق العبادة إلا به لم يثبت الاستحقاق الدّاتي بالنسبة إليها انتهى، وتحقيق هذا المقام مما أفاضه وليّ الفيض عليّ وقد غفل عنه كثير منهم وأشار بقوله أخبر إلى خبريتها ولم يجعلها إنشاء، وان صح ولا بتقدير قول لما سيأتي، وأشار بقوله! حقيق إلى أن اللام للاستحقاق، وتحقيق هذا المقام في سورة الفاتحة، وقيل إنما جعلها خبرية لتكون حجة لأنّ الإنشاء لا يكون حجة إلا بملاحظة الإخبار فالحجة إنما هو الإخبار فلذلك قال: ليكون حجة، ولم يقل ليظهر كونها حجة، وأمّا كونها أصلا فمعارض! بكونها علما في الإنشاء إذ لا يمكن الحمد إلا بصيغة الأخبار، وما قيل في وجهه ليصح عطف، ثم الذين كفروا عليه فيه أنه يجوز عطفها على خلق السماوات أو جعلها الإنشاء الاستبعاد والتعجب، أتول إن اتصافه بكونه حقيقا بالحمد ثابت في نفس الأمر، ومدلول هذه الجملة مطابق له والسورة أنزلت لبيان التوحيد ورح الكفرة، والأعلام بمضمونها على وجه الخبرية يناسب المقام وجعلها لإنشاء الثناء لا يناسبه، وأمّا قوله ليكون حجة فمتعلق بقوله نبه لأن الحجة في النعم الجسام التي لا يوجدها غيره، وأمّا الإخبار باستحقاق الحمد فالحجة فيه تحتاج إلى تكلف بعيد، فان قلت كيف تكرن إنشائية ولها خارج
تطابقه، قلت تجعل لمجرّد الثناء كما في رب إني وضعتها أنثى للتحسر، ولذا قال بعضهم حمل الكلام على ظاهره من الإخبار مع احتمال الإنشاء بأن يكون المراد به ثناء أثنى الله به على نفسه كما قال الإمام لأن الإخبار أدل على الاستحقاق من إنشاء فرد منه ومن لم يفهمه اعترض عليه بأن كون لمقصود ثناء الله على نفسه لا يوجب كون الجملة إنشائية البتة، وأجاب بما لا طائل تحته، وفي التعبير بالتنبيه إشارة إلى أنه في غاية الظهور، وقيل إنما جعلها خبرية لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعيّ من غير ضرورة. قوله: (ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون) عين تعلق الباء بيعدلون، وكون يعدلون من العدل دون العدول، ولم يقل على الذين يعدلون ليعمّ كلامه الاحتمالين لاقتضاء سياق كلامه ذلك هنا ألا ترى إلى تعريف المسند في قوله المستحق بلام التعريف الدالّ على التخصيص فتأثل. قوله:) وجمع السماوات دون الأرضر الخ (في المثل السائر من محسنات الكلام المؤاخاة بين الألفاظ فإذا جمع أحد المتقابلين ينبغي أن يجمع الآخر، ولذا عيب على أبي نواس قوله:
ومالك فاعلمن فيها مقام إذا اص! لت آجالًا ورز! ا
وقيل: كان ينبغي أن يقول وأرزاقا وكنت أرى أن هذا الضرب من الكلام واجب حتى مز
بي في القرآن ما يخالفه كقوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٨] وقوله: ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٨] انتهى والزمخشريّ أشار في مواضع من الكشاف إلى أنه هو الأصل وأنه لا يعدل عنه إلا لنكتة وتبعه المصنف. قوله:) وهي مثلهن) إشارة إلى قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٦٢] قال المصنف في تفسيرها أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض والظاهر منه التعدد الحقيقيّ، وقيل المراد الأقاليم السبعة. قوله: (لآن طبقاتها مختلفة بالذات الخ) وقال المصنف ﵀ في سورة البقرة: جمع السموات، وأفرد الأرضى لأنها طبقات متفاضلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين، ومراده واحد فيهما إلا أنه أجمل هنا فعمم في الاختلاف لما يشمل اختلافهما ذاتا، وحقيقة وقيل عليه إنه لا يوافق مذهب أهل السنة فإن الأجسام متساوية عندهم، وبه استدل على جواز قبول السماوات الخرق والالتئام وامكان المعراج، ولا مجال لإرادة الاختلاف الشخصيّ لأن الأرض أيضًا كذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ١١٢ وقد جاء في الأحاديث النبوة أنه ﷺ قال: " هل تدرون ما هذه قالوا: هذه أرض، هل تدرون ما تحتهأ قالوا: الله ورسوله أعلم قال أرضر أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع
[ ٤ / ٣ ]
ّأرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام " أخرجه الترمذفي وأبو الشيخ عن أبي هريرة ﵁ ورذ بأنه لا يلزم من كون
المصنف ﵀ من الأشاعرة القائلين بتركب الأجسام من الجواهر الفردة المتماثلة أن يقول بعدم اختلاف الأجسام بالحقيقة لعدم المحيص لمن قال: بتجانس الجواهر الإفراد عن جعل الإعراض داخلة في حقيقة الجسم فتكون حينئذ جواهر مع جملة من الإعراض منضمة إلى تلك الجواهر والا كانت الأجسام كلها متماثلة في الحقيقة وإنه ضرورفي البطلان كذا في شرح المواقف، وقيل عليه أنه لا يخفى أنه يلزمهم القول بعدم الفرق بين الجواهر والإعراض في التجدد والبقاء ضرورة استلزام تجدد الجزء بتجدد الكل لكن المشهور من مذهبهم القول ببقاء الأجسام، وعدم بقاء الإعراض! فلزمهم القول بعدم اختلاف الأجسام فلا محيص إلا بأن يقال لعل المصنف ﵀ لم يقل بتجدد الإعراض، أو بتماثل الجواهر الإفراد لعدم تمام دليل شيء فيهما، وهو غير وارد لأنّ عدم الفرق ظاهر المنع لأنه فرق بين تجدد الشيء بتجدد جزء منه وبين تجدده بجميع أجزائه وقولهم ببقاء الأجسام لا ينافيه لاحتمال أن يراد بالجسم ثمة ما يقابل الإعراض! لا ما تركب منهما أو المراد بها أعظم أركانه وأقواها نعم كون لدليل غير تامّ مسلم فتأمل. قوله: (متفاوتة الآثار والحركات (قيل هو إشارة إلى ما قيل أنّ السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر وهو يخل بمصالح هذا العالم، وأمّا الأرض فهي قابلة والقابل الواحد كاف في القبول، وحاصله أنّ اختلاف الآثار دل على تعدد السماء دلالة عقلية، والأرض وان كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة العقل فلذلك جمعها دون الأرض وأمّا دلالة اختلاف الحركات إلى جوانب مختلفة على ذلك فظاهرة وهذا يقتضي أنه استدلال على ظهور تعددها دون تعدد الأرض، والظاهر أنه ليس مراده بل المراد بعدما أثبت تعددهما بالنص بين أنه جمع أحدهما دون الآخر لهذه النكتة، وحينئذ فلا يرد أنه مبنيّ على أصول فلسفية لا ينبغي التفسير بها لأنه ليس بتفسير بل نكتة على أصول أهل المعقول بعدما بينها بوجه آخر، وقد فسر قوله متفاوتة الخ بمعرفة المواقيت، واضاءة النيران مما نطق به القرآن ودل عليه الأحاديث والآثار مما هو معلوم من الشرع تال تعالى: ﴿) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس، الآية: ٤٠] وقد فسر بكل من الكواكب وهو محسوس أيضا فيهما وفي الخنس ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [سورة التكوير، الآية: ١٦] لكن كلامه في سورة البقرة لا يناسبه. قوله: (وقدّمها لشرفها وعلو مكانها) أي لتقدمها بالشرف لأنها محل الملائكة المقرّبين، وقبلة الدعاء ونحو ذلك والأرض وان كانت دار التكليف ومحل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس ذلك إلا للتبليغ لأنها ليست بدار قرار وقال النيسابوري: قال
بعضهم السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وما وقع فيها معصية ولهذا هبط آدم ﵊ من الجنة، وقالت: اللهم لا تسكن في جواري من عصاك ولذا وقع ذكرها مقدّمًا في الأكثر والسماوات مؤثرة والأرض متأثرة والمؤثر أشرف، وقال آخرون بل الأرض! أفضل لأنه تعالى وصف بقاعًا منها بالبركة كقوله: مباركا للعالمين، وردّ بأنه يدل على شرفها لا أشرفيتها، وهذا خلاف كاللفظي لا طائل تحته، وعلو مكانها ظاهر لأنها علوية والأرض! سفلية، ويحتمل العطف فيه أن يكون تفسيرًا للشرف وتعليلًا له والمغايرة بأن يراد أنها بمنزلة العلة الفاعلة لأنّ الأرض! مستفيضة منها كما مرّ، قيل: من فسر المكان بالمرتبة ثم علل بكونها من الأرض بمنزلة العلة الفاعلة من القابل لم يصب في المعلل وأخطأ في التعليل، أما الأوّل فلكونه أعاده، وأما الثاني فلكون ما ذكره وجهًا للتقديم كما مر لا لعلو المرتبة كما زعم وهو تعصب منه لأنه على هذا يكون عطفًا تفسيريًا، ولا ضرر فيه وتفسير وجه التقديم وجه للتقديم فما المانع منه. قوله: (وتقدّم وجودها) هذا بناء على مختاره في البقرة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: ٢٩] وان كان يعارضه ظاهر قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] وكذا آية السجدة حتى تحير فيه كثير والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما بأن، ثم ليست للتراخي في الوجود بل لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق
[ ٤ / ٤ ]
السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البلد، الآية: ١٧] أو هي لترتيب الأخبار، ولا بد لهذا من تتمة من الوجه الأوّل، وفي الكشاف لا تناقض فيه لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماوات فأما دحوها وبسطها فمتأخر وعن الحسن البصري خلق الله الأرض! في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان وذلك قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣٠] وهو الالتزاق انتهى واعترض عليه الإمام بأنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن دحوها فإذا كان الدحو متأخرًا عن خلق السماء كان خلق الأرض! أيضا كذلك وأجيب بالمنع لجواز أن يخلق الجسم صغيرًا مندمج الأجزاء، ثم يبسط على مقدار ما يراد، وقال القاضي كغيره لا يندفع التناقض على تقدير كون، ثم للتراخي في الوقت في البقرة إلا أن يقدر لنصب الأرض! فعل آخر دل عليه أأنتم أشدّ خلقا مثل تعرف الأرض، وتدبر أمرها بعد ذلك وليستأنف بقوله دحاها لكنه خلاف الظاهر، ويمكن أن يدفع التناقض بأن معنى خلق قدر وأراد وقصد فلا تناقض، وأورد عليه أنّ قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] بيان نعمة أخرى مترتبة على نعمة سابقة، وهو خلقهم أحياء قادرين وهذه النعمة الأخرى إيجاد ما يتوقف عليه البقاء، ويتم المعاس، ولا يحسن عدّ القصد والتقدير نعمة أخرى، وفيه تأمّل وقد مر تفصيله في سورة البقرة. قوله: (والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد الخ) جعل الزمخشري هذا الفرق بين الخلق، والجعل مطلقًا
سواء تعدى لواحد أو لاثنين، والمصنف خالفه وخصه بالجعل المتعدي لواحد والتضمين في كلامه ليس هو المصطلح بأن يضمن فعل النقل ونحوه كما توهمه بعضهم، ورذه صاحب الكشف وفسره بكونه محصلًا من آخر كأنه كان في ضمنه، وقيل الجعل يدل على شيئين أحدهما في ضمن الآخر بأن يكون تابعا له، وقيل بأن يكون السابق يتضمن اللاحق بالقوّة لا الفعل فمعنى الجعل إخراج المعنى من القوّة إلى الفعل، وقيل هو جعل شيء في ضمن شيء بأن يحصل منه أو يصير إياه أو ينقل منه، أو إليه وبالجملة فيه اعتبار شيئين وارتباط بينهما، وفي الخلق معنى الإيجاد بقدر وتسوية، وقيل عليه إنّ التضمين بالمعنى المذكور لا يناسب الصور الثلاث الأول إلا بتكلف بعيد لا حاجة إليه والأولى أنّ جعل أعم من خلق لأنه لا يقال فيما ليس بمخلوق والخلق لا يقال فيما ليس بموجود ونحوه في الكشف، وفيه تأئل.
وأعلم أنّ التضمين لغة جعل شيء في ضمن شيء كالظرف والمظروف أو جعله ضامنا له وملتزما له، وهو قريب من الأوّل واقتصر المصنف ﵀ على أحد قسمي الجعل فإن أراد أنه هو الواقع في النظم والمحتاج إلى الفرق وأن جرى في غيره فهو ظاهر، وإن أراد ما في الكشاف وأن الفرق لا يتأتى في المتعدي لمفعولين، أو لا يطرد فيه فعليه منع ظاهر قيلي ومن تعرّض لتصيير شيء شيئا وجعله من التضمين في بيان مراد المصنف ﵀ فقد ضل سواء الطريق، ولك أن تجيب عنه بأنه الإنشاء فيه معنى التصيير في الجملة وكذا النقل فيه معنى ذلك أيضا وفي الكشف تحقيقه أن الجعل بمعنى النقل من الصيرورة، إلا أنه من صار إليه لا من صار كذا، انتهى وهما متقاربان نهايته أنه تسامح في الإتيان متعديا خصوصا إن قلنا بالاحتمال الأوّل في كلام المصنف والأمر فيه سهل وفي الكشف الفرق بين الخلق والجعل أنّ التضمين واجب في الثاني، وتضمين النقل مخصوص به والإنشاء مشترك والتصيير في نحو خلقناكم أزواجا محتمل. قوله: (تنبيهًا على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية الخ) من الثنوية من ذهب إلى أنّ فاعل الخير النور وفاعل الشر الظلمة وهما في معتقدهما جسمان قديمان سميعان بصيران وسموهما بذلك على طريق النقل، وأورد على هذا أمور، الأوّل أنهما حينئذ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرّد هذا، الثاني أنّ الرد يحصل بكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل، ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود، الثالث أنّ الجعل المتعدي لواحد لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [سورة النمل، الآية: ٨٠] ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٠] إلى غير ذلك من الآيات والشواهد اللهم إلا أن يقال الجعل بمعنى الصنع
والعمل، فإذا تعلق بالأجسام كان باعتبار ما فيها من الصنعة، والعمل فمتعلقه في الحقيقة ما لا يقوم بنفسه وإنّ المتعارف
[ ٤ / ٥ ]
فيهما ما يتبادر منهما وادعاء معنى آخر لا دليل عليه، ولذا جعله تنبيها لا دليلا فتأمل.
قوله: (وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها الخ) في نسخة وأفرد النور للقصد إلى الجنس يعني به ما قال الزمخشري إنه أفرد النور للقصد إلى الجنس كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [سورة الحاقة، الآية: ١٧] أو لأن الظلمات كثيرة لأنه ما من جنس من أجناس الاجرام إلا وله ظل وظله هو الظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد، وهو النار وضمير لها في كلام المصنف أمّا للظلمات فيكون معنى كونها حاصلة لها أنها منشؤها أو لأسباب وهي كثاقة الأجسام وهذا أقرب وأورد عليه عود السؤال، وهو أنه لم أريد بالنور الجنس وبالظلمات أفرادها لا جنسها، وأنّ الظلمات كما تعددت فالأنوار أيضا تتعدد بحسب مباديها من الكواكب والنيرين والنار كما قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧] إن النور ضوء النار وضوء كل نير وأجيب بأنه فعل ذلك ليحسن التقابل مع قوله خلق السماوات والأرض ولا يخفى أنه لا دلالة لكلام المصنف على هذا، وهذا جواب آخر مستقل وبأن مرجع كل نير إلى النار على ما قيل أنّ الكواكب أجرام نورية نارية، والشهب منفصلة من نور الكواكب فالمصنف رحمه الله تعالى لما رأى تقارب الجوابين جعلهما شيئا واحدًا. قوله: (أو لآن المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى الخ) في تأخيره إشارة إلى ترجيح الأوّل تبعا للإمام ﵀ فإنه قال إنه أولى لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ولأنّ الظلمات والنور إذا قرنا بالسماوات والأرض لم يفهم منهما إلا الأمر أن المحسوسان، وتعقب بأن المعنى أنه لما خلق السماوات والأرض! فقد نصب الأدلة على معرفته وتوحيده، ثم بين طرق الضلال وطريق الهدى بإنزال الشرائع والكتب السماوية ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ فناسب المقام، ثم الاستبعادية إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل اختيار الباطل على أنه كلما ذكر الظلمات والنور في الكتاب الكريم أراد الضلال والهدى كقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] إلى غير ذلك، ولا يخفى أنّ قصاراه صحة ما ذكره لا أرجحيته والآية المذكورة لا ترد على الإمام بل تؤيد كلامه، ويدل على أنّ الهدى واحد والضلال متعدد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٣ ا] والدين الحق مجموع أمور يتحقق الضلال بمخالفة كل واحد منها وقيل: المراد به العقائد الحقة لا الفروع. قوله: (وتقديمها لتقدّم الإعدام على الملكات الخ) إذا تقابل شيئان أحدهما وجودقي فقط فإن اعتبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابل للأمر الوجودي إمّا بحسب شخصه أو بحسب نوعه، أو بحسب جنسه القريب أو البعيد فهما العدم، والملكة الحقيقيان، أو بحسب الوقت الذي يمكن
حصوله فيه فهما العدم والملكة المشهوران، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب فالعدم المشهور في العمي والبصر هو ارتقاع الشيء الوجودي كالقدرة على الأبصار مع ما ينشًا من المادّة المهيأة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في حكمة العين وشرحها فإذا تحققت أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة مسبوقة بعدمها لأنها وجود تلك الصفة بالقوّة، وهو متقدم على وجودها بالفعل، وقال: خاتمة المحققين: لا بد في تقابل العدم، والملكة أن يؤخذ في مفهوم العدمي كون المحل قابلا للوجودفي ولا يكفي نسبة العدمي إلى المحل القابل للوجودي من غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحل قابلا له، ولذا صرحوا بأنّ تقابل العدم والوجود تقابل السلب والإيجاب قال في الشفاء: العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوّة وهذا لا بد منه في معناه المشهور انتهى فقول الفاضل المحشي فيه إن الجزئية غير مقيدة والكلية ممنوعة لتأخر الاعدام الطارئة عنها غير سديد، ثم قال: فإن قلت أراد كل ملكة يتقدمها العدم دون العكس قلت إن أريد تقدم العدم السابق مطلقًا، ولو في وقت عدم الموضوع فليس ذلك بعدم ملكة لأنه عدمها عن الموضوع القابل بأن يتحقق الموضوع ولا تتحقق الملكة لا بأن لا يتحقق الموضوع كما لا يخفى وان أريد تقدمه في وفت وجود الموضوع، فذلك غير متصوّر فيما لا تنفك الملكة عنه لكونها من لوازمه انتهى، وهو
[ ٤ / ٦ ]
غير وارد أمّا إن أريد الملكة الحقيقية فظاهر، وأما إن أريد المعنى المشهور فلأنه يكفي وجود مادّة تقبل تلك الصفة، والملازمة المذكورة توهم يضره ولا ينفعه، ثم قال فإن قلت لم لا يكفي في المطلوب تقدّم بعض الإعدام على ملكاتها قلت معارض بتقدم بعض الملكات على إعدامها لتوقف تصوّر الإعدام على تصوّر ملكاتها، ولوجوديتها انتهى والفرق بين لزوم تقدم الشيء بنفسه ولزوم تقدم تصوّره ظاهر ألا ترى أن المفرد مقدم على المركب في الوجود لتقذ م الجزء على الكل مع أن المركب مقدم عليه في التصوّر، ولذا قدم تعريفه على تعريفه في المطالع ولك أن تقول عدم الملكة عدم مخصوص، والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدّم على الوجود في سائر المحدثات، ولذا قال الإمام: إنما قدم الظلمات على النور لأنّ عدم المحدثات متقدم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: " إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رس عليهم من نوره " وفي أخرى: " ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل فلذلك جف القلم بما هو كائن ") ١ (، فعلى ما ذكره الإمام الظلمة
في الحديث بمعنى العدم والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث، والظاهر ما قيل الظلمة عدم الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية، والذي أرفعه فيه أنه اقتصر على رواية صدر الحديث، ثم إنه قيل الصواب أن يقال في وجه التقديم التقابل مع قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سررة الأنعام، الآية: ٧٣] وكونها متقدمة في الخلق على النور على ما ورد في الأخبار الإلهية أنّ الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فخلق النيرات لا يوافق ما مرّ من معنى الحديث الذي نطقت به الرواية، وقد بقيت هنا كلمات تركناها لعدم جدواها قوله: (ومن زعم أنّ الظلمة عرض يضادّ النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أنّ عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل) يعني أن الجعل ليس بمعنى الخلق، والإيجاد بل تضمين شيء شيئا وتصييره قائما به قيام المظروف بالظرف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به، وان لم يكن موجودأ عينيًا لأنه ذكر في الطوالع أنّ العدم المتجدد يجوز أن يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث هذا تحقيق كلامه، ولا يرد عليه شيء أصلًا فإنّ العدم إمّا مطلق صرف أو مقيد ومضاف كعدم الحياة أو عدم تقابل الملكة وقد مرّ تحقيقه ثمت، وقال النحرير الظلمة عدم النور فإن أجرى هذا على إطلاقه كان بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب إلا أنّ الحكماء يقولون هو عدم النور عما من شأنه فبينهما تقابل العدم والملكة وعند بعض المتكلمين هو عرض ينافي النور فبينهما تقابل التضاد انتهى، وما نقله عن الحكماء ليس بمتفق عليه فإنّ منهم من ذهب إلى الأوّل، وهو مذهب الإشراقيين كما في حكمة الإشراق وفي شرحه للعلامة الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يستضيء على ما هو رأي المشائين أو عدم الضوء فحسب على ما هو رأي الأقدمين، وارتضاه بما هو مبسوط ثمت وقيل إذا كان الجعل بمعنى الخلق وليس الفرق بينهما إلا ما مرّ لا يصح تعلقه بالعدم إلا أن يعم الخلق غير الإيجاد، أو الإيجاد إيجاد الشيء ولو لغيره، فإن جعل أعم منه فإن كان الإثبات في نفس الأمر الذي هو أعم من الخارج واعدام الملكات ثابتة فيه، وأمّا العدم الصرف أمّا المطلق فلا تحقق له أصلا إلا إذا ثبت كونه ذاتيا للإعدام المضافة، وهو ممنوع لجواز كونه عرضا عامًّا لها ولا يلزم من ثبوت شيء ثبوت عرضه وأمّا المضاف، إلى غير الملكة فليس له ثبوت شبيه بالوجود الخارجي يرشدك إليه وضع الأسامي لإعدام الملكات كالظلمة والعمى دون غيرها انتهى وبما مر من تحقيق كلامه علمت أنه لا يرد عليه هذا والأحداث ليس بمعنى الإيجاد بل أعم منه والعدم مطلقا لا يصح إيجاده لأنه لا معنى للإيجاد إلا أحداث الوجود فلو أحدث فيه الوجود كان متصفًا به فيلزم اجتماع النقيضين نعم عدم الملكة عدم بالفعل ووجودب لقوّة كما مر نقله عن الشفاء مع أنهم صرحوا بأنّ العدم المطلق جزء من العدم المقيد، وقيل الجعل الإنشاء، وهو أعم من إيجاده بنفسه أو إيجاده في محل بأن جعل المحل متصفأ به، ولا يخفى أنّ الموجودات
قد تتصف بالإعدام فتأمّل. قوله: (عطف على قوله الحمد لله الخ) في الكشاف عطفه إما على قوله الحمد لله على معنى أنّ الله حقيق بالحمد على ما خلق لأنه
[ ٤ / ٧ ]
ما خلقه إلا نعمة ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته وأمّا غلى قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَات﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه انتهى، وهذا من غوامض هذا الكتاب لأنّ هنا احتمالات أن يكون كفروا من الكفر أو الكفران، ويعدلون من العدل بمعنى التسوية أو العدول بمعنى الانصراف وبربهم إمّا متعلق بكفروا أو بيعدلون على كل تقدير فهذه الجملة إمّ معطوفة على جملة الحمد دلّه أو على الصلة وقد جوّز بعض هذه الاحتمالات تصريحا ونفى غيرها تلويحًا لأنه جعله على عطفه على جملة الحمد من العدول والجار متعلق بكفروا وكفروا من الكفر لا الكفران وعلى عطفه على الصلة فيعدلون من العدل، والجارّ متعلق به مقدم من تأخير إمّا لتعظيم اسمه الجليل أو لرعاية الفاصلة، وكفروا مسكوت عن تفسيره فيه إشارة إلى احتماله للوجهين، والذي اقتضى ذلك أن الأرجح الأبلغ العدول عنه إلى غيره إن لم يكن خطأ عند البلغاء فهو أخوه، وبيان ذلك أنه يصير المعنى على الوجهين هكذا الحمد والثناء مستحق للمنعم بهذه النعم الجسام على الخاص، والعام فكيف يتأتى من الكفرة والمشركين المستغرقين في بحار إحسانه العدول عنه، ولا يخفى استبعاد انصراف العبد عن سيده ووليّ نعمته إلى سواه بخلاف التسوية فإنّ المنعم قد يساويه غيره ممن يحسن إلى غيره، وهذا على الوجه الأوّل، وعلى الثاني معناه المعروف بالقدرة على إيجاد هذه المخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواه كيف يتسنى لهؤلاء الكفرة، أو لهؤلاء الجاحدين للنعم أن يسووا به غيره ممن لا يقدر عليها، وهم في قبضة تصرفه بخلاف العدول عنه فإنه قد يتصوّر لجهلهم بحقه وما يليق بعظمته إذ العدول لا ينافي عدم المعرفة بخلاف التسوية فإنه لا يسوي بين شيئين لا يعرفهما بوجه ما ولما كان العدول في الأوّل مستلزما لكفران نعمه رتبه عليه وجعله تفسيرا له، وليس إشارة إلى أن كفروا من الكفران وبربهم بتقدير مضاف أي بنعم ربهم كما قيل، وأمّا عطفه على الصلة المسوقة لذكر المحمود عليه، وهذا ليس كذا! كما أورده في الانتصاف فرذ بأنه إشارة إلى مزيد كرمه وواسع حلمه حيث أنعم على المطيع والعاصي فكأنه قيل ما أكرمه وأحلمه كما قيل:
إلهي لك الحمدالذي أنت أهله على نعم ماكنت قط لها أهلا
أزيدك تقصيرًا تزدني تفضلًا كأني بالتقصير أستوجب الفضلا
كما سيأتي تحقيقه فما قيل إنه إشعار بأنّ الباء في الأوّل صلة كفروا ويعدلون من العدول، وفي الثاني يعدلون من العدل بمعنى التسوية وتقديم الصلة للاهتمام وتحقيق الاستبعاد وهذا تخصيص من غير مخصص لتأني التقديرين على كل من الوجهين، ووضع المظهر موضحع الضمير لبيان موقع الاستبعاد ولفظ الكتاب يوهم أنّ القرآن، ثم الذين كفروا به يعدلون وليس
كذلك لا وجه له لما عرفت من وجه التخصيص وظهور المخصص وأمّا قوله به فليس غلطا في التلاوة كما توهم، وإنما هو تنبيه على أنّ الموضع موضع الإضمار وايضاج أن كفروا ليس من الكفران، ثم قال وفذا العطف على الصلة ليس على قصد أنه صلة برأسه ليتوجه الاعتراض بأنه لا معنى لقوله الحمد لله الذي كان منه تلك النعم العظام، ثم من الكفرة الكفران وإنما لم يحمل، ثم على التراخي مع استقامته لكون الاستبعاد أوفق بالمقام (وأورد عليه أبحاث (الأوّل إنه لا وجه لضم ما لا دخل له في استحقاق الحمد إلى ما له ذلك، ثم جعل المجموع صلة في مقام يقتضي كون الصلة محمودًا عليه، والثاني أنّ مبني كلامه على أن المعتبر في هذا الوجه كون المذكور في حيز الصلة نعما والواقع منهم كفران، وهو مخالف للكتابين من وجهين أحدهما كون الخلق نعمة، وثانيهما كون يعدلون من العدول لا من العدل بمعنى التسوية، والجواب أما عن الأوّل فلما مرّ من أنه إذا أنعم عليه مع ذلك اقتضى علو شأنه وعموم إحسانه للمستحق وغيره وهو تعظيم منبئ عن كمال استحقاقه، ولذا قال بعض الفضلاء إنه حمد على كمال جوده حيث ينعم بمثل هذه النعم الجليلة على من لا يحمده ويشرك به، وقد يقال وقوعه موقع المحمود عليه باعتبار معنى التعظيم المستفاد من إنكار مضمونه فكأنه قيل الحمد لله الذي جل جنابه عن أن يعدل به شيء لكن المحمود عليه يجب أن يكون جميلا اختياريأ وما ذكر ليس كذلك
[ ٤ / ٨ ]
فلا بد من الرجوع إلى التأويل وأمّا عن الثاني فلأنها نعم لا يقدر عليها سواه كما نبه عليه بقوله:) العظام) فتضمن ذلك عظيم قدرته التي لا يساويه فيها أحد وذكره الكفران بيان لحاصل المعنى، ومآله لا تفسير لقوله يعدلون حتى لا يناسب ما في الكتابين، ثم إنه قيل عليه أيضًا إن ما ينتظم في سلك الصلة المنبئة عن موجبات حمده تعالى حقه أن يكون له دخل في ذلك الأنباء في الجملة، ولا ريب في أن كفرهم بمعزل عنه واذعاء أنّ له دخلا فيه لدلالته على كمال الجود كأنه قيل الحمد لله الذي أنعم المثل هذه النعم العظام على من لا يحمده تعسف لا يساعده النظام، وتعكيس يأباه المقام. كيف لا وسياق النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات الآتية لتوبيخ الكفرة ببيان غاية إساءتهم في حقه كما يقتضيه الادعاء المذكور وبهذا اتضح أنه. لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه لما أنّ حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة، فما ظنك بما هو من روادفها، وقد عرفت أنّ المعطوف هو الذي سيق له الكلام قلت لا شك في أنه على هذا الوجه يراد الحمد دلّه الذي أنعم بهذه النعم الجسام على من لا يحمده، ولا تعسف فيه لبلاغته وادعاء العكس ممنوع فإنّ المقام مقام الحمد كما تفيده الجملة المصدر بها، وما بعده كلام آخر ولا يترك مقتضى مقام لأجل مقتضى مقام آخر إذ لكل مقام مقال وهذا على عادته في استسمان ذي ورم، ونفخه في غير ضرم، فإن قلت كيف يصح عطفه من جهة العربية والموصول لا يكون صلة كما صرح به الرضي في باب الأخبار بالذي قلت الذي وقع في الرضي، وقوعها صلة ابتداء لا بطريق التبعية فإنه يغتفر في التابع ما. لا يغتفر في غيره، ثم
إنه قيل الصواب في الجواب أن عطفه عليه ليس بقصد أنه صلة برأسه ولا لأنه جزء الصلة بل على أنه من روادفها عطف عليها بيانا لما لهم مع ذلك الصنع البديع، ومن الفعل الشنيع والصنع الفظيع، ويمكن أن يؤوّل بأنّ المعنى الحمد دلّه المنعم المستبعد مع إنعامه الكفران فيجوز أن يكون جزء الصلة انتهى وهذا مآل ما ذكره النحرير عند التأمل مع أنّ قوله ويمكن الخ يرد عليه ما أورده ثانيا بعينه، وما قيل فيه نظر لأنه تكلف بعيد وتغيير للنظم لا يرتكب إلا لضرورة ولا ضرورة هنا، ولأن قوله من الكفران لا يناسب أن يذكر بعد الحمد إذ لا علاقة له معه من قلة التدبر، وإذا انتقش في صحيفة ذهنك ما قرّرناه انمحى كل ما أوردناه. قوله: (ما خلقه نعمة (يشير إلى أنّ الحمد هنا في مقابلة النعمة لأنّ ما في حيز الموصول محمود عليه فلا يرد عليه أن الحمد لا يلزم أن يكون في مقابلة نعمة. قوله: (ثم الذين كفروا الخ الما كان المقام مقام الحمد ناسب التشنيع عليهم بعدم العمل بمقتضاه فلا يرد عليه أنّ كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوس! ط أشد شناعة وأعظم جناية مع عدولهم عن حمده ﷿ فجعل أهون الشرين عمدة في الكلام مقصودًا، بالإفادة واخراج أعظمهما مخرج القد المفروغ عنه مما لا عهدة له في الكلام السديد فكيف بالنظم التنزيلي. قوله: (ويكون بربهم تنبيهًا الخ) إشارة إلى النكتة في وضع الظاهر موضع المضمر، والرث في الأصل مصدر أو صفة بمعنى المربي المالك يختص به تعالى ولا يطلق على غيره إلا شذوذا أو مقيدًا أو جمعا كما مر. قوله: (على معنى أنه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه الخ (هكذا في الكشاف، وهو بيان لما يقتضيه تباعد ما بين المتعاطفين وهو خلق هذه الأمور العظيمة التي لا يقدر عليها سواه وتسوية الكفرة به من لا يقدر على شيء، ولم يذكر أنّ خلق هذه من النعم لأنه لبيان المناسبة بين الجملتين مع قطع النظر عن ارتباطه بما قبله وكونه محمودا عليه أؤ اكتفى بالتنبيه عليه فيما مضى وكونه معلومأ مع وقوعه موقع المحمود عليه اقتصارًا على مقدار الكفاية وحذرا من شبه التكرار، فلا يرد عليه ما قيل أنه لم يعتبر في هذا الوجه كون خلق السماوات والأرض من النعم مع أنه أشار فيما سبق إلى اعتباره مطلقا بقوله ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام، والصواب اعتباره هاهنا أيضًا لاقتضائه الإظهار في مقام الإضمار لا سيما في هذا الوجه لعطفه على الصلة، وقال أبو حيان: لا يصح هذا التركيب لأنه ليس فيه رابط يربط الصلة بالموصول إلا إذا خرج على نحو قولهم أبو سعيد الذي رويت عن الخدري يريدون عنه فيكون الظاهر وقع موقع المضمر فكأنه قيل، ثم الذين كفروا به يعدلون، وهذا من الندور بحيث لا يقاس عليه ولا يحمل عليه كتاب الله تعالى
[ ٤ / ٩ ]
مع إمكان حمله مع الوجه الصحيح الفصيح، ولك أن تقول لا يلزم من ضعفه في ربط الصلة ابتداء ضعفه فيما عطف عليها كما في رب شاة وسخلتها، وأمّا ما قيل على ما
ذكرنا من الجواب الصواب لا يحتاج إلى الرابط فعجيب لأنه لم يقل أحد من النحاة إنّ المعطوف على الصلة، بثم يجوز خلوه عن الرابط وغاية ما ذكره أنه نكتة للربط بالاسم وهو ظاهر. قوله: (ما لا يقدر على شيء منه) قيل تبع فيه الكشاف، والظاهر حذف لفظ منه، ولم يقفوا على وجهه وهو في كلام الزمخشري ظاهر لأن المانع من التسوية عدم القدرة على شيء مما لا يقدر عليه غير الله لا عدم القدرة على الخلق مطلقًا إذ أفعال العباد مخلوقة لهم عند المعتزلة والمصنف ﵀ تبعه في ذلك ليكون نكتة على جميع المذاهب لا غفلة عن مراده. قوله: (ومعنى ثم استبعاد عدولهم الخ) قال ابن عطية ﵀، ثم دالة على قبح فعل الذين كفروا لأنّ المعنى أنّ خلقه السماوات قد تقرّر وآياته قد سطعت وأنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول أعطيتك وأحسنت إليك ثم تشتمني أو بعد وضوج ذلك كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو ولم يلزم التوبيخ كلزومه بثم، قال أبو حيان: هذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أنّ ثم للتوبيخ، والزمخشريّ من أنها للاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول ثم ولا أعلم أحدًا من النحويين ذكر ذلك بل ثم هنا للمهلة في الزمان وهي عاطفة جملة اسمية على اسمية أخرى فأخبر تعالى بأنّ الحمد له ونبه على العلة المقتضية للحمد من جميع الناس، وهي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ثم أخبر أنّ الكافرين يعدلون فلا يحمدونه، وقيل الظاهر أنه لم يرد أنه موضوع للاستبعاد بل أراد أنه مستعمل فيه بطريق المجاز بمعونة المقام، وذلك لأنّ كل متباعد مستبعد ومتراخ عن خلافه فاندفع ما قال أبو حيان إنه لم يوضع لذلك بل هو مستفاد من سياق الكلام، وقد يجاب عنه بأنه أراد التراخي الرتبي وفيه أنّ مقتضى ذلك كون مدخوله أعلى مرتبة مما عطف به عليه وليس الأمر هنا كذلك أقول قوله متراخ ومتباعد في الجواب لا معنى له إلا أنّ بينهما بعد معنوقي وهو التراخي الرتبي بعينه فالجوأبان واحد، وما أورده وارد عليه، ثم ما أنكره من كون الأوّل أعلى رتبة لا وجه له، وقد صرّح ابن عطية ﵀ بخلافه فيما سمعت لأنّ الأعلى في مثاله المعطوف عليه ونبه عليه بعض شراح الكشاف في غير هذا المحل وإذا شبه البون المعنوي بالبعد الزماني وعد هذا علاقة فما الفرق بينهما ومراد الزمخشرقي التراخي الرتبي وقال النحرير ﵀ إنما لم يحمل ثم على التراخي مع استقامته لكون الاستبعاد أوفق بالمقام لأنّ التراخي الزماني معلوم فيه فلا فائدة في ذكره ومنه علمت أنّ الصواب أن يعذ كناية لا مجازًا لإمكان المعنى الحقيقي فيه وقوله استبعاد أن يعدلوا به ربما يشعر بأنه على الوجه الأوّل فقط ومراده جريانه فيهما لكته للاختصار اقتصر على أحدهما ليعلم الآخر بالمقايسة عليه، ثم قال: فإن قلت يرد على الفاضل وأبي حيان أن كفرهم وعدولهم لا يتراخى عن كونه حقيقيًا بالحمد لاستمراره فإن جعل للتراخي في الأخبار كما يشعر به كلامه، ورد أنه لا تراخي بين الإخبارين كما في شرح التسهيل فلا بد من اعتبار التراخي الرتبي، والرجوع إلى ما قاله الزمخشريّ قلت كل ممتد يصح فيه التراخي باعتبار
أوّله والفور باعتبار آخره كما حققه النحاة. قوله: (والباء على الآوّل الخ) قد مز اعتراض الفاضل المحقق بأن الفرق المذكور تخصيص من غير مخصص، وقد مرّ دفعه بنحو ما قاله بعض المتأخرين الفضلاء وجه التخصيص! رعاية المناسبة بين ما عطف، بثم الاستبعادية وبين ما عطف عليه فإنه إذا قيل، ثم الذين كفروا به يعرضون عن حمده فيكفرون نعمته فإنّ من استحق جميع المحامد من قبل العباد فالإعراض عن حمده في غاية الاستبعاد، ولا يناسب حينئذ أن يقال ثم الذين كفروا يسوّون به غيره إذ لم يسبق صريحا ما يفيد امتناع التسوية بينه وبين غيره حتى يفيد استبعاد التسوية وكذا إذا قيل إنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه فالمناسب في الاستبعاد أن يقال، ثم الذين كفروا يسوّون به غيره الذي لا يقدر على شيء منه، لا أن يقال ثم الذين كفروا به يعرضون عن حمده انتهى، ولا يخفى اتساق أنّ من استحق جميع المحامد لأنعامه بالنعم الجسام
[ ٤ / ١٠ ]
لا يناسبه أن تكفروا نعمته، ومن خلق هذه المخلوقات العظام لا يسوي به غيره كما قال تعالى: حكاية عن الكفار ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٩٧-٩٨] وأيد الاعتراض! الذي اعترض! به النحرير بأنه إذا قيل إنه تعالى مستحق للحمد على هذه النعم الجسام التي لا يقدر عليها أحد، ثم الذين كفروا يعدلون به غيره مما لم يكن منه مثل هذه فيجعلونها آلهة مثله ويثنون عليه بما أثنوا به عليه تعالى كان كلاما صحيحا منتظما، وكذا إذا قيل إنه تعالى خلق ما خلق نعمة لهم مما لا يقدر عليه أحد، ثم هم يعدلون عنه ولا يحمدونه مع أنه مقتضاه ذلك كان كلاما صحيحا منتظما هذا تقرير كلامه، على وفق مرامه، وقد خفي عليه وعلى من قلده ولا يخفى أنه تكلف وتخليط فإن العلامة راعى في وجه الاستبعاد أخذه من المتعاطفين، وهو أدخل في كل من الوجهين وغيره أخذه، مما بعده وما قبله، ولا يخلو من التعقيد لملاحظة قيود كثيرة والاحتياج إلى تقديرها وملاحظتها، ولدّا لم يعرج عليه أحد من شراح الكشاف، وأشار إلى الكشف إلى أن ما جنح إليه الزمخشري ظاهر من حاق النظم، ولولاه لما حسن موقع ثم وما ذكره تكلف يأباه جزالة النظم وسلاسة السبك والحق أحق أن يتبع، ومعنى تسويتهم له تعالى بها في اذعاء الألوهية والعبادة وبعضهم سلك في ردّه مسلكا آخر فقال أنه معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مرّ من موجبات اختصاصه تعالى بالحمد المستدعي لاقتصار العبادة كما حقق في سورة الفاتحة مسوق لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة العقل، والمعنى أنه تعالى يختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه، ويعدلون به سبحانه أي يسوّون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد مع كون كل ما سواه مخلوقا له غير متصف بشيء من مبادي الحمد، وكلمة ثم لاستبعاد الشكر بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه لا سيما بعد
بيانه بالايات التنزيلية، والموصول عبارة عن طائفة الكفار جرى مجرى الاسم لهم من غير أن يجعل كفرهم بما يجب أن يؤمن به كلاَ أو بعضًا عنوانًا للموضوع، فإن ذلك مخل باستبعاد ما أسند إليهم صن الإشراك والباء متعلقه بيعدلون هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل، وهذا مبنيّ على أنّ الحمد له دلالة على العبادة كما مرّ أن الزمخشري جعل إياك نعبد بيانا لقوله الحمد دئه وقد أوّله الشراح ثمة وهو لم يرتضه هناك فكأنه نسي ما قدمت يداه دماذا لم يلاحظ فيه ما ذكر لا ينتظم كلامه بوجه من الوجوه وهو من الأوهام الخيالية. قوله:) وصلة يعدلون الخ (لم يقدر ليعدلون في هذا الوجه مفعولًا بخلافه في الوجه الثاني بناء على ما نقل عن الزمخشرقي من أنه قال إنما ترك ذكر المعدول عنه ليقع الإنكار على نفس الفعل الذي هو العدول وأنه مما لا ينبغي أن يخطر ببال، وينبغي أن يجعل الفعل هاهنا كأنه غير متعد فلا يضمر له مفعول البتة وإنما لم يجعل في الوجه الثاني كذلك لأنه لا يحسن إنكار العدل بخلاف إنكار العدول قيل وفيه نظر ظاهر ووجهه أن مجرّد العدول بدون اعتبار متعلقه غير منكر ألا ترى أن العدول عن الباطل لا ينكر فالظاهر أن تذكر هذه النكتة في الوجه الثاني وإن حذفه إنما هو لأجل الفاصلة. قلت هذا وان تراءى في بادئ النظر لكته عند التحقيق ليس بوارد لأنّ العدول وان كان له فردان أحدهما مذموم وهو العدول عن الحق إلى الباطل وممدوج وهو العدول عن الباطل إلى الحق لكن العدول الموصوف به الكفار لا يحتمل الثاني فلتعينه لا يحتاج إلى تقدير متعلق وتنزيله منزلة اللازم أبلغ عند التأمل، بخلاف التسوية فإنها من النسب التي لا تتصور بدون المتعلق فلذا قدره ومنه تعلم أنّ تنزيل الفعل منزلة اللازم لا يكون أو لا يحسن إلا فيما ليس من قبيل النسب فأعرفه وقوله يعدلون بربهم الأوثان الأولى التعميم وقد اعترف المصنف ﵀ بتضمن السورة الرذ على الثنوية، ئم إنّ حذف المفعول هنا ليقع الإنكار على نفس الفعل. قوله: (أي ابتدأ خلقكم الخ) إشارة إلى أنّ من ابتدائية، وقيل إنه يعني أنّ الخلق مجاز عن ابتدائه وأن كون الطين مبدأ لخلقهم باعتبار المادة الأولى فقوله، وإنّ آدم ﷺ الخ بالكسر
[ ٤ / ١١ ]
عطف على أنه للتفسير والتخصيص بعد التعميم، ويحتمل أن يكونا وجهين الأوّل إشارة إلى ما ذكره الإمام من أنّ الإنسان مخلوق من النطفة والطصث وهما من الأغذية الحاصلة من التراب بالذات أو بالواسطة، والثاني ظاهر ففي الآية ثلاثة وجوه وعلى الثالث تحتمل من التبعيضية ويكون قوله ابتدأ بيانا للواسطة فقط، وهو خلاف الظاهر، وفي الآية التفات لأنّ الخطاب وان صح كونه عافآ لكنه خاص بالذين كفروا، كما يقتضيه ثم أنتم تمترون ونكتته أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة والشكر عليه أوجب، وقد أشير في كل من الدليلين إلى المبدأ والمعاد وما بينهما. قوله:) ثم قضى الخ (قيل أي قدر وكتب فثم للترتيب في الذكر دون
الزمان لتقدمه على الخلق، وما ذكره ظاهر إن أراد بالقضاء والقدر ما وقع في الأزل ولكن لا حاجة إليه ولذا قيل الظاهر أنه بالمعنى الحقيقيّ وهو الترتيب بأن يراد بالتقدير والكتابة ما تعلم به الملائكة وتكتبه كما وقع في حديث الصحيحين: " إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أرشين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا ويؤمر بأربع. كلمات ويقل له اكتب عمله ورزقه وشقئي أم سعيد " الحديث) ١ (ومن أراد بسط هذا المقام فلينظر شروحه، وقيل إن كان قضى بمعنى أظهر فثم للترتيب الزمانيّ على أصلها وإلا فهي للترتيب الذكري.
قوله: (وأجل مسمى) في شرح الكشاف الأجل يقال بمعنى الوقت المعين لانقضاء شيء
ولم يقع فيه مجازًا كالموت ولمجموع المدة كالعمر وعليه تدور وجوه التفسير فنزل كلامه على كل مناسبة وقوله يطلق لآخر المدة ضمنه معنى يستعمل وإلا فالأصل تعديه بعلى، والواو هنا إمّا للحال أو للعطف. قوله:) وقيل الآوّل الخ) حاصل ما ذكره أربعة أوجه صريحة وواحد ضمنا فهي خمسة أحدها أنّ الأجل الأوّل أجل الموت والثاني أجل القيامة ووجه تقييد الثاني بكونه عنده أنه من نفس المغيبات الخمس التي لا يعلمها إلا الله والأوّل أيضًا وان كان لا يعلمه إلا هو قبل وقوعه كما قال ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٣٤، لكنا نعلمه للذين شاهدنا موتهم وضبطا تواريخ ولادتهم ووفاتهم فنعلمه سواء أريد به آخر المدة أو جملتها متى كان وكم مدة كأن كذا قيل، وقيل: إنه يعلم بالسن وانقراض الإقران قربا وبعدا، وان لم يتعين حقيقة أو الملائكة أطلعهم الله عليه وفيه نظر والثاني أنّ الأول ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث، ووجه التقييد بعنده في الثاني يعلم مما مز، والثالث كون الأوّل النوم والثاني الموت ولا يخفى بعده لأنّ النوم وان كان أخا الموت لكن لم يعهد تسميته أجلًا وان سمي موتا، ووجه تقييد الثاني بالنسبة إلى الشخص نفسه، والرابع كون الأوّل أجل من مضى وهو معلوم بخلاف من بقي ومن يأتي ووجه التقييد ظاهر، والخامس أنّ لكل شخص أجلين أجلا تكتبه الكتبة وهو يقبل الزيادة والنقص وأجلًا مسمى عنده لا يقبل التغيير ولا يطلع عليه غيره وسيأتي تحقيقه. قوله: (والاستئناف الخ (جوّز بعضهم أن يكون الاستئناف بمعنى جعله مبتدأ غير معطوف على ما قبله وآخرون إنه بمعنى كونه واقعا في ابتداء الكلام غير
مؤخر على ما هو المستفيض في كلامهم كما سيأتي، وردّ الأوّل بأنه يأباه قوله ولأن المقصود بيانه ولا وجه له لأنه لو عطف على ما قبله كان تابعا له، وهو ينافي كونه مقصودًا وهذا ظاهر غاية الظهور، ويؤيده أنّ الاستئناف بمعنى القطع شائع في كلامهم، وأمّا بمعنى التصدير فغير مشهور نعم هو على هذا الوجه يخلو عن الفائدة التي في كلام الكشاف، والظاهر عدم تركها، ومحصلها أنّ الظرف إنما يجب تقديمه إذا لم يكن ثمة مسوّغ آخر كالوصف هنا لكن النكرة الموصوفة بالمعروف فيها التأخير في استعمال البلغاء فيقولون عندي عبد كيس ولي ثوب جيد وفي ملكي كتاب نفيس لا يكادون يتركون تقديم خبره إلا لمقتف!!، وهنا أوجب تقديم النكرة أنّ المعنى، وأفي أجل مسمى عنده ت! غيمًا لشأن الساعة فلما- جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم، قال الطيبي: هذا بيان لمعنى التنكير والتهويل فيه لا أنّ الكلام متضمن لمعنى الاستفهام كما ظن، وقيل ظاهر عبارة الكتاب أن هذا التعظيم مستفاد من الاستفهام المعتبر في معنى هذه النكرة كأنه لغرابته، وعظيم رتبته مما يسئل ويستفهم عنه والاستفهام يقتضي صدر الكلام وبه! ذا يندفع ما يقال أنه يكفي في إيثار التقديم الترجيح وأيّ حاجة إلى اعتبار الوجوب والإيجاب كما في عبارة الكتاب ولا يحتاج إلى تأويله بأنّ الراجح واجب في حكم البلاغة، وكلام الزمخشريّ يخالف قول السكاكي أنّ النكرة الموصوفة يجب تأخرها فلا يتأتى الجواب عنه بأنّ عدم الوجوب باعتبار الصناعة النحوية وما ذكره الزمخشرفي باعتبار استعمال البلغاء، ثم إنّ معنى كلام المصنف ﵀ أنه قصد هنا التعظيم فقدّم للاهتمام بما قصد تعظيمه ولا ينافي كون التعظيم من التنكير أيضا فلا مخالفة بين كلامه وكلام الكشاف كما قيل وإنه أقرب منه لأنه لا يظهر دلالته على التعظيم إلا إذا لوحظ التنكير، وقال بعض الفضلاء فان قلت ليس قصد التعظيم للمبتدأ موجبًا لتقديمه، ولهذا لم يعدّ في علم المعاني من الأحوال المقتضية له قلت قد أدرج المصنف الجواب عن هذا في أثناء تقريره بقوله إنّ المعنى وأيّ أجل مسمى عنده بمعنى أن أجلًا في معنى أفي أجل فكما أنّ أقي أجل واجب التقديم فكذا ما هو بمعناه، وأورد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٦٢] فإنّ المعنى على أفي كتاب ولا يخفى أنّ ما قصد تعظيمه أهثم عند المتكلم والأهمية من مقتضيات التقديم كما صرّح به في متون المعاني، ثم أنّ المرجح قد يعارضه مرجح آخر خلافه فيجري كل منهما على حسب مقتضى مقامه ولذا قالوا إنّ النكات لا تتزاحم وفي شرح الكشاف هنا مباحث أخر تركناها خوف الإطالة، واذ قد تبين أنّ مراد الزمخشري بيان محصل المعنى لا أنّ ثمة استفهام مقدر اندفع ما اعترض به عليه من أنه لا يجوز أن يكون التقدير أفي أجل مسمى عنده لأن أيّ حينئذ صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أفي أجل مسمى عنده، ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أيا ولا حذف موصوفها، وإبقاؤها فلو قلت مررت بأيّ رجل تريد برجل أفي رجل لم يجز! مع أنه ردّ بأنه سمع ذلك كقوله:
إذا حارب الحجاج أيّ منافق علاه بعضب كلما هزيقطع
فإنهم قالوا تقديره منافق أيّ منانجق. قوله: (مثبت معين لا يقبل التغيير الخ) يوهم باعتبار المقابلة أنّ الأوّل يقبل التغيير والتأثير في تغييره إما من الخلق بالقتل ونحوه وهو ليس مذهب أهل السنة كما بين في محله أو من الخالق وهو أيضًا مما اختلفوا فيه فقيل الأرزاق والآجال مقدرة لا تتغير عما علمه الله، وأتا ما ورد في الأحاديث من أنّ صلة الرحم تزيد في العمر ونحوه، فقد قيل فيه إنّ المراد الزيادة بالبركة والتوفيق للطاعة أو هو بالنسبة لما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ وبه فسر قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣٩] وقيل المراد طوله ببقاء الذكر الجميل وهو ضعيف، وقال الماوردي وحمه الله قد تقرّر أنه تعالى عالم بالآجال والأرزاق وغيرها وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله موت زيد في زمن كذا استحال موته قبله أو بعده وعلى هذا حمل قوله تعالى ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده كذا في شرح مسلم وهو وجه من وجوه هذه الآية ومعنى عنده أنه مستقل بعلمه وفيه إشارة إلى أن علمه حضوريّ ليس كعلمنا، وقيل الأجلان واحد والتقدير، وهذا أجل مسمى فهو خبر مبتدأ محذوف وعنده خبر بعد خبر أو متعلق بمسمى. قوله: (ولأنّ المقصود بيانه الأن الآية سيقت لبيان البعث وهو الدال عليه في الوجوه الثلاثة الأول وأما في الأخير فلأنه حينئذ ظاهر في الدليل إلا نفسي وفي نسخة ولأنه المقصود بيانه بالذات.
تنبيه: أعلم أنه قال في الكشاف فإن قلت الكلام السائر أن يقال عندي ثوب جيد ولي
عبد كيس، وما أشبه ذلك، فما أوجب التقديم قلت أوجبه أنّ المعنى وأقي أجل مسمى عنده تعظيمًا لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم، وقال النحرير: يعني أنه قدم لأنه قصد التعظيم فإنه مما يناسب الاهتمام التقديم، وظاهر عبارة الكتاب أن هذا التعظيم مستفاد من معنى الاستفهام المعتبر في مثل هذا المنكر كأنه لغرابته، وعظم رتبته مما يسأل عنه ويستفهم عن حاله، والاستفهام يقتضي صدر الكلام، وبهذا يندفع
[ ٤ / ١٢ ]
ما يقال إنه يكفي في إيثار التقديم الترجيح فأفي حاجة إلى اعتبار الوجوب والإيجاب كما في عبارته ولا يحتاج إلى تأويله بأنّ الراجح واجب في حكم البلاغة وقال بعض علماء العصر فيما قاله النحرير نظر لأنّ أيا هذه ليست للاستفهام إنما هي لمعنى آخره، وفي المغني إنها تكون شرطية ودالة على الكمال نعم يمكن
[ ٤ / ١٣ ]
أن يقال إنها منقولة من الاستفهام كما قاله الرضي: معتذرًا عن ابن الحاجب لما لم يذكرها بأنها في الأصل استفهامية فمعنى رجل أفي رجل أنه عظيم يسأل عن حاله لأنه لا يعرفه كل أحد انتهى لكن لا شبهة في أن أيًا هذه لا تقتضي الصدارة لانسلاخ الاستفهام عنها بالكلية، ولو اقتضت الصدارة لزم أن يقال برجل أقي رجل مررت، وهذا جليّ جدًا وبهذا ظهر أنّ في
توجيهه سهوًا ظاهر اهـ، وإذا أحطت خبرًا بما ذكرناه وبما قاله أبو حيان في الاعتراض على الزمخشري بأنه إذا كان التقدير وأفي أجل مسمى عنده كانت أيّ صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أفي أجل ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أيا ولا حذف موصوفها وابقاؤها ولو قلت مررت بأقي رجل تريد برجل أفي رجل لم يجز، وقال المعرب بعد هذا لا نسلم أن ما ذكره الزمخشري من التقدير يلزمه عليه حذف الموصوف بل هي مبتدأ كقولك أيّ رجل عندك وأيّ رجل زيد انتهى، وهذا ما قالوه بأسرهم من المتقدمين والمتأخرين (وأنا أقول أليس فيه ما طبق المفصل وأصاب المحز، فإذا نظرت بعين البصيرة عرفت أنّ العلامة يريد أنّ النكرة المخبر عنها بالظم ف يلزم تقدم ظرفها، وإنما تخلف هنا لأنها قصد بها التعظيم، وما قصد به ذلك حقيق بالتقديم والتعظيم من التنكير والتنوين لأنه في معنى أفي أجل ونظره به لأنه واضح كثير ولم يرد أنّ فيه لفظ أي مقدرا، وهو ظاهر لغير أكمه البصيرة، ويؤيده أن القاضي وغيره ذكروا التعظيم ولم يذكروا أيًا والنحرير وغيره فهموا أن فيه أيا مقدرة فورد عليهم أمور ارتكبوا التكلف لدفعها، والعلامة إذا عرج إلى سماء المعاني لم يتوكا على عصى، وإذا حكم على المعاني لم تقرع له العصى، فإن قلت: إذا كان وجوب التقديم فيما وضع للاستفهام وجواز عدمه إذا انسلح عنه فالظاهر أنه فيما حمل عليه ليس كذلك لأن الأصل ليس كالنائب قلت هذا مما يتراءى في بادئ النظر، وعند التحقيق الظاهر خلافه لأنّ الأصل تكفيه أصالته شاهدًا فلا يضرّ تخلفه أحيانا بخلاف الطارىء فإنه محتاج للبيان لتبادر الذهن إلى المعنى الأصلي فتأمله فإنه حقيق بذلك. قوله: (استبعاد الخ (إشارة إلى أنّ ثم هنا يجري فيها ما مرّ، وقوله: وخالق أصولهم يحتمل أن يريد بأصولهم آباءهم وجمعها لتعذدهم أو لتعدد فروعهم إن أريد ما ذكر في قوله: خلقكم من طين لا الآباء ولا العناصر أو موادهم إذ يؤخذ هذا من الأرض المرادة وما فيها. قوله: (وإبقائها ما يشاء كان أقدر الخ) ما يشاء إشارة إلى الآجال، وأقدر بمعنى أظهر قدرة وهو كقوله تعالى: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٧] لأنّ من صنع شيئا وأوجد ماذته سهل عليه صنع مثله فيقاس عليه إعادته أو هو لزيادة استعداد القابل لما أفيض عليه من الصور أوّلًا والا فالقدرة القديمة بالنسبة إلى جميع مقدوراتها على السواء فمعنى التفضيل فيها ما ذكر إمّا على طريق التمثيل والقياس إلى القدرة الحادثة التي تتفاوت قدرتها أو بالقياس إلى القابل لا الفاعل بزيادة استعداده للقبول، وأمّا بالنسبة إلى الفاعل فالكل على السواء فهو إمّا كناية عن زيادة ذلك الاستعداد أو أفعل التفضيل من المبنى للمجهول مثل ما أشغله أي أكثر ما تتعلق به القدرة، وفي كلام المصنف ﵀ إشارة إلى أن متعلق الامتراء تقديره تمترون في البعث، لا في الله فإنه لا يناسب ما تقدم من التصريح بكفرهم، وأن المعاد بضم الأجزاء واعادتها لا
بإيجاد بعد إعدام وتحقيقه في الأصول. قوله: (فالآية الأولى دليل التوحيد الخ) وجه دلالة الثانية ظاهر على تفسيره ووجه دلالة الأولى أنه إذا كان لا يليق الثناء والتعظيم بشيء سواه لأنه المنعم لا أحد غيره لزم أن لا معبود ولا إله سواه بالطريق الأولى، ولا حاجة إلى ملاحظة برهان التمانع وأن الآية إشارة إليه لأنها بالذات إنما تدل على وجود الصانع لا التوحيد وإنما أوقعه في هذا التكلف حمل الدليل على البرهان العقلي، أو مقدماته التي يتألف منها أشكاله والمصنف ﵀ قلما يستعمله بهذا المعنى كما يعلم من تتبع كلامه، ولذا قال بعض الفضلاء كونها دليل التوحيد ظاهر على أن يكون يعدلون من العدل وأئا كونه من العدول فباعتبار إجراء الخلق والجعل على الله وذكر بربهم، ولذا قال بعض المدتقين إنه ميل إلى ترجيح كون يعدلون من العدل، وقد أشار إليه في مفتتح كلامه أيضا بقوله ونبه على أنه المستحق إلى قوله: ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون لأنّ
[ ٤ / ١٤ ]
السورة مسوقة للردّ على أصناف المشركين، واعترض عليه بأنه غفلة عما زعم أنه تحقيق، وليس كما زعم والآية الثانية مستقلة في الدلالة على البعث إن فسرنا الأصول بالتفسير الأوّل، والا فهي غير مستقلة ومتعلق الامتراء عند المصنف ﵀ البعث كما مرّ، وفي الكشاف إنه استبعاد لأنّ يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم فيكون متعلقه وجوده تعالى وهو موجه بناء على أن الأجل المسمى بمعنى القيامة فإنها دالة على البعث، وجعل بعضهم دليل البعث من خلق السماوات والأرض على منوال قوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: ٢٧] وهو خلاف الظاهر. قوله: (وأصله المري الخ) قال الراغب ﵀ المرية التردد في المتقابلين وطلب الإمارة مأخوذة من مري الضرع إذا مسحه للدرّ.
ومنه أخذ المصنف ﵀ وقيل الامتراء بمعنى الجحد، وقيل الجدال، وعلى الوجه الأوّل وجه المناسبة أن الشك سبب لاستخراج العلم الذي هو كاللبن الخالص من فرث ودم. قوله: (الضمير دلّه (هذا قول الجمهور، وقال: أبو عليّ هو ضمير الشأن والله مبتدأ خبره ما بعده والجملة مفسرة لضمير الله وعلى هذا فإن تعلق الجارّ به فالحمل ظاهر الفائدة والا فهو على حد أنا أبو النجم وشعري شعري أي هو المعروف بالألوهية الأظهر من الخفي كما سيأتي تحقيقه. قوله: (متعلق باسم الله والمعنى الخ) في الكشاف متعلق بمعنى اسم الله كأنه فيل وهو المعبود فيها ومنه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٨٤] أو وهو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها أو وهو الذي يقال له الله فيها لا يشرك به في هذا الاسم غيره، وحاصله أنه لما توجه هنا أنّ الظرف لا يتعلق باسم الله لجموده، ولا بكائن
لأنه يكون ظرفًا دلّه وهو منزه عن المكان والزمان أجاب عنه بأربعة أوجه، ولذا قال النحرير: لا خفاء في أنه لا يجوز تعلقه بلفظ الله لكونه اسمًا لا صفة، وكذا في قوله في السماء إله وفي الأرض إله لأنّ إلها اسم وان كان بمعنى المعبود كالكتاب بمعنى المكتوب فهو متعلق بالمعنى الوصفيّ الذي تضمنه اسم الله كما في قولك، هو حاتم في طيىء على معنى الجواد، والمعنى الذي يعتبر هنا يجوز أن يكون هو المأخوذ من أصل اشتقاق الاسم أعني المعبود أو ما اشتهر به الاسم من الألوهية وصفات الكمال، ودل عليه هو الله مثل أنا أبو النجم وشعري شعري أي المعروف بذلك في السماوات والأرض، أو ما يدل عليه التركيب الحصر! من التوحد والتفرّد بالألوهية، أو ما تقرّر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة فهذه أربعة أوجه لا خفاء فيها وفي كيفيتها، وليس معناها أن يحمل لفظ الله على معناه اللغوي أو المعروف أو المتوحد بالإلهية أو يقدر القول انتهى، وفيه بحث لأنه لا وجه لجعله متعلقا بالجملة جميعها ولا نظير له، وان جعله متعلقأ بلفظ الجلالة فلا بد من أخذ ذلك المعنى منه فيلزمه الرجوع إلى ما قاله الشراح وسيأتي ما يصححه على بعد، والمصنف ﵀ لما اختار سابقًا أنه اسم للمعبود اختار هنا تعلقه بالاسم الكريم باعتبار أنه في المعنى المراد منه ملاحظ فيه معنى الصفة والجار والمجرور يكفي في تعلقه مثل ذلك فلا حاجة إلى اعتبار معنى آخر خارج عنه، ولم يقل المعبود ليصح الحصر المستفاد من تعريف الطرفين لأنه عبد غيره لكنه بغير حق، ولأن معناه بعد الغلبة المعبود بحق لا مطلق المعبود كما فصل في أوّل الكتاب، وإذا اتضح المراد سقط الإيراد، فلا وجه لما أورد عليه من أن الاستحقاق قائم به، وليس فيهما، فلو كان المعنى هو المعبود فيهما كما في الكشاف لصح لأن عبادته واقعة فيهما إذ المراد هو المعبود بحق فيهما ولا حاجة إلى أنه كني عن المعبودية بحق بام! تحقاق المعبودية وكذا الأوجه لقوله لو أريد هو المحمود فيهما لكان مناسبًا لفاتحة السورة والحاصل أن كلامه مبنيّ على الأصح عنده من كونه وصفًا في الأصل بمعنى المعبود بحق أو المحير للعقول، وأمّا عند جعله اسمًا مطلقا على المعبود كصاحب الكشاف فبأن ضمن اسمه معنى الوصف المذكور لكفاية رائحة الفعل فيه كان يلاحظ فيه بعض لوازمه، وما اشتهر به أو ما اعتبر عند وضعه للمعنى، الأوّل كقوله:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة
والثاني نحو هو حاتم في بلده والثالث ما نحن فيه على ما ذهب إليه صاحب الكشاف،
ثم إنه قيل لاختلاف مذهبهما في اسم الله اختلفت عبارتهما بزيادة لفظ المعنى وعدمها انتهى وفيه نظر. قوله: (لا غير) إشارة إلى الحصر المستفاد
[ ٤ / ١٥ ]
منه فقيل إنه مستفاد من تعريف المسند كما أشار إليه بقوله هو المستحق للعبادة بناء على كون أصله الإله وبذلك الحصر جوّز
الزمخشريّ تعلق الجار بمعنى اسم الله على تقدير المتوحد بالألوهية في السماوات والأرض وجوّز كون يعلم سركم وجهركم بيانا وتقريرًا معللًا بأنّ الذي اسنوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده، وهو ماخوذ من كلام الزجاج فإنه جعله ردًّا على المشركين حيث قال: المعنى هو المنفرد بالتدبير في السماوات والأرض خلافًا للمخذول القائل بأن المدبر فيهما غيره واليه أشار بقوله المتوحد بالألوهية فيهما، قال ابن الحاجب ﵀: وفائدة قوله أنا زيد الأخبار عما كان يجوز أنه متعدد بأنه واحد في الوجود وهذا إنما يكون إن كان المخاطب قد عرف مسميين أحدهما في ذهنه، والآخر في الوجود فيجوز أن يكونا متعدّدين فماذا أخبر المخبر بأحدهما عن الآخر كان فائدته أنهما في الوجود ذات واحدة فالإلهية بمعنى التدبير وهي المصحح للظرفية والتعلق به، وان توحده بذلك والحصر مستفاد من تعريف الطرفين سواء فيه الألف واللام وغيرهما كالعلمية كما يؤخذ من كلام الكشاف، وبه صرح ابن الحاجب وما وقع في بعض الكتب المعاني مما يقتضي أنّ التعريف المفيد للحصر إنما يكون بالألف واللام أو الموصولية يخالفه، ولكن الفضل للمتقدم والتوحد وإن استفيد من تعريف الطرفين، وهو يحصل بالمجموع لكنه نسبة بينهما يصح إسناده إلى الثاني لأنه متمم الفائدة فلذا صح تعلقه به باعتباره إذ لا وجه لتعلقه بالجملة فتأمل، فقول المحشي في وجه الحصر إنه بناء على كون أصله الإله غير مسلم، والذي غرّه ظاهر ما في كتب المعانيد، ولذا رد بعضهم تعلقه باعتبار معنى المتوحد فقال من غفل عن حصول معنى المتوحد من التركي! الحصري واعتبر معنى الحصر بعد التأويل بالمتوحد وقال إنما هو المتوحد في الإلهية لا غير لم يصب محزه، ثم إنه أورد على هذا الوجه أنّ التوحد بالألوهية أمر لا تعلق له بمكان من الأمكنة فلا معنى لجعله متعلقًا بمكان فضلًا عن جميع الأمكنة، واللازم من استواء السر والعلانية في علمه تعالى كون العالم هو الله تعالى لا وحدته نعم يلزم منه كونه هو الله دون غيره لكن أين هذا من التوحد الذي كلا منافيه، ويدفع بأن الألوهية تدبير الخلق كما عرفت وهو يتعلق بهما وبمن فيهما ومن تفرّد بتدبير جميع أمور أحد لزمه معرفة جميعها حتى يتم له تدبيرها فالجملة الثانية لازمة للأولى فلا وجه لما أورده فتدبر. قوله: (والجملة خبر ثان الخ) يعني على الوجهين ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ بمعنى هو يعلم سركم وجهركم كذا قدرو. كما هو دأبهم في الجملة المستأنفة فقيل هو مستدرك، وقيل قد جرت عادته في مثله أن يقدر مبتدأ، ولا يظهر له وجه يعتد به تلت ليس هو أبو عذرته فإنه قدره كذلك قدماء النحاة وفي دلائل الإعجاز إنه يقدر ذلك فيما إذا كان المستأنف فعلاَ فاعله ضمير مستتر فإنّ الظاهر ارتباط الكلام مما قبله لعود ضمير منه عليه فاذا قدّر ذلك ظهر انقطاعه عما قبله فسلك به مسلك النعت المقطوع رفعًا وان لم يكن ثمة ضرورة ملجئة إليه، وعلى الابتدائية هل هو استئناف بياني جوابًا لسؤال مقدّر كأنه لما قيل هو المعبود والمعروف بالألوهية الخ قيل ما شأنه فقيل يعلم سركم الخ أو استئناف نحوي من غير تقدير
سؤال، ورجحه الفاضل وغيره لأن تقدير السؤال تكلف. قوله: (ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد قي الحرم إذا كنت خارجه والصيد فيه) وكتب الفاضل المدقق هنا نقلًا عن الإمام التمرتاشي في الإيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول، كما إذا قلت إن ضربت زيدًا في الدار أو في المسجد فإن كانا معا فيه فالأمر ظاهر، وان كان الفاعل فيه دون المفعول أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وان كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه، فلذا قال: بعض الفقهاء لو قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه، وان قال إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه وهو محل الرمي الأول بمعنى إرسال السهم من القوس بنيته وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل، ولا يتوقف على وصوف فعل الفاعل فيعد من قبيل الأوّل والرمي الثاني إرسالط السهم، أو ما يضاهيه على وجه يصل
[ ٤ / ١٦ ]
إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه ولذلك يكون من القبيل الثاني، والإمام البزازي لعدم وقوفه على هذا الفرق الذي نبهوا عليه قال وفي كل فعل له أثر في المحلوف كالشتم والرمي يعتبر كون المحلوف عليه في المسجد لا الحالف والطحاوي جعل الرمي كالشتم وهذا في استعمال العرف، وأما في العربية فلم نر فيه تفصيلًا وكلامهم هنا يخالفه لأنّ العلم لا يظهر له أثر في المعلوم، ولذا قيل إنه لا يصح قياس النظم بالمثال لأنّ الرمي له أثر في المحل دون العلم، وقيل في وجهه إنّ العالم إذا لم يكن له مكان أصلا لم يصح نسبة علمه إليه بالحصول فيه لكن إذا كان علمه متعلقا بما فيه صار كأنّ العلم فيه فجاز جعله ظرفا له، وأمّا ما ذكره من المثال فوجهه أنّ الرمي شيء ممتد من انفصال ما به الرمي من السهم وغيره إلى آن الوصول إلى المرمى فبعض أجزاء ذلك الرمي الممتد لما وقع في الحرم جاز جعله ظرفًا له، ومن هذا ظهر صحة أن يقال رميت الصيد في الحل باعتبار ما وقع فيه من أجزاء ذلك الممتد، وأما إذا أريد بالرمي حدوثه، فالصحة منحصرة في هذا القول باعتبار جزئه الأوّل فقط فتأمل اهـ، وهو غير سديد إذ لا يوافق استعمال اللغة ولا العرف وما ذكره من كون الفاعل لا يحويه مكان لا يوافق ما مثل به المصنف ﵀ وما تكلفه له لا وجه له مع ما في تعبيره من الخلل، ولهذا المقام تحقيق لعل الله يمن به في محله. قوله: (أو ظرف مستقر وقع خبرا الخ) إمّا خبر بعد خبر إن كان الله خبرًا دمان كان بدلًا فظاهر، وقوله: كأنه فيهما الخ قيل يعني أنّ الآية الكريمة من التشبيه البليغ كزيد أسد والمعنى الله كائن في السماوات والأرض بحذف حرف التشبيه للمبالغة، وقال النحرير معنى كونه فيهما أنه عالم بما فيهما على التشبيه والتمثيل يعني الاستعارة التمثيلية شبهت حالة علمه بهما بحالة كونه فيهما لا! العالم إذا كان في مكان كان عالما به وبما فيه بحيث لا يخفى عليه شيء منه وفيه بحث إذ لا يظهر وجه الشبه الجامع
بينهما وقوله لأن العالم إذا كان في مكان لا يدل على ما اذعاه، ثم قال: ويجوز أن يكون كناية فيمن لم يشترط جواز المعنى الأصلي، ولا يستقيم هذا الكلام بدون هذا المجاز أو الكناية ورذ بأنه يستقيم إذا حمل على المبالغة كما مز انتهى، وما أورد على التمثيل ليس بوارد لأنه شبهت الحالة التي حصلت من إحاطة علم الله بهما وبما فيهما بحالة بصير تمكن في مكان فنظره وما فيه، والجامع بينهما حضور ذلك عنده، وجوز فيه أن يكون مجازا مرسلًا باستعماله في لازم معناه وهو ظاهر وأن يكون استعارة بالكناية بأن شبه بمن تمكن في مكان، وأثبت له ما هو من لوازمه وهو علمه به وبما قيه. قوله: (ويعلم سركم وجهركم بيآن وتقرير له الخ (يعني على كون الظرف خبرا، وهو كالقرينة له فلذا جعله بيانا لأنّ القرينة تبين المراد، ولما كان معنى كونه فيهما إحاطة علمه كان هذا تقريرًا وتوكيدآ لدلالته عليه فلا وجه لما تيل الأولى أن يقول أو تقرير، وجوز الزمخشري كونه خبرًا ثالثأ بناء على أنّ القرينة فيه عقلية، وهي أنّ كل أحد يعلم أنه تقدس وتعالى منزه عن المكان والزمان كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٤] إذ لم يردف بما يبينه فلا يرد أنه لو جعل خبرًا انتفت القرينة. قوله: (وليس متعلق المصدر الخ (لأنّ معمول المصدر لا يتقدم عليه، والمراد بالمصدر السر والجهر فيكون من التنازع ويلزمه أيضا التنازع مع تقدم المعمول وفيه خلاف أيضا، وأمّا ما قاله ابن هشام ﵀ من أنه إنما يمتنع تقدمه إذا قدر بحرف مصدري وفعل وهذا ليس كذلك فليس مما منعوه فقد رذه الشارح بأنّ تقديره ما يسرون وما يجهرون، وفيه نظر، ومنهم من يجوز تقدم الظرف لكنه قيل إنّ المصدر هنا بمعنى المفعول فلا يؤول بالموصول الحرفي والفعل، وقيل عليه إن هذا وإن صح لفظًا لا يصح معنى لأنّ أحوال المخاطبين لا معنى لكونها في السماء، والقول بأنّ المعنى حينئذ يعلم نفوسكم المفارقة الكائنة في السماوات أو نفوسكم المقارنة لأبدانكم الكائنة في الأرض خروج عن الظاهر، وتعسف لا يخفى قلت وهو وارد على المصنف ﵀ أيضا لا من جهة أنه جعل المانع من جهة العربية فأشعر بصحته معنى بل على وجه تعلقه بالفعل، وجعل الظرفية باعتبار المفعول فإنه يقتضي أن سر المخاطبين في السماوات أيضا، ولذا تركه بعضهم اللهم إلا أن يقال إنه كناية عن إحاطة العلم بالخفيّ، والظاهر كقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣]، ولذا قال
[ ٤ / ١٧ ]
بعض المتأخرين لعل جعل سرهم وجهرهم فيها لتوسيع الدائرة، وتصوير أنه لا يعزب عن علمه شيء في أي مكان كان لا لأنهما قد يكونان في السماوات أيضا، وأمّا تعميم الخطاب للملائكة فتعسف مع أن السياق يقتضي أنه على هذا لا يحتاج إلى التأويل كما في الخبرية، فهذا صلح عن غير تراض.
قوله:) من خير أو شرّ الخ) رتب عليه قوله فيثيب الخ إشارة إلى أنّ علمه تعالى عبارة
عن جزائه فتنمّ مغايرته لما قبله، وقوله ولعله أريد بالسر والجهر الخ، قال خاتمة المدققين فإن قلت هذا إنما يظهر إذا لم يتعلق في السماوات بيعلم، وأمّا إذا تعلق به فلا إذ لا تكون السماوات ظرفًا لأحوال أنفس المخاطبين قلت الآية الكريمة حينئذ من تغليب المخاطبين على الملائكة وفيه بعد لا يخفى، وقد فسر السر بالنفوس والجهر بالأبدان، ثم قيل على تقدير تعلق الظرف بالفعل المذكور يكون المعنى يعلم نفوسكم المفارتة في السموات، ونفوسكم المقارنة لأبدانكم في الأرض، وفيه بحث فإنّ الخطاب على هذا يكون للمؤمنين، وقد يكون فيما قبل للكافرين فتفوت المناسبة والارتباط، ثم كيف يفعل إذا تعلق الظرف بالمصدر مع أنّ أبدان المخاطبين ليست في السماوات ولعل الأولى والله أعلم أن يقال المراد بالسر ما كتم عنهم من عجائب الملك، وأسرار الملكوت مما لم يطلعوا عليه وبالجهر ما ظهر لهم من السموات، والأرض فإضافة السر والجهر إلى ضمير المخاطبين مجازية، وفيه نظر، ومراد المصنف ﵀ بيان المغايرة بين المتعاطفين أيضا كما أن منهم من دفعه باختصاص الأوّل بالأقوال وهذا بالأفعال، وقيل عليه أحوال الأنفس كيف تكون ظاهرة وأجيب بأنه باعتبار ما يدل! عليها من الجوارح كما تظهر آثار الغضب والفرح، وغيرها من الأحوال النفسية. قوله: (من الأولى مزيدة للاستغراق) قيل أي لتأكيده فإنّ النكرة في سياق النفي للاستغراق، ويحتمل عدمه احتمالًا مرجوحا كما في قولك ما رجل في الدار بل رجلان بجعل النفي عائدًا إلى وصف الفردية خصوصأ، وأمّا إذا كان مع من الاستغراقية لفظا نحو ما من رجل في الدار أو تقديرًا نحو لا رجل في الدار فهو نص في الاستغراق، ولا يحتمل عدمه لثونه لنفي الجنس بالكلية وهذا مخالف لما حققه ابن مالك في التسهيل من أنه إذا كانت النكرة بعدها لا تستعمل إلا في النفي العام كانت لتأكيد الاستغراق نحو ما في الدار من أحد وإذا كانت مما يجوز أن يراد بها الاستغراق ويجرز أن يراد بها نفي الوحدة أو نفي الكمال كانت من دالة على الاستغراق نحو ما جاءني من رجل فتأمل. قوله: (والثانية للتبعيض (وجعلها ابن الحاجب تبيينية فقال النحرير، ولا يستقيم إلا إذا كانت النكرة في النفي بمعنى جميع الإفراد لما صرحوا به من أنه لا بد من صحة حمل المبين على المبين، وما قاله من أنها لو كانت تبعيضية لما كانت الأولى استغراقية ممنوع لصحة قولنا ما يأتيهم بعض من الآيات من أفي بعض كان، ومبني كلامه على اعتبار التبيين والتبعيض بعد اعتبار النفي، وإفادة الشمول والإحاطة فيصح التبيين، ولا يصح التبعيض حينئذ لكن لا يخفى إمكان اعتباره بعد اعتبار التبعيض فتأمل انتهى، وفيه بحث فإنّ الشمول والإحاطة في أمثاله يكون على البدل لا الاجتماع حتى لا يصح التبعيض، وحاصله أن التناول لكل فرد الذي هو مدلول النكرة المنفية قد يستلزم الحكم على المجموع كما فيما نحن فيه فإنّ مآل المعنى إلى أنّ المجموع ليس إلا معرضا عنه لهم فبالنظر إليه جاز كون من بيانية، وتحقيقه أنّ هاهنا اعتبارين
أحدهما أن يلاحظ أوّلًا معنى آية منكرًا ويلاحظ تعلق من آيات ربهم به ثم يسلط النفي عليه فحينئذ تكون تبعيضية البتة وثانيهما أن يسلط النفي عليه أوّلًا ثم يلاحظ تعلق من آيات ربهم به فحينئذ يجوز أن تكون تبيينية نظرًا إلى لازم الحكم هذا ما قيل في تصحيح كونها بيانية لكنه خلاف الظاهر، ومع هذا لا وجه لقوله لو كانت تبعيضية لما كانت الأولى استغراقية لكونه في حيز المنع لأن الاعتبار على الوجه الثاني، ثم النظر إلى لازم الحكم ليس بأمر واجب وأيضا الاستغراق هاهنا لآية متصفة بالإتيان فهي وان استغرقت بعض من جميع الآيات. قوله:) أي وما يظهر لهم دليل قط الخ) يريد أن الآية في الأصل العلامة وتستعمل بمعنى الدليل، والمعجزة والآية القرآنية، واستعمال قط مع المضارع ليس بجيد لأن قط ظرف مختص بالماضي إلا أن يريد بقوله ما يظهر
[ ٤ / ١٨ ]
ما ظهر ولا حاجة إلى مثله ولما كان الإتيان، والمجيء يوصف به الأجسام فسره بيظهر استعمالًا له في لازم معناه مجازًا لا كناية كما قيل، والوجوه مرتبة الأعم فالأعم ولا حاجة إلى تقييد كل بغير الذي بعده لتتغاير الوجوه كما قيل المراد بالدليل دليل الوحدانية، أو البعث فيقابل المعجزة. قوله:) تاركين للنظر فيه غير ملتفتين إليه) لما كان حقيقة الإعراض في العنق وصرف الوجه عن شيء من المحسوسات فسره هنا بمعنى ترك النظر في الدليل والاعتناء به مجازًا، ولما كان المشهور في هذا المجاز عدم الالتفات أردفه به وقيل فسر الإعراض عن الدليل بترك النظر فيه، ثم قيده بعدم الالتفات إليه إشارة إلى أنه لا قدج فيه للتقليد لأنّ المقلد بتقليده المجتهد ملتفت إلى دليله ولا يخفى بعده ونبوّ المقام عنه، وذكر الضمير نظرا إلى الدليل أو القرآن كما يدل عليه ما بعده. قوله:) وهو كاللازم لما قبله الخ) فيه وجهان أحدهما أن الفاء سببية ما بعدها مسبب عما قبلها كما اختاره في البحر، وقوله: كأنه قيل الخ بيان يحصل به المعنى، والثاني أن هنا شرطا مقدرًا تقديره كما في الكشاف، وغيره إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بالحق لما جاءهم، والأوّل ظهر وكلام المصنف ﵀ مبنيّ عليه، وما قيل إن الفاء على هذا الوجه للسببية أفادت تسبب ما بعدها أعما قبلها فهي في المعنى جزائية لشرط مقدر تقديره لما كانوا معرضين كما ذكرد المصنف ﵀ خلط، وخبط لأنّ لما جوابها الماضي لا يقترن بالفاء على الصحيح الفصيح ألا ترى أن المصنف ﵀ أسقطها في بيان المعنى، والفاء الفصيحة لا تقدر جواب لما، ولم نسمع أحدًا من النحوييون قدرها بذلك، وكيف يقدر للفاء ما يقتضي عدمها، بقي أنّ الزمخشريّ قال: إنه مردود على كلام محذوف أي متعلق به في معرض الجزاء، وهو يستعمل مردودا بمعنى الجزائية والتبعية كثيرًا فقيل لأن الشرط سبب في الحقيقة للجزاء إذ المعنى إن كانوا معرضين عن الآيات فلا تعجب فقد كذبوا بما هو أعظم آية يعني القرآن، وهو أشد من الإعراض انتهى،
فقدر الفصيحة محذوفة بناء على جواز حذفها كما أشار إليه الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى﴾ [سورة البفرة، الاية: ٧٣] إذ المعنى فضربوه فحيي فحذف ذلك لدلالة قوله كذلك يحيي الله الموتى، والعجب منه أنه تال: ثمة يعني حذف ضربوه المعطوف على قلنا شائع في الفاء الفصيحة، وهنا قد حذفت الفاء الفصيحة في فحيي مع المعطوف بها أيضا بدلالة قوله كذلك الخ انتهى، ورده بعض الفضلاء فقال: من زعم أن الفاء في فحيي فصيحة فقد غفل عن أنّ ذلك على تقدير أن تكون مذكورة وما تبلها محذوفا، وأما إذا حذفا معا وقدرا معًا كالذي نحن فيه فالفاء سببية محضة وليس بشيء لأنه متفق على صحة مثل هذا التقدير، وقد قدره هو هنا كذلك وصرج به الكرماني في مواضع من الحديث النبوي فإن كان محصل رذه أنها لا تسمى فصيحة فنزاع لفظيّ لأنها إذا حذفت لا تفصح عن محذوف فلا تسمى فصيحة، ومن سماها فصيحة أراد أنه لو صرح بها أفصحت عنه والأمر فيه سهل، وقد مز قي سورة البقرة تفصيله. قوله: (أو كالدليل عليه الخ) قيل هذا بناء على أنّ الفاء يكون ما قبلها مسببا عما بعدها، وعكسه وجعلها النحاة والأصوليون على هذا تعليلية نحو أكرم زيدًا فإنه أبوك واعبد الله فإن العبادة حق، قال الرضي: وقد تكون فاء السببية بمعنى لام السببية وذلك إذا كان ما بعدها سببا لما تبلها نحو اخرج منها فإنك رجيم، ولم يذكر إنها تفيد الترتيب حينئذ ولما كانت الفاء للتعقيب والسبب متقدّم على المسبب لا متعقب إياه تكلف صاحب التوضيح لتوجيهه بأنّ ما بعد الفاء علة باعتبار معلول باعتبار، ودخول الفاء عليه باعتبار المعلولية لا باعتبار العلية، وردّ بأنها لا تتأتى في كل محل، وفي التلويح الأقرب ما ذكره القوم من أنها إنما تدخل على العلل باعتبار أنها تدوم فتتراخى عن ابتداء الحكم وفي قوله فتتراخى الخ تسمح إذ التراخي يناسب، ثم لا الفاء ومراده أنها تعقب آخره، وفي شرح المفتاح الشريفي فإن قلت كيف يتصوّر ترتب السبب على المسبب قلت من حيث إن ذكر المسبب يقتضي ذكر السبب انتهى، فقد علمت وجه الترتيب فيها على سائر الوجوه وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله ولذلك رتب عليه بالفاء لكن ظاهر كلام النحاة، وغيرهم أن هذه الفاء تختص بالوقوع بعد الأمر، والوجه الأوّل يجري على الوجوه الثلاثة في تفسير الآية لتغاير الأعراض!
[ ٤ / ١٩ ]
والتكذيب وعبارة المصنف عندي تحتمل وجها آخر، وهو أن يكون فاعل رتب لفظ فسوف يأتيهم بمعنى أنه لما كان أمرًا عظيمًا يدل على ما هو عبرة رتب عليه الوعيد المذكور فتأمل. قوله: (أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون (لم يذكر النبأ في التفسير لأن إضافته بيانية أي النبأ الذي استهزؤوا به، وهو إخباره عن الوعد والوعيد كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص، الآية: ٨٨] أو لأنه جعل إتيان لنبأ كناية عن الظهور كقوله:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وعلى الأوّل الإتيان وحده مجاز عن الظهور كما مر ولا وجه لادّعاء أنّ الإنباء مقحم،
وأنّ المعنى سيظهر لهم ما استهزؤوا به من الوعيد الواقع فيه أو من نبوّة محمد كي! ونحوه لأنه لا داعي لإقحامه. قوله: (والقرن الخ (اختلف في القرن هل هو زمان معين أو أهل زمان مخصوص، واختار بعضهم أنه حقيقة فيهما، وقد اختلف فيه السلف فقيل هو من الاقتران ومعناه الأمّة المقترنة في مدة من الزمان واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: من قرنت وقيل من قرن الجبل لارتفاع سنهم وقوله: أهل زمان بناء على ما مرّ لا على تقدير مضاف أو تجوّز، واختلف في تعيين الزمان فقيل مائة وعشرون سنة وقيل مائة وقيل ثمانون وقيل سبعون وقيل ستون وقيل ثلاثون وقيل عشرون وقيل المقدار الأوسط في أعمار أهل كل زمان، ولما كان على هذا لا ضابط له بضبطه قال الزجاج قيل معناه أهل عصر فيهم نبيّ أو فائق في العلم على ما جرت به عادة الله، ويحتمل أنه مائة لما ورد أنّ على رأس كل مائة مجددًا فلا يقال إنه تقييد بلا دليل، والرؤية هنا إمّا بصرية أو علمية وهذا أظهر لأنهم لم يعاينوا القرون الخالية، وكم استفهامية أو خبرية معلقة لما قبلها، وهي في محل نصب على أنها مفعول به لأهلكنا أو مصدر بمعنى إهلاك أو على الظرفية بمعنى أزمنة، ومن في من قرن بيانية أو تبعيضية أو مزيدة كما في إعراب أبي البقاء وغيره ٠ قوله: (مكناهم الخ) استئناف بيانيّ كأنه قيل ما كان حالهم، وقال أبو القاء: إنها في موضع جر صفة لقرن لأنّ الجمل بعد النكرات صفات لاحتياجها إلى التخصيص، وجمع الضمير باعتبار معناه، وقيل عليه أنت خبير بأنّ تنوينه التفخيمي مغن له عن استدعاء الصفة على أنّ ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه، ومضمون ما عطف عليه من الجمل الأربع مفروغا عنه غير مقصود لسياق النظم مؤذ إلى اختلال النظم الكريم كيف لا، والمعنى حينئذ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم وإنه بين الفساد انتهى وهذا غفلة منه أو تغافل عن تفسيرهم له بقولهم لم يغن ذلك عنهم شيئًا فالمراد به حقيقة الإهلاك، والا لزم التكرار وتفريع الشيء على نفسه وأما على هذا فلا يرد شيء مما ذكره أصلًا وما ذكره من أمر التنوين ليس بشيء. قوله: (جعلنا لهم فيها مكانًا) قال الزمخشريّ: معنى مكن له جعل له مكانا ومعنى مكنته في الأرض! أثبته فيها وقرّرته ولتقاربهما جمع بينهما في النظم هنا بمعنى أنهما وان تغايرا مدلولًا إلا أنهما اجتلبا للدلالة على السعة في الأموال والبسطة في الأجسام لأنّ التمكين فيها لا يكون إلا بذلك، وكذلك لا يجعل لهم مكانًا يتمكنون فيه كما أحبوا إلا بعدهما فاتحدا مقصودًا، وأمّا نكتة التخصيص فللإشارة
إلى زيادة سعة من قبلهم وقوتهم لأنّ مكنه أبلغ من مكن له، والمصنف ﵀ أشار إليه بتفسير أحدهما بالآخر، وقد يقالى أنّ مراده أنهما بمعنى بناء على عدم الفرق المذكور، ففي التاج إنهما مثل نصحته ونصحت له، وقال أبو عليّ: اللام زائدة كما في ردف لكم وكلامه في سورة الكهف وكلام الراغب في مفرداته يؤيده والفرق بين التفسيرين أنّ الأول بمعنى ثبتناهم في الأرض بإطالة الأعمار في سعة ورفاهية، والثاني بأن جعلناهم متصرفين فيها ملكا وملكًا وهما متقاربان. قوله: (ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام) إشارة إلى ما مر من تفسير مكنا، وفي ما هذه وجوه لأنها إمّا موصولة صفة لمحذوف تقديره التمكين الذي لم نمكنه لكم والعائد محذوف أو نكرة أي تمكينا لم نمكنه وعليهما فهي مفعول مطلق، وقيل إنها مفعول به لأنّ مكنا بمعنى أعطينا وقيل هي مصدرية أي مذة عدم تمكينكم، وكلام المصنف ﵀ محتمل لغير الأخير وتفسيره بالجعل المذكور لبيان المقصود الذي جعل كناية عنه كما في الكشف، ولا حاجة إلى جعله تجريدًا كما قيل وقوله: يا أهل مكة إشارة إلى أنّ الخطاب للكفرة وقيل إنه لجميع الناس وقيل للمؤمنين. قوله: (أو ما لم نعطكا
[ ٤ / ٢٠ ]
من القوّة والسعة) إشارة إلى أنّ مكناهم كناية عن إعطاء ما تمكنوا به من أنواع التصرف فقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ بمعنى ما لم نعط فما مفعول به وإليه أشار في الكشاف حيث قال والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمودا وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا فلم يهمل موقع ما كما ظنه النحرير والوجه الأوّل ناظر إلى أنّ مكنا بمعنى جعلنا لهم مكانا وهو كناية عن السعة وطول المقام والثاني ناظر إلى أنه بمعنى التقرير والتثبيت وهو كناية عن القوّة المذكورة ويصح أيضا جعله مفعولًا مطلقًا على أنه بيان لمحصل المعنى، ثم إذا كانت ما بمعنى تمكينا فالمراد التثنية نحو ضربته ضرب الأمير وأشار في الكشاف إلى أنه من التشبيه المقلوب وهو أبلغ لأنّ تمكن عاد ونحوهم أقوى فالظاهر جعله مشبهًا به، وما قيل في بيان كلام المصنف ﵀ هنا إنه من المكنة أي القدرة وما موصولة بحذف العائد وهي كالبدل من المكنة المدلول عليها بمكنا، وان جعلناه لمجرّد الإعطاء يكون مفعول أعطينا وما ذكر في الكشاف المعنى على عكسه، فإنّ المعنى أعطينا عادًا وغيرهم ما لم نعط أهل مكة انتهى يعلم ما فيه مما مر مع أنّ جعله من المكنة بضم فسكون بمعنى القدرة لا يصح لأنّ المكنة بهذا المعنى لا أصل لها في اللغة وان كانت شائعة في كلام العوام وجعل ما في تقريره صفة وقد صرّح أبو حيان بمنعه وأنه لا يوصف بغير الذي من الموصولات وقوله كالبدل لا يخفى ما فيه من الخلل، والعدد بالضم جمع عدة وهي السلاح ونحوه ولكم في النظم التفات ميز به بينهم وبين أهل مكة ليتضح مرجع الضميرين وهذه نكتة في الالتفات لم يعرّج عليها أهل المعاني وله وجه آخر وهو مواجهتهم بضعف حالهم تبكيتا لهم. قوله: (أي المطر أو السحاب الخ) السماء على هذين مجاز، وهو
مشهور، وعلى الآخر حقيقة والتجوّز في إشاد الإرسال إلى السماء لأن المرسل ماء السحاب واليه أشار بقوله فإنّ مبدأ المطر منها، والمظلة بلفظ اسم الفاعل، والمدرار مفعال كمنحار صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث ومغزارا من الغزارة وهي الكثرة. قوله: (فعاشوا في الخصب والريف) الخصب بالكسر كثرة الزروع والثمار ضد الجدب، والريف هنا سعة المأكل والمشرب والًا رض القريبة من الماء ولا ينبغي تفسيره هنا بأرض فيها خصب وزرع ولم يقل أجرينا الأنهار كما قال أرسلنا السماء للدلالة على كونها مسخرة مستمرّة الجريان لا لأنّ النهر لا يكون إلا جاريا فلا يفيد الكلام لأنّ النظم حينئذ ناظر إلى كونه من تحتهم ولو كان ما ذكره صحيحا لما ورد في النظم كقوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥] والظاهر أن جعلنا هنا بمعنى أنشأنا أوجدنا وهو مخصوص به تعالى فلذا غير الأسلوب وفاء فأهلكنا للتعقيب لا فصيحة لأنّ بذنوبهم لا يقتضي ما قدروه وهو فكفروا بل يأباه فتأمّل. توله: (وينشئ مكانهم آخرين الخ) يعني أنه تتميم لما قبله كما قال الزمخشري لأنه لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده كقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [سورة الشمس، الآية: ٥ ا] وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم، ولم يبق أحد من نسلهم لجعلهم آخرين، وكونهم من بعدهم. قوله: (مكتوبًا في ورق) في نسخة في رق ويشير به إلى أنّ الكتاب بمعنى المكتوب والجارّ والمجرور صفة كتاب أو متعلق بنزلنا والقرطاس بكسر القاف، وضمها معرب مخصوص بالمكتوب، أو أعم منه ومن غيره. قوله: (فلا يمكنهم أن يقولوا إنما الخ) أي لا يحتمل أن يقولوا إذا ترك العناد والتعنت، واعترض با! اللمس هنا إنما يدفع احتمال كون المرئيّ مخيلًا، وأمّا نزوله من السماء فلا يثبت به، وأجيب بأنه إذا تأيد الإدراك البصري في النزول بالإدراك اللمسي في المنزل يجزم العقل بديهة بوقوع المبصر جزمًا لا يحتمل النقيض، فلا يبقى بعده إلا مجرّد العناد مع أنّ حدوثه هناك من غير مباشرة أحد يكفي في الإعجاز كما لا يخفى. قوله: (وتقييده بالأيدي الخ) سواء كان اللمس مخصوصا باليد لقول الجوهري اللمس المس باليد أو أعم لقول الراغب في مفرداته المس إدراك بظاهر البشرة كاللمس، وهو ظاهر قول المصنف ﵀ في سورة الجن اللمس المس مستعار
للطلب كالجس ووجه دفع التجوّز ظاهر كما في قولهم نظرت بعيني ويقولون بأفواههم وقيل في وجهه أن التنصيص على القيد المعتبر يفيد اعتباره فيكون تأكيدًا للشيء لإعادة جزئه المقصود منه فكأنه إعادة له
[ ٤ / ٢١ ]
والتأكيد يعين الحقيقة كما ذكره أهل المعاني فما قيل إنه إنما قيد به لأنّ الإحساس باللصوق يكون بجميع الأعضاء ولليد خصوصية في الإحساس ليست لسائرها، وأما التجوّز باللمس عن الفحص فلا يندفع به إذ لا بعد في أن يكون ذلك لبيان مباشرتهم للفحص بأنفسهم بل يندفع لكون المعنى الحقيقي أنسب بالمقام انتهى غنيّ عن الجواب إذ لا قرينة تصرف عن المعنى الحقيقي بل قرينة التأكيد قائمة على خلافه، وكذا ما قيل إنّ فيه تجريدًا حيث ذكر بأيديهم فمعنى قوله لدفع التجوّز لدفع فساد التجوّز، والا فقد وقع في التجوّز ومعنى سكرت الأبصار غمضت وأقفلت، وأمّا قول بعضهم تقييده بالأيدي لدفع التجوّز سواء كان اللمس أعم مما هو باليد كما هو المفهوم من الكتب الكلامية، أو كان المس باليد كما هو المتبادر من كتب اللغة فغفلة عما نقلناه عن الراغب، ولا يليق نقل اللغة من كتب الكلام. قوله: (إن هذا إلا سحر مبين) أي ظاهر كونه سحرًا، وقيل المراد به تعنتا أنه ليس بمخيل وان كان السحر لا يكون إلا مخيلا وفيه نظر ووضمع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أنه قول نشأ من كفرهم أو لأنّ المراد به قوم معهودون. قوله: (هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي الخ) يعني لولا هنا للتحضيض والمقصود به التوبيخ على عدم الإتيان بملك يشاهد معه حتى تنتفي الشبهة بزعمهم أي هلا أنزل عليه ملك يكون معه يكلمنا أنه نبيّ فأوجز في العبارة تعويلا على انفهامه وليس معه تفسيرًا لقوله عليه فلا يتوجه ما قيل إنه جعل على بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٧] أو جعل المعية منفهمة منه لأنّ النزول ليس في حال المقارنة إلا أن يحمل على الحال المقدرة والداعي إلى هذا أنّ النزول عليه ليس مطلوبا لذاته بل ليكون معه نذيرًا. قوله: (جواب لقولهم الخ) يصح في الخلل الجرّ عطفًا على ما في قوله لما والرفع عطفا على المانع والمراد بالمانع اقتضاء هلاكهم وبالخلل زوال قاعدة التكليف كما سيأتي. قوله: (والمعنى أن الملك لو أنزل بحبث عاينوه الخ) في الكشاف هنا ثلاثة وجوه أمّا لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله ﷺ في صورته وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن ثم لا يؤمنون كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١ ا] لم يكن بدّ من إهلاكهم كما أهلك أصحاب المائدة، وامّا لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة، فيجب إهلاكهم وأمّا لأنهم إذا شاهدوا ملكًا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون انتهى، وظاهره اختيار الوجه الأوّل من هذه الوجوه
الثلاثة بدليل قوله: فإن سنة الله قد جرت.. الخ ويحتمل الثاني أيضًا لجريان العادة بذلك في الذين احتضروا من الكفار كفرعون لعنه الله وقوله كما اقترحوه أي في صورته الأصلية قيل وأنت خبير بأنّ الوجه الثاني ينافي الوجه الأوّل لدلالة الأوّل على بقاء الاختيار وأنهم لا يؤمنون إذا عاينوا الملك، قد نزل على رسول الله ﷺ في صورته، والثاني على سلبه وزواله وأنّ الإيمان إيمان يأس، وفي الانتصاف الوجه أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم، بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجز إلا المعجز الخاص، فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم فلم ينجع فيهم كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المقتضى لعدم النظرة، وفي الكشف الاختيار تاعدة التكليف وهذه آية ملجئة قال تعالى ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ لما رأوا بأسنا فوجب إهلاكهم لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف وهو لا يبقى مع الإلجاء هذا تقريره على مذهبهم، وهو غير صاف عن الإشكال انتهى، وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد السنة وكان وجه إشكاله أنه وقع في القرآن والواقع ما ينافيه كما مر في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٩] الآية وترك المصنف ﵀ الجواب الأخير وان كان منقولًا عن ابن عباس ﵄ لأنه لا يناسب قوله، ثم لا ينظرون فإنه يدل على إهلاكهم لا على هلاكهم برؤية الملك إلا بتكلف. قوله: (بعد نزوله طرفة عين) في الكشاف معنى، ثم بعد ما بين الأمر قضاء الأمر وعدم الإنظار جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأنّ مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة، وقيل في لفظ ثم إشارة إلى أنّ لهم مهلة قدر أن يتأملوا فيما نزل فيؤمنوا بالاختيار، وفيه أن قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ عطف على قوله لقضى ولا يمهل
[ ٤ / ٢٢ ]
للتأمّل بعد قضاء الأمر.
قوله: (لجعلناه رجلاَ) فيه إشعار بأنّ الرسول لا يكون امرأة وهو متفق عليه وإنما اختلف
في نبوّتها. قوله: (جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب الخ) في الكشاف ولو جعلنا الرسول ملكًا كما اقترحوا لأنهم تارة كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ﷺ ملك وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة قال النحرير في شرحه يعني أنّ لهم اقتراحين أحدهما أن ينزل على محمد ﷺ ملك في صورته بحيث يعاينه القوم فأجيبوا بقوله ولو نزلنا ملكا لقضى الأمر، والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم كان الرسول البشر ملك فأجيبوا بقوله ولو جعلناه أي الرسول المنزل إلى القوم ملكًا لجعلناه في صورة رجل وضمير جعلناه للرسول المنزل إلى القوم لا لمطلق الرسول سواء كان إلى محمد ﷺ او إليهم لأنه ليس بلازم حي! حذ أن يجعل رجلًا إلا إذا خص بأن يعاينه القوم أيضا ليصح قوله لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في
صورهم والمراد بالمطلوب مقترحهم الذي اقترحوه في الآية السابقة وهو أن يكون معه ملك أنزل عليه، ولذا قيل عن كونه جوابا ثانيًا إنه يأباه جعلناه ملكًا فإنّ المناسب حينئذ أن يقال ولو أنزلنا ملكًا لجعلناه رجلا قيل ولا يخقى اندفاعه بقول المصنف ﵀ ولو جعلنا قرينًا لك ملكًا وأيضًا لا فرق بين هذا وبين كونه جوابًا لاقتراح آخر في كون المناسب ما ذكر لأنهم قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ولا يخفى أن الفرق مثل الصبح ظاهر، ولا يضره التعبير بالإنزال فيهما، وعلى قوله إن جعل الهاء للمطلوب إنّ المطلوب أيضا ملك إلا أن يقال لو جعلنا المطلوب ملكيته ملكًا وأنت خبير بأنّ المطلوب هو النازل المقارن للرسول دل عليه قوله والمعنى ولو جعلناه قرينًا لك ملكا فلا غبار عليه، ثم إن لزوم جعل الملك النازل رجلا لجعله ملكا كما هو مفهوم الآية الثانية ينافي لزوم هلاكهم له كما هو مفهوم الآية الأولى لتوقف الثاني على عدم الأوّل لأنّ مبناه على نزوله في صورته لا في صورة رجل فالوجه أن لا تكون الآية جوابًا آخر بل جوابا عن اقتراح آخر حتى لا يلزم المنافاة وإنما قيده بقوله: يعاينوه لأنه إذا لم يطلب المعاينة لم يلزم تمثله رجلًا لكن لا يخفى أن هذا القيد معتبر أيضًا في رجوع الضمير إلى الرسول فالأولى أن يؤخر عن قوله أو الرسول ملكا ليصرف إلى الوجهين معًا قلت هذا كلام مختل فإنه على تقدير كونه جوابا آخر يكون جوابا على طريق التنزل والمعنى لو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا ولو فرضنا عدم هلاكهم فلا بذ من تمثله بشرًا لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية فيكون الإرسال لغوًا لا فائدة فيه وإنما لم يدّكر المعاينة في الوجه الثاني لأنّ كونه رسولًا لهم يقتضي ملاقاته لهم ومشافهتهم بما أرسل به وهو ظاهر. قوله:) دحية) بكسر الدال ويجوز فتحها كما نقل عن الأصمعيّ وا! مشهور الأوّل وهو دحية بن خليفة الكلبيئ الصحابيّ ﵁ كان من أجمل الناس صورة، ولذا كان جبريلءش! هـ يتمثل في صورته أحيانا إذا جاء لرسول الله ﷺ كما رواه أصحاب السنن ومعنى دحية رئي! الجند. قوله:) وإئما رآهم كذلك الإفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (يصح في من أن تكون تبيينية وتبعيضية لأنّ الإفراد بمعنى المنفردين من بينهم بخصائص ليست لغيرهم وهم بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو الأفراد الذين هم أنبياء لا كلهم لأن منهم من لم يشاهدهم علر صورتهم الحقيقية، وقيل فيه خفاء قال النيسابوري ﵀ أن نبينائلمجي! لما رأى جبريل علب الصلاة والسلام بصورته غشي عليه وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف لوط وابراهيم عليهم الصلاة والسلام وكالذين تسوّروا المحراب لكن هذ محتاج إلى نقل من الأحاديث الصحيحة وسيأتي أنه لم يره على صورته الحقيقية أحد غير النبي ﷺ مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وأشار المصنف ﵀ في سورة النجم إل!
عدم تيقنه إذ حكاه وفي تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر أنه لم يرد في شيء من كتب الآثار وناهيك به حافظًا فلا يرد ما ذكر على المصنف فمن قال إنها بيانية لا تبعيضية لأن الظاهر أن لكل منهم قوّة قدسية فقد أخطأ من وجهين لأنّ المخصوص بالإفراد رؤية صورة الملك الحقيقية بالقوّة القدسية لا القوّة نفسها.
[ ٤ / ٢٣ ]
قوله: (وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاَ الخ) الداعي إلى هذا إعادة لام الجواب فإنها تقتضي استقلاله وأنه لا ملازمة بين إرسال الملك والتخليط فإنه ليس سببا له بل لعكسه ولا تكلف فيه كما أنه لا وجه لما قيل إنه لا حاجة إلى هذا التكلف لجواز عطف لازم الجواب عليه وجعل كل منهما جوابا نعم هو وجه آخر صحيح وقد يقال إنّ نكتة إعادة اللام أنّ لازم الشيء بمنزلته فكأنه جواب فاعرفه. قوله: (أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلكم) في الكشاف ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان هذا إنسان وليس بملك فإن قال لهم الدليل على أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز وهو ناطق بأني ملك لا بشر كذبوه كما كذبوا محمدًا ﷺ فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن فهو لبس الله عليهم ويجوز أن يراد وللبسنا عليهم حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة فذكر فيه وجهين مبني الأوّل على أن يلبسون استقباليّ تقديري موقت بحين جعل الرسول ملكآ والثاني حاليّ تحقيقيّ وهو ما هم عليه حين إرسال محمد-! ي! إليهم ولبسهم على الأوّل التكذيب وقولهم إنه بشر وليس بملك، وعلى الثاني تكذيب محمدءجب! ونسبة الآيات إلى السحر، وما مصدرية وتحتمل الموصولية هكذا قزره النحرير وكلام المصنف رحمه محتمل للمعنيين لكنه ترك قوله: فإذا فعلوا ذلك خذلوا الخ لأنه مبنيّ على الاعتزال وعدم نسبة خلق القبيح إليه تعالى هذا ما في بعض الحواشي وبحتملى أنه اختار الوجه الأوّل وإسناد اللبس إليه تعالى لأنه بخلقه أو للزومه لجعله رجلا ومعنى قول الشارح في حين الجعل أن المراد به مستقبل ممتد وقد يعتبر الواقع فيه كأنه في زمان واحد وقد عبر بهذه العبارة النحاة كابن هشام ومثله مما لا يرتاب فيه، فمن اعترض! عليه بأن الصواب أن الاستقبال التقديري الموقت بما بعد جعل الرسول ملكا لا بحينه وإلا لكان حالًا تقديريا، وأمّا أنّ النظر إلى زمان الجعل والحكم لا إلى زمان التكلم فليس بمطرد كما صرحوا به، فإن قلت كيف صح أنه استقبالي تقديري موقت بحين الجعل ولو للشرط في الماضي والجواب مترتب على الشرط فيكون بعده لا معه في حين واحد قلت ما ذكرته هو الأصل في استعمالها وقد استعملت للاستقبال أيضا، ووردت في كلام العرب كذلك كقوله:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلمت ~ عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ~ إليها صدى من جانب إلقبر صائح
وأعلم أنّ بعض الفضلاء قال هنا أن المقرّر فيما بين القوم إن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى ذلك التقدير يلزم من كذب اللازم كذب الملزوم فهاهنا عكس القضية الصادقة، وهي قولنا لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا غير صادق، لأن عكسها لو جعلناه رجلا لجعلناه ملكًا وليس كذلك لأنه تعالى قد جعله رجلا ولم يجعله ملكا فكيف يكون قضية العكس وهو كاذب، والأوّل صدق محض فإن قيل إنه اصطلاح طرأ ولا يجب موافقة قاعدتهم لقاعدة اللغة قيل إنه تقرّر أنّ تلك القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه.
وأجيب بأنّ لو تستعمل في اللغة لمعنيين الأول: انتفاء الثاني لانتفاء الأوّل الثاني: أن
الخبر الأوّل لازم الوجود في جميع الأزمنة إذا كان نقيض الشرط أليق باستلزام الجزاء فيلزم وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه كما في نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، وقد صرح المحققون بأن الآية سواء جعل ضمير جعلناه للمطلوب أو للرسول إمّا من قبيل الأوّل أي ولو جعلنا قرينا لك ملكا يعاينوه أو الرسول المرسل إليهم ملكا لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، وما جعلنا ذلك الملك في صورة رجل لأنا لم نجعل القرين أو الرسول المرسل إليهم ملكا وأمّا من قبيل الثاني أي ولو جعلنا الرسول ملكًا لكان في صورة رجل فكيف إذا كان إنسانًا وكل منهما لا يقبل العكس المذكور ولا ثالث فلا إشكال وليس محل البسط فيه، وإنما ذكرته لأنبهك فلا تكن من الغافلين. قوله:) تسلية لرسول الله ﷺ الخ (يصح في التسلية أن تكون بقوله ولقد استهزئ برسل من قبلك فقط، ويحتمل أنها به مع ما بعده لأنه
[ ٤ / ٢٤ ]
متضمن أن من استهزأ بالرسل عوقب فكذا من استهزأ بك إن أصرّ على ذلك فلا تلتفت إلى من تكلف هنا ما لا حاجة إليه. قوله: (سخروا منهم) في القاموس هزأ منه وبه وسخر منه وبه، فهما متحدان معنى واستعمالًا فلا وجه لما قيل السخرية والاستهزاء بمعنى لكن الأوّل! قد يتعدى بمن والباء لكن في الدرّ المصون إنه لا يقال إلا استهزى به ولا يتعدى بمن، ثم قال الجارّ متعلق بسخروا والضمير راجع إلى الرسل وقيل إلى المستهزئين وقيل إلى أمم الرسل ومن للبيان، ويردّ الأول بأنه يؤول المعنى إلي فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين، ولا فائدة لهذه الحال لانفهامها من سخروا، والثاني بأنه يلزم إرجاعه إلى غير مذكور والجواب أنه مبنيّ على أنّ الاستهزاء والسخرية بمعنى وليس بلازم لأنّ من فسره بهذا يجوز أن يجعل الاستهزاء بمعنى طلب الهزء فيصح بيانه ولا يكون في النظم تكرار، قال الراغب ﵀: الاستهزاء ارتياد الهزء وان كان قد يعبر به عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتيادًا للإجابة وان كانت قد نجري مجرى الإجابة انتهى، وأمّا رجوع الضمير إلى الأمم فقد ذكره الحوفي ورده أبو حيان بما ذكر وأجاب عنه في الدر المصون بأنه في قوّة المذكور. قوله: (فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به) فسر حاق بمعنى أحاط وفسره الفراء يعاد عليه
وبال أمره، وقيل دار وقيل نزل ومعنإه يدور على الإحاطة والشمول ولا يستعمل إلا في الشر قالط:
فأوطًا جرد الخيل عقر ديارهم وحاق بهم من باس ضربة حائق
وقال! الراغب أصله حق فأبدل من أحد حر في التضعيف حرف علة كتطنب وتطنيب أو
هو مثل ذمّة وذامة والمعروف في اللغة ما ذكره المصنف ﵀ قال الأزهريّ: جعل أبو إسحق صاق بمعنى أحاط وكان مادته من الحوق وهو ما استدار بالكمرة وخالفه بعض أهل اللغة فقال إنه يائيّ بدليل حاق يحيق. قوله: (حيث أهلكوا لآجله الخ) قيل إنه يعني إن حاق بهم كناية عن إهلاكهم فإسناده إلى ما أسند إليه مجاز عقليّ من قبيل أقدمني بلدك حق لي على فلان، ولقد أغرب من بين المراد بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ فقال من العذاب الذي كان الرسول يخوّفهم نزوله فلا تجوّز في الإسناد ولا في المسند إليه فإنه لا دليل على أنّ المراد بالمستهز! به هو العذاب بل المرسل، وبعد تسليمه فقد اعترف بأنّ المراد بالحيق بهم الإهلاك ومعلوم من مذهب أهل الحق أنّ المهلك ليس إلا الله تعالى فإسناده إلى غيره لا يكون إلا مجازا (قلت) ما رذه واستغربه هو ما اختاره الإمام الواحدي واستهزاؤهم بالرسل مستلزم لاستهزائهم بما جاؤوا به وما توعدوا به ومثله لظهوره لا يحتاج إلى قرينة وما توعدوا به هو العذاب، وحيقه بهم لا شبهة في أنه حقيقة، وأمّا تفسيره بالإهلاك فليس تفسير الحاق بل بيان لمؤدي الكلام، ومجموع معناه فلا يرد ما ذكره عليهم. قوله: (أو فنزل بهم وبال استهزائهم) نزل تفسير لحاق وقوله: (وبال) إشارة إلى أنه على تقدير مضاف كوبال وعقوبة، وما مصدرية والضمير للرسول الذي في ضمن الرسل أو هي موصولة، أو هو من إطلاق السبب على المسبب لأنّ المحيط بهم هو العذاب، ونحوه لا المستهزأ لكنه وضحع موضعه مبالغة كما قاله الطيبي. قوله: (عاقبة المكذبين الخ) العاقبة مآل الشيء مصدر كالعافية وكيف خبر مقدم لكان أو حال وكان تامة، وقوله كيف أهلكهم يميل إليه، وكي تعتبروا علة للأمر بالنظر، وعذاب الاستئصال من إضافة العام للخاص والاستئصال قلع الشيء من أصله وإنما فسر به لأنّ الإهلاك بدون الاستصال لا يختص بالمكذبين هذا، وقد قيل إنما عبر عنهم بالمكذبين دون المستهزئين إشارة إلى أن مآل من كذب إذا كان كذلك فكيف الحال في مآل! من جمع بينه وبين الاستهزاء وأورد عليه أن تعريف المكذبين للعهد وهم الذين سخروا فيكونون جامعين بينهما وقد اعترف به هذا القائل أيضا مع أنّ الاسنهزاء بما جاؤوا به يستلزم تكذيبه فتأمّل. قوله: (والفرق بيتة وبين قوله قل سيروا في الأرض فانظروا الخ) في الكشاف فإن قلت أيّ فرق بين قوله فانظروا وبين قوله ثم انظروا قلت جعل النظر مسببا عن السير في قوله: فانظروا فكأنه قيل سيروا لأجل
النظر ولا تسيروا سير الغافلين وأما قوله: ﴿سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ﴾
[ ٤ / ٢٥ ]
فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وايجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح قاله النحرير: يعني أنّ كليهما مطلوب لكن الأوّل للثاني وأمّا ثم انظروا فإنما لم يحمل على التراخي لأنّ واجب النظر آثار الهالكين حقه أن لا يتراخى عن السير، وقيل يجوز أن يكونا واجبين، وثم لتفاوت ما بينهما كما في توضأ ثم صل، وقال الراغب ﵀: قيل المراد بالسير المترتب عليه النظر إجالة الفكر ومراعاة أحواله كما روي في وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبدانهم في الأرض! سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة.
(وأورد عليه أبحاث) الأوّل أنّ واجب النظر لما كان حقه أن لا يتراخى عن السير كان المناسب حينئذ ترك لفظ يوهم خلاف المقصود وايراد لفظ يفيده بلا إيهام فإنه مما يجب مراعاته كما تقرر في المعاني، والثاني أن السير من حيث هو سير مباح إلا أن يقيد بقيد يفيد وجوبه فإذا قرن بفاء السببية أمكن حمله على الواجب لأن السير للنظر واجب كالنظر كما أن السير للتجارة مباح كالتجارة ف! ذا قرن بثم فلا وجه لحمله على الواجب إذ ليس في اللفظ ما يشعر به وبين السير والوضوء فرق لا يخفى على من له ذوق، وفي كلام النحرير إشارة إلى ضعفه ثم قال: والتحقيق أنه تعالى قالط هنا ثم انظروا وفي النمل ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النمل، الآية: ٦٩] وفي العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢٠] وفي الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [سورة الروم، الآية: ٤٢] فلا بد من بيان وجه تخصيص هذه الآية بثم ولعله أن الفاء تدلّ على أن السير يؤدّي إلى النظر، فيقع موقعه بخلاف ثم ولذا وقعت الفاء في الجزاء فهنا لم يجعل النظر واقعًا عقب السير متعلقًا وجوده بوجوده بل بعث على سير بعد سير لما تقدمه من بعثهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد وأن يستكثروا من ذلك ليروا الآثار في ديار بعد يار إذ قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦، الآية فقد دلّ الأوّل على أن الهالكين طوائف كثيرة، والثاني على أن المنشا بعدهم أيضًا كثيرون، ثم دعا إلى العلم بالسير في البلاد ومشاهدة آثار أهل الفساد مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من ملاصقة السير بخلاف المواضحع الأخر وهو كلام أكثره واه لكن تحريره وتهذيبه يحتاج إلى تطويل فتأمله، ثم إن أبا حيان ﵀ اعترض! على الزمخشري بأن ما ذكره متناقض لأنه جعل النظر مسببًا عن السير وهو سبب له، ثم جعل السير معلولًا له حيث قال كأنه قيل سيروا لأجل النظر وأجيب بأن النظر علة للسير باعتبار وجوده الذهني، ومعلول له باعتبار وجوده العيني كما في عامّة العلل الغائية فلا تناقض فإن السبب قد يكون مقدمة للمسبب غير مقصود في ذاته بل ليقع المسبب نحو سرت ففزت بلقائك
وسافرت إلى مكة فحججت، وقد يوقع قصدًا من غير نظر إلى المسبب نحو ضربته فبكى وزنى فرجم وقد سبقه إليه بعض المفسرين فقال: هو مسبب وسبب باعتبارين فالنظر سبب في السير بمعنى العلة الغائية فهو سبب ذهنيّ والسير سبب وجودي موصل إلى النظر. قوله: (ولا كذلك هاهنا ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة الخ) أو رد عليه أنه يأباه سلامة الذوق لأنه إقحام أمر أجنبيّ كبيان إباحة السير للتجارة بين الأخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه وما يتصل به من الأمر بالاعتبار بآثارهم وهو مما يخل بالبلاغة إخلالًا ظاهر اهـ، وهذا هان تراءى في بادئ النظر لكنه غير وارد إذ هو غير أجنبيّ لأنّ المراد خذلانهم وتخليتهم وشأنهم من الإعراض عن الحق بالتشاغل بأمر دنياهم كقوله وليتمتعوا. قال العلامة: ثمة في تفسيره هو مجاز عن الخذلان والتخلية وأنّ ذلك الأمر متسخط إلى الغاية ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر وعندك أنّ ذلك الأمر خطأ وأنه يؤدّي إلى ضرر عظيم فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه فإذا لم تر منه إلا الأباء والتصميم حردت عليه وقلت أنت وشأنك وافعل ما شئت، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر كيف والآمر بالشيء مريد له، وأنت شديد الكراهة متحسر ولكنك كأنك تقول له فإذ قد أبيت قبول النصيحة فأنت أهل ليقال لك إفعل ما شئت انتهى، ومنهم من ذهب إلى أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد يعطف بالفاء تارة نظر الآخرة، وبثم نظرًا لأوّله ولا فرق بينهما. قوله: (وهو سؤال تبكيت الخ) في الأساس بكته بالحجة غلبه وألزمه ما سكت به لعجزه عن الجواب عنه، والمقصود
[ ٤ / ٢٦ ]
أنه تقريع لهم وتوبيخ. قوله: (ثقرير لهم) التقرير له معنيان الحمل على الإقرار والتثبيت بأن يجعله قارًا متمكنا ومنه تقرير المسألة وكلاهما مما نطقت به كتب اللغة كما ذكره الطيبي ﵀ ومعناه على الثاني أنه تقرير للجواب لأجلهم أي نيابة عنهم كما في الكشف، وعلى لأوّل إلجاء إلى الإقرار بأن الكل له، لأن هذا من الظهور بحيث لا يقدر على إنكاره أحد كما قاله النحرير، وأفاد الإمام أن أمر السائل بالجواب إنما يحسن في موضع يكون فيه الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ولا على دفعه دافع وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله وتنبيه الخ قيل وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب مع تعينه لكونهم محجوجين، يعني أنه سألهم وأجاب عنهم لتعين الجواب فإنه لا يمكن خلافه فهو بمعنى قوله. ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [سورة آلى عمران، الآية: ٦٤، وهو دقيق جدًا. قوله: (كتب على نفسه الرحمة الخ) النفس هنا بمعنى الذات كما في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٢٨] وفي شرحي التلخيص والمفتاح في بحث المشاكلة أن منها قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٦ ا] وكذا قال المصنف في المائدة، وأورد عليه أن معنى النفس ذات الشيء مطلقا كما في
الجوهري والكشاف ويؤيده هذه الآية فلا يحتاج إلى المشاكلة واعتبار المشاركة التقديرية غير ظاهر فلذا اختار قدس سره في وجه+ المشاكلة أنه لكونه عبر عن لا أعلم معلومك بلا أعلم ما في نفسك للمشاكلة لوقوع التعبير عن تعلم معلومي بتعلم ما في نفسي لكنه قدس سره قال في شرح الكشاف في وجه إطلاق النفس على القلب إن ذات الحيوان به تكون، وهذا التعليل كما قيل يشعر باختصاص النفس بذات الحيوان، وفيه نظر وتأمل.
(قلت) التحقيق كما مر أن جعل العلم في النفس يقتضي إنه علم بارتسام صورة تنتقش
في النفس، ومثله لا يوصف به الله تعالى فالمشاكلة ليست في لفظ النفس في الآية بل في ظرفية العلم لها فقول المصنف في المائدة الآية من المشاكلة، وقيل المراد بالنفس الذات ليس بظاهر إلا أن يقال النفس مشتركة بين معنيين أحدهما يطلق عليه تعالى، والآخر لا يطلق عليه وهي هنا بالمعنى الثاني بقرينة مقابلها فيحتاج إلى المشاكلة، وبهذا يصح أن يقال إنّ المشاكلة في النفس وبه يجمع بين التوجيهين ويتضح تلاقي الطريقين، ومن هذا ظهر أنه لا يتوجه ما قيل أما قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ فقد قيل إنه للمشاكلة وإن أريد به الذات، وليس بشيء لأنّ مبناه على أنه لولا قوله تعلم ما في نفسي لم يجز أن يقال، ولا أعلم ما في نفسك لعدم إذن الشرع في إطلاقه عليه تعالى ويبطله الآيتان ا!، وأمّا ما مر من قول النحرير في وجه إطلاق النفس على القلب الخ. وما أورد عليه فغير وارد لأنه بيان لتجوّز آخر فيه وهو إطلاقه على القلب فتأمل. قوله: (التزمها تفضلاَ الخ) ردّ للوجوب عليه تعالى الذي هو مذهب الحكماء والمعتزلة، ولذا غير ما في الكشاف إلى ما ذكره وقوله: ومن ذلك الهداية الخ توجيه لارتباط الآية بما قبلها، وما بعدها ليأخذ الكلام بحجزه وهو ظاهر. قوله: (اسئشاف وقسم الخ) قيل هو استئناف نحوي لا بياني ومن حمله على الثاني وقال في بيانه كأنه قيل وماتلك الرحمة فقيل إنه تعالى. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك لأنه لولا خوف الحساب والعذاب لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط أورد عليه أنه إنما يظهر ما ذكر هل لو كانوا معترفين بالبعث وليس كذلك، ثم إنّ قوله إنه تعالى ليجمعنكم ليس بصحيح، وصوابه يجمعكم لفقد شرط لحوق النون في كلامه انتهى، وهو ردّ لما وقع في اللباب، وهو في الحقيقة تكلف لا يتوجه فيه الجواب إلا باعتبار ما يلزم التخويف من الامتناع عن المناهي المستلزم للرحمة وكلام المصنف ﵀ لا يناسبه فلا ينزل عليه وأمّ المناقثة في العبارة فغير واردة لأنها المشاكلة ما وقع في النظم أو لحكايته، وقد وقع هذا التركيب في مواضع من القرآن وللنحاة فيه أقوال فذهب بعضهم إلى أنّ اللام بمعنى أن المصدرية وليست قسمية وهو بدل مما قبله بدل مفرد من مفرد، وردّه ابن عطية بأنه لا وجه لدخول النون حينئذ لأنه ليس من مواضعها واعتذر له أبو حيان بأنها
دخلته لكونه على صورة القسم، وقيل إنها قسمية مستأنفة كما مز وقيل إنه اجواب لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لأنه يجري مجرى القسم وقوله: على إشراكهم واغفالهم النظر هو مأخوذ من مضمون الآيات السابقة. قوله: (مبعوثين إلى يوم القيامة الخ) أي
[ ٤ / ٢٧ ]
هو متعلق بمبعوثين من بعث بمعنى أرسل لا بمعنى أهب فلا يحتاج تعديته بإلى إلى تضمين شيء آخر كالضم والانتهاء، ولا جعله حالًا إلى توجيه فإنّ من مات مرسل إلى يوم القيامة وفيه أنّ البعث يكون إلى المكان لا إلى الزمان إلا أن يراد بيوم القيامة واقعتها في موقعها كقولهم شهد يوم بدر أي واقعته، أو هو لغو متعلق بيجمع كما مرّ في سورة النساء. قال الزمخشريّ: فيها المراد جمع فيه معنى السوق والاضطرار كما تقول حشرت اليوم إلى موضع كذا فوصل الجمع بإلى إلى هذا المعنى كما قيل ليبعثنكم ويسوقنكم ويضطرنكم إلى يوم القيامة أي إلى حسابه، وبهذا اندفع ما مرّ من أنّ البعث يكون إلى المكان كما مرّ فتأمّل ٠ قوله: (وإلى بمعنى في) كما ذكر. النحاة واستشهدوا بقوله:
فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطليّ به القارأجرب
وتأوّله بعضهم بتضمين مضافا أو مبغضا أو مكرهًا، وقال ابن هشام: لو صح مجيء إلى بمعنى في لجاز زيد إلى الكوفة بمعنى في الكوفة ولا يرد إلا إذا قيل إنه قياسيّ مطرد وقيل إنها بمعنى اللام وقيل زائدة. قوله: (وقيل بدل من الرحمة بدل البعض) على أنه جملة لا مفرد كما مز، وقد ذكر النحاة أنّ الجملة تبدل من المفرد ولم يتعرّضوا الأنواع البدل فيه، والمراد أنّ القسم وجوابه بدل، فلا يرد عليه أنّ الجواب لا محل له من الإعراب، وإذا كان بدلًا يكون في محل نصب فيتنافيان، واستغنوا عن ذكر القسم بهذه الجملة، لأنها مذكورة في اللفظ كما يقولون جملة القسم والمراد القسم وجوابه فيستغنون بذكر أحدهما عن الآخر لا سيما إذا كان محذوفا كما في الدرّ المصون. قوله: (لا ريب) حال من اليوم أو صفة لمصدر أي جمعًا لا ريب فيه، ويحتمل أنّ الجملة تأكيد لما قبلها كما مرّ في ذلك الكتاب لا ريب فيه، ثم إعلم أنّ ظاهر قول المصنف ﵀ وانعامه ربما يفهم منه أنّ خطاب ليجمعنكم عام للمؤمنين والكافرين بعد كونه خاصا بالكافرين وربما يذهب إلى تخصيصه بما مرّ، وتفسير الأنعام بعدم استئصالهم، وتعجيل العذاب أو نعمة الإيجاد ونحوها وفيه بعد. قوله: (بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية الخ) هذا جواب عما يقال إنّ الخسران مترتب على عدم الإيمان وقد عكس في النظم فلما فسر الخسران بعدم الفطرة والعقل اندفع المحذور وظهر الترتب المذكور، وفي الكشاف فإن قلت كيف جعل عدم إيمانهم مسببًا عن خسرانهم، والأمر على العكس قلت معناه الدّين خسروا أنفسهم في علم الله لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون، قال النحرير: هذا يشعر بانّ
الفاء تفيد السببية، وان لم تكن داخلة على الخبر عن الموصول مع الصلة، وقد سلم في الجواب السببية حيث اقتصر على تفسير الخسران بحيث يصح أن يجعل سابقًا على امتناعهم عن الإيمان، وسببا له وهو الخسران في علمه تعالى ولما كان هذا يكاد أن يخالف أصول المعتزلة حيث جعل العلم بأنهم لا يؤمنون سببًا لعدم الإيمان بحيث لا سبيل لهم إليه كما هو رأي أهل السنة أشار إلى دفعه بقوله: لاختيارهم الكفر ولو قال باختيارهم لكان أظهر في المقصود يعني أنّ علم الله تعالى بأنهم يتركون الإيمان، ويؤثرون الكفر صار سببا لامتناعهم عن الإيمان باختيارهم، وأمّا عند أهل السنة فقد صار ذلك سببًا لعدم إيمانهم بحيث لا سبيل إليه أصلًا، وبهذا يندفع ما قال الإمام الرازي: إنّ هذا يدلّ على أن سبق القضاء بالخذلان والخسران هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان، وذلك عين مذهب أهل السنة انتهى فقد علمت أنّ علم الله الأزلي بالأشياء قبل وقوعها كما هي يقتضي أن تقع على وفقه ولا تتخلف عنه، وبهذا الاعتبار صح أن يقال علم الله سبب أو علة لوقوعها فالاعتراض عليه بأنّ المعتزلة لا يجعلون علم الله تعالى سببًا للمعلوم أصلًا بل يقولون إنه تبع للمعلوم كما يعترف به الأشاعرة في إثبات صفة الإرادة فهذا التوجيه يخالف أصول المذهبين، والأولى أن يقال السبب هو اختيار الكفر لا العلم به وإنما أقحم العلم لتحقيق ذلك الاختيار، ويجوز أن تجعل الفاء لاستلزام الأوّل للثاني لا للسببية، وهذا الردّ بأنّ العلم تابع للمعلوم وهم، لأنّ معنى كونه تابعًا له أنّ خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بحقيقة ذلك لشيء، وهويته وهو لا ينافي كون المعلوم تابعا له في الوجود والتحقق
[ ٤ / ٢٨ ]
وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة يونس، والفطرة الخلقة وخلقة الإنسان على الفطرة والسداد، وخلافها الآفة وجعلها رأس المال استعارة لطيفة كقول عمارة:
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب
ثم إنه قيل إنّ كلام المصنف ﵀ يقتضي أنّ خسروا هنا من الخسران بمعنى عدم الربح، وهو لا يصح لأنه لازم بل المراد أنهم نقصوا أنفسهم بتضييع! الفطرة التي يتوصل بها إلى الكمال وليس كما قال لأنّ خسر متعد قال تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج، الآية: اا] والذي غرّه ظاهر كتب اللغة ولا عبرة به مع وروده في الكلام الفصيح، وتضييع الفطرة تركها واتباع الهوى، وقيل: إنّ السؤال يدفع من أصله بأنّ سبق القضاء بالخسران سبب لعدم الإيمان وفيه أنّ السبب حينئذ يكون القضاء به لا نفسه، والتأويل بأن السبب هو الخسران في علم الله لا يجدي فإنه إذا حقق السبب فهو العلم به، وفيه ما فيه. قوله: (وموضع الذين نصب على الذم أو رفع على الخبر) أي أذمّ أو أريد أو أعني، وقيل إنه بدل من ضمير ليجمعنكم بدل بعض من كل بتقدير ضمير، أو هو خبر مبتدأ على القطع عن البدلية أيضًا فإن قلت كيف ذكروا قطعه هنا والقطع في النعت والضمير لا ينعت قلت قال
الرضي: استدل الأخفش بهذه الآية على الإبدال من الضمير، والباقون يقولون هو نعت مقطوع للذم إمّا مرفوع الموضع أو منصوبه ولا يلزم أن يكون كل نعت مقطوع يصح اتباعه نعتا، بل يكفي فيه معنى الوصف ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾، [سورة الهمزة، الآية: ١] انتهى فإن قلت: يكفي جعله خبر مبتدأ مقدر أو معمول فعل مقدر ولا حاجة إلى ارتكاب ما ذكر قلت كأن الذي دعاه إليه أنّ مجرّد التقدير لا يفيد المدح والذم إلا مع القطع. قوله: (وأنتم الذين الخ) قدر ضمير الخطاب ليرتبط بما قبله، وهو يقتضي أنّ الخطاب قبله للكفرة وسبق الكلام فيه. قيل كان الظاهر أنتم بلا واو، وكان أصله أنه ذكر عام النصب والرفع فسقط من القلم المعطوف عليه أي أذم وأنتم ونحوه ويحتمل أنه إشارة إلى أنّ الجملة على هذا التقدير معترضة أو حالية وقد صرح الطيبي ﵀ بأنها تذييل لما قبلها وفيه نظر. قوله: (والفاء للدلالة على أنّ الخ) المتبادر بناؤه على الوجه الأخير فعلى الأوّلين يجوز أن يكون لتعليل الخسران بعدم الإيمان، وأن يكون للتفريع فيفيد السببية على الوجوه كلها كما في الكشاف، وهذا دفع للسؤال الذي أورده الزمخشرقي بطريق آخر، وهو حمل الخسران واضاعة رأس المال على الجري على ما لا تقتضيه الفطرة كما مرّ تحقيقه ولم يعرّج عليه لمخالفته للأصلين بحسب الظاهر كما مر، وهذا صريح في أنّ سببيته إنما هي لأصل عدم إيمانهم وبحسب لقائه كان سببا لبقائه ولما كان الواقع هاهنا صيغة نفي الاستقبال في لا يؤمنون كان اللازم منه هو الثاني، ولذا قال: أدى بهم إلى الإصرار على الكفر فلا تنافي بين أوّل كلامه وآخره لأنّ المراد بعدم إيمانهم عدمه في المستقبل وهو عين الإصرار. قوله: (عطف على دلّه الخ) إمّا عطف مفردين على مفردين حذف أحدهما أو عطف جملة على جملة والمقصود دخوله تحت قل ليكون احتجاجا ثانيا على المشركين وقيل إنها مستأنفة وما موصولة لا غير. قوله: (من السكنى وتعديته بفي الخ) جعله من السكنى ليتناول الساكن والمتحرّك من غير تقدير يعني كما أنّ له ما في الأمكنة له ما في الأزمنة وتعديته مبتدأ وقوله بفي خبره ومنهم من جعل الخبر قوله كما الخ وجعل قوله بفي متعلقا بتعديته والمراد أنّ تعديته بفي على الأصل في الأمكنة المحدودة، ثم أجيز حذفها من نحو دخلت وسكنت، ونزلت حيث يقال دخلت الدار ونزلت الخان وسكنت الغرفة لكثرة الاستعمال وانتصاب ما بعدها على الظرفية، وقال الجرمي: إنه مفعول به، وردّ بأنها لازمة فإنّ غير الأمكنة بعد دخلت يلزمها في نحو دخلت في الأمر وفي مذهب أبي حنيفة وكثيرًا ما يستعمل في مع الأمكنة أيضا نحو سكنتم في مساكن الذين وتجيء مصادرها على الفعول؟ كذا قال الرضي: وأورد عليه أنه يفهم منه لزوم في هذا المقام فإنّ الليل
والنهار ليسا من الأمكنة، والجواب عنه أنّ مراده بقرينة المثال الظرف المجازي وأيضا السكنى
[ ٤ / ٢٩ ]
حق استعمالها في المكان وهنا قيل إنه شبه الاستقرار بالزمان بالاستقرار في المكان فاستعمل استعماله فيه ولك أن تقول إنه مشاكلة تقديرية لأنّ معنى له ما في السماوات والأرض ما سكن فيهما واستقر فلذا عدى تعديته، وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله والمعنى ما اشتملا عليه من قال قوله: وتعديته بفي يشعر بأنه يجيء متعديًا بنفسه أيضًا بناه على أنّ خبر تعديته قوله كما الخ كما مرّ. قوله: (أو من السكون الخ) فهو من الاكتفاء بأحد الضدين كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨١] ولذا عطف المقدر بأو إشارة إلى التضاد وعدم الاتجماع ولو عطف بالواو صح، وإنما اكتفى بالسكون عن ضد. دون العكس لأنّ السكون أكثر وجودا، وردّ بأنه لا وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط والتقرير، واظهار كمال الملك والتصرّف قيل وفي كلام المصنف ﵀ إشارة إلى دفعه، فإنّ السكون مع ضده كناية عن جميع التغيرات والتصرفات الواقعة في الليل والنهار، فناسب المقام ورذ بأنه لو سلمت الإشارة المذكورة لا يندفع بها قوله لا وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط، وفيه نظر، ثم إنه قيل إنّ ما سكن يعم جميع المخلوقات إذ ليس شيء منها غير متصف بالسكون حتى المتحرك حال حركته على ما حقق في الكلام من أنّ تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات المتخللة، وكثرتها وهذا كما قيل:
إذاهبت رياحك فاغتنمها فإنّ لكل خافقة سكون
قوله: (وهو السميع لكل مسموع الخ) التعميم من حذف المتعلق وكذا قوله: فلا يخفى
عليه شيء وفيه إشارة إلى أنّ المسموع والمعلوم شامل لجميع الموجودات إذ لا يخرح عنهما شيء، وهو راجع إلى المعطوف والمعطوف عليه أي يعلم كل معلوم من الأجناس المختلفة في السماوات والأرض وش! مع هواجس كل ما يسكن في الملوين من الحيوان وغيره، وكلام الزمخشريّ ينبئ بأنه من تتمة قوله وله ما سكن وهذه الجملة يحتمل أنها من مقول القول ومن مقول الله وقوله: (ويجورّ أن يكون وعيدا الخ) هو على الأوّل بيان لإحاطة اطلاعه بعد بيان إحاطة قدرته، وعلى هذا وعيد لهم على أقوالهم وأفعالهم، ولذا خص السمع والعلم. قوله: (١ نكار لاتخاذ غير الله وليًا الخ) قال السيد: إنكار الشيء بمعنى كراهته والنفرة عن وقوعه في أحد الأزمنة، وادّعاء أنه مما لا ينبغي أن يقع يستلزم عدم توجه الذهن إليه المستدعي للجهل به المفضي إلى الاستفهام عنه، أو نقول الاستفهام عنه يستلزم الجهل به المستلزم لعدم توجه الذهن إليه المناسب للكراهة والنفرة عنه وادعاء أنه مما لا ينبغي أن يكون واقعا، وقس حال
الإنكار بمعنى التكذيب عليه. قوله: (فلذلك قدّم وأولى الهمزة) في الكشاف أولى غير الله همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو أتخذ لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا في اتخاذ الولي مطلقًا فكان أولى بالتقديم ونحوه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٤] ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [سررة يونس، الآية: ٥٩] يعني كما قال النحرير: أولي غير الله همزة الاستفهام وقدم المفعول للاختصاص على ما ذكر في مواضع من الكشاف وجعل قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [سررة يونق، الآية: ٥٩] لإنكار أن يكون الله أذن لهم لا لنفس الإذن، فإنه قد كان من شياطينهم، وما ذكر في المفتاح من أنّ هذا للتقوّي دون الاختصاص لأنّ هذا الإذن منكر من أقي فاعل كان مبنيّ على أنه جعل الإنكار بمعنى لا ينبغي أن يقع والزمخشريّ جعله بمعنى لم يقع فصح الاختصاص انتهى. وفي الكشف إنه تمهيد لقوله: ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس، الآية: ٥٩] لأنّ أم مقطعة والهمزة فيها للتقرير، وأما إذا جعلت متصلة وهو وجه أيضًا فليس مما نحن فيه، والمصنف ﵀ ترك التمثيل بهذه الآية إقا لأنه مع صاحب المفتاح أو لأنها ليست نصا في المطلوب، وأمّا كون ولي الهمزة مستلزما لتقديمه فلا ضير فيه كما توهم، ولا يصح في غير هنا الاستثناء لفظا لتقدمه على المستثنى منه ولتوجه الإنكار إلى اتخاذ أولياء ليس الله فيهم، وقيل لا خلاف بين الزمخشريّ والسكاكي وايراد ولدلّه أذن لكم﴾ هنا يوهم أنّ تقديم اسم الله هاهنا على الفعل كما في الموضعين، وليس بذلك إذ المراد أنّ إيلاء هذا الاسم حرف الإنكار وبناء الخبر عليه دون العكس، وأن يقال أإذن الله لكم لأنه الأصل في الاستفهام لا سيما، وقد عطف عليه أم على الله تفترون وهي فعلية
[ ٤ / ٣٠ ]
آذن بتقوية حكم إنكار أنّ الله هو الآذن لا حصول الإذن مطلقًا. ألا ترى كيف استشهد به لقوله لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا في اتخاذ الوليّ، وكيف يوهم تقديم المعمول والتركيب من باب تقوّي الحكم مثله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢٣] وقد قال فيه المصنف وايقاع اسم الله مبتدأ، وبناء نزل عليه فيه تفخيم لا حسن الحديث، وتأكيد لاستناده إلى الله وأنّ مثله لا يجوز أن يصدر إلا منه، فظهر أنّ المراد بالتقديم في قوله: فكان أولى بالتقديم الاهتمام دون التخصيص، واليه ينظر قول المفتاح فلا يحملى قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٥٩] على التقديم فليس المراد أنّ الإذن يكون من الله دون غيره، لكن أجمله على ابتداء أمر مراد منه تقوية حكم الإنكار، ويردّ هذا برمّته أنّ العلامة صرح بخلافه في مواضع من كثافه، وكذا نقله عنه هذا القائل أيضا في تفسير قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤]، قد قال فيما كتبه هناك إنّ مثل ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٢٦] عنده يفيد الحصر، فكلامه متناقض ولم يعرّج عليه أحد من شراح الكشاف، ومقتضى كلام النحرير أنّ القول بالحصر وعدمه دائر على تفسير الإنكار مع أنّ السكاكي لا يقول بإفادة أمثاله الحصر بوجه من الوجوه فكيف يتأتى التوفيق به فتأمّل، وقد وفق بينهما في عروس الأفراج بوجه آخر لا يعوّل عليه. قوله: (والمراد بالولئ المعبود لأنه رذ لمن دعاه إلى الشك) أي المراد به هنا
ذلك لأنّ تعريفه لا يعهد، وتيل إنّ! المشرك لم يخص عبادته بغير الله حتى يكون لرذه فالرد عليه " تخذ غير الله وليًا ويدفعه أنّ من أشرك بالله غيره لم يتخذ الله معبودًا لأنه لا يجتمع عبادته تعالى مع عبادة غيره كما قيل:
إذا صافى صديقك من تعادي فقد عاداك وانفصل الكلام
وقيل إنه لو فسر بالناصر لعلم أنه لا يتخذه معبودًا بالطريق البرهاني وقوله: رذ لمن دعاه
إلى الشرك لأنه ذكر في سبب النزول أنهم قالوا له ﷺ: إن آباءك كانوا على ديننا، وإنما تركت ذلك للحاجة، فارجع عن هذا لنغنيك والكلام يحتمل أنه من الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر قصدًا إلى إمحاص النصح ليكون أعون على القبول كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة ي!، الآية: ٢٢] . قوله: (وجره على الصفة الخ (وقيل على البدلية، ورجحه أبو حيان بأنّ الفصل فيه أسهل، وجعله بمعنى الماضي لتكون إضافته حقيقية، فتوصف به المعرفة، وهو ماض سواء كان كلاما من الله ابتداء أو محكيًا عن الرسولءلمجب!، لأنّ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم فمن قال: والدليل عليه كون النبيّ ﷺ مأمورا بهذا القول، ولا ينافيه كونه من الكلام القديم كما في قراءة فطر، ولو سلم فيجوز أن يكون من قبيل التعبير بالماضي عما سيوجد بناء على تحققه بالنظر إلى كونه قديما، وعلى حقيقته بالنظر إلى كونه من كلام الرسول ﷺ انتهى. فقد تعسف لأنّ اسم الفاعل حقيقة في الحال والاستقبال فتأويله بالماضي، ثم تأويل الماضي بالمستقبل تكلف لا داعي إليه والنصب على المدح أو على البدلية من وليا لا الصفة لأنه معرفة وعلى قراءة فطر فهو صفة فتأمّل. قوله: (يرزق ولا يررّق) يعني المراد بالطعم الرزق بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به بدليل وقوعه مقابلا له في قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٧، فعبر بالخاص عن العام مجازا لأنه أعظمه وأكثره لشدة الحاجة إليه واكتفى بذكره عن ذكره لأنه يعلم من نفي ذلك نفي ما سواه فهو حقيقة، وكلام المصنف ﵀ يحتملهما يعني أنه خص هذا بالذكر، أو خص بالتعبير به عن جميع المنافع دون اللباس، وغيره لشدة الحاجة كما خص الربا بالأكل والمقصود مطلق الانتفاع. قوله: (وقرئ ولا يطعم بفتح الياء) أي وبفتح العين، وهي عن أبي عمرو وجماعة بمعنى يكل والضمير لله، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الياء وكسر العين. وقوله: (والمعنى) يعني معنى القراءة بالعكس، وهي قراءة يعقوب ﵀، فإن قيل الكلام مع عبدة الأصنام والصنم لا يطعم كما أنه لا يطعم أجيب بأنه ورد على زعمهم في إطعام الأصنام
وافرازهم لها حصة من الطعام، قيل: ولا مجال لأن يقال صح ذلك بالنظر إلى إطلاق غير الله تعالى فإن منه من يطعم
[ ٤ / ٣١ ]
كالمسيح من معبودات الكفرة فغلب لأن المسيح يطعم ألا ترى إلى إنزالط المائدة، فإن قيل المطعم حقيقة هو الله تعالى قلت بلى، ولكن النظر هنا ليس مقصورًا على الحقيقة ألا ترى إلى قوله ما هو نازل عن رتبة الحيوانية فإن إطعام الحيوانات بألبانها وبيوضها وصيودها المخلوقة لله تعالى، وهو يصح جوابا عن كلام الكشاف، وهذا ردّ على بعض أرباب الحواشي، إذ وجه كلام المصنف ﵀ بما وجه كلام الكشاف مع ما في كلام المصنف مما يأبا. وليس كذلك، لأنه يصح أن يكون مراده " تخذ من هو مرزوق غير رازق وليا والكلام، وان كان مع عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله وتغليب أولي العقول، لأنّ فيه إنكار أن تصلح الأصنام للألوهية بالطريق الأولى كما في الكشف فتقدير كلامه أنا لا أشرك به من يطعم ولا يطعم فكيف أشرك به من هو أحط مرتبة منه ولا مانع من حمله على الحقيقة بدليل تفسيره بيرزق فإنّ الله هو الرزاق، وقيل إنه كناية عن كونه مخلوقا غير خالق كقوله تعالى: ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٠، ثم إنه قد مرّ أن لا يطعم مجاز عن معنى لا ينفع، فلا يرد السؤال رأسا. قوله: (وبنائهما للفاعل) بالجرج عطف على فتح الياء أو عكس الأوّل ووجهت إمّا بأن أفعل بمعنى استفعل كما ذكره الأزهري ومعنى لا يستطعم لا يطلب طعاما ويأخذه من غيره، أو المعنى أنه يرزق من يشاء ويمنع من لا يشاء كقوله: (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) والضميران لله ورجوع الثاني لغير الله تكلف يحتاج إلى التقدير. قوله: (لآنّ النبئ ﷺ سابق أمّتة في الدين) أي في دينه لأنّ الشارع وكل نبيّ مأمور بما شرعه إلا ما كان من خصائصه وفيه إرشاد إلى أنّ كل آمر ينبغي أن يكون عاملًا بما أمر به لأنه مقتداهم كما قال تعالى حكاية عن موسى ﷺ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٤٣] وسيأتي تحقيقه في آخر هذه السورة وقيل إنه للتحريض كما يأمر الملك رعيته بأمر ثم يقول وأنا أوّل من يفعل ذلك ليحملهم على الامتثال وإلا فلم يصدر عنه ﷺ امتناع عن ذلك حتى يؤمر به. قوله: (وقيل لي ولا تكونن ويجورّ عطفه على قل الما لم يصح عطفه على أكون إذ لا وجه للالتفات، ولا معنى لقوله: أمرت أن تكونن أوّله بوجهين تقدير قيل لي وعطفه حينئذ على أمرت أي إني قيل لي: لا تكونن من المشركين بمعنى أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك قالوا: ومن الحكاية عاطفة للقول المقدر، وقيل: إنه معطوف على مقول قل على المعنى إذ هو في معنى قل إنى قيل لي كن أوّل مسلم ولا تكونن الخ قالوا ومن المحكيّ، والوجه الذي ذكره المصنف ﵀ وهو عطف النهي على قل فأمر حاشية الثهاب / ج ٤ / م ٤
بأن يقول كذا ونهى عن كذا وجه ثالث، ولبعضهم فيه خبط هنا نحن في غنى عن ذكره، وقيل على هذا الوجه إنّ سلاسة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية بعضها عن بعض بخطاب ليس منها، وقيل يجوز أن يعطف على أني أمرت داخلا في حيز قل، والخطاب لكل من المشركين، ولا يخفى تكلفه وتعسفه. قوله: (مبالنة أخرى في قطع أطماعهم الخ) المبالغة الأولى تفهم من جعله أوّل! مسلم، فكيف يرجى منه خلافه ووجه التعريض فيه إسناد ما هو معلوم الانتفاء بأن التي تفيد الشك تعريضا، وجيء بالماضي إبرازًا له في صورة الحاصل على سبيل الفرض تعريضًا بمن صدر عنهم ذلك كما إذا شتمك أحد فتقول لئن شتمني الأمير لأضربنه قال النحرير في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٥] ولا يخفى أنه لا معنى للتعريض بمن لم يصدر عنه الإشراك وان ذكر بالمضارع لا يفيد التعريض لكونه على أقله. وقوله: (لا معنى الخ) ردّ لتوهم أنّ التعريض نشأ من إسناد الفعل إلى من لم يصدر منه بل من يمتنع منه لا من صيغة الماضي، ووجهه أنه لا يتعارف التعريض بالنسبة إلى من لم يصدر عنه الفعل في الاستقبال فتأمّل. قوله: (والشرط معترض الخ) ما تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب معنى فهو دليل عليه وليس إياه خلافًا للكوفيين، والمبرد ولا يكون الشرط غير ماض! إلا في الشعر كما قرّره النحاة، ولم يخالف في لزوم مضيه إلا بعض الكوفيين، والتزم المضيّ طلبًا للتشاكل لئلا يظهر فيه تأثير الأداة ثم إنّ النحاة صوّروه ومثلوه بما إذا تقدم الجزاء بجملته وبما إذا تقدم بعضه عليه كقوله:
يثني عليك وأنت أهل ثنائه ولديه إن هو يستزدك مزيد
[ ٤ / ٣٢ ]
كما في شرح التسهيل للمرادي وما نحن فيه من القبيل الثاني والصحيح عند النحاة أنه
دليل الجواب والجواب محذوف وجوبا لوجود قائم مقامه كالاشتغالط بدليل عدم جزمه وتصديره بالفاء وافتراق معنييهما ففي التقدم بنى الكلام على الجزم، ثم طرأ التوقف وفي التأخر بنى الكلام من أوّله على التوقف فقوله جوابه محذوف جار على القول الأصح وتقديره أخف عذاب يوم عظيم، وقيل صرت مستحقا لعذاب ذلك اليوم، ثم إنه لما كان تعريضًا وكان المراد تخويفهم إذا صدر منهم ذلك لم يكن فيه دلالة على أنه يخاف هو مع أنه معصوم كما لا يتوهم مثله في قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٥] فلا يرد عليه ما قيل إنّ فيه بحثًا من وجوه، الأوّل إنّ الجواب هو أخاف قدم على الشرط، وهو إما جواب لفظًا ومعنى أو معنى فقط وعلى كل حالط فلا حاجة إلى التقدير للاستغناء عنه، الثاني أنه لا انتظام، لأن يقال إني أخاف إن عصيت صرت مستحقًا للعذاب عذاب يوم عظيم، ولو قدر الجزاء بعد مفعول أخاف صار كبيت الفرزدق، الثالث أن الآية دلت على أنّ النبيّ ﷺ يخاف على نفسه الكفر والمعصية، وليس كذلك لعصمته ثم أجيب بأنّ الخوف تعلق بالعصيان الممتنع الوقوع
امتناعًا عاديا فلا يدل إلا على أنه يخاف لو صدر عنه الكفر والمعصية، وهذا لا يدل على حصول الخوف، وهذا الجواب لا يتمشى على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بل على ما قلنا لا يقال على تقدير العصيان والكفر يكون الجواب هو استحقاق العذاب لا الخوف لأنا نقول لا منافاة بينهما فالخوف إمّا على حقيقته أو كناية عن الاستحقاق، وقيل معنى أخاف خوفه على أمّته وأنت في غنى عن هذا كله بما مرّ تقريره ٠
قوله: (أي يصرف العذاب عته) فنائب الفاعل ضمير العذاب وضمير عته يعود على من، ويجوز عكسه ومن مبتدأ خبره الشرط أو الجواب أو هما على الخلاف، والجملة مستأنفة أو صفة عذاب ولظرف متعلق بالفعل أو قائم مقام فاعله وقوله والمفعول به محذوف وهو العذاب أو العائد، والمضاف الذي قدره هول أو عقاب ونحوه، أو اليوم عبارة عما يقع فيه كما مرّ في مالك يوم الدين، وتركه المصنف هنا، لأنه إذا جعل كناية عما يقع فيه احتاج إلى عناية تشصيصه بالهول، وعلى تجويز أن يكون يومئذ قائما مقام الفاعل فهل يحتاج إلى تقدير مضاف أم لا قيل لا بد منه لأنّ الظرف غير التامّ أي المقطوع عن الإضافة كقبل وبعد لا يقوم مقام الفاعل إلا بتقدير مضاف ويومئذ له حكمه، وفي الدرّ المصون إنه لا حاجة إليه، لأن التنوين لكونه عوضا يجعلى في قوّة المذكور خلافا للأخفش، وهذا مما يحفظ. قوله: (نجاه وأنعم عليه) إشارة إلى قول الزمخشريّ فقد ﵀ الرحمة العظمى وهي النجاة كقولك إن أطعمت زبدا من جوعه فقد أحسنت إليه تريد فقد أتممت الإحسان إليه أو فقد أدخله الجنة لأنّ من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب. قال النحرير: لما اتحد الشرط والجزاء احتيج إلى التاويل ليفيد فعلى الأوّل يكون من قبيل من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ألله ورسوله، ومن قبيل صرف المطلق إلى الكامل يعني إذا كان الجواب عين الشرط لفظًا ومعنى كما في الحديث أو معنى بحيث يكون لازما بينًا له أو مآل معناه مآله، وقيده الطيبي بما إذا كان الجزاء مطلقا فإنه يدل على عظم شأن الجزاء كقوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٨٥] أي فقد حصل له الفوز المطلق البليغ وكذا قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٢] أي الخزي العظيم، وعلى الثاني من ذكر الملزوم وارادة اللازم لأنّ إدخال الجنة من لوازم الرحمة إذ هي دار الثواب اللازم لترك العذاب، ونقض بأصحاب الأعراف قيل ولأجل هذا ترك المصنف تفسيره بالجنة، ولك أن تقول قوله وذلك الفوز الخ حال مقيدة لما قبله والفوز المبين إنما هو بدخول الجنة لقوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾
[سورة آل عمران، الآية: ١٨٥] . قوله:) ودّلك الفوز المبين أي الصرف أو الرحم الخ (يعني أنّ اسم الإشارة مراد به الصرف الذي في ضمن يصرف أو الرحمة، وذكر لتأويل المصدر بأن والفعل، والمصنف قدره الرحم لعدم احتياجه للتأويل، وهو بضم فسكون أو بضمتين كما في القاموس، وما قيل إنه نظير قوله ﷺ " أن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتربه فيعتقه " يعني بالشراء المذكور، وانّ
[ ٤ / ٣٣ ]
اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب ولك أن تقول إنّ الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوّح إليه صيغة الماضي والمستقبل والترتيب باعتبار الإخبار فيها تكلف لأن السبب والمسبب لا بد من تغايرهما معنى، والحديث المذكور منهم من أخذه بظاهره، ومنهم من أوّله بأن المراد لا يجزيه أصلا وهو دقيق لأنه تعليق بالمحال!، وأمّا كون الجواب ماضيًا لفظًا ومعنى ففيه خلاف حتى منعه بعضهم في كان لعراقتها في المضيّ. قوله: (وأن يمسسك الله بضرّ) داخل في حيز قل والخطاب للرسول ع! ييه، أو عامّ لكل من يقف عليه، وهو كاللف والنشر فمس الضرّ ناظر إلى قوله إني أخاف وم! الخير إلى قوله من يصرف الخ وتقدم م! الضرّ على مس الخير لاتصاله بما قبله من الرهب الدال عليه إفي أخاف وقد مرّ الكلام في اللمس والمس هل بينهما فرق أم لا. قوله:) فلا قادر على كشفه) نفي القدرة أبلغ من نفيه لاستلزامه له، ولذا فسره به مع مناسبته لقوله فهو على كل شيء قدير، ولأن بعض الفرّ لا يكشف وقوله فكان قادرًا على إدامته وحفظه في الكشاف فكان قادرًا على إدامته أو إزالته وهو بيان لوجه ارتباط الجزاء بالشرط، وكلام المصنف قريب منه وتكلف بعضهم الفرق بينهما، وقيل إنّ الجواب محذوف، وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٧] تأكيد للجوابين لأنّ قدرته على كل شيء من الخير والشرّ تؤكد أنه كاشف الضر وحافظ النعم ومديمها، ومن قال إنه وهم فقد وهم إذ لا وجه لما ذكره. وقوله إذ لا تعلق له بالجواب الأوّل بل هو علة الجواب الثاني ظاهر البطلان إذ القدرة على كل شيء تؤكد كشف الضرّ وإنكاره مكابرة وقوله فلا يقدر غيره على دفعه قيل يشير إلى أنه الجواب وفيه نظر. قوله: (تصوير لقهره وعلوّه بالنلبة والقدرة (يعني أنه استعارة تمثيلية فلا يلزم الجهة، وقوله بالغلبة متعلق بعلوّه، ويحتمل أنّ الاستعارة في الظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس، وقيل إنه كناية عن القهر والعلوّ بالغلبة والقدرة وهما متعلقان بالقهر والعلوّ على طريق اللف والنشر والحاصل أنّ قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ عبارة عن كمال القدرة كما أنّ قوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ عبارة عن كمال العلم، وفوق منصوب على الظرفية معمول للقاهر أي
المستعلي فوق عباده بالرتبة والمنزلة والشرف والعرب تستعمل فوق لعلوّ المنزلة وتفوقها، ومنه يد الله فوق أيديهم. قوله: (في امره وتدبيره) في المواقف الحكيم ذو الحكمة، وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي، وقيل الحكيم بمعنى المحكم من الأحكام وهو إتقان التدبير، واحسان التقدير، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بالثاني أنسب والقول بأنّ فوق زائدة مردود بأنّ الأسماء لا تزاد، والجواب بمعنى على لا يصحح زيادته كما توهم. قوله: (والشيء يقع على كل موجود الخ) عدل عن قول الزمخشريّ الشيء أعمّ العامّ لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيقع على القديم والجرم والعرض! والمحال والمستقيم، ولذلك صح أن يقال في الله ﷿ شيء لا كالأشياء، وما ذكره من إطلاق الشيء على الله مذهب الجمهور واستدلوا بهذه الاية وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] حيث استثنى من كل شيء ذاته ولأنه أعمّ الألفاظ فيشمل الواجب والممكن، ونقل الإمام أن جهما أنكر صحة إطلاق شيء على الله محتجا بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] فقال لا يطلق عليه إلا ما يدل على صفة من صفات الكمال والشيء ليس كذلك وقد مرّ أنّ الشيء مختص! بالموجود وأنه في الأصل مصدر استعمل بمعنى شاء أو مشىء فإذا كان بمعنى شاء صح إطلاقه عليه تعالى كما فصلناه ثمة. فائدة: قول الزمخشريّ والمحال والمستقيم أصل معنى المحال لغة ما أحيل وردّ عن
سننه فيكون بمعنى المعوج، ولذا قوبل بالمستقيم، ثم كني بهما عن الجائز والممتنع، وهذا هو استعمال العرب الفصيح وهي عبارة سيبويه، ومن لم يعرفه لعدم وقوفه على كلام العرب اعترض على المتبني قوله:
كأنك مستقيم في محال
وقال: كان الظاهر في معوج ولس كما قال. قوله: (أي الله كبر شهادة) فهو مبتدأ محذوف الخبر قيل وهو المطابق للسؤال وقد يجعل على العكس أي ذلك الشيء هو الله وليس بمطابق له لعدم صلاحية أكبر للابتداء لنكارته إلا إذا حمل على حذف موصوف له هو المبتدأ انتهى، وهذا خبط فإنه لم يقدر أكبر وإنما قدر ذلك الشيء وان كان عبارة عنه مع أنّ مذهب سيبويه رحمه
[ ٤ / ٣٤ ]
الله إذا كان اسم استفهام أو أفعل تفضيل تقع مبتدأ يخبر عنه بمعرفة. قوله: (ويجورّ أن يكون الله شهيد هو الجواب الخ) قال الفاضل المحشي فيكون ذكره في موضع
الجواب لتضمنه الجواب لا لأنه مقصود أصليّ وأنت خبير بأنّ الظاهر في الجواب أن يذكر أن الله شهيد له ليخرج الجواب عما وقع في سبب النزول من السؤال فاللائق بالمقام هو الإخبار بأنّ الله شهيد له لينتج من الشكل الثاني أنّ ا! بر شهادة شهيد له فلا عبرة بكتم اليهود والنصارى شهادتهم ثم تأتك المقدمتان مصرّحتان في الوجه الأوّل الدّي جعل الله فيه جوابأ للسؤال. وقوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ كلام مبتدأ، وقال الزمخشرقي الله شهيد بيني وبينكم هو الجواب لدلالته على أنّ الله تعالى إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له، وجعله شراحه من الأسلوب الحكيم لأنه عدل عن الجواب المتبادر إليه ليدل على أنّ أكبر شيء شهادة شهيد للرسول فإن الله أكبر شيء شهادة والله شهيد له فينتج اكبر شهادة شهيد له فلا عبرة بكتم من كتم، ووجه كونه من الأسلوب الحكيم أن السائل تلقى بغير ما يتبادر فكأنه غير ما يتطلب سواء أكان السائل النبيّ لمجيلى أو من ذكر في سبب النزول، والأوّل هو المراد لأنه لما أجاب عن سؤالهم التلقينيّ كان كأنهم أجابوه به وهذا من غريب أنواعه لأنه منتج للجواب المطلوب، ولم يذكروا مثله ولذا قال النحرير: إنه يشبه الأسلوب الحكيم ولعله مرادهم، وأمّا كونه جوابا للسؤال الواقع في سبب النزول وهو غير مذكور ففيه تأمّل لأنهم قالوا له جميه أرنا شاهدًا من أهل الكتاب فعدل إلى ما ذكر فقد انكشفت لثام الأوهام فما قيل حاصله أنّ شاهدي هو الله، وقوله: لأنه ﷾ الخ تصحيح لكون الكلام جوابآ لأقي شيء أكبر شهادة وفيه أنه ليس معنى قوله من هو من بين شهودي لأنّ المقام يأباه حتى يقال إذا كان الله الشهيد كان أكبر شيء شهادة بل معناه من أكبر شهادة لو شهد ليقولوا الله فيقول هو شاهدي وما ذكره الزمخشريّ أقرب إلى الصواب لأن الغرض من السؤال بأفي شيء أكبر شهادة أنّ شاهدي أكبر شهادة فقوله شهيد الخ تنصيص له والسؤال المذكور لا يحتاج إلى جواب لكونه معلومًا بينا عند الخصم أيضًا لحاصله أنّ الله الذي هو أكبر شهادة شهد بذلك فتأمّله، والمصنف قصد تطبيق الجواب على السؤال لكته غفل عما قلنا ثم إنّ هذا ليس من أسلوب الحكيم كما ظن أمّا بالنظر إلى أيّ شيء أكبر شهادة فلوحدة السائل ولا ينفعه كون الجواب من قبل المشركين وأمّا بالنظر إلى قولهم أرنا من يشهد لك فللموافقة بين السؤال والجواب فتأمّل (وهاهنا نكتة ينبغي التنبيه عليها) وهو أنّ المقابل للخير الشرّ وقد قابله بالضرّ وهو أخص منه وهذا من خفيّ الفصاحة كما قال ابن عطية للعدول عن تانون الصشعة وطرح رداء التكلف وهو أن يقرن بأخص من ضده ونحوه لكونه أوفق بالمعنى وألصق بالمقام كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [سورة طه، الآية: ١١٨]، فجاء بالجوع مع العرى وبالظمأ مع الضحو وكان الظاهر خلافه ومنه قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جواد اللذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسأل الزق الرويّ ولم أقل لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
وإيضاحه أنه في الآية قرن الجوع الذي هو خلوّ الباطن بالعرى الذي هو خلوّ الظاهر
والظمأ الذي فيه حرارة الباطن بالضحاء الذي فيه حرارة الظاهر كما قرن امرؤ القيس علوّه على الجواد بعلوّه على الكاعب لأنهما لذتان في استعلاء وبذل المال في شراء الراح ببذل الأنفس في الكفاح الرابح بسرور الطرب وسرور الظفر وكذا هنا آثر الضرّ لمناسبة ما قبله من الترهيب فإن انتقام العظيم عظيم، ثم لما ذكر الإحسان أتى بما يعمّ أنواعه، وفي شرح المتنبي للواحديّ تفصيل لهذا لكنها لما كانت فائدة جليلة تعرض لها المعرب هنا أحببنا أن لا يخلو هذا السفر عنها. قوله: (واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة (لأنه المناسب للمقام، وأمّا كون الخطاب للكفار وليس فيهم من يبشر فقد ردّ بأنه ليس بمتعين إذ يجوز عمومه، وأن يكون لأهل مكة مطلقا سواء مسلموهم وكافروهم مع أنه يجوز تبشيرهم إن آمنوا وعملوا الصالحات وهو غير
[ ٤ / ٣٥ ]
وارد لأنّ القائل بناه على كون الخطاب لكفارهم ومثله يكفي نكتة للاقتصار على الإنذار، وفي الدرّ المصون إنه على حد قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨١] ويمكن حمل كلام المصنف ﵀ عليه ومحل من نصب على الضمير المنصوب أو رفع على الفاعل المستتر للفصل بالمفعول. قوله: (وسائر من بلغه من الأسود والآحمر) قال الحريريّ في الدرّة العرب تقول في الكناية عن العرب والعجم الأسود والأحمر لأنّ الغالب على ألوان العرب الأدمة والسمرة والغالب على ألوان العجم البياض والحمرة. قالوا: والمراد بالحمرة هنا البياض ومن قال الأسود والأبيض فقد خالف الاستعمال، ومراد المصنف ﵀ جميع الناس لأن العجم من عدا العرب وأمّا تخصيصط بفارس فعرف الاستعمال. توله: (او من الثقلين) يعني الإنس والجن سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وحمولتها أو لغير ذلك كما سيأتي في محله وهذا بيان لمعنى النظم هنا لا ترديد في كون رسالته للثقلين لأنه أمر مقرّر. قوله: (وفيه دليل على أنّ أحكام القرآن تعم الموجودين الخ) أي في قوله ومن بلغ إذ المراد به من لم يكن في عصره منهم ومن غيرهم لعموم من غير الموجود فلا يرد أنه إذا احتمل اللفظ معاني كيف يبقى دليلا، وقيل دلالته مخصوصة ببعض الوجوه وهو شمول الخطاب الشرعيّ لغير الموجود بطريق التغليب أو القياس أو غير ذلك مما هو مبسوط في أصول الفقه، وكون من لم تبلغه غير مؤاخذ مبنيّ على مذهبه في القول بالمفهوم قيل ولا دلالة على ذلك بوجه من وجوه الدلالة لأنّ مفهومه انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة، وهو ظاهر ولا مستلزما له خصوصا عند القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٥] الآية فلا يكون الدال عليه هذه الآية وفيه نظر ظاهر. قوله: (تقرير لهم مع إنكار واستبعاد) سبق أنّ التقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار، والإنكار يكون بمعنى التكذيب وأنه لم يفع وبمعنى أنه لا ينبغي وقوعه، والمراد هنا أنه تثبيت وتسجيل له وأنه مما لا يليق وفيه جمع بين معاني الاستفهام وهي معان مجازية لا يجمع بينها وان في ذلك التجوّز خفاء حتى قيل إنه لم يحم أحد حوله وأنه من أيّ أنواعه، وقد حققه السيد قدس سره في محله إلا أن يقال إنه يستعمل في أحد هذه المعاني وغيره مأخوذ من السياق فليتأمّل وجوز في هذه الجملة كونها مستأنفة واندراجها في المقول وأخرى صفة لآلهة قال أبو حيان ﵀: وصفة جمع ما لا يعقل كصفة الواحدة المؤنثة كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه، الآية: ٨ ا] ولله الأسماء الحسنى ولما كانت الآلهة حجارة وخشبًا أجريت هذا المجرى تحقيرًا لها وقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي بالذي تشهدون به أو شهادتكم بيان لمتعلقه المحذوف بقرينة الكلام. قوله: (بل أشهد أن لا إله إلا هو) الإضراب والشهادة مأخوذان من السياق أو أنه أمر بذكر. على وجه الشهادة فلا وجه لما قيل إنه لا معنى لاعتبار الشهادة فيه، وقيل إنه إذا كان في حيز إنما موصوف مؤخر فالمقصود قصره على تلك الصفة كما إذا قلت إنما زيد رجل عالم فماذا قصر على الوحدانية بمعنى التفرد في الألوهية أفاد ثنزهه عن الشريك وأنه لا إله إلا هو كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقيل عليه نفي الألوهية مستفاد من توصيف الإله بالواحد لا من كلمة القصة لأنها لا تفيد إلا قصره على الألوهية دون العكس وما كافة لا موصولة لمخالفته للظاهر والرسم، وما في تشركون موصولة عبارة عن الأصنام، وتحتمل المصدرية. قرله: (يعرفون رسول الله) التفات وكون حليته مذكورة في الكتب الإلهية مصرح به في القرآن في مواضع وأهل الكتاب ينكرونه عنادًا ويؤولونه ويحرّفون بعضه، وهم الآن على ذلك من غير شبهة فلا وجه لما قيل إنه لا يخلو أن يكون ما يتعلق بتفاصيل حليته باقيًا وقت نزول الآية أو لا بل محرّفا مغيرًا، والأوّل باطل لأنّ إخفاء ما شاع في الآفاق محال وكذا الثاني لأنهم لم يكونوا حينئذ عارفين حليته كما يعرفون حلية أبنائهم فالوجه أن تحمل المعرفة على ما هو بالنظر والاستدلال. انتهى وتيل عليه إنّ الإخفاء مصرج به في القرآن كقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ ! سورة الأنعام، الآية: ٩١] واخفاؤها ليس باخفاء النصوص بل بفولهم إنه رجل آخر سيخرج وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
[ ٤ / ٣٦ ]
أَنفُسُهُمْ﴾ [سورة النمل، الآية: ٤ ا] وليس للإخفاء ذكر في كلام المصنف رحمه الله تعالى وهو كلام حسن. قوله: (لتضييعهم الخ (قد مرّ قريبا تفسيره واعرابه إلا أن الاتباع لا
يتأتى هنا لأن المصنف رحمه الله تعالى فسره بأعم مما قبله فإن خص جاز، وتقديم به للحصر وإذا انحصر السبب في شيء لزم من فواته فواته. قوله: (ومن أظلم الخ) إنكار لاظلميتهم، وهو وان لم يدل على إنكار المساواة وضعا يدل عليه استعمالأ فإذا قلت لا أفضل في البلد من زيد معناه أنه أفضل من الكل بحسب العرف إذ يستفاد منه نفي المساواة، كذا في شرح المقاصد في بحث أفضلية الصحابة قال والسرّ فيه أنّ الغالب فيما بين شخصين الأفضلية والمفضولية لا التساوي فلذا دل على نفي الأفضلية لا المساواة انتهى. (قلت) بل هي وضعية لأنّ غير الأفضل إمّا مساو أو أنقص فاستعمل في أحد فرديه قال ابن الصائغ: في مسألة الكحل ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل وان كان نصا في نفي الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصحان فالمراد الأخير، وهو من قصر الشيء على بعض أفراده كالدابة انتهى. وقيل الاستفهام هنا للاستعظام الادّعائي وهو لا ينافي الإنكار وبقوله الادعائيّ سقط أن قاتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أظلم فتأمّل. قوله: (وإنما ذكر أو وهم الخ) عدل عن قول الكشاف جمعوا بين أمرين متناقضين تكذبوا على الله بما لا حاجة عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح لما في التناقض من الخفاء كما بينه شرحه، فالنكتة في العطف بأو عنده التنافي بينهما وعند المصنف كون أحدهما كافيًا في المطلوب والظاهر أنّ هدّا لا ينافي كون أو بمعنى الواو لأنه نكتة للعدول عن الظاهر فتأمّل. قوله: (فضلاَ ممن لا أحد أظلم منه) يعني أن ذكر عدم فلاح الظالمين يدل على أنّ الأظلم المذكور قبله لا يفلح بالطريق الأولى مع أنه أكمل إفراده فيدخل فيه دخولًا أوليا، وفضلا معناه والبحث فيه معروف، ومن أراد تفصيله فلينظر شرح المفتاح وكلام الثريف في شرح ديباجة الكشاف. قوله: (منصوب بمضمر الخ) في إعرابه وجوه منها أنه منصوب بمضمر يقدر مؤخرًا وتقديره كأن كيت وكيت فترك ليبقى على الإيهام الذي هو أدخل في التخويف والتهويل وجوّز نصب باذكر مقدّرًا وغيره مما فصل في الدرّ المصون. قوله: (أين شركاؤهم الخ) الإضافة فيه لأدنى ملابسة كما أشار إليه بقوله: شركاء لله لأنه لا شركة بينهم وإنما سموهم شركاء فلهذه الملابسة أضيفوا إليهم، ولما كان قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سورة الصاقات، الآية: ٢٢] وغيره يقتضي حضووهم معهم في المحشر، وأبن يسئل بها عن غير الحاضر أجاب عنه بأنهم غيبوا عنهم حال السؤال ًا وأنهم بمنزلة الغيب لعدم الفائدة
أو هو بتقدير مضاف أي أين نفعهم وجدوأهم، وفي الكشاف إنما يقال لهم ذلك على جهة التوبيخ ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التؤبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فيروا مكان خزيهم وحسرتهم وهي ثلاثة وجوه، الأوّل أن يقال لهم ذلك على سبيل التوبيخ كقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩٤، والثاني أنه قيل لهم وهم يشاهدونهم تعييرا كما تقول لمن جعل أحدا ظهيره يعينه في الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع في ورطة بحضرته أين زيد فجعلته لعدم نفعه وإن كان حاضرًا كالغائب، أو يقال حين يحال بينهم بعد ما شاهدوهم ليشاهدوا خيبتهم كما قيل:
كما أبرقت قومًا عطاشًا غمامة فلمارأوها أقشعت وتجلت
وهو في الثاني مجاز وفي غيره حقيقة وقيل إنّ قوله ويجوز وأن يحال وجهان في تقرير التوبيخ لا وجهان مقابلان للتوبيخ لتصير الأوجه ثلاثة أي إنما قيل للمشركين أين شركاؤكم للتوبيخ والتقريع ثم إمّا أن يكون هذا التوبيخ مع حضور الشركاء ومشاهدة المشركين إياهم، وأمّا أن يكون في غيبتهم وايراد هذين الاحتمالين لئلا يسبق الوهم إلى أنّ ذلك القول لا يصح إلا في غيبة الشركاء وإنما يكون كدّلك لو كان المقصود منه السؤال هذا محصل كلام الشراح، والكل متفقون على أنّ السؤال لم يقصد به ظاهره لكن اختلفوا في الوجوه هل هي ثلاثة للتغاير إلاعتباري بينها أو وجهان لبيان التوبيخ والخلاف
[ ٤ / ٣٧ ]
في ذلك سهل، فأمّ ما قيل عليه من أنّ هذا السؤال المنبي عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سررة الصافات، الآية: ٢٢] الآية وغيرها إنما يقع بعدما جرى بينها وبينهم من التبرىء من الجانبين وقطع ما بينهم من الأسباب حسبما يحكيه قوله تعالى ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الخ ونحوه أمّا بعد حضورها حينئذ في الحقيقة وابعادها من ذلك الموقف وامّا بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة إذ ليس السؤال عنها من حيث ذواتها بل من حيث هي شركاء كما يعرب عنه الوقف بالموصول، ولا ريب في أنّ عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف فهي من حيث هي شركاء غائبة لا محالة وان كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو لا وامّا ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها فيروا خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد، وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ، وإنما الذي يحصل في الحشر الانكشاف الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة والمحاورة انتهى. فتخيل لا أصل له لأنّ التوبيخ مراد في الوجوه كلها ولا يتصوّر حينئذ التوبيخ إلا بعد تحقق خلافه مع أنّ كون هذا وقع بعد التبري في موقف آخر ليس في النظم ما يدل
عليه، ومثله لا يجزم به من غير نقل لاحتمال أن يكون هدّا في موقف التبري والإشعار المذكور لا يتأتى مع أنه توبيخ وامّا العلاوة التي ذيل بها كلامه فواردة عليه أيضا مع أنها غير مسلمة لًانّ عذاب البرزخ لا يقتضي أن لا يشفع لهم بعد ذلك فكم من معذب في قبره يشفع له.
قوله: (ليفقدوها) قيل يرد عليه أنه حيمئذ ينكشف الحال عندهم ويعلمون أنه لا منفعة لهم
في آلهتهم بل مضرة نلا احتمال للتفقد، وهذا غريب فإنّ نسخ الكشاف والقاضي متفقة على أنّ العبارة ليفقدوها من الفقدان، وهو متعلق بيحال بينهم وبين آلهتهم، فيظهر لهم لفقدانهم إياها في تلك الساعة خيبة ظنهم وخسرانهم في تجارتهم لا من التفقد ليرد عليه ذلك ولو سلم فيجوز أن يتفقدوها لغاية خيرتهم وفرط دهشتهم فإنّ الغريق يتشبث بكل حشيش لا يجديه نفعا أو المعنى ليتفقدوها بحمل السؤال على التفقد لإظهار خيبتهم وخسرانهم لا لأنهم يتفقدنها ليطلبوأ منها الشفاعة. قوله: (ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم) قيل هذا السؤال ظاهر في غيبة الشركاء، وقوله وما نرى معكم شفعاءكم الذين إلى قوله وضل عنكم ما كنتم تزعمون نص فيها فلا وجه لهذا الكلام، ويجوز أن يقال ذلك في موطن آخر، أو المعنى وما نرى معكم شفاعة شفعائكم ٠ قوله: (فكأنهم غيب عنهم) بضم الغين المعجمة ليتشديد الياء ًا وبفتحها مع التخفيف جمع غائب كخادم وخدم وقوله تزعمونهم شركاء إشارة إلى أن المفعولين محدّوفان وتقديرهما كما ذكره والزعم يستعمل في الباطل والكذب. قال ابن عباس ﵄: كل زعم في القرآن فهو بمعنى الكذب وخص القرآن لأنه يطلق على مجرّد الذكر والقول ولكن يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله، فحذف المفعولان لانفهامهما من المقام. قوله: (أي كفرهم والمراد عاقبته الخ) أصل معنى الفتنة على ما حققه الراغب من الفتن وهو إدخال الذهب النار لتعلم جودته من رداءته ثم استعمل في معان كالعذاب والاختبار والبلية والمصيبة والكفر والإثم والضلال وليس شيئًا من ذلك عين قولهم المذكور واختار المصنف ﵀ أنّ المراد به الكفر لأنّ الفتنة ما تفتتن به ويعجبك وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به ويظنونه شيئا فلم تكن عاقبته إلا الخسران والتبري منه وليس هذا على تقدير مضاف بل جعل عاقبة الشيء عينه ادّعاء قال الزجاج: وتأويل الآية حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف معاني كلام العرب وتصرّفاتها، ومثلها أن ترى إنسانًا يحب غاويا فإذا وقع في مهلكة تبرأ منه فيقال له ما كان محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وليس هذا من قبيل عتابك السيف ولا من تقدير المضاف وان صح فاحفظه فإنه من البدائع الروائع. قوله: (وقيل معذرتهم الخ) يعني الفتنة استعملت بمعنى العذر لأنها التخليص
[ ٤ / ٣٨ ]
من الغش والعذر يخلص من الذنب فاستعيرت له أو المراد الجواب بما هو
كذب لأنه سبب الفتنة فتجوّز بها إطلاقا للمسبب على البب أو هو استعارة لأنّ الجواب مختص! بهم أيضا فقوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا﴾ الخ على ظاهره وثم للتراخي في الرتبة لأنّ جوابهم هذا من أعظم التوبيخ السابق، وهذا هو الداعي إلى وضع الفتنة موضسع الجواب وعلى ما قبله قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كناية عن التبري وانتفاء التدين به وثم على ظاهره، والتفسيران الأخيران منقولان عن قتادة ومحمد بن كعب وتوجيههما بما مر وهو الذي ارتضاه الطيبي وهما متقاربان وقوله: ﴿أو لآنهم قصدوا﴾ الخ فيكون كالذي قبله معنى وتجوّزا، والتغاير اعتباري والحصر على الأوّل إضافي بالنسبة إلى جنس الأقوال أو ادّعائيئ وعلى الوجهين الأخيرين حقيقي. قوله: (وفت! هم بالرفع الخ) قرأ حمزة والكسائي يكن بالياء من تحت ونصب فتنتهم وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم تكن بالتاء من فوق ورفع فتنتهم والباقون بالتاء من فوق أيضًا ونصب فتنتهم، وما ذكره المصنف ﵀ هو طريق الثاطبي عن الداني، ومن لم يفهم كلامه قال إنه مخالف لحرز الأماني وفي طريق ابن الجزري في الطيبة قرئ يكن بالمثناة التحتية عن الكسائي وحمزة وشعبة بخلف عنه ويعقوب الحضرمي ونصب فتنتهم، والباقون بالفوقية وابن كثير وابن عامر وحفص بالرفع والباقون بالنصب ورفع فتنتهم ابن عامر وحفص وابن كثير، والباقون بالنصب ومن رفع أنث يكن هذا جميع ما قرئ به من الطريقين والخلاف بينهما في شعبة فلا يتوهم مخالفته وقراءة الأخوين أفصح وذلك أنّ فتنتهم خبر مقدم وأن قالوا اسم لأنه إذا اجتمع اسمان أحدهما أعرف جعل الأعرف اسما وغيره خبرا وان قالوا يشبه المضمر والمضمر أعرف المعارف، وفيه بحث ولم يؤنث الفعل لإسناده إلى مذكر، وأمّا قراءة ابن كثير ومن معه ففتنتهم اسمها ولذلك أنث الفعل لإسناده إلى مؤنث وأن قالوا خبرها وفيه إنك جعلت غير الأعرف اسمًا والأعرف خبرًا فليست في قوة الأولى وأما قراءة الباقين ففتنتهم خبر مقدم والا أن قالوا اسم مؤخر وسيأتي ما في إلحاق علامة التأنيث. قوله: (والنصب على أنّ الاسم أن قالوا والتأنيث للخبر كقولهم من كانت أفك) الذي حققه علماء العربية أن إلحاق علامة التأنيث الفعل إذا أسند إلى مذكر قد أخبر عنه بمؤنث ليس مذهبا للبصريين وهو ضرورة عندهم، والكوفيون يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدرًا مذكرأ وكان الخبر مقدما كقوله:
وقد خاب من كانت سريرته الغدر
فلو قلت كانت شمسا وجهك أو كانت الغدر سريرتك لم يجز واستشهدوا عليه بهذه القراءة، وقال ابن مالك وهذا أولى من أن يقال أنث على معنى المقالة لأنه من قبيل جاءته كتابي وهو قليل خصوصًا وتأنيث المصدر إذا كان ملفوظا قد لا يراعى، وأمّ جعل المصنف له
تبعا للزمخشري من قبيل من كانت أمّك فقد رد بأنه ليس مما نحن فيه لأنّ من لفظها مذكر ومعناها مؤنث، ويجوز فيها مراعاة اللفظ والمعنى فليس تأنيثه لأجل الخبر لكنه في الدرّ المصون نقله بعينه عن أبي عليّ، وقال إنّ للتأنيث علتين مراعاة الخبر ومراعاة المعنى والنكات لا تتزاحم، فلا مانع من اعتبار هذه مرّة وهذه أخرى مع أنه قيل إنه مناقثة في المثال وليست من دأب المحصلين. قوله: (يكذبون ويحلفون الخ) فهو كما قيل:
ويكون أكذب ما يكون إذا حلف
واختلف في جواز الكذب على أهل القيامة فمنعه أبو عليّ الجبائي والقاضي، وذهب الجمهور إلى جوازه مستدلين بهذه الآية ونحوها فإنهم في القيامة حلفوا على أنهم ما كانوأ مشركين وهو كذب، واحتج المنكرون بأنّ حقائق الأشياء تنكشف حينئذ فإذا اطلع أهلها على الحقائق وعلى أنها لا تخفى عليه تعالى وأنه لا منفعة لهم في ذلك استحال صدوره عنهم، وأجابوا عن الآية بأنّ المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك، ثم اعترضوا على أنفسهم بأنهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤] يعني في قولهم ما كنا مشركين وأجابوا بأنه ليس المراد به أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا، وأورد حجتهم وأجاب بأنهم لما عاينوا هول القيامة دهشوا
[ ٤ / ٣٩ ]
وحاروا فقالوا ذلك القول الكذب وان لم ينفعهم كما حكى الله عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٠٧ ا] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٨] وكذلك قالوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص، وأجاب عما أجابوا به عن الدليل بأنّ قولهم المراد ما كنا مشركين عند أنفسنا تمحل وتعسف لمخالفته الظاهر، وحمل قوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم على الكذب في الدنيا تحريف لكلام الله لأنّ ما قبله وما بعده ليس في أحوالها فتخلل أمر الدنيا تفكيك للنظم، ثم استدل بآية أخرى لا يتطرّق إليها التأوبل إلا بتكلف بعيد وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أسررة المجادلة، الآية: ٨ أ] الآية وفي الانتصاف في هذه الآية دليل بين على أنّ الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذب وان لم يعلم المخبر بمخالفة خبره لمخبره، ألا تراه جعل أخبارهم وتبريهم كذبا مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون أي سلبوا علمه حينئذ دهشًا وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى وفيه بحث، وقوله: (أيقنوا بالخلود) نظر فيه بأنه من أين يعلم أنهم موقنون بالخلود فليتأمّل. قوله: (تعسف يخل بالنظم) قال النحرير: التعسف الأخذ في غير الطريق لأنّ الآية لا تدل على
هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنها في شأن حشرهم وأمرهم في الآخرة لا في الدنيا بل تنبو عنه أشد نبوّ لأن أوّل الكلام ويوم نحشرهم وآخره وضل عنهم ما كانوا يفترون وذلك في أمر القيامة لا غير، وقوله يخل بالنظم لما فيه من صرف أوّل الآية إلى أحوال القيامة وآخرها إلى أحوال الدنيا ولك أن تدفع ذلك بأنّ المعنى انظر كيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا بما ضل عنهم في الآخرة ولم ينفعهم فيها فلا يكون أجنبيًا فتامّل، وقال بعض أهل العصر أنّ قول المصنف رحمه إدلّه أنه لا يوافق قوله انظر الخ ممنوع فإنهم لجهلهم وسوء نظرهم اعتقدوا ذلك مع بطلانه فيقولون ما نعبدهم إلا ليقرّبونا. قوله: (من الشركاء) على أن تكون ما موصولة، وجوّز أن تكون مصدرية أي ضل افتراؤهم كقوله ضل سعيهم، وقرئ ربنا بالرفع خبر مبتدأ محذوف وهو توطئة لنفي إشراكهم وفائدته دفع توهم أن يكون نفي الإشراك بنفي الألوهية عنه تقدس وتعالى ولا برد عليه أنّ المناسب له تأخيره. قوله: (ومنهم من يستمع الخ (أفرد ضمير من وجمعه نظرا إلى لفظه ومعناه، والاستماع بمعنى الإصغاء لازم يعدي باللام والى كما صرّح به أهل اللغة وقيل إنه مضمن معنى الإصغاء ومفعوله مقدر وهو القرآن وقوله: والذي: قسم والمراد الله وضميرها عائد إلى الكعبة الحاضرة في الذهن، وقوله: مثل ما حدثتكم كان يحدّثهم بًا خبار العجم كرستم واسقيديار وأكنة جمع كنان كغطاء وأغطية لفظًا ومعنى لأنّ فعالًا بفتح الفاء وكسرها يجمع في القلة على أفعلة كأحمرة وأقذلة، وفي الكثرة على فعل كحمر إلا أن يكون مضاعفًا أو معتل اللام فيلزم جمعه على أفعلة كأكنة وأخبية إلا نادرًا، وفعل الكن ثلاثيئ ومزيد يقال كنه وأكنه وفرق بينهما الراغب فقال: أكننت يستعمل لما يستر في النفس، والثلاثيّ لغيره وبيته هو الكعبة المشرفة. قوله: (كراهة أن يفقهوه الخ (أي على تقدير مضاف ومنهم من قدر لا فبه وفي أمثاله وسيأتي في سورة الإسراء تجويز المصنف ﵀ أن يكون مفعولًا به لما دل عليه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي منعناهم أن يفقهوه أو لما دل عليه أكنة وحده من ذلك. قوله: (وقرا يمنع من استماعه) يمنع إلى آخره تفسير للوقر بالفتح
قال الزجاج الوقر بالفتح ثقل في السمع، وبالكسر حمل البغل ونحوه وبه قرأ طلحة وهو استعارة كأنّ آذانهم وقرت وحملت من الصمم، وقد مرّ تحقيق التجوّز فيه في سورة البقرة في: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧] وأنه يحتمل الاستعارة التصمريحية، والمكنية والمشاكلة كما بسطناه ثمة ومعنى يمنع من استماعه أنه يمنع من استماعه على ما هو حقه فلا يخالف قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] ولذا قيل الأنسب لما تقدّمه أن يقول كراهة أن يسمعوه وقال المصنف ﵀ في الإسراء لما كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وادراك اللفظ انتهى وأورد عليه أنهم ما عجزوا عن إدراك اللفظ المسموع على ما دل عليه ما مرّ في سبب النزول إنما عجزوا عن إدراك اللفظ المطبوع الشامل للخواص والمزايا وأجيب بأنّ
[ ٤ / ٤٠ ]
مراده باللفظ هو اللفظ المعهود الموصوف بالإعجاز على ما ينادي عليه سياق كلامه لا نفس اللفظ مجرّدا فلا غبار عليه. قوله: (وأن يروا كل آية الخ) قيل لا بد من تخصيص الآية بغير الملجئ دفعًا للمخالفة بينه وبين قوله تعالى ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فتأمّل. قوله: (أي بلغ تكذيبهم الآيات الخ) هذا بيان لمحصل المعنى لأنّ مآل عدم الفهم والاستماع التكذيب ولأنّ المجادلة هي القول المذكور فلا يقال إنه يقتضي أن يجادلونك هو الجواب، وأنّ الأنسب جعله غاية لجعله تعالى على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا أي بلغ بهم ذلك المنع من فهم القرآن إلى أن قالوا إن هذا إلا أساطير الأوّلين، وحتى إذا وقع بعدها إذا يحتمل أن يكون بمعنى الفاء وأن يكون بمعنى إلى والتقدير فإذا جاؤو ٣ الخ، أو إلى أن جاؤوك، والمصنف ﵀ اختار الثاني والغاية معتبرة في الوجهين وقوله غاية التكذيب أي أنّ تكذيبهم بلغ النهاية بهذا لأنه الفرد الكامل منه فهو نحو مات الناس حتى الأنبياء فاندفع ما توهم من أنّ التكذيب لا ينتهي بمجادلتهم واتضحت الغاية ومن لم يقف على مراده قال كون حتى جارّة مشكل جدًّا لأنه يقتضي انتهاء تكذيبهم في هذا الوقت والمشهور في النسخ إلى أنهم جاؤو ٤ يجادلونك، ووقع في نسخة إن جاؤوك يجادلونك وقال المحشي عليها أنه بدل إذا بان للتنصيص على معنى الشرطية وحتى على الوجه الأوّل هي الابتدائية تقع بعدها جمل استئنافية لا محل لها من الإعراب سواء كانت اسمية أو فعلية وإذا منصوبة المحل على الظرفية بالشرط، أو الجواب على الخلاف في ذلك وشرطها جملة جاؤوك وجوابها يقول الخ ويجادلونك حال والمجادلة مطلق المنازعة والمخاصمة والقول المذكور فرد مخصوص منها فالكلام مفيد أبلغ إفادة كقولك إذا أهانك زيد شتمك فمن قال المجادلة لما كانت نفس قولهم إن هذا الخ كما يدل عليه جعله تفسيرا له كأن جعل يجادلونك حالًا ويقولون جوابا مفضيا إلى جعل الكلام لغوًا إلا أن تؤوّل المجادلة بقصدها فقدوهم وأتى بما لا وجه له وتكلف ما لا حاجة إليه. قوله: (إلى أنهم
جاؤوك كجادلونك الخ) قيل عليه إنّ النحاة قالوا الغاية فيما إذا كانت الجملة الشرطية من إذا وجوابها هي ما تسبب من الجواب مرتبا على فعل الشرط فكان الوجه أن يقول إلى أن يقولوا إن هذا إلا أساطير الأوّلين في وقت مجيئهم مجادلين فتأمّل، وهذا يقتضي أن يجادلونك هو الجواب فلا يناسب ما بعده. قوله: (خرافات) أصل الخرافة ما اخترف أي اقتطف من ثمار الشجر ثم جعل اسما لما يتلهى به من الحديث وما وقع في الحديث من قوله ﷺ: " خرافة حق فهو اسم رجل من عذرة استهوته الجق وكان يحدّث بما رأى فيهم فكذبوه وقالوا حديث خرافة فقال ﷺ ذلك يعني أن ما حدّث به حق ") ١ (وفي المستقصي أنّ رجلا من خزاعة استهوته الجن فرجع إلى قومه وكان يحدّثهم بالأباطيل فكانت العرب إذا سمعت ما لا أصل له قالت حديث خرافة ثم كثر حتى قيل للأباطيل خرافات ونقل في الكشف عن العلامة في حواشيه عن العرب الخرّافات بالتشديد ويجمع أيضًا على خراريف وذكر مثله في ربيع الأبرار ولم أر ذكر التشديد مصححا في غيره والمعروف فيه التخفيف وأنه لا تدخله الألف واللام، ووقع في الحديث كما رواه البزار عن عائشة ﵂ أنّ النبيّ ﷺ " حدّث ذات ليلة نساءه حديثًا فقالت امرأة منهن هذا حديث خرافة فقال ﷺ: أتدوون ما خرافة أن خرافة كان رجلأ من عذرة استهوته الجق فمكث فيهم دهرا ثم ردّوه إلى الإن! فكان يحدّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة " (٢) وهو حديث مسند في بعض كتب الحديث. قوله: (ويجورّ أن تكون الجازة الخ) هذا قول الأخفش وتبعه ابن مالك ﵀ في التسهيل وقال أبو حيان أنه خطأ وعليه فإذا خارجة عن الظرفية كما صرّحوا به وعن الشرطية أيضًا فلا جواب لها، والذي في النسخ الصحيحة أن يجادلونك على هذا حال ويقول تفسير له ووقع في نسخة بدل قوله حال
جواب وردّ بأنه ليس فيها حينئذ معنى الشرطية قطعا فكيف يكون لها جواب، ولذا جعله الزمخشري حالًا على هذا الوجه ثم إنه قال: إنه مطالب بالفرق بين الوجهين حيث خص الأوّل بكون
[ ٤ / ٤١ ]
الجواب يقولون والثاني بكونه يجادلونك وعلى ما صححناه لا يرد شيء من هذا ولا مخلص عنه إلا بأن يخرّح على قول الزجاج فيكون معنى كلامه ويجوز في حتى الابتدائية أن تكون الجارّة قال في المغني ولا محل للجملة الواقعة بعد حتى الابتدائية خلافا للزجاج وابن درستوبه زعما أنها في محل جرّ بحتى، ويرّده أنّ حروف الجرّ لا تعلق عن العمل وإنما تدخل على المفرد أو ما في تاويله، وأمّا ما قيل في توجيهه على النسخة المرجوحة من أنّ الواو في قوله ويجادلونك بمعنى أو عطفًا على قوله وهو يقول ومجيء الواو بمعنى أو كثير أو أنه على حذف مضاف أي حتى يوم إذا جاؤوك! ادلونك فلا يخفى بعده. قوله: (والأساطير الأباطيل) هذا معناه والمراد الأحاديث المسطورة، وأما لفظه فقيل لا مفرد له وقيل له مفرد، وجوّز فيه أن يكون أسطورًا وأسطيرًا وأسطارا بكسر الهمزة مع الهاء وعدمها، وقيل إنه جمع جمع وقيل جمع جمع جمع وسطر مفرده بسكون الطاء وفتحها معروف في الكتابة وغيرها، وأسطورة بضم الهمزة كأحدوثه وأحاديث وأسطارة بكسرها وأسطارة بفتح الهمزة جمع سطر بفتحتين كسبب وأسباب. قوله: (ينهون عنه الخ) ضمير الجمع للمشركين والضمير المجرور أمّا للرسول ع! ي! ففيه التفات أو للقرآن لسبق ذكرهما ومعنى النهي عنه النهي عن اتباعه والإيمان به، أو ضمير الجمع لأبي طالب وأتباعه أو إضرابه ممن نهى عن أذيته منهم كما هو معروف في الأحاديث ولذا لم يقل المصنف ﵀ أبو طالب كما في الكشاف، أو له فقط وجمع استعظاما لفعله حتى كأته مما لا يستقل به واحد، وقيل إنه نزل منزلة أفعال متعدّدة فيكون كقوله قفا عند المازني ولا يخفى بعده، ورذ هذا الإمام بأنّ جميع الآيات المتقدمة في ذمّ فعلهم فلا يناسبه ذكر النهي عن أذيته وهو غير مذموم وفيه نظر، وقول المصنف كأبي طالب يشير إلى عدم اختصاصه به على القول بأنّ هذا سبب النزول فلا يشكل جمعه ويشهد له قصة جياد وليس المراد بالاستعظام في كلامهم التعظيم بل عده عظيمًا كما في قوله إن الشرك لظلم عظيم، فما قيل إنّ جمع ضمير المفرد للتعظيم في غير نون المعظم نفسه لم يوجد في كلام من يوثق به وأيضًا من فعل النأي لا يليق تعظيمه للتوعد عليه، وما يعقبه من قوله: ﴿وإن يهلكوا إلا نفسهم﴾ لا يناسبه مع ما فيه غير وارد، ولذا قيل التعظيم يكون بمعنى التشريف للفاعل وهذا في الأكثر للفاعل المتكلم، وقد يكون في غيره كما ذكره المرزوقي ويكون للفعل نفسه فيعذ كثيرًا وكثيرًا، وهذا الفرق بين تعظيم الفاعل وتعظيم غيره أشار إليه النحرير هنا وهو فائدة جليلة، وفي ينهون وينأون تجنيس بديع، والنأي البعد وهو لازم يتعدى بعن وئقل عن الواحدي أنه سمع تعديه بنفسه عن المبرد وأنشد:
أعاذل أن يصبح صديّ بقفرة بعيدًا نآني زائري وقريني
قوله: (وقفوا) وقف يكون لازما ومتعديا بمعنى الوقوف المعروف وبمعنى المعرفة فيهما أيضًا، فقوله يوقفون على النار حتى يعاينوها أو يطلعون عليها من الاطلاع إشارة إلى أن الإيقاف لينظروا ما يهولهم أو يرفعوا على جسرها وهو الصراط فينظرونها وهو المعنى الأوّل، وقوله أو يدخلونها إشارة إلى المعنى الثاني فقد احتوى كلامه على الوجوه الأربعة المذكورة في الكشاف، وجعل لو شرطية على أصلها وقيل إنها بمعنى أن وترى بصرية أو علمية وحذف الجواب لتذهب نفس السامع كل مذهب فيكون أدخل في التهويل أي لرأيت أمرًا مهولًا، والخطاب للنبيّ ﷺ أو لكل واقف عليه وذكر الوقوف ليبين لزومه لأنه مصدر للازم إلا نادرًا، ومصدر المتعدي الوقف وسمع فيه أوقف في لغة قليلة وقيل إنه بطريق القياس. قوله: (تمنيًا للرجوع إلى الدنيا) إشارة إلى أن متعلق نردّ مقدر تقديره إلى الدنيا. قوله: (اس! شاف كلام منهم على وجه الخ) المراد بالإثبات الأخبار عنه، واثباته في الواقع وهو في مقابلة التمني الذي هو إنشاء، والمراد بالاستئناف والابتداء معناه المتبادر المعروف وهو قطع الكلام عما قبله بأن لا يعطف عليه فالواو كالزائدة أو قطعه عما في حيز التمني وعطفه على مجموع الكلام فإنهم قد يستعملونه بهذا المعنى كما ذكره صاحب المغني في حرف الفاء حتى أنهم سموا واو الحال واو
[ ٤ / ٤٢ ]
الابتداء فمن حمله على الأوّل قال في تفسير كلام المصنف ﵀ أي ابتداء كلام ليس عطفًا على ما قبله على وجه الأخبار، والى الثاني مال النحرير فقال معنى كونه استئناف كلام أن يكون معطوفا على التمني عطف أخبار على إنثاء، وهو جائز عند اقتضاء المقام، وأورد عليه أنّ عطف الأخبار على الإنشاء وعكسه لم يجوّزه في شرحه على التلخيص وأن اعتبار المقام إنما يكون بعد صحة أصل الكلام والحق أنّ هذا العطف إنما يصح فيما له محل من الإعراب وليس معنى الاستئناف ما ذكره، ويدفعه ما مرّ وأنّ من النحاة من جوّز. مطلقا ونقحهأ أبو حيان عن سيبويه.
قوله: (كقولهم دعني ولا أعود) يعني أنه خبر مستأنف وهو كلام يقوله من أذنب لمن يؤدّبه على ما صدر منه وفي شرح المفصل أنه رفع لتعذر النصب والجزم على العطف أمّا النصب فيفسد المعنى إذ المعنى حينئذ ليجتمع تركك لي وتركي لما نهيت عنه وقد علم أنّ
طلب هذا المتأذب لترك المؤدّب إياه إنما هو في الحال بقرينة ما عراه من ألمه وقصد المؤدّب الترك لما نهى عنه في المستقبل ولا يستقيم الجزم أما بالعطف على دعني فظاهر لأنه لا يعطف معرب على مبني ولا محل له فيعطف عليه، وأما جعله نهيا معطوفا على الأمر فإنه لا يلزم من النهي تحقق الامتناع ألا ترى إلى تناقض أنا لا أفعل كذا في كل وقت ثم أفعله وعدم تناقض أنا أنهي نفسي عن كذا في كل وقت ثم أفعله. قوله: (أو عطف على نرذ أو حال الخ (فالمعنى على تمني مجموع الأمرين الردّ وعدم التكذيب أي التصديق الحاصل بعد الردّ إلى الدنيا لأنّ الرذ ليس مقصودا لذاته هنا وكونه متمني ظاهر لعدم حصوله حال التمني وان كان التمني منصبا على الإيمان والتصديق فتمنيه لأن الحاصل الآن لا ينفعهم لأنهم ليسوا في دار تكليف فتمنوا إيمانأ ينفعهم وهو إنما يكون بعد الرذ المحال والمتوقف على المحال محال وفي قوله في حكم المتمني إشارة إلى هذا، فاندفع ما في هذا المقام من الأوهام، وقوله راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد سيأتي تحقيقه قريبا. قوله: (ونصبهما حمزة ويعقوب الخ) أي نصب نكذب ونكون كذا في الكشاف وردّه أبو حيان وغيره بأن نصب الفعل بعد الواو ليس على الجوابية لأنّ الواو لا تقع في جواب الشرط فلا ينعقد مما قبلها وما بعدها شرط وجواب وإنما هي واو مع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها وهي عاطفة يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة وهي المعية وتمييزها عن الفاء صحة حلول مع محلها أو الحال كما أنّ الفاء المنصوب ما بعدها تقدر بالشرط وشبهة من قال إنها جواب نصب ما بعدها كما ينصب ما بعد الفاء وتميزها منها أن الفاء إذا حذفت انجزم الفعل بالشرط الذي تضمن الكلام معناه، وأجيب عنه بأن الزجاج سبق الزمخشري إلى هذه العبارة وكفى به قدوة وإذا اتضح المراد سقط الإيراد إذ مراده أنها واقعة في موقع بنصب فيه الجواب واليه أشار المصنف ﵀ بقوله إجراء لها مجرى الفاء وترك تقديره بأن رددنا كما في الكشاف مع أن ابن الأنباري ﵀ قال: إن الواو مبدلة من الفاء وأنها جوابية حقيقة ثم أنه قيل ما ذكره الزمخشري من معنى الجزائية أي إن رددنا لم نكذب فيه نظر فإن كان وجه النظر ما ذكرنا فقد مرّ جوابه وان كان وجهه ما نقل عنه أن ردّهم لا يكون سببا لعدم تكذيبهم فقد قيل عليه إنّ السببية يكفي كونها في زعمهم ليصح النصب على الجزائية، وردّ أنّ مجرّد الرذ لا يصلح لذلك فلا بد من العناية بأن يراد الردّ الكائن بعدما ألجأهم إلى ذلك إذ قد انكشفت لهم حقائق الأشياء، وقوله إجراء لها مجرى الفاء وجهه كما في شرح الرضي تشابههما في العطف وصرف ما بعدهما عن مقتضى الظاهر وقد مرّ تحقيقه والقراءة بالرفع إمّا على العطف أو الحالية أو الاستئناف والجملة معترضة ونصب الثاني على الجوابية بالنظر إلى المجموع، أو إلى الثاني وعدم التكذيب بالآيات مغاير للإيمان والتصديق
فلم يتحدا وقرئ شاذًا بعكس قراءة ابن عامر. قوله: (١ لإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني الخ) يعني بل للإضراب عن تمنيهم الباطل الناشئ من إبداء ما يفضحهم وهو إن رددنا لم نكذب أي ليس ذلك عن عزم صحيح بل هو من إبداء ما افتضحوا به أي ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا، وفي الكشاف بل بدا لهم ما كانوا يخفون من الناس من قبائحهم وفضائحهبم
[ ٤ / ٤٣ ]
في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرًا إلا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا وقيل إنه في المنافقين وإنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرّونه، وقيل هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوّة رسول الله ﷺ ولو ردّوا إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمعاصي فهذه ثلاثة وجوه، الأوّل إنه في المشركين وإنه أظهر الله قبائحهم من غير الشرك أو الشرك الذي أنكروه في موقف آخر فتمنوا ضجرا ما تمنوا إلا عزما وقدمه لأنه الظاهر إذ ما قبله متعلق بهم فانهم في بعض المواقف جحدوا الشرك وقالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ففضحهم الله، والثاني أنه في المنافقين لأنهم الذين كانوا يخفون الكفر ولكنه لا يناسب ما قبله، والثالث أنه في أهل الكتاب مطلقًا أو علمائهم والذي أخفوه نبوّة خاتم الرسل ﷺ، وقيل المراد بدا لهم وبال ما كانوا يخفون ولا يرد أنّ المناسب خفاؤه لا إخفاؤه لأنّ الإخفاء يستلزم الخفاء مع ما فيه من توبيخهم بقبيح وصفهم، وقدم المصنف ﵀ كونه في المنافقين لملاءمته لظاهر الآية ولو أخره لكان أولى وترك الثالث لأنه ليس في السياق والسباق ما يدل عليه. قوله: (لا عزما الخ) أي ليس عزما معتذًا به لعلم الله بتخلفه لو عادوا كما يدل عليه قوله ولو ردّوا الخ ولا ينافيه تصميمهم عليه عند شدة الأهوال وقيل عزمًا صحيحًا بإرادة نفس الطاعة والإيمان من حيث هو فإنه كان لخوف العقاب لا لذاته وفيه نظر، وقوله: فتمنوا ذلك بناء على أنّ ما سبق داخل في حيز التمني ظاهر وأما على الوجه الأخير ففيه تأمّل ثم إن هذا هل يدل على جواز الكذب يوم القيامة أم لا فيه كلام في شروح الكشاف وقد مرّ تفصيله. قوله: (بعد الوقوف والظهورا لسبق قضاء الله بذلك فانهم لخبث طينتهم ونجاسة حليتهم يذهلون عما رأوه فلا يرد أنّ العاقل لا يرتاب فيما شاهده حتى يعود إلى موجب العذاب الأليم، وأمّا أن المراد أنهم لو ردّوا إلى حالهم الأولى من عدم العلم والمشاهدة على أنه من إعادة المعدوم فلا يناسب مقام ذمّهم بغلوّهم في الكفر والإصرار وكونه جوابا لما مرّ من تمنيهم. قوله: (من الكفر والمعاصي) إشارة إلى ما مرّ في نصب ونكون وحده من أنّ عدم تكذيبهم بآيات الله تصديقهم بها وهو عين كونهم مؤمنين فكيف يقع جوابا له وقد دفع بأنا لا نسلم أنّ المراد به ذلك وليس عدم التكذيب بها عين التصديق ولا مستلزما له كمن
نشأ في شاهق جبل فإنه ليس بمكذب ولا مصدق لعدم بلوغها إياه ولو سلم فالمراد بقوله ونكون من المؤمنين من الكاملين في الإيمان وعدم استلزام انتفاء التكذيب لهذا الإيمان بين ويومئ إلى هذا قول المصنف ﵀ من الكفر والمعاصي فافهم. قوله: (فيما وعدوا من أنفسهم (إشارة إلى دفع ما قيل التمني إنشاء والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب فكيف قيل لانهم لكاذبون فأجاب الزمخشرقي عنه بأنه بعض العدة فدخله ذلك باعتبار ما تضمنه كما تقول ليت لي مالًا فالأحسن إليك فلو رزق مالًا ولم يحسن إليه قيل إنه كذب عليه وصح أن يوصف بأنه كاذب، وقيل إنه ليس تكذيبًا للتمني بل ابتداء أخبار منه تعالى بأنّ ديدنهم وهجيراهم الكذب، وأمّا قول الربعي أنّ التمني يحتمل الصدق والكذب محتجًا بقوله:
مني أن يكن حقًا يكن أحسن المنى والاف! ل! ا! از! أر! را
لأنّ الحق بمعنى الصدق وهو ضدّ الباطل والكذب فلا يخفى ما فيه مع أنه لو سلم فهو مجاز أيضا والمصنف ﵀ اقتصر على أنّ الكذب عائد إليه باعتبار ما تضمنه من الخبر لظهوره إذ كل إنشاء يتضمن خبرا وهو المراد، وأمّا أن الوعد والوعيد هل هما من قبيل الخبر او من قبيل الإنشاء كما حقق في الأصول فإن كان مذهب المصنف ﵀ الأوّل فكلامه هنا وفيما سبق ظاهر، وإن كان عنده إنشاء كما ذهب إليه الأكثرون فاستدلوا بأنه يتمدح بخلف الرعيد كما قال الشاعر:
واني وان أوعدت " ووعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
ولو كان خبرًا لكان حنفه كذبا لا يتمدح به فمراده ما مز أو المراد بالكذب عدم الوفاء به
لا عدم مطابقته للواتع كما ذكره الراغب وأوّله به بعضهم هنا وفي قوله لما نهوا عنه إشارة أيضا إلى أن دأبهم العناد
[ ٤ / ٤٤ ]
واللجاج حتى لو نهوا عن الحق فعلوه. قوله: (عطف على لعادوا) قيل عليه انه استئناف أو عطف على أنهم لكاذبون لا على عادوا ولا على نهوا إذ حينئذ حق قوله وانهم لكاذبون أن يؤخر عن المعطوف أو يقدّم على المعطوف عليه وأشار إلى جوابه من تال وتوسط فرله وانهم لكاذبون لأنه اعتراض مسوق لتقرير ما أفادته الشرطية من كذبهم المخصوص، ولو أخر لأوهم أنّ المراد تكذيبهم في إنكارهم البعث والمعنى لو ردّوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا نمه، ولقالوا الخ، وقريب منه ما قيل فائدة التوسط المبادرة إلى تكذيبهم في وعدهم عقيب قوله ا! ادوا لما نهوا عنه مسوقا لرذ وعدهم، وقوله أو على أنهم لكاذبون أو على خبران وكذبهم حيمئذ غير مختص بما وعدوا أو خاص به وإذا عطف على نهوا فالعائد محذوف أي لما قالو.. موله: (الضمير للحياة الخ) أي للحياة المذكورة بعده، وهو كثير في كلامهم كقول المتنبي:
هو الجد حتى يفصل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
وقول المعرّي:
هو الهجر حتى ما يلمّ خيال
قال ابن مالك ﵀: الضمير يعود على متأخر لفظًا ورتبة في مواضع منها ضمير الشأن ويسمى ضمير المجهول والقصحة ومنها الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما والضمير المجرور برب العائد على تمييزه والمرفوع بأوّل المتنازعين على مذهب البصريين والضمير المجعول خبره مفسرأ له، كما هنا والضمير الذي أبدل منه مفسره نحو ضمربتهم قومك وفي هذا الأخير خلاف منهم من منعه ومنهم من أجازه وعليه أبو حيان في سورة البقرة واعترض على الزمخشري في تجويزه في غير هذه المواضع كما أجاز في قوله تعالى في الأحقاف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٢٤] كون الضمير راجعًا إلى عارضًا وهو حال أو تمييز وفي قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] عودهن إلى سبع إلا أن يكون مراده أن سبع سموات بدل لكنه يصير النظم غير مرتبط، وخالف هذا في شرحه على التسهيل، فقد عرفت وجه عود الضمير هنا على متأخر وأنه مختار النحاة وأمّا كونه ضمير شأن، فلا يتأتى على مذهب الجمهور لأنهم اشترطوا في خبره أن يكون جملة وخالفهم الكوفيون فيه كما في التسهيل قيل ويحتمل أنه عبارة عما في الذهن وهو الحياة والمعنى أن الحياة إلا حياتنا الدنيا وقيل هو ضمير القصة، ورذ بأنه لا يفسر بمفرد فإن قلت الكوفيون يجوّزون تفسيره بالمفرد فليكن هذا على مذهبهم قلت إن كان مذهبهم ذلك مطلقًا صح ما ذكرت وإن قيد المفرد بكونه عاملا عمل الفعل كاسم الفاعل ونحوه نحو أنه قائم زيد لأنه يسد مسذ الجملة لما فيه من الإسناد كما في الدر المصون فلا يصح لأنه مثل هو زيد، وقد قال إنه لا يجيزه أحد من النحاة وفيه نظر وما ذكره من الاحتمال بعيد جدًا أو المراد ليس في الأذهان إلا هذه الحياة المشاهدة كقولهم: ﴿مَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٩] . قوله:) مجاز عن الحبس! الما كان معنى الاستعلاء هنا غير متصوّر احتاج النظم إلى تقدير أو تجوّزوا لتجوّز إمّا في المفرد أو في الجملة على أنه استعارة تمثيلية وهو الأرجح عندهم وكلام المصنف ﵀ يحتملهما ولم يجعلوه كناية لأن المشهور-فيها اشتراط إمكان الحقيقة، وهي غير ممكنة هنا وبهذا بطل ما قال بعض الظاهرية من أن أهل القيامة يقفون بالقرب من الله تعالى في موقف الحساب. قوله: (وقيل معناه وقفوا على قضاء ربهم الخ) فهو من الوقوف بمعنى الاطلاع، وفيه مضاف مقدر وهو متعذ بعلى أيضًا فلا حاجة إلى التضمين وجعله من القلب كما توهم وقوله:) أو عرّفوه) من التفعيل بتشديد الراء والضمير لله ولا يلزم من حق التعريف حق المعرفة فلا يقال كيف هذا، وقد قيل ما عرفناك حق معرفتك وهو ظاهر وجوّز عود الضمير على القضاء أو الجزاء، فلا
إشكال وهو أيضًا من الوقوف بمعنى الاطلاع لكنه لازم كما قيل وهذا متعد فتأمّل، وما قيل إنه بمعنى عرفوه بصفات لم يعرفوها بلا تقدير لا يناسب المقام. قوله: (والإشارة إلى البعث وما يتبعه (فالإشارة إلى جميع ما ذكر لا العقاب وحده ولا دلالة في قوله فذوقوا على ذلك كما قيل وقوله: كأنه جواب قائل الخ إشارة إلى أنه استئناف بياني وجوّز فيه أن يكون حالًا. قوله: (بسبب كفرهم أو ببدله) إشارة إلى أن ما مصدرية ويجوز فيها أن تكون موصولة بتقدير العائد لكن ما ذهب إليه المصنف ﵀ أولى لعدم الاحتياج إلى التقدير سببية أو للتعويض كالدأخلة على الأثمان نحو اشتريت بكذا وكافأت إحسانه بضعفه على
[ ٤ / ٤٥ ]
إنه استعارة تبعية وبعضهم جعل الباء للمقابلة وكلام المصنف ﵀ يأباه لتغاير المقابلة، والبدلية كما في المغني لكنه قيل المقابلة أوفق بمذهب أهل السنة. قوله: (ولقاء الله البعث الخ (يعني أنه استعارة تمثيلية كما قال المصنف ﵀ في سورة العنكبوت إنه تمثيل لحاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد، وقد اطلع السيد على أحواله فإما أن يلقاه ببشر لما يرضى من أفعاله أو بسخط لما يسخط منها وفسره في العتكبوت بالجنة ومرّض ما هنا لأنه هنا مع منكري البعث وهناك عامّ، قيل روي عن عليّ ﵁ وكرّم وجهه أنه نظم أبياتا على وفق هذه الآية وفي معناها وهي:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا يحشر الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر أوصح قولي فالخسارعليكما
(قلت) لا أدري من أيهما أعجب الرواية أم الدراية فإنّ هذا الشعر لأبي العلاء المعري في ديوانه وهو:
قال المنجم والطبيب كلاهما ~ لا تبعث الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر ~ أو صح قولي فالخسار عليكما
أضحى التقى والشرّ يصطرعان في ~ الدنيا فأيهما أبرّ لديكما
طهرت ثوبي للصلاة وقبله ~ جسدي فأين الطهر من جسديكما
وذكرت ربي في ضميري مؤنسًا ~ خلدي بذاك فاوحشا خلديكما
وبكرت في البردين أبغي رحمة ~ منه ولا تريان في برديكما
إن لم تعد بيدي منافع بالذي ~ آتي فهل من عائد بيديكما
برد التقيّ وأن تهلهل نسجه ~ خير يعلم الله من برديكما
قال ابن السيد في شرحه: هذا منظوم مما روي عن عليّ رضي الله عته أنه قال لبعض من تشكك في البعث والآخرة إن كان الأمر كما تقول من أنه لا قيامة فقد تخلصنا جميعًا وان لم يكن الأمر كما تقول فقد تخلصنا، وهلكت فذكروا أنه ألزمه فرجع عن اعتقاده، وهذأ الكلام وان خرج مخرج الشك فإنما هو تقرير للمخاطب على خطابه وفلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه مع أنّ المناظر على ثقة من أمره، وهو نوع من أنواع الجدل، وقوله إليكما كلمة يراد بها الرح والزجر ومعناها كفا عما تقولان وحقيقته قولكما مصروف لكما لا حاجة لي به انتهى ومن له معرفة بقرض! الشعر يعلم أنه شعر مولد.
تنبيه: هذا النوع يسمى استدراجًا قال في المثل السائر الاستدراج نوع من البلاغة استخرجته من كتاب الله تعالى وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال يستدرج الخصم حتى ينقاد ويذعن وهو قريب من المغالطة وليس منها كقوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [صورة غافر، الآية: ٢٨] ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله إن يك كاذبا فكذبه عائد عليه، وأن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى فإنه نبي صادق فلا بد أن يصيبهم كل ما وعد به لا بعضه لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم لما فيه من الملاطفة في النصح بكلام منصف غير مشتط مشدّد أراهم إنه لم يعطه حقه ولم يتعصب له ويحامي عنه حتى لا ينفروا عنه ولذا قدم قوله كاذبًا ثم ختم بقوله إنّ الله لا يهدي الخ يعني أنه نبيّ على الهدى ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوّة وعضده، وفيه من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى انتهى. قوله: (لأن خسرانهم لا غاية له الخ) حمله الطيبي على أنه غاية للخسران على حد قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٨] أي إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة إلى يوم الدين فإذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه أي خسر المكذبون إلى قيام الساعة بأنواع من المحن والبلاء، فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران وذلك هو الخسران المبين، وفي الكشف ردًّا عليه لم يجعل من باب وانّ عليك لعنتي لأنّ الخسران الأشذ بعد قولهم ذلك حين استقرارهم في دار العذاب فلا وجه لجعله غاية
[ ٤ / ٤٦ ]
الخسران مبالغة وليس بوارد لأنّ جعله غاية للخسران المتعارف بقرينة المقام يفيد أن ما وقع بعده أشدّ وأفظع منه حتى كأنه جنس آخر، وهو يلاقي ما ذكره ولا ينافيه، وقد غفل عن هذا من تابعه وما ذكره الطيبي وجه بديع فتأمّله. قوله: (بغتة) في نصبه وجوه منها أنه حال بمعنى مبغوتين وقيل إنه منصوب على أنه مفعول مطلق من معناه كرجع القهقرى، وقيل بفعل مقدر من غير لفظه أي أتتهم بغتة، وقيل من لفظه والبغتة والفجأة مجيء شيء سرعة لم يكن منتظرا والساعة غلبت على يوم القيامة كالنجم للثريا، وسميت ساعة لقلتها بالنسبة لما بعدها من الخلود أو لسرعة الحساب فيها على الباري. قوله تعالى: ﴿*******فهذا أوانك﴾ تعالى بفتح اللام
وسكون الياء كما مرّ قال سيبويه: كأنه يقول أيتها الحسرة هذا أوانك، وقال أبو البقاء: معناه يا حسرة احضري هذا أوانك وهو مجاز معناه تنبيه أنفسهم لتذكر أسباب الحسرة لأنّ الحسرة لا تطلب ولا يتأتى إقبالها وإنما المعنى على المبالغة في ذلك حتى كأنهم ذهلوا فنادوها كقوله: ﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾ قيل والمقصود التنبيه على خطأ المنادي حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء قال الطيبي: وهذا أقرب من قول الزمخشري لسلامته عن السؤال ولأنّ قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ مقارن لهذا التحسر وهو لا يناسب إلا الحشر ويعني بالسؤال قوله فإن قلت أما يتحسرون عند موتهم، قلت لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدّماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها ولذلك قال رسول الله-يخي!: " من مات فقد قامت قيامته " (١) أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة ووجهه أنه جعل الغاية تذكر التحسر لا نفسه فلم يرد السؤال عليه رأسا ومن لم يتنبه لمراده ظن أنه أهمل ما ذكره الزمخشري وضمه إليه. قوله: (قصرنا الخ (ما مصدرية والتفريط التقصير فيما قدر على فعله وقال أبو عبيد: معناه التضييع وقال ابن بحر معناه السبق ومنه الفارط للسابق فالمفرط سبقه غيره للفعل فالتضعيف فيه للسلب. قوله: (في الحياة الدنيا الخ) الضمير راجع إلى الحياة المعلوم من السياق وقوله أضمرت، وان لم يجر ذكرها أورد عليه أنّ عدم الذكر في كلامهم مثترك بينها وبين الساعة وعدمه في كلامه تعالى ممنوع فيهما لما سبق آنفًا وذكر جواب العلامة في شرح الكشاف وهو أنّ القائلين هذا القول هم الناهون عن اتباعه ﷺ وهم كفار قريش، أو غيرهم فالحياة الدنيا مذكورة في قصة عن قوم آخرين وقد انتقل منها إلى قصة أخرى فلا يجوز عود الضمير منها إلى ما فرغ عنه بخلاف الساعة ولا يرد عليه كما توهم أنّ قول المصنف بعيد هذا وهو جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ينافيه لأنه لا مانع من ذكر مقالتين ثم التصريح بجواب إحداهما ألا تراه أظهر في الجواب، ولم يضمر لكونه كلامًا آخر نعم يرد عليه أنه إذا حكى كلامان لا مانع من أن يضمر في الآخر ما يعود إلى ما ذكر في الأوّل لأنهما باعتبار الحكاية كلام واحد، كما إذا قلت قال زيد أكرمت عمرا وقال بكر إنه أهانه ومثله كثير لا شبهة في صحته، ولك أن تقول! إن المراد إنها نكتة لا يلزم اطرادها فإن اعتبر المحكي أظهر وان اعتبرت الحكاية أضمر لا إنه يتعين الأوّل، وان كان قول الشارح لا يجوز يقتضي خلافه. قوله: (تمثيل الخ) الآصار جمع أصر كحمل لفظًا ومعنى والوزر أصل معناه الثقل أيضا ثم قيل
للذنوب أوزار وجعلها محمولة على الظهر استعارة تمثيلية وعلى الظهر بناء على المعتاد الأغلب كما في كسبت ًا يديكم إذ الكسب في أكثر بالأيدي وقيل حملها على الظهر حقيقة وانها تحسم لما روي في الحديث هنا: " إنه ليس من ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب دنسة فإذا ر! قال له: ما أقبح وجهك فيقول: كذا كان عملك قبيحا فيكون معه قي قبره فإذا بعث قال له: إني كنت في الدنيا أحملك باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، فيركب ظهره ويسوقه إلى النار " (١ (الحديث ولعل هذا تمثيل أيضا وقريب منه ما قيل، من قال بالميزان واعتقد وزن الأعمال لا يقول إنه تمثيل. قوله: (ألا ساء ما يزرون) ساء يحتمل هنا وجوها ثلاثة أحدها أن تكون المتعدية المتصرفة ووزنها فعل بفتح العين والمعنى ألا ساءهم ما يزرون وما موصولة أو مصدرية أو نكرة موصوفة فاعل له، الثاني أنها حوّلت إلى فعل بضم العين وأشربت معنى التعجب والمعنى ما أسوأ
[ ٤ / ٤٧ ]
الذي يزرونه، أو ما أسوأ وزرهم على اهـ مالي ما، والئالث أنها حوّلت أيضا للمبالغة في الذمّ فتساوي بئس في المعنى والأحكام، والكلام في ما كما في قوله بئس ما اشتروا والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه فيما قبله لا يشترط فيه ما يشترط في فاعل بض من الأحكام ولا هو جملة منعقدة من مبتدأ وخبر وإنما هو فعل وفاعل، والفرق بين هذين الوجهين والأوّل إنه متعدّ في الأوّل قاصر في هذين وإنه فيه خبر وفيهما إنثاء، واقتصر المصنف على أحدهما وقدر المخصوص بالمدح وذكر المولى ابن كمال اثنين منها فتوهم بعضهم أنه لم يفرق بينهما وهو الواهم لأنه قال المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئًا يزرون وزرهم أو الذي يزرونه، وجاء على وزن فعل متعديًا فتقديره ساءهم انتهى. قوله: (وما أعمالها إلا لعب ولهو الخ) أي ليست الأعمال المختصة بها إلا كاللعب واللهو في عدم النفع والثبات فخرج ما فيها من الأعمال الصالحة كالعبادة وما كان لضرورة المعاش، والكلام من التشبيه البليغ ولو لم يقدر مضاف وجعلت الدنيا نفسها لهوًا ولعبا مبالغة صح بقي هنا نكتة وهو أنه جمع اللهو واللعب في آيات فتارة قدم اللعب كما هنا وتارة قدم اللهو كما في العنكبوت فهل لهذا التفنن نكتة خاصة أم لا فأبدى بعضهم لذلك نكتة وزعم أنها من نتاتج أفكاره، وليس كما قال فإنها مذكورة في درة التأويل وهو أبو عذرته في هذا الفن، ومحصل ما ذكراه أنّ الفرق بين اللهو واللعب مع اشتراكهما في أنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل وبهمه من هوى أو طرب سواء كان حراما أم لا أنّ اللهو أعم من اللعب فكل لعب لهو ولا عكس فاستماع الملاهي لهو وليس بلعب، وقد فرقوا بينهما بأنّ اللعب ما قصد به تعجيل المسرة والاسترواح به واللهو كل ما شغل من هوى وطرب، وان لم يقصد به ذلك كما نقل عن أهل اللغة قالوا واللهو إذا أطلق فهو اجتلاب المسرة بالنساء كما قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسياسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
وقال قتادة اللهو في لغة اليمن المرأة، وقيل اللعب طلب المسرة والفرج بما لا يحسن أن يطلب به، واللهو صرف الهمّ بما لا يصلح أن يصرف به وقيل إن كان شغل أقبل عليه لزم الإعراض! عن كل ما سواه لأن من لا يشغله شأن عن شأن هو الله فإذأ أقبل على الباطل لزم الإعراض! عن الحق فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، وقيل العاقل المشتغل بشيء لا بد له من ترجيحه وتقديمه على غيره فإن قدمه من غير ترك للآخر فلعب وإن تركه ونسبه به فلهو فهذه وجوه أربعة في الفرق بينهما ما إذا عرفت هذا فهذا الكلام لما كان رذأ على الكفرة في إنكار الآخرة وحصر الحياة في الحياة الدنيا فهؤلاء طاعة داعي الجهل ليس لهم وفي اعتقادهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية قدم اللعب الدال على ذلك وتفم باللهو أو لما طلبوا الفرح بها وكان مطمح نظرهم وصرف الهم لازم وتابع له أو لما أقبلوا على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم قدم ما يدذ عليه، وعلى الأخير الاستغراق إنما يكون بعد التقديم فروعي فيه الترتيب الخارجي، وأفا في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها، ولذا ذكر اسم الإشارة المشعر بالتحقير وعقبت بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٤] والاشتغال باللهو مما يقصر به الزمان، وهو أدخل من اللعب فيه وأيام السرور فصار كما قال:
وليلة إحدى الليالي الزهر لم تك غير شفق وفجر
وينزل هذا على الوجوه في الفرق كما مر، وان أردت التفصيل فطالع درّة التنزيل.
قوله: (وخلوص منافعها) أي عن المضارّ والآلام وقوله تنبيه على أنّ الخ لما خص أعمال الآخرة بالمتقين وهي في مقابلة أعمال الدنيا التي هي لعب ولهو علم أن ما ليس من أعمال المتقين ليس من أعمال الآخرة بل من أعمال الدنيا وأعمال الدنيا لعب ولهو فما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو كذا أفاده النحرير ولزم منه بيان أنّ اللهو واللعب ما خالف أفعال المتقين، وترك بيانه لظهوره وعدم الاعتناء به فلا وجه لما قيل لو جعل المنبه
[ ٤ / ٤٨ ]
عليه عكس هذا أنّ اللهو واللعب ما ليس من أفعال المتقين كان أظهر. وقوله: (وقرأ ابن عامر ولدار الآخرة) بإضافة الموصوف للصفة ومن لم يجوّزه تأوّله بتقدير ولدار النشأة الاخرة ونحوه أو أجرى الصفة مجرى الاسم كما سيأتي تحقيقه في سورة يوسف. قوله: (أفلا يعقلون أيّ الأمرين خير) ضمير الجمع قال الواحدقي للمتقين وهو معنى قول المصنف
﵀ خطاب المخاطبين لأنهم المخاطبون في الحقيقة والاستفهام حينئذ ليس للإنكار بل للتنبيه والحث على التأمّل، وقيل إنّ معنى قوله على خطاب المخاطبين به أي الذين وجه الكلام إليهم وهم الذين قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا فالاستفهام للتقرير والتحقيق أو الإنكار وفيه التفات ويشمل غيرهم بعموم الخطاب والتغليب كما هو معروف، وقيل على قوله وهو جواب الخ إنهم ينكرون الآخرة وهذا يدل على ترجيحها ولا وجه لأن ترجيحها يرذ ما ادّعوه على أبلغ وجه كما لا يخفى واعلم أن اللهو له معنيان أحدهما الهزل والثاني صرف النفس عن أمر إلى غير. ومادتهما واحدة وهو واوفي، وقال المهدوي الأوّل لامه: واو، والثاني ياء بدليل قولهم لهيان في الثاني وردّه أبو حيان بأنّ اللام في التثنية تقلب ياء ألا ترى قولهم شجيان في شجى، وهو واوي من الشجو (أقول) ما قاله غير مسلم لأنّ الراغب إمام أهل اللغة قال: يقال لهوت ولهيت، وقال في الدرّ المصون كلام الراغب هو الذي غرّ المهدويّ، وهو غريب منه فلا تكن من الغافلين. قوله: (معنى قد زيادة الفعل وكثرته) وكثرة العلم بكثرة المعلوم فإن في ليحزنك ويقولون دلالة على الاستمرار التجدّدي والأصل الأغلب في قد أن تستعمل للتقليل، وفهمه ابن مالك من قول سيبويه وتكون قد بمنزلة ربما قال الهذليئ:
قد أترك القرن مصفرّآ أنامله كأن أثوابه محت بفرصاد
كأنه قال: ربما هذا نص كلامه.! قال ابن مالك: إطلاقه إنها بمنزلة ربما يوجب التسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضيئ، وهو الصحيح، واعترض عليه أبو حيان بأنّ سيبويه ﵀ لم يبين الجهة التي فيها قد بمنزلة ربما فلا يدل ذلك على التسوية وان كلامه يدل على التكثير لا التقليل لأنّ الإنسان لا يفخر بشيء يقع منه على سبيل القلة والندرة وإنما يفخر بما يقع منه على سبيل الكثرة فتكون قد بمنزلة ربما في التكثير انتهى. فأفاد أن قد في البيت للتكثير وأن كلام سيبويه ﵀ دالّ على التكثير كما فهمه عنه الزمخشري وغيره لا كما فهمه ابن مالك ومن تبعه (قلت (فقد علمت اختلافهم في مراد سيبويه ﵀ وفي قد في البيت وأنه محتمل للوجهين، والحق ما فهمه ابن مالك من أن مراده التقليل وانّ الشعر دليل عليه، فإن الفخر يقع بترك الشجاع قرنه وقد صبغت أثوابه بدمائه في بعض الأحيان وقول أبي حيان ﵀ إنّ الإنسان لا يفخر إلا بما يصدر منه كثيرًا غير مسلم، لأنّ ذلك فيما يكثر وقوعه، وأمّا ما يندر يفتخر بوقوعه نادرًا لأن قرن الشجاع لو غلبه كثيرآ لم يكن قرنا له، لأن القرن المقاوم المساوي المعارض فلفظ القرن يقتضي بحسب دقيق االنظر أنه لا يغلبه إلا قليلًا والا لم يكن قرنًا، ويتناقض أوّل الكلام وآخره ونحوه قول بعض النحاة في الردّ على من اسنشهد لتقليل قد يقولهم قد يجود البخيل ويصدق الكذوب بأن قد فيه للتحقيق لا للتقليل
والتقليل يستفاد من مجموع الكلام لا من قد فإنه إن لم يحمل على أنّ صدور ذلك لو كان كثيرًا فسد المعنى وناقض آخر الكلام أوّله وقيل إنها هنا للتحقيق، وقيل إنها للتقليل أي ما هم فيه أقل معلوماته، وإذا استعملت للتكثير فهل هو بطريق الوضع أو استعارة أحد الضدين للآخر قولان. قوله: (ولكنه قد يهلك المال نائله) هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها حصن ابن حذيفة بن بدر الفزاري أوّلها:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرّى أفراس الصبا ورواحله
وهي من جيد شعره ومنها:
فمن مثل حصن في الحروب ومثله لإنكارضيم أولخصم يجادله
أخوثقة لايهلك الخمرماله ولكنه قديهلك المال نائله
[ ٤ / ٤٩ ]
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولولم يكن في كفه غيرنفسه لجادبهافليتق الله سائله
قيل إنه يريد أنه جواد لا يسرف ولما كان السكر مظنة الإسراف خصه بالنفي، وقوله أخو
ثقة ظاهر في هذا المعنى وان خفي على من قال إنّ جوده ذاتيّ لا يحدث بالسكر، ثم لما كان الوصف بإفراط التوقي عن الإسراف المفهوم من ملازمة الثقة مظنة التفريط في الجود تداركه بقوله ولكنه الخ أي مال ذلك الممدوح يذهبه نائله أي عطاؤه يعني ما فيه من كمال الحزم وفرط الاحتياط قد يقتضي غلبة الجود على من طبعه عدم الإسرأف فعلى هذا قد على معناها الأصليّ، غير مستعارة لضدها كما في الكشاف وغيره.
(قلت) هذا تكلف يذهب رونق الشعر وماء الفصاحة والحق ما ذكره في الكشاف، وليس
معنى قوله أخو ثقة ما ذكره بل معناه إنه يثق به من يرجوه في الشدائد ويقصده في المضايق لأنه لا يخيب راجيا كما فسره به أئمة الأدب وشراح الحماسة فلا دلالة له على عدم الإسراف أصلًا ألا ترى قوله في قصيدة أخرى:
واذا سكرت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
واذا صحوت فما أقصرعن ندا وكما علمت شمائلي وتكرمي
قوله: (وقرئ الخ) هي قراءة نافع ﵀ وكلامه ﵀ لا يوهم أنها شاذة كما
توهم. قوله: (فإنهم لا يكذبونك في الحقيقة (لما كان ظاهر النظم كالمتناقض لأنّ جحود آيات الله المنزلة على النبيّ ﷺ المصدقة له تكذيب له فيما يدعيه من الشرائع وجهه في الكشاف بثلاثة أوجه الأوّل أنّ المراد بنفي تكذيبه استعظام تكذيبه، وأنه مما لا ينبغي أن يقع وجعله
تكذيبا لله تسلية لرسوله ﷺ، الثاني أن المراد نفي التكذيب القلبي واثبات اللساني، الثالث أنهم ليس قصدهم تكذيبك لأنك عندهم موسوم بالصدق وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياني، وهذا الوجه حكاه الكساتي وردّه الشريف المرتضى بأنه لا يجوز أن يصذقو. في نفسه، ويكذبوا ما أتى به لأنّ من المعلوم أنه ع! ييلى كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه وأنه الدين القيم والحق الذي لا يجوز العدول عنه فكيف يجوز أن يكون صداقا في خبره ويكون الذي أتى به فاسدًا بل إن كان صادقًا فالذي أتى به صحيح وإن كان الذي أتى به فاسدًا فلا بد أن يكون كاذبا فيه، وهذا تأويل من لم يحقق المعاني وسيأتي ما يؤخذ منه جوابه فتدبر وقيل إنهم لا يكذبونك فيما وافق كتبهم وان كذبوك في غيره وقيل جميعهم لا يكذبونك وان كذبك بعضهم وهم الظالمون المذكورون في هذه الآية فلا يكون من وضع الظاهر موضع المضمر وقيل لا يكذبونك كذبا ضارًّا لك وقال الطيبيّ الوجه هو الأوّل لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٤] فإنه تسلية له ﷺ فلا يناسب الوجهين الأخيرين، وفيه نظر وقوله في الحقيقة في شرح الهداية هذه العبارة تستعمل عند المحصلين فيما إذا دلّ لفظ بظاهره على معنى إذا نظر إليه يؤول إلى معنى آخر، والمراد بقوله في الحقيقة أن تكذيبهم إنما هو لي فهو كما في الوجه الثالث ويكون ما روي مؤيدًا له لا وجها آخر وان كان معناه لا يعتقدون كذبك في الباطن فهو جواب آخر وكلامه محتمل لهما كما سيأتي بل ربما ينزل على الوجوه كلها ويكون هذا من إيجازه البديع كما هو عادته، وقوله: (روي الخ) تأييد لما في ضمنه فإن حمل على ظاهره يكون اقتصر على أحد الأجوبة لأنّ بعضها الأخر غير مرضيّ له أو غير مغاير له من كل الوجوه ففيه ردّ على الكشاف وسلوك طريق آخر وهو الظاهر فكلامه محتمل لوجوه من التخريج فتدبر، والفاء للتعليل فإنّ قوله قد نعلم الخ بمعنى لا تحزن كما يقال في مقام المنع والزجر نعلم ما تفعل، ووجه التعليل في تسليته له ﷺ بأن التكذيب في الحقيقة لي وأنا الحليم الصبور فتخلق بأخلاقي، ويحتمل أن يكون المعنى إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لي فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهمّ وأعظم. قوله: (يجحدون بآيات الله ويكذبونها) وفي نسخة يكذبونه والجحد كالجحود نفي ما في القلب ثباته أو إثبات ما في القلب نفيه، وقيل: الجحد إنكار المعرفة، فليس مرادفا
[ ٤ / ٥٠ ]
للنفي من كل وجه وقدر التضمين بالعطف، وهو أحد طرقه كما قدروه في الرفث إلى نسائكم بالرفث والإفضاء وليس طريقة منحصرة في الحالية، كما يتوهم وقد مرّ تحقيقه لكنه كان الأظهر أن يقول ويكذبون بها كما في بعض النسخ، ألا ترى إلى قوله والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب ولذا قيل حق التعبير ولكنهم يجحدون آياتنا مكذبين بها لتعدي الجحد بنفسه، وحص ن المضمر حالًا صلته الباء وليس متعينا كما عرفت، وقيل عليه أيضًا أن الجحد يتعدى بنفسه وبالباء كالتكذيب وهو ظاهر كلام الجوهري، والراغب فإنه قال يقال جحده حقه
وبحقه، وكذب وأكذب معنى عند الجمهور وقال الكساتي: العرب تقول كذبته بالتشديد إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دونه، ويقولون أيضا أكذبته إذا وجدته كاذبا كأحمدته إذا وجدته محمودا، وإليه أشار المصنف ﵀ وقوله: (روي أنّ أبا جهل الخ) هذا الحديث (١ (أخرجه الترمذي والحاكم عن عليّ كرم الله وجهه وصححاه، وهذا إشارة إلى وجه آخر كما في الكشاف وهو الذي حمل الكسائيّ على تفسيره السابق وقيل ليس هذا إشارة إلى وجه وذاك إلى آخر كما يوهمه النظر في الكشاف والا فالوجه إيراده بالواو، وحاصل المعنى أنهم لا يكذبونك في نفس الأمر لأنهم يقولون إنك صادق ولكن يتوهمون أنه اعترى عقلك نوع خلل فخيل إليك أنك نبي وليس الأمر بذاك وما جئت به ليس بحق، أو مراده كما قال الطيبيّ ﵀: إنك لا تكذب لأنك الصادق الأمين ولكن ما جئت به سحر، ومنه علم جواب ما مرّ عن علم الهدي المرتضى. قوله: (للدّلالة الخ (الظاهر أنّ مراده أنّ الظلم إمّا مطلق فيفيد أنّ الظلم دأبهم وديدنهم وأنه علة الجحود لأنّ التعليق بالمشتق يفيد علية المأخذ كما يفهم من قولك الجواد يقري الضيف أنّ سبب قراه الجود، وان أريد ظلمهم المخصوص فهو غير الجحود وواقع به نحو ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فيكون المبتدأ مشيرًا إلى وجه بناء الخبر كقوله:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول
وقيل إنه يشير إلى أن اللام إمّا موصولة واسم الفاعل بمعنى الحدوث فيفيد الكلام سببية الجحد للظلم أو حرف تعريف واسم الفاعل بمعنى الثبوت فيفيد سببية الظلم للجعد انتهى وفيه نظر. قوله: (وفيه دليل الخ) كما صزح به في الآية الأخرى وهي وأن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فما هنا كقول السيد لغلامه إذا أهين أنهم لم يهينوك وإنما أهانوني، وهذا يبين معنى قوله في الحقيقة السابق وليس وجها آخر كما توهم، وقيل المراد بقوله: لا يكذبونك في السر وقوله على تكذيبهم وايذائهم إشارة إلى أن ما مصدرية وأو ذوا عطف على كذبت أو كذبوا أو على صبروا، والإيذاء بصيغة الأفعال بمعنى الأذى أثبته الراغب وصاحب المصباح المنير،
وقوله في القاموس: أذاه أذى ولا تقل إيذاء خطأ والذي غرّه ترك الجوهريّ وغيره له وهو وسائر أهل اللغة لا يذكرون المصادر القياسية لعدم الاحتياج إلى ذكرها وقوله: (بوعد) كان الظاهر أن يقول بدله إلى وعد. قوله: (ولقد جاءك من نبأ المرسلين أي من قصصهم) القصص هنا كالنبأ لفظًا ومعنى ويصح أن يكون جمعا وفاعل جاء قال الفارسيّ هو نبأ ومن زائدة وهو على مذصب الأخفش المجوّز لزيادة من في الإثبات وقبل المعرفة وأيضا ليس المعنى على العموم بل المراد بعض نبئهم لقوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [سورة غافر، الآية: ٧٨]، والصحيح أنّ فاعله ضمير مستتر تقديره هو أي النبأ أو البيان لا أنّ الفاعل محذوف وهذا صفته أي نبأ من نبأ المرسلين لأنّ الفاعل لا يجوز حذفه هنا ورجح أبو حيان عوده على ما دلّ عليه الكلام السابق من تكذيب الرسل وإيذائهم وضرّهم وهو بعض أنبائهم ومن نبا حال من الضمير المستتر، والزمخشري فسره بقوله بعض أنبائهم وهو تفسير معنى لا إعراب وقيل إعراب لأنّ الحرف عنده يكون مسندًا إليه إذا أوّل باسم كما جعل من مبتدأ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ [سورة البقرة: الآية: ٨] وقد مرّ تحقيقه وقوله فتأسق من الأسوة أي اقتد بهم، وفسر الكلمة بالوعد وهو ظاهر وكابدوا بالموحدة بمعنى قاسوا. قوله: (وإن كان كبر) هذا شرط جوابه الفاء الداخلة على الشرط الثاني وجواب الثاني محذوف تقديره فافعل وجعل الشرط الثاني وجوابه جوابًا للاوّل
[ ٤ / ٥١ ]
كما أوضحه المصنف ﵀ قال النحرير: وإنما أتى بلفظ كان ليبقى الشرط على المضيّ ولا ينقلب مستقبلًا لأنّ كان لقوّة دلالته على المضيّ لا تقبله إن للاستقبال بخلاف سائر الأفعال وهو مذهب المبزد والنحاة تؤوّله بتبين وظهر ونحوه. قوله: (فإن استطعت أن تبتغي نفقًا الخ) النفق السرب النافذ في الأرض وأصل معناه حجر اليربوع ومنه النافقاء لأحد منافذه ومنه أخذ النفاق، وقوله: (فتطلع لهم آية) وقد يجعل نفس النفوذ في الأرض والصعود إلى السماء آية ولم يرتضه المصنف ﵀ هذا وقد ردّه أبو حيان ﵀ بأنه لا يظهر من دلالة اللفظ إذ لو كان كذلك لكان التركيب فتأتيهم بذلك آية وأيضًا فأي آية في دخول سرب في الأرض! أمّا الرقيّ إلى السماء فيكون آية. قوله: (صفة لسلما الخ) فسر هذا وما بعده بأنّ المراد في شأنها وأمرها، وقيل لا يصح أن يكون من قبيل رميت الصيد في الحرم إذا كان خارجا عن الحرم كما توهمه النحرير والموهم وأهم لأنه لا معنى لسكون السلم في شأن السماء والنفق في شأن الأرض! بل المراد الظرفية الحقيقية،
وقوله لو قدر إشارة إلى أنّ أن بمعنى لو ليؤذن بأنّ فيه تعليق إسلام قومه بالمحال وأن الشرط لم يخرج عن المضيّ كما مرّ. قوله: (وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره فافعل) قيل من الجائز أن يعبر عن هذا المحذوف تارة بالخبر وتارة أخرى بالإنشاء وفيه وجوه ثلاثة، أحدها أنّ المقدر أتيت بصيغة الخبر وينبئ عنه قوله لأتى بها لأنه جعل إن بمعنى لو ليؤذن بأن فيه تعليق إسلامهم بالمحال أي بلغت من حرصك على إيمانهم بحيث لو قدرت أن تأني بالمحال أتيت به والمراد المبالغة فيه، وئانيها تقدير فافعل أمرًا وفيه نوع توبيخ وحاصله بيان حرصه على تأتي مطلوبهم واقتراحهم على أبلغ وجه لأنه إذا وبخه على طلب ما اقترحوه تعريضا كان توبيخهم أجدر وأنسب بقوله فلا تكونن من الجاهلين لصراحته في التعريض، وثالثها لفعلت على أنّ نفس ابتغاء النفق والسلم آية. قوله: (ولو شاء الله لجمعهم الخ) يشير إلى تفسير الآية على مذهب أهل السنة القائلين بعدم جواز تخلف الإرادة الإلهية عن المراد ومفعول شاء محذوف وهو جمعهم على الهدى والآية دليل ظاهر لهم والمعتزلة أوّلوها بأنّ المراد منها لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة فالذي لم يتخلف هنا المشيئة القسرية لا مطلق المشيئة وهذا مراد من حمل المشيئة على مشيئة القسر خلافا لمن ظن مغايرتهما. قوله: (من الجاهلين بالحر ع على ما لا يكون) قيل لما أعلم الله نبيه ﷺ أنه لا يتعلق بمايمانهم مشيئة نهاه عن كونه معدودًا من زمرة الجاهلين بالحرص عليه ولا شك في وقوع الحرص منه لمج! قبل هذا فليس النهي من قبيل ولا تطع الكافرين وهو ردّ لما في شرح الكشاف، وليس بصواب فإنّ الزمخشري فسره بالذين يجهلون ذلك ويرومون خلافه فقيد الجهل بهذا الحكم وهو أنه لا يجمعهم على الهدى على مثل هذه الحالة كما أنّ قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤٨]، لا يدل على أنه ﵊ أطاعهم وقبل دينهم والمقصود لا ينبغي أن يكبر عليك إعراضهم والأقرب حالك من حال الجاهلين والمصنف ﵀ سلك مسلكا آخر لم يحتج فيه إلى هذا وقد بين الفرق بين مسلكيهما في بعض الحواشي فلا معنى لخلط أحدهما بالآخر، ثم إنه لم يقل لا تكن جاهلًا بل من قوم ينسبون إلى الجهل تعظيمًا لنبيه جم! هـ بأن لم يسند الجهل إليه للمبالغة في نفيه عنه وفي كلامهم إشارة إليه. قوله: (بالحرص الخ) عدل عن قول الزمخشري
الذين يجهلون ذلك أي يجهلون أن لا يفعل ذلك لخروجه عن الحكمة فإنه رمز إلى مذهبه. قوله: (إنما يجيب الخ) احتج ابن قتيبة في أدب الكاذب بقول الغنوي:
وداع دعايا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
على أنه يقال استجبتك بمعنى استجبت لك، ولذأ قال يعقوب يمكن أن يريد فلم يجبه،
ويدل عليه أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب، فيكون أجرى استفعل مجرى أفعل كما قالوا استخلصه بمعنى أخلصه واستوقد بمعنى أوقد ومنهم من فرق بينهما بأنّ استجاب يدل على قبول ما طلب منه وأجاب أعثم من ذلك. قوله: (بفهم وتأمّل) فالمراد بالسماع فرده الكامل وهو سماع فهم وتأمّل بجعل ما عداه كلا سماع وتوله:
[ ٤ / ٥٢ ]
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٦] في الكشاف هو مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ثم إليه يرجعون للجزاء، فكان قادرًا على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، وقيل معناه وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون وأمّا قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم، وهما وجهان: الأوّل أنّ المعنى حال قدرته خاصة على إلجائهم إلى الاستجابة كحال قدرته خاصة على بعث الموتى من القبور لكن على هذا ليس لقوله: ثم إليه يرجعون كبير دخل في التمثيل إلا أن يراد أنه إشارة إلى ما ترتب على الاستجابة من الآثار في الدنيا والآخرة، والثاني الموتى فيه مجاز عن الكفرة تشبيها لكفرهم وجهلهم بالموت فيكون استعارة تبعية كما قيل:
لايعجبن الجهول بزته فذاك ميت ثيابه كفن
وعلى الأوّل فالمفردات على حقائقها، وكلام المصنف محتمل فيحتمل أنه يريد الأوّل ويكون قوله فيعلمهم مرتب عليه بناء على أنه عند الآية الملجئة لا ينفع الإيمان كما مرّ، ويحتمل الثاني أيضا أي الكفرة يعلمهم حيث لا ينفعهم الإيمان، وقوله كالموتى ظاهر فيه، وذلك إمّا عند الموت أو عند الحشر وخص العلم الثاني لأنه أقوى ولأنه الدّي يترتب عليه الجزاء ا! بر من الخلود في العذاب الأليم فلا يرد عليه ما قيل أنّ إعلام الله إياهم ليس بعد البعث بل حين الموت، وقيل المعنى، وهؤلاء الكفرة يبعثهم الله في شركهم حتى يؤمنوا بك عند حضور الموت في حال الإلجاء ذكره القرطبي نقلا عن الحسن ﵀ فقوله فيعلمهم الخ تفسير والفاء تدخل على المفسر لأنه بعد المفسر في الذكر والرتبة ولا يخفى أنّ البعث على هذا بمعناه اللغوي وليس في كلام المصنف ﵀ إشارة إليه فحمل كلامه عليه تكلف بعيد، وقيل بعثهم هدايتهم إلى الإيمان وفيه رمز إلى أنّ هدايتهم كبعث الموتى فلا يقدر عليه إلا الله ففيه إقناط للرسول ﷺ عن إيمانهم، وقوله: للجزاء إشارة إلى انّ الإرجاع عبارة عن الجزاء. قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قيل مع كثرة ما أنزل عليه من الآيات لعدم اعتدادهم
بها عنادًا كأنه لم ينزل عليه شيء أو آية مما اقترحوه، وهو رذ لمن أخذه مقابلا لها فلا يلزم أن يكون مساويا لها حتى تصح المقابلة. قوله: (آية مما اقترحوه الخ) دفع لما يشعر به من عدم تنزيل آية وتسليم ذلك اذعاء أنه مقدور له لكن لم يقع لعدم المشيئة بناء على الصارف، ووجه الدفع أن ما ذكروا عناد، أو المذكور في الجواب محمول على الآية الملجئة أو المعقبة للعذاب، ولا يخفى أنّ الجواب حينئذ لا يكون مطابقًا للسؤال إلا أن يحمل على الأسلوب الحكيم، وقيل عليه عدم اعتدادهم بالمنزلة استدعاء للملجئة ومن لوازم جحد الملجئة الهلاك على عادته تعالى فالمطابقة ظاهرة وبهذا ظهر أن قوله أو آية إن جحدوها هلكوا ليس وجها مغايرا لما قبله، ولا يخفى أنه غير وارد، أما الأوّل فلأنه لا يلزم من عدم الاعتداد عنادأ وتعنتا طلب الملجئ إذ يجوز أن يكون لطلب غير الحاصل مما لا يلجئ لجاجا وعنادأ فالجواب بالملجئ حيحئذ يكودط من الأسلوب الحكيم، أو يكون جوابًا بما يستلزم مطلوبهم بطريق أقوى، وهو أبلغ نعم ما ذكره له وجه وأما ما ذكره من عدم التغاير فينافيه العطف بأوفى كلام المصنف فالظاهر أنّ الآية الأولى ما يكون مهلكا بنفسه إن ليم يؤمنوا كالجبل المرفوع عليهم والثانية ما لم يمكن جحده وإن لم يكن مهلكًا بنفسه، وقوله أن الله بفتح الهمزة وفيه إشارة إلى مفعول علم المقدر واستجلاب البلاء شامل للتأويلين في الآية، وقوله والمعنى واحد لأنه لم ينظر هنا إلى التدريج وعدمه فلا ينافي أنه فرق بينهما في غير هذا المقام. قوله: (تدب على وجهها (بالدال المهملة إشارة إلى أنّ المراد به معناها اللغوي لا العرفي وخرج بقوله على وجهها ما يدب في جوفها ولو أبقى على عمومه كان أولى. قوله: (يطير بجناحيه) هو تصوير لتلك الهيئة الغريبة الدالة على القوّة الباهرة والمقام مقام بيان كمال قدرته، وتوله: بالرفع والعموم يستفاد حينئذ من الوصف فقط، وقوله في الهواء ممدود ومن ظنه مقصورًا فقدوهم. قوله: (وصف به الخ) للقوم كلام في أنّ هذا من قبيل الصفة أو التأكيد أو عطف البيان قال النحرير: والأوّل هو الوجه ولا ينافيه كونه يفيد التأكيد كما في قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥١]
[ ٤ / ٥٣ ]
ونفخة واحدة وأمس الدابر وغيره وليس بين النحاة وأهل المعاني خلاف فيه كما قاله الطيبي، وقوله في التقريب أنهما صفتان دلالتهما على التخصيص أولى من التعميم ليس بشيء لأنّ التوكيد لا ينافي كونهما صفتين كما ذكرنا مع أنّ التعميم نوع من التخصيص كما صرّح به الطيبي وهو منزع حسن. قوله: (قطعًا لمجاز السرعة ونحوها) اختار بعض
المتأخرين أنّ وجه ذكره تصوير تلك الهيئة الغريبة الدالة على كمال القوّة والقدرة قال وقيل إنه لقطع مجاز السرعة، وقيل للتعميم ويرد عليهما إنه لو قيل ولا طائر في السماء لكان أخصر، وفي إفادة ذينك الأمرين من أظهر مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينتين بذكر جهة العلوّ في إحداهما وجهة السفل في الأخرى، ورذ بأنه لو قيل في السماء يطير بجناحيه لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء، ثم إنّ قصد التصوير لا ينافي قطع المجاز والتعميم إذ لا مانع من إرادتها جميعا، وقطع مجاز الى ش عة لأنّ الطير أن يستعمل بمعنى السرعة كثيرًا كما أنّ الطائر يستعمل مجازًا للعمل والنصيب كقوله طائره في عنقه فلما أكد ارتفع احتمال المجاز، وأما احتمال التجوّز وأنّ هذا ترشيح للمجاز فبعيد لا يلتفت إليه بدون قرينة ولم يذكر هذا في مقابله للإشارة إليه بقوله تدب الخ ولأنه يعلم بالعناية إليه ولأنّ التأكيد في هذا أظهر لكونه من لفظه مع ما ضم إليه من قوله بجناحيه، ولما كان المقصود من ذكرهما الدلالة على قدرته ببيان ما يعرفونه، ويشاهدونه من هذين الجنسين وشمول قدرته لهما وعلمه كان غيرهما غير مقصود بالبيان، ومن لم ينتبه لهذا ذكر هنا خرافات كاعتراضه بأنّ أمثال حيتان البحر خارجة عنهما وأجاب بإدخالها تارة في القسم الأوّل، لأنها تدب في الماء ودفعه بأن وصفه في الأرض ينافيه ورذه بأنّ المراد بها جهة السفل، ومقابل السماء وأخرى بإدخالها في الثاني لأنها تسبح في الماء كالسبح في الهواء وردّه بأنّ قوله يطير بجناحيه يدفعه وهذا كله مما ينزه عنه ساحة التنزيل ويبرأ منه لسان القلم لكنه ربما رآه خالي الذهن فظته شيئًا ومنهم من أورد العنكبوت، وأجاب عنه بما هو أوهى من بيوته. قوله: (أمثالكم) فإن قلت كيف يصح القصد إلى العموم الذي يفيده الوصف مع وجوب خروج المشبه به عنه قلت القصد أوّلًا إلى العامّ والمشبه به في حكم المستثنى بقرينة التشبيه كأنه قيل ما من واحد من إفراد هذين الجنسين بعمومها سواكم إلا أمم أمثالكم، ولك أن تدعي دخوله بوجه يظهر بالتأمّل، وقوله: (محفوظة الخ) يستفاد من التشبيه وقوله والمقصود الخ لأنه دال على ضبط أحوال المخلوقات وعدم إهمال شيء منها وهو يقتضي شمول القدرة وسعة العلم كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [سورة هود، الآية: ٦، وقال الإمام المقصود أنّ عناية الله لما كانت حاصلة لهذه الحيوانات فلو كان إظهار آية ملجئة مصلحة ما مغ عن إظهارها وهذا معنى قول المصنف كالدليل الخ، وقيل إنها دليل على أنه قادر على البعث والحشر والأوّل أنسب، وفي رسالة المعاد لأبي عليّ قال المعترفون بالشريعة من أهل التناسخ إنه تعالى قال وما من دابة الآية وهذا هو الحكم الجزم بأنّ الحيوانات الغير الناطقة أمثالنا وليسوا أمثالنا بالفعل بل بالقوّة فجوّزوا حلول النفس الإنسانية في غيره وهو مذهب فاسد ودليل كاسد. قوله:) وجمع
الأمم للحمل على المعنى) أي معنى الجمعية المستفاد من العموم، وذصب السكاير إلى أنّ الوصف المذكور دال على أنه أريد بهما الجنس دون الإفراد، ولذلك قال إنّ القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو إلى الجنسين تقريرًا له على معناه الأصلي وتجريدًا عما عرض له في الاستعمال باعتبار التنوين والتنكير وإذا كان القصد منهما إلى الجنسين، فلا إشكال في الأخبار عنهما بقوله إلا أمم أمثالكم، كأنه قيل وما من جنس من هذين الجنسين إلا أمم ولا شك أنّ الجنس مفهوم واحد فلا يتصوّر حينئذ كون الوصف مفيد الزيادة التعميم، وفي الكشاف المقصود بهذين الوصفين زيادة التعميم والإحاطة كأنه قيل وما من دابة قط في جميع الأرضين السبع وما من طائر قط في جوّ السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم قال الشريف قدس سرّه: توجيهه أنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم لكن جاز أن يراد بها دواب أرض واحدة أو طيور جوّ واحد فيكون استغراقًا عرفيا فلما ذكر
[ ٤ / ٥٤ ]
وصفان نسبتهما إلى دواب أفي أرض وطيور أي جوّ على السواء اتضح أنّ الاستغراق حقيقي يتناول دواب جميع الأرضين وطيور جميع الآفاق فظهر أنّ الوصفين يفيدان زيادة التعميم والإحاطة لكن يرد عليه أن النكرة المفردة في سياق النفي تدل على كل فرد فرد فلا يصح الإخبار عنها بقوله أمم وكدّا لا يصح ذلك الأخبار، وان أريد بتلك النكرة النوع لأنّ كل نوع أمّة لا أمم وجوابه أنّ النكرة هاهنا محمولة على المجموع من حيث هو بقرينة الخبر، والى السؤال والجواب أشار في الكشاف وعليه المصنف أيضًا وبهذا التقرير تبين أنّ كلام الشيخين ليس بمتحد كما ذهب إليه كثير من شراح الكشاف وذهب فرقة منهم كالنحرير وصاحب الكشف إلى اتحادهما وأيده الفاضل الحفيد فقال وأنت خبير بأنّ زيادة من الاستغراقية لتأكيد العموم فيما يدخل عليه والإحاطة بأفراده نصا بحيث لا يحتمل غير ذلك عند أهل العربية جميعًا مع أنّ سوق الآية لبيان شمول قدرته لكل فرد للدابة والطائر كشمولها لإفراد الإنسان بلا تفاوت فمن حمل الوصف على بيان الجنس لم يرد الجنس مع عدم الصلوح للفردية بل قصد أنّ خصوص فرد أو نوع غير مقصود بل المقصود الجنس في جميع الإفراد إذ الوصف لا يختص بفرد أو نوع فالاستغراق حقيقيّ لا عرفيّ فبالضرورة مآل التوجيهين واحد بالإنصاف انتهى. وهو حق لا مرية فيه إلا مكابرة، ثم إنه بقي في كلام الشريف نظر من وجوه، الأوّل إنه ذكر أثي المراد من الجنس الماهية وإنه أمر واحد ثم ذكر إنه لا إشكالى في جمعية الخبر وهذان معنيان متنافيان مع أنّ دخول من يمنع من إرادة الماهية ولما استشعر هذا قال من متعلقه بالجنسية لا بكل واحد واحد وهو تكلف، الثاني أنه أورد على الزمخشري أنّ النكرة المفردة في سياق النفي تدلّ على كل فرد فرد وسلمه وهو وارد على السكاكي أيضا فكيف يخصه بمذهب الزمخشري، الثالث إنه قال إنّ النكرة هنا محمولة على المجموع من حيث هو، فإن أراد أنه لازم له فهو صحيح على المسلكين والا فكلام الزمخشري ناطق بخلافه، وهذا تحقيق المقام بما لا مزيد عليه وقد اغترّ بعضهم بكلام الشريف هنا فوقع فيما
وقع، وفي البحر الكبير أنّ هذا يقتضي أنه يجوز أن يقال لا رجل قائمون والقياس لا يأباه إلا أنه لم يرد إلا مع الفصل بينهما وهو كلام حسن. قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ التفريط التقصير وأصله أن يتعدّى بفي وقد ضمن هنا معنى أغفلنا وتركنا فمن شيء في موضع المفعول به ومن زائدة والمعنى ما تركنا في الكتاب شيئًا يحتاج إليه من دلائل الألوهية والتكاليف ويبعد جعل من تبعيضية والتقدير ما فرّطنا في الكتاب بعض شيء وان جوّزه بعضهم، هذا ما ارتضاه أبو حيان والزمخشرفي وعدل عنه المصنف ﵀ لأنه لا يتعذى فجعل التقدير تفريطا فحذف المصدر وأقيم شيئا مقامه وتغ فيه أبا البقاء ﵀ إذا اختار هذا وقال أنّ المعنى عليه لا على غيره فلا يبقى في الآية حجة لمن ظن أنّ الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء، ونظيره لا يضرّكم كيدهم شيئا أي ضيرا، وأورد عليه في الملتقط أنه ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط النفي على المصدر كان منفيًا على جهة العموم ويلزمه نفي أنواع المصدر ونفي جميع أفراده وليس بشيء لأنه يريد أنّ المعنى حينئذ أن جميع أنواع التفريط منفية عن القرآن وهو مما لا شبهة فيه ولا يلزمه أن يذكر فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر حتى يحتاج إلى التأويل فقول المصنف ﵀ من أمر الدين الخ إشارة إلى التأويل لا حاجة إليه مع اختيار هذا الوجه كما إن نفي تعديه لا يضرّ من قال إنه مفعول به على التضمين كما مرّ، وأمّا ما قيل إن فرط يتعذى بنفسه لما وقع في القاموس فرط الشيء وفرط فيه تفريطا ضيعه وقدّم العجز فيه وقصر فلا نسلم أنه يتعدى بنفسه وتفرد صاحب القاموس بأمر لا يسمع في مقابلة الزمخشري وغيره مع أنه يحتمل أنّ تعديته المذكورة فيه ليست وضعية بل مجازية أو بطريق التضمين المذكور، وقرئ " فرطنا! بالتخفيف وهو والمشدد بمعنى واحد، وقال أبو العباس: معنى فرطنا المخفف أخرنا كما قالوا فرط الله عنك المرض أي أزاله، وقوله:) أمر حيوان أو جماد (دخل فيه النبات لأنه جماد وإدخاله في الحيوان لنموه تعسف على أن مثله يراد به التعميم كثيرًا، وقوله: (أو القرآن) قيل هو لا يلائم ما قبله وما بعده ويدفع بأنّ المعنى لم نترك شيئًا من الحجج وغيرها إلا ذكرناه فكيف
[ ٤ / ٥٥ ]
يحتاج إلى آية أخرى مما اقترحوه ويكذب بآياتنا فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا شبهة. قوله: (مفصلاَ أو مجملاَ) يشير إلى أنّ ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن لإشارته بنحو قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٢] إلى القياس وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أسورة الحشر، الآية: ٧] إلى السنة بل قيل إنه بهذه الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه كما سأل بعض الملحدين بعضهم عن طبخ الحلوى أين ذكر في القرآن فقال في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٧] وقوله: وقد عدى بفي يعني فلا ينصب مفعولًا به، وليس مراده أنه كيف يتعلق به المجرور بها وبحرف
بمعناها مرّة أخرى لأنه لا يدلّ عليه الكلام حتى يصحح بأنه من قبيل أكلت من بستانك من العنب كما توهم. قوله:) ثم إلى ربهم يحشرون يعني الأمم كلها) إن كان المراد بالأمم ما ذكر في النظم وهم من سوى الناس لجعلها أمثالًا لهم المستلزم للمغايرة، كما مرّت الإشارة إليه فضمير العقلاء لإجرائهم مجراهم في الحساب والحشر ولا يلزم تعميم الدابة وإلا لزم جعلهم مثالًا لأنفسهم، وان رجع إلى ذلك باعتبار إطلاقه صح، ويكون الجمع للتغليب، ويكون قوله كما روي الخ بيانًا لإنصاف غير الناس بعضهم من بعض فإنه المحتاج للبيان، وما قيل بعد تعميم ضمير يحشرون المقصود إن من يضبط أحوال الدواب وأعمالها فينصف بعضها كما روي إنه يأخذ للجماء من القرناء (١ (ويجازيها كيف يهملكم سدى يريد به مآل الآية ومحصلها فلا يرد عليه أنّ أوّل كلامه يناقض آخره فتأمّل، وهو حديث صحيح رواه الشيخان. قوله:) فينصف بعضها من بعض) ترك قول الزمخشري فيعوّضها وينصف بعضها من بعض لابتنائه على مذهبه من أنّ التعويض لا يختص بالمكلفين والمختص الثواب، وهو منفعة مستحقة دائمة على وجه التعظيم والعوض منفعة مستحقة غير دائمة ولا مقترنة بالتعظيم فالحديث عنده استشهاد للتعويض والاتصاف جميعا، وبعضهم جعله للإنصاف فقط، وقوله: (للجماء الخ) الجماء التي لا قرن لها في رأسها ضد القرناء، وهو إشارة إلى حديث مسلم لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، قال ابن المنير ﵀: وليس هذا جزاء تكليف، ومن ذهب إلى أنّ البهائم والهوام مكلفة لها رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعوّل عليهم كالجاحظ، وقوله: (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) يعني أنّ قوله إلى ربهم يحشرون مجموعة مستعار على سبيل التمثيا! للموت كما ورد في الحديث: " من مات فقد تامت قيامته ") ٢ (فلا يرد عليه أنّ الحشر بعث من مكان إلى آخر، وتعديته بإلى تنصيص على أنه لم يرد به الموت مع أن في الموت أيضا نقلًا من الدنيا إلى الآخرة. قوله: (لا يسمعون (إشارة إلى أنه تشبيه بليغ على القول الأصح في أمثاله ووجه الشبه عدم الانتفاع بما يقال. قوله: (خبر ثالث الخ) قيل الظاهر أنه واقع موقع عمى أي لا يرون آيات الله وكون في الظلمات حالًا أبلغ من كونه خبرًا ثالثًا فإنه يفيد أن صممهم وبكمهم مقيد بحال كونهم في ظلمات الكفر حتى لو
أخرجوا منها لسمعوا ونطقوا ولا يحتاج إلى بيان وجه ترك العطف فيه دون أخويه، وتدّر خابطون ولم يقدر متعلقه عاما لأنّ المراد من الخبط التعسف في السير كخبط عشواء، وهو أنسب وأبلغ لأنّ السائر في الظلمة ربما اهتدى بصوت فإذا كانوا كلهم صما وبكما لم يكن اهتداء أصلًا، وذكر في جمع الظلمات وجهين أحدهما أنه باعتبار ملل الكفر وأنواعه، والثاني أنّ المراد ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد في الباطل، وأعلم أنّ للعلماء في إعادة الحيوانات ومحاسبتها قولين أشار إليهما المصنف ﵀ فقيل إنه على ظاهره فيخلق فيهم عقولًا ويحاسبهم وينصف بعضهم من بعض ثم يعيدهم ترابا، وقيل: إنه تمثيل لعموم عدله ولا إعادة ولا حساب كما في سراج الملوك. قوله: (من يشا الله يضلله) هو دليل لأهل السنة على أنّ الكفر وغيره بإرادته تعالى، وأن الإرادة لا تتخلف عن المراد وقدمه لأنّ هذا محل الخلاف بيننا وبينهم ولو أخره لكان له وجه، وقوله: بأن يرشده إلى الهدى بيان لوجه التقابل بينه وبين قوله يضلله، ثم لم يكتف به، وقيده بقوله يحمله عليه لأنّ الإرشاد إلى الهدى عامّ للكل ولما كانت الآية دليلًا ظاهرًا لأهل السنة أوّلها في الكشف بقوله يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف، ومن يثأ يجعله على صراط مستقيم أي يلطف به لأنّ اللطف يجدي عليه، وقوله من يشأ الله إضحلاله يشير إلى مفعوله
[ ٤ / ٥٦ ]
المقدّر ومن مبتدأ خبره ما بعده، وأن من ليس مفعولًا مقدما ليسا لفساد المعنى كما أوضحه في الدرّ المصون وفيه إعراب آخر وهو أنه منصوب بفعل مقدّر بعده يفسره ما بعده أي من يشق يثأ إضلاله. قوله: (ومن يثأ يجعله على صراط مستقيم بأن يرشده الخ) قيل كان الظاهر ومن يشأ يهده وإنما عدل عنه لأنّ هداية الله وهي إرشاده إلى الهدى غير مختصة ببعض دون بعض وقال إنه ردّ على المصنف في تفسيره بقوله يرشده إلى الهدى ورذ بأنّ مراد المصنف بالإرشاد إرشاد مقارن للرشاد بدليل قوله ويحمله فإنه عطف تفسيره بقوله يرشده كما مرّ. قوله: (أرأيتكم الخ) تحقيق هذا التركيب وهو مشهور في التنزيل وكلام العرب أنّ الأخفش قال إنّ العرب أخرجته عن معناه بالكلية فقالوا أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة الثانية إذا كانت بمعنى أخبر وإذا كانت بمعنى أبصر لم تحذف همزتها وشذت أيضًا فألزمتها الخطاب على هذا المعنى فلا تقول أبدا أراني زيد عمرًا ما صنع وتقول هذا على معنى أعلم، وشذت أيضا فأخرجتها عن موضوعها بالكلية لمعنى أمّا بدليل دخول الفاء بعدها كقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٦٣] الاية فما دخلت الفاء إلا وقد خرجت لمعنى أمّا والمعنى أمّا إذ أوينا إلى الصخرة فالأمر كذا وكذا وقد أخرجتها أيضًا إلى معنى أخبرني كما قدمنا، وإذا كانت بمعنى أخبرني لا بد بعدها من اسم المستخبر عنه وتلزم الجملة بعد الاستفهام وقد تخرج لهذا المعنى وبعدها الشرط وظرف الزمان قاله أبو حيان
والزمخشري يخالف في بعض ما ذكر، وقال الكرمانيّ: إنّ فيه تجوّزين إطلاق الرؤية وارادة الإخإر لأنّ الرؤية سببه، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب وقال سيبويه أرأيتك زيدًا أبو من هو دخلها معنى أخبرني وأخبرني لا يعلق ولا يلغى، والجملة الاستفهامية بعد الاسم في موضع المفعول الثاني، وليس أرأيتك معلقا عنها واعترض على قوله لا يعلق بأنه سمع تعليقه في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ في آيات كثيرة مثلها تدلّ على التعليق ويخالف ما قاله، ولا يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية جواب الشرط لأنه يلزمها الفاء، وقال ابن عصفور ﵀: إنّ المفعول حذف فيها اختصارًا والرؤية فيه علمية عند كثير وعليه المصنف ﵀ خلافًا للرضمي إذ جعلها بصرية تبعًا لغيره والزمخشري كغيره جوّزهما فجعلها تارة بصرية وتارة علمية فهي منقولة من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه فيل " بصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها ولا تستعمل إلا في حال عجيبة، وقال الرضي: جملة الاستفهام مستأنفة لا محل لها بيان لحال المستخبر عنه كأنه قال المخاطب لما قال أرأيت زيدًا عن أيّ شيء من حاله تسأل فقال ما صنع فهو بمعنى قولك أخبرني عما صنع وإنما قال ذلك لأنها عنده متعدية لواحد لأنها بصرية أو قلبية بمعنى عرف الذي يتعدّى لوأحد. قوله: (استفهام تعجيب) هذا لا ينافي كونها بمعنى أخبرني لما قيل إنه بالنظر إلى أصل الكلام والا فهو مجاز عن معنى أخبرني منقول من أرأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل " بصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا تستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سببًا للإخبار عنه أو الإبصار به طريقا إلى إحاطته علما والى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، وعلى التقديرين فيه تجوّزان وشبه الاستعارة التبعية، وينبغي أن يسمى مثله مجازًا مرسلًا تبعيا ومن هاهنا ظهر مسألة لم تذكر في علم البيان فلا مخالفة بين كلام المصنف، وكلام الزمخشري كما تيل وأمّا قوله إنّ هذه المسألة مما لا يعرفه أهل المعاني فغريب منه لأنها مذكورة في شرح التلخيص للنحرير، وما قيل إنها للاسنخبار عن الشيء لعجيب فلما كانت للاستخبار كانت دالة على الاستفهام تعسف. قوله: (والكاف حرف خطاب كد به الضمير الخ) في عبارته تسمحات لأنّ مراده بالكاف لفعل كم لا الكاف وحدها والميم من تتمة ما قبلها، وقوله للتأكيد مع قوله أكد به لغو والظاهر جيء به للتأكيد وكونه خبرًا بعد خبر وكون المراد أنه للتأكيد أبدًا لا لغرض آخر خلاف الظاهر وكذا قوله لا محل له مع قوله حرف زائد وصرّح بالحرفية للإشارة إلى ما في قول الزمخشري إنه ضمير والفراء عكس هذا فقال الكاف ضمير مفعول
[ ٤ / ٥٧ ]
والتاء حرف خطاب والكلام عليه مبسوط في المطولات. قوله: (لعدّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل) بناء على أنها علمية وأق جملة الاسنفهام في
محل نصب على المفعولية لا مستأنفة ولا هو متعد لواحد بمعنى أبصر أو عرف كما مز، وقوله: وللزم الخ يعني أن يجمع المفعول لأن الضميرين معمولان لعلم فيلزم مطابقتهما لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر. قوله:) بل الفعل معلق أو المفعول محذوف الأنها علمية عند المصنف، والتعليق إبطال العمل لفظا لا محلًا بأن يدخل الجملة ما يمنع من العمل في لفظها وليس محلًا يحل فيه جملة كما بين في النحو، والمفعول الثاني في باب علم يكون جملة لأنه خبر في الأصل فاذا قدر المفعول الأوّل لم يكن تعليقًا، وإذا لم يقدر كان تعليقا لأنّ الجملة الاستفهامية ساذة مسدّ مفعولية كما مرّ نقله عن ابن عصفور، فمن قال ليس هذا تعليقًا نحويا فقد وهم، وقوله تنفعكم الخ تقديره أتنفعكم فقدر أداة الاستفهام لأنّ كثرته بعدها قرينة عليه.
قوله: (ويدل عليه) أي على تقدير الهول لأنّ الدعاء لا يكون من نفس! الساعة التي لا يمكن دفعها بل من أهوالها وقال أبو البقاء مفعول أرأيتكم محذوف تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام بدليل قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ . قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ في الكشاف تخصون ا-لهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ أم تدعون الله دونها والمصنف ﵀ ترك بيان التخصيص هنا فقيل لأنه لإنكار دعوة غير الله لا لإنكار تخصيص الدعوة بغيره تعالى فتقديمه لأنّ الإنكار متعلق به وفيه نظر يعلم مما ستسمعه، وقوله: أن الأصنام بفتح الهمزة أي في أنّ الخ وقوله وجوابه محذوف وأمّا جواب الشرط الأوّل فقال الرضيّ إنه الجملة المتضمنة للاستفهام وردّه الدماميني في شرح التسهيل بأنّ الجملة الاستفهامية لا تقع جوابا للشرط بدون فاء، بل الاستفهامية مستأنفة وجواب الشرط محذوف مدلول عليه بأرأيت، وفيه بحث ذكرناه في حواشي الرضي. قوله: (بل تخصونه بالدعاء الخ (هذا وان أغنى عن قوله وتقديم المفعول الخ لكنه صرّج به لأنه يحتمل أنّ ألتقديم لرعاية الفواصل والتخصيص يستفاد من قوله: ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقوله إلى كشفه بيان لمحصل المعنى لأنه إنما يدعي لكشفه أو إلى تقدير مضاف والعائد إلى ما محذوف، وقوله: كما حكي الخ إشارة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٦٧] فليس قوله بل إياه تدعون
على الفرض كما يتوهم. قوله: (إن شاء أن يتفضل الخ) اعلم أنّ الزمخشريّ جوّز في متعلق الاستخبار أن يكون تقديره من تدعون وأن يتعلق بقوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ وأورد عليه أنّ قوله فيكشف ما تدعون مع قوله أو أتتكم الساعة يأباه فإن قوارع الساعة لا تنكشف عن المشركين، وأجيب بأنه تد اشترط في الكشف المشيئة بقوله إن شاء إيذانًا بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة إلا أنه لا يفعل لوجه أرجح من الحكمة وهو مبني على أصول المعتزلة، وفي البحر الكبير الأحسن عندي أنّ هول القيامة يكشف أيضا ككرب الموقف إذا طال موقفه كما ورد في حديث الشفاعة الحظمى في الفصل بين الخلائق إلا أنّ الزمخشري لم يذكره لأنّ المعتزلة قائلون بنفي الشافعة وقد غفل عن هذا من اتبعه، وخص السؤال بالثاني لأنه غير وارد على الأوّل على ما ذكره الطيبي وصاحب التقريب لأنه إن علق أرأيتكم بمن تدعون المقدر على أنه مفعول فالمعنى أخبروني من تدعون إن أتاكم العذاب أو أتتكم الساعة فيتم الكلام عنده، ثم إنه استأنف مقرّرا لذلك المعنى سائلًا عن الدافع في الدنيا وما شوهد منهم في الشدائد من دعائه تبكيتا لهم بقوله أغير الله تدعون أي أتخصون آلهتكم بالدعوة لا بل أنتم عادتكم أن تخضون الله بالدعاء عند الكرب، والشدائد فيكشف ما تدعون إليه وان علقه بالاستفهام في قوله أغير الله تدعون يكون هو الدال على الجزاء، والمعنى أخبروني إن أتتكم الساعة أدعوتم غير الله أم دعوتموه فيكشف ما تدعون إليه ودخلت الهمزة لمزيد التقرير وحينئذ يلزم كشف قوارع الساعة، وهي لا تكشف عن الكفار بخلاف الوجه الأوّل لأنّ قوله أغير الله تدعون منقطع عنه كما سبق فلا يتعلق كشف الضرّ بالقيامة، وقد ذكر العلامة وصاحب الكشف نحوأ من هذا، وأورد عليه أنّ فيه نظر الظهور أنّ المعنى على هذا التقدير أيضا أتدعون غير الله عند إتيان العذاب
[ ٤ / ٥٨ ]
أو الساعة ويتوجه السؤال غاية الأمر أنه على الأوّل أظهر وليس كذلك لأنه إذا كان كلاما منقطعا لا يلزم أن يقدر ما ذكر بل ما يمكن كشفه بقرينة قوله: فيكشف فلا يرد ما ذكره، ثم إنّ المصنف ﵀ جرى على احتمال عدم التقدير وأنه يتعلق بالآخرة وأشار إلى جوابه قال العلامة في شرح الكشاف وفي هذا الجواب ضعف لأنّ قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية. ٤٨] ليس معناه أنه لا يغفر إن لم يشأ حتى إن شاء غفر والا لم يكن بين الشرك وغيره فرق ويمكن أن يفرق بأن المغفرة في غير الشرك مشروطة بمشيئة محققة لأنها صلة في قوله لمن يشاء اهـ أي وهذا مشروط بمشيئة بخلاف لك لاقتضاء الحكمة له، ولقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨] وبديتم الجواب فتأمّل. قيل ولو جعل مفعول المشيئة نفس الكشف كما هو المعروف في أمثاله ثم قيده بالتفضل كان أولى، وفيه نظر. قوله:) وتنسون الخ) بين أوّلًا أنه مجاز عن الترك، وثانيا أنه لشدة الهول ينسونهم فيكون حقيقة ولا يلزم أن ينسى الله لأنّ المعتاد فيها أن يلهج بذكره وينسى ما سواه ومن في من قبلك زائدة بناء على جواز زيادتها في الإثبات المصنف لم يرتضه في غير هذا الموضع، وقيل بمعنى في وقيل
ابتدائية ورجحه بعض النحاة. قوله: (لما ركز في النقول الخ) أي لأجل ذكر الله أو دعائه المركوز في العقول أو لمركوزية الله تعالى في العقول على هذه الصفة أو لمركوزية ذكره بناء على هذا، وعلى هذين فما مصدرية، وقوله: على أنه القادر الظاهر من أنه القادر. قوله: (فكفروا وكذبوا) فالفاء فصيحة والزمخشري قدّر كذبوا فقط وهو أولى، وقوله: صيغتا تأنيث لا مذكر لهما أي لا مذكر لهما على أفعل كأحمر وحمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضرّ وأبأس صفة بل للتفضيل فإنّ البأس والضرّ مصدران وقوله يتذللون تفسير له لأنه من الضراعة وهي التذلل وعند المصائر يخشع المرء ويلين قلبه. قوله: (معناه نفي تضرّعهم) ذهب الهروي إلى أن لولا تكون نافية حقيقة بمنزلة لم وجعل منه فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها الأقوم يونس والجمهور حملوه على التوبيخ والتنديم، وهو بعيد الترك وعدم الوقوع ولذا ظهر الاستدراك والعطف بلكن فيفيد إنهم لا عذر لهم فيه واليه أشار المصنف بقوله مع قيام ما يدعوهم وليست لولا هنا تحضيضية، كما توهم لأنها تختص بالمضارع وهو معنى آخر غير التوبيخ كما في المغني. قيل ولو قال وعدم المانع لكان أولى لأنّ مجرّد وجود الداعي بدون عدم المانع غير كاف لاستحقاق التوبيخ. قوله: (أي لم يتضرّعوا ولكن الخ) قيل لأنه لما كان التضرّع ناشئًا من لين القلب كان نفيه نفيه، وقيل كان الظاهر أن يقال لكن يجب عليهم التضرّع فعدل إلى ما ذكر لأنّ قساوة القلب التي هي المانع تشعر بأنّ عليهم ما ذكر فكأنه قيل لكن يجب التضرّع، وقيل إنما حمل على قصد النفي دون التنديم ليحسن الاستدراك، وهذا معنى قوله استدراك على المعنى وقوله ولم يتعظوا بيان للمراد من النسيان هنا. قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فإن قلت قد أسند الله هنا التزيين إلى الشيطان وأسنده إلى نفسه في قوله وكذلك زينا لكل أمّة عملهم، فهل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما قلت وقع التزيين في النظم في مواضع كثيرة، فتارة أسنده إلى الشيطان كالآية الأولى وتارة إلى نفسه كالثانية وتارة إلى البشر كقوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٣٧] في قراءة، وتارة مجهولًا غير مذكور فاعله كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة يون!، الآية: ١٢] لأنّ التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة أحدها إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر كقوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا﴾ [سورة الصافات، الآية: ٦] والثاني جعله مزينا من غير إيجاد كتزيين الماشطة العروس، والثالث جعله محبوبا للنفس مشتهى للطبع وان لم يكن في نفسه كذلك فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى الله كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة النمل، الآية: ٤] قال المصنف في تفسيرها زينا لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلناها مشتهاة بالطبع محبوبة للنفس يعني والله هو الفاعل لهذا حقيقة لإيجاده له، ولغة ونحوأ لاتصافه بخلقه وإن كان بمجرّد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه كالوسوسة والإغواء كما أفصح عنه تعالى: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٣٩] فهذا لا يسند إلى الله حقيقة وإنما يسند إلى الشيطان أو البشر كما مرّ، وقد أشار إليه المصنف ﵀ في تفسير قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
[ ٤ / ٥٩ ]
فقال بأن وسوس لهم، وإذا لم يذكر فاعله يقدر في كل مكان ما يليق به، والذي تسكب فيه العبرات تحقيق تلك المقامات. قال الراغب في مفرداته زينه إذا أظهر حسنه إمّا بالفعل أو بالقول وقد نسب الله تعالى تزيين الأشياء في مواضع إلى نفسه وفي مواضع إلى الشيطان وفي مواضع ذكره غير مسمى فاعله وتزيين الله الأشياء قد يكون بإبداعها مزينة وايجادها كذلك وتزيين غيره للشيء تزويقه بفعلهم أو بقولهم وهو أن يمدحوه، ويذكروه بما يعرف منه انتهى. وقال صاحب الانتصاف في سورة آل عمران التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إلى الله تعالى حقيقة لأنه لا خالق كل شيء من جوهر ومن عرض قائم به كالحب وغيره محمود في الشرع المتصف به أولًا، ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطي الشهوات والأمر به، وهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى الله تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المحضوض عليها شرعًا كالنكاح الموافق للسنة وما يجري مجراه وأمّا الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها انتهى. إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المصنف ﵀ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٢] حسنها في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها والمزين على الحقيقة هو الله إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ويدل عليه قراءة زين على البناء للفاعل وكل من الشيطان والقوّة الحيوانية، وما خلق الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض يعني أنه إذا كان بمعنى الإيجاد أسند إلى الله حقيقة، وإلى غيره مجازا كما مرّ تحقيقه رواية ودراية، فما قيل عليه من أنّ التزيين هو التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل ولهذا جاء في أوصاف الدنيا وأوصاف الآخرة والمزين في الحقيقة هو الشيطان فإنه حسن الدنيا في أعينهم وحببها إليهم وقراءة زين على البناء للفاعل على الإسناد المجازيّ فإنه تعالى أمهل المزين فجعل إمهاله تزيينًا أو زينها حتى استحسنوها وأحبوها ومن قال المزين الخ أخطأ في المدعي وما أصاب في الدليل أمّا الأوّل فلأنّ التزيين صفة تقوم بالشيطان والفاعل الحقيقي لصفة ما تقوم به تلك الصفة وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلال، وأما الثاني فلأنّ مبناه عدم الفرق بين الفاعل النحوي الذي كلامنا فيه والفاعل الكلامي الذي هو بمعزل عن هذا المقام (قلت)
المخطىء مخطئ من وجوه أحدها أنّ قوله المدرك بالحس ليس بصواب لأن تزيين الأعمال ليس مما يدرك بالحس فلا وجه لتخصيصه به، الثاني أنّ قوله والمزين في الحقيقة هو الشيطان إن أراد بالتزيين جعله مشتهى بالطبع وخلق ذلك فيه فباطل وان أراد الوسوسة ونحوها فالقاضي لا ينكره، ألا تراه قال في قوله تعالى: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الفتح، الآية: ١٢] الفاعل هو الله أو الشيطان، وكذلك قوله التزيين صفة تقوم بالشيطان فإنه يقال له أيّ معانيه أردت الثالث أنّ ما ذكره من عدم الفرق من بعض الظن وكيف يخفى على مثله وهو مقرر في الأصلين وإنما قصد الردّ على الزمخشري حيث فسره بما زعمه هذا القائل بناء على مذهبه في خلق العباد أفعالهم لا كما توهمه فقد فرّ من المطر ووقف تحت الميزاب، والحمد لله ملهم الصواب. قوله: (فلما نسوا ما ذكروا الخ (قيل هذه الآية الكريمة تؤيد مذهب من ذهب إلى أن لما ظرف بمعنى حين وليس فيه معنى الشرط إذ لا يظهر وجه سببية النسيان لفتح أبواب الخير،
[ ٤ / ٦٠ ]
وحديث الاستدراج لا يدفعه لأنه يفيد الصحة اجتماع الفتح مع النسيان لا سببيته له فلا بذ من قبل الجمهور من الجواب انتهى. (قلت اللنحويين في لما مذهبان الأوّل أنها حرف وجود لوجود أو وجوب لوجوب، والثاني أنها ظرف بمعنى حين، وقال ابن مالك: بمعنى إذ وهو حسن لاختصاصها بالماضي والإضافة إلى الجمل، وردّ ابن خروف الظرفية بنحو لما أكرمتني أمى أكرمتك اليوم لأنها لو قدرت ظرفا كان عاملها الجواب والواقع في اليوم لا يكون في الأمس، وأوّله القائلون به بنحو لما ثبت إكرامك كما أوّل إن كنت قلت غير المبرد، وعلى كلا القولين ففيها معنى الشرطية وإنما الخلاف في حرفيتها واسميتها فلا بد من تأويل الآية بأنّ النسيان سبب للاستدراج المتوتف على فتح أبواب الخير وسببيته شيء لآخر تستلزم سببيته لما يتوقف عليه فاندفع الاعتراضى أو الجواب ما ذكر باعتبار ماله ومحصله وهو ألزمناهم الحجة ونحوه كما أشار إليه المصنف وتسببه عنه ظاهرًا وإنه مسبب عنه باعتبار غايته وهو أخذهم بغتة، وقوله كل شيء المراد به التكثير لا التعميم والإحاطة وهو مستعمل بهذا المعنى كما مرّ وقوله ولم يتعظوا إشارة إلى أنّ النسيان مجاز عت الترك وعدم العمل والاتعاظ كما مرّ نحوه. قوله:) مراوحة عليهم الخ (بالراء والحاء المهملتين أي مناوبة من قولهم راوج بين العملين إذا عمل هذا مرّة وذاك أخرى كأنه يروج إلى أحدهما بعد الآخر أو يستريح إليه كما يفعل الأب المشفق بابنه في الملاينة والمخاشنة ليصلح حاله فعلى الوجه الأوّل هذا للتأديب وعلى الثاني للاستدراج، قال النحرير: والوجه هو الثاني، والأوّل مبنيّ على الاعتزال فتأمّل، وقوله:) أو مكرًا بهم) أي استدراجا قال الراغب مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أغراض! الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. قوله:
(لما روي الخ) قال السيوطي: لم أقف عليه مرفوعًا إنما هو من تول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بزيادة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا لكن روى أحمد والطبرانيئ والبيهقيّ في شعب الإيمان من حديث عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا: " إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج " (١ (ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية والتي بعدها، وقوله: (ورت الكعبة) قسم يعني أنه لما سمع قوله تعالى فتحنا عليهم الخ أقسم إنما هو للمكر والاستدراج بهم مؤيد للتفسير الثاني. قوله: (وقرا ابن عامر الخ) قرأها الجمهور هنا مخففة وابن عامر مثقلة للتكثير، وقرأ ابن عامر أيضا في الأعراف لفتحنا، وفي القمر ففتحنا بالتشديد، وكذا قرئ فتحت يأجوج ومأجوج والخلاف أيضًا في فتحت أبوابها في الزمر في الموضعين وفتحت السماء في النبأ، فإنّ الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها ولم يخففها إلا الكوفيون فقد جرى على نمط واحد في هذا الفعل، والباقون شدّدوا في المواضع الثلاثة المشار إليها وخففوا في الباقي جمعًا بين اللغتين هذا تحقيق النقل فيه وفي كلام المصنف ﵀ إجمال تفصيله هذا. قوله: (أعجبوا) مبنيّ للفاعل من قولهم أعجبني هذا الشيء وأعجبت به وهو شيء يعجب إذا كان حسنًا جدا كذا في تهذيب الأزهريّ أو مبنيّ للمفعول من قولهم أعجب إذا زهى وتكبر، وقوله: (والقيام بحق (أي حق المنعم وهو الشكر وقوله: (ولم يزيدوا على البطر) أي غاية الفرج والنشاط المفرطين وزاد الواو على عبارة الكشاف لما فيه من إيهام إنه جواب. قوله: (فإذا هم مبلسون الخ (إذا هي الفجائية وفيها ثلاثة مذاهب مذهب سيبويه رحمه الله تعالى إنها ظرف مكان ومذهب جماعة منهم الرياشي إنها ظرف زمان ومذهب الكوفيين إنها حرف فعلى تقدير كونها ظرف زمان أو مكان الناصب لها خبر المبتدأ أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها، والإبلاس له ثلاثة معان في اللغة جاء بمعنى الحزن والحسرة واليأس وهي معان متغايرة، وقال الراغب والإبلاس الحزن المعترض من شذة اليأس، ولما كان المبلس كثيرًا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته، وأيس وشس بمعنى، واليأس معروف. قوله: (بحيث لم يبق الخ (إشارة إلى أنه كناية عن الاستئصال لأنّ ذهاب آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله وهو من دبره إذا تبعه فكان في دبره أي خلفه فالدابر ما
يكون بعد الآخر ويطلق عليه تجوّزًا، وقال أبو عبيد: دابر القوم آخرهم وقال الأصمعي: الدابر الأصل ومنه قطع الله دابره أي أصله. قوله: (نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها) قال في الكشاف: فيه إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة فهو عنده إخبار بمعنى الأمر تعليما للعباد قيل ويحتمل أنه تعالى حمد نفسه على هذه النعمة الجليلة وجعل المصنف ﵀ الحمد على هلاك الظلمة، وبين أنه نعمة باعتبار ما ذكره، وفي الانتصاف ونظير الأوّل قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [سورة الشعراء، ١ لآية: ١٧٣] قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى فيمن وقف هاهنا وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانيته تعالى وأنه ﷻ خير مما يشركون، فعلى الأوّل يكون
[ ٤ / ٦١ ]
الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة وهو مستعمل فيهما شرعا ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتمًا إذ لا يقتضي السياق غيره. انتهى، وقوله: أصمكم وأعماكم يعني أخذهما مجاز عما ذكر لأنه لازم له وفيه دليل على بقاء العرض زمانين لأنّ الأخذ لا يكون إلا للموجود وهو كلام حسن. قوله: (أي بذاك) إشارة إلى ما مرّ تحقيقه في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٨] من أنّ اسم الإشارة المفرد يعبر به عن أشياء عدّة وأن الضمير قد يجري مجراه لكنه في اسم الإشارة أشهر وأكثر في الاستعمال فلذا تأوّل الضمير به ولذا قال رؤبة في تفسير قوله:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلدتوليع البهق
أردت كان ذاك ففسر الضمير الراجع إلى ما تقدم باسم الإشارة قال الزمخشري: والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليس على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذا جاء الذي بمعنى الجمع ومن غفل عن هذا قال إنّ هذا التأويل يجري في الضمير من غير حاجة إلى تأويل باسم الإشارة، وفي مجالس! النحاس إنه قيل لرؤبة ألا تقول كأنها فتحمله على الخطوط أو كأنهما فتحمله على السواد والبلق فغضب وقال كان ذاك بها توليع البهق فذهب إلى المعنى والموضع انتهى، ويحتمل إنه يريد أنه أفرد مراعاة للخبر لأنّ التوليع اجتماع لونين ولفظه مفرد ومعناه مثنى فتامّل، وأما قول بعضهم فإن قيل ما وجه اعتبار اسم الإشارة واقامة الضمير مقامه قلت للأشعار بأنّ الأمور المذكورة أمور ظاهرة فيكون الاحتجاح بها آكد فنا شيء من قلة التدبر. قوله: (أو بما أخذ وختم) يعني ضمير به راجع إلى المأخوذ والمختوم عليه الذي في ضمن ما مرّ لأنه بمعنى المسلوب منكم كما نقل عن الزجاج، وليس في الكلام ما
الموصولة لا ملفوظة ولا مقدرة حتى يقال في تفسيره إنّ الضمير على ظاهره لأن ما وان كان متعدّد المعنى مفرد اللفظ كما توهم وأمّا الوجه الثالث فظاهر وأما جعله راجعا إلى السمع وجعل ما بعده داخلًا معه في القصد فبعيد. قوله: (انظر كيف نصرّف الآيات الخ) انظر يفيد التعجب أيضًا مثل أرأيت وتصريف الآيات تكريرها على أنحاء مختلفة كتصريف الرياج، ثم إنّ المراد إمّا مطلق الدلائل أو الدلائل القرآنية مطلقا أو ما ذكر من أوّل السورة إلى هنا أو ما ذكر قبل هذا ذهب إلى كل بعض من أرباب الحواشي فلذا قيل هي المقدمات العقلية الدالة على وجود الصانع وتوحيده المشار إليها بقوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ﴾ الآية وأمّا الترغيب فبقوله فيكشف ما تدعون إليه، وأمّا الترهيب فبقوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٦] الخ وبمكن أن يؤخذ في ضمن قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ﴾ فيكونان مذكورين في ضمن المقدمات العقلية وأمّا التنبيه والتذكير فبقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ٦٣] الخ وقيل غير ذلك، وقوله بعد تصريف الآيات وظهورها تقرير لكون ثم للاستبعاد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٥٧] وأنّ تعريف الآيات للعهد كما مرّ. قوله: (من غير مقدمة) أي إمارة متقدمة يعني بغتة من حيث الظاهر لا يقابل جهرة لأنّ مقابل الجهرة الخفية لكن لما كان معنى بغتة وقوع الأمر من غير شعور، فكأنها في معنى خفية حسن أن يقابل بها كما في شروح الكشاف وليس المراد أنه مجاز أو استعارة بل إنه لما قرب أحدهما من الآخر صح مقابلته به ومثله كثير كما وقع في الحديث " بشروا ولا تنفروا " (١ (ومقابل التبشير الإنذار لا التنفير فمن قال إنّ البغتة استعارة للخفية بقرينة مقابلة الجهرة وانها مكنية من غير تخييلية بل بقرينة المقابلة المذكورة، وهذه الاستعارة لم يذكرها أهل المعاني تعسف بما لا حاجة إليه، ولا يخفى ما فيه وأنه يلزمه أن يصح بل يحسن النور خير من الجهل على أنّ الجهل استعارة للظلمة بقرينة مقابلته بالنور، ومثله يمجه الذوق السليم، وفي بعض التفاسير لما كانت البغتة هجوم الأمر من غير ظهور إمارة وشعور به تضمنت معنى الخفية فصح مقابلتها بالجهرة، وبدأ بها لأنها أرح من الجهرة وإنما لم يقل خفية لأنّ الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى وهو بيان لنكتة ترك المقابلة، وليس المراد بقوله تضمنت معنى الخفية إلا أنها مثلها في
عدم الشعور أي تضمنت ما في الخفية من ذلك المعنى ولو لم يرده لتناقض أوّل كلامه وآخره فمن اعترض عليه بأنّ البغتة ليست هنا
[ ٤ / ٦٢ ]
من قبيل الخفية حقيقة لأن الإتيان وان كان بغتة على سبيل الجهر لا على سبيل الخفية كما توهمه ابن كمال لم يقف على مراده.
قوله: (وقرئ بنتة أو جهرة) يعني بفتح الغين والهاء على أنهما مصدران كالغلبة، وقال
ابن جني في المحتسب قرأ سهيل بن شعيب السهمي جهرة وزهرة في كل موضع محرّكا، ومذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتح أنه لا يحرّك الأعلى أنه لغة فيه كالنهر والنهر والشعر والشعر والحلب والحلب والطرد والطرد ومذهب الكوفيين أنه يجوز تحريك الثاني لكونه حرفا حلقيا قياسا مطردأ كالبحر والبحر، وما أرى الحق إلا معهم، وكذا سمعت من عامّة عقيل وسمعت الشجري يقول أنا محموم بفتح الحاء وليس في كلام العرب مفعول بفتح الفاء وقالوا اللحم يريدون اللحم، وسمعته يقول تغدوا بمعنى تغدوا وليس في الكلام تفعل بفتح الفاء، وقالوا سار نحوه بفتح الحاء ولو كانت الحركة أصلية ما صحت اللام أصلا اهـ وهي فائدة ينبغي حفظها ومنه تعلم حال بغتة وقرئ بالواو العاطفة. قوله: (ما يهلك الخ) يشير إلى أنّ الاستفهام في معنى النفي ولذا صح وقوع الاستثناء المفرغ بعده لأنّ الأصل فيه النفي وليس المراد أنّ هل نافية حقيقة لأنّ أرأيت بعده الاستفهام في الجملة، وقوله: هلاك سخط وتعذيب توجيه للحصر بتقييد الهلاك بما يتبادر منه والا فقد يهلك غيرهم لكنه رحمه منه ليجازيهم على ما ابتلاهم به بالثواب الجزيل. قوله: (ولذلك الخ) أي لكون المراد بالاستفهام النفي أو لأنّ المراد هلاك سخط وتعذيب صح الاستثناء المفيد للحصر لأنّ غير الظالمين يهلك كما مرّ قيل والمسألة نحوية لأنه في الاستثناء المفرّغ يقدر العموم بما يقدر في الإثبات بالنفي وفيما لم يقدر يجوز بالإثبات نحو قرأت إلا يوم الجمعة إذ يصح قرأت كل يوم إلا يوم الجمعة، وهاهنا يصح هلاك الظالمين إلا أنّ المعنى هاهنا على النفي لا إنه لولاه لم يصح الاستثناء المفرغ، وهذا منه بناء على تعين الاحتمال الثاني عنده. قوله: (١ لا مبشرين ومنذرين الخ (التخصيص لأنّ الجنة أعظم ما يبشر به، فلذا يتبادر من الإطلاق كما في العشرة المبشرة والنار أعظم ما ينذر به فلا يقال الأولى التعميم، وهما حالان مفيدان للتعليل أي لأجل التبشير والإنذار وأشار إليه المصنف بقوله ليقترج والاقتراج طلبهم الآيات والتلهي السخرية يقال تلهى به إذا سخر وتلعب وهذا إشارة إلى ارتباط هذه الآية بقوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٠] وقوله ما يجب إصلاحه أي الإتيان به على وفق الشريعة أي
إصلاحه على الوجه المشروع في إخلاص العبادة وعدم الشركة فعلى متعلقة بإصلاح. قوله: (جعل العذاب ماسًا) يعني نسبة المس إليه وجعله فاعلا له يشعر بقصد الملاقاة من جانبه وفعله وان لم يتعين ذلك، فما أورد عليه من أنّ المس ليس من خواص الإحياء حتى يلزم ما ذكر وإنما هو تلاقي الجسمين من غير حائل بينهما يمكن دفعه بالعناية فعلى ما ذكره المصنف فيه استعارة تبعية وجوّزها الطيبي، وفي الكشاف جعل العذاب ماسًا كأنه حيّ يفعل بهم ما يريد، وفي البحر أنّ المماسة تشعر بالاختيار والعرض لا اختيار له ومراد العلامة أنه وصف العذاب فيه بوصف المعذب مبالغة كشعر شاعر وهو مبنيّ على قاعدة الاعتزال وعند أهل السنة لا مانع من أن يخلق الله فيها حياة واحساسا وقوله: (واستغنى) يعني حيث لم يقل العذاب الأليم أو العظيم ونحوه لأنّ تعريف العهد يفيد ما ذكر. قوله: (بسبب خروجهم الخ) إشارة إلى أنّ ما مصدرية وأصل معنى الفسق لغة الخروجي قال فسق الرطب إذا خرج عن قشره، ويقال لمن خرج عن حظيرة الشرع مطلقا بكفر أو غيره وأكثر ما يقال لمن خرج عن التزام بعض الأحكام لكنه غير مناسب هنا، ولذا فسره بمعنى يشمل الكفر لأنّ تعذيب الكافر بغير الكفر من ذنوبه وان صح لكن لا ينبغي أن يقال عذب الله الكافر بترك الصلاة مثلًا. قوله: (مقدوراته الخ) يعني الخزائن جمع خزينة أو خزانة وهي ما يحفظ فيه الأشياء النفيسة إما مجاز عن المقدورات أو هو بتقدير مضاف أي خزائن رزقه، وظاهر قول الزمخشري خزائن الله هي قسمه بين الخلق وأرزاقه أنّ الخزائن يحتمل أنه مضاف لمقدر، ويحتمل إنه مجاز عن المرزوقات من إطلاق المحل على الحال أو اللازم على الملزوم وكلام المصنف يحتمله وقيل إنّ التجوّز أولى لأنه لا بذ على التقدير من التجوّز أيضا فتأمّل. قوله: (ما لم يوح إلئ ولم ينصب عليه دليل (ما إما بدل من الغيب، أو عطف بيان مفسر له فإنه
[ ٤ / ٦٣ ]
الذي لا يطلع عليه وفي قوله لم ينصب الخ إشارة إلى جواز اجتهاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما في كلام المصنف ﵀ موصولة وجوّز جعلها مصدرية زمانية فالغيب عام مقيد بمدة عدم الإيحاء ونصب الدليل. قوله: (وهو من جملة المقول) هنا قولان ومقولان أي قل وأقول وكلام المصنف محتمل فيحتمل أنه أراد أنه من جملة مقول قل كما قيل إنه من مقول قل لا أقول ولذا احتيج إلى إعادة أقول في قوله: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فإنه على تقدير العطف على عندي خزائن الله لا حاجة إلى إعادته وإنما لم يكتف فيه بنفي القول للفرق بينه وبين قرينيه، وهو إنّ مفهومي عندي خزائن الله واني ملك معلومان عند الناس فلا حاجة إلى نفيهما إنما الحاجة إلى نفي ادعائهما تبرأ عن دعوى الباطل بخلاف مفهوم لا أعلم الغيب فإنه كان مجهولًا لا عندهم بل كان الظاهر من حاله عدم الاطلاع
عندهم على الغيب، ولذا نسبوه إلى الكهانة فالحاجة هنا إلى نفيه، ثم إنّ هذا النفي تضمن الجواب عن قولهم إن كنت رسولًا فأخبرنا بما يقع في المستقبل لنستعدّ له، ونفي دعوى الملكية تضمن جواب ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق اوو، ويحتمل أنه مقول أقول لأقل، ولذا قيل لو قال المصنف ﵀ من جملة ما لا يقولى كان أوضح وكلمة لا حينئذ في لا أعلم مذكرة للنفي لا نافية ولم يجعل من مقول قل لأنّ المقصود نفي دعوى علم الغيب ودعوى مالكية خزائن الله ليكونا شاهدين على نفي دعوى الألوهية، وبهذا اندفع ما قيل على هذا الوجه من أنه يؤدّي إلى أنه يصير التقدير، ولا أقول لكم لا أعلم الغيب وهو غير صحيح ف! نه لا وجه لعدم صحته ولله درّ المصنف حيث أتى بما يشملهما على الحصر، ولا يخلو من مخالفة للظاهر في الجملة، وعند التأمّل لكل وجهة ولذا قال النحرير: إنه من جملة القول في الواقع ومحمول على هذا المعنى البتة لأنه لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب، وإنما الفائدة في الإخبار بأني لا أقول ذلك ليكون نصا لادّعاء الأمرين اللذين هما من خواص الإلهية ليكون المعنى إني لا أذعي الإلهية ولا الملكية ويكون تكرير لا أقول إشارة إلى هذا المعنى وكان المصنف ﵀ أجمل في قوله المقول لجوازهما عنده وزعم السفاقسي أن كلام الزمخشريّ محتمل لهما أيضا فتأمّل. قوله: (من جنس الملانكة) قيل هو إشارة إلى ما ذكره أبو عليّ الجبائيّ من أنّ هذه الآية تدل على أفضلية الملائكة لأن المعنى لا أدّعي منزلة أقوى من منزلتي وقال القاضي عبد الجبار: إن كان الغرض! من النفي التواضع فالأقرب لزوم الأفضلية، وان كان نفي القدرة على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة فلا وهو الأليق بالمقام، ولو سلم فتكفي الأفضلية بزعم المخاطبين، وعليه يتنزل كلام المصنف ويخرج عما في الكشاف من النزغة الاعتزالية قيل، وهو على الأوّل حقيقة وعلى الثاني مجاز مرسل عن القادر على أفعالهم أو تشبيه بليغ، وفيه نظر لأنّ المقصود نفي الملكية لا نفي شبهها فتأمّله. قوله: (تبرّأ عن دعوى الإلهية والملكية (وفي نسخة الألوهية جعل مجموع قوله: ﴿عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عبارة عن نفي الألوهية لأنّ قسمة الأرزاق بين العباد ومعرفة علم الغيب مخصوصان به تعالى ولذا كرّر في الملكية لفظ ولا أقول وتيل على الزمخشري إذ ذكر هذا بعينه إنه يهدم قاعدة استدلاله في قوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٢]، على تفضيل الملك على البشر لأنّ الترقي لا يكون من الأعلى إلى الأدنى يعني من الألوهية إلى الملكية، ولا هدم لها مع إعادة لا أقول الذي جعله أمرًا مستقلا كالإضراب، إذ المعنى لا أذعي الألوهية بل ولا الملكية ولذا كرّر لا أقول، وقيل مقام نفي الاستنكاف ينتفي فيه أن يكون المتأخر أعلى لئلا يلغو ذكره في مقام نفي الادعاء بالعكس فإن من لا يتجاسر على دعوى الملكية أولى أن لا يتجاسر على دعوى الإلهية الأشذ استبعادًا وأورد على هذا أنّ المراد لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه وليس المراد التبري عن دعوى الإلهية، والا لقيل لا أقول لكم إني إله كما قيل ولا أقول لكم إني ملك وأيضا في الكناية عن
الألوهية بعندي خزائن الله ما لا يخفى من البشاعة بل هو جواب عن اقتراحهم عليه ﷺ أن يوسع عليهم خيرات الدنيا، وقيل في دفعه وجه التبري أنّ قوله تعالى لا أقول في قوّة قول الرسول لا أقول لعدم توقفه في الامتثال وليس
[ ٤ / ٦٤ ]
إضافة الخزائن إلى الله تعالى منافيا لهذه الكناية لأنّ دعوى الإلهية ليس دعوى أن يكون هو الله بل شريكا له في الإلهية، وفيه نظر لأنّ إضافة الخزائن إليه تعالى اختصاصية فتنافي الشركة إلا أن يكون المعنى خزائن مثل خزائن الله أو تنسب إليه، فتأمّل. قوله: (رذا لاستبعادهم الخ) يعني أنه بعد نفي الإلهية والملكية ألزمهم بالحجة العقلية على ما ادّعاه لأنّ حاصله أني عبد ممتثل أمر مولاه ويتبع ما أوحاه وأي عقل ينكر مثله كما يشير إليه قوله أفلا تتفكرون أي في أنّ اتباع ذلك لا محيص عنه ولذا قال اتبع ما يوحى إليّ، ولم يقل إني نبيّ، أو رسول تواضعًا منه ﷺ والجاما لهم بالحجة وليس في كلامه نفي لتفضيل الملك بوجه من الوجوه كما قيل، ودفعه ما قدمناه وحاصل الردّ أنّ هذه دعواي وليست مما يستبعد إنما المستبعد إدعاء الإلوهية أو الملكية ولست أدّعيهما على أنّ مجرّد نفي هاتين لا يستلزم نفي الاستبعاد لجواز أن يذعي أمرًا آخر مستبعدًا. قوله: (للضال الخ) ذكر فيه ثلاثة وجوه مبناها على أنه تذييل لما مضى من أوّل السورة إلى هنا أو لقوله إن اتبع الخ أو لقوله لا أقول الخ والأوّل هو الوجه عندهم، ثم الثاني، وقوله: في تفسير قوله أفلا تتفكرون فتهتدوا الخ لف ونشر ناظر إلى هذه التفاسير على الترتيب فقوله تهتدوا راجع إلى الأوّل، وقوله: أو فتميزوا إلى الثاني، وقوله: أو فتعلموا إلى الثالث، والأفعال في عبارته منصوبة في جواب الاستفهام وقيل إنه غير مرتب وهو تكلف، وقابل المستحيل بالمستقيم كما قابله سيبويه بالمحال وكذا قال المتنبي:
كأنك مستقيم في محال
وهو استعمال العرب لأنّ أصل المحال من أحاله عن وجهه، وصرفه وهو في المحسوسات عين الاعوجاج ومن لم يعرفه اعترض عليه بأنّ الظاهر أن يقول:
كأنك مستقيم في اعوجاج
فالمستقيم هنا بمعنى الممكن، وفي بعض النسخ فتميزوا على أنه من تتمة تهتدوا وقوله:
أو فتعلموا ناظر إلى الأخيرين، وفي نسخة فتعلمون والأولى أولى. قوله: (كالألوهية والملكية (فإن قيل دعوى الملكية من الممكنات أي من دعوى الأمور الممكنة لأنّ الجواهر متماثلة يجوز أن يقوم بكلها ما يقوم ببعضها ولهذا ما قيل لآدم جمم ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أقدم على اكل طمعا في الملكية مع أن النبيّ لا يطمع في
المحال، قلت أجاب عته شراح الكشاف بأنّ المقدمات على تقدير تمامها، إنما تفيد إمكان أن يصير البشر ملكا وأما أن يكون ملكا فلا لتمايزهما بالعوارض المتنافية بلا خلاف، وهذا كما قالوا إنّ كلا من العناصر يجوز أن يصير الآخر لا أن يكون، وعلى هذا ينبغي أن يحمل طمع آدم ﵊ لو سلم كونه نبيا عند اكل، أو أنه لم يطمع في الملكية بل في الخلود، وقوله: (وجزمهم على فساد مدعاه) ضمنه معنى الحرص فلذا عداه بعلى فإن قلت: لم قال خزائن الله ولم يقل: لا أقدر على ما يقدر عليه الله قلت لأنه أبلغ لدلالته على إنه لقوّة قدرته كأنّ مقدوراته مخزونة حاضرة عنده. قوله: (المفرّطون) بتشديد الراء قيده به لأنه المناسب للإنذار ولقوله: لعلهم فخص بالذكر هؤلاء لأنهم الذين ينفعهم الإنذار ويقودهم إلى التقوى وليس المراد الحصر حتى يرد أنّ إنذاره لغيرهم لازم أيضا وقوله أو مترددًا عطف على مقرًّا لأنه كافر أيضا وقوله: فإنّ الإنذار الخ بيان لوجه التخصيص، وينجع مضارع نجع كنفع لفظًا ومعنى، وأصله من نجع الدواء في المريض إذا أثر في برئه، والمراد بالفارغين منكر والحشر لأنّ أذهانهم خلت عن اعتقاده أو لأنهم فرغوا عن تداركه، وقوله لكي يتقوا بيان لمحصل المعنى لا إن لعل بمعنى كي، فإن المصنف لم يرتضه في كتابه هذا، وقد مرّ تفصيله وتحقيقه، وقوله في موضمع الحال لأن مجرّد الحشر لا يخاف ما لم يكن على هذه الحال، وفي الكشاف هنا كلام طواه المصنف لابتنائه على الاعتزال. قوله: (أمره بإكرام المتقين الخ (لأنّ النهي عن الشيء أمر بضده فالنهي عن طردهم كالأمر بتقريرهم وقوله: ترضية يقال رضاه بالتشديد كما يقال أرضاه، وقوله: هؤلاء الأعبد جمع عبد وقالوه تحقيرا لهم لأنهم موال مسهم الولاء والرق وليس تشبيها بالعبيد في الخرقة والحرفة كما قيل، أما عمار بن ياسر المذحجي ﵁ فولاؤه مشهور، وأما صهيب بن سنان ﵁ ويعرف بالرومي فهو نمريّ من العرب لكن أسره الروم وهو
[ ٤ / ٦٥ ]
صغير فنشأ عندهم ثم قدمت به مكة فاشتراه عبدلذ بن جدعان وأعتقه، وخباب عدة من الصحابة منهم من مسه الرق ورق سلمان ﵁ مشهور وتفصيله في الاستيعاب، وفي كلام المصنف ﵀ خلط بين حديثين، وقد وقع مثله في الكشاف، وهذا الحديث) ١ (يروى من طرق عدة كما في تخريج أحاديث الكشاف وليس هو قول عمر في بعض طرقه فلا معنى لإنكاره بناء على أنه لا يليق بمقام النبوّة طرد المؤمنين لأجل غيرهم ظنا إنه ينافي في عصمته لأنّ الطرد لم يقع منه والذي همّ به أن يجعل لهم وقتا خاصا ولهؤلاء وقتًا خاصا ليتألف أولئك فيقودهم، إلى الإيمان والصحابة ﵃ يعلمون ما قصد فلا يحصل لهم إهانة وانكسار قلب منه ﷺ. قوله: (والمراد بذكر الغداة والعشئ الدوام الخ) كما يقال فعله صباحا ومساء لما يداوم عليه، وقيل الغداة والعشيّ عبارة عن صلاتي الصبح والعصر لأن الزمان كثيرًا ما يذكر، ويراد به ما يقع فيه كما يقال صلى الصبح ويراد بالصبح صلاته وكذا المغرب كما يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو قربت الصلاة أي وقتها، وقد يراد بها مكانها نحو: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٣] أي المساجد والدعاء على هذا مراد به حقيقته، أو المراد الدعاء الواقع في الصلاة فلا حاجة إلى ما قيل إنه مسامحة أو المراد الصبح والعصر وذكر الصلاة لبيان الدعاء وقد فسر الدعاء هنا بالصلوات الخمس وبالذكر وقراءة القرآن. قوله: (وقرأ ابن عامر يالغدوة) وكذا قرأه في سورة الكهف أبضا وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم، وغدوة وان كان المعروف فيها أنها علم جنس ممنوع من الصرف ولا تدخله الألف واللام، ولا تصح إضافته فلا تقول غدوة يوم الخميس كما قاله الفراء لكنه سمع اسم جنس أيضا منكرًا مصروفا فتدخله اللام، وقد نقله سيبويه في كتابه عن الخليل، وذكره جمّ غفير من أهل اللغة والنحو فلا عبرة بقول أبي عبيد إنّ من قرأ بالواو وأخطأ وأنه اتبع رسم الخط لأنّ الغداة تكتب بالواو كالصلاة والزكاة وهو علم جنس لا تدخله الألف واللام والمخطئ مخطئ لما مرّ، وقد ذكر المبرد عن العرب تنكير غدوة وصرفه وادخال الألف واللام عليه إذا لم يرد غدوة يوم بعينه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وكفى بوقوعه في القراءة المتواترة حجة فلا حاجة إلى ما قيل إنه علم لكنه نكر لأن تنكير علم الجنس لم يعهد ولا أنه معرفة ودخلته اللام لمشاكلة العشيّ كما في قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
إذ قال اليزيد لمجاورة الوليد ومنه تعلم أنّ المشاكلة قد تكون حقيقة. قوله: (يدعون ربهم مخلصين الخ) إشارة إلى أنّ المراد بالوجه الذات كما في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] على أحد التفاسير فيه وأنّ معنى إرادة الذات الإخلاص لها لأنه ذكر في الإشارات أنّ من الناس من أحال كون الله مرادًا لذاته وقال إنّ الإرادة صفة لا تتعلق إلا بالممكنات لأنها تقتضي ترجيح أحد طرفي المراد على الآخر وذلك لا يعقل إلا في الممكنات، وقوله عليه أي الدعاء بالإخلاص. قوله: (ما عليك من حسابهم الخ) جوّز في ما هذه أن تكون تميمية وحجازية وفي شيء أن يكون فاعل الظرف المعتمد على النفي أعني عليك، ومن حسابهم وصف له قدم فصار حالًا ومن مزيدة للاستغراق لكن تشبيه الزمخشري بقوله إن حسابهم إلا على ربي الدال على الحصر بصريح النفي والإثبات يشعر بكون شيء مبتدأ، والظرف خبر فدم للحصر، وقوله: ليس عليك حساب إيمانهم يشير إلى تقدير مضاف أو إلى أنه المراد من النظم، أو أنّ الإضافة إليهم للملابسة المذكورة وأنّ حساب الإيمان إمّا بحسب المقدار أو بحسب الإخلاص، والضمير على هذا للمؤمنين كما يعلم من مقابله، ويجوز أن يكون الضمير للمشركين وضمير تطردهم للمؤمنين وضمير سؤالهم وايمانهم راجع إلى من، ولما مشددة حينئذ أو مخففة وما مصدرية. قوله: (فإن كان لهم باطن غير مرضئ الخ) قال أبو حيان كيف يفرض هذا وقد أخبر الله بإخلاصهم في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ واخباره هو الصدق الذي لا شك فيه وليس بشيء مع قوله كما ذكره المشركون. قوله: (فحسابهم الخ) هذا بعينه ما ارتضاه الزمخشريّ وأن الجملتين في معنى جملة واحدة تؤدّي مؤذي ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأنه لا بذ منهما والا فالأولى تكفي للجواب وفي قوله كما أنّ إشارة إلى أنّ الثانية مسلمة ظاهرة حتى إنها تدل على الأولى لجعلها مقيسا عليها ولم يجعل المعنى أنّ حسابهم
[ ٤ / ٦٦ ]
ليس عليك بل علينا ليكون كقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٣ ا] لأنّ المقصود دفع قدح المشركين في فقراء المؤمنين وهو بمجرد إن
حسابهم إلا على الله لا عليك ولا دخل للثانية فيه وجعلها للتأكيد ينافي العطف كما ذكره العلامة في شرح الكشاف وأما وجه أخذ إن. حسابهم عليهم من النظم، فهو إنه كان أصله عليك حسابهم على أنه تصر قلب فإذا نفي ذلك لزم ثبوت عكسه، ولا حاجة إلى اعتبار النفي أولًا ثم اعتبار الحصر ليفيد حصر انتفاء حسابهم على النبيّ ﷺ فيلزم كون حسابهم على أنفسهم لا على النبيئ ﷺ، وتفسير حساب الرزق بالفقر لأنه الذي يتوهم مضرته وقد روي أنهم قالوا له يتبعونك لأنهم لا يجدون ما بنفقون وقوله: ولا هم بحسابك أي ولا يؤاخذون أو هو معطوف على الضمير المستتر للفصل، واعلم أنه قدم خطابه ﷺ في الموضعين تشريفا له والا كان الظاهر وما عليهم من حسابك من شيء بتقديم على ومجرورها كما في الأوّل وفي النظم ردّ العجز على الصدر كما في قوله عادات السادات، سادات العادات. قوله: (على وجه التسبب وفيه نظر) في قوله فتطردهم وجهان أحدهما أنه منصوب على جواب النفي بأحد معنيين فقط، وهو انتفاء الطرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم لأنه ينتفي المسبب بانتفاء سببه، وتوضيحه أن قولك ما تأتينا فتحدثنا بنصب فتحدثنا يحتمل معنيين انتفاء الإتيان وانتفاء التحديث كأنه قيل ما يكون منك إتيان فكيف يقع منك حديث وهذا المعنى هو المقصود هنا أي ما يكون منك مؤاخذة كل واحد بحسابه فكيف يقع منك طرد، وانتفاء التحديث وثبوت الإتيان كأنه قيل ما تأتينا محدثا بل غير محدّث، وهو لا يصح هنا وهم وان أطلقوا قولهم منصوب على الجواب فمرادهم هذا، وجوّز في الدرّ المصون أن يكون منصوبا جوابا للنهي، وأما قوله فتكون ففيم نصبه وجهان أن يكون منصوبا في جواب النهي أعني لا تطرد وأن يكون معطوفا على فتطردهم وجعله المعرلث أظهر من الأوّل ولما لم يصلح في المعنى جوابًا للنفي إلا إذا قصد تسببه على الطرد قال الط! بي: وجه النظر الذي ذكره المصنف ﵀ إنّ قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ الخ حينئذ مؤذن بأنّ عدم الظلم لعدم تفويض الحساب إليه فيفهم منه أنه لو كان حسابهم عليه وطردهم لكان ظالمًا وليس كذلك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأجاب عنه بأنّ المراد به المبالغة في معنى الطرد يعني لو قدر تفويض الحساب إليك ليصح منك طردهم لم يصح أيضا فكيف والحساب ليس إليك فهو كقول عمر ﵁ نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، وقيل بل وجه النظر أنّ الإشراك في النصب بالعطف يقتضي الإشراك في سبب النصب وهو توقف الثاني على الأوّل بحيث يلزم من انتفاء الأوّل انتفاؤه وًا نه منتف كونه من الظالمين سواء لوحظ ابتداء أو بعد ترتبه على الطرد، وأما جعله مترتبا على نفس الطرد بلا اعتبار كونه مترتبا على المنفي ومنتفيًا بانتفائه فيفوت وجود سببية النصب، وفي البحر هما منصوبان تقدمهما نهي ونفيان وكل منهما أهل أن يجاب به ولا يكون جواب واحد لمتناقضين فتطردهم جواب للنفي وتكون جواب النهي ولا يمكن عكسه لئلا يكون الجواب والمجاب واحدًا ولا يستقيم أن يقول لا تطردهم فتطردهم، ويمكن أن يكون فتطردهم جوابا للنهي كما مرّ ويكون فتكون عطفا على الجواب فالجائز وجهان خاصة أحبهما الأوّل لا الثاني إذ كلاهما لا يناسب أن يجاب لأنه بصير معناه ما عليك كل منهم فتطردهم فيناسب وان أجيب بالثاني صار
المعنى مالك كل عليهم فتطردهم فمفهومه إن كانوا يحملون عنك كان طردك إياهم حسنًا وهو خلف لا يجوز حمل القرآن عليه وهو وان خرج عن مختار البصريين لأعمال الثاني لا يضرّ لأنّ شرطه عندهم أن يكون المعنى مستقيما فيهما فان لم يستقم أعمل الأوّل اتفاقا كما في قوله، ولم أطلب قليل من المال انتهى. قوله: (ومثل ذلك الفتن الخ) يعني مثل ما فتنا الكفار بحسب غناهم وفقر المؤمنين حتى أهانوهم لاختلافهم في الأسباب الدنيوية فتناهم بحسب سبق المؤمنين إلى الإيمان وتخلفهم عنه حتى حسدوهم وقالوا ما قالوا لاختلاف أديانهم فشبه فتنا بفتن والزمخشري جعل ذلك إشارة إلى هذا الفتن المذكور وعبر عنه بذلك إيذانا بتفخيمه، ولدّا قال: ومثل ذلك الفتن العظيم
[ ٤ / ٦٧ ]
كقولك ضربت زيدًا ذلك الضرب ولا يلزم منه تشبيه الشيء بنفسه لأنّ المثل ليس بمراد، وإنما جيء به مبالغة كما يقال ذلك كذلك، كذا قرّره العلامة يعني أن التشبيه كما يجعل كناية عن الاستمرار لأنّ ماله أمثال يستمرّ نوعه بتجذد أمثاله كما أشار إليه شراح الحماسة في قوله: هكذايذهب الزمان ويفنى الى حلم فيه ويدرس الأثر
والاستمرار يقتضي التحقق والتقرر ويستلزمه، فجعل في أمثال هذا بواسطة الإشارة إلى البعيد عبارة عن تحقق أمر عظيم، وكونه عظيمأ مستفاد من لفظ ذلك المشار به إلى هذا الفتن القريب المذكور، وليست الكاف فيه زائدة، ومن قال الكاف فيه مقحمة أراد أنّ التشبيه غير مقصود فيه بل المراد لازمه الكنائيئ أو المجازي، وصاحب الكشاف لما في هذا الوجه من البلاغة والدقة اختاره وفيما ورد فيه كذلك وبعضهم لما رأى غموضه وتوهم فيه تشبيه الشيء بنفسه أوّله وتكلف لوجه التشبيه والمغايرة، وقال الطيبي: في شرح قوله وكذلك زينا في هذه السورة لما قال الزمخشري ومثل ذلك التزيين البليغ هذا على أن يكون المشار إليه ما في الذهن، وسيجيء بيانه في قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٧٨] والمبالغة إنما يفيدها الإبهام الذهني والتفسير بقوله زبن، وهو ما يعلمه كل أحد من المزين من هو انتهى. فعلى هذا المشبه به الأمر المقرّر في العقول والمشبه ما دلّ عليه الكلام من الأمر الخارجيّ، وهو تخريج لطيف إلا أنه يخالف ما نقل صاحب الكشف في سورة الدخان عن العلامة الزمخشري أنه قال: المعنى فيه أنه لم يستوف الوصف وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف فكأنه قال الأمر نحو ذلك وما أشبهه.
(أتول) أراد أنّ الكاف مقحم للمبالغة وقد سلف إشارة إلى ذلك وأنّ هذا الإقحام مطرد
في عرفي العرب والعجم انتهى. فهو من باب الكناية وهو وجه بديع، وهذا مما من الله به علينا فاحفظه، فانك لا تجده في غير كتابنا هذا. قوله: (فتنا أي ابتلينا) إشارة إلى ما قدمنا من أنّ أصل معنى الفتن تصفية الذصب ونحوه ثم استعمل في الابتلاء والاختبار. قوله: (أي أهؤلاء من أنعم الله اليم) هذا بيان لمحصل المعنى وإنما أتى بمن الموصولة إشارة إلى أنّ إنثارهم إنما هو
لوصفهم بذلك وجعله سمة لهم لعدم اعترافهم بذلك واعتقادهم أنهم ليس عليهم آثار النعمة وهذا نحو ما تزره الخطيب في قوله:
إن الذين ترونهم إخوانكم يشفى غليل صدورهم إن تصرعوا
وليس مراده بيان التقدير والإعراب ليتقدم الخبر على المبتدأ فيفيد الحصر حتى يرد عليه أنّ المعنى على إنكار أن يكونوا مختصين بإصابة الحق دونهم كما قرّره، وإذا كان المعنى على ما ذكره يكون هناك من أنعم الله عليهم من بينهم يعرفونهم بكونهم كذلك، ولكن ينكر المتكلم أن يكونوا هؤلاء الفقراء وهو غير المعنى المراد، وانّ معنى الحصر مستفاد من قوله بيننا فإنه في موضع الحال من الضمير المجرور أي منفردين من بيننا، ولم يدر أن ما توهمه غير صحيح لفظا لأنّ المبتدأ والخبر إذا تعرّفا لم يجز تقديم الخبر فيه للبس مع ما في حذف الموصول وإبقاء صلته من ااضعف وان جوّزه بعض النجاة كما في الدرّ المصون، لكني أظن أنّ هذا التكلف لم يخطر ببال المصنف ﵀. قوله: (واللام للعاقبة الخ) قيل إنّ ما يترتب على فعل الفاعل من حيث ترتبه عليه فائدة ومن حيث وقوعه في طرفه غاية، ومن حيث كونه باعثا عليه غرض بالنسبة إلى الفاعل وعلة غائية بالنسبة إلى الفعل، ولأفعاله تعالى فوائد وغايات لأنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض لما برهن عليه في الكلام، ثم إنه قد تشبه الغاية بالعلة الغائية من حيث إنها عاتبة له فتستعمل فيها اللام التعليلية على نهج الاستعارة التبعية، كاللام الداخلة على ثمرات أفعاله المسماة بالحكم، وليست هذه لام العاقبة عند الزمخشريّ ومن تابعه، وفي شرح المقاصد أنّ لام العاقبة إنما تكون فيما لا يكون للفاعل شعور بالترتب وقت الفعل أو قبله فيفعل لغرض، ولا يحصل له ذلك بل ضده فيجعل كأنه فعل الفعل لذلك الغرض الفاسد تنبيها على خطئه، ولا يتصوّر هذا في كلام علام الغيوب بالنظر إلى أفعاله، وان وقع فيه
[ ٤ / ٦٨ ]
بالنظر إلى فعا! غيره كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [سورة القصص، الآية: ٨] إذ ترتب فوائد أفعاله تعالى عليها تنبيه على العلم التانم فبينهما مباينة ولم يعتبر ابن هثام وغيره فيها هذا القيد وجعلها لا ما تدل على الصيرورة والمآل مطلقًا فيجوز أن تقع في كلامه تعالى وعليه المصنف، والفرق بين لام العاقبة وهذه في كلامه تعالى من حيث إن ترتب الفائدة في الأولى لمجرّد الإفضاء لا السببية والاقتضاء بخلاف الثانية، ولهذا كانت لام عاقبة إن لم يرد الخذلان على طريقة المصنف ﵀، وسيأتي الكلام عليه قريبا وهذا مما من الله به وينبغي للطالب حفظه. قوله: (أو للتعليل على أنّ فتنا متضمن معنى خذلنا) الخذلان تركه على ما هو فيه من الغواية من غير إرشاد واغاثة فالفتن متضمن معنى الخذلان لأنه سبب لافتتانهم وهو سبب لذلك القول أو هو من إطلاق المسبب على السبب واللام في هذا للتعليل لأنه سبب مقتض له، وان لم يكن باعثا عليه وعلى ما قبله كان ابتلاء بعضهم ببعض لما مرّ مؤدّيا إلى
الحسد المؤذي إلى ذلك القول فاللام لام العاقبة والثاني هو المذكور في الكشاف بناء على مذهبه من أنّ الفتن أمر قبيح لا يسند إلى الله، فإن كان هذا نقلًا لكلامه وأخره إشارة إلى أنه ليس مذهبنا المرضيّ عنده فظاهر، وان كان بيانًا لمعنى يحتمله النظم فالخذلان لا ينافي كون ذلك بإيجاده فكلام الزمخشريّ إشارة إلى نفيه وكلام المصنف وحمه الله ساكت عنه، وأورد هنا بعضهم سؤالًا، وهو فإن قيل التعليل هنا ليس بمعناه الحقيقي لأنّ أفعله تعالى منزهة عن العلل والأغراض فيكون مجازا عن مجرّد الترتب وهو في الحقيقة معنى لام العاقبة فلا وجه للترديد، وقيل هما مختلفان بالاعتبار فإن اعتبر تشبيه الترتيب بالتعليل كانت لام تعليل وان لم يعتبر كانت لام عاقبة وفيه إنّ العاقبة أيضًا استعارة فلا يتم هذا الفرق إلا على القول بأنه معنى حقيقيّ، وعلى خلافه يحتاج إلى فرق آخر فليتأمّل. قوله: (بمن يقع منه الإيمان والشكر الخ) الباء الأولى زائدة والثانية متعلقة بأعلم وفي الدرّ المصون العلم يتعدّى بالباء لتضمن معنى الإحاطة وهو كثير في كلام الناس نحو علم بكذا وله علم به وذكر الإيمان لأنّ الشكر على النعم الممنون بها عليهم وهي تفضيلهم في الدين، وذكره الخذلان على الوجه الثاني أو عليهما لأنه لارّم له، وتد أشرنا إلى ما فيه قريبا. قوله: (وصفهم بالإيمان بالقرآن الخ) الآيات تطلق على آيات القرآن وعلى الحجج وكل منهما صحيح هنا كما أشار إليه المصنف ﵀ لكن كان الظاهر أو مكان الواو ولذا قيل المراد بالحجج هنا الحجج القرآنية، ثم إنه جوّز في الباء هنا أن تكون صلة الإيمان وأن تكون سببية أي يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به بسبب نزول الآيات، وقوله: بعدما وصفهم بالمواظبة الخ إشارة إلى ما مرّ في تفسير الغداة والعشيّ، أمّا على الوجه الأوّل فظاهر، وأما على الثاني فلأن من واظب على هذين الوقتين مع كثرة تشاغل الناس عنهما لزمه المواظبة على غيرهما، وقوله بأن يبدأ بالتسليم أي وان كان في محل لا ابتداء به فيه إكرامًا لهم بخصوصهم كما روي عن عكرمة والا فالسلام منه ليس مخصوصًا بهؤلاء. قوله: (ويبثرهم بسعة رحمة الله الخ) تفسير لقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ والسعة مأخوذة من شمولها لمن أذنب في قوله إنه من عمل الخ، ولم يعطف على ما قبله لأنّ جملة السلام دعائية إنشاثية والذانا تعليل لقوله وصفهم الخ وفضيلتي العلم والعمل من قوله يدعون ويؤمنون، وقوله: (من الله بالسلامة) مبنيّ على الوجه الثاني في سلام، وقوله: (وقيل الخ) وجه آخر في المراد بالذين وهو حديث مرسل رواه الفريابي وغيره، وفاعل نزلت ضمير يعود
على هذه الآية وفي هذه الآية دليل على إطلاق النفس على الله من غير مشاكلة كما تقدم. توله: (اسمئناف الفا نحويّ أو بيانيّ، كأنه قيل وما هي وفي قراءة الفتح وجوه منها ما ذكره، وقيل إنه على تقدير اللام وقيل إنه مفعول كتب والرحمة مفعول له وقوله كعمر إشارة إلى ما روي سابقًا وأشار بمعنى رأى ذلك رأيًا وروي أنه ﵁ بكى عند نزولها وقال معتذرًا ما أردت إلا خيرالم ا (. توله: (في موضع الحال الخ (الجهل له معنيان كما في الكشاف عدم العلم بالشيء أو بعاقبتة والمخاطرة من غير نظر إلى العواقب كما في قوله:
ونجهل فوق جهل الجاهلينا
ولذا تمتدح به العرب فعلى الأوّل المراد بها الهالة بمضارّ ما يفعله، وعلى الثاني السفه
من غير تقديره فعول وقوله وأصلح آي في توبته بان أتى
[ ٤ / ٦٩ ]
بشروطها ولذا ذكر العزم على عدم العود مع أنه لا بد منه في التوبة، قيل وهذه الآية سيما على الوجه الثاني تقوّي مذهب المعتزلة حيث ذكر في مقام بيان سعة الرحمة أنّ عمل السوء إذا قارن الجهل ئم حصلت التوبة والإصلاح فإنه يغفر ولذا قيل: إنها نزلت! في عمر ﵁ لما قال لرسول الله! ت: " لو أجبتهم لما قالوا لعل الله يأتي بهم " قاله حين لم يعلم المضرّة وتاب وأصلح وأورد عليه أنه تقرّر في الأصول أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول الآية في حق عمر ﵁ لا يدفع الإشكال (قلت) يريد أنّ اللفظ ليس عامّا وخطاب منكم لمن كان في تلك المشاورة والعامل لذلك منهم عمر ﵁ فلا إشكال، وفسر ضمير بعده بالعمل أو السوء ولو فسره بالجهالة الملتبسة بالسوء كان أظهر، وقوله: ملتبسًا بفعل الجهالة إشارة إلى أنه حال مؤكدة حينئذ. قوله: (فتحه من فتح الأوّل غير نافع الخ) ذكر فيها وجوه منها ما ذكره المصنف، ومنها أنها منصوبة بفعل مقدر أي فليعلم أنه، وقيل إنها تكرير للأولى للتأكيد وطول العهد، والجواب محذوف وهو بعيد، وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية، وهي قراءة الأعرج والزهراوي وأبي عمر والداني ولم يطلع على ذلك أبو شامة ﵀ فقال: إنه محتمل إعرابي وان لم يقرأ به وليس كما قال. قوله: (وكذلك نفصل) قد مرّ الكلام على ذلك وقوله
في صفة المطيعين والمجرمين خالف فيه ما في الكشاف حيث قصره على الثاني لظاهر قوله سبيل المجرمين، والمصنف ﵀ رأى الاقتصار عليهم لأنّ بيان أحوالهم أهنم هنا لما فيها من المفاسد التي يجب التنبيه عليها أو اكتفاء بذكر أحد الفريقين واستبان كتبين يكون لازما ومتعديًا، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٩] على أهل الطبع وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥١] على أهل إمارة القبول وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ على المطيعين أو المفرطين قال النحرير: قوله فصلنا ذلك إشارة إلى تقدير متعلق لام لتستبين وقدره ماضيا نظرًا إلى ما اقتضاه المعنى، وذكر تفصيل الآيات بلفظ المضارع لقصد الاستمرار وتناول الماضي والآتي، ومبناه على كونه من قبيل ضربت كذلك وهو على التشبيه ظاهر أيضا، وتذكير السبيل وتأنيثه لغتان مشهورتان وقوله بما نصب الخ راجع لصرفت، وأنزل راجع لزجرت على اللف والنشر المرتب، ولتستبين معطوف على مقدر هاليه أشار المصنف ﵀ بقوله ليظهر الحق الخ. قوله: (عن عبادة ما تعبدون) تفسير لقوله إن أعبد فتدعودط إما بمعنى تعبدون لتضمن العبادة للدعاء أو بمعنى تسمونها آلهة، وقوله: تأكيد لقطع أطماعهم جعله تأكيدًا لأنه يفهم من نهيه عما هم عليه المذكور قبله مع استمرار المضارع المنفي هنا والموجب للنهي كون ما هم عليه هوى باطل واستجهالهم من اتباع الهوى وترك الهدى، أو من قوله نهيت لأنّ من لم تنهه الأدلة فهو جاهل واليه جنح الزمخشري. قوله: (وتنبيه لمن تحرّى الحق الخ) قيل إنه ميل منه إلى مذهب الأشعري وغيره من أنّ إيمان المقلد غير صحيح في حق الآخرة كما تقرّر في الأصول، ولك أن تفول مراده بمن تحر ٣، الحق من يقدر على الاستدلال، والمراد بقوله ولا يقلد التقليد الصرف كما يفعله الكفرة وأهل الاهواء. قوله: (أي في شيء من الهدى) قيل هو من المهتدين أبلغ من هو مهتد
فنفيه بالعكس فهو هنا لتأكيد الخفي لا لنفي التأكيد، واليه أشار المصنف بقوله في شيء من الهدي وهو معنى دقيق، وهو ردّ لما قيل إنّ في هذا التفسير نظرًا لأنّ هذا الأسلوب في الإثبات يوجب أن يكون المدخول ليس ممن له حظ قليل في ذلك الوصف بل له حظوظ وافرة، وفي السلب يوجب أن يكون المدخول له حظ ما فيه وفي الكشاف في قوله تعالى: ﴿لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٦٨] قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عاليم لأنك تشهد له بكونه معدودًا في زمرتهم معروفا بمساهمته لهم وعراقته في وصفه وأجيب بأن إفادة معنى الاستغراق في نفي الهدي ليست من هذا القبيل بل جواب لما دل عليه قل لا أتبع أهواءكم على سبيل التعريض كأنه قيل إن اتبعت أهواءكم ضللت وكنت منكم وممن انغمس وتوغل في الضلال ولا أكون من الهدى في شيء مثلكم، وهو يدل على أنه من زمرة المهتدين المساهمين فيه، وهو وأن كان له وجه لكن الأوّل أولى، وهذه الفائدة قد ذكرها ابن جني ﵀ في الخصائص وقد بسطنا الكلام فيها في غير هذا
[ ٤ / ٧٠ ]
المحل وقيل إنه يريد أنّ نفي كونه من المهتدين يستلزم نفي كونه في شيء من الهدى لأنّ الشخص بأدنى شيء يعدّ منهم، وقوله: وفيه تعريض بأنهم كذلك فهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٥] كما تقرّر في المعاني. قوله: (والبينة الدلالة الواضحة الخ) هكذا فسرها الراغب على أنها من بان يبين بمعنى ظهر، ولذا قيل فالوضوح ليس مأخوذًا من التنكير كما قيل وقوله التي تفضل الخ إشارة إلى أنها من البينونة بمعنى الانفصال والمعنى الأصلي ملاحظ فيها وان صارت بمعنى الدليل، ولما قال في الكشاف بعد تفسيرها بما ذكر يقال أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتًا عندك بدليل علم أنّ قيد الوضوح ليس في مفهومها فلذا قيل إنه مأخوذ من التنكير وبان بمعنى ظهر وبمعنى انفصل معنى آخر فلا ينبغي خلطهما، وقيل المراد القرآن فعطف الوحي عليه من عطف العامّ على الخاص والبينة ما به التبيين أو المبينة، وقوله من معرفته إشارة إلى تقدير مضاف في أحد الوجهين. قوله: (على بينة من ربر) إن قيل معناه على حجة من جهة ربي فعلى هذا من ربي صفة لبينة على معنى كائنة من ربي صادرة عنه، وضمير به للبينة لأنها بمعنى البيان والمثبت كما قاله الزجاج لا لربي إذ الفرق للتفرقة، والتفصيل بينه وبينهم، وذلك إني صدقت بالبينة وأنتم كذبتم بها بخلاف ما إذا قيل وأنتم كذبتم بربي وأمّا على الوجه الآخر فالمعنى من معرفة ربي فيعود الضمير على ربي لأنّ المعنى أني صدقت به وأنتم كذبتم به وعليه فالخبر مقدر يتعلق به على بينة ومن ربي أي على بينة لأجل معرفة ربي،
ويجوز أن بكون من ربي صفة بينة أيضًا ومن اتصالية أي بينة متصلة بمعرفة ربي أنا عليها كما في شروح الكشاف فنزل عليه كلام المصنف ﵀، وقوله باعتبار المعنى إشارة إلى تأويل البينة بما مرّ. قوله: (في تعجيل العذاب وتأخيره) قيل هو أولى من تخصيص الزمخشريّ بالتأخير ثم إنه قد سلك مسلك المصنف في تفسير يقضي وكأنه لم يقف على مراده من أنّ المقصود من قوله: إن الحكم إلا لقه التأسف على وقوع خلاف مطلوبه كما يشهد به موارد استعماله، وهو على التأخير فقط ثم أردفه بالقضاء بالحق فيهما تكميلا للخاص لإردافه بأمر عام كقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الملك، الآية: ا] وهو أولى مما ذكره المصنف فلله درّ العلامة ما أدق نظره. قوله: (أي القضاء الحق الما كان القضاء يتعدّى بالباء لا بنفسه قالوا: إنّ الحق منصوب على المصدرية لأنه صفة صدر مصدر محذوف قامت مقامه أو يقضي ضمن معنى ينفذ أو هو متعدّ من قضى الدرع إذا صنعها كقوله: وعليهمامسرودتان قضاهما داود
فهو استعارة وقوله فيما يقضي ظرف ليقضي على المعنيين، وقوله: وأصل الحكم المنع
من حكمة لجام الفرس وقوله: من قص الأثر أي بالصاد المهملة المشدّدة قيل وهذه قراءة لا تناسب ما بعده فإنّ قوله خير الفاصلين يقتضي ذكر القضاء قبله والا لقيل خير القاصين وردّ بأنه قرئ بذلك فكأنّ هذه القراءة لم تبلغه وبأنّ القصص بمعنى القول وهو يوصف بالفصل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [سورة الطارق، الآية: ١٣]، وغيره فيناسبه مع أنّ معنى يقصه أنه بينه بيانًا شافيًا وهو عين القضاء، وقضى الأمر بمعنى قطع، وقطع الأمر بينه وبينهم كناية عن إهلاكهم. وقوله: (يؤخذ الخ) أي يهلك ويؤخر هلاكه وفسر عنده بما هو في قدرته لأنه يشترط فيها الحضور بالفعل ولذا قد يراد بها العلم أيضا وجعله في المعنى استدراكا لأنّ مآله لو قدرت أهلكتكم، ولكن الله أعلم بمن يهلك من غيره وله حكمه في عدم التمكن منه. قوله:) خزائنه جمع مفتح بفتح الميم الخ) هو بالفتح المخزن والخزانة والكنز لأنه مما يفتح فكأنه محل الفتح، والمفتاح والمفتح بكسر ميمي ما آلة الفتح وسمة في العنق والفخذ قيل والأنسب جعله بمعنى الكنز على أنّ مفاتح الغيب من قبيل لجين الماء، وأخر الزمخشري تفسيره بالخزائن لعدم
تبادره من لفظ المفاتح، وعليه فهو استعارة مكنية وتخييلية شبه الغيب بأمور تحفظ وتصان، وأثبت لها المخازن تخييلًا، والمقصود أنّ علمها مخصوص به لأنه يلزم من علم المخازن علم ما حفظ فيها، ولذا لم يعطف عليه جملة لا يعلمها إلا هو لاتحادهما معنى فهي مؤكدة، وقال الإمام المراد على هذا التفسير أنه القادر على جميع الممكنات كما في قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢١]، والخزائن والمخازن متقاربان بأن معنى لكن الأولى لغة القرآن الفصيحة فلذا فسر النظم بها ثم أشار بعد إلى أنهما بمعنى فلا يقال لو قال مخازنه لكان أنسب
[ ٤ / ٧١ ]
بما بعده والأمر فيه هين. قوله: (مستعار الخ) يعني أنها مكنية وتخييلية إذ شبه الغيب بالأشياء المستوثق منها بالأقفال وإثبات المفاتيح تخييل كإظفار المنية، وأمّا جعلها تمثيلية فبعيد، وكذا جعل المفاتح بمعنى لعلم وجعله قرينة المكنية بناء على أنه لا يلزم أن يكون حقيقة كما تقرّر في ينقضون عهد الله أو هو استعارة مصرحة والإضافة إلى الغيب قرينتها، وهذا أسلم من التكلف، وجوّز فيه أن يكون مجازًا مرسلا فإنّ كونه مفاتح الغيب مستلزم للتوصل إليه، وتأييد قراءة مفاتيح ظاهر، ولذا قيل إنّ مفاتح جمع مفتاح كما قيل في جمع محراب محارب وجوّز الواحدي في مفتح بفتح الميم أن يكون مصدرا بمعنى الفتح. قوله: (والمعنى أنه المتوصل الخ) الظاهر أنه تفسير للوجه الثاني وينتقل منه إلى معنى الأوّل كما خصه به الزمخشرفي وجعله تفسيرًا لهما ينبو عنه اللفظ، وقوله إنه المتوصل الحصر من تقديم الخبر، والمراد بالتوصل إحاطة العلم والإحاطة تؤخذ من لام الاستغراق، ووجه اختصاصها به تعالى أنه لا يعلمها كما هي ابتداء إلا هو، وقيل المراد بالغيب المغيبات الخمس، وفي الانتصاف لا يجوز إطلاق المتوصل على الله إذ لم يرد إذن به مع إيهامه بتجدد الوصول، وما في صيغة التوصل من الإشعار بأنه وصل بعد تباعد عن نيله ولا يدفعه ما قيل إنه يراد به الاستمرار التجددي ولذا أشار النحرير إلى أنه مرتضى عنده وهو غير وارد على المصنف ﵀ لأنه وصف به العلم ولم يطلقه على الله. قوله: (فيعلم أوقاتها) فيه إشارة إلى ربطها بما قبلها وهو ظاهر وقوله وفيه دليل الخ أورد عليه أنّ علمه تعالى ليس بزمانيّ فلا قبلية ولا بعدية بينه وبين الأشياء الواقعة في الأزمنة وأجيب بأنه عند من جوّز كون علمه زمانيا لا إشكال فيه ومن منعه وهو الصحيح تأوّل القبلية والبعدية بأنها بالنظر إلى وجود المعلوم دون العلم أو بالنظر إلى تعلقه الحادث، وقيل لا شك في تقدم ذاته تعالى وعلمه على المصنوعات غايته أن ذلك التقدم ليس بزمانيّ بل بنوع من التقدم كتقدّم أجزاء الزمان بعضها على بعض كما حقق في محله يعني
أنّ قبل هنا مجاز عن مطلق التقدم، وهو وجه حسن. قوله: (عطف للأخبار الخ) أي هو معطوف على قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الخ لأنّ قوله لا يعلمها إلا هو كالتأكيد لها فلا يصح عطفه عليه لأنه لا يصلح للتأكيد ولو كان علمه لها على وجه التفصيل والاختصاص لأنّ علم الغيب والشهادة متغايران، فلا يؤكد أحدهما الآخر، نعم من لم يجعلها مؤكدة يجوزه فيكونان مستأنفتين لتفصيل علمه وشموله ولا تعلق له بما قبله، ويصح أنّ المجموع مؤكد لاشتماله على مضمون ما قبله لأنه ليس توكيدًا اصطلاحيًا، وجعل المعرب الجملة الأولى حالًا فلا مانع من العطف عنده والمصنف ﵀ لم يتعرّض! لذلك فكلامه يحتملهما. قوله: (ألا يعلمها) حال من ورقة وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النفي والتقدير ما تسقط من ورقة إلا عالمًا بها لصحة التفريغ في الحال أو نعت لها بناء على جوازه فيه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٤] ومن في من ورقة زائدة في الفاعل وما بعده معطوف عليه، وقرئ بالرفع عطفًا على المحل وسيأتي وقوله مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات ردّ على الفلاسفة في قولهم إنه لا يعلمها وهو قول باطل، إلا أنّ المحقق الطوسي أنكره وقال إنهم لم يفهموا كلامهم، وله فيه رسالة جليلة. قوله: (بدل من الاستثناء الأوّل بدل الكل الخ) قال أبو البقاء ﵀: إلا في كتاب إلا هو في كتاب مبين، ولا يجوز أن يكون استثناء يعمل فيه يعلمها لأنه يصير المعنى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب فينقلب المعنى من الإثبات إلى النفي فإذا يكون الاستثناء الثاني بدلًا من الأوّل أي ولا تسقط من ورقة ولا حبة ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وما يعلمها إلا هو، وهذا معنى قوله في الكشاف إنه كالتكرير وقيل أي من جهة المعنى على ما بين وأما من جهة اللفظ فهو صفة للمذكورات كما أنه لا يعلمها إلا هو صفة لورقة، وأمّا ما يقال إنه تأكيد للاستثناء الأوّل أو بدل وإنه ليس استثناء من لا يعلمها اللزوم كونه نفيًا من الإثبات لكون لا يعلمها إلا هو إثباتًا من المنفي فمما لا ينبغي أن يصفي إليه المحصل، ا! فهو اسنثناء من أعمّ الأوصاف والمعنى ما تسقط من ورقة بوصف إلا بأنه يعلمها وكذا حال إلا في كتاب والحصر إضافيّ بالنسبة إلى غير العلم، والذي جنح إليه إنه إن دخل في حيز العطف لم تصح البدلية والا فلا لتخلل العطف
[ ٤ / ٧٢ ]
وفصله بين البدل والمبدل مع أنه قيل عليه إنّ صفة شيء كيف تكون تكرير الصفة شيء آخر معنى، ووجه كونه بدلًا أنّ قوله ولا رطب ولا يابس معطوفان على ورقة ليشاركاها في صفتها أعني لا يعلمها إلا هو فكأنه قيل ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها، ولا يخفى أنه تكلف لا
حاجة إليه وأنّ ما أورده غير وارد لأنّ الورقة داخلة في الرطب واليابس فلا تغاير بحسب المعنى فصح ما ذكره وسيأتي له تفصيل في سورة يونس.
قوله: (أو بدل الاشتمال) ولا يصح أن يكون بدل كل من كل لعدم اتحادهما وهو ظاهر، وأما ما قيل أنّ اللوح محل معلوماته فيؤول إليه فتكلف لا حاجة إليه مع صحة الاشتمال، وكذا ما قيل إنه حينئذ يصح أن يكون بدل كل من حيث إنّ كونها في اللوج كناية عن كونها معلومة له لأنه خلط بين التفسيرين بجعلهما واحدًا والكلام ناطق بخلافه، وقال الزجاج: إنه تعالى أثبت المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال إلا في كتاب من قبل أن نبرأها وفائدة ذلك أمور أحدها اعتبار الملائكة موافقات المحدثات للمعلومات الإلهية، وثانيها تنبيه المكلفين على عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكر أنّ الورثة والحبة في الكتاب، وثالثها عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب ولذا قال جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا الكتاب يسمى اللوج المحفوظ. قوله: (استعير التوفي الخ (أشار بذكر المصدر إلى أنّ الاستعارة تبعية وقوله في زوال الإحساس إشارة إلى وجه الشبه بينهما والظاهر أنّ أل فيه للعهد أي إحساس الحواس الظاهرة لأنه ذكر في سورة يوسف أن الحواس الباطنة تدرك في النوم، وقيل إنه بناء على ما اشت! هر من أنّ النوم ضد الإدراك، وجعل صاحب التلخيص وجه الشبه عدم ظهوو الفعل وقوله جريًا على المعتاد أي من الكسب في النهار وعدمه في الليل والا فقد يعكس. قوله: (يوقظكم الخ (يعني أنّ البعث بمعنى الإيقاظ ضمير فيه للنهار على ما ذهب إليه كثير من المفسرين والزمخشري لما رأى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ (دالًا على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة ثم تقتضي تأخير البعث عنها عدل عنه فقال في تفسيره ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار ومن أجله كقولك فيم دعوتني فتقول في أمر كذا فجعل الضمير جاريًا مجرى اسم الإشارة عائدا على مضمون كونهم متوفين وكاسبين ومفى في هو حاصل معنى لام العلة والأجل المسمى هو الكون في القبور قال النحرير: ولا يخفى ما فيه من التكلف وأنه لا حاجة إليه لأنّ قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي وأنّ الإيقاظ متأخر عن التوفي وان قولنا يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدّرة كلام منتظم غاية الانتظام، ولا يخفى أنه تكلف بعيد وما قيل في وجه التراخي أنّ
حقيقة الإنامة في الليل تتحقق في أوّله، والإيقاظ متراخ عنه وان لم يتراخ عن جملته ليس بسديد لأنه لا وجه حينئذ لتوسط قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ ومعنى جرحتم كسبتم مأخوذ من جوارج الطير. قوله: (ترشيحا للتوقي) قيل فعلى هذا يكون الترشيح مجازًا، وقد يقال إنه ليس بمجاز، ولا يخفى أنّ الترشيح له نوع خصوص بالمشبه والبعث مما لا خصوص له إذ يقال بعثه من نومه إذا أيقظه كما صرّح به في المطول ولك أن تتكلف بأنه كذلك في اللغة لكنه حقيقة شرعية في إحياء الموتى في الآخرة (قلت) كونه ترث! يحًا باعتبار ما ذكر.، وأنه المتبادر في عرف الشرع وان كان لغة أعنم وإذا أسند إليه تعالى لم بفهم منه إلا هذا أو الإيجاد وبعث هنا ليس مجازًا كما توهم بل حقيقة جعل ترشيحا لما مرّ ولا يشترط في الترشيح اختصاصه بالمشبه به، بل أن يكون أخص به بوجه كما قرّروه في قوله:
له لبد أظفاره لم تقلم
إذ جعلوا لم تقلم ترشيحا والبعث في الموت أقوى لأنّ عدم الإحساس فيه أقوى فإزالته
أشد، وهو ظاهر وإن خالفه ما في المطوّل لأنه غير مسلم حتى جعله بعضهم قرينة في قوله من بعثنا من مرقدنا مع أنّ البعث حقيقة في الإيقاظ لكن المتبادر منه ما ذكروا لا لم يكن ترشيحا بل تجريدا، ولو سلم أنه مجاز فهو لا ينافي الترشيح، قال في الفرائد: الترشيح يجوز أن يكون باقيًا على حقيقته تابعا للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتها وأن يكون مستعارا من ملائم المستعار لملائم المستعار له، فلا يتجه ما قيل فيه بخث لأنه لما كان
[ ٤ / ٧٣ ]
البعث مجازًا عن الإيقاظ لم يكن من الترشيح في شيء، لأنّ الترشيح باق على حقيقته لا يعتبر فيه تشبيه ولا استعارة، والذي غرّه ظاهر كلامهم، وكذا ما قيل البعث الإثارة لا الإيقاظ غايته أنّ بعث النائم يكون! ايقاظه فلا ترشيح فيه ولو قلنا بعث النائم بايقاظه لا يكون ترشيحًا بل تجريدًا. قوله: (ليبلغ المتيقظ الخ) الظاهر إنه علة غائية لما تقدم أعني، وهو الذي يتوفاكم الخ أي جعل هذا منتهى أعماركم، وقوله: أخر أجله إما تفسير للمراد من الأجل، أو إشارة إلى أنّ المراد به مجموع العمر لأنه يطلق عليهما كما مرّ. قوله: (ثم إليه مرجعكم) قال الثريف المرتضى: في الدرر والغرر فيما وقع في القرآن من ذكر الرجوع إلى الله نحو إليه ترجع الأمور كيف ترجع إليه وهي لم تخرج عن يده، وأجاب بأنه في دار التكليف قد يغير البعض فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره فإذا انكشف الغطاء انقطعت حبال الآمال عن غيره فيرجع إليه، أو أنّ المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقي فرجع بمعنى صار تقول العرب: رجع عليّ من فلان مكروه بمعنى صار، ولم يكن سبق، فهو بمعنى المصير إليه كما تشهد به اللغة أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ظاهرًا كالعبد لسيده، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة زال ذلك ورجع الأمر كله إلى الله ظاهر أو باطنا، قيل ولو حمله على البعث من القبور لكان أولى لأنّ انقضاء الأجل يتضمن
الموت، والظاهر أنه تمثيل مثل قدم على ربه وقوله بالمجازاة هو إمّا مجاز فيها أو كناية ثم إنه يحتمل أن يكون ما في القبر أو ما بعده أو أعثم منهما، ولو فسر بالمحاسبة وعرض الصحف لكان أظهر. قوله: (وقيل الآية خطاب للكفرة الخ) هذا مختار الزمخشرقي لأنها مسوقة للتهديد كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم﴾ الخ ولأنّ حمل البعث على الإيقاظ تكرير مع ذكر كسب النهار ولأنّ ثم تدل على التراخي وهنا ليس كذلك وقد مرّ جوابه، وأما الجواب بأنّ واو ويعلم حالية وما عبارة عما كسب في النهار السابق كما يرشد إليه عدم إيراده بصيغة الاستقبال فلا دلالة فيه على أنّ الإيقاظ عن هذا التوفي وكلمة، ثم إنما تدل على تأخر الإيقاظ عن التوفي دون غيره، ولو سلم فإنما يدل على تأخره عن العلم دون الجرج ولا ضير فيه، ف! نه يعلم في الماضي أنهم يكسبون كما في الآتي، ثم إنّ المتبادر هو البعث عن التوفي المذكور لا عن غير المذكور فحمله عليه غير سديد لأنّ واو الحال لا تدخل على المضارع إلا شذوذًا أو ضرورة في المشهور، وقوله: في شأن الخ يشير إلى أنّ الضمير واقع اسم الإشارة، كما مرّ ومعنى في شأنه لأجل جزائه وحسابه وتشبيه نوم الليل بالموت لما فيه من ترك العبادة فتكون بيوتهم مقابرهم كما قيل: أيا نائم الليل هنئته فقبل الممات سكنت القبورا
وقوله ليقضي الأجل الخ فالمراد بالأجل مدة موتهم أو غايتها، وقوله: سماه وضربه أي
عينه والبعث علة لانقضاء تلك المدة، فإن قلت قد علل البعث بقوله فيه على هذا التوجيه فما وجه قوله ليقضي، قلت هو تعليل لتأخير البعث المستفاد من ثم، وفي الكشف وأما إن قضاء الأجل المسمى لا يصلح علة للبعث فليس بشيء بعدما فسره المصنف بقوله الأجل المضروب لبعثهم وجزائهم أي يبعثكم من القبور ليقضي أجل البعث والجزاء فيه، وهو متأخر عن البعث لا محالة ألا ترى إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة يونس، الآية: ٤] وقال العلامة في شرح الكشاف لا شك أنّ ظاهر الآية على العموم لكن قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ يدل على تهديد شديد لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين، ولهذا فسر التوفي وان كان مسندا إلى الله بانسداحهم كالجيف لأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل كما أنّ قوله ما جرحتم الخ بيان حالهم المذمومة في النهار، ويتوفاكم أي يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [سررة الزمر، الآية: ٤٢] الآية، وفي أكثر التفاسير يبعثكم يوقظكم في النهار ليقضي أجل مسمى أي مدة الحياة ثم إليه مرجعكم بعد الممات، ثم ينبئكم بالمجازاة وإنما عدل عنه لأنّ قوله ويعلم ما جرحتم بالنهار دال على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة، ثم تقتضي تأخر البعث عنها، فإن قلت البعث من القبور ليس علة لقضاء الأجل المسمى فنقول المراد بالأجل المسمى مدّة الكون
في القبور لا مذة الحياة كما قالوا والبعث علة لانقضاء تلك المدّة. قوله: (من النوم الخ) فان قلت النوم ضروري فالنائم غير مكلف
[ ٤ / ٧٤ ]
فكيف يحاسب عليه، قلت المراد أنه يحاسب على أسبابه ومقدماته فإنها اختيارية ألا ترى أنّ من نام في آخر الوقت حتى فاتته الصلاة يكون عاصيا بنومه. قوله: (وهو القاهر) قد مرّ تفسيره وفوق منصوب على الظرفية حال أو خبر بعد خبر، وذكر الإرسال بعده ليفيد أنّ إرساله ليس لاحتياجه بل لما ذكر من الحكم، وقوله: (تحفظ أعمالكم) تفسير للحفظة جمع حافظ ككتبة وكاتب، ويحتمل أنّ المراد بهم المعقبات التي تحفظه من بين يديه ومن خلفه، ويرسل مستأنف أو عطف على القاهر لأنه بمعنى الذي يقهر ولا يصح جعله حالًا لأن الواو الحالية لا تدخل على المضارع، وتقدير المبتدأ لا يخرجه عن الشذوذ على الصحيح وعليكم متعلق بيرسل أو بحفظة، والإشهاد جمع شهد كصحب وهو جمع شاهد، أو اسم جمع له لأن فاعلا لا يجمع على أفعال إلا نادرًا، وقوله: يحتشم بمعنى يستحي، وضمير من خدمه إمّا إلى السيد أو إلى العبد، قيل والمبالغة في الثاني أكثر وخدم بفتحتين جمع خادم، وهو من نوادر الجموع، وقوله ملك الموت وأعوانه جمع عون وهو المعين والظهير، والظاهر منه أن قبض الأرواح بجملتها ليس موكولًا إلى ملك الموت بل له أعوان يقبضونها معه، وقيل إنّ المباشر ملك الموت ﵊ واسناد الفعل إلى المباشر والمعاون معًا مجاز كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلا، والقاتل واحد منهم وقد يسند إليه فقط، والى الله تعالى وتوله حتى أي بلغت غلبته إلى أنهم لا يتأتى لهم مخالفة رسله في قبض الأرواح، وليس متعلقا لإرسال الحفظة حتى يقال ليس غاية إرسال الحفظة وقت مجيء الموت إلى أحدهم. قوله: (والمعنى الخ) يعني معنى قراءة التخفيف والضمائر كلها للرسل، والإفراط مجاوزة الحد وهو يكون بالزيادة والنقصان والتفريط التقصير، ولذا فسره بالتواني والتأخير، وقيل إنه على القراءتين، وفيه لف ونشر مرتب إن كان ضمير لهم للناس وما عبارة عن آجالهم وغير مرتب إن كان الضمير للرسل وما عبارة عن الإكرام والإهانة، وفيه نظر. قوله:) ثم رذوا إلى الله الخ) قيل الضمير للكل المدلول عليه بأحد وهو السرّ في مجيئه بطريق الالتفات والإفراد
أوّلًا والجمع آخرا الوقوع التوفي على الانفراد، والرذ على الاجتماع أي ردّوا بعد البعث، وقيل أيضا فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأنّ الرذ يناسبه اعتبار الغيبة، وان لم يكن حقيقة لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه طرفة عين، وقيل عليه ضمير ردّوا عبارة عن الأحد العامّ إذ المراد ليس فردًا واحدًا إلا عن المخاطبين فالالتفات واحد، ثم إنّ الردّ إنما يقتضي غيبتهم وقت الردّ لا وقت الخطاب بأنكم تردّون فكأنه لم يسمع قوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٩٤] ولا يخفى أن الأحد وان كان يعمّ كما مرّ في سورة البقرة، لكنه لما أضيف إلى المخاطبين اقتضى ذلك التغاير بينهما والردّ لا يختص بل يعمّ الجميع فرجع إلى العباد فيكون فيه التفاتان بلا تكلف، وكون الرذ يقتضي الغيبة مما لا شبهة فيه لأنه لا يردّ إلا من ذهب وغاب فالمردود في أوّل تعلق الرذ به غائب، وبعده يصير حاضرا، فيجوز اعتبار كل من حاليه، واعتبار حالة البعد أنسب بالمقام فلا يرد ما ذكره وهو لا ينافي الخطاب في تردّون ولكل وجهة.
وللناس فيما يعشقون مذاهب
وقوله: (إلى حكمه وجزائه) وقيل إنه الرذ من البرزخ إلى موضع العرض والسؤال، وليس ببعيد من هذا. قوله: (العدل) الحق يطلق على الله إمّا مجازا وهو بمعنى العدل، أو مظهر الحق أو واجب الوجود، أو الصادق الوعد، ونصبه على المدج، أو على أنه صفة للمفعول المطلق أي الردّ الحق، فلا يكون حينئذ المراد به الله. قوله: (لا يشنله حساب عن حساب) هذا بناء على أنه يحاسبهم، وقيل إنه يأمر الملائكة بذلك فيحاسب كل إنسان ملك وإذا حاسبهم بنفسه في زمان قليل لزم أن لا يشغله حساب عن حساب فلا يرد ما قيل إن هذا المعنى لا يدل عليه قوله اسرع الحاسبين، وقوله مقدار حلب شاة عبارة عن تقليل زمانه وهو أنه عنده. قوله: (فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب) أي إنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وقوله ذو كواكب كقوله:
إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا
بناء على أنّ الليل إذا لم يستتر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها، وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب فيه، ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب مظهرًا أي أظلم يومه لاشتداد الأمر فيه كما قال الهذلي:
[ ٤ / ٧٥ ]
إني أرى وأظن أنّ ستري وضح النهاروعالي النجم
وقد تلطف بعض المتأخرين فيه إذ قال:
قد أعرت الشباب غيري وما زال شباب الإنسان ثوبا معارا
أطلع الشيب في عذارى نجوما فرأيت النجوم منه نهارا
قوله: (أو من الخسف) معطوف على قوله من شداندهما قيل فهو على الأوّل استعارة للهول، وعلى هذا المراد حقيقة الظلمات يعني ليس المراد شذة الخسف والغرق حتى يدخل هذا الوجه في الأوّل فيكون أعئم منه بل المراد ظلمة البرّ بالخسف في الأرض، وظلمة البحر بالغرق فيه فتغايرا، ومنهم من جعله كناية عن الخسف والغرق فهو حقيقة أيضا. قوله: (معلنين ومسرين (يعني نصبها على الحال أو المصدرية، وقيل بنزع الخافض، والإعلان والإسرار ي! ضمل أن يراد بهما ما باللسان والقلب، وقراءة خفية بالكسر لأنها لغة فيه كالأسوة والأسوة. قوله: (على إرادة القول) أي تقديره والقول المقدر حال أو على إرادة معناه من تدعون بناء على مذهب الكوفيين في الحكاية بما يدلّ على معنى القول من غير تقدير، والصحيح الأوّل فيكون محل الجملة النصب، وقيل إنّ الجملة القسمية تفسير للذعاء فلا محل لها، وقرأ الكوفيون أنجانا بلفظ الغيبة مراعاة لقوله تدعونه والباقون أنجيتنا بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدعاء. قوله: (غتم سواها (أمره بالجواب تنبيها على ظهوره كما مرّ أو إهانة لهم إذ لا يلتفتون لخطابه، والمصنف ﵀ نظر إلى الظاهر فخصه بقوله سواها لتقدم قوله منها فكل للتكثير حينئذ، ولا حاجة إليه بل يجوز أن تبقى على أصلها من التعميم والإحاطة وذكر التعميم بعد التحصيص كثير، ولا يعدّ تكرأرًا، ثم إنّ المراد بالكرب ما يعم ما تقدم ولا محذور في التعميم بعد التخصيص أو أهوال القيامة، أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى كالأمراض والأسقام، فما قيل إن هذا يدلّ على أنّ المراد بما تقدم كرب مخصوص كالخسف والغرق والا فشدائد البر والبحر تتناول جميع الشدائد والكرب فلا فائدة في التعميم، أو الأولى نعمة رفع وهذه نعمة دفع هانه من قبيل متقلدًا سيفًا ورمحًا تكلف لا داعي له. قوله: (تعودون إلى الشرك الخ (لأنّ الخطاب للمشركين وشركهم مقدّم على ذلك، فالشرك المذكور بالمضارع، وثم شرك آخر عادوا إليه بعد النجاة كما يقتضيه السياق، وهذا يؤيد ما سلكه الزمخشرقي سابقا من تخصيص الخطاب بالكفرة ووضع تشركون موضع لا تشكرون ا) أي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لأنّ إشراكهم تضمن عدم صحة
عبادتهم وشكرهم، لأنه عبادة بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه إذ التوحيد ملاك الأمر، وأساس العبادة فوضعه موضعه توبيخا لهم لعدم الوفاء بالعهد، ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللازم تنبيهًا على استبعاد الشرك في نفسه. قوله: (قل هو القادر) في الكشاف هو الذي عرفتموه قادرا أو هو الكامل القدرة، ولشراحة فيه كلام فقيل مراده أنها للعهد أو للجنس، وأنّ الحصر فيه باعتبار الكمال أو لخصوص هذه الأشياء المذكورة في النظم، وإنما أوّله بذلك لأنّ في هذه الأمور شرورًا وقبائح لا تسند إليه عند المعتزلة، وفيه تفصيل كفانا المصنف ﵀ مؤنته بتركه وقوله: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ المراد به جهة العلو وجهة السفل، فلا يتوهم أنّ الماء ليس تحت أرجلهم، والذي من فوقهم كأمطار حجارة من سجيل في قصة الفيل، وأرسال السماء في قصة نوح وإمطار الحجارة على قوم لوط ﵊. قوله: (أو يلبسكم) معنى يلبسكم يخلطكم فقيل: المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم ببعض، وهو مراد المصنف ﵀، وقيل: المراد يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر وخلط أمرهم عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء وشيعا جمع شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر، وهو حال وقيل إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه. قوله: (فينشب القتال بينكم الخ) أصل معنى النشوب التعلق وفي الحديث قد نشبوا في قتل عثمان ﵁) ١ (، أي وقعوا فيه ويكون نشب بمعنى لبث نحو لم ينشب أن مات أي لم يلبث وليس مرادًا هناه قوله: (وكتيبة الخ (هو شعر للفرار السليّ وهو:
[ ٤ / ٧٦ ]
وكتيبة لبستهابكتيبة حتى إذا التبست نفضت لهايدي
فتركتهم نفض الرماح ظهورهم من بين منعقروآخرمسندي
ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت دون رجالها لاتبعدي
فلبستها بمعنى خلطتها فالتب! ست أي اختلطت، والمراد بقوله نفضت لها يدي أنه فرّ يقال نفضت يدي من فلان إذا وكلته لنفسه، ويقال في ضده قبضت كفي وجمعت عليه يدي، والمراد تبريه منهم وتركهم وشأنهم كقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٦ ا] يريد أنه مهياج للشر خبير بمداخله ومخارجه وفيه طرف من اللؤم والجبن، ولذا
عيب عليه هذا المقال، والكتيبة بالتاء المثناة الجيش. قوله: (يقاتل بعضكم بعضًا) هذا التفسير مأثور، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ة سألت الله أن لا يبعث على أمّتي عذابًا من فوقها أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألتة أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل ﵊ أن فناء أمتي بالسيف " (١ (. فإن قلت كيف أجيبت الدعوتان وقد وقع الخسف وسيكون خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بالجزيرة. قلت الممنوع خسف مستأصل لهم، وأمّا عدم إجابته في بأسهم، فبذنوب منهم، ولأنهم بعد تبليغه ﷺ، ونصيحته لهم لم يعملوا بقوله. قوله: (بالوعد والوعيد) فسره بعضهم بقوله يحوّلها من نوع إلى آخر من ًا نواع الكلام تقريرًا للمعنى وتقريبا إلى الفهم، والوعد والوعيد لا يناسب قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ وقيل الترغيب والترهيب ربما يحمل الإنسان على تأمّل يقوده إلى برهان، وهذا مصحح لا مرجح وقوله الواقع لا محالة الخ لف ونشر مرتب والصدق صدق إخباره وأحكامه. قوله: (بحفيظ وكل إلئ أمركم) أصل معنى التوكيل أن تعتمد على غيرك قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ والموكل على القوم هو الذي فوّض! أمرهم إليه فهم يعتمدون عليه، ويلزمه حفظهم فكونه بمعنى حفيظ ايشعمال له في لازم معناه قال الراغب ما أنت عليهم بوكيل أي بموكل عليهم وحافظ، ووكيل فعيل بمعنى مفعول في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾، أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك. قوله: (أما العذاب) فالنبا بمعنى المنبأ به أو بمعنى المصدر أي الأنباء، وقوله: وقت استقرار وفسره لأنه المناسب لما بعده وأمّا جعله مصدرًا ميميا بمعنى الاستقرار فغير مناسب لكن قول المصنف ﵀ ووقوع إن عطف على استقرار على أنه بيان للاستقرار فظاهر، ويصح عطفه على وقت فيكون تجويزًا للمصدرية فيه لكنه خلاف الظاهر. قوله: (بالتكذيب الخ الما كانت قريش تفعل ذلك في أنديتها، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق
بخلاف النسيان وفسر الإعراض بعدم المجالسة، وإن احتمل غير ذلك لدلالة قوله: ولا تقعد عليه ثم إنه قد استدلّ بهذه الآية على أن إذا تفيد التكرار حيث حرم القعود مع الخائض كلما خاض وفيه نظر لأنّ العموم ليس من إذا بل من الصيغة لترتب حكم المشتق على مأخذ اشتقاقه وهو الخوض. قوله: (اعاد الضمير الخ) يعني إلى الآيات، والظاهر عوده إلى الخوض أو الطعن أو مجموع ما مضى، وأصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن للذمّ وتخاوضوا في الحديث وتفاوضوا بمعنى، وقوله بأن يشغلك بوسوسته هذا على سبيل الفرض إذ لم يقع، ولذا عبر بًان، وإمّا أن الشرطية زيدت بعدها ما واختلف في لزوم توكيد الفعل الواقع ما بعدها فالمشهور لزومه وقيل لا يلزم وعليه قوله في المقصورة:
أما ترى رأسي حاكى لونه طرّة صبح تحت أذيال الدجا
وقوله: بالتشديد يعني تشديد السين ونسي بمعنى أنسى، وقال ابن عطية ﵀: نسي
أبلغ من أنسى.
تنبيه: قال في كتاب الأحكام اختار الرافضة أنّ النبيئ غت! هـ منزه عن النسيان لقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [سورة الأعلى، الآية: ٦] وذهب غيرهم إلى جوازه انتهى (وعندي (أن يجمع بين القولين بأنه لا ينسى شيئًا من القرآن والوحي ويجوز في غير ذلك. قوله: (بعد أن تذكره) الذكرى مصدر، والمصدر يؤنث بالتاء كضربة وبالألف كبشرى والضمير راجع إلى النهي، وفي الكشاف وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قبح
[ ٤ / ٧٧ ]
مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول وهو مبنيّ على الاعتزال مع تكلفه ولذا تركه المصنف ﵀، وقوله: (ظلموا الخ) المراد ظلم خاص والظلم وضع الشيء في غير موضعه. قوله:) مما يحاسبون عليه) الظاهر أنه تفسير لقوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ فيكون مصدرًا بمعنى المفعول، ولا يصح أن يكون تفسير الشيء وأمّا جعل من ابتدائية بمعنى الأجل فمع كونه تكلفا الظاهر أن يقول إنها تعليلية لأنها ترد لذلك، كما ذكره النحاة وفسر على في على الذي يتقون باللزوم كما في قولهم عليّ ألف درهم، ولم يفسره بالمؤاخذة، كما في قوله: ﴿عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة، الآية:
٢٨٦] قيل لأنه لا يناسب سبب النزول ولا وجه له لأنه لا يؤاخذ إلا بما يلزمه، ومآلهما بحسب المعنى واحد وقوله وغيره من القبائح عممه والزمخشري خصه بالخوض! لمناسبة المقام. قوله: (لأنّ من حسابهم يأباه الأنه يصير المعنى، ولكن ذكرى من حسابهم وليس بسديد، وقد تبع فيه الزمخشريّ واعترض عليه كثير من الشراح وغيرهم بأنه لا يلزم من العطف على مقيد بقيد اعتبار ذلك القيد في المعطوف، وظاهر كلام بعضهم هنا أنه مخصوص بالحالط والجار والمجرور هنا حال لأنه صفة للنكرة قدمت عليها، والحال قيد في عاملها فإذا كان من عطف المفردات، وعمل فيها العامل لزم تقيدها فإن قدر عامل آخر لم يكن من عطف المفردات وقيل نحن لا ندعي هذا بل نقول إنه إذا عطف مفرد على مفرد لا سيما بحرف الاستدراك فالقيود المعتبرة في المعطوف عليه السابقة في الذكر عليه معتبرة في المعطوف البتة بحكم الاستعمال تقول ما جاءني يوم الجمعة، أو في الدار أو راكبا أو من هؤلاء القوم رجل ولكن امرأة فيلزم مجيء المرأة في يوم الجمعة، أو في الدار أو بصفة الركوب، أو تكون من القوم البتة، ولم يجىء الاستعمال بخلافه ولا يفهم من الكلام سواه بخلاف ما جاءني رجل من العرب ولكن امرأة فإنه لا يبعد كون المرأة من غير العرب، قالوا والسرّ فيه أن تقدم القيود يدلّ على أنها أمر مسلم مفروغ منه وانها قيد للعامل منسحب على جميع معمولاته وأنّ هذه القاعدة مخصوصة بالمفرد لذلك وأمّا في الجمل فالقيد إذا جعل جزءا من المعطوف عليه وان سبق لم يشاركه فيه المعطوف، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أسورة يونس، الآية: ٤٩] كما في شرح المفتاح وهذا إذا لم تفهم القرينة خلافه كما في قولك جاءني من تميم رجل وامرأة من قريش، وتخصيص هذه القاعدة بتقدم القيد وادعاء اطرادها كما ذكره النحرير مما يقتضيه الذوق لكنا لم نر من التزمه غيره ومنهم من عممها كما قيل إنّ أهل اللسان والأصوليين يقولون إنّ العطف للتشريك في الظاهر فإذا كان في المعطوف عليه قيد فالظاهر تقييد المعطوف بذلك القيد إلا أن تجيء قرينة صارفة فيحال الأمر عليها فإذا قلت ضربت زيدًا يوم الجمعة، وعمرأ فالظاهر اشتراك عمر ومع زيد في الضرب مقيدًا بيوم الجمعة، فإن قلت وعمرأ يوم السبت لم يشاركه في قيده، والآية من القبيل الأوّل فالظاهر مشاركته في قيده ويكفي مثله للمنع وفيه بحث.
قوله: (ولا على شيء لذلك الخ) مراده بقوله لا تزاد بعد الإثبات لا تقدر عاملة بعد الإثبات لأنها إذا عملت كانت في قوة المذكورة المزيدة، ولذا قيل الظاهر أن يقول لا تقدر عاملة بعد الإثبات ولا ينافيه ما مر من تجويز زيادتها في الإثبات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [سورة الأن! ام، الآية: ٤٢] كما أورده عليه بعضهم لا لأنه مشى على قول هنا وعلى آخر ثمة لأنها عكازة أعمى بل لأنّ خلاف الأخفش وغيره في غير الظروف، كقبل وبعد
وأمّا دخول من زائدة على الظروف في الإثبات فذهب إلى جوازه كثير من النحاة وارتضوه كما في شرح التسهيل وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس وقوله لمساءتهم مصدو إمّا مضاف للفاعل، والمفعول مقدّر أو مضاف للمفعول. قوله: (ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى الخ) أي ضمير لعلهم للمتفين أي يذكر المتقون المستهزئين ليثبت المتقون على تقواهم ولا يأثموا بترك ما وجب عليهم من النهي عن المنكر، وذكروا الثياب لأنّ أصل التقوى كان لهم قبله وقوله تنثلم أي تنقص، وأصل معناه الكسر وثقب الحائط، وقد ذكر العلماء أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع وإلا صبر هذا إذا لم يكن مقتدى به وإلا فلا يفعل لأنّ فيه شين الدين، وما روي عن أبي حنيفة من أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إما ما مقتدى به لقوله: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦٨] .
[ ٤ / ٧٨ ]
قوله: (لعبًا ولهوا) قال السفاقسي هو مفعول ثان لاتخذوا وظاهر كلام ابن عطية والزمخشرفي أنه مفعول أوّل ودينهم ثان وفيه إخبار عن النكرة بالمعرفة وقال الرازي إنه مفعول لأجله أي اكتسبوا دينهم للهو واللعب فهو متعد لواحد. قوله: (أي بنوا أمر دينهم الخ الما أضاف الدين إليهم وليس لهم دين في الواقع أوّله في الكشاف بأوجه الأوّل أنهم اتخذوا الدين المفترض عليهم شيئا من جنس اللعب واللهو كعبادة الأصنام ونحوها، والدين المفترض الواجب عليهم وان كان في الواقع دين الإسلام لكن على هذا الوجه ليس المراد به هذا المفهوم بل مجرّد ما يصدق عليه مفهوم الدين الواجب الثاني أنهم اتخذوا ما يتبينون به، وينتحلونه بمنزله الدين لأهل الأديان شيئًا من اللعب واللهو، وحاصله أنهم اتخذوا اللعب واللهو دينا لهم كما صرح به الزمخشرفي، وليس من القلب في شيء ولا من جعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة كما توهم، وفيه بحث الثالث أنهم اتخذوا دينهم الذي فرض عليهم وكلفوه أعني الإسلام لعبا ولهوًا حيث سخروا به واستهزؤوا، فحاصل الأوّل اتخذوا الدين الواجب لعبا، والثاني جعلوا اللعب دينا واجبا، والثالث استهزؤو! بالدين الحق الذي يجب أن يعظم غاية التعظيم، ومعنى الإضافة في الأول والثالث ظاهر، وفي الثاني أنه عادة لهم، والوجه الرابع أنّ المراد بالدين العبد الذي يعاد إليه كل حين معهود بالوجه الذي شرعه الله كعيد المسلمين، أو بالوجه الذي اعتادوه من اللعب واللهو كأعياد الكفرة لأنّ أصل معنى الدين العادة والعيد معتاد في كل عام، ولبعده عن الظاهر أخر وترك المصنف ر-حه الله الثاني منها لما فيه من الخفاء ولأنه إن حمل على ظاهره من القلب فهو ضعيف والا فهو راجع
إلى الوجه الآخر، والفرق بينهما سهل، وقوله زمان لهو الخ إشارة إلى أنه إذا كان بمعنى العيد وهو اسم زمان لأنه يوم مخصوص يقدر مضاف ليصح الحمل. قوله: (والمعنى أعرضر عنهم ولا تبال الخ (إشارة إلى أنّ الظاهر يقتضي الكف عنهم مع أنه مأمور بالتبليغ والقتال فأوّله بأنّ المراد لا تبال بهم وامض لما أمرت أو هو للتهديد، أو أن الآية نزلت قبل آية السيف التي في سورة براءة والأمر بالقتال فتكون منسوخة وعلى ما قبله فهي محكمة فذر بمعنى اترك فيه ثلاثة وجوه، واعلم أنهم اختلفوا في الوجوه المذكورة في الكشاف فقيل إنها أربعة وقيل ثلاثة، وقوله: اتخذوا ما هو لعب ولهو دينا لهم ليس من توجيه معنى الدين في شيء وهو الأوّل بعينه وإنما ذكره الزمخشري لبيان الوجهين من كونه مفعولأ أوّل أو ثانيًا، والقلب الداعي له أن لا يثبت لهم دين فقول النحرير: إنه ليس من القلب إذ لا داعي له لا وجه له وفسره العلامة بقوله: ما هو لعب إشارة إلى تأويله بمعرفة المفهومة من ما الموصولة كما قيل، وفيه تأمّل. قوله:) وغرتهم الحياة الدنيا حتى أنكروا البعث) ففرّ من الغرور وهو معروف، وقيل: إنه من الغرّ وهو ملء الفم أي أشبعتهم لذاتها حتى نسوا الآخرة وعليه قوله:
ولما التقينا بالعشية غرّني بمعروفه حتى خرجت أفوّق
قوله: (وذكر به أي بالقرآن) جعل الضمير للقرآن كما في قوله فذكر بالقرآن من يخاف وعيد، والقرآن يفسر بعضه بعضا فلهذا اقتصر عليه، وقيل: إنه يعود على حسابهم، وقيل على الدين وقيل إنه ضمير يفسره ما بعده فيكون أن تبسل بدلًا منه واختاره أبو حيان. قوله: (مخاقة أن تسلم الخ) إشارة إلى أنه مفعول لأجله بتقدير مضاف أو أصله أن لا تبسل ومنهم من جعله مفعولًا به لذكر وتسلم من الأفعال ويجوز أن يكون من التفعيل وهما متقاربان وفسر تبسل بالإسلام إلى الهلاك أي وقوعه فيه وجعله كأنه رهن بيده، قال الراغب: تبسل هنا بمعنى تحرم الثواب والفرق بين الحرام والبسل أنّ الحرام عاتم لما منع منه بحكم أو قهر والبسل الممنوع بالقهر، وقوله تعالى: ﴿أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧٠] أي حرموا الثواب، وفسر بالارتهان لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣٨] ورهينة فعيلة بمعنى فاعل أي ثابتة مقيمة، وقيل بمعنى مفعول أي كل نفس مقامة في جزاء ما قدمت من عملها، ولما كان الرهن يتصوّر منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان انتهى، فمعنى
قوله ثرهن أي تحيس في الهلاك بسبب سوء عملها وهو معنى
[ ٤ / ٧٩ ]
إسلامه إليه، ولهذا جمع بينهما لأنه روي كل منهما عن السلف، وقال الزجاح: إنهما بمعنى واحد واليه أشار المصنف ﵀، فما قيل إنه من راهنه على كذا إذا خاطره فكان الهلاك يقول إن حصل منك سوء العمل، فالنفس لي تكلف نشا من قلة التدبر، وفريسة الأسد ما يفترسه ويصطاده، ولا تفلت أي تتخلص منه، والقرن بالكسر الكفوفي الشجاعة، والبسل بالسكون الحرام والإبسال التحريم قال:
أجارتكم بسل علينا محرّم وجارتنا حل لكم وحليلها
ويكون بسل جوابا بمعنى نعم وأجل واسم فعل بمعنى اكفف، وقوله ﷿ أن تبسل
نفس فسر هنا بالعموم أي كل نفس وهو نكرة في الإثبات كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [مورة التكوير، الآية: ٤ ا] إما لأنه قد يؤخذ عمومه من السياق واقا لأنه نفي معنى كما يفهم من كلام المصنف، فتأمّل. قوله: (ليس لها الخ) في هذه الجملة ثلاثة وجوه فقيل إنها مستأنفة للإخبار بذلك أو في محل رفع صفة نفس، أو في محل نصب على أنها حال من ضمير كسبت وضمير يدفع للوليّ والشفيع باعتبار أنه مذكور أو تأويله بذلك أو بكل واحد على البدل، ومعنى كونهما من دون الله سواء كانت من زائدة أو ابتدائية إنهما يحولان بينها وبينه بدفع عقابه، ولذا قيل إنّ فيه مضافًا مقدرًا أي دون عذابه، واليه يشير كلام المصنف، فلا يرد أنه من أين يؤخذ العذاب من النظم. قوله:) وإن تفد كل فداء) الفداء بالكسر والمدّ، وإذا فتح قصر وكل منصوب على المصدرية لأنه بحسب ما يضاف إليه لا مفعول به، وقيل: هو بمعنى الكامل، كقولك هو رجل كل رجل أي كامل في الرجولية وتقديره عدلًا كل عدل وفيه أنّ كل بهذا المعنى تلزم التبعية، والإضافة إلى مثل المتبوع نعتا لا توكيدًا، كما في التسهيل ولا يجوز حذف موصوفها، وقوله: (لا إلى ضميره) لأنّ العدل هنا مصدر لوقوعه مفعولًا مطلقا وليس هو بمأخوذ نعم يجوز أن يراد بضميره العدل بمعنى الفدية على الاستخدام فيصح الإسناد إليه كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لكن لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى الجار والمجرور كسير من البلد وأخذ من المال وكذا كونه راجعًا إلى المعدول به المأخوذ من السياق، وكون يؤخذ بمعنى يقبل ونحوه. قوله: (أسلموا إلى العذاب الخ) فالمشار إليه بأولئك هم الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوًا لا الجنس المفهوم من قوله أن تبسل نفس مع قوله بما كانوا يكفرون لاحتياجه إلى تكلف وكون هذا مشروطا بعدم رجوعهم عما هم عليه معلوم بالأمخرورة ولا ينافيه مخافة أن تبسل الخ لأنه يخاف على كل أحد ويحرص على إنقاذه من كفره شفقة
منه. قوله: (تثيد وتفصيل لذلك الخ) لأنّ المسلم إليه مجمل مفصل بهذا فيؤكده، وماء مغلي بصيغة المفعول تفسير للحميم ويتجرجر من الجرجرة بجيمين وراءين مهملتين بمعنى يتردّد ويضطرب فيها وأصل الجرجرة صوت يردّه البعير في حنجرته، وخص العذاب بالنار لأنه المتبادر منه فلا يرد أنه لا وجه له وفسر ندعو بنعبد، والنفع والضرّ بالقدرة عليهما لأنه الواقع ولأنّ نفيهما أبلغ. قوله: (ونردّ على أعقابنا) جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال رجع على عقبه إذا انثنى راجعًا كرجع على حافرته وانقلب على عقبيه قال تعالى: ﴿فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٦٦] ومعناه القهقرى وقيل إنه كناية عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب مع الإقبال، وخطاب قل وان كان للنبيّ! يلى لكن فاعل تدعو ونردّ عامّ له ولغيره، والمعنى أيليق بنا معاشر المسلمين ذلك فلا يرد أن ذلك لم يكن من النبيّ ﷺ حتى يتصوّر ردّه إليه لأنه لتغليب من أسلم من المؤمنين وليس مخصوصًا بالصدّيق أيضًا بسبب النزول، وقيل الردّ على الإعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل شركًا أو غيره. قوله: (من هوى يهوي هويًا إذا ذهب (هذا هو المعروف في اللغة وأمّا كونه من هوى بمعنى سقط يقال هوى يهوي هويا بفتح الهاء من أعلى إلى أسفل وبضمها لعكسه أو هما بمعنى، وأنه على تشبيه حال الضال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء﴾ [سورة الحج، الآية: ٣١] لأنه في غاية الاضطراب فلا يناسب قوله: ﴿فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧١] مع أنه يتوقف على ورود الاستفعال منه ومردة جمع ما ردوا لمهامه جمع مهمه وهو الفلاة وترك قول الزمخشري كما تزعمه العرب لأنه مبنيّ على إنكار الجن، وهو مذصب باطل والتشبيه تمثيلي وقد رذا بعد الكاف
[ ٤ / ٨٠ ]
ليكون تشبيه ردّ برذ وقوله متحيرًا بيان لأنه حال وكذا في الأرض ويصح تعلقه باستهوته والمستهوي بصيغة المفعول. قوله: (ومحل الكاف النصب على الحال) قال في الفرائد حاصله حينئذ نرذ حال مشابهتنا كقولك جاء زيد راكبًا أي في حال ركوبه، وليس الردّ في حال الشبه، وردّ بأنّ الحال مؤكدة كقوله: ﴿وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ فلا يلزم ذلك وفيه نظر، والتشبيه على الحالية تمثيليّ شبه حال من خلص من الشرك ثم عادله بحال من ذهبت به الغيلان في مهمه بعدما كان على الجادة، وعلى أن يكون مصدرًا
مركب عقلي. قوله: (أي يهدونه الخ) هو وما بعده وجه واحد وأوّل كلامه بيان لحاصل المعنى وقيل هما وجهان الأوّل بقاؤه على المصدرية، والثاني تأويل المصدر باسم المفعول وسوق الكلام يأباه. قوله: (يقولون له ائتنا) مرّ أنّ أمثاله يقدر فيه قول هو حال أو يحكي بالدعاء لأنه بمعنى القول على الخلاف بين البصريين والكوفيين فيه ولا ينافيه تعدية يدعون لإلى كما توهم، وقوله في محل آخر لا حاجة لتقدير القول بناء على أحد القولين فلا تناقض فيه كما قيل، وقوله هو الهدي وحده الحصر من تعريف الطرفين أو ضمير الفصل. قوله: (واللام لتعليل الخ) بذلك إشارة إلى قول أنّ الهدى الخ أي أمرنا أن نقول ذلك عن خلوص طوية لننقاد لأمره فاللام لام تعليل، وهذا معنى قول أبي حيان مفعول أمرنا الثاني محذوف تقديره أمرنا بالإخلاص لكي ننقاد ونستسلم لرب العالمين، وليس هذا ما وقع في الكشاف حتى يقال إنه مبني على الاعتزال من تساوي الأمر، والإرادة وأن المصنف ﵀ تابعه غفلة منه كما توهم وهذا غفلة عن مراده وعن إنّ ما أورده في الانتصاف ليس مسلما ولذا سم يعرّج عليه من الشراح غير الطيبي، والذي في الكشاف هي تعليل للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم، وفي الكشف قال جار الله إذا قلت أمرته ليقوم كان ظاهره أمرًا مطلقًا خصصه التعليل ونحوه قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [سورة الحج، الآية: ٣٩] وقوله: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [سررة إبراهيم، الآية: ٣١] أي أذن في القتل وقل لهم صلوا) أقول) والتحقيق أنّ حقه أن يعدّى بالباء فلما عدل عن ذلك حمل على أنه لام التعليل، وتقديره أمرنا بأن نسليم للإسلام لا لغرض آخر فأفاد مبالغة في الطلب من وجهين انتهى، وهو محل تأمّل وقيل إن الإشارة للإسلام ولا غبار في تعليل الأمر بالإسلام بنفس الإسلام لأن مآله أنه طلب النفع، وهو تكلف لا حاجة إليه، وقيل اللام بمعنى الباء قال أبو حيان وهو غريب لا تعرفه النحاة، وأمّا زيادتها وتقدير أن بعدها فقول مرّ ما فيه، وقال الخليل وسيبويه: ومن تابعهما الفعل في هذا، وفي: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٦] يؤوّل بالمصدر وهو مبتدأ واللام وما بعد خبره أي أمرنا للإسلام، وعليه فلا مفعول للفعل كما في المغني فهو كتسمع بالمعيدي، ولا يخفى بعده وذهب الكسائيئ والفراء إلى أنّ اللام حرف مصدرقي بمعنى أن بعد أردت وأمرت خاصة، وردّه الزجاج وارتضاه صاحب الانتصاف ففي اللام هنا أربعة وجوه كونها زائدة وتعليلية للفعل أو للمصدر المسبوك منه أو بمعنى الباء أو أن المصدرية، فاختر لنفسك ما يحلو، وفي هذه المسألة كلام سيأتي تفصيله، والهدى بمعنى الاهتداء فسره بالإسلام، ولذا قابله بالضلال
فليس الظاهر أن يقول الإضلال كما قيل. قوله: (عطف على لنسلم الخ (أي بناء على أنّ اللام تعليلية وهذا قبله حرف جرّ مقدر لاطراد حذفه والجار والمجرور معطوف على الجارّ والمجرور، وهو أيضا على مذهب سيبويه من تابعه من النحاة القائلين بدخول أن المصدرية على الأمر كما مرّ، أو فيه تسمح بناء على أنه معطوف على نسلم وأنه علة واللفظ مؤوّل والمراد ولتقيموا فاخرج على لفظ الأمر وفيه تأمّل، وأورد على هذا ابن عطية ﵀ إنّ في اللفظ ما يمنعه لأن نسلم معرب وأقيموا مبنيّ، والمبنيّ لا يعطف على المعرب لأنّ العطف يقتضي التشريك في العامل، ورد بأته ليس كما ذكر بل هو جائز كقام زيد، وهذا وكقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [سورة هود، الآية: ٩٨] إلى غير ذلك. قوله: (أو على موقعه) ! خ فيه الزمخشري إذ قال إنه عطف على موضعلنسلم كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا إنه كثيرا ما يقع في هذا الموقع أن نسلم فعطف عليه وان أقيموا بهذا الاعتبار على التوهم كما في فأصدق واكن، وبه يشعر قول الزمخشريّ كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وأن أقيموالكن لا يخفى أنّ أن في أن نسلم مصدرية ناصبة
[ ٤ / ٨١ ]
للمضارع وفي أن أقيموا مفسرة، وقيل لا حاجة إلى هذا الاعتبار بل المراد إنه عطف على مجموع اللام وما بعدها، ثم جوّز أن يكون عطفا على ما بعد اللام وأن مصدرية موصولة بالأمر بناء على جواز وصلها به وأمّا دفعه بأنّ العطف على توهم أن المفسرة، وأنه توهم إن مكانه أن أسلموا فبعيد، وقال أبو حيان ﵀: ظاهره أنّ لنسلم في موضمع المفعول الثاني لأمرنا وعطف عليه أن أقيموا فتكون اللام زائدة، وقد قدم أنها تعليلية فتناقض كلامه فتأمّل، ولما ذكر سبب النزول نشأ منه سؤال أشار إلى جوابه بقوله وعلى هذا كما بينه في الكشاف، وفي الدرّ المصون إنّ فيه وجوهًا فقيل معطوف على قوله إنّ هدى الله وقيل على قوله لنسلم، وقيل على ائتنا وهو بعيد، وقيل معطوف على مفعول الأمر المقدّر أي أمرنا بالإيمان واقامة الصلاة، وقيل هو محمول على المعنى وفيه كلام طويل فانظره. قوله: (قائمًا بالحق) إشارة إلى أنّ الجار والمجرور في موقع الحال من الفاعل ومعنى الآية حينئذ كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾، [سورة ص، الآية: ٢٧] ويجوز أن يكون حالًا من المفعول أي ملتبسة بالحق. قوله: (جملة اسمية الخ) قال الطيبي: الواو ستئنافية، والجملة تذييل لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ولهذا جعل اليوم بمعنى الحين ليعمّ الزمان فقوله مبتدأ، والحق صفته والمراد المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أعني يوم الخ، وإلى هذا يشير كلام المصنف ﵀، وتمثيله بالقتال إشارة للمصدرية، وقوله: وقوله الحق الخ إشارة إلى أنّ تقديم الخبر ليس للحصر، وقوله: نافذ هو معنى كن فيكون وكونه في جميع الكائنات مأخوذ من جملة الكلام والتذييل وقال النحرير: تقديم الخبر لكونه الشائع في الاستعمال مثل عنده علم الساعة لأنّ الحصر غير مناسب هنا وقول الزمخشري لا يكوّن شيئا من السماوات والأرض وسائر المكوّنات إلا عن حكمة، وصواب مستفاد من المقام، ولو جعل التقديم هنا للحصر لكان للحصر على عكس ما ذكر أي قضاؤه الحق لا يكون إلا يوم يقول وهو فاسد اهـ، وفيه أنّ المعروف الشائع تقدم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة أو نكرة موصوفة كما مز في أجل مسمى، أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد ومثاله غير مستقيم لأنه قصد فيه الحصر لأنّ علم الساعة عند الله لا عند غيره، وما قيل من أنه يشير إلى أنّ الط طف داخل في المعنى على المبتدأ وأنّ المقصود بكون قول الحق وقت إيجاد الأشياء نفاذه فيها وأنّ المراد السماوات والأرضى وما فيهما أو الكلام على الظاهر، والمقصود تعميم قوله الحق لجميع الكائنات لا محصل له وهو ناشئ من قلة التدبر. قوله: (وقيل يوم منصوب بالعطف على السماوات الخ (إذا عطف على السماوات فهو مفعول به، والمعنى أنه أوجد السماوات والأرض! وما فيهما وأوجد يوم الحشر والمعاد، وكذا إذا عطف على الهاء فهو مفعول به أيضا كما في قوله: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٨، وهو بتقدير مضاف أي هو له وعقابه وفزعه أو المراد باتقاء ذلك اليوم اتقاء ما فيه من ذلك، وأما القول بأنه معطوف على بالحق وهو ظرف لخلق فيتوقف على صحة عطف الظرف على الحال لأنّ الحال ظرف في المعنى وهو تكلف. قوله: أأو بمحذوف دل عليه بالحق (أي يقوم بالحق يوم الخ لأن معنى بالحق قائمًا بالحق كما مرّ قال أبو حيان ﵀: وهو إعراب متكلف. قوله: (وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون الخ) يعني على الوجوه الثلاثة الأخيرة وقوله على معنى وحين يقول الخ تقرير للمعنى على تقدير أن يكون قوله الحق فاعل يكون على الوجوه الثلاثة، ويوم على الأوّل مفعول خلق، وعلى الثاني مفعول اتقوا، وعلى الثالث منصوب بفعل محذوف وقوله لقوله الحق إشارة إلى أنّ الكائن جميع المخلوقات واسناد الكون إلى الحق إسناد مجازي إلى السبب وقيل لما اقتضى كون قوله الحق فاعل يكون تعلق كن به قال لقوله الحق، وفسره بالقضاء ولا شك أنّ تكوين القضاء
يوجب تكوين المقضيّ، وهو تحريف لكلامه والقضاء بالمعنى المصدري لا يتعلق به التكوين إلا مجازا فالوجه ما قدمناه وفي الكشف المراد بالقول ما يقع بالقول، وهو المقضي أي حين يقول لمقضيه كن فيكون المقضي، والوجه الأوّل اهـ فلا يرد عليه أنّ هذا التفسير لا يناسب أن يكون قوله فاعلا ليكون بل المناسب أن يقال وحين يقول كن فيكون أثر قوله الحق كما توهم وعلى كونه فاعلا فإن عطف على السماوات
[ ٤ / ٨٢ ]
فالمراد بالتكوين الإيجاد واليه أشار بقوله حين يكون الخ وإن عطف على مفعول اتقوا أو تعلق بمقدر، فالمراد بالتكوين الإحياء للحشر لأنه الذي يتقي ويظهر بعده القيام بالحق، واليه أشار بقوله فيكون التكوين الخ، وفي قوله حشر الأموات تسمح لأنه ليس بتكوين وقوله كقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ﴾ [سورة غافر، الآية: ٦ ا] الخ يعني أنّ تحصيص الملك بذلك اليوم لتعظيمه لا لاختصاص ملكه به، وفيه كلام آخر سيأتي. قوله: (يوم ينفخ في الصور) أي استقرّ الملك يوم ينفخ، واليه أشار بقوله لمن الملك فلا يدعيه غيره، والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث لا جمع صورة كما قيل والصور وأحواله مفصلة في كتب السنة. قوله:) كالفذلكة للاية (لأنّ الحكيم جامع لجميع أفعاله المتقنة الجارية على وفق المصالح، والخبير جامع لعلم الغيب والشهادة ففيه لف ونشر مرتب قيل: والواو ليست للعطف بل هي استئنافية نحو: ﴿جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ، الآية: ١٧] وهو المسمى في المعاني بالتذييل، والمراد بالفذلكة إجمال ما فصل أوّلًا قال الواحدي ﵀ في شرح قول المتنبي:
نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا وأتى فذالك إذ أتيت مؤخرا
فذالك جمع فذلكة وهي جملة الحاسب لقوله فيها فذلك كذا انتهى، وهو من النحت المولد. قوله: (آزر الخ) إن كان علما لأبيه فهو عطف بيان أو بدل وقال الزجاج ﵀: ليس بين النسا بين اختلاف في أنّ اسم أبي إبراهيم ﷺ تارج بناء مثناة فوقية، وألف بعدها راء مهملة مفتوحة وحاء مهملة، والذي في القرآن يدل على أنه خلافه، فإما أن يكون لقبا غلب عليه أو كما قيل هو اسم عمه أو اسم جذه والعم والجذ يسميان أبا مجازا، والمصنف ﵀ أجاب بأجوبة وهي ظاهرة، وقيل آزر وصف معناه الشيخ بفارسية خوارزم، وقيل إنه المعوج بالسريانية وقيل معناه المخطئئ وعلى الوصفية لا يظهر لمنع صرفه وجه فقال المصنف ﵀: إنه حمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين، فإنه يغلب منع صرفه لأنه كثير في الإعلام الأعجمية، والأولى أن يقال إنه غلب عليه فألحق بالعلم والا فليس فيه علمية أصلًا لأنّ
الوصف في العجمة لا يؤثر في منع الصرف ومن لم يتنبه لهذا قال: العلة لم تبلغ النصاب، وقوله: أو نعت الخ فمنع صرفه لوزن الفعل والوصفية، لأنه على وزن أفعل، والأزر القوّة والوزر الإثم، وقوله: (والآقرب الخ) يشير إلى أنه لا عبرة بما وقع في التواريخ مخالفا لظاهر الكتاب المجيد لأنها أكثرها نسي بالتقادم وخلطت فيه أهل الكتاب، وقوله: (بحذف المضاف) أي عابد آزر، وحذفه إما في كلامهم أو في النظم. قوله: (وقيل المراد الخ) فهو من جملة المقول، وليس هذا التفسير المصطلح عليه في باب الاشتغال لا لأنه بينه وليس عينه بل ما يناسبه وهو تعبد لأنه لا يشترط فيه أن يكون عينه نحو زيدًا ضربت عبده إذ تقديره أهنت زيدًا، ضربت عبده بل لأنّ ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا كما تقرّر عندهم. قوله: (تفسير أو تقرير) المراد بالتفسير تفسير آزر مرادًا به الصنم وعامله المقدر لأن تقديره أتعبد آزر، وقوله أتتخذ أصناما تفسير له والمراد بالتقرير تقريرهم بسوء عقيدتهم ليلزمهم، ولذا فسره النحرير بالتحقيق والتثبيت لأنه واتع وقيل المراد تقرير الاستفهام الإنكاري لا القابل للإنكار، وفيه نظر. قوله: (ويدل عليه أنه قرئ أزارا (بهمزتين الأولى استفهامية مفتوحة، والثانية مفتوحة ومكسورة وهي إمّا أصلية إن كان اسم صنم أو أصلية بمعنى القوّة، أو مبدلة من الواو بمعنى الوزر والإثم، وعليه فعامله مقدر أي تعبد إزرأ إن كان اسم صنم وإن كان عربيا فهو مفعول له، أو حال أو مفعول ثاني لتتخذ أو منصوب بمقدر كما ذكره المعرب وغيره ومن قرأ بهذه أسقط همزة أتتخذ، فجعل هذه القراءة دليلًا على أنه اسم صنم لا يتجه وقوله: (وهو يدل على أنه علم (أي قراءة يعقوب آزر بالمد وضم الراء على أنه منادى تدل على العلمية لأن حذف حرف النداء من الصفات شاذ، فما قيل إن النداء يكون بالصقات نحو يا عالم، وأجيب عنه بأنّ كثرته في الأعلام تكفي للترجيح، وقيل عليه دعوى الكثرة محل نظر من سوء الفهم وقلة التدبر، وكذا ما قيل إنّ خطاب إبراهيم ﷺ لأبيه بما يشعر بتحقيره ينافي حسن الأدب لأنه ليس بأدون من قوله إني
[ ٤ / ٨٣ ]
أراك وقومك في ضلال مبين وليس مقتضى المقام الأدب معه، وقوله ظاهر إشارة إلى أنه من أبان اللازم. قوله: (ومثل هذا التبصير الخ! إشارة إلى أنّ الإشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، والإشارة قد تكون إلى متأخر كما مرّ في قوله هذا فراق بيني وبينك، وزيادة كافة وعدمها سبق منا تحقيقه، قيل، ولك أن تجعل المشبه التبصير من حيث أنه واقع والمشبه به التبصير من حيث أنه مدلول اللفظ، ونظيره وصف النسبة بالمطابقة
للواقع، وهي عين الواقع وليس أبا عذرته فإنه سبق ما هو قريب منه في كلام الطيبي ﵀ ويجوز أن يكون المشار إليه ما أنذر به أباه وضلل قومه من المعرفة والبصارة فيكون قوله فلما جن عليه الليل تفصيلا وبيانا لمعنى المثل، وأشار بقوله التبصير إلى أنّ رأى هنا بصرية لا علمية والزمخشرفي جعلها بصرية لكن ذكر أنها مستعارة للمعرفة، كما بينه شراحه، وكذا قال ابن عطية ﵀: وردّه أبو حيان بأنه يحتاج إلى نقل عن العرب إنّ رأى بمعنى عرف تتعدّى إلى مفعولين (قلت (إذا كانت بصرية استعيرت للمعرفة استعارة لغوية من إطلاق السبب على المسبب فلا يرد ما ذكره، وهذا ما جنح إليه الزمخشرقي، ولولا هذا لكان ادّعاء الاستعارة لغوًا، وقوله وهو حكاية حال ماضية لما كان الظاهر أرينا جعله حكاية للحال الماضية استحضارا لصورته حتى كأنه حاضر شاهد. قوله:) تبصره دلائل الربويية) إن قرأناه فعلا من بصره يبصره فيكون ملكوت الذي هو نائب الفاعل بمعنى دلائل الربوبية أو بتقدير مضاف لكن هذه عبارة الكشاف بعينها، وقد ضبطها العلامة في شرحه على صيغة المصدر المنصوب وجعلها مفعولًا ثانيا مقدر التري، وهو يصح هنا وكأنه من طريق الرواية. قوله: (ربوييتهما وملكهما) الملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت كما قاله ابن مالك وغيره من أهل اللغة وتاؤه زائدة للمبالغة، ولذا فسر بأعظم الملك،! وقوله ربوبيتهما إشارة إلى مصدريته، وقال الراغب: إنه يختص به تعالى وتفسيره الأوّل إشارة إلى معناه الحقيقي ورؤيتها إن كانت الرؤية بصرية رؤية آثارها، والثاني إشارة إلى معناه المجازي لأنّ ذلك هو المرئي، وقيل الأوّل ناظر إلى كون الرؤية رؤية البصيرة، والثاني إلى كونها رؤية البصر، وفيه نظر. قوله: (ليستدذ الخ (إشارة إلى ما مرّ في أمثاله من أنه إمّا معطوف على علة مقدّرة أي ليستدل وليكون أو علة لفعل مقدر أي وفعلنا ذلك الخ وقيل إنّ الواو زائدة وهو متعلق بما قبله، وهذه الوجوه جارية في كل ما جاء في القرآن من هذا فيل ينبغي أن يراد بملكوتهما بدائعهما وآياتهما لأنّ الاستدلال من غاية إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية، وقد مزت الإشارة إلى أنّ رؤية الربوبية برؤية دلائلها وآثارها، وقيل إنّ الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سببًا للإيقان لا يكون علة للإراءة فكيف يعطف عليه بإعادة اللام وليس بشيء، وقوله وفعلنا تدره مقدما لأنّ العلة ليست منحصرة فيما ذكر، ومن قدره متأخرا رأى أنه المقصود الأصلي. قوله: (تفصيل وبيان لذلك) أي تفصيل للجملة المذكورة والترتيب ذكرى لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر وليس في هذا دليل على أنه بالبصيرة أو البصر وقوله:) وقيل عطف الخ (قيل فائدته التنبيه على أنه ﷺ في معرفة ربه إلى مرتبة الإيقان بالاستدلال وإقامة البرهان بحيث قدر على إلزامهم، وان كان ذا نفس
قدسية لا يحتاج في اعتقادها بالذات إلى وساوس الأدلة، وكونه عطفًا على قال إبراهيم تبع فيه الزمخشري وهو تسمح والأوّل على إذ قال كما صرّج به غيرهما وقوله: (فإنّ أباه الخ) بيان لوجه المناسبة والارتباط، وقيل إنهم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنما من المعادن المنسوبة إليه، كالذهب للشمس، والفضة للقمر ليتقرّبوا إليها، فالصنم كالقبلة لهم فانكر أوّلأ عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر، ثم أبطل منشأها وما نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضًا. قوله: (وجق عليه الليل ستره بظلامه) هذه المادّة بمتصرّفاتها تدل على الستر قال الراغب: أصل الجن الستر عن الحاسة، يقال جنة الليل وأجنه وجن عليه فجنه ستره وأجته جعل له ما يستره وجن عليه ستره أيضأ، والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء كتؤدة نجم في السماء الثالثة وتسكين الهاء في غير ضرورة الشعر خطأ، كما في أدب الكاتب، وفيه نظر وان نظر وان اشتهر خلافه، والوضع سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها لكونها
[ ٤ / ٨٤ ]
معلمة عند غيره لأجل إلزامه بها وهو مصطلح أهل الجدل، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله فإنّ الخ قيل هذا ناظر إلى الوجه الثاني في فلما جن عليه الليل، وقوله أو على وجه النظر إلى الوجه الأوّل وفيه نظر لأنه يمكن أن يجري على القول الأصح على الوجهين، لأنّ معنى، وكذلك الخ ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم والمراد هدايته لطريق الاستدلال مع الخصوم، وبه تحصل زيادة اليقين، وإفحام الخصوم كما قاله الطيبي ﵀. قوله: (وإنما قاله رّمان مراهقتة) يريد الردّ على أنه لا حاجة إلى النظر والاستدلال المؤيد لما عنده من الاعتقاد فإنه مقام النبوّة والأنفس القدسية أعلى من أن تتشبث بحال الاستدلال فقال إنه كان في مبادي السن قبل البعثة ولا يلزمه اختلاج شك مؤدّ إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله إلهًا وكان ما يعبده قومه لكان إمّا كذا وامّا كذا، والفرق بينه وبين الأوّل إنه لإلزام الغير، وهذا الثلج الصدر ببرد اليقين، والوجه الأوّل لا لأنه دفع لما يقال إنّ قوله هذا ربي يكون حينئذ كفرا والأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عنه قبل البعثة، وبعدها بالاتفاق لأنّ كفر الصبيّ غير المراهب لا يعتذ به، وان صح إسلامه كما صرّح به الفقهاء، ولا يلزمه الكذب على الأوّل لأنه كلام لاستدراج الخصم على وجه الفرص وارخاء العنان ومثله لا يسمى كذبًا، بل لما قال محي السنة لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحد عارف بالله بريء عن كل ما سواه وكيف يتوهم هذا على من طهره الله وعصمه، وآتاه رشده من قبل إلى أن جاء ربه بقلب سليم، وقال وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات
والأرض وليكون من الموقنين أو تراه أرإه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبًا قال هذا ربي معتقدًا له هذا لا يكون أبدًا بل أراد أن يستدرج القوم بهذا القول، ويغرّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه إذ كانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، وقال الإمام السبكي ﵀ في تفسير هذه الآية قد تكلم الناس فيها كثيرًا، وفهمت منها أنّ ذلك تعليم منه سبحانه لإبراهيم ﷺ طريق الحجة على قومه فاراه ملكوت السماوات والأرض، وعلمه كيف يحاجهم ويقول لهم إذا حاجهم في مقام بعد مقام إلى أن يقطعهم بالحجة ولا يحتاج مع هذا إلى أن يقال ألف الاستفهام محذوفة ويؤخذ منه أنّ القول على سبيل التنزل، وليس اعترافا وتسليمًا مطلقًا وقولنا على سبيل التنزل معناه أنّ الخصم ينطق به لينظر ما يترتب عليه، وهذا الذي فهمت أقرب ما قيل فيها ويرشد إليه صدر الآية وعجزها أي قوله وكذلك نرى إبراهيم الآية، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٨٣] على قومه انتهى وهذا هو الحق فالنظم دال على خلاف الوجه الثاني. قوله: (فضلاَ عن عبادتهم) هذا إمّ إشارة إلى عدم العبادة بالبرهان أو إشارة إلى أنه كني بعدم المحبة عن عدم العبادة، لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى وهما متقاربان، والزمخشريّ قدر مضافا أي لا أحب عبادة الآفلين، والتعليل بقوله فإنّ الخ للازم المنطوق المراد منه فلا يرد عليه أنه لا يصح أن يكون تعليلًا لعدم المحبة بل لترك العبادة وقد بناه على عدم المحبة. قوله: (والاحتجاب بالاستار الخ الا يوصف الله بأنه محجوب، قال القاضي ﵀: في الشفاء ما في حديث الإسراء من ذكر الحجاب في حق المخلوق لا في حق الخالق فهم المحجوبون، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما يحيط بمقدّر محسوس، ولكنه حجب على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم للأجرام المحدودة، والله ﷾ منزه عن ذلك، فهو تمثيل لمجرّد منعه الخلق عن رؤيته، أو هو في حق المخلوق، وقال الشريف قدس سره: في الدرر والغرر العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغير. إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب، ويقولون لما يستصعب طريقه بيني وبينك كذا حجبا وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك، فهو مجاز في المفرد عنده، وفي حكم ابن عطاء الله الحق ليس بمحجوب إنما يحجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده فتدبره، وقيل: إنّ قوله يقتضي الإمكان والحدوث لف ونشر غير مرتب لأنّ الانتقال حركة، وهي حادثة فيلزم حدوث محلها، والاحتجاب اختفاء يستتبع إمكان
[ ٤ / ٨٥ ]
موصوفه ومن هاهنا ظهر ضعف ما قيل إنّ الاستدلال بحدوث الجواهر دون إمكانها طريقة الخليلءجمف وهو منقول عن جملة أهل الكلام وهم يقولون إنه من صفات الإجرام المحدودة المتحيزة، وهو يستلزم الحدوث فلا يرد عليهم ما ذكره فتأمّل، وبزوغ القمر طلوعه منتشر
الضوء، وأصله في بزوغ الناب لظهوره، وبزغ البيطار الداية أسال دمها فبزغ هو أي سال فشبه هذا به قاله الراغب ﵀. قوله: (فلما أفل) قيل كان غاب عن نظره ولم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان وراء الجبل ثم طلع منه، أو في جانب آخر لا يراه، والا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس، وقيل فيه بحث إذ يجوز أن يكون الجبل في طرف المغرب، والذي ألجأهم إلى هذا التعقيب بالفاء، ويمكن أن يكون تعقيبا عرفيًا مثل تزوّج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين ذلك سواء، كان استدلالًا أو وضعا، واستدراجا لا إنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكره إذا كان كوكبا مخصوصًا وإنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمّل. قوله: (استعجز نفسه الخ) أي أظهر العجز صورة، وقوله إرشاد إشارة إلى أنّ هذا القول! يس بمرضي عنده، وهو الحق الحقيق بالقبول والنظم ناطق به كما بين في شروح الكشاف، لأنّ قوله لئن لم يهدتي ربي وقوله يا قوم إني بريء مما تشركون يدل على أنه كان مع قومه، وكان محاجا لهم مثافهة والمجموع دليل لمكان التعريض بدليل قوله كونن من القوم الضالين، ثم الجملة القسمية تدل على أنّ الكلام مع منكر مبالغ في الإنكار فلا يناسب فرض التردّد في نفسه على أنّ قوله ربي صريح في اعترافه بأنّ له ربا يعرفه ويعبده، وما قيل من أنه استعجز نفسه فاستعان بربه في درك الحق وقوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ إشارة إلى حصول اليقين من الدليل فخلاف الظاهر على أنّ حصول اليقين من الدليل لا ينافي محاجته مع قومه كما في الكشف فقد علمت أنّ في كلام المصنف ﵀ نبوة من الظاهر لكن ينبغي أن يقاد إليه بزمام العناية بما مرّ، وفي الانتصاف إنما عرّض! بضلالهم في أمر القمر لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب، ولو قال في الأوّل لما أصغوا ولما أنصفوا، ثم صرّح في الثالثة بالبراءة لما تبلج الحق وظهر غاية الظهور، وهم في ظلمات العمى والعناد. قوله: (له ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر الخ) قال بعض المتأخرين ما نصه بعدما حكى كلام المصنف والكشاف لا حاجة إلى هذا التكلف لأن الإشارة إنما هي إلى الجرم ولا تأنيث فيه وإنما التأنيث بحسب اللفظ وليس في ذلك المقام لفظ الشمس فإنه في الحكاية لا المحكي انتهى، وقد سبق إلى هذا أبو حيان ﵀ فقال يمكن أن يقال إنّ أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر، ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر سواء عندهم فأشار في الآية إلى المؤنث بما يثار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم ﷺ وحين أخبر تعالى عنها بقوله: بازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية انتهى، وهذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فكونه يعطي حكم كلام العجم فلا وجه له وان ظنوه شيئا،
ثم إنّ النفس ألفت أخذ المعاني من الألفاظ حتى إذا تصوّرت شيئًا لاحظت ما يعبر به عنه في ذلك التخاطب وتخيلت أنها تناجي نفسها به كما قاله الرئي! في الشفاء، فإذا اشتهر التعبير عن شيء بلفظ مذكر أو مؤنث لوحظ فيه ذلك وإن لم يطلق عليه ذلك الاسم وقت التعبير والإشارة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [سورة ص، الآية: ٣٢] فحيث خولف ذلك المقتضى احتاج إلى عذر وتأويل كما حققه السيد قدس سرّه في ألم ذلك الكتاب وبعضهم ذكره هنا من عنده زاعمًا أنه من نتائج أفكاره وأمّ كون لغته لا تأنيث فيها فلا وجه له لما علمت أن العبرة بالحكاية لا المحكي، ألا ترى إنه لو قال أحد الكواكب النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعي فيه الحكاية مع أنه مبنيّ على أنّ إسماعيل هو أوّل من تكلم بالعربية والصحيح خلافه. قوله: (وصيانة للرب عن شبهة التأنيث) قيل ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر أو لأنه لا يفرق في غير لغة العرب بين المذكر والمؤنث في الإشارة فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللغة في مقام
[ ٤ / ٨٦ ]
الحكاية، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار، وأمّا ما قيل وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث فيرد عليه إنّ هذا في الرب الحقيقي مسلم، ورذ بأن مراد القائل ما ذكره هذا الفاضل بقوله ويحتمل الخ والحكم بالوجوب بالنظر إلى اقتضاء المقام فلا يرد عليه شيء، وأجيب أيضا بأنه على تقدير أن يكون مسترشدا ظاهر وعلى المسلك الآخر إظهارًا لصونه ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سببًا لعدم إصغائهم، وقوله: (من الإجرام الخ) إشارة إلى أنّ ما موصولة ويصح جعلها مصدرية، وقوله: (ومخصص الخ) أي يخصصها بصفاتها كالبزوغ والأفول. قوله: (لتعدّد دلالته الأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب ولكل منهما دلالة كما عرفت، والبزوغ وان كان انتقالًا مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال، وقيل عليه إنّ البزوغ أيضًا انتقال مع احتجاب إلا أنّ الاحتجاب في الأوّل لاحق وفي الثاني سابق، وإما إنّ جوابه يؤخذ مما بعده وهو رؤيتها في وسط السماء فلا يشاهد البزوغ حتى يستدل به فلا يخفى ما فيه، فليتأمّل. قوله: (وخاصموه في التوحيد (أي تارة بأدلة فاسدة واقفة في حضيض التقليد، وأخرى بالتخويف فأشار إلى جواب كل منهما وإليه شار المصنف ﵀ بقوله ولعله الخ فتدبر. قوله: (في وقت الخ) إشارة إلى ا! أن يشاء على معنى الظرف مستثنى من أعمّ الأوقات استثناء مفرّغا، وقال الزمخشريّ: إنّ الوقت محذوف فيه، وقال أبو البقاء: إنّ المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت وقد منع ذلك ابن الأنباري فقال: ما معنا. يجوز خروجنا صياح الديك، ولا يجوز خروجنا أن يصيح الديك على معنى وقت صياحه، وإنما يقع ظرفًا المصدر الصريح، وأجاز ذلك ابن جني من غير فرق بينهما كما في الملتقط وغيره والاستثناء متصل، ويجوز أن يكون منقطعا على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي ما أشركتم به، وشيئا مفعول به أو مفعول مطلق وأن يصيبني بيان له. قوله: (بتخفيف النون) واختلف في أيهما المحذوفة، فقيل نون الرفع وقيل نون الوقاية، والأوّل مذهب سيبويه، وهو أرجح لقلة التغيير بالحذف والكسر ولأنه عهد حذفها للجازم وهذه لغة غطفان وهي لغة فصيحة ولا يلتفت إلى قول مكيّ إنه ضعيف. قوله: (لأنها لا تضرّ بنفسها (قيد بنفسها لأنها تضرّ إن شاء الله مضرتها وقوله ولعله إنما أتى بلعل لأنه لم يسبق له ذكر، وإنما فهم من قوله أخاف، والتهديد يؤخذ من تعليقه شيئا بمشيئته تعالى. قوله: (كأنه علة الاستثناء) في الكشاف أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها كرجمه بالنجوم لأنه إذا أحيل شيء إلى علم الله أشعر بجواز وقوعه. قوله: (أفلا تتذكرون الخ) قد مرّ أنّ فيه وجهين تقدير معطوف عليه أي أتسمعون هذا فلا تتذكرون، أو تقديم الهمزة من تأخير لصدارتها أي بعدما أوضحته من الدلائل الظاهرة المقتضية لشرعة التذكر إشارة إلى أن ما صنعوه ناشئ عن الغفلة. قوله: (وكيف أخاف ما أشركتم) أي أشركتموه به فحذف اختصارًا لعلمه بالقرينة وذكره فيما بعده، ولأنّ المراد تخويفهم، وذكر المشرك به أدخل في ذلك، وأمّا ما قيل إنه ليعود إليه الضمير فيما لم ينزل به، فليس بشيء لأنه يكفي سبق ذكره في الجملة، والظاهر أن يقال في وجهه والنكتة فيه إنه لما قيل قبيل هذا رلا أخاف ما أشركتم به، كان هذا كالتكرار له فناسب الاختصار إنه ى! يب حدّفه إشارة إلى بعد وحدانيته عن الشريك، فلا ينبغي عنده نسبته إلى الله ولا ذكره معه، ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه عن ذلك صرّح به، وهذه نكتة بديعة فمن قال هنا لا بذ من بيان فائدة حذف بالله في الأوّل وإثباته في الثاني ولم أر أحدًا تعرض له، فأقول لعل الوجه في ذلك إنّ مقصود إبراهيم ﷺ في الأوّل إنكار أن يخاف غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا، وبالجملة خصوصية الإشراك بالله تعالى مقصودة في هذا المقام، وأمّا قوله: (ما أشركتم
﴾ دون أن يقول بالله فلان الكلام
فيما أشركوا وفي الثاني إنكار. عدم خوفهم من إشراكهم بالله فإنّ المنكر المستبعد عند العقل السليم هو الإشراك بالله تعالى لا مطلق الإشراك فلذا حذفه في الأوّل وأتى به في الثاني انتهى. فلا يخفى أنه تطويل من غير طائل مع أنّ ما أشركوا كيف يدل على ما سوى الله غير الشريك، وهو عجيب منه وأنت في غنى عنه مما
[ ٤ / ٨٧ ]
أوضحناه لك.
قوله: (وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف) أي يخاف بسبب عذابه وعقابه الخوف الشديد، وفي الكشاف وأنتم لا تخافون ما يتعلق به كل مخوف وقدر أنتم ليبين أنهم أحقاء بالخوف فبنى الكلام على تقوى الحكم فعلى هذا يصح أن يكون قول المصنف ﵀ وهو حقيق الخ بيانا لمآل الجملة وهو لا ينافي كون الجملة حالية وإن طعن فيه بأنّ المضارع المنفيّ لا يقرن بالواو كالمثبت لكنه غير مسلم ومنهم من جعله قيدا، وقال هذا القيد مع القيد السابق أعني قوله ولا يتعلق به ضرّ يومي إلى أنه جعل قوله ولا تخافون الخ عطفًا على جملة أخاف وان كان الزمخشري جعلها حالًا من فاعل أخاف أو مفعوله. قوله: (بالقادر الضاز النافع (وفي نسخة والقادر الضارّ، وهي ظاهرة لأنّ بين لا تضاف إلا لمتعدد وأمّا على هذه فقيل الباء بمعنى مع متعلق بمحذوف، وهو مع المجرور في محل نصب حال عن المقدور لا متعلق بالتسوية والا فلا يكون لبين معنى وهو تعسف. قوله: (بإشراكه) بيان لأنّ في الكلام مضافا مقدّرا وقيل إنه أرجع الضمير إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول فلا حاجة إلى العائد وهو مبنيّ على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع العائد إلى ما يتلبس بصاحبه، كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤] الآية لكنه لم يذكر مثله في ربط الصلة ولا بعد فيه، وقوله لم ينصب الخ فعدم التنزيل كناية عن ذلك، وقيل هو تعميم للدليل بحيث يشمل العقليّ والنقليّ، والسلطان الحجة فمعنا. على الثاني ظاهر وعلى الأوّل لأنه متضمن للحجج والبراهين. قوله: (احترازًا من تزكية نفسه) فأدرج نفسه فيمن زكاه إخفاء لتزكية نفسه لأنه أدعى لترك العناد إذ تزكية النفس، وان طابقت الواقع ربما دعت الخصم إلى اللجاج فلا يقال إنّ من ادّعى أنّ الحق معه لا يكون مزكيًا لنفسه، وكيف لا والتزكية بالباطل كذب لا تزكية، ووجه أيضا بأنه للإشارة إلى أنّ أحقية إلا من لا تخصه بل تشمل كل موحد ترغيبًا لهم في التوحيد. قوله: (استئناف منه) أي من إبراهيم ﷺ محكيا عنه، والظاهر أنه استئناف نحويّ لا بياني لأنه ما كان جواب مقدّر، وهذا جواب سؤال محقق، بقي هنا ا!
ابن هشام ﵀ قال في المغني الاستئناف النحوقي ما كان في ابتداء الكلام، أو مقتطعا عما قبله، وهذا خارج عنهما لارتباط الجواب والسؤال فكيف يكون استئنافا نحويًا، والجواب عنه أنه في ابتداء كلام المجيب تحقيقًا أو تقديرًا فيدخل فيما ذكره، أو المراد بكونه مقتطعا عما قبله أن لا يعطف عليه ولا يتعلق به من جهة الإعراب وان ارتبط بوجه آخر. قوله: (والمراد بالظليم هنا الشرك) فإن قلت لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٣] إن غير الشرك لا يكون ظلما قلت: التنوين في بظلم للتعظيم فكأنه قيل لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم ولما تبين أنّ الشرك ظلم عظيم علم أنّ المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك أو أنّ المتبادر من المطلق أكمل إفراده. قوله: (لما روي الخ) (١ (هذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ابن حنبل والترمذي عن ابن مسعود ﵁ فقول النحرير: كما ستراه قريبا إن صح لا يليق به، وقوله: يصدق بتشديد الدال يصح قراءته مجهولًا ومعلوما. قوله: (وقيل المعصية الخ) هذا ما ارتضاه الزمخشري تبعا لجمهور المعتزلة لأنّ تفسير الظلم بالشرك يأباه ذكر اللبس أي الخلط إذ هو لا يجامعه، وإنما يجامع المعاصي قال النحرير: قد شاع استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنّ صاحب الكبيرة لا أمن له، ولا نجاة من العذاب حيث دلت بتقديم لهم على اختصاص الأمن بمن لم يخلط إيمانه بظلم أي بفسق، وأجيب بأنّ المراد بالظلم هنا الشرك الذي هو ظلم عظيم كامل، ويشبه أن يكون تنكير ظلم إشارة لهذا بدليل ما روي عن ابن مسعود ﵁ والزمخشرقي دفعه بأنّ لبس الإيمان بالشرك أي خلطه به مما لا يتصوّر لأنهما ضدان لا يجتمعان، والحديث إن صح خبر واحد في مقابلة الدليل القطعي فلا يعمل به، والقول بأنّ الفسق أيضا لا يجامع الإيمان عند المعتزلة لكونه اسما لفعل الطاعات، واجتناب المعاصي حتى إن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر مدفوع بأنه كثيرًا ما يطلق على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى إنه يعطف عليه عمل الصالحات، وأجيب بأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق سواء كان باللسان، أو غيره فظاهر أنه
[ ٤ / ٨٨ ]
يجامع الشرك، كالمنافق وكذا إن أريد تصديق القلب لجواز أن يصدّق بوجود الصانع دون وحدانيته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٠٦ ا] وهو ما أشار إليه المصنف ﵀، ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به
بحيث يخرح عن الكفر فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن، ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوبًا مضمحلا أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر مرارًا، وبعد تسليم جميع ما ذكر فاختصاص إلا من بغير العصاة لا يوجب كون العاصة معذبين البتة بل خائفين ذلك متوقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع وقيل فيه بحث لأنّ اللبس على هذا المعنى متحقق على تقدير الانتهاء إلى الإيمان بتأخره عنه فيلزم أن ينتفي إلا من حينئذ البتة ولأنّ المراد بالأمن نفيا واثباتًا التعذيب وعدمه، والا قالا من كفر كاليأس ويدفع بأنّ المراد باللبس بالكفر أن يكون الكفر متأخرًا لأنه جعل كاللباس والغطاء وما قبله كالتوطثة والفراش، وكون الإيمان يجبّ ما قبله قرينة له كما هو معلوم من الدين بالضرورة، والمراد بالأمن الطرف الراجح الذي هو كالجزم كما أشار إليه وليس هو إلا من الذي يكفر به، وفي بعض الحواشي فإن قيل المؤمن الفاسق الذي مات على الفسق ليس له الأمن فما وجه حمل الظلم على الشرك مع أنه يقتضي أنّ من لم يشرك آمن، وإن كان فاسقا قيل على التقدير المذكور يكون المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب، ومن الاهتداء الاهتداء إلى طريق توجب إلا من الخلود فإذا كان المراد من الظلم المعصية، كان الأمن إلا من العذاب مطلقا فتأمّل. قوله: (١ ن جعل خبر تلك) وآتيناها خبر بعد خبر أو معترضة أو تفسيرية، وقيل يصح تعلقه بآتينا لتضمنه معنى الغلبة وجعله متعلقًا بمحذوف في هذا الوجه لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبي. قوله: (بالتنوين (قال أبو البقاء: يقرأ بالإضافة على أنه مفعول نرفع فرفع درجة الإنسان رفع له، ويقرأ بالتنوين فمن مفعول، ودرجات منصوب على الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على المصدرية بتأويل رفعات أو هو تمييز، وأما كونه مفعولًا ومن بتقدير لمن فبعيد. قوله: (كلاَ منهما (لم يقل منهم لأنّ هداية إبراهيمءلمجييه معلومة مما سبق، لأنّ الغرض تعديد النعم على إبراهيمءلمجب! بشرف الأصول والفروع، والولد لا يعد نعمة ما لم يكن مهديًا، قيل وإنما ذكر نوحا لمجم! هـ لأنّ قومه عبدوا الأصنام فذكره ليكون له به أسوة وأمّا إنه لما ذكر أنعامه من جهة الفرع ثني بذكر النعمة من جهة الأصل فلا دلالة في النظم على علاقة الأبوّة، وقد قيل إنها معلومة بدليل آخر أو لشهرتها، ولك أن تقول أن من قبل دال عليه، فتدبر. قوله: (الضمير لإبراهيم ﵊ الخ) وهو من عطاياه التي امتن بها
عليه على كلا الوجهين، لأنّ شرف الذزية وشرف الأقارب شرف لكنه على الأوّل أظهر، ويكون تطرية في مدح إبراهيم ﷺ بالعود إليه مرّة بعد أخرى، وقال محيي السنة ﵀: ومن ذرّيته أي ذرّية نوح ع! ي! هـ ولم يرد من ذرّية إبراهيم ﵊ لأنه ذكر في جملتهم يونس ﷺ وكان من الأسباط في زمن شعياء أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى من الموصل وقال إنّ لوطًا ﷺ كان ابن أخي إبراهيم لمج! هـ ابن تارح آمن بإبراهجم ولشص معه مهاجرا إلى الشأم فأرسله الله إلى أهل سدوم، ومن قال الضمير لإبراهيم ﷺ يقدر ومن ذزية إبراهيم، وسليمان ﷺ هدينا لأنّ إبراهيم هو المقصود بالذكر، وذكر نوح لتعظيم إبراهيم ولذلك ختم بيونس ولوط وجعلهما معطوفين على نوحا هدينا من عطف الجملة على الجملة، وصاحب الكشف أخرج إلياس ﷺ، وليس كذلك لما في جامع الأصول عن الكسائيّ إنهما من ذرّيته فبقي لوط خارجا ولما كان ابن أخيه آمن به وهاجر معه أمكن أن يجعل من ذزيته على سبيل التغليب كما ذكره الطيبي، وعليه ينزل كلام المصنف رحمه الله تعالى ٠ قوله: (عطف على نوحًا) وذكر إسماعيل وان كان من ذرّية إبراهيم لأنّ السكوت عن إدراجه في الذرّية لا يقتضي أنه ليس منهم، وأنما لم يعد في موهبته لأنّ هبة إسحق كانت في كبره وكبر زوجه فكانت في غاية الغرابة، وذكر يعقوب لأنّ إبقاء النبوّة بطنا بعد بطن
[ ٤ / ٨٩ ]
غاية النعمة ولم يعطف كلًا هدينا لأنه مؤكد لكونه نعمة. قوله: (جزاء مثل ما جزينا (قيل عليه أنّ مجموع الأمور الثلاثة من رفع الدرجة، وكثرة الأولاد والنبوّة فيهم ليست موجودة في غير إبراهيم ﷺ، والمراد بمماثلة جزائهم لجزائه مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان بالإحسان والمكافأة بين الأعمال، والا جزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه لأنّ اختصاص إبراهيمءكب! هـ بكثرة النبوّة في عقبة مشهور فلا يرد عليه ما توهم. قوله: (دليل على أنّ الذزية تتناول أولاد البنات) لأنّ انتساب عيسى ﷺ ليس إلا من جهة أمّه، وأورد عليه أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأمّ إلى نفسه فلا يظهر قياس غيره عليه والمسألة مختلف فيها والقائل بها استدل بهذه الآية وآية المباهلة حيث دعا ﷺ الحسن والحسين ﵄ بعدما نزل ندع أبناءنا وأبناءكم إن لم نقل إنه من خصائصه ﷺ، وقيل: إنّ هذا ليس بشيء لأن مقتضى كونه بلا أب أن لا يذكر في حيز الذرّية وفيه نظر، وقوله: (فيكون البيان) المراد به قوله ومن ذرّيته، ويكون توله وزكريا وما بعده معطوفا على مجموع الكلام السابق. قوله: (قيل هو ادرش! جدّ نوح) عليهما الصلاة والسلام، وعلى هذا لا
يجوز إرجاع ضمير ومن ذرّيته إلى نوح-لمج! هـ، وقيل إلياس من ولد إسماعيل، وعن العينيّ أنه سبط يوشع بن نون. قوله: (الكاملين في الصلاح) جواب عما يقال الصلاح صفة محمودة في نفسها لكنها لا يوصف بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٠ قوله: (وقرأ حمزة والكسائي الليسع) بوزن الضيغم وهو آعجمي دخلت عليه الألف واللام على خلاف القياس وقارنت النقل فجعلت علامة للتعريب، كما قال التبريزي إن استعماله بدونها خطأ يغفل عنه الناس، ويكون تنظيره باليزيد في دخول اللام فيما لا تدخل قبل النقل فإن كان فعلا فشابه العجمي الفعل في عدم جواز دخول أل عليه، فليس يسع من قبيل يزيد فعلًا حتى يرد أنّ دخول اللام عليه مخصوص بالضرورة فلا يصح تخريج ما في القرآن عليه فإنّ التشبيه ليس من كل الوجوه، ووجه الشبه ما مرّ، وهو أعجمي قيل إنه معرّب يوشع. قوله: (رأيت الوليد بن اليزيد الخ) هو من قصيدة للرمّاح بن ميادة من قصيدة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أوّلها:
ألا تسأل الربع الذي ليس ناطقًا واني على أن لا أنين لسائله
كم العام منه أومتى عهد أهله وهل يرجعن لهو الشباب وعاطله
هممت بقول صادق أن أقوله واني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدًا بأعباء الخلافة كأهله
أضاء سراج الملك فوق جبينه غداة تناجي بالنجاح قوابله
وهي قصيدة طويلة وقد قيل: إنّ اللام دخلته لمشاكلة الوليد وهي فيه للمح الأصل ورأيت إن كانت علمية فمباركا مفعول ثان، والا فهو حال وشديدًا حال مترادفة أو متداخلة، وأعباء جمع عبء كثقل لفظا معنى وإضافته إلى الخلاف كأظفار المنية أو لجين الماء أو هو استعارة تصريحية لمهماتها، وما قيل إنه من قبيل لجين الماء وفيه استعارة تخييلية مجرّدة عن المكنية وهم، والكاهل ما بين الكتفين، ويونس بن متا بالمثناة كحتى ويقال: متتا بالفك اسم أبيه، وقيل: اسم أمّه وأنه لم يشتهر نبيّ باسم أمّه غير يونس وعيسى صلى الله عليهما وسلم وقد رسم بالألف. قوله: (وفيه دليل الخ) قيل ظاهره تفضيل كل منهم على من عداه وهو مشكل لأنه يلزم منه تفضيل الشيء على نفسه ولو أول بعالمي زمانه إنما يتم لو لم يجتمع في زمان نبيان وليس كذلك فإبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام اجتمعا فتوجيهه تحصيص العالمين بمن ليس نبيًا واليه أشار بقوله بالنبوّة، وبقوله على من عداهم من الخلق ليلزم كون
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة على ما هو المشهور من الاستدلال عليه بهذه الآية، وفيه إنه لا يلزم فضل غير المذكورين من الأنبياء عليهم ولا فضلهم على رسلهم لأنّ المراد كما صرّح به تفضيلهم بالنبوّة فاويهم فيها، وأما التفضيل على الملائكة مطلقا فمن عموم العالمين فلا يرد ما ذكره. قوله: (عطف على كلا) الظاهر أنه أراد أنه عطف
[ ٤ / ٩٠ ]
على كلا فضلنا وجوّز أن يريد بكلا أحدهما لا على التعيين، فقوله أو هدينا هؤلاء إشارة إلى أنه واقع موقع المفعول به لتأويله ببعض، وقوله: فإنّ الخ إشارة إلى وجه ذكر من التبعيضية في النظم، وقوله تكرير لبيان ما هدوا إليه أي لأجل بيانه لأنّ المهديّ إليه لم يتكرّر، والمكرّر الهداية، وقوله: ما دانوا به يعني أديانهم، ويصح أن يكون إشارة إلى الهدي إلى الطريق المستقيم. قوله: (دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية) قيل فيه دليل على أنّ الهداية بمشيئته تعالى، وأما أنه متفضل بها فمبناه على عدم لزوم المشيئة لذاته وذلك غير ذلك، وردّ بأنه ظاهر من لفظ المشيئة فإنها مرادفة للإرادة ومن كلمة التبعيض، ولذا قال بعضهم لما جعل المشيئة علة الهداية صارت تفضلًا بلا شبهة فاندفع ما فيه وما أورد عليه. قوله: (مع فضلهم) قيل لو أخره بعد قوله: (لحبط عملهم) كان أولى وأمره سهل، وقوله: (بسقوط ثوابها) إشارة إلى أنّ سقوط الأعمال لا يتصوّر بعد الوقوع، وإنما الساقط جزاؤها، وقوله: (والرسالة أليس عطفًا تفسيريا بل المراد أنّ النبوّة وان كانت أعمّ فالمراد بها ما يشمل الرسالة لأنّ المذكورين رسل، وقد يقال إنما ذكر الأعمّ في النظم لأنّ بعض من دخل في عموم آبائهم وذرّياتهم ليسوا برسل فلا يرد عليه أنّ تفسير النبوّة بالرسالة غير ظاهر، وتفسير هؤلاء بقريش من قرينة خارجية مع دلالة إشارة والمقام. توله: (أي بمراعاتها) هذا تفسير لمحصل معنى التوكيل بها لأنّ معناه الحفظ، وما قيل المراد بتوكيلهم بها توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهد فمعنى المراعاة داخل في معنى التوكيل إن أراد أنه تفسير له بجزء معناه، فلا نسلمه لأنه وما ذكره من لوازمه ولو سلم فإنما تركه لتكرّره مع قوله ليسوا بها بكافرين وما توهم من أنه إشارة إلى تقدير مضاف، وأنّ فيه مبالغة لأنه يقتضي مراعاة المرإعاة تعسف لا وجه له. قوله.
(وهم الأنبباء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم) رجحه الزمخشري بوجهين، الأوّل أنّ الآية التي بعده إشارة إلى الأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسلام فإن لم يكن الموكلون هيم لزم الفصل بالأجنبي الثاني أنه مرتب بالفاء على ما قبله فيقتضي ذلك، وقيل إنّ فيه بعدًا فان الظاهر كون مصذق النبوّة ومنكرها مغايرًا لمن أوتيها، ولدّلك رجح بعضهم غير هذا الأوّل وهو أن يراد كل مؤمن، وقوله وقيل الملائكة قال الإمام فيه بعد لأنّ القوم قلما يقع على غير بني آدم. قوله: (فاختص) أمر من الاختصاص أي اجعله منفردًا بذلك واجعل الاقتداء مقصورًا عليه وهو مستفاد من التقديم. قوله: (والمراد بهداهم الخ) فإن قيل الواجب في الاعتقاد وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل أو السمع، ولا يجوز لا سيما للنبي مج! يي! أن يقلد غيره فما معنى أمره بالاقتدأء بهداهم قلنا معناه الأخذ به لا من حيث إنه طريقهم بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ففيه تعظيم لهم وتنبيه على أنّ طريقهم هي الحق الموافق للعقل والسمع كذا قال النحرير: وفيه إنّ اعتقاده حينئذ ليس لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لأمره بالاقتداء في ذلك، وأيضا قيل عليه أنّ الأخدّ باصول الدين حاصل له قبل نزول هذه الآية فلا معنى للأمر يأخذ ما قد أخذ قبل إلا أن يحمل على الأمر بالثبات عليه، فتعين كما قاله بعض المحققين إنّ الاقتداء المأمور به ليس إلا في الأخلاق الفاضلة والصمفات الكاملة، وإذا أمر رسوله ىشيي! أن يقتدي بجميعهم في ذلك، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به ثبت أنه اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال، وثبت بهذه الآية أنه أفضل الرسل كما قال الإمام ﵀: وهو استنباط حسن فثبت أنه أفضل من الجميع كما ثبت أنه أفضل من كل واحد منهم، ولما نقل عن ابن عبد السلام إنه لا يدلّ على تفضيله على الجميع شنع عليه علماء عصره، واعلم أنّ المأمور بالاقتداء فيه هو العقائد لا الفروع مطلقا فما قاله النحرير: وغيره لا وجه له. قوله: (فليس فيه دليل ﵊ متعبد بشرع من قبله) كما ذهب إليه كثير واستدلوا بهذه الآية وردّه المصنف كغيره بأنّ المراد بها العقائد الدينية مما لا يتبذل دون الفروع لأنها ليست مضافة إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعًا فيها لتناتض الأحكام وأيضًا لو تعبد بشريعة لنقل إلينا ولم ينقل وقد عرفت ما في هدّا الوجه الذي اختاره فتذكر. قوله: (والهاء في اقتده
[ ٤ / ٩١ ]
للوقف الخ) أي هاء السكت التي تزاد في الوقف ساكنة
إجراء للوصل مجرى الوقف، وبعضهم يحرّكها تشبيهًا لها بهاء الضمير، والعرب كثيرًا ما تعطي للشيء حكم ما يشبهه وتحمله عليه، وقد روي قول المتنبيّ:
وأحرّ قلباه ممن قلبه شبم
بضم الهاء وكسرها على أنها هاء السكت شبهت بهاء الضمير فحركت، والأحسن كما في
الدرّ أن يجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبه الضمير لأنّ هاء الضمير لا تكسر بعد الألف فكيف بما يشبهها، وأمّا كونه اتبع فيه خط المصحف فمما لا ينبغي ذكره لأنه يقتضي أنّ القراءة بغير نقل تقليدا للخط فمن قاله فقدوهم، وقيل إنها ضمير المصدر أي اقتد الاقتداء، وهو أقرب لأنّ إجراء الوصف مجرى الوقف ضعيف حتى قيل إنه مخصوص بالضرورة، والمراد بقوله أشبعها أنه كسرها ووصلها بياء وهو قراءة كما في الدرّ المصون، وابن عامر كسرها من غير إشباع وهو الذي تسميه القراء اختلاسًا. قوله: (جعلا من جهتكم) هذا القيد معلوم من قوله أسألكم لأن المسؤول منه يطلب شيء من جهتة بالضرورة، وقيل إنه ماخوذ من قوله في موضمع آخر إن أجرى إلا على الله، قيل والآية تدلّ على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام وللفقها فيه كلام لشهرته غنيّ عن البيان، والجعل بضمّ الجيم وسكون العين كالجعالة، والجعيلة ما يجعل للإنسان بفعله وهو أعمّ من الأجر والثواب كما قاله الراغب. توله: (وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه) قيل فيه اعترإف بعدم اختصاص الهدي المذكور بالأصول فلا وجه لنفي التمسك به قبيله) قلت) استفادة الاقتداء بهم في الأصول من الأمر الأوّل لا ينافي أن يؤمر بالاقتداء بهم في أمر آخر كالتبليغ وتلك آية هذه آية أخرى، ولا ينافيه تقدم المتعلق للحصر ثمة لأنه نفي لاتباع طريقة غيرهم في شيء أخر، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٣٥] لا ينافي تلك الآية وقد أمر فيها بالاقتداء بهم أيضا وهو معلوم من تحقيق المسألة والنظر فيما قاله أهل الأصول فيها فلا حاجة إلى ما قيل مخالفته لتخصيص الهدي بالأصول ظاهرة وأمّ لزوم جواز التمسك المذكور فلا لأنّ محل الخلاف هو أنه مأمور بالتعبد بشرع من قبله فيما لم يوجد في القرآن ما يدل على وجوبه أو حرمته أو إباحته فإذا وجد ذلك لا يكون محل الخلاف كيف وكثير من أحكام القرآن في الكتب المتقدمة، وقوله: إلا تذكيرًا جعله نفس التذكير مبالغة، وذكرى مصدر كما مرّ ولا حاجة لتأويله بمذكر والمراد بالغرض غرض التبليغ والقرآن، ويصح تفسيره بالأجر أيضًا. قوله: (وما قدروا الله حتى قدره) فسره هنا بما عرفوه حق معرفته وفي الزمر بما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه لأنه في الأصل معرفة المقدار بالسبر ثم إستعمل في معرفة الشيء على أتمّ
الوجوه حتى صار حقيقة فيه كما قالوا رحم الله من عرف قدره أي نفسه وحقيقته ومعرفة الله لما لم تكن إلا بصفاته فسر في كل محل بما يليق به فهنا لما كان في حق المشركين والكفار ناسب العظمة فدّكر في كل مقام ما يليق به، ولهذا فسر أيضا بما وصفوه حق وصفه لما عرفت. قوله: (في الرحمة والأنعام على العباد (لما جعل قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء سببًا لأنهم ما عرفوه حق معرفته فإمّا أن يكو! اعدم المعرفة في صفة أالمطف أو في صفة القهر فإن كان في اللطف فالسبب إنكار النبوّة لأنها من أجل رحمته بالعباد، وان كان في القهر فالسبب الجسارة على ذلك الإنكار والى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله حين أنكروا الخ. قوله: (والقائلون هم اليهود الني) اختلفوا في القائلين ما أنزل الله على بشر من شيء فذهب الجمهور إلى أنهم اليهود، واستدل عليه بقراءة الخطاب في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٩١ وتقرير الاستدلال أنّ قوله قل من أنزل الخ جواب لأولئك القائلين والتاء في تجعلونه خطاب لهم ولا شك في أنّ الجاعلين التوراة قراطي! هم اليهود فيكون القائلون تلك المقالة هم اليهود، فإن قلت اليهود يقولون التوراة كتاب الله أنزله على موسى ﷺ، فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء أجيب بأنّ مرادهم الطعن في رسالته ﷺ مبالغة في ذلك الإنكار فقيل لهم على سبيل الإلزام قد أنزل الله التوراة على موسى ﷺ فلم لا يجوز إنزال القرآن على محمد ﷺ فكأنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزه
[ ٤ / ٩٢ ]
ثم وصف كتاب موسى ﷺ قصدًا إلى تجهيلهم وتوبيخهم بصفات ثلاث أحدها أنه نور وهدى للناس، وثانيها أنهم حرّفوه وتصرّفوا فيه بابداء بعض واخفاء كثير كصفته غ! يرو وآية الرجم، وثالثها إنهم علموا في ذلك الكتاب على لسان محمد ﷺ ما لم يعلموا ولا آباؤهم مما كانوا يختلفون فيه، وقراءة الغيبة على هذا التفات تبعيدا لهم بسبب ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب، ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله وعلمتم، وهذا من عيون اللطائف في الالتفات ويؤيد هذا الوجه ما روي في سبب النزول فقوله مبالغة الخ إشارة إلى أنهم عمموا الإنكار مع اعترافهم بالتوراة لذلك، وقوليما نقض كلامهم أي ردّه بإلزامهم كما عرفت وقراءة الجمهور بالجرّ عطف على نقض فإنها تدل على أن الخطاب لليهود، وقراءة الياء التفات نكتته ما ذكرنا مع مناسبته للغيبة في قالوا وقدروا.
قوله: (بدليل الخ) هو دليل على كون الخطاب لليهود لكونهم الذين صدو منهم ذلك أو
دليلى للمبالغة لأنهم لا ينكرون نزول التوراة فهو كما إذا قيل فلان يعرف الفقه فقلت منكرًا لذلك هو لا يعرف شيئًا أصلا مع أنه لا بد لمعرفته لشيء مّا، وإنما ألزموا بالتوراة لاعترافهم
بها فكلامهم مبالغة على طريق الكناية أو أنه كان لذهول من الغضب والتهوّر كما روي عن ابن الصيف. قوله: (وقراءة الجمهور) بالجر قيل الذين يجعلون التوراة كذلك هم أليهود لا قريش، وأمّ على قراءة الياء التحتية فيكون التفاتا جعلوا غيبا لثناعة ارتكاب ذلك الفعل وليس اعتراضًا بأنّ قراءة الياء لا تخرجه عن الاستدلال لأنّ ذلك الفعل، إنما صدر منهم وأنّ المصنف ﵀ أيضا قصد التعريض بالاعتراض على تخصيص الزمخشريّ الاستدلال بقراءة الخطاب كما قيل فإنّ مراد العلامة إنّ قراءة الخطاب، أظهر في ذلك لدلالتها بالمعنى والصيغة. قوله: (وتضمن (وفي نسخة وتضمين وهو معطوف على نقض، وهو دليل آخر لأنه لو كان جوابا لكفار قريش لم يكن ما ذكر من التوبيخ في موقعه لأنهم لا يوبخون بفعل غيرهم فهو دليل على أنه جواب، وخطاب لهم فيكون القول الأوّل منهم، ومن لم يتفطن لهذا قال إنه عطف على قراءة الجمهور لا على إنه دليل آخر أوله مدخل فيه وان أوهمه ظاهر العبارة، وكيف يعطف على الدليل ما ليس بدليل، وفي نسخة تضمن على المضيّ فلا يكون من الدليل ويكون كقوله في الكشاف وأدرج تحت الإلزام توبيخهم انتهى، وتوبيخهم مفعول تضمن وذمهم بصيغة المصدر معطوف عليه والمراد بالحمل الحفظ من غير عمل كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٥] الآية. قوله: (روي) هذا الحديث) ١ (أخرجه ابن جرير والطبرانيّ عن سعيد بن جبير، والصيف بالصاد المهملة كضد الشتاء، والحبر بكسر أوّله وفتحه العالم الفصيح وليس حينئذ من إسناد ما صدر من البعض، إلى الكل إذا أريد به إنكار بعثته ﷺ مبالغة ويكون منه إن أريد ظاهره، وليس إسناده إليهم لأنهم رضوا به لأنّ تمام الحديث يدلّ على خلافه كما سيأتي إذ لا يلزم ذلك في هذا الإسناد ولو سلم فجعله رئيسا لهم في حكم الرضا بما يقوله، ويفعله وحي! عذ فاللوم والتوبيخ لمالك حين جسر على مثله، وإن لم ينكر نزول التوراة في الحقيقة أو جعل عدم العمل والرضا بما فيها بمنزلة إنكارها، قيل وهذا الوجه لا يلائم لومهم وإلزامهم بإنزال التوراة على موسى عت! هـ لا سيما بعد أن قال هذا القائل، إنما صدر هذا عني من الغضب ثم إنّ النحرير جعل قوله روي الخ جوابًا مستقلًا حيث قال إنّ
هذا القول صدر مبالغة في إنكار إنزال القرآن على النبيّ ﷺ أو غضبًا وذهولًا عن حقيقة الكلام كما أشار إليه بقوله وروي، الخ لكن الوجه هو الأوّل ولذا رتب عليه بحث الإلزام والتوبيخ حين عيروه انتهى. فلذا عطف في الكشاف بالواو، والعلامة في شرحه جعله مؤيدًا للجواب الأوّل، ولم بجعله جوابا مستقلا وكان المصنف رحمه الله تعالى جنح إليه فترك العطف فلا يرد عليه ما قيل الظاهر أن يقول وروي بالواو لأنه بدونه يوهم كونه بيانا لكون القائلين هم اليهود لا وجها آخر، وليس كذلك لعدم دلالة هذه الرواية على أنّ الغرضى من هذا القول نفي إنزال القرآن، فتأمّل وقوله أنشدك الله قسم من نثده بمعنى سأله، وبغض الله للحبر السمين لأنه يدلّ على الحمق
[ ٤ / ٩٣ ]
والجهل ولأنه من كثرة التنعم باكل والشرب في أكثر ولذا قيل ما أفلح سمين قط، وهو أغلبي، وتتمة الحديث: " فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود " فضحك القوم فغضب، ثم التفت إلى عمر ﵁ فقال ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له قومه ما هذا الذي بلغنا عنك قال: إنه أغضبني فنزعوه أي عزلوه عن كونه رئيسًا عليهم وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. قوله: (وقيل هم المشركون الخ) وعليه قراءة الياء التحتية ظاهرة لقولهم: ﴿لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٧ ا] ولقولهم: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ إلا أنّ قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ لا يلائمه لأنه ليس من فعل المشركين فلذا جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهود به تعريضًا بهم بأنّ إنكارهم إنزال الله من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان وعدم الإسناد إلى برهان، وعلى قراءة الخطاب فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين وهو التفات عند الأدباء لكن الالتفات في القول المختار أبلغ وأحسن، وقيل: إنهم لما سمعوا كلام اليهود ورضموا به خوطبوا بما يخاطبون به وهو بعيد. قوله: (على لسان محمد ﷺ) والخطاب لليهود كما صرحوا به واليه يشير قول المصنف ﵀ زيادة على ما في التوراة وقوله: (وقيل الخطاب الخ) فإن قيل إنه من جملة مقول قل من أنزل، وليس أجنبيا بينه وبين قل الله فأفي داع لتعيين إنه خطاب لليهود أو لقريش قيل هو لا يدخل معنى في حيز من أنزل الكتاب الخ إذ لا دخل له في الجواب، ولدّا قالوا إنه في موقع الحال أو عطف على مقول قل على إنه مقول آخر بالاستقلال وعلى تقدير كون الخطاب لقريش فهو خطاب لمن آمن منهم إذ التعليم إنما هو لهم لا للكفرة ولم يتعرّضوا لما فيه من القراءتين على الالتفات، ولا شبهة أن في قوله ما لم تعلموا إشارة إلى أنهم أهل علم بالكتاب فلذا لم يلتفتوا إلى كونه خطابا لقريش تنزيلًا لعلمهم الحاصل بالتعليم منزلة العدم لعدم العمل بموجبه توبيخا لهم كما قيل، وضعف كونه خطابًا لمؤمني قريش لعدم
اقتضاء السياق والسباق له، وعلى هذا هو اعتراض للامتنان على النبيّ ﷺ، وأتباعه لهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن كما في الكشف والذي اقتضى التخصيص أنّ التعليم فاعله إمّا الإحبار أو النبيّ ﷺ فعلى الأوّل الخطاب لليهود، وعلى الثاني للمؤمنين، وما قيل الظاهر أن يقال هم قريش حتى يندرح فيهم من آمن منهم ويكون أوّل الكلام خطابًا لبعضهم وآخره خطابا لبعضهم وهم مؤمنوهم وإذا كان الخطاب مع اليهود وخطاب تجعلونه لهم، فلا يظهر لخطاب من آمن من قريش بهذا الخطاب وجه إلا أن يقال الناس عامّ فيدخل فيهم قريش وعلمتم معطوف على تجعلونه والخطاب فيه للناس باعتبار اليهود، وفي علمتم لهم باعتبار مؤمني قريش تكلف لا حاجة إليه. قوله: (أي أنزله الخ (يعني هو إمّا فاعل فعل مقدر أو مبتدأ خبره جملة مقدرة، واختلف في الأرجح منهما فقيل تقدير الفعل ليطابق السؤال ويقل التقدير، لأنّ ما بعد أداة الاستفهام في من أنزل فعل، وقيل: الأرجح تقدير الله أنزله وهو المطابق لمن أنزل بتقدير الله أنزله أم غيره مع إفادته للتقوّى وقد مرّ الكلام فيه، وله تفصيل في كتب العربية والمعاني وقوله أمره بأن يجيب عنهم إشارة إلى نكتة تلقين السائل الجواب، وعدم نقل جوابهم إشارة إلى أنهم ينكرون الحق مكابرة منهم وقد مرّ تفصيله. قوله: (في أباطيلهم) قد مر أنّ الخوض هو المتكلم في الشيء وأنه مخصوص بالباطل في المشهور، وإليه أشار المصنف ﵀ وقوله: (فلا عليك) أصله، فلا بأس عليك واسم لا يحذف كثيرًا، وقد سمع في هذا بخصوصه، ووجوه الإعراب فيه ظا+ص. وكونه حالًا من ضمير خوضهم لأنه مصدر مضاف لفاعله، وقوله: (أو من هم الثاني) وهو معطوف على هم الأوّل إشارة إلى أنه لا يصح حينئذ جعل الظرف متصلا بيلعبون على الحالية أو اللغوية لأنه يكون معمولًا له متأخرًا عنه رتبة ومعنى مع أنه متقدم عليه رتبة أيضا لأنّ العامل في الحال عامل في صاحبها فيكون فيه دور وفساد في المعنى، وفي قوله والظرف متصل بالأوّل إيجاز لأنه أراد بالكلام الأوّل فيشمل كونه لغوًا أو حالًا من هم ولذا لم يقل بهم الأوّل، ومن لم يتنبه له قال لا أرى وجها لعدم ذكره جواز كون الظرف حالًا من مفعول ذرهم مع أن المتبادر من عبارته. قوله: (مبارك كثير الفائدة والنفع) لاشتماله على منافع الدارين وعلوم
[ ٤ / ٩٤ ]
الأوّلين والآخرين، قال الإمام: قد جرت سنة الله بأنّ الباحث عن القرآن والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وقد شوهد كذلك في كل عصر، وقوله
يعني التوراة خصها لأنها أعظم كتاب نزل قبله، ولأنّ الخطاب مع اليهود أو الكتب التي قبله فهو أعمّ شامل لها ولغيرها ومعنى كونها بين يديه أنها متقدّمة عليه لأنّ كل ما كان بين اليدين فهو كذلك. قوله: (عطف على ما دل عليه مبارك الخ) في الكشاف معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب كأنه قيل أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار، وقال النحرير: لا حاجة إلى هذا التكلف لجواز أن يكون عطفًا على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار، ومثل هذا أعني عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير وقيل الداعي إلى هذا التكلف أنه رأى الصفات السابقة عراة عن حرف العطف ليتلاءم أطراف الكلام ولا ينفك النظام، فلما جيء به مقترنًا بالعطف اقتض حسن التوجيه أن لا يحمل على الوصف بل على العطف على محذوف وله غير نظير في القرآن سيما في هذه السورة كما مرّ، وليس بشيء وإن ارتضاه بعضهم لأنه يقتضي أنّ الصفات إذا تعدّدت ولم يعطف أوّلها يمتنع العطف في آخرها أو يقبح، وليس كذلك بل الواقع المصرّح به خلافه كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [سورة التحريم، الآية: ٥] فعطف قوله وأبكارا مع ترك العطف في الصفات السابقة لكنه لنكتة يمكن اعتبار ما يضاهيها هنا، مع أنّ ما ذكره لازم على الوجه الثاني وهو قوله أو علة لمحذوف الخ لأنّ جملة وأنزلناه لتنذر معطوفة على أنزلنا الواقع صفة فالظاهر أنّ الحامل على هذا أنّ اللفظ والمعنى يقتضيه أمّا المعنى فلأنّ الإنذار علة لإنزاله كما قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٩] ولو عطف لكان على أوّل الصفات على القول الأصح ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجارّ والمجرور على الجملة الفعلية لأنه نظير هذا رجل أقام عندي وليخدمني ولا يخفى قبحه، ومنه يعلم الحامل اللفظي، وليس تقديم الجارّ فيه للحصر لأنه فهم من الجملة السابقة علة أخرى ككثرة البركة بل للاهتمام لأنّ الإنذار مقتضى المقام أو الحصر إضافيّ، ويصح أن يقدّر لتبشر ولتنذر. قوله: (وإنما سميت الخ) وجه الأوّل أنهم يجتمعون عندها كتجمع الأولاد عند الأمّ المشفقة، ووجه قوله أعظم القرى شأنا أنّ غيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ووجه قوله لأنّ الأرض! الخ، يعني أنها أخرجت من تحتها كما يخرج الأولاد من تحت الأمّ وأيضًا فالناس يرجعون إليها كما ترجع الأولاد إلى الأمّ، واليه أشار الزمخشريّ في شعر له رويناه في ديوانه من قوله:
أنا جار بيت الله مكة مركزي ومضرب أوتادي ومعقد أطنابي
فمن يلق في بعض القريات رحله فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي
واليه أشار المصنف ﵀ بقوله قبلة أهل القرى ومحجهم، ومنتابي بمعنى مرجعي
نوية بعد نوبة وإنما ذكرناه لأنّ شراحه لم يقفوا عليه وعلى المراد منه والقراءة بالياء التحتية على الإسناد المجازي لأنه منذر به. قوله: (أهل المشرق والمنرب) أوّله لعموم بعثته لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٢٨] واللفظ متحمل له وردّا على من تمسك بها لأنه مرسل للعرب خاصة ولا متمسك فيها لما سمعت على أنه خصهم لأنهم أحق بإنذاره كقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة العراء، الآية: ٢١٤] ولذا نزل كتاب كل رسول بلسان قومه مع أنه استدلال لإرساله للعرب وليس فيه حجة على نفي غيره. قوله: (والضمير يحتملهما) أي النبيّ والكتاب على البدل والصلاة المراد بها مطلق الطاعة مجازًا، أو اكتفى ببعضها لما ذكر وكلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر في الثاني، وعلم الإيمان بمعنى علامته ولذا أطلق الإيمان عليها مجازا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] أي صلاتكم. قوله: (ومن أظلم الخ) استفهام إنكاري معناه النفي والمراد أنه أظلم من جميع المخلوقات كما مرّ ومسيلمة بكسر اللام لأنّ ما بعد ياء التصغير يلزم كسره، والعامّة تغلط فتفتحها، وهو من بني حنيفة أهل اليمامة اذعى النبوّة في زمن النبيّ ﷺ، وقتل في خلافة أبي بكر ﵁ والأسود العنسي، كك كاهنا باليمن من بني عنس بعين مهملة مفتوحة ونون ساكنة وسين مهملة
[ ٤ / ٩٥ ]
ادّعى النبوّة، واستولى على اليمن، وأخرج بعض عمال رسول الله ﷺ منها فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي، وجاء خبر قتله قبيل موته ﷺ وقيل عقبه، وقوله: (اختلق) بالقاف بمعنى افترى، وعمرو بن لحيّ منقول من تصغير لحى، وهو الذي حرم البحائر وسيب السوائب في الجاهلية والزمخشري قصره على من ادّعى النبوّة والمصنف عمم وأو للتنويع لا للترديد، وعن النبيّ بوو: " رأبت فيما يرى النائم كأن في يديّ سوارين من ذهب فكسرا علئ، وأهماتي، فأوحى الله إلئ أنفخهما فنفختهما فطارا عني، فأؤلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الآسود العنسي " (١ (، كذا في الكشاف، قالوا والتأويل المذكور لأنّ السوار سيما الذهبي لا يناسب الرجال سيما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكونهما في يديه دليل على نزاع فيما يتقوّى به من أمر النبوّة ونفخهما إشارة إلى استحقار شأنهما وزوالهما بأدنى شيء وقد كنت تأوّلت هذه الرؤيا قبل الوقوف على هذا بأنّ الذهب النبوّة لأنه أشرف المعادن، وأنفعها لأنه خواتيم الله في أرضه التي بها التعامل، كما أنها
أشرف صفات البشر الذين بهم تنتظم الأمور وكونها سوار إشارة إلى أنها بعده أو أنه يذهبها رجلان من أصحابه وهما الصذيق بأمره وخالد بن الوليد بمباشرته ﵄ والطيران بالنفخ زوالهما بدون مباشرته بنفسه بل بمقتض كلامه وشرعه، ثم وقفت على هذا وهو قريب مما قلته. قوله: (أو قال أوحى إلئ) فسره الزمخشري بمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمصنف ﵀ جعله عبد الفه بن أبي سرح كاتب الوحي لما كان هذا داخلًا في الافتراء على الله وجه العطف باو بأنّ المراد بالثاني هو القول ولو على سبيل الترديد فيه، وقال الإمام: إنه في الأوّل يدعي أنه أوحى الله إليه ولم ينكر نزول الوحي على النبيّ ﷺ وفي الثاني أثبت الوحي لنفسه، ونفاه عنه ﷺ، فكان جمعًا بين أمرين عظيمين، وهو إثبات ما ليس بموجود، ونفي ما هو موجود فجعل الواو عاطفة وضمير إليه للنبيّ ﷺ، وعلى توجيه غيره الواو للحال والضمير لمن وكون سبب النزول قصة ابن أبي سرح) ١ (ذكره ابن عطية في تفسيره، وقال ابن عرفة أنه غير صحيح ولم يبين وجهه. قوله: (كالذين قالوا الخ) فيكون دعوا. أنه سينزل بمعنى أنه قادر على ذلك والزمخشري حمل هذه الآية على ابن أبي سرح وساق حديثه هنا، ورجح بأنه ليس في حديثه أنه أوحى إليه بل ادّعى القدرة على ذلك لو روي أنّ هذه القصة كانت لابن أبي خطل، وكان يكتب للنبي ﷺ لكن ابن الجوزي قال: إنه موضوع، وحديث ابن أبي سرح أخرجه ابن جرير عن السدي بدون قصة فتبارك الله، وقال ابن سيد الناس: في سيرته إنّ عثمان ﵁ شفع له عند النبيّ ﷺ فقبله بعد تلوّم وحسن بعد ذلك إسلامه حتى لم ينقم عليه شيء ومات ساجدا وأكثر بلاد المغرب فتحت على يديه في زمن عثمان ﵁. قوله: (حذف مفعوله)، ثم لما حذف أقيم الظاهر مقام المضمر إذ أصله ولو ترى الظالمين إذ هم وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرّد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر، وما قيل ظاهره إنّ المفعول المحذوف هو الظالمون ولكن المقصود أنه هيئة كونهم
في غمرات الموت، حال كون الملائكة باسطي أيديهم وجواب الشرط المحذوف شاهد لما قلت، فهو تعسف لتفسيره الكلام بما لا يدل عليه نعم هو وجه آخر، وقيل المفعول إذ والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه وجواب الشرط مقدر أي لرأيت أمرا فظيعا هائلًا. قوله: (شدائده) يعني أصل معنى الغمرة المرّة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة واليه يشير قول المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعدغمرة سبوح لهامنها عليها شواهد
فانظر موقع قوله سبوح هنا ومثله بسط اليد هنا على الوجه الأخير. قوله: (بقبض أرواحهم الخ)، والمتقاضحي الغريم الذي يطلب قضاء حقه والملظ بالظاء المعجمة والطاء المهملة الملح الملازم، وقوله: كالمتقاضي صريح في أنه تشبيه لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح في استيفاء حقه، وفي الكشف أنه كناية عن ذلك ولا بسط ولا قول حقيقة وقيل الظاهر من كلام المصنف ﵀ أن يكون
[ ٤ / ٩٦ ]
هذا القول حقيقة لا تمثيلا وتشبيها لفعل الملائكة عند قبض أرواحهم بفعل الغريم الملظ، كما ذهب إليه في الكشاف فحمل قوله كالمتقاضي على التنظير وأنّ هذا الفعل صادر منهم حقيقة كما يصدر من الغريم، وهو الذي ارتضاه في الانتصاف وبه نطقت الآثار فبسط اليد إئا حقيقة أو على سبيل التمثيل وإذا كان بسط اليد بالعذاب بنحو الضرب فهو حقيقة أو المراد زيادته كما في قوله بل يداه مبسوطتان. قوله: (يقولون لهم الخ) فأخرجوا في محل نصب مقول قول مقدر وهو كثير مطرد والقول المضمر في محل النصب على الحالية من الضمير في باسطو الأمر على الأوّل للعنف بهم، وعلى الثاني للتوبيخ والتعجيز، والأوّل ناظر إلى قبض أرواحهم والثاني إلى قوله بالعذاب، ولو عمم لقوله وخلصوها لكان له وجه، وليس تقدير القول منافيا للتمثيل لأنه على سبيل الفرض أيضا، والمراد باليوم مطلق الزمان لا المتعارف وهو إما حين الإماتة أو ما يشمله وما بعده. قوله: (وإضافتة إلى الهون الخ) الهون والهوان بمعنى كما في قول الخنساء:
تهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أبقى لها
واضافة العذاب إما حقيقية لأنّ العذاب قد يكون للتاديب لا للهوان أو هو كرجل سوء
كما في الكشاف لأنّ العذاب مضرّة مقرونة بالإهانة، كما إنّ الثواب منفعة مقرونة بالإكرام فالعذاب مشتمل على الهوان واضافته إليه ليفيد أنه متمكن فيه لأنّ الاختصاص الذي تفيده الإضافة ًا قوى من اختصاص التوصيف، والعراقة بالعين المهملة الأصالة وأصلها ثبات العروق قيل، ولو ذكر ادّعاء الولد والشريك فيما مضى لكان أنسب، وتعدية القول بعلى لتضمنه الافتراء واليه أشار بقوله كاذبا، وجملة ولقد جئتمونا الخ مستأنفة من كلامه تعالى، ولا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٤، لأنه كناية عن الغضب وكونه من كلام ملائكة العذاب بعيد. قوله: (جمع فرد (على خلاف القياس، وفي الدر المصون فرد بفتح الراء، وقيل: بسكونها وفي نسخة فردان كسكران، وهو يقتضي أنه مفرد محقق لا مقدر، وفي الصحيح كأنه جمع فردان في التقدير إلا أن يكون تسمح في التعبير، وقال الراغب؟ هو جمع فريد كأسير وأسارى وكسالى بضم الكاف وفتحها جمع كسلان وفراد بالضم كرخال جمع رخل أنثى الضأن، وهو جمع نادر لم يات منه إلا كلمات مخصوصة كما مرّ، وقوله: فردًا كثلث يعني بضمتين مفرد بمعنى منفرد كعنق كما في القاموس، فكان الظاهر تكراره كما يقال فردأ فردا لكنه يؤوّل بما أوّل به قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، [سورة غافر، الآية: ٦٧] ووقع في نسخة فراد كثلاث المعدول عن فرد فرد وقيل إنه من تحريف النساخ لما قيل إنّ مجيء هذا الوزن المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض كلماته، ولم نره في اللغة ولا في كلام من يوثق به.
زقلت) في الدرّ المصون يقالط جاء القوم فراد غير منصرف كأيحاد ورباع في كونه صفة معدولة وبه قرئ، وقرئ منوّنا مصروفا أيضًا فلا عبرة بإنكاره وكون العدل مخصوصا بما ذكر غير مسلم وإنما هو شائع فيه وإلى هاتين القراءتين أشار المصنف ﵀ بقوله فرادا كرخال الخ فما ذكر من قلة الاطلاع، وفي تفسير الفراء فرادى جمع والعرب تقول قوم فرادى، وفراد غير منصرف شبهت بثلاث ورباع وفرادى واحده فرد وفريد وفرد وفردان ا!. وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال. قوله: (بدل) أي بدل كل من كل لأنّ المراد المشابهة في الانفراد المذكور والكاف حينئذ اسم بمعنى مثل أو فرد، وعلى الحالية فهي إما حال مترادفة أو متداخلة، وقوله عند من يجوز تعدد الحال أي من غير عطف وهو الصحيح، وقوله أو مشبهين هو على هذا حال أيضا وعطفه بأو لأنه قسيم لما قبله معنى لأنه على ما قبله شبيه في
الانفراد وفي هذا باعتبار ابتداء الخلقة فلا وجه لما قيل الظاهر أن يقول أي مكان أو، وقوله: (مشبهين ابتداء خلقكم) كذا قدره أبو البقاء واعترض عليه المعرب بأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم فصوابه أن يقدر فيه مضاف أي مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم وفيه نظر، وحفاة جمع حاف وهو خلاف المنتعل، والغرل بغين معجمة وراء مهملة ولام الأقلف وصحفه بعضهم عزلًا بعين مهملة وزاي معجمة، وهو خطأ لأنّ هذا هو المروي المأثور في الحديث (١)، والبهم جمع بهيم أو أبهم وأصله الخيل التي لا شية فيها واستعير للخالي عما يغير هيئته الأصلية، وقوله مجيئا المراد بالمجيء هنا الخلق والإعادة ولذا جعل
[ ٤ / ٩٧ ]
كما خلقناكم صفة له، وقوله: فشغلتم إشارة إلى أنه متضمن للتوبيخ، والتخويل بالخاء المعجمة الأنعام وأصله ملك الخول وهم الخدم والنقير النقرة في ظهر النواة ويكنى به عن الشيء الحقير وقوله ما قدمتموه كناية عن كونهم لم يصرفوه إلى ما يفيد في الآخرة وكان الظاهر في العبارة أن يقول ما قدّمتم منه شيئا فكأنه جعل شيئا بدلًا من ضمير المفعول تنصيصا على العموم ولا يضرّ توسط منه لأنه ليس بأجنبيّ. توله: (في ربوبيتكم الخ) يعني أنّ فيكم متعلق بشركاء على حذف مضاف، وهو الربوبية واستحقاق العبادة عطف تفسيري له وقدره الزمخشريّ، في استبعادكم لأنهم حينئذ دعوها آلهة وعبدوها فقد جعلوا لله شركاء فيهم وقيل استعبده جعله عبدا فقوله في استعبادكم أي استعباد الإله إياكم، ولو قال في عبادتكم لكان أصوب لأنهم عبدوها فقد جعلوها شركاء في عبادتهم لا استعبادهم وردّ بأنه لم يجعل ال! ضاف المقدر عبادتكم لأنّ جعلهم شركاء في العبادة، كان على الحقيقة لا الزعم دمانما الزعم كونهم شركاء في اتخاذهم عبيدا ولك أن تجيب عنه بأنّ معنى جعلهم شركاء في العبادة العبادة الحقة المستحقة، وهي ليست على الحقيقة وإليه يشير كلام المصنف ﵀. قوله: (أي تقطع وصلكم الخ) هذا على قراءة الرفع وقد قرئ بهما يعني أنه من الأضداد أي الألفاظ المشتركة بين ضدين كالقرء للحيض، والطهر فيكون مصدرا لا ظرفا، وقيل إنه على هذا مصدر بمعنى البينونة والفصل وتحقيقه أنه قد يقال بيني وبينك شركة في كذا كما يقال بيني وبينك فراق والشركة من قبيل الوصلة فاستعمل لذلك بمعنى الوصل وتد اقتدى في ذلك بالإمام وتحقيقه أنّ بعضهم كابن عطية طعن في هذا بأنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل، وإنما انتزع من هدّه الآية فقيل عليه إنه فهم أنه معنى حقيقي لها، وهو مجاز كما قاله الفارسي لأنها تستعمل بين الشيئين المتلابسين في نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصارت لذلك بمعنى الوصلة، ولو قيل بأنه حقيقة لم يبعد فإنّ أبا عمرو
وأبا عبيد وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سندًا فيه فكونه منتزعا من هذه الآية غير مسلم، وقيل هو ظرف أسند إليه الفعل على الاتساع هذا توجيه لقراءة الرفع فهو على هذا لازم الظرفية لكنه توس! ع فيه كما يتوسع بجعله مفعولًا، وفيه نظر، وقيل إنه منصرف غير لازم للظرفية وعليه الزمخشريّ في سورة العنكبوت، وقوله: (والمعنى الخ) يعني أنه وان أسند إليه لفظا لكن المعنى على الظرفية إذ التقدير وقع التقطع بينكم في قراءة النصب. قوله: (وحفص عن عاصم بالنصب) فالوجوه السابقة على قراءة الرفع وأوّله المصنف ﵀ بما ذكره وقيل إنه الفاعل وبقي على حاله منصوبًا حملا له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وقيل إنه بنى لإضافته إلى مبنيّ كما مز في مثل ما أنكم تنطقون، وقوله: (إنها شفعاؤكم (قيل المناسب للمقام إنها شركاء دته في الربوبية ألا ترى إلى قوله ﴿لَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ (فلت) ما ذكره المصنف ﵀ هو المناسب لقوله تعالى: ﴿مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ﴾ . قوله: (على إضمار الفاعل لدلالة الخ) أي تقع الأمر أو الاشتراك بينكم أو وصلكم، وقيل إنّ الفاعل ضمير المصدر ولا يخفى إباء العبارة عنه إذ قوله لدلالة ما قبله لا يناسبه ولو كان كذلك لقال لدلالة الفعل عليه، وقال أبو حيان أنه ليس بصحيح لأنّ شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام القائم أو هو أي القيام، وفيه أنه سمع من العرب بدا بداء وقد قدروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٣٥] بدا البداء فليتأمّل، ثم إنه إذا كان الضمير للمصدر فالمعنى على تأويل التقطع كما مرّ لئلا يصير التقدير تقطع التقطيع، وإذا تقطع التقطيع حصل الوصل وهو ضد المقصود. قوله: (أو أقيم مقامه موصوفه الخ) فما موصوفة لا موصولة ولو سلم جواز حذف الموصول وابقاء صلته، وهو مذهب الكوفيين كما نقله المعرب لأنها إذا كانت ظرفًا غير متصرّف يلزم حذف الفاعل من غير بدل يحل محله وجوازه في مثله غير مسلم، وقد أشار أبو حيان رحمه الله تعالى إلى منعه ولم يذكر فيه خلافا قال: والذي يظهر لي أنه من بًاب التنازع سلط على ما كنتم تزعمون تقع وضل فاعمل الثاني، وهو ضل وأضمر في تقطع ضميرها وهي الأصنام فالمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا
[ ٤ / ٩٨ ]
عنكم كما قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٦ أ] أي لم يبق إيصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب حسن لم يتنبه له أحد. قوله: (بالنبات والشجر (لف ون! ئمر مرتب لأنها تتشقق ويخرج م! نها شيء ينمو والحب معروف، رالنوى ما في
جوف التمر، ثم إنّ قوله الشقاق الخ مروي عن مجاهد ﵀ وضعف بأنه لا دلالة له على كمال القدرة مع أنّ الشقاق داء يكون في الدواب، وأما استعماله بمعنى الشق فلم يذكره أهل اللغة إلا أنه وقع في شرح التسهيل صيغة فعال يكون للادواء كالزكام والأصوات كالصراخ قال ابن عصفور: وهو مقيس فيهما وفيما تفرق أجزاؤه كالرفات والحطام فيمكن أن يخرج هذا عليه لدلالته على التفرّق. قوله: (ليطابق ما قبله) قيل مشابهة إخراج الحي من الميت للأنبات تكفي للمطابقة وهذا غفلة عن كونه بيانا لما قبله ولذلك ترك العطف فلا بذ من تعميمه ليصلح لذلك، وقوله: (ذلك) إشارة إلى غير النامي. قوله: (حملاَ على فالق الحب الخ) أي عطفا عليه لا على يخرج الحيّ لأنه بيان لفالق الحب والنوى وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه كقوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [سورة الملك، الآية: ١٩] والإمام وصاحب الانتصاف جعلاه معطوفًا على يخرج الحيّ من الميت، وفيه من البديع التبديل كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٦١] وإنما عدل إلى صيغة المضارع في يخرج ليدل على تصويره وتمثيله واستحضاره، واشتماله على زيادة فيه لا يضرّ ذلك بكونه بيانًا، كما أن مخرج الميت من الحيّ بيان مع شموله للحيوان والنبات وله وجه وحجته إنه ورد في آيات أخر معطوفا عليه هكذا يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي فيبعد قطعها عن نظائرها وإنما عدل إلى المضارع لتصويره واستحضاره لكونه أوّل في الوجود وأعظم في القدرة. قوله: (الذي يحق له العبادة) فسره به ليرتب عليه قوله فأنى تؤفكون ترتبًا ظاهر إلا أنه حمله على مفهومه الأصلي دون ذات الواجب تصحيحا للحمل على ما قيل. قوله: (شاق عمود الصبح الخ) عمود الصبح ضوؤه المشبه به وهذا جواب عما يقال ما معنى فلق الصبح، والظلمة هي التي تفلق عنه كما قال تفرّي ليل عن بياض نهار، وحاصله أنّ الصبح صبحان صادق وكاذب تعقبه ظلمة فإن أريد الأوّل فالمراد فالقه عن بياض النهار أو في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح وان أريد الثاني فالمراد فالقه عن ظلمة آخر الليل التي تعقبه وشاقه منه كما قال الشاعر:
فانشق عنه عمود الفجر حافله
والإصباح مصدر سمي به الصبح قال امرؤ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح منك بامثل
وفتح الهمزة على أنه جمع صبح كقفل وأقفال ويقال مساء وامساء أيضًا قال تناسخ الإصباح والإمساء والغبش بغين معجمة وباء موحدة وشين معجمة ظلمة آخر الليل. قوله: (سكنا) في الكشاف السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا واسنرواحا إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها مؤنسة والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه ويقال للدار سكن أيضا كما قال الراغب فهو يطلق على الزمان والمكان ومن فيه قال:
يابارقاذكرالحشى سكنه م! ض لتابالعقيق من سكنه
فيجوز أن يراد جعل الليل مسكونًا فيه، وقوله التعب بكر العين كحذر صفة مشبهة من التعب، وقوله اطمأن إليه بمعنى سكن إليه، ولذا عذى بإلى كما في الأساس، وقوله: أو يسكن فيه الخلق أي يقروا ويهدؤوا من السكون. قوله: (ونصبه بفعل دلّ عليه جاعل لا به (لأنه يشترط في عمل اسم الفاعل كونه بمعنى الحال أو الاستقبال والكسائيّ وبعض الكوفيين أجازوا عمله بمعنى الماضي مطلقا حملا له على الفعلى الماضي الذي تضمن معناه واستدلوا بهذه الآية ونحوها، وبعضهم جوّزا عما له بمعنى الماضي إذا دخلت عليه الألف واللام، وبعضهم جوّز أعماله في الثاني إذا أضيف إلى الأوّل لشبهه بالمعرف باللام إذا أضيف وهذه مذاهب للنحاة قال السيرافي: الأجود هنا أن يقال إنما نصب اسم الفاعل المفعول الثاني ضرورة حيث لم يمكن إضافته إليه وقد أضيف إلى الأوّل فاكتفى في الأعمال بما في اسم الفاعل من معنى الفعل الماضي
[ ٤ / ٩٩ ]
ولا يجوز الاعمال بدون هذه الضرورة، ولما لم يوجد عاملا في المفعول الأوّل مع كثرة وروده في الكلام قال أبو عليّ: إنه منصوب بفعل دل عليه اسم الفاعل فنحو معطي زيد درهما كأنه لما قيل زيد قيل ما أعطي فقال: درهمًا أي أعطاه درهما كقوله:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
فيسلم من الضرورة المذكورة، وردّه الأندلسيّ بأنه لا يستقيم ذلك في نحو ظانّ زيد أمس
قائما إذ لا يقال هذا ظانّ زيد أمس ظنه قائما للزوم حذف أحد مفعولي ظانّ، وهو لا يجوز، وأجيب بأنّ للفارسي أن يرتكب جوازه للقرينة وان كان قليلا في أفعال القلوب، وضعف مختار السيرافي بقولهم هذا ضارب زيد أء. س وعمرا إذ لا اضطرار هنا إلى نصب عمرًا لأنّ حمل التابع على إعراب المتبوع الظاهر أولي- ولا استدلال للكسائيّ في قوله تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ الْوَصِيدِ﴾ [سورة الكهف، الآية: ١٨] لأنه حكاية للحال كما قرّره الرضي وغيره، وقيل عليه من لم يجوّز أعماله بمعنى الماضي كيف يسلم صحة الأمثلة المذكورة حتى يستدل بها على جواز أعماله فلا حاجة إلى أن يقال إعماله ضروريّ في تلك الأمثلة، ولا أن يقال انتصابه فيها بفعل مدلول عليه بها حتى يرد عليه عدم استقامته في المثال الأخير، وان جاز الاعتذار عنه، وكيف يسلم كون انتصاب سكنا بجاعل حتى يستدلّ به عليه بل يجعله بفعل دلّ عليه جاعل كما ذكره المصنف ﵀.
(قلت) القائل بجواز أعماله بمعنى الماضي تمسك بما ذكر، وقال: إنّ التقدير واذعاء حكاية الحال خلاف الأصل ومثله يكفي في الأدلة النحوية، فكيف ينكر عليه، وقوله: (وبدل عليه) أي على كونه بمعنى الماضي وإنما حمله على المعنى ليتناسبا. قوله: (أو به) أي باسيم الفاعل المذكور ولا بفعل مقدّر وهذا مختار الزمخشري، واعترض عليه بأنه ذكر أن جاعلا دال على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة ومع ذلك جعله عاملا في المضاف إليه ناصبا حيث جوّز عطف والشمس والقمر في قراءة النصب على محل الليل، وهو صريح في أنّ اسم الفاعل إذا أريد به الاستمرار كان عاملاَ فتكون إضافته غير حقيقية، وقد ذكر أنها حقيقية في مالك يوم الدين فبين كلاميه تناف وأجيب بأنّ الزمان المستمرّ يشتمل على الماضي والحال والاستقبال، فإن نظر إلى المضيّ لم يعمل وكانت إضافته حقيقية وإن لم ينظر إليه كان عاملًا واضافته غير حقيقية وكل واحد من الاعتبارين متعين باقتضاء المقام وقرائن الأحوال، وأجيب أيضًا بأنه لا منافاة بين أن يكون المستمرّ عاملا واضافته حقيقية لأنه لما استمرّ احتوى على الماضي وغيره فروعي الجهتان معًا فجعلت الإضافة حقيقية نظرا إلى الجهة الأولى واسم الفاعل عاملا نظرا إلى الثانية، وليس بشيء لأنّ مداركون إضافته حقيقية أو لفظية على العمل وعدمه، ويمكن أن يقال الاستمرار في مالك يوم الدين ثبوتي وفي جاعل الليل تجذديّ ومتعاقب إفراده واضافته لفظية لورود المضارع بمعناه دون الأوّل كما قرّره الشريف قدس سرّه، وقد مرّ فيه فوائد ومباحث في سورة الفاتحة، ولك أن تؤيد هذا الأخير بل تذعي تعينه بأن ملك يوم الدين لم يقع فكيف يقال إنه مستمرّ إلا بمعنى أنه ثابت بقطع النظر عن معنى التجدد كما في الصفة المشبهة والا كان الاستمرار فيه غير حقيقيّ وهو محتاج إلى التكلف، فتأمّل فإن قلت إنه ذكر في المفصل أنّ الصفة تدل على معنى ثابت واسم الفاعل والمفعول يجريان مجراها في ذلك فيقال ضامر البطن وحاملة الوشاج ومعمور الدار ومؤدب الخدام، وقد ذكره غيره من النحاة، فإن أريد الاستمرار الثبوتي يكون صفة مشبهة واشترط لعمله ما يشترط لها، فلا يصح الحمل عليه هنا، ولذا قال أبو حيان: إذا كان بمعنى الاستمرار لا يعمل عمل اسم الفاعل، وليس لمجروره محل كما صرّحوا به، قلت هو لا يجري مجراها إلا إذا اشتهر بذلك وشاع استعماله لذلك حتى يلحق بالصفة المشبهة، وهذا ليس كذلك ولم يتعرّضوا هنا لحكاية الحال لأنّ كون
الليل محل الهدّ وليس مما يستغرب، والحكاية تختص به ويصح أن يكون جعل بمعنى أحدث المتعدي لواحد وسكنا حال. قوله: (ويشهد له الخ) لأنّ العطف متعين فيكون في وجه النصب كذلك، وليس المراد أنها تدل على تعلقهما من حيث المعنى بالليل والنهار كما قيل، وقوله: (بجعل مقدّرا (وهو الناصب لسكنا أو آخر والأوّل أولى. قوله: (أي مجعولان حسبانًا (أو محسوبان حسبانًا، ثم إن المصنف ﵀ فسر الحسبان في سورة
[ ٤ / ١٠٠ ]
الرحمن بحساب معلوم مقدّر في بروجهما ومنازلهما ويتسق بذلك أمور السفليات ويختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب. قوله: (مصدو حسب بالفتح)، هكذا قال الزمخشري: أيضا فإن أراد أنه لا يكون إلا كذلك ورد عليه الحرمان فإنه مصدر حرمه كضربه وعلمه وان أراد أنه الأصل المقيس المسموع وما سواه ورد على خلاف القياس اتجه، وحسب هنا بمعنى زعم وظت وخمن والتسيير مصدر سيره. ثوله: (الذي قهرهما) المراد بقهرهما كونهما مسخرين لا يتيسر لهما إلا ما أريد بهما وبهذا التفسير يظهر تناسب المبدأ والختام فلا يتوهم أنه كان الظاهر تقدير الحكيم العليم، وفسره في غير هذه السورة بالغالب بقدرته على كل مقدور، والأنفع من التداوير جمع تدوير تفعيل من الإدارة وليس بمعنى ذلك التدوير الذي اصطلح عليه أهل الهيئة وهو فلك صغير خارج المركز لأنه ليس للشمس فلك تدوير إلا أن يريد به مطلق الخارج المركب وليس بمعنى الاستدارة لأنه لا يناسب هنا، وهدّا إجمال لما سيأتي في سورة يس من أنّ مخالفة حركاتها المقدرة لها تخل بتكوّن النبات وتعيش الحيوان، واعلم أنه قال في البحر الكبير أن السنة الشرعية قمرية لا شمسية، والشمسية مما حدث في دواوين الخراج، فإن قلت فلم أضاف الله الحساب إليهما قلت لأنّ بطلوع الشمس ومغيبها يعرف عدد الأيام التي تتركب منها الشهور والسنون فمن هنا دخلت انتهى. قوله: (في ظلمات الخ) المراد بالنجوم ما عدا النيرين لأنها التي بها الاهتداء ولأن النجم يخص بما عداهما، واليه أشار بقوله: (في ظلمات الليل) لأنهما لا ظلمة مع! مما ويجوز أن يدخلا فيها فيكون بيانا لفائدتهما العامّة بعدما بين فائدتهما الخاصة. قوله: (وإضافتها إليهما للملابسة (الإضافة تكون لأدنى ملابسة مجازا، وهل هو مجاز لغوي أو حكمي عقليّ اضطرب فيه كلام أهل المعاني، فقال النحرير: في شرح المفتاح في تحقيق قوله تعالى: ﴿ابْلَعِي مَاءكِ﴾ [سررة هود، الآية: ٤٤] إضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك بناء على أنّ مدلول الإضافة في مثله الاختصاص الملكي فيكون استعارة تصريحية أصلية جارية في التركيب الإضافي الموضوع للاختصاص الملكي في مثل هذا، وإن اعتبر اللام وبنى الاتصال والاختصاص عليها فالاستعارة تبعية، وقال: في إضافة كوكب الخرقاء حقيقة الإضافة اللامية ألاختصاص الكامل، فالإضافة لأدنى ملابسة تكون مجازًا حكميًا، وقال الشريف قدس سرّه: راذًا عليه الهيئة التركيبية في الإضافة اللامية موضوعة للاختصاص الكامل المصحح، لأن يخبر عن المضاف بأنه للمضاف إليه، فإذا استعملت لأدنى ملابسة تكون مجازًا لغويا لا حكميا كما توهم لأنّ المجاز في الحكم إنما يكون بصرف النسبة عن محلها الأصلي إلى محل آخر لأجل ملابسة بين المحلين، وفيه كلام ليس هذا محله، وقوله مشتبهات الخ فهي استعارة تصريحية تحقيقية وعلى الأوّل المجاز في الإضافة، ولكم إجمال لأنه يدل على انتفاعهم بها مطلقا، وقوله فإنهم المنتفعون به أي بالتفصيل بيان لوجه التخصيص مع أن فائدة التفصيل عامّة. قوله: (فلكم استقرار الخ (جوّز في مستقرّ ومستوح أن يكونا مصدرين ميميين وأن يكونا اسمي مكان والاستقرار إمّا في الأصلاب أو فوق الأرض لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٦] أو في الأرحام لقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة الحج، الآية: هـ، والاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقز النطفة والرحم مستودعها لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر، وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة كان الرجل أودعها ما كان عنده أو في الأصلاب أو تحت الأرض أو فوقها فإنها عليها أو وضعت فيها لتخرج منها مرّة أخرى كقوله: وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بذ يوئم أن ترذ الودائع
وجوّز أن يكون المستقز كناية عن الذكر والمستوح كناية عن الأنثى، وقوله لأن الاستقرار منا الخ وجه كون الأوّل معلوما بأنه صادر منا والثاني مجهولًا بأن الله أودعهم وهو ظاهر. قوله: (ذكر مع ذكر النجوم الخ (بناء على أن الفقه شدة الفهم والفطنة، ومن قال إنه الفهم مطلقًا وليس بأبلغ من العلم قال إنه تفنن حذرا من صورة التكرير، وقال في الانتصاف
الفقه أنزل من العلم، وإذا قيل فلان لا يفقه كان أذمّ من
[ ٤ / ١٠١ ]
لا يعلم ولما كان علم الإنسان بنفسه أقرب إليه من علم العلويات نفي عنه الفقه دون العلم، وهذا عكس ما ذكره المصنف ﵀ تبعا للكشاف. قوله: (من السحاب) يعني المراد بالسماء لأنها كل ما علا، أو هو مجاز أو بتقذير مضاف كجانب أو أنه ينزل من السماء حقيقة إلى السحاب، ومنه إلى الأرض وتلوين الخطاب هنا الالتفات من الغيب إلى التكلم وعبر به إشارة إلى نكتته العامّة، والخاصة إنه لما ذكر فيحا مضى ما ينبهك على أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب. قوله: (نبت كل صنف) أي النبات بمعنى النابت وشيء ليس بعاتم بل المراد به الصنف من النبات إذ لا معنى لإضافة النبات إلى شيء ليس منه وقوله المفتنة بالفاء والتاء والنون افتعال من الفتن، وفي نسخة مفتنة بنونين أي على فنون وأنواع وقال ابن الجوزي: تقول لذي الفنون من العلوم مفتن، وقد افتن في الأمر أخذ من كل فن والعامّة تقول متفنن والمتفنن هو الضعيف وقد تفنن ضعف أخذ من الفنن، وهو مالان من الغصون. قوله:) من النبات أو الماء (المراد بالنبات أصوله والخضر شعبه وأوراقه وجملة تخرج صفة خضرا أو مستأنفة ومتراكبا معناه بعضه فوق بعض، وقد أخرج تعالى من الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافا من النبات والثمار مختلفة الطعوم والألوان واليه نظر القائل يصف المطر:
يمدعلى الآفاق بيض خيوطه فينسج منهاللثرى حلة خضرا
فلله درّ التنزيل كم حوى معنى بديعا لو مرّ على خاطر الشعر قطع نفسه تقطيعًا، وقوله أخضر وخضر كأعور وعور إشارة إلى اختصاصه بالألوان والعيوب وما ألحق بهما. قوله: (جمع قنو (وهو ومثناه سواء لا يفرق بينهما إلا الإعراب، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة أسماء صنو وصنوان وقنو وقنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه، وحكى سيبويه شقد وشقدان وحش وحشان للبستان نقله في المزهر. قيل وجعل من النخل الخ مبتدأ
وخبرًا ليس كما ينبغي لأن المقصود تعديد آيات قدرة الله ولا يستقاد ذلك إلا بنسبة جعل القنوان إليه تعالى، وهذا التركيب لا يدل عليه وسيأتي جوابه في قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ ومن طلعها على البدلية بدل بعض من كل وقوله فعلان بالفتح ليس من أبنية الجمع بل من أبنية المفردات كقبان وهو شرط اسم الجمع كما قرّره النحاة، وقوله: قريبة الخ لما كانت النخل شاهقة أشار إلى تأويله وهو حقيقة فيهما لكنه اقتصر في الوجه الثاني على البعض لما ذكره ويحتمل أن المراد سهولة الوصول إلى ثمارها بالهز والسقوط مجازًا. قوله: الدلالتها الخ) الزمخشري جعلهما وجهين أي إما أن يقدر على طريق الاكتفاء كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨١] أو لا يقدر اقتصارًا على ما هو أوفر نعمة وكلام المصنف ﵀ يحتمله ويحتمل أنه جعلهما وجهًا واحدًا وهو أقرب وأوجه. قوله: (عطف على نبات) النبات على ما قاله الراغب النابتات الخارجة من الأرض سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن كالنجم لكنه اختص في المتعارف بما لا ساق له بل اختص عند العامّة بما تأكله الحيوانات، وعليه قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [سررة النبأ، الآية: ١٥] وجعله الواحدي على خضرا، وقال الطيبي: الأظهر أن يكون عطفا على حبًا لأنّ قوله نبات كل شيء مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي كأنه قال: فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي، والنامي الحب والنوى وشبههما وقوله فأخرجنا منه خضرًا الخ تفصيل لذلك النبات أي أخرجنا منه خضرا بسبب الماء فيكون بدلًا من فأخرجنا الأوّل بدل اشتمال ومن هاهنا يقع التفضيل فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة، وبعض يخرج منه ذات فنوان دانية، وبعض آخر جنات معروشات الخ وهذا مبنيّ على أن المراد بالنبات المعنى العاتم، وحينئذ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه فالوجه ما ذكرنا فإن أريد ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله من النخل فعل آخر وهو الذي اختاره المصنف ﵀، وما قيل إنه لم يجعله معطوفا على خضرًا لا! الأشجار ليست كالخضراوات في الخروج من النبات لأن الخارج أولًا يكبر، ويصير شجر إلا أنه يخرج نبات، ثم يخرج منه شيء يصير شجرأ ولأن كثرة صنوف المسببات واقتنانها مع وحدة
[ ٤ / ١٠٢ ]
السبب وهو الماء أدخل في مقام بيان كمال القدرة والحكمة لكن هذين الوجهين على تقدير إوجاع الضمير قي منه إلى النبات، وأما إذا رجع! ! ى الماء كما جوّز فلا يتمشيان ليس بشيء لأنه ناشئ من الغفلة عن معنى ا! نبات لأنّ الشجر وأغصانه من النبات على الأوّل، ولأنه يفيد وحدة السببية لأنه تفصيل للمسبب سواء رجع الضمير إلى الماء أو إلى النبات، وهذا كله من قلة التدبر وقوله لكم إشارة إلى خبر مقدر وهو ظاهر. قوله: (ولا يجوز عطفه على قنوان (لما جوّز الزمخشرقي فيه وجهين هذا وما قبله رذ
عليه المصنف ﵀ بما ذكره لأنه يؤول إلى أن يكون المعنى ومن النخيل جنات من أعناب وفساده ظاهر إلا أن يتكلف له ما لا حاجة إليه كما قال النحرير: وقد يجاب عنه بأنّ من أعناب صفة جنات وهي لما كانت معروشة تحت أشجار النخل جاز وصفها بكونها مخرجة من النخيل مجاز الكون هيئتها مدركة من خلالها كما يدرك القنوان، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز أو بأن المراد أنه من عطف الجملة أي ومخرجة وحاصلة من الخضر، أو الكرم جنات من أعناب ففي قوله عطف على قنوان تجوّز لا حاجة إليه على هذا التقدير لجواز أن يعتبر جنات من أعناب عطفًا على قنوان وذلك المحذوف أعني من الخضر أو من الكرم عطفا على من النخل أي من نبات أعناب، يفي أنه على حذف المضاف لأنّ البستان لا يكون من العنب نفسه بل من النبات والأشجار انتهى، وقد يجاب عن الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من لا يقول به بأن الكلام على تقدير المضاف أي يخرج من أرض النخيل أو رياضها ونحوه، فلا يلزم ما ذكر، وقيل جنات مبتدأ ومن أعناب خبره ولا يلزم الابتداء بالنكرة من غير تخصيص لأن العطف على المخصص يكفي في التخصيص ذكره ابن مالك واستشهد عليه بقوله:
عندي اصطباروشكوى عند قاتلتي فهل بأعجب من هذا امرؤسمعا
وأورد على الوجه الأوّل أيضا أنه لا دلالة فيه على أنّ الأعناب والجنات من آثار القدرة
ولا خفاء في أنه لا يختص بالوجه الأوّل ولا بالجنات والأعناب بل يجري في النخيل والقنوان، ويندفع بًا نه مفوض إلى شهادة الذوق ودلالة المقام كما قرّره النحرير رذا على العلامة، ولك أن تقول أنّ قوله تعالى: ﴿نَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٧٩] إشارة إلى ذلك لأن معناه آيات دالة على أنه لا يقدر عليه غير الله تعالى وقوله نصب على الاختصاص أي بأخص ونحوه مقدرأ وقوله: (لعزة الخ (بيان لنكتة وجه تغيير الأسلوب لأنه اتفق على قراءة النصب وكان الظاهر الجرّ فعدل عنه لذلك وغير المصنف ﵀ ما في الكشاف فبدأ بقراءة النصب المتفق عليها، وأخر قراءة الأعمش المروية عن عاصم فإنها شاذة والجمهور على كسر تاء جنات عطفا على نبات كل شيء وجملة من النخل معترضة أو هو عطف على خضرا، وفي الرفع وجوه أحدها أنه مبتدأ خبره مقدر مقدما أو مؤخرا وثم وجنات أو ومن الكرم جنات، وهو أحسن بمقابلة من النخل أو ولهم أو ولكم جنات ومنهم من قدره وجنات من أعناب أخرجناها لكم، وهو معطوف على قنوان قال الزمخشرفي: من غير ملاحظة قيد من النخل، والمعنى جنات من أعناب وضعف بما ذكره المصنف وتوجيهه ما تقدم. قوله:
(حال من الرمان الخ) منهم من جعله حالًا من الثاني لقربه وقدر مثله في الأوّل ومنهم من جعله حالًا من الأوّل لسبقه وتدر في الثاني ولا بد من تقدير والا كان المعنى جميعه متشابه، وجميعه غير متشابه وهو غير صحيح كما أشار إليه النحرير وقوله أو من الجميع أي بعض ذلك يعني
الضمير راجع إلى الأمرين واقعا موقع اسم الإشارة وفي الكلام مضاف مقدر وهو بعض ومنهم من قال في تفسيره. إنه حال منهما بتأويل كل واحد أو الجميع، فإن قلت يأبى عن التأويل بكل واحد قوله بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه وأيضًا المتشابه يسند إلى المتعدد وكل واحد غير متعذد قلت المراد كل نوع، والنوع متعدد يحتمل التبعيض والمضاف محذوف اهـ وعذه بعض الناس سهوًا لأنه ليس المراد تأويله بجميع بدليل تفسيره وليس بشيء لأنه لا فرق بين تأويل الضمير الراجع إليهما بذلك وتأويله نفسه بجميع فتأمّله وأشار بقوله متشابه الخ إلى ما في الكشاف إنّ افتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى وقوله:) في الهيئة، والقدر الخ) إشارة إلى ما وقع فيه
[ ٤ / ١٠٣ ]
التشابه وعدمه ويحتمل أنه لف ونشر فالهيئة ما به التشابه وغيره ما به عدمه. قوله: (أي ثمر كل واحد من ذلك (إشارة إلى أن الضمير راجع إلى جميع ما تقدم بتأويله باسم الإشارة، وأئا رجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل فبعيد لا نظير له في عدم تعيين مرجع الضمير، وذلك إما إشارة إلى الرنان والزيتون فيكون استخداما على إرجاعه إليه باعتبار الشجر، وقد سبق ذكره بمعنى الثمر أو إلى جميع ما تقدم ليشمل النخل وغيره مما يثمر فتأمّل. قوله: (إذا أخرج ثمره الخ) يشير إلى أنّ التقييد بقوله إذا أثمر للإشعار بأنه حينئذ ضعيف غير منتفع به فيقابل حال الينع، ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة، وعلى هذا لا يتم ما نقل عن الزمخشري في حواشيه أنه قال: فإن قلت هلا قيل إلى غض ثمره وينعه قلت في هذا الأسلوب فائدة، وهي أنّ الينع وقع معطوفا على الثمر على سنن الاختصار على طريقة جبريل وميكائيل للدلالة على أنّ الينع أولى من الغض فلذا لم يقل إلى غض ثمره وينعه، كذا في شروح الكشاف، وفي الكشف إنّ قوله كيف يخرجه ضئيلا يأبى هذه الحاشية ويجعلهما متقابلين، نعم لو قيل فيه استحضار للحال الأولى واراءة التباين بين الحالين بخلافه لو قيل غض الثمر وينعه ففيه تقابل محض لكان حسنا (أقول) قد وقع مثل هذا في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٤] فقال ثمة أخرهما ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص بيانا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك واعترض عليه صاحب التقريب بأنّ أحد عشر كوكبا لا يتناول الشمس والقمر بخلاف الملائكة فإنها تتناول جبريل وميكائيل، وأجاب عنه بأن التناول غير لازم لأنّ إفادة المبالغة هنالك من حيث إنّ ظاهر العطف المغايرة فكان فيه تنبيه على أنهما من جنس وهاهنا أيضا كان يمكنه أن يقول ثلاثة عشر كوكبًا فلما عطف دل على فرط اختصاص واهتمام بشأنهما لزيادة الفائدة والتشبيه باعتبار التأخير، واخراجهما من جن! الكواكب وجعلهما متغايرين بالعطف انتهى وهذا بعينه
جار هنا لأنه لم يقتصر على ثمره وزاد الظرف فاقتضى ذلك تعينه فكيف غفلوا عنه مع التصريح به فيما سيأتي، وضئيل بمعنى صغير ضعيف وهو في وقت الإخراج كذلك. قوله: (وإلى حال نضجه) وفي نسخة وألى حال نضيجه بوزن فعيل قيل يشير إلى أنّ الينع إمّا مصدر أو صفة ويانعه بالجز عطف على الضنم، وقيل الأوّل إشارة إلى تقدير الوقت ليناسب إذا أثمروا الثاني إشارة إلى عدم لزومه، ولا يخفى أنه تأويل يحتاج إلى تأويل، لأنّ الزمان لا ينظر والحال ليس بمعنى الزمان بل بمعنى الصفة. قوله: (ولا يعوقه الخ الأنه لو كان له ضد، أو نذ لخالفه في بعض ما يريد هالا لم يكن ضدًّا ولا ندا فيلزم تخلف ما ذكر كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] . قوله: (أي الملاءلكة الخ) كلا الأمرين موجب للشريك أما الأوّل فظاهر وأما الثاني فلأنّ الولد كفؤ الوالد فيشاركه في صفات الألوهية، وتسمية الملائكة جنا استعارة وقد سبق في سورة البقرة عن المصنف ﵀ ما يقتضي أنّ الجن تشمل الملائكة حقيقة، وتوله: تحقيرًا لشأنهم يعني عبدوا ما هو، كالجن في كونه مخلوقًا مستترًا عن الأعين، والمراد التحقير من حيث قام الشركة لا ازدراؤهم في أنفسهم. قوله: (او الشياطين الخ) فهو استعارة في جعلهم شركاء وعلى الوجه الذي بعده مجاز عقليّ. قوله: (والشيطان خالق الشرّ) وجمعه حينئذ لأنه مع أتباعه كأنهم معبودون كما قاله الإمام: قيل ولذلك غير قول الزمخشريّ إبليس إلى قوله والشيطان ليشمل أتباعه. قوله:) ومفعولًا جعلوا لله شركاء الخ) في الكشاف فائدة التقديم استعظام أن يتخذ دئه شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء، وفي الكشف إنه على الوجهين يعني جعل لله مستقرّا وغيره، وما ذكره في الإيضاح من رذ قول من جعل تقديم لله على تقدير الاستقرار للاهتمام معللا بأنّ الإنكار ناشئ من الجعل المتعلق بالمفعولين على السواء فلا فرق بين المتلوّ وعكسه مدفوع بأنّ ذلك لا ينافي كون مصب الإنكار أحد الجزأين، وملاحظة أصلهما، ولهذا جعل في المفتاح قوله لله شركاء تمهيدًا لهذا، ثم إنه ناقض نفسه في ذلك حيث سلم أنّ تقديم شركاء على الجن على
[ ٤ / ١٠٤ ]
تقدير أن يكونا مفعولين لذلك (قلت) محصل ما في
الإيضاح أن الفعل المتعذي إلى مفعولين لا اعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر فإذا قدّم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية، وقد أجابوا عنه بأنّ الاشتراك بين الشيئين في مطلق العناية والاهتمام لا ينافي كون أحدهما أهمّ من الآخر بسبب خارج ككون الله نصب عين المؤمن هنا مع أنه يناقض ما ذكره فيما مرّ من أنّ تقديم شركاء على الجن على القول بأنهما مفعولًا جعلوا لاستعظام أن يتخذ شريك من كان ملكا أو جنيا أو غيرهما، ويناقض أيضا ما ذكره في بحث تقديم بعض معمولات الفعل على بعض كتقديم المفعول الأوّل على الثاني في باب أعطيت وقد دفع التناقض المذكور بأن إنكار التعليل بالعلة الحاصلة على تقدير خاص لا ينافي صحة التعليل بعلة أخرى على تقدير آخر، ثم إنه رذ جعلها على الوجهين بأنه على الثاني فقط، وعلى تقدير الظرف لغوًا سواء تعلقا بشركاء أو بجعلوا، وذلك لأن حق الظرف اللغو أن يتأخر عن المفعول، وأما على تقدير اللغوية وجعل لله شركاء مفعولي جعلوا فيكون تقديم الخبر الظرف على المبتدأ النكرة جاريا على الأصل غير معلل بالاهتمام والاستعظام، وأشار في شرح المفتاح الشريفي إلى أنّ تقديمه لأنه محز الإنكار ولأن المفعول الأوّل منكر يستحق التأخر فلا تنافي بين التنكير واعتبار التقديم لنكتة أخرى، ثم قال: إن السكاكيّ لم يرض! بما في الكشاف لأنّ المقصود الذي سيق له الكلام إنكار اتخاذ الشريك لله مطلقا جنيا كان أو غيره، واستفادة هذا المعنى من تقديم دلّه على الجن لا يخلو من ضعف لأنّ التقديم إنما يدل بحسب المقام على أنّ المقدم أدخل في الإنكار لا على أنّ المؤخر لا دخل له في الإنكار أصلا، ولا يخفى أنّ المقدم مصب الإنكار ومحزه كما قرّروه في أنه يجب أن يلي همزة الإنكار ليفيد ذلك فإذا قلت أفلسا أعطيته كان الإنكار لخسة الفلس لا للعطاء، وهذا مثله على أنا نقول هو بخصوصه لا دخل له في الإنكار بل باعتبار كونه شريكًا ثم إنّ السكاكي جعل سبب التقديم كون المقدم في نفسه نصب العين، وكون كل واحد من مفعولي جعل حاضرًا في الذهن وقت الإنكار لا يقتضي كون كل واحد منهما في نفسه نصب العين باعتبار أمر آخر مقتض لتقديمه، والسكاكي قد صرّح بهذا القيد أعني في نفسه، والمعترض! غفل عنه وعن فائدته. قوله:) والجن بدل من شركاء (قيل الأولى أن ينصب بمحذوف جوابا عن سؤال، كأنه قيل من جعلوه شركاء فقيل الجن، وذلك لأنه لو كان بدلًا لكان التقدير وجعلوا لله الجن، وليس له كبير معنى، وأجيب بأنّ المبدل منه! يس في حكم الساقط بالكلية. قوله: (وقد علموا أن الله خالقهم (اختار كون الضمير راجعا إلى الجاعلين لئلا يلزم تشتت الضمائر لو ارجع إلى الجن، وان رجح بأن جعل المخلوق كالخالق أفحش من جعل من لا يخلق كمن يخلق، وبأن كونهم مخلوقين معلوم من قوله: ﴿وَالَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩٨]
وقدر قد لتصحيح لفظ الحال وعلموا لمعناه لأنه المقارن لجعلهم ولأنه المقتضى للإنكار فتأمل، وقوله: (دون الجن) نفي الخالقية عنهم على الثاني ظاهر، لأنّ الخالق لا يكون مخلوقا، وعلى الأوّل معلوم من إنكار تشريكهم المارّ، وقيل: إنّ الشيء الواحد لا يكون مخلوقا لخالقين، فقوله: وخلقهم في قوّة أن يقال دون الجن، ولا يضره جواز الاجتماع في الخلق بطريق الاشتراك لأنّ المراد بالخلق في قوله وخلقهم ما هو بالاستقلال ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقوله: (أي وجعلوا الخ) إشارة إلى أنّ هذا على تقدير أن لله شركاء مفعولًا جعل وهو ظاهر، وقيل إنه على هذا يكون جعل متعذيًا إلى مفعول واحد وإنه كان عليه أن يذكره وليس بشيء، وقوله: أي زوروا في الكشاف والمزوّر محرّف مغير للحق إلى الباطل. قوله: (بنير علم) ذنم لهم بأنهم يقولون بمجرّد الرأي والهوى، وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم به وقام عليه الدليل، وقيل هو كناية عن نفي ما قالوا فإن ما لا أصل له لا يكون معلوما ولا يقام عليه دليل ولا حاجة إليه لأنّ نفيه معلوم من جعله اختلاقا وافتراء ومن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وقوله: فقالت اليهود فيكون المراد بالبنين ما فوق الواحد أو أنّ من يجوّز الواحد يجوّز الجمع، وأفرد قوله شريكا أو ولدًا لأنّ نفي الواحد يدلّ على نفي الجنس، ولأنه أليق بالتنزيه. قوله: (ثبت
[ ٤ / ١٠٥ ]
الغدر) الثبت بسكون الباء بمعنى ثابت، والغدر بفتحتين وغين معجمة ودال، وراء مهملتين المكان ذو الحجارة والشقوق، قال: في العين رجل ثبت الغدر إذا كان ثبتًا في قتال أو كلام وفي المجمل يقال للرجل والفرس ثبت في موضع الزلل، والإضافة فيه على معنى في ولما كان تعالى منزهًا عن المكان والحلول أوّله بقوله عديم النظير فيهما، ومعناه أنّ إبداعه لهما لا نظير له لأنهما أعظم المخلوقات الظاهرة فلا يرد عليه أنه لا يلزم من نفي النظير فيهما نفيه مطلقًا، ولا حاجة إلى تكلف أنه خارج مخرج الردّ على المشركين بحسب زعمهم أنه لا موجود خارج عنهما، وقوله: (وخبره أني الخ) وهو استفهام إنكاري في معنى الإخبار فلا حاجة إلى تقدير القول فيه.
قوله: (اي من أين الخ) أني لها استعمالات أحدها بمعنى كيف الثاني بمعنى من أين وهي عبارة سيبويه، والفرق بين أين ومن أين أنّ أين سؤال عن مكان الشيء، ومن أين عن المكان الذي برز منه ووقع في عبارات بعضهم أنها بمعنى أين وهو تسمح كما في عروس الأفراج، وفي الكشف إنها بمعنى أين ومن مقدرة قبلها كما تقدر في الظروف وفيه نظر لأنه لو كان كذلك لجاز ظهورها، فيقال من أني ولم يسمع. قوله:) وقرئ بالياء للفصل (هي قراءة إبراهيم النخهص قال ابن جني تؤنث الأفعال لتأنيث فاعلها لأنهما يجريان مجرى كلمة واحدة لعدم استغناء كل عن صاحبه فإذا فصل جاز تذكيره وهو في باب كل أسهل لأنك! وحذفتها استقل ما بعدها وهو كلام حسن، وعلى الوجهين الأخيرين الجملة خبر، واعترض على الوجه الأخير بأنه إذا كان العمدة في المفسر مؤنثا فالمقدر ضمير القصة لا ضمير الشأن، وليس بوارد لعدم لزومه وإن ظنه كثير لازمًا وقد نبه على خطئه في شرح التسهيل. قوله:) وإنما لم يقل به (أي لم يقل عليم به لتقدّم كل شيء لأنّ الأوّل مخصوص بغير ذاته وصفاته، والثاني عامّ لعلمه بهما وبغيرهما، وهذا لا يخالف ما ذكره في سورة البقرة. قوله: (١ لأوّل الخ (قزره في الكشاف هكذا إنه مبتدع السماوات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة لأنّ الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا، وهذا عندي أحسن من تقرير المصنف ﵀ لما فيه من الخلل لأنّ كون السماوات من جنس ما يوصف بالولادة لا يقتضي تصوّره في نوعها أو إفرادها لأن التوالد لا يكون فيما لا روج له فكيف يقال إن تبرّأها عن ذلك لاستمرارها، وطول مدتها والولد إنما يطلب للبقاء ببقاء النوع، وهي غير محتاجة إلى ذلك فالله جل وعلا أولى به وكأن القاضي غرّه قوله لا يستقيم الخ وظنه صفة أجسام، وليس كذلك بل ضمير أنه للشأن ومبتدع مبتدأ، ولا يستقيم الخ خبره فاعرفه فإن من لم يهتد له قال تقرير المصنف ﵀: أولى لكونه بطريق برهانيّ من تقرير الزمخشرفي، وقوله المعقول بمعنى المتصوّر في العقول فلا حاجة إلى أنه بناء على الأكثر وإنه لا حاجة إلى الكلية لأنّ الكلام في ولد الوالد وهو يستدعي الزوجة، وقرّره بوجه آخر في البقرة وهو أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال ماذته منه وهو تعالى مبتدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدًا انتهى، وهي متقاربة المعاني، والفرق بينهما يعلم مما بعدهما
إنه قال هناك:
﴿اقَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧ ا] وهنا أني يكون له ولد فتدبر. قوله:) الثالث أنّ الولد الخ) الدليل الأوّل من قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١٧] والثاني من قوله ولم تكن له صاحبة والثالث من قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والزمخشريّ قرّره هكذا إنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج قال النحرير: الظاهر أنّ العلم بكل شيء وجه مستقل فتكون الوجوه أربعة إلا أنه أدرجه وجعله مع خلق كل شيء وجها واحدًا لأنّ المعنى إنما يتحقق بالإيجاد الاختياري، وذلك بالعلم ولأنه ربما يناقثى في لزوم كون الولد كالوالد في العلم بكل شيء، وقيل: إن المصنف ﵀ جعلهما وجهًا واحدًا لمدارهما على معنى واحد وهو الكفاءة وان هذه المناقشة ترذ على الزمخشري لا على المصنف لتقييده العلم بقوله لذاته، وفيه أنه لا يجدي نفعأ لأنّ المساواة في العلم ذاتيا أو غيره لا تلزم في الكفاءة، ولذا قيل في كلام المصنف مناقشة ظاهرة لأن التفاوت في العلم بل في سائر الكمالات لا ينافي الكفاءة فكثيرًا ما يلد العالم النحرير والمؤمن ضده، وهذه أدلة إقناعية لا تليق
[ ٤ / ١٠٦ ]
المناقشة في مقدماتها. قوله: (إشارة إلى الموصوف الخ الأن اسم الإشارة كإعادة الموصوف بصفاته المذكورة كما مرّ تحقيقه، وقوله: ويجوز الخ يعني يجوز أن يكون الله بدلًا من اسم الإشارة وربكم صفته وما بعده خبر، ولا يجوز في الله أن يكون صفة فإن أراد مع ما بعده لا يصح أيضا لأنه جملة والجمل لا يوصف بها إلا النكرات أو المعرّف بأل الجنسية، وهذا ليس كذلك وكذا خالق كل شيء يصح أن يكون بدلًا من الضمير وذكر فيما سبق للاستدلال على نفي الولد وهنا لإثبات استحقاق العبادة فلا تكرار، واليه يشير كلام المصنف رحمه الله تعالى وقد غفل عنه بعضهم مع ظهوره وأفاد بعص المتأخرين هنا إنه قيل هنا ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وفي سورة المؤمن: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [سررة غافر، الآية: ٦٢] فإن قيل لم قدم هاهنا قوله: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ على قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وعكس في سورة المؤمن قلنا لأنّ هذه الآية جاءت بعد قوله: ﴿جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء﴾ الخ فلما قال: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أتى بعده بما يدفع الشركة فقال: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ثم قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهناك جاء بعد قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر، الآية: ٥٧] فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره لا على نفي الشريك عته كما كان في الآية الأولى فكان تقديم خالق كل شيء هناك أولى، وقيل معناه يجوز أن يكون البعض بدلًا من اسم الإشارة لأنّ العلم أخص من اسم الإشارة عند الجمهور فلا يجوز أن يكون صفة له لأن الموصوف لا بد أن يكون أخص أو مساويًا كما حقق في النحو، وأما كونه صفة فقيل إنه على مذهب ابن السرّاج فإنه
ذهب إلى أن أعرف المعارف اسم الإشارة ثم المضمر ثم العلم ثم ذو اللام، ويحتمل أن يكون الله صفة ذلكم على ما مرّ من أنه صفة، وقد مز ما فيه. قوله: (حكم مسبب عن مضمونها الخ) قيل العبادة المأمور بها هي نهاية الخضوع وهي لا تتأتى مع الشريك فلذا استغنى عن أن يقال فلا تعبدوا إلا إياه وذكره غيره من المحشين، وقال إنه من سوانح الوقت وهذا يقدج فيما ذكروه من أنّ تقديم المفعول في إياك نعبد يعتمد الاختصاص إذ على هذا يفهم من مجرّد العبادة ولا حاجة فيه إلى تقديم المفعول، ويرذه أن مفهوم العبادة لا يقتضي الاختصاص! إلا من الدليل الخارجيّ على أن إفادة الحصر بوجهين لا مانع منه كما في لله الحمد فإن التقديم ولام الاختصاص يدلان عليه، وكذا التقديم مع التصريح بأداته كما صرّحوا به. قوله: (فكلوها إليه الخ) الأمر بإيكالهم إليه لازم لمفهوم هذه لأنه إذا تولى جميع الأمور لزم أن لا يوكل إلى غيره ممن لا يتولاها، والتوسل بالعبادة مأخوذ من جعل وهو على كل شيء وكيل حالًا وقيدا للعبادة كما يشهد له الذوق، فما قيل إنه يريد أن فائدة الإخبار بكونه على كل شيء وكيل ذاك لا أنه يفهم ذلك من الوكيل ناشئ من عدم التحقيق، وكذا تفريعه على الرقيب بالمجازاة إشارة إلى أنه كناية عن المجازاة ثم لما وصفه بأنه رقيب عليهم عقبه بقوله لا تدركه الأبصار إشارة إلى أنّ مراقبته ليست كمراقبة غيره، لأن المراقبة تستلزم النظر إليه بحسب الظاهر المتوهم. قوله: (وهي حاسة النظر) المراد بالحاسة القوّة ولذا أنث وتأنيث هي مراعاة للخبر. قوله: (واستدل به المعتزلة الخ) فسر بعضهم الإحاطة بإدراك ذاته وجميع صفاته وفسرها بعضهم بإدراكه بالكنه، وأورد عليه أنه كما لا يدرك كنهه بالبصر لا يدرك بالعقل أيضا فالتخصيص بالأبصار يقتضي تفاوتا بينها وبين العقول مع أنّ الأبصار لا تدرك كنه غيره أيضا وبأنّ التخصيص خلاف الظاهر، ومقتضى المدح الامتناع والأقرب شيء يمكن أن يبصر ولا يبصر لمانع فالحق في الجواب كما دلت عليه الأحاديث أنه لا يرى بأعمال الحاسة إنما يرى بقوّة يخلقها بمحض قدرته في العبد ثم إنهم تمسكوا بالآية تارة على الامتناع، لأنّ ما يمدح بعدمه يكون وجوده نقصًا يجب تنزيه الله عنه وتارة على عدم الوقوع، والمصنف ﵀ اقتصر على إيراد الأوّل وأجاب بما يبطل عدم الوقوع لأنه يلزم منه إبطال الامتناع، وقوله ليس الإدراك مطلق الرؤية بل على وجه الإحاطة كما أشار إليه أوّلًا، وتوله: (ولا النفي في الآية عامًّا (لأنّ القضية مطلقة لم تقيد بكلية
ولا دوام، ولما كان عموم الأوقات وعموم الأحوال متلازمين لم نجعلهما جوابين. قوله:) فإنه في قوّة قولنا لا كل بصر الخ (يعني الألف واللام للاستغراق
[ ٤ / ١٠٧ ]
والنفي لسلب العموم واحتمال الثاني لا يضرنا لأنه يكفي الاحتمال الأوّل في إبطال الاستدلال، ثم تنزل عن منع الكلية فقال مع أن النفي لا يوجب الامتناع، وقيل عليه لا يخفى إنّ حديث التمذج يدفعه (قلت أليس هذا بمسلم عندنا، وكيف يتمذح بنفي ما أثبته الكتاب والسنة بل إنما ذكر للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر كما أشار إليه الطيبي، وقد روي في تفسير الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة.
قوله: (يحيط علمه بها) قيل الأنسب بالمقام إنه علم بطريق الرؤية، ويجوز تعميمه أيضأ. قوله: (فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار (فهذه الجملة سيقت لوصفه تعالى بما تضمن تعليل قوله وهو يدرك الأبصار فقط على هذا الوجه، ثم إنّ المراد بالإبصار هنا النور الذي يدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى، أو يقال المراد أنّ كل عين لا ترى نفسها ووقع في نسخة بدل كالإبصار بالإبصار على صيغة المصدر. توله: (ويجوز أن يكون من باب اللف الخ) فإنّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه مدركا بالكسر، وبقوله فيكون اللطيف مستعارًا من مقابل الكثيف فشبه به الخفيّ من الإدراك اندفع ما قيل إنّ المناسب لعدم الإدراك اللطيف المشتق من اللطافة وهو ليس بمراد هنا، وأما اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة فلا يظهر له مناسبة هنا، وفي شرح الأسماء الحسنى لمحمد البهائيّ اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والآخرة، وان تعذوا نعمة الله لا تحصوها، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء، هيأ مصالح الناس من حيث لا يشعرون وأخفى لهم لطفه من حيث لا يعلمون، وقيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف، ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكنافة، وهو وان كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم، لأن الجسمية يلزمها الكنافة وإنما لطافتها بالإضافة فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلًا عن الإبصار ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والإشكال، فانّ كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف بالنسبة إليه بالكنافة انتهى.
وهذا يقتضي أنه حقيقة فيه تعالى فتأمّله، والخبير للمبالغة فيه يكون علة، والمقام وان اقتضى ترك العطف لكن المقصود به إثبات هذه الأوصاف والتعليل الذي أشار إليه المصنف
﵀ ضمنيّ، وقوله لما لا يدرك بالحاسة أي ليس شأنه ذلك فلا يقال إذا كان اللطيف بمعنى ما لا تدركه الأبصار كيف يعلل الشيء بنفسه فلا يرد هذا كما توهم، وقوله: ولا ينطبع فيها أي لا ينطبع ويرتسم مثاله فيها وإلا فالشيء نفسه لا ينطبع ففيه تسمح، وهذا أحد المذاهب في كيفية الرؤية وتحقيقه في كتب الحكمة والكلام، وقوله: (وهي للنفس الخ) المعروف إنها للقلب كالبصر للعين، وقوله: (تجلى) بمعنى تظهر وتكشف، وقوله: (الدلالة) فجمعه باعتبار أنواعه وقيل المراد آيات القرآن. قوله: (فلنفسه أبصر) قدره غيره فلنفسه الإبصار، وقدّره أبو حيان فيهما بقوله فالإبصار لنفسه أي نفعه وثمرته، ومن عمى فعليها أي فالعمى عليها أي فجدوى العمى عائد على نفسه، والإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال، قال: وهذا الذي قدرناه من المصدر وهو الإبصار والعمى أولى لوجهين أحدهما أنّ المحذوف يكون مفردًا لا جملة ويكون الجارّ والمجرور عمدة لا فضلة، وفي تقدير غيره المحذوف جملة والجارّ والمجرور فضلة ولأنه لو كان المقدر فعلا لم تدخله الفاء سواء أكانت شرطية أو موصولة مشبهة بالشرط لأنّ الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامدًا، ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه باسم الشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط، ولا في خبر المبتدأ لو قلت من جاءني فأكرمته لم يجز بخلاف تقديرنا، وهو غير وارد، لأنه ليس كالمثال الذي ذكره بل مثاله من جاءني، فلا كرامة جاء إذ تقدم فيه الجارّ والمجرور لإفادة الحصر والجاز والمجرور إذا تقدم على الماضي جاز اقترانه بالفاء، بل قيل: إنها لازمة له كما صرّح به النحرير، والمعرب السفاقسي، ففي هذه المسالة ثلاثة مذاهب المنع، وهو مختار أبي حيان والجواز
[ ٤ / ١٠٨ ]
واللزوم وهو مختار غيره، وفي الدرّ المصون أنّ هذا التقدير سبق الزمخشري إليه غيره من السلف كالكلبي وقوله: فعليها وباله لم يقدر فعليها عمى كما قدره الزمخشري لأنّ عمى لم يعهد تعديه بعلى بخلاف ما قدّره فإنه لا يحتاج إلى تكلف تأويل، وقيل إنه قدّر في إحداهما الفعل وفي الأخرى الاسم إشارة إلى جواز كل من المسلكين، والمراد بالعمى والبصر الهدى والضلال كما أشار إليه المصنف ﵀، ومن هذا عرفت أنّ الظرف المقدر متعلقه فعلًا يقع جواب الشرط مع الفاء أو بدونها كما يؤخذ من كلام الزجاج، وقد ردّه في المغني وليس بصواب كما ستراه. قوله: (والله ﷾ هو الحفيظ (الحصر مستفاد من تقديم المسند إليه على ما عرف من مذهب الزمخشري من عدم اشتراط الخير الفعلي، وقوله وهذا الخ يعني قد جاءكم بصائر إلى
هنا كما صرّح به في الكشاف لا قوله: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ فقط كما قيل وعلى هذا فقل مقدرة كما صرّح به شراح الكشاف، وأمّا ما قيل الورود على لسانه لا يقتضي هذا التقدير، فإنّ منشئ القصيدة على لسان غيره لا يضمر القول فتخيل فاسد، وإنما نظيره ما إذا وصف متكلم نفسه، ثم ذكر ما لا يصح إسناده إليه فإنه لا بد من تقدير الحكاية والا فسد كلامه، واختل نظامه، وقوله مثل ذلك قد مز شرحه. قوله:) وليقولوا الخ) قدر صرفنا ماضيًا والزمخشرفي قدره مضارعا متأخرا قيل لقصد التخصيص، وفيه نظر واللام لام العاقبة وهي مجاز منقول من التعليل ولذا عطف عليه الغرض وجوّز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره لأنّ نزول الآيات لا ضلال الأشقياء وهداية السعداء، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦] وبجوز أن يكون التقدير لينكروا وليقولوا الخ، وقيل هذه اللام للأمر ويؤيده إنه قرئ بسكونها كأنه قيل، وكذلك نصرّف الآيات وليقولوا هم ما يقولون، فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم، وفي الدرّ المصون فيه نظر لأنّ المعنى على ما قالوه وأيضا فإنّ قوله ولنبينه نص في أنّ اللام لام كي، وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة فلا دليل فيها لاحت! مال إنها خففت لإجرائها مجرى كبد، وكونها معترضة ولنبينه متعلق بمقدر معطوف على ما قبله وان صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر، وعبارة الزمخشرفي هنا، وليقولوا جوابه محذوف تقديره وليقولوا درست نصرّفها، ومراده بالجواب المتعلق، وهو اصطلاج منه وقع في مواضمع من كتابه قال المعرب سماه جوابا لأنه يقع جوابا للسائل الذي يقول أين متعلق هذا الجارّ، فلا يرد عليه ما قاله أبو حيان، ولكونه خلاف الظاهر عدل عنه المصنف ﵀. قوله: (درست من الدروس الخ) فيه قرا آت ثلاث متواترة وما عداها شاذة فقرأ ابن عامر درست كضربت، وابن كثير وأبو عمرو دارست كقاتلت، والباقون درست أنت كضربت، ومعنى الأولى قدمت وتكرّرت على الإسماع كقوله: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] ومعنى الثانية دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية، كقوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٣] الآية ومعنى الثا اصة حفظت، واتقنت بالدرس أخبار من مضى كقوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: هـ، وقرئ في الشواذ درست ماضيًا مجهولًا، وفسرت بتليت
وعفيت أي الآيات، واعترض! على الثاني بأنّ درس بمعنى انمحى لازم لم يعرف متعديا في اللغة والاستعمال، ورذ بأنه ورد متعديا قال الزبيدي درس الشيء يدرس دروسا عفا ودرسته الريح، وقال النحرير: جاء درس لازما ومتعديًا لمعنيين وقرئ دزست مشددا معلوما وتشديده للتكثير أو للتعدية والتقدير درست غيرك الكتب، وقرئ مشددًا مجهولًا، وقرئ دورست على مجهول فاعل، ودارست بالتأنيث والضمير للآيات أو للجماعة، وقرئ درست بضم الراء والإسناد للآيات مبالغة في محره أو تلاوته لأنّ فعل المضموم للطبائع والغرائز، وقرأ أبيّ ﵁ درس وفاعله ضمير النبيّ ع! ي! أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ودرسن بنون الإناث مخففا ومشددًا، وقرئ دارسات بمعنى قديمات أو بمعنى ذات درس أو دروس كعيشة راضية وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دارسات، وقراءة المفاعلة إمّا على أنه بمعنى أصل الفعل، أو تأويله بما مرّ تحققه في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٩] . قوله: (اللام على أصله (قال الشريف قدس سرّه: أفعاله تعالى
[ ٤ / ١٠٩ ]
يتفرّع عليها حكم ومصالح متقنة هي ثمراتها وان لم تكن عللا غائية لها حيث لولاها لم يقدم الفاعل عليها ومن أهل السنة من وافق المعتزلة في التعليل، والغرض الراجع منفعته إلى العباد، وادّعى أنه مذهب الفقهاء والمحدثين، إذا عرفت هذا فاعلم أن حقيقة التعليل عند أهل السنة بيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل، وأما تفسيره بالباعث الذي لولاه لم يقدم الفاعل على الفعل أو عدم اشتراط ذلك فهو من تحقيقات المتكلمين لا تعلق له باللغة، وأما عند أهل اللغة فهو حقيقة في ذلك مطلقا، والفرق بينها وبين لام العاقبة أنّ لام العاقبة ما تدخل على ما يترتب على الفعل، ويى! مصلحة، وهل يشترط فيها أن يظنه المتكلم غير مترتب أم لا حتى يكون في كلامه تعالى من غير حكاية أم لا فيه خلاف تقدم شرحه فما قيل أنّ اللامات الداخلة على فوائد أفعاله المسماة بالحكم والمصالح استعارات تبعية فلا تكون اللام فيها على أصلها إلا على رأي من يجوّز أن تكون أفعاله معللة بالاغراض، ولا يقول به المصنف ﵀ مردود بما سمعت آنفا، وقوله باعتبار المعنى يعني التأويل بالكتاب أو القرآن، والمراد بالمصدر التبيين أو التصريف كما قيل فهو مفعول مطلق على الأوّل، وقوله: (فإنهم المنتفعون به (بيان لوجه تخصيصهم بذلك لجعل ما سواهم كالعدم، وجعل الجملة المعترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تفيد تقوية الكلام صرّح به الزمخشري في مواضع من كتابه فلا عبرة بمن أنكره، وقوله أكد به إيجاب الاتباع لأنّ من هذا وصفه يجب اتباعه. قوله: (أو حال مؤكدة) فسم ابن مالك في التسهيل الحال المؤكدة
إلى مؤكدة لعاملها نحو ولي مدبرا ولا تعثوا في الأرض مفسدين، ومؤكدة لغيره في بيان فخر أو يقين أو تعظيم ونحوه ويجب أن يتقدّم عليها جملة اسمية، ويحذف عاملها وجوبا فمن قال وكونها واقعة بعد الجملة الاسمية شرط لوجوب حذف عاملها لا لصحتها لقوله: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٠] فقد خلط بين معنيي الحال وقسميها ومعنى لا تحتفل لا تعتد وتبال وقوله ولا تلتفت تفسير له، وأوّله بهذا لأنه لا بد له من التبليغ والقتال إلا أن يكون قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بالآية السيف في سورة براءة فيكون حينئذ على عمومه، وقوله وهو دليل الخ ردّ على المعتزلة كما مرّ، والزمخشرفي فسره بمشيئة إكراه وفسر لأنّ عندهم مشيئة الاختيار حاصلة البتة قال النحرير: وهذه عكازته في دفع مذهب أهل السنة من أنّ الله تعالى لم يثأ إيمان الكافر ولا طاعة العاصي تمسكا بأمثال هذه الآيات. قوله: (أي ولا تذكروا آلهتهم الخ) هذا إمّا لأنّ الذين يدعون عبارة عن الآلهة والعائد مقدر، والتعبير بالذين على زعمهم أنهم من أولى العلم أو بناء على أنّ سب آلهتهم سبّ لهم كما يقال ضرب الدابة صفع لراكبها، أو على تغليب العقلاء منهم كالمسيح ﷺ وعزير، ثم إنه في الكشاف ذكر في سبب النزول وجهين (١ (الأوّل إنهم قالوا عند نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٩٨] لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك، والثاني إن المسلمين كانوا يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سببًا لسب الله تعالى، وأورد على الأوّل أن وصف اكهتهم بأنها حصب جهنم وبأنها لا تضرّ ولا تنفع سبّ لها فكيف نهى عنه بقوله: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ﴾ الخ.
وأجيب بأنهم إذا قصدوا بالتلاوة سبهم وغيظهم يستقيم النهي عنها، ولا بدع فيه كما
ينهى عن التلاوة في المواضمع المكروهة، أو معناه لا يقع السب منكم بناء على ما ورد في الآية فيصير سببًا لسبهم، وقيل السب ذكر المساوي لمجرّد التحقير والإهانة، وذلك إنما ورد للاستدلال على عدم صلوحها للألوهية والمعبودية ومثله لا يسمى سبا، وفيه نظر وقيل عليه إنّ
سبب النزول على إحدى الروايتين وصفه لها بأنها حصب جهنم فكيف لا يكون ذلك سبا فالجواب أن يقال النهي عن السب في الحقيقة إنما هو عن إظهاره، فإنه المؤذي إلى سب الله فتأمّل. قوله: (أو لنهجونّ إلهك) فإن قيل إنهم كانوا يقرّون بالله وعظمته وإنّ آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده فكيف يسبونه، قلنا لا يفعلون ذلك صريحًا بل يفضي كلامهم إلى ذلك كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا، وقد فسر بغير علم بهذا، وهو حسن جذا أو أنّ الغيظ والغضب ربما حملهم على سب الله صريحا ألا ترى المسلم قد تحمله شدّة غضبه على التكلم بالكفر وعدوا كضربا وعدوا كعتوًّا وعداء كعزاء، وعدوانًا كسبحان مصدر
[ ٤ / ١١٠ ]
عدا عليه بمعنى تعدى وتجاوز وهو مفعول مطلق لتسبوا من معناه لأنّ ال! سب عدوان أو مفعول له أو حال مؤكدة مثل بغير علم، وقرأ ابن كثير في رواية عنه عذوا بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو على أنه حال. قوله: (وفيه دليل الخ) يعني إذا أذت إلى معصية راجحة على معصية ترك الطاعة وكانت سببا لها بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها وكثيرا ما يشتبهان، ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه الحسن للفرق بينهما كما في الكشاف، وقد علم مما مرّ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أسورة الأنعام، الآية: ٦٨] ما هو الصحيح عند فقهائنا، كما أفاده شيخنا المقدسي في الرمز من أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع والا صبر، وهذا إذا لم يكن مقتدى به والا فلا يقعد لأنّ فيه شين الدين، وما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إماما يقتدى به، وقال الإمام أبو منصور كيف نهانا الله عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قتلونا وقتل المؤمن بغير حق منكر وكذا أمر النبيّ لمجز بالتبليغ والتلاوة عليهم وان كان يكذبونه وأجاب بأنّ سب الآلهة مباج غير مفروض!، وقتالهم فرض وكذا التبليغ وما كان مباحًا نهى عما يتولد منه ويحدث وما كان فرضا لا ينهي عما يتولد منه، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمن قطع يد قاطع قصاصًا فمات منه فانه يضمن الدية لأنّ استيفاء حقه مباج، فأخذ بالمتولد منه، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن، لأنه فرض! عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه انتهى، ومنه تعلم أنّ قوله الطاعة ليس على إطلاقه. قوله:) من الخير والشر الخ) وقوله في الكشاف مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّة من أمم الكفار سوء عملهم أي خليناهم، وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، أو زيناه في زعمهم، وقولهم إنّ الله تعالى أمرنا بهذا وزينه لنا، يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى
زين للكافرين الكفر وعملهم القبيح، وتزيين القبيح قبيح، والله متعال عنه على أصول المعتزلة، فلذا أوّل الآية بوجوده رجح منها الوص! الثاني لمناسبته لوصف ايمفرة قبله، والمصنف رحمه الله تعالى ذكر وجها آخر وترك ما ذكره لعدم الحاجة إليه عندنا ولم يجعل التشبيه فيه من قبيل ضربته كذلك لخفائه قيل: ولأنه يأباه قوله لكل أثة، وفيه نظر والمشبه بالنصب عطف على اسم أن ويجوز رفعه. قوله:) مصدر في موقع الحال) أو حال مؤوّل باسم الفاعل أو منصوب بنزع الخافض أي أقسموا بجهد أيمانهم أي أوكدها، وقد مرّ الكلام عليه في المائدة والتحكم إظهار الحكومة وتكلفها باقتراج الآيات. قوله: الئن جاءتهم آية الخ (كإنزال الملائكة وغير ذلك، وفيه إشارة إلى أن ما جاءهم ليس بآية عندهم كما يدلّ عليه، وقوله:) واستحقار (فلا حاجة إلى التقييد بقوله من مقترحاتهم إلا أن يكون لبيان الواقع. قوله:) وليس شيء منها بقدرتي الخ) في الكشاف إنما الآيات عند الله وهو قادر عليها، ولكنه لا ينزلها إلا على موجب الحكمة أو إنما الآيات عند الله لا عندي فكيف أجيبكم إليها وآتيكم بها، والمصنف ﵀ أشار إلى أن العندية بمعنى كونها مقدورة له تعالى، والمقصود من الحصر نفي القدرة عن نفسه ليبين أنه لا يمكنه أن يجيبهم بها، وزاد الزمخشري وجهًا آخر، وهو أن المراد أنّ الآيات منحصرة في المقدورية لا تتعداها إلى النزول بغير حكمة قيل: ولم يلتفت إليه المصنف لما قال النحرير إق فائدة الحصر يعني فكيف أجيبكم الخ لا تظهر على هذا الوجه ويمكن أن تظهر بأنه لا حكمة فيما يطلبونه فلا يمكن أن يجيبهم به، ويمكن أن يقال إن المصنف رأى تقارب الوجهين فجعلهما وجها واحدًا وقد جنح إلى هذا من قال العندية من حيث القدرة، ومن حيثية الإتيان بالمشيئة إن اقتضته الحكمة، وقوله:) أنّ الآية المقترحة) إشارة إلى أنّ الضمير راجع للآية لا للآيات لأن عدم إيمانهم عند مجيء ما اتترحوه أبلغ في توبيخهم قيل ولو جعل الضمير للآيات لكان فيه مزيد مبالغة في بعدهم عن الإيمان وبلوغهم في العناد غاية الإمكان، ولا يخفى ما فيه إلا أن يلاحظ أنه باعتبار شمولها للمقترحة وغيرها فتأفل. قوله:) وما يدريكم (استفهام إنكار وهو في المعنى نفي وفي بعض الحواشي، ما استفهامية لا نافية والا يبقى
[ ٤ / ١١١ ]
الفعل بلا فاعل، وفي الدر المصون قيل فاعله ضمير الله أي وما يشعركم الله إنها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون وهو تكلف بعيد، وقال السفاقسي: إنه كير مستقيم لأن الله أعلمهم بأنهم لا يؤمنون،
إلا أن تجعل لا زائدة. قوله: (أنكر السبب مبالغة في نفي المسبب الخ (إشارة إلى جواب ما يقال إنك إذا قيل لك أكرم زيدًا يكافئك قلت في إنكاره ما أدراك أني إذا أكرمته يكافئني فإن قيل لا تكرمه، فإنه لا يكافئك قلت في إنكاره ما أدراك إنه لا يكافئني تريد وأنا أعلم منه المكافأة فمقتضى حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين أن يقال وما يدريكم إنها إذا جاءت يؤمنون غائبات لا بعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت وأنت تنكر على من نفى كذا قرّره شراح الكشاف، فلذا حمله بعضهم على زيادة لا، وبعضهم على ا! أن بمعنى لعل وبعضهم على أنها جواب قسم بناء على أن أنّ في جواب القسم يجوز فتحها، والزمخشري وتبعه المصنف أبقى الكلام على ظاهره فقيل في المثال المذكور إنك إذا علمت أنه لا يكافئ وأشير عليك بإكرامه لظن المشير المكافأة فلك حينئذ معه حالتان، حالة أن تنكر عليه اذعاء العلم بما تعلم خلافه، وحالة أن تعذره لعدم علمه بما أحطت به ففي الحالة الأولى تقول ما يدريك أنه يكافئ، وفي الثانية تقول ما يدريك أنه لا يكافئ أي من أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم المكافأة، وكذلك الآية لإقامة عذر المؤمنين كما يدل عليه ما بعده، وايضاحه كما قيل إنه استفهام في معنى النفي، والإخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم والمعنى إنّ الآيات عند الله ينزلها بحسب المصالح وقد علم إنهم لا يؤمنون ولا ينجع ذلك فيهم وأنتم لا تدرون ما في الواقع من علمه تعالى فلذا توقعتم إيمانهم، والاستفهام الإنكاري له معنيان فالإنكار، إن كان بمعنى لم يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون وبمعنى لا يقال لا يؤمنون والمراد الثاني بدليل ما بعده، وفي الكشف إنه في الثاني منكر عليهم الاقتراح وهو القول من كير علم وبمعنى ما لا يعرت حقيقته، وهو أبلغ وإن كان الثاني أوضح وأقرب ومنه يعلم أنه يجوز أن يكون الإنكار بمعنى لم أيضا فقوله أنكر السبب أي الإشعار مبالغة في نفي المسبب أي الشعور، وليس معناه أنه أنكر الدراية بهذا العلم وأريد إنكاره إظهار الحرص أي أنتم لا تدرون كما قيل فالمعنى لا تدرون أنهم يؤمنون، وفي نفي المسبب بهذا الطريق مبالغة ليست في نفيها بدونها لأنّ في الكناية إثبات الشيء ببينة وفيه تعريض بأن الله عالم بعدم إيمانهم على تقدير مجيء الآية المقترحة لهم، وتنبيه على أنه تعالى لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون فعدم الإنزال لعدم الإيمان. قوله: (أن بمعنى لعل) هذا قول الخليل ﵀، ويؤيده أن يشعركم ويدريكم بمعنى، وكثيرا ما تأتي لعل بعد فعل الدراية نحو وما يدريك لعله يزكي، وأن في مصحف أبيّ ﵁ وما أدراك لعلها، وقوله كأنه قال وما يشعركم ما يكون منهم إشارة إلى أن مفعوله محذوف على هذين الوجهين وهو يتعدى إلى مفعولين. قوله: (ثم أخبرهم الخ) ظاهره أنه إخبار ابتدائيّ وجعله ابن
الحاجب جواب سؤال، وفي الكشف كأنه قيل لم وبخوا فقيل لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، ولك أن تبنيه على قوله وما يشعركم فإنه أبرز في معرض المحتمل كأنه سأل عنه سؤال شاك ثم علل بقوله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون جزما بالطرف المخالف، وبيانًا لكون الاستفهام غير جار على الحقيقة، وفيه إنكار لتصديق المؤمنين على وجه يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه وهذا نوع من السحر البياني لطيف المسلك، وعلى كونه خطابًا للمؤمنين لا يكون داخلا في حيز قل إلا بأن يقدر قل للكافرين إنما الآيات عند الله وللمؤمنين وما يدريكم، وهو تكلف لا داعي إليه، وعلى كونه خطابأ للمشركين يدخل تحته ويكون فيه التفات. قوله: (وقرئ وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم الخ (في الكشاف أي يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينثذ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها اهـ، والضمير للكفار كما يدل عليه قوله على حلفهم أي إنكار لما حلفوا عليه والقراءة حينئذ إمّا بالفتح أو بالكسر، ويجري فيه ما مز فنزل عليه كلام الشيخين، وتقدم أنّ يشعركم وينصركم ونحوه قرئ بضم خالص وسكون واختلاس.
تنبيه: قراءة كسر إنّ وجهها الخليل وغيره بأنها استئناف إخبار بعدم إيمان طبع على قلبه، وضعف الفتح بأنه يصير عذرًا
[ ٤ / ١١٢ ]
لهم وليى مقصود الآية، وقال الزمخشرقي على الكسر ثمّ الكلام عند يشعركم ثم أخبرهم بعلته، ووجه الفتح بستة أوجه فصلها صاحب الدرّ المصون. قوله: (فلا يؤمنون) إشارة إلى أنه ليس المراد بتقليب الإبصار حقيقته، وقوله: (بما أنزل من الآيات (إشارة إلى أنّ الضمير راجع إلى الآيات بتأويله بما أنزل وقولهه هداية المؤمنين يعني الدلالة الموصلة، وقيل إنه لله والرسول أو القرآن أو التقليب وهو بعيد. قوله: (وحثرنا عليهم كل شيء قبلا (معنى حشرنا سقنا ما اقترحوه من هذه الأشياء، وقوله: (فقالوا الخ) بيان لقوله ولو أننا أنزلنا، وقوله: (فآتوا بآبائنا) بيان لقوله وكلمهم الموتى وفسره بالنظم القرآنيّ، وقوله: (أو تأتي) بيان لقوله وحشرنا عليهم كل شيء والتعبير بكل تنزيلًا لأعظم الشيء منزلة كله أو مبالغة،
وكون قبلًا الجمع حالًا من كل لأنه يجوز مراعاة معناه ولفظه كما نص عليه النحاة واستشهدوا بقوله:
جادت عليه كل عين ثزة فتركن كل حديقة كالدرهم
إذ قال تركن دون تركت فلا حاجة إلى ما قيل إنه باعتبار لازمه وهو الكل المجموعيّ،
وهو معنى قوله وإنما جاز ذلك لعمومه مع الإشارة إلى مصحح الحال من النكرة مع تأخرها، وفي قبلا قرا آت كسر القاف وفتح الباء وضمهما، وقرئ في الشواذ بضم فسكون وغير ذلك فقبلا بكسر وفتح بمعنى مقابلة ومشاهدة وهو حال كما قاله الفراء والزجاج وعليه أكثر أهل اللغة وهو مصدر وعن المبرد أنه بمعنى جهة وناحية فانتصابه على الظرفية كقولهم لي قبل فلان كذا، وأما المضموم فقيل جمع قبيل بمعنى كفيل، ومنه القبالة لكتاب العهد والصك أو قبيل بمعنى جماعة والمعنى عليه حشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا وجماعة جماعة ويكون بمعنى الأوّل أيضا أي معاينة ومقابلة، كقوله: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٦] . قوله: (ما كانوا ليؤمنوا) جواب لو وهوادًا كان منفيا لا تدخله اللام ولذا اعترض على الحوفي ﵀ في قوله إنّ اللام فيه مقدرة أي لما، وقوله: لما سبق عليهم القضاء بالكفر بتشديد الميم وتخفيفها، وقيل عليه إنّ فيه تعليل الحوادث بالتقدير الأزلي، ولا يخفى فساده بل لبطلان استعدادهم وتبدل فطرتهم القابلة بسوء اختيارهم وتبعه من قال: في تفسيره أي ما صح واستقام لهم الإيمان لتماديهم في العصيان وغلوّهم وتمردهم في الطغيان وأما سبق القضاء عليهم بالكفر فمن الأحكام المترتبة على ذلك حسبما ينبئ عنه قوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٠ ا] وليس بشيء لأن ما ذكره على مذهب الأشعري القائل بأنه لا تأثير لاختيار العبد وان قارن الفعل عنده، ولا يلزم الجبر كما يتوهم على ما حققه أهل الأصول ولا خفاء في كون القضاء الأزليّ سببا لوقوع الحوادث ولا فساد فيه، وأما سوء اختيار العبد فحسبب للقضاء الأزلي، وتحقيقه كما قيل إن سوء الاختيار، وان كان كافيا في عدم وقوع الإيمان لكنه لا قطع فيه لجواز أن يحسن الاختيار بصرفه إلى الإيمان بدل صرفه إلى الكفر فكان سوء اختياره فيما لا يزال مسببا للقضاء بكفره في الأزل فبعد القضاء به يكون الواقع منه الكفر حتما، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٣] . قوله: (استثناء من أعتم الآحوال الخ) وجوّز أن يكون من أعمّ الأزمان والظاهر الأوّل فإن لوحظ أن جميع أحوالهم شاملة لحال تعلق المشيئة بهم فهو متصل وان لم يلاحظ أنّ حال المشيئة
ليس من أحوالهم كان منقطعًا أي لكن إن شاء الله آمنوا واستبعده أبو حيان ولام فيه المصنف ﵀، وقوله:) حجة واضحة على الصعتزلة (قال أهل السنة لما ذكر الله تعالى إنهم لا يؤمنون إلا إن شاء الله إيمانهم فلما لم يؤمنوا دل على أنه تعالى ما شاء إيمانهم بل كفرهم، وأجابوا عنه بأن المراد مشيئة قسر وإكراه وعدم إيمانهم يستلزم عدم المشيئة القسرية وهو لا يستلزم عدم المشيئة مطلقًا فتأمّل. قوله: (ولذلك أسند الجهل إلى كثرهم الخ (أي لكونه جهلا مخصوصا بالمقسم عليه أسند إلى الأكثر مع أنّ مطلق الجهل يعئم جميع الكفار وكذا الكلام في تقييد جهل المسلمين بيمينهم، وليس الظاهر الخطاب حينئذ كما قيل، وقوله: ولكن كثر المسلمين ليس الوجهان مبنيين على اختلاف القراءتين لئلا يلزم ترجيح القراءة الشاذة على المشهورة بل على تقدم ذكر المقترحين المقسمين والمسلمين المتمنين لحصول ما اقترحوا وأن قوله وما يشعركم إنكار على المسلمين بوجه يتضمن الإنكار على المقسمين. فوله: (وهو دليل الخ) رذ على الزمخشريّ حيث فسره بقوله: كما
[ ٤ / ١١٣ ]
خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائهم أوّله بذلك لأن عداوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصية فلا تكون بخلق الله وجعله عنده، ولما كان خلاف الظاهر جعله المصنف ﵀ دليلًا على خلافه وهو الظاهر. قوله: (ولكل متعلق به (أي بعدوا أو جعل حالًا من عدؤًا تدم لنكارته أو مفعول ثان على البدلية على ما تقدم في إعراب ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٠٠ ا] فتذكره ويصح جعله متعذيا لواحد وعلى كونه متعلقأ بعدوا يكون ثقديمه للاهتمام، ويجوز نصب شياطين بفعل مقدر وقوله يوسوس الخ تفسير للوحي هنا لأنه الشيء الخفي والوسوسة كذلك وقوله من زخرفه أي مأخوذ منه وأصل معنى الزخرف الذهب، ولما كان حسنًا في الأعين قيل لكل زينة زخرفة، وتد يخص بالباطل فيقال شيء مزخرف ونحوه مموّه لأنه من الماء وهو الذهب المذاب وأصله موه، وقوله مفعول له أو مصدر في موقع الحال بتأويل غارين، وفسره الزمخشري بقو! هـ خدعا وأخذًا على غرّة أي غفلة، وقال الراغب: غرّه غرورًا كأنما طواه على غرّة بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وهو طية الأوّل.
قوله: (ولو شاء ربك إيمانهم الخ) قدره بعضهم ولو شاء ربك أن لا يفعلوا معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف على أنّ الضمير لما ذكر بناء على المشهور ومن تقدير مفعول المشيئة ما دلّ عليه جواب لو بعده ولذا قيل في تفسيره ولو شاء ربك عدم الأمور المذكورة لا إيمانهم كما قيل فإنّ القاعدة المستمرّة إنّ مفعول المشيئة عند وقوعها شرطا يكون مضمون الجزاء، وهو ما فعلوه كما تقرّر في كتب المعاني.
(قلت) هنا ذكر فعل المشيئة سابقا فالظاهر أنه يجوز مراعاة كل منهما بحسب ما يقتضيه الحال، وهنا كذلك لأنّ المشيئة تعلقت بالإيمان في قوله: قبيله إلا أن يشاء الله والمذكور في المعاني ما لم يتكرّر فيه فعل المشيئة ولم يكن قرينة غير الجواب فاعرفه، فإنه بديع، وقيل إن جعل العدم متعلق المشيئة لا يخلو عن تكلف، فلذا جعل المفعول هنا لازمه بناء على أنه يكفي في العدمي عدم المشيئة دون مثيئة العدم كما مرّ فتأمّل، وقوله ما فعلوا ذلك يريد أنّ الضمير راجع إلى جميع ما تقدم بتأويله كما مرّوا إنما لم يرجعه إلى كل واحد على البدل لاحتياجه إلى تأويل فيما هو مؤنث كالعداوة، ثم إنه قال هنا ولو شاء ربك ما فعلوه، وفيما بعده ولو شاء الله ما فعلوه، فغاير بين الاسمين في المحلين فذكر النكتة فيه بعضهم بأنّ ما قبله من عداوتهم له كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي لو شاء منعهم عنها فلا يصلون إلى المضرة يقتضي ذكره بهذا العنوان إشارة إلى أنه مربيك في كنف حمايته، وإنما لم يفعل ذلك لأمر اقتضته حكمته وأمّا في الآية الأخرى فذكر قبله إشراكهم فناسب ذكره بعنوان الألوهية التي تقتضي الإشراك. قوله: (وهو أيضًا دليل على المعتزلة الخ) قيل أي دليل عليهم في شيئين كقوله: ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١١] ومن قدر مفعول المشيئة عدم فعل المعاداة والإيحاء، ثم قال في الآية دلالة على أن الشرور صدورها عنه بمشيئته فقد سها حيث غفل عن أنّ عدم تعلق المشيئة بعدم فعل لا يستلزم تعلقها بذلك الفعل، وفيه أنه في مثيئة العبد ظاهر، وأما في مشيئة الله على رأي أهل السنة القائلين بأنه لا يكون إلا ما يريد، فإذا عدم تعلقها بعدم شيء لزم التعلق بوجوده إذ لا واسطة بينهما فليتأمّل، وكفرهم تفسير لافترائهم وجعل ما مصدرية، ويصح أن تكون موصولة والواو بمعنى مع أو عاطفة، وذرهم أمر له بعدم المبالاة أو هو قبل النسخ كما مرّ. قوله: (وليكون ذلك جعلنا الخ) فحذف المعلل وأقيمت علته مقامه، وإنما قدره مؤخرا للاهتمام بالعلة لا للحصر. قوله: (والمعتزلة لما اضطروا الخ) يعني أن القبائح عندهم لا ينسب إليه تعالى خلقها، فلا تعلل بها أفعاله فلذلك
أوّلوها بما ذكر، والا فيجوز أن تكون حكمًا ومقاصد له تعالى، وقيل: اللام للتعليل أو للعاقبة على الاختلاف في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض، وردّ بأنه لا يخفى أنّ اللامات الداخلة على ثمرات أفعاله سبحانه عند من لم يجعل أفعاله تعالى معللة بالأغراض استعارة تبعية تشبيها للغاية بالعلة الغائية، وليس شيء منها للعاقبة كما مرّ فجعل الاختلاف في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض أم لا مدارًا للاختلاف
[ ٤ / ١١٤ ]
في كون اللام في لتصغي للتعليل أو العاقبة خطأ يعني ليس مداره ذلك بل أن الشرور هل تنسب إليه فيعلل بها أفعاله أم لا، وقوله إنه استعارة ليس بشيء أيضا لأنه يسمى لغة علة وغرضًا وتفسير الغرض بما ذكر إنما هو اصطلاج للمتكلمين وأهل المعقول، كما مرّ تحقيقه وعلى القول بأنه عطف على غرورًا وهو مفعول له ذكرت اللام لأنه غير مصدر صريح فلا ينصب على المفعولية لعدم استكمال الشروط، وهو حينئذ متعلق بيوحي. قوله: (أو لام القسم كسرت) قال الرضي: لا يجوز عند البصريين في جواب القسم الاكتفاء بلام الجواب عن نون التوكيد إلا في الضرورة، والكوفيون أجازوه في السعة وبعض العرب بكسر لام جواب القسم الداخلة على الفعل المضارع كقوله:
إذا قال قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا إنائك أجمعا
وبعضهم يجعل هذه اللام لام كي والجاز والمجرور جواب القسم، واعترض عليه ابن
هشام في المغني بأنه مفرد لا يصلح أن يكون جوابا للقسم، ويردّه أنه يقدر متعلقه فعلا، وقد مرّ في تفسير قوله: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [سررة الأنعام، الآية: ١٥٤] جواز كونه جواب الشرط، وفي الحديث: " من ترك كلا فإلئ ومن ترك مالًا فلورثتة ") ١ (وهل تلزم الفاء أم لا مرّ تحقيقه، وقال المعرب: إنها على هذا القول واقعة موقع الجواب لدلالتها عليه وليست جوابا وإنما هي الذي أقسم لأجله وقد دل على المقسم عليه فوضع موضعه، وقول المصنف كسرت لما لم يؤكد كذا قاله النحاة في وجهه: قال المعرب: ويدلّ على فساده أنّ النون قد حذفت ولام الجواب باقية على فتحها كقوله:
لئن تك قد ضاقت عليّ بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي أوسع
فقوله ليعلم جواب القسم الموطأ له باللام وهي مع ذلك مفتوحة مع حذف نون التوكيد فتأمّل. قوله: (أو لام الأمر وضعفه أظهر) أي من ضعف القسمية، وفي نسخة ظاهر لعدم حذف حرف العلة من آخره ويؤيده أنه قرئ بحذفها، وقرئ بتسكين اللام وحرف العلة قد يثبت في مثله كما خرج عليه قراءة أرسله معنا غدًا نرتعي ونلعب وإنه من يتقي ويصبر فليكن هذا مثله والأمر
حينئذ للتهديد أو للتخلية. قوله: (والصنو الميل) ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [سورة التحريم، الآية: ٤] وفي الحيث فأصغى لها الإناء وعين صغواء وصغياء بمعنى مائلة ويقال صغوت وصغيت صغوًا وصغيا فهو مما جاء واويا وبائيا، ومضارعه يصغي ويصغو ومصدره صغيا بالفتح والكسر، وزاد الفراء صغيًا وصغوًّا بالياء والواو مشددتين ويقال أصغى مثله فيصح في قول المصنف ﵀ الصغو تشديد الواو وتخفيفها. قوله: (والضمير لما له الضمير في فعلوه (يعني ضمير إليه ولذا جوّز عوده إلى الوحي وإلى الزخرف والى القول والى الغرور وإلى العداوة لأنها بمعنى التعادي كذا قال المعرب. قوله:) وليكتسبوا) الاقتراف في اللغة الاكتساب وأكثر ما يقال في الشر والذنب، ولذا قيل: الاعتراف يزيل الاقتراف، وقد يرد في الخير كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [سورة الشورى، الآية: ٢٣]، وأصله قشر لحاء الشجر وجلدة الجرج وما يؤخذ منه قرف ومنه القرفة لنوع من العقاقير، وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف وجوّز فيها المصدرية والظاهر الأوّل واليه يشير قوله من الآثام. قوله:) وغير مفعول (قدم وولى الهمزة لما تقدم في قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤، وليس للتخصيص إلا أن يراد أنه لتخصيص الإنكار لا لإنكار التخصيص، وقيل في تقديمه إيماء إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضا بكونه حكمًا وكذا الفاء لسببية الإنكار لا لإنكار السببية، وحكمًا حينئذ إمّا حال من غير الله وهو ظاهر أو تمييز أو مفعول له وعلى العكس قدم لأنه مصب الإنكار، وكون الحكم أبلغ من الحاكم لأنه صفة مشبهة تفيد ثبوت معناها ولذا لا يوصف به إلا العادل أو من تكرّر منه الحكم. قوله:) القرآن المعجز (يحتمل التوراة أيضأ لما بين فيها من نبوّته لمجي! وصفاته. قوله: (وفيه تنبيه على أن القرآن الخ (لأنّ المعنى لا أبتشي حكمأ يخر الله بعد إنزال القرآن متضمنا للأحكام فاصلا بين الحق والباطل، واعترض عليه بأن كونه مغنيا بتقريره وتفصيله ظاهر، وامّا أن يكون لإعجازه دخل في ذلك فلا.
وأجيب بأنه لا يكون إلزامًا إلا بالعلم بكون المنزل من عند الله، وهو يتوقف على الإعجاز بحيث يستغنى عن آية أخرى دالة على صدق دعواه على أنه من
[ ٤ / ١١٥ ]
عند الله وفي دلالة النظم عليه خفاء إلا أن يقال جعل الجملة الاسمية حالية دالة على تقرره وثبوته في نفسه أو أن يجعل الكتاب بمعنى المعهود إعجازه، وهذا من عدم تدبر الآية إذ المعنى لا أبتغي حكمًا في
شأني وشأن غيري إلا الله الذي نزل الكتاب لذلك وإنما يحكم له بصدق مدعاه بالإعجاز فإنهم لما طعنوا في نبوّته، وأقسموا أنهم إن جاءتهم آية آمنوا بين الله أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره بأن يوبخهم وينكر عليهم بقوله أفغير الله الخ أي " عدل عن الطريق المستقيم فأخص غيره بالحكم، وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أفحكم وألزمكم الحجة يكفي به حاكمًا بيني وببنكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من التوحيد والعدل والنبوّة والإخبار إلى غير ذلك مما هو كالعقد المفصل الذي أعجزكم عن آخركم فأجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فبكتهم على أحسن وجه، وضم إليه علم أهل الكتاب فقوله ينفي التخليط والالتباس مأخوذ من كونه مفصلا وكونه معجزًا مأخوذ من كونه مغنيا عما عداه في شأنه وشأن غيره كما مز. قوله:) بعلم أهل الكتاب) جارّ ومجرور متعلق بتأييد، وبه متعلق بعلم أي بحقيته، ولتصديقه علة العلم ووجه التأييد ظاهر، والفرق بين أنزل ونزل مرّ تحقيقه وأن الأؤل دفعيّ والثاني تدريجيّ وهو أكثري والقراءة بهما هنا تدل على قطع النظر عن الفرق وليس إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى سماء الدنيا، ثم إنزاله إلى الأرض لأنّ إنزاله دفعة إلى السماء لا يعلمه أهل الكتاب. قوله:) في أنهم يعلمون ذلك الخ (لما كان النبيّ مجشحيه لا يمتري في حقيته أجابوا عما اقتضاه ظاهر النظم بأربعة أوجه، الأوّل هذا وهو أنّ المراد امتراؤه في علم أهل الكتاب بذلك، ولعله قبل إعلام الله له إذ بعده لا امتراء فيه أيضا ولو قدم قوله بجحود أكثرهم كما في الكشاف ليبين سبب امترائه في علمهم لكان أولى، وقوله: من باب التهييج جواب ثان أي ليس المراد حقيقته بل تهييجه وتحريضه على ذلك، وتوله: (أو خطاب الرسول ﷺ الخ) جواب آخر أي أن الخطاب لأمته على طريق التعريض، وقوله: (وقيل الخطاب لكل أحد) جواب رابع والمراد كل أحد ممن يتصوّر منه الامتراء لما تقرّر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يكون لغيره كما في قوله ولو ترى إذ المجرمون فلا يرد ما قيل: إن جعل الخطاب لعموم الناس يحتاج إلى جعل العموم لما سواه أو جعل خطابه للتهييج، فيلزم الجمع بين الحاقيقة والمجاز إلا أن يجعل النهي كناية عن أنه لا ينبغي لأحد أن يمتري فيه، واليه يشير قوله: (فلا ينبغي الخ) مع أنّ الظاهر أنه جمع بين مجازين لا بين مجاز
وحقيقة. قوله:) بلغت الخ أليس المراد أنه عرض لها التمام بعد ضده بل المراد إنها بدئت كذلك، واستمرّت عليه، والفعل تد يرد لمثله نحو: ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٩٦] فليس من يدع التفاسير كما توهم، ثم لما كان التمام يعقبه النقص غالبا كما قيل:
إذا تم أمر بدا نقصه تيقن زوالًا إذا تيل تم
ذكر قوله لا مبدل لكلماته احتراسًا وبيانًا لأن تمامها ليس كتمام غيرها، وقوله في الأخبار والمواعيد بناء على أنّ الوعد خبر كما مز، وقيل إنه إنشاء وصدقها عدم الخلف فيها فالظاهر العطف بأو والنصب على الوجوه من ربك أو الكلمة. قوله: (لا أحد يبدل شيئًا منها الخ (المراد أنه لا أصدق منها فتبدل به ونفى الأصدقية يدل على نفي المساواة، كما يقال ليس في البلد أعلم من فلان كما مز تفصيله فلا يقال إنه لا ينافي جواز التبديل بما هو مثله، وقيل: الباء هنا ليست في موقعها لأنّ معنى بدله بخوفه أمنا أزال خوفه إلى الأمن وليس بوارد لأنه يقتضي أنّ الباء لا تدخل على المأخوذ وقد صرّحوا بخلافه، وفي الكشف أنه إذا قيل تبذل الكفر بالإيمان أريد أتخذ الكفر بدله فالمطلوب المأخوذ هو ما عدّى إليه الفعل بلا واسطة، وإذا قيل بدله به أريد غيره به فالحاصل ما أفضى إليه الفعل بالباء، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا أحد يبدل شيئا بما هو أصدق انتهى، فقد فرق بين بدل وتبذل وما ذكره ناشئ من عدم الفرق، وقوله: (أصدق (إن قيل الصدق لا يقبل الزيادة والنقص لأنه إن طابق الواقع فصدق والا فكذب، قيل المراد أبين وأظهر صدقا، وفي الحديث أصدق الحديث الخ قال الكرماني جعل الحديث كمتكلم فوصف به كما يقال زيد
[ ٤ / ١١٦ ]
أصدق من غيره والمتكلم يقبل الزيادة والنقص في ذلك وقيد التحريف بالشيوع لأن غيره لا ضير فيه. قوله: (على أنّ المراد بها القرآن) أي بالكلمات في هذا الوجه وفي الذي بعده وأما الأوّل فعام لسائر الكتب والأحاديث القدسية، وقوله: (بعدهما (قيد للنبيّ غ! ت والكتاب، فلا حاجة إلى أن يراد لا نبيّ بعد نبينا ﷺ، والمراد أنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا ينسخ شريعته شريعة ولا كتابة كتاب آخر ينزل فلا يدل على أنّ القرآن لا ينسخ بالحديث، ولا ينافي هذا نزول عيسى عشييه لأنه يعمل بعد النزول بشريعة نبينا لمجي!، وقوله: (ما تكلم به) فهو على هذا عامّ وعلى أن المراد به القرآن خاص قيل والكلمة تطلق على الكلام إذا كان مقصودا مضبوطا نحو كلمة زهير رضي المه عنه
لقصيدته هكذا قيدوه هنا، وأطلق النحاة فيه وقوله فلا يهملهم إشارة إلى أنّ العلم والسمع عبارة عن المجازاة كما مرّ غير مرّة. قوله: (يريد الكفار الخ) فهو عامّ والخطاب له ولأئته ىلمجرو فيشمل الفرق الضالة وغيرهم وان أريد بالأرض! مكة فلأنّ أكثر أهلها كانوا حينئذ كفارًا. قوله: (وهو ظنهم الخ) إشارة إلى أنّ اتباع الظن مطلقا ليس بمذموم كما في العمل بالظن في التحري والاجتهاد ونحوه، وقوله: (يطلق على ما يقابل العلم (أي الجهل لأنّ العلم، كما يقابل الظن والشك يقابل الجهل، فالمراد به حينئذ الاعتقاد، ويقابله الباطل ولو جزما وهو على الأوّل حقيقة فلا فرق بينه وبين تفسيره بالآراء الفاسدة والأهواء الباطلة كما قيل. قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ إن فيه وفيما قبله نافية والخرص الحزر والتخمين وقد يعبر به عن الكذب والافتراء وأصله القول بالظن وقول ما لا يستيقن ويتحقق قاله الأزهرفي، ومنه خرص النخل خرصًا وهي خرص المفتوح مصدر والمكسور بمعنى مفعول كالنقض والنقض والذبح والذبح. قوله: (فإن أفعل لا ينصب الظاهر الخ (أي على الصحيح وبعض الكوفيين يجوّزه، وقوله في مثل ذلك أي مما أريد به التفضيل أما إذا جرد لمعنى اسم الفاعل فمنهم من جوّز نصبه كما صرّح به في التسهيل وحينثذ يؤتى بمفعوله مجرورا بالباء أو اللام كقول المصنف رحمه الله تعالى بالفريقين فإذا لم ينصبه قدر له فعل يدل عليه أفعل كما قاله الفارسي وخرج عليه قوله:
أكر وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا
لأنه ضعيف لا يعمل عمل فعله، والفعل المقدر هنا يعلم، وقيل معنى في مثل ذلك مثل
هذا الكلام وإنه ذكر في علم النحو إن اسم التفضيل لا يعمل في المظهر إلا إذا كان لشيء وهو في المعنى لمتعلق ذلك الشيء المفضلى باعتبار الأوّل على نفسه باعتبار غيره منفيا مثل ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد لأنه بمعنى حسن، وهو يريد مسألة الكحل وفي تلك المسألة لا ينصب الظاهر بل يرفعه والكلام ثمة في عمل الرفع لا في عمل النصب فهذا، وهم ويبعد أن يريد بمثل ذلك المفعول به احترازًا عن الحال والمفعول فيه والتمييز فإنها شنصبها أعلم،
وقوله: (معلق عنها الفعل المقدّر) التعليق إبطال العمل لفظا لا محلًا والإلغاء إبطاله لفظأ ومحلًا كما يعلم من كتب النحو. قوله: (فتكون من منصوية الخ) يعني بالفعل وهو يعلم، وفاعله ضمير ألله كما أشار إليه المصنف وحمه الله وهذا على قرأءة يضل بضم الياء، وأما على القراءة الأولى فلا تصح الإضافة وجوّز أن تكون استفهامية معلقا عنها الفعل أيضًا وإذا جرّت بالإضافة فالمعنى أعلم المضلين، وكذا على الثاني أعلم المضلين أي من يجد الضلال من أضللته وجدته ضالًا، ومجرورة بالنصب عطف على منصوبة قيل فيكون لقوله: أي يضله الله مدخل في هذا الإعراب كما في إعراب النصب كما يدل عليه الفاء التفريعية في قوله فتكون وأنت خبير بعدم استقامته أما إذا كان المضلين اسم فاعل فظاهر لأن من حينئذ يكون عبارة عن الضالين، أي على أن الفاعل ضميره تعالى وأما إذا كان اسم مفعول مع أنه غير شائع في الاستعمال فلأنّ المضاف ليس من جنس المضاف إليه ولا مجال لكون الإضافة للتخصيص، فأما أن يقال التفريع على هذه القراءة ولا مدخل للتفسير فيه لكنه خلاف الظاهر أو يقال توله مجرورة مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة عطف على التفريع والمفرع عليه ولو صرّج به وغير عبارته لكان أوضح.
(قلت) ضمير يضل
[ ٤ / ١١٧ ]
في الإضافة عائد على من وتركه لظهوره فادّعاء عدم الظهور فيه مكابرة، وعلى هذه القراءة كان الظاهر أن يقال بالمهديين، وكان وجه العدول عنه الإشارة إلى أن الهداية صفة سابقة ثابتة لهم في أنفسهم كأنها غير محتاجة إلى جعل لقوله: كل مولود يولد على الفطرة بخلاف الضلال فإنه أمر طارئ أوجده فيهم فمن قال: يرد عليه إنّ سياق الكلام لبيان الضالّ لا المضل ويدذ عليه قوله وهو أعلم بالمهتدين فليس من المهتدين لهذه النكتة، وكيف يصح ما ذكره بعد القراءة بها. قوله: (والتفضيل الخ) يعني زيادته إمّا في المعلومات أو في وجوه العلم أو باعتبار الكيفية وهي لزوم علمه أو كونه ذاتيا. قوله: (مسبب عن إنكار الخ) لأنه أنكر اتباع المضلين ومن جملة ما هم عليه الذبائح للأصنام وغيرها، وتحريمهم الحلال كالصوائب والبحائر وتحليل الحرام كالميتة وما ذبح لغير الله. قوله: (لا مما ذكر عليه اسم غيره) قيل الحصر مستفاد من عدم اتباع المضلين ومن التقييد بالشرط المذكور، وقيل من سبب النزول وانّ نزاع القوم إنما هو في الميتة دون ما ذكر عليه اسم الله فلو لم يكن المراد إباحة ما ذكر اسم الله عليه فقط لكان الكلام متعرضا لما لا يحتاج إليه ساكتا عما يحتاج إليه، وقيل عليه لا حاجة إلى هذا والنفي المذكور مستفاد من صريح النظم وهو قوله ولا تأكلوا مما لم الخ فإنه
وقوله وذروا الخ معطوفان على قوله فكلوا، وقوله وما لكم من تتمة المعطوف عليه يشير إلى أنّ التسبب باعتبار المعطوف ولا دخل فيه للمعطوف عليه، وفائدته الرذ على من تحرّج من المسلمين في أكل الذبيحة وان ذكر عليها اسم الله كما صرح به في قوله: وما لكم أن لا تثلوا الخ تقريعا لهم على ذلك، ويردّه أنهم جعلوا هذا النفي مأخوذًا من المعطوف عليه فقط مستفادًا من قبل ذكر المعطوف فلا بد من ملاحظة ما ذكره النحرير كغيره. قوله: (حتف أنفه (أي من غير ذبح ونحوه قال الجوهري: ولم يسمع له فعل، وحكى ابن القوطية في أفعاله له فعلًا وهو حتفه الله يحتفه من باب ضربه إذا أماته قيل أوّل من تكلم حتف أنفه النبيّ لمجور فهي لغة إسلامية وليس كذلك فإنهم تكلموا بها في الجاهلية قال السموأل:
ومامًات مناسيدحتف أنفه ولاضل مناحيث مات قتيل
وخص الأنف لأنهم أرادوا أنّ روحه تخرج من أنفه بتتابع أنفاسه فتخيلوا خروج روج المريض من أنفه والجريح من جراحته. قوله: (إن كنتم بآياته مؤمنين) أي إن صرتم عالمين حقائق الأمور بسبب إيمانكم بالله وهذا من جملة ذلك فألزموه وقيل إن كنتم متيقنين بالإيمان، وعلى يقين منه فإنّ التصديق يختلف ظنا وتقليدا وتحقيقًا. قوله: (وأيّ غرضى لكم الخ) اختلف في سبب نزول الآية فقال علم الهدى سببه أن المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيبات تقشفا وتزهدًا، ويؤيده قوله مالكم الخ، ثم إنه قيل إنه يجوز اكل مما ذكر اسم الله عليه وغيره معا، وليست من التبعيضية لإخراجه بل لإخراج ما لم يؤكل منه كالروث والدم، وهو خارج بالحصر السابق كما نطق به كلامه، وقوله: في أن إشارة إلى تقدير في قبل المصدر المؤوّل وليس حالًا كما أعربه بعضهم لأنّ المصدر المؤوّل من أن والفعل لا يقع حالًا كما صرح به سيبويه لأنه معرفة ولأنه مصدر بعلامة الاستقبال المنافية للحالية، وان أيده وقوع الحال بعده كثيرًا نحو ما لهم عن التذكرة معرضين إلا أن يؤوّل بنكرة أو يقدر مضاف، وقوله بقوله: حرمت عليكم الميتة تبع فيه الزمخشري، وقد ردّه الإمام وغيره بأنّ الصواب بقوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٥ ا] الآية فبقي ما عدا ذلك على الحل لا بقوله حرّصت الخ لًا نها مدنية، وأما التاخر في التلاوة فلا يوجب التأخر في النزول وقيل: التفصيل بوحي غير متلو كما أشير إليه في قوله قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرما الآية وفصل وحرم قرئ كلى منهما معلوما ومجهولًا. قوله: " لا ما اضطررتم إليه) ظاهر تقرير الزمخشري أنّ ما موصولة فلا
يستقيم غير جعل الاستثناء منقطعًا، قيل ولك أن تجعله استثناء من ضمير حرم، وما مصدرية في معنى المدّة أي الأشياء التي حرّمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها، وفيه أنه لا يصح حينئذ الاستثناء من الضمير بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر ومن في مما حرم تبعيضية وضمير إنه راجع لما. قوله: (وقيل الزنا في الحوانيت
[ ٤ / ١١٨ ]
واتخاذ الأخدان) جمع خدن وهو الصاحب، وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب لزنا وغيره من الشهوات النفسانية فيقال خدن المرأة وخدينها وهذا لف ونشر مرتب للظاهر والباطن، وكانوا في الجاهلية يستحلون زنا السرّ، وأفاد الطيبي أنه على هذا الوجه مقصود العطف مسبب عن عدم الاتباع وعلى الأوّل معترض للتًا كيد، وهو الوجه، ولذا أخره المصنف رحمه الله تعالى.
قوله: (ظاهر في تحريم الخ) أي من الحيوان وذهب عطاء وطاوس إلى أنّ متروك التسمية حيوانًا أو غيره حرام لظاهر الآية ولكن سبب النزول يؤيد خلافه كما احتج عليه من عداه. قوله: (وقال مالك (الذي في شروح الهداية عنه أنه تال: بالحرمة مطلقا، وفي الانتصاف وصاحبه من أئمة المالكية أنّ مذهب مالك يوافق مذهب أبي حنيفة وأما هذا فرواية شاذة عن أشهب فعنة في ذلك روايتان أشهرهما موافقة أبي حنيفة ﵀. قوله: (ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه) ذكر الضمير لتأويله بالمذبوج وهذا الحديث رواه أبو داود في المراسيل ولفظهإ ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر ") ١ (. قوله: (وفرق أبو حتيفة ﵀ الخ) قال النحرير: أما الناسي فلأنّ تسمية الله في قلب كل مؤمن على ما روي أنه ىلمجي! سئل عن متروك التسمية ناسيا فقال: " كلوه فإنّ تسمية الله في قلب كل مسلم " و! م يلحق به
العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وان كان منصوص العلة وأمّا لأنه ترك التسمية عمدًا فكأنه نفى ما في قلبه واعترض بأن تخصيص العامّ الذي خص منها البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقا وبأنا لا نسلم أنّ التارك- عمدا بمنزلة النافي لما في قلبه بل ربما يكون لوثوقه بذلك وعدم افتقاره إلى الذكر فذهبوا إلى أنّ الناسي خارج بقوله وإنه لفسق إذ الضمير عائد إلى عدم ذكر التسمية لكونه أقرب المذكورات، ومعلوم أنّ الترك نسيانا ليس بفسق لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه فتعين العمد، وقد عرفت ما فيه، وفي هذا المقام تحقيقات من أرادها فعليه بشروح الكشاف. توله: (وأوّله) وفي نسخة وأوّلوه وظاهر النسخة الأولى إنه تأويل أبي حنيفة ﵀ والذي في الكشاف إنه تأويل الشافعي ﵀ وهو الظاهر، واعترض بأنه عند أبي حنيفة أن متروك التسمية عمدًا حرام أيضا، فالواجب أن يقول وبالمتروك التسمية عمدا فتأويله عند أبي حنيفة بالميتة لا غير يجعل المتروك التسمية عمدا داخلًا في الميتة دون المتروك نسيانًا، ولك أن تحمل كلام المصنف ﵀ على أنه تأويل لمذهبه أو من طرف أبي حنيفة ﵀ لمن استدل عليه بالآية بإخراجه منها هاثبات مدعاه بالحديث، والظاهر أن أو في كلامه للترديد أي منهم من أوّله بهذا، ومنهم من أوّله بذاك بدليل قوله فإنّ الفسق الخ وقوله وهو يؤيد التأويل بالميتة فإنه يدل على أنه تأويل على حدة، وقيل إنها للتنويع وهو تأويل واحد. قوله: (وإنه لفسق الخ) هذا ملخص ما ذكره الإمام استدلالًا للشافعي ﵀ بأنّ النهي مقيد بقوله وإنه لفسق لأن الواو للحال لقبح عطف الخبر على الإنشاء والمعنى لا تأكلوه حال كونه فسقا ثم إنّ الفسق مجمل يفسره قوله: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣] فيكون النهي مخصوصًا بما أهل لغير الله به فيبقى ما عداه حلالًا إما بالمفهوم أو بعموم دليل الحل أو بحكم الأصل واعترض! عليه بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة مع أنه سبب النزول وبأنّ التأكيد بأنّ واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه إنما يحسن فيص قصد الإعلام بتحققه البتة، والردّ على منكر تحقيقا أو تقديرًا على ما بين في المعاني والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير كأنه قيل لا تأكلوا منه إن كان فسقا فلا يحسن وإنه لفسق بل وهو فسق وأجيب عن الأوّل بأنه دخل بقوله وإنه لفسق ما أهل به لغير الله، وبقوله وإنّ الشياطين الخ الميتة فيتحقق قول الشافعي إنّ هذا النهي مخصوص بما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه، وعن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق هاهنا الإهلال لغير الله كان التأكيد مناسبًا كأنه قيل لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرونه وفيه أنه وقع في بعض كتب المعاني في قوله:
إنّ بني عمك فيهم رماج
أنّ الجملة المصدرة بأن لا تقع حالًا لأنها حرف لا يكاد يرتبط ما صدر به بما قبله إلا أن كلامهم هنا لا يوافقه، ولم ينكروا على الرازي إعرابها حالية، وقد قال الفاضل اليمني في قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٦ ا]
[ ٤ / ١١٩ ]
لا امتناع في تصدير الجملة الحالية بأنّ والنحرير أشار إلى تفصيل فيه وهو من الفوائد البديعة. قوله: (والضمير لما الخ) أئا بتقدير مضاف أي أكله أو جعله عين الفسق مبالغة، ولم يجعل الضمير للمصدر المأخوذ من مضمون لم يذكر اسم الله عليه أي إن ترك ذكر اسم الله عليه فسق لأن كون ذلك فسقا لا سيما على وجه التحقيق، والتأكيد خلاف الظاهر، ولذا لم يذهبوا إليه ولأنّ ما لم يذكر اسم الله عليه شامل للميتة مع القطع بأنّ ترك التسمية عليها ليس بفسق كذا قيل، وقيل عليه إنّ الضمير يرجع إلى ما باعتبار أحد متناوليه والمعنى لا تأكلوا الميتة وما أهل لغير الله به، فإنّ عدم التسمية على الثاني فسق دمانّ الكفار يجادلونكم في أكل الأوّل، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ من جملة الدليل دال على أحد شطري المدعي وهو مع تكلفه ليس مطابقا لكلام المعترض فإنه على تقديره رجوعه إلى المصدر لا إلى ما وهذا من جملة أوهامه، والمراد بما قتله الله الميتة. قوله: (وإنما حسن حذف الفاء الخ) تبع فيه أبا البقاء ﵀، وقيل عليه إنّ هذا لم يوجد في كتب العربية بل اتفقوا على أنّ ترك الفاء في الجملة الاسمية لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وكأنه قاسه على جواز عدم جزم المضارع في الجزاء إذا كان الشرط ماضيا فالتوجيه في تركها ما ذكر الرضي وأبو حيان، والمعرب إنه على تقدير القسم وحذف لام التوطئة فلذلك أجيب القسم والأصل والتقدير ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده وأتا ما ادّعاه من أنّ حذف الفاء مخصوص بالضرورة فليس كما قال فإنّ المبرد أجازه في الاختبار كما ذكره المرادي في شرح التسهيل، وقول ابن مالك: توضيحه ما زعمه النحويون من أنه مخصوص بالضرورة ليس بصحيح بل يكثر في الشعر، يقل في غيره كما في الحديث: " إنك إن تاع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة " (١ (فمن خص الحذف بالشعر فقد حاد عن التحقيق، وضيق حيث لا تضييق انتهى، فيه نظر لأن الكلام في حذفها وحدها إمّا تبعية للجملة أو بعض أجزائها فليس محل الخلاف كما في الحديث فرث أمر يغتفر تبعًا ولا يغتفر استقلالًا. قوله: (مثل به من هداه الله الخ) قيل هما
تمثيلان لا استعارتان كما مرّ في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩ ا] وردّ بأنّ الظاهر أنّ من كان ميتا ومن مثله في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحًا يحاولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبه والثانية مشبه به، وهذا كما تقرل: في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب أي الشجاع كالجبان.
(قلت) وهذا من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ فإنهم ذكروا أن التشبيه
ينافي الاستعارة بل شرطوا فيها أن لا تشمّ رائحته، والمراد إن التشبيه الواقع في تلك الاستعارة أو في شيء منها مناف لها وأمّا تشبيه المعنى المستعار بعد تقرّر التجوّز فيه بمعنى آخر حقيقي أو مجازي كما هنا فلا ينافيها، كما صرّح به المحققون من شراح الكشاف، وقد أومأ إليه الشريف أيضا في سورة البقرة في قوله:
كان أذني قلبه خطلًا وان
فتدبره بأذن واعية، وقوله ميتًا على الأصل يعني بالتشديد، وقوله: (صفته (بيان لأنّ
المثل هنا بمعنى الصفة كما في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ اسورة الأنعام، الآية: ٢٢ ا] الآية لكنه يختص بالصفة الغريبة كما مز تحقيقه في أوّل سورة البقرة. قوله: (وهو مبتدأ خبره الخ) في الكشاف كمن صفته هذه وهي قوله: إ في الظلمات ليس بخارج (منها بمعنى هو في الظلمات ليس بخارج منها كقوله مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار أي صفتها هذه، وهي قوله فيها أنهار يعني أن جملة هو في الظلمات ليس بخارج منها وقعت خبر المبتدأ الذي هو مثله على سبيل الحكاية، بمعنى إذا وصف يقال له ذلك، وجملة مثله مع خبره صلة الموصول ففي الظلمات خبر هو مقدرًا، ولا يصح أن يكون خبر مثله لأن في الظلمات ليس ظرفًا للمثل وضمير هو وضمير ليس راجعان لمن إذا عرفت هذا فقد قيل إن في كلام المصنف رحمه الله تعالى اختلالًا إلا أن يتكلف ويفسر قوله، وهو مبتدأ بمعنى لفظ هو مبتدأ حتى قيل إن في النسخة تحريفًا من الناسخ ولعل لفظه خبره هو في الظلمات (قلت أليس الأمر كما زعم فإن ما ذكره المصنف ﵀ صزج به المعربون كالسمين وأبي البقاء فإنه قال في الظلمات خبر مثله ولم يقدر هو مبتدأ وهو لا يلزمه أن يكون في
[ ٤ / ١٢٠ ]
الظلمات ظرفًا للمثل لأنّ المراد أنّ مثله هو كونه في الظلمات والمقصود الحكاية وليس تقدير الزمخشري هو إلا لأجل التوضيح لذلك وليس بضروري، فإن المثل بمعنى الصفة وهي مبهمة، وقوله في الظلمات الخ مبين لتلك الصفة ولش! الضمير الذي فيه يرجع للمثل حتى يلزم ما توهمه لأنّ الخبر عين
المبتدأ فلا يحتاج إلى عائد كما إنه لو قدر هو كذلك فتأمّله فإنه حقيق بالتأمّل، ومن فسر كلام المصنف بما في الكشاف وشروحه فقط خبط هنا إلا أنّ ما قاله الزمخشري أحسن لأنّ خبر مثله لا يكون إلا جملة تامّة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدّي مؤدّاه كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣٥] فاعرفه، وقوله للفصل ولأنه لا يخبر عن المبتدأ إلا بعد ذكر ما هو من تتمته مع أنّ المعنى ليس عليه فالمراد بقوله صفته صفته الغريبة العجيبة فإنّ المثل مخصوص به وتركه اعتمادًا على ما تقدم في سورة البقرة فلا يرد عليه ذلك كما قيل، وقوله للفصل أي بالخبر ولضعفها من المضاف إليه لا لعدم مساعدة المعنى كما قيل. توله: (كما زين الخ) قيل هذا بعيد والظاهر أن يجعل المشار إليه إيحاء الشياطين، وكأنه إنما قدّره بقرينة سبب النزول فالمراد بالمؤمنين حمزة وعمر وعمار ﵃ والكافرين أبو جهل فإنّ الأوّلين زين لهم إسلامهم وهو زين له عمله. قوله: (أي كما جعلنا في مكة كابر مجرميها الخ) قال الطيبي: هذا مشعر بأنّ قوله أو منك ان ميتا الآية متصل بقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢١] لأنّ الضمير المرفوع للمسلمين والمنصوب للمشركين وهم الذين قيل فيهم: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٦ ا] وهم الذين قالوا للمسلمين: إنكم تزعمون إنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم والجملة الشرطية أي وان أطعتموهم إنكم الخ متضمنة لإنكار عظيم وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢٢] الخ أمّا حال مقرّرة للإنكار إذ الموحد والمشرك لا يستويان فتأمله. قوله: (ومفعولاه أكابر مجرميها على تقديم المفعول الثاني الخ (إذا كان جعل بمعنى صير تعدّى لمفعولين واختلف في تعيينهما فقيل في كل قرية مفعول ثان مقدم وأكابر مجرميها بالإضافة هو الأوّل، وقيل أكابر مفعول أوّل ومجرميها بدل منه فاله أبو البقاء، وقيل أكابر مفعول ثان قدم ومجرميها مفعول أوّل لأنه معرفة فتعين إنه هو المبتدأ بحسب الأصل والتقدير جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجارّ والمجرور بالفعل، ولما كان في كل عصر مجرم كان معلوما، وإنما المطلوب كونه من الرؤساء، واعترض على هذا أبو حيان بأنه خطأ وذهول عن فاعدة نحوية وهي إن أفعل التفضيل إذا كان بمن ملفوظا بها أو مقدرة أو مضافا إلى نكرة كان مفردًا مذكرا دائما سواء كان لمفرد مذكر أو لغيره، فإن طابق ما هو له تأنيثا وجمعا وتثنية لزمه أحد أمرين إما الألف واللام أو الإضافة إلى معرفة فالقول بأنّ مجرميها بدل من أكابر أو مفعول خطأ لالتزامه أن يبقى مجموعا وهو غير معرف بأل ولا مضاف لمعرفة وذلك لا يجوز، قال: وقد تنبه لهذا الكرماني إذ قال: إضافة أكابر إلى مجرميها
لأنّ أفعل لا يجمع إلا مع الألف واللام أو الإضمافة ولو قال إلى معرفة لكان أولى، وهو غير وارد لأنّ أكابر وأصاغر أجرى مجرى الأسماء لكونه بمعنى الرؤساء والسفلة، وما ذكره إنما هو إذا بقي على معناه الأصلي، ويؤيده قول ابن عطية ﵀ إنه يقال: أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة كما قال:
إنّ الأحامرة الثلاث تولعت
وانّ ردّه أبو حيان بأنه لم يعلم أحد من أهل اللغة والنحو أجاز في جمع أفضل أفاضلة
وفيه نظر، وأمّا الجواب بأنه على حذف المضاف المعرفة للعلم به أي أكابر الناس، أو أكابر أهل القرية فلا يخفى ضعفه. قوله: (ويجوز أن يكون مضاقًا إليه إن فسر الجعل بالتمكين الخ) كون الجعل بمعنى التمكين أي الاستقرار في المكان إنما هو إذا تعدى لمفعول واحد وكأن هذا إنما جاء من تعلق في كل قرية به وقد قدم إنه إذا تعدى لواحد يكون بمعنى خلق، وبه صرّج النحاة، ولما كان غير مناسب هنا فسره بما ذكر وهو راجع لمعنى التصيير، وقيل إنه عطف على قوله مجرميها بدل ولا يلزم أن يكون بمعنى التمكين بل يجوز كونه بمعنى التصيير والظرف مستقرّ أي صيرنا أكابر مجرميها موجودين في كل قرية، وعلى تفسيره بالتمكين فالتمكين حيحئذ من المكان وان جعل من المكنة لا يصح إلا بجعل ليمكروا مفعولًا ثانيًا، أي مكنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها أي جعلناهم متمكنين للمكر
[ ٤ / ١٢١ ]
فيها، فمن قال: لا يحتاج إلى هذا إلا على تقدير كون ليمكروا مفعولًا ثانيا فقدسها وان كان كلاما مستأنفا يرد عليه إنّ كونه مضافا إليه لا يتوقف على هذا التفسير، وغاية ما يمكن في توجيه كلام المصنف إنه عطف على قوله مفعولاه أكابر مجرميها ردًّا لقول الإمام أنه لا تجوز الإضافة لأنّ المعنى لا يتم إذ يحتاج إلى مفعول ثان للجعل، وعلى هذا التفسير يتم المعنى فتجوز الإضافة، وفي قوله أو في كل قرية إشارة إلى رد آخر وهو مبني على تمام الكلام عند قوله مجرميها، وكون اللام للمصلحة وظاهر كلام الزمخشري أن جعلنا بمعنى صيرنا والظرف لغو وأكابر أوّل المفعولين مضاف لمجرميها وليمكروا الثاني كما ذكره النحرير، قيل عليه لا تخصيص للإضافة بهذا المعنى، بل يصح مع جعل الجعل بمعنى التصيير والمفعول الثاني لا يتعين أن يكون مجرميها كما مرّ، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني ليمكروا فيها وهو مقتضى سوق الكشاف كما ذكره النحرير وفيه أنّ اللام سواء كانت للغرض أو للعاقبة متعلقة بالجعل لا محالة (قلت) يعني إنه على الإضافة لا يصح جعل ليمكروا مفعولًا ثانيًا لأنّ المعنى يأباه، ولا في كل قرية لأنّ جعل مجرمي القرية في القرية
لغو من الكلام لا يفيد، وجعل أصل الكلام أكابر المجرمين فأضيف إلى ضمير القرية لزيادة الربط تكلف مستغنى عنه، فتعين أن يكون متعديا لواحد بمعنى مكناهم لأن معنى جعل زيد في البيت إسكانه وتمكينه فيه وكأنه معنى مجازي، وقى عليه جعل جعل بمعنى خلق ومنه يعلم ما وقع في بعض الحواشي، وقوله إذا أضيف يعني لمعرفة وهو الواقع وترك التصريح به لأنه معلوم، وقال النحرير: قيل في كل قرية أكابر مفعولًا جعلنا ومجرميها بدل أو مضاف إليه بدليل قراءة أكبر مجرميها، وقيل أكابر مجرميها مفعولاه بتقديم الثاني وفي كل قرية لغو، والذي يقتضيه النظر الصائب، والتأمّل الصادق إنّ في كك قرية لغو وأكابر أوّل وليمكروا ثان انتهى. قوله: (زاحمنا بني عبد مناف) يعني نافسناهم في الشرف، وقوله: (كفرسي رهان) هو مثل يضرب للتساوي ولما كان فرسا الرهان لا يلزمهما التساوي إذ قد يسبق أحدهما فسره في النهاية بقوله سابقان إلى غاية، وقال غيره المراد التشبيه باعتبار ابتداء الجري والخروج للرهان لا باعتبار النهاية. قوله: (استئناف للرذ عليهم الخ) أي جواب سؤال نشا من قولهم لن نؤمن الخ أي فما كان جواب الباري تعالى لهم قوله: وإنما هي بفضائل الخ في المواقف لا يشترط في الإرسال استعداد ذاني بل الله يختصبرحمته من يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالاته فقيل عليه دلالة الآية على الاستعداد أظهر لما روي عن أبي جهل ولما ذكره المصنف ﵀، وهذا لا يستلزم الإيجاب الذي يقوله الفلاسفة لأنه إن شاء أعطى النبوّة وان شاء أمسك وأن استعد المحل.
(قلت (مراد صاحب المواقف أيضا بالاستعداد الذاتي الموجب لأنّ عادته تعالى أن يبعث
من كل قوم أشرفهم وأطهرهم جبلة فلا يرد عليه ما ذكر، ثم إنّ قوله أعلم بالمكان يريد أنّ حيث خرجت عن الظرفية بناء على القول بتصرفها، ولا عبرة بمن أنكره فهي مفعول به وناصبه فعل مقدر أي يعلم وترك التنبيه عليه اعتمادا على ما سبق فلا يرد عليه أنه يقتضي نصب أفعل التفضيل للمفعول به كما توهم وفي كتاب الشعر لأبي عليّ رحمه الله تعالى الجملة بعد حيث إذا وقعت مفعولًا به صفة، والمعنى حيث يجعله أي يجعل فيه قيل، وعبارة المصنف ﵀ تدلّ عليه، ويحتمل الإضمافة أيضا، وقال الرضي: والأولى أنه مضاف ولا مانع من إضافته وهو اسم إلى الجملة وفيه بحث، وقال ابن الصائغ: ولا يصح في حيث هنا الجرّ بالإضافة لأن أفعل بعض ما يضاف له ولا نصبه بأفعل نصب الظرف لأنّ علمه تعالى غير مقيد بالظرف، وردّ بأنه يجعل تقيده به مجازيا باعتبار ما تعلق به، وهو أولى من إخراجه عن الظرفية فإنه ممتنع أو
نادر، فإن قلت ذكر المفسرون والمتكلمون أنّ الآية ردّ على الفلاسفة والمتكلمين وهؤلاء إنما ذكروا النبوّة والمذكور في الآية الرسالة، فلا دليل فيها، قلت: إثبات الأخص أعني الرسالة يلزم منه إثبات الأعمّ أعني النبوّة الذي نازع فيه الفريقان، وهذا مع ظهوره لم يتعرّضوا له لأنهم إنما ينكرون الرسالة لأنها هي التي تضرهم أو لأنه يلزم من إنكار الأعمّ، وانتفائه انتفاء الأخص. قوله: (دّل وحقارة الخ) كونه بعد الكبر مستفاد من قوله سيصيب ومن وصفهم بأكابر قبله، وهو أشنع فلذا قيده به، وقوله: (يوم القيامة) تفسير
[ ٤ / ١٢٢ ]
للعندية كما يقتضيه المقام، وقد يفسر بعلمه وقدرته فإن لكل مقام مقالًا. قوله: (وقيل تقديره من عند الله) قال الفراء: إنه اختار هذا أكثر المفسرين ولا يجوز في العربية أن تقول جئت عند زبد وأنت تريد من عند زيد انتهى، والى ضعفه أشار المصنف ﵀ بتمريضه وتأخيره، وقوله بسبب مكرهم إشارة إلى أنّ الباء للسببية وما بعده إلى أنها للمقابلة كما في بعثه بكذا، وفسر الهداية بالتعريف لأنّ تعريف الطريق دلالة. قوله: (فيتسع له ويفسح فيه) وفي نسخة وينفسح وهو بمعنى يتسع أيضًا وأصل معنى الشرح الشق والفتح وهو يقتضي السعة والفسح فإنه إذا شرح جسم انبسط وظهر ما تحته ولذا قابله بالضيق هنا والواسع يقبل ما يدخله بسهولة فلذا جعل عبارة عن كونه قابلا للحق مفرغا عن غيره إذ لو اشتغل به لم يكن متسعًا، وهذا على طريق التمثيل والتجوّز، فقوله كناية أراد به معناها اللغوي وهو إنه عبارة عن ذلك والا فهو بناء على من لا يشترط فيه إمكان المعنى الحقيقي. قوله: (وإليه أشار عليه أفضل الصلاة والسلام الخ) هذا الحديث (١ (ساقه أكثر المفسرين هنا وقد أخرجه الفريابي وابن جرير والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود ﵁ يعني أنّ النبئ ﷺ سئل عن معنى شرح الصدر في هذه الآية فذكره والإنابة
إلى دار الخلود بمعنى الميل إلى ما يقرب من الجنة والتجافي البعد عن الدنيا، وقوله بحيث ينبو أي يمتنع عن قبول الحق، وهو بيان لأنه ضد شرح الصدر، وقوله:) وصفا بالمصدر (أي للمبالغة وكذا ضيقا في أحد وجوهه وأصل معناه شدة الضيق، فإن الحرجة غيضة أشجارها ملتفة بحيث يصعب دخولها. قوله:) كأنما يصعد الخ) فسره ابن عباس ﵄ بقوله، فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد في قلبه حتى يدخله وبه يتضح معنى التشبيه والامتناع فيه عادي، وقوله: (بمن يزاول الخ) تفسير لصيغة التفعل إشارة إلى أنه للمزاولة والتكلف، وقوله وقيل معناه محصل الأوّل محاولة ما لا يقدر عليه ومعنى هذا تباعده عن الحق ونبوّة عنه، وأصل يصعد ويصاعد يتصعد ويتصًا عد فأدغمت التاء في الصاد من الصعود وهذه الجملة مستأنفة، وؤاء. جوّز فيها الحالية أيضا. قوله: (كذلك) يجوز فيه التشبيه كما ذكره المصنف وأن يكون إشارة إلى الجعل المذكور بعده كما مرّ خقيقه، وقوله العذاب أو الخذلان فوصف الخذلان ومغ التوفيق بنقيض ما يوصف به التوفيق من أنه طيب، أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب، وقوله للتعليل لأنّ سبب خذلانهم وعذابهم عدم إيمانهم. قوله: (الطريق الذي ارتصاه الخ) يعني إضافة صراط إلى الرب إن كانت للتشريف فالمراد به الطريق المرضي وهو يناسب الإشارة إلى بيان القرآن أو الإسلام ومستقيمًا بمعنى لا عوج فيه حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل هذا أبوك عطوفا، وان جعلت بمعنى الطريق الذي أوجده على مقتضى الحكمة شمل الهداية والإضلال لأنهما طريقان للفلاح والخسران وهو يناسب جعل الإشارة إلى ما سبق ومستقيما حال مؤسسة إن أخذ على ظاهره، والعامل اسم الإشارة أو ها التي للتنبيه وان فسر
بما ذكره المصنف فمؤكدة، وعاملها مقدر كما أشار إليه بتمثيله بقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩١] والمراد بالعوج في قوله لا عوج العوج المعنوي، وقوله مطرد إشارة إلى أنّ الاستقامة بمعنى الاطراد والدوام ولا وجه لما قيل إن كل حال مؤكدة يحتمل أن تكون مقيدة بهذا الاعتبار ولم يقل به أحد والعامل في الحال على كل حال معنى الإشارة أو التنبيه، وقوله دار الله إشارة إلى أنّ السلام اسمه تعالى أضيف إليه للتشريف، أو بمعنى السلامة من المكاره أو دار تحيتهم به فيكون السلام بمعنى التسليم لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [سورة يونى، الآية: ٠ ا] . قوله: (في ضمانه الخ) أي معنى العندية أنه تكفل بها تفضلًا بمقتضى وعده فلا يرد عليه إنه تبع الزمخشري فيه وهو على مذهبه في الوجوب على الله، أو إنها مدخرة لهم لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٧] وفسر بأنهم في منزلة وضيافته وكرامته ويحتمل أن يكون قوله عند الله فيما سبق من قوله: ﴿صَغَارٌ عِندَ اللهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤ ا] بهذا المعنى على سبيل التهكم. قوله: (بسبب أعمالهم الخ) يعني الوليّ إن كان بمعنى الموالي أي المحب أو الناصر فالباء للسببية وان كان بمعنى المتولي فهي
[ ٤ / ١٢٣ ]
للملابسة بتقدير مضاف أي يتولاهم ملتبسا بجزاء أعمالهم أي يعد لهم الثواب، ويوم نحشرهم منصوب على الظرفية، والعامل فيه اذكر مقدّرًا أو نقول أو كان ما لا يذكر لشناعته كما ارتضاه الزمخشري وقوله من إغوائهم يعني أنه بتقدير مضاف إذ لا معنى لاستكبارهم بحسب الظاهر أو هو عبارة عن جعلهم أتباعًا. قوله: (بأن دلوهم على الشهوات الخ) هذا محصل ما في الكشاف، ومعنى يعوذون أنّ الرجل منهم كان إذا نزل واديًا وخاف قال: أعوذ برب هذا الوادي يعني كبير جنه، ومعنى إجارتهم إنقاذهم كما ينقذ الجار جاره وأصل معناه المنع كما قال:
هم المانعون الجار حتى كأنهم لجارهم فوق السماكين منزل
وقوله: (وهو اعتراف الخ) يعني قوله: (ربنا استمتع) إلى هنا وإنما جعله للتحسر لعدم
فائدة الخبر ولازمها وهو ظاهر. قوله: (منزلكم الخ) يعني منوي إما اسم مكان أو مصدر فإذا كان مصدرأ فالحال من الضمير ظاهرة لأنه عامل فيه لأنه مضاف إلى فاعله، والحال لا يكون من المضاف إليه إلا إذا كان المضاف عاملًا أو جزأه أو كجزئه، وأما إذا كان اسم مكان فلا يكون عاملًا فلذا قدر العامل أي يبوّؤن فيها خالدين، وأما قول أبي البقاء، وتبعه المصنف ﵀ إنّ العامل معنى الإضافة فقد رذوه بأنّ النسبة الإضافية لا تعمل ولا يصح أن تنصب الحال وسيأتي تفصيله. قوله: (١ لا الآوقات الخ الما كان الخطاب للكفرة، وهم لا يخرجون من النار لأنّ ما قبله بيان حالهم فيبعد جعله شاملا للعصاة ليصح الاستثناء باعتباره مع أن استعمال ما للعقلاء قليل وجهوه، بأن المراد النقل من النار إلى الزمهرير أو المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله وهو مما لا يكون مع إبراز في صورة الخروج، وأطماعهم في ذلك تهكمًا وتشديدا للأمر عليهم وما مصدرية وقتية ولخفاء هذا الوجه تركه المصنف رحمه الله تعالى، أو أن المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول ورذ الأوّل بأنّ فيه صرف النار من معناها العلمي، وهو دار العذاب إلى اللغوي، وأجيب عنه بأنه لا بأس بالصرف إذا ادعت إليه ضرورة، وقيل عليه إنّ المعترض لا يسلم الضرورة لا مكان غير ذلك التأويل مع أنّ قوله مثواكم يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر وردّ الأخير أبو حيان بأنه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج والمخرج منه، فإن قلت قام القوم إلا زيدا فمعناه إلا زيدا ما قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدا ما يقوم في المستقبل، وكذلك سأضرب القوم إلا زيدا معناه إلا زيدًا فإني لا أضربه في المستقبل ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدا فإني ما ضمربته قبل إلا إذا كان استثناء منقطعًا، فإنه يسوغ كقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦] فإنهم ذاقوها ولك أن تقول أنّ القائل به يلتزم انقطاعه كما في الآية التي ذكرها ولا محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر، وقيل إنه غفلة عن تأويل الخلود بالأبد والأبد لا يقتضي الدخول، وفي الآية تأويلات أخر منها ما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه تعالى استثنى قوما قد سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبيّ-لمج!، وهذا مبني على أنّ الاستثناء ليس من المحكيّ، وإنّ ما بمعنى من، ومنها أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم إستهزاء بهم وهو معنى قوله:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [سورة المطففين، الآية: ٣٤] قال الشريف: علم الهدى المرتضى في الدرر فإن قيل أفي فائدة في هذا الفعل وما وجه الحكمة فيه قلنا وجه الحكمة فيه ظاهر لأنّ ذلك أغلظ على نفوسهم وأعظم في مكروههم، وهو ضرب من العقاب الذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة لأنّ من طمع في النجاة والإخلاص من المكروه واشتد حرصه
على ذلك ثم حيل بينه وبين الفرج وردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه، ومنها ما قال الزجاج: إن المعنى إلا ما شاء من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى منه على هذا التأويل، قال في الانتصاف: ونحن نبينه فنقول العذاب على درجات متفاوتة فكان المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها الأنوأع العذاب في الشدة تعد خارجة عنه ليست من جنسه، والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد كما يعبر عن كثرة
[ ٤ / ١٢٤ ]
الفعل برب وقد الموضوعتين لضده من القلة وهو معتاد في لغة العرب وقد حام أبو الطيب حوله فقال:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلًا للمنتهى ومن السروربكاء
فكأنّ هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية العذاب ونهاية الشذة قد وصلوا إلى الحذ الذي يكاد أن
يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى يسوغ معاملته في التعبير معاملة المغاير له وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط، وفي تفسير ابن عباس ﵄ ما يؤيده وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا في تفسير قوله إلا ما شاء ربك. قوله: (وقيل إلا ما شاء الله قبل الدخول) فيه تأمّل إذ لو أراد جعل قوله خالدين فيها أبدًا في جميع الأوقات لا يخفى ما فيه، وان أراد تقدير أبدًا بعد الخلود ففيه إنّ الخلود بعد الدخول فلا يتناول ما بعده ما قبل الدخول، وجعل التأبيد للدخول الضمني المفهوم من الخلود تعسف وكذا تعليقه بقوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢٨] تعسف ظاهر فلذلك قال قيل. قوله: (نكل بعضهم إلى بعض الخ) قال النحرير: هو على الأخير من الموالاة والمقارنة يوم القيامة ولا قبح فيه فلذا لم يؤوّله الزمخشري بناء على مذهبه وعلى الأوّل بمعنى تجعل الظلمة بعضهم، واليا على بعض متصرفًا فيه في الدنيا وهو غير قبيح عندنا من حيث صدوره عنه تعالى وعندهم قبيح، فلذا أوّلوه بتخليتهم وشأنهم حتى تصير الظلمة ولاة وعلى هذا التوجيه ما قال الإمام: إنّ هذا يدلّ على أنّ الرعية إذا كانوا ظالمين فالئه تعالى يسلط عليهم ظالمًا مثلهم، وفي الحديث: " كما تكونوا يولي عليكم» ١ (وهذا رذ على الشارح العلامة إذ ردّ كلام الإمام، وقوله: (أو نجعل
الخ (فهو خاص مؤوّل بالإغواء، وقوله كما كانوا في الدنيا إشارة إلى معنى التشبيه في هذا الوجه، وأما على الأوّل فيجوز أن يكون تشبيها وأن يكون من قبيل ضربته كذلك كما مرّ. قوله:) الرسل من الإنس خاصة الما كان المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء قدر الفراء هنا مضافا أي من أحدكم أو أنه من إضافة ما للبعض إلى للكل كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح كما سيأتي تحقيقه أو أن الرسل أعمّ من المرسل من الله أو من رسل الله لأنّ الجن لم يرسل إليهم، وفي بعض التفاسير إنه قام الإجماع عليه وزعم قوم أنّ الله تعالى أرسل للجن رسولًا منهم يسمى يوسف، وهو لا يضرّ الإجماع لأنه خلاف لا اختلاف، والفرق بينهما معلوم، وقوله لما جمعوا الخ ظاهره أنه لا بدّ في مثله من الجمع في صيغة واحدة، وقال الزجاج: هو جار في كل ما اتفق في أصل كما اتفق الجن والإنس في التمييز والتكليف، وقوله: رسل الرسل يعني الذين بعثهم رسلنا ليبلغوهم عنهم واليهم متعلق برسل. قوله: (ذم لهم على سوء الخ) يشير إلى ما في الكشاف من أن الشهادة الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون وكيف يعترفون، والثانية ذمّ لهم وتخطئة فلا تكرار فيها والمخدج بالدال المهملة بمعنى الناقص، وتحذيرا مفعول له. قوله: (ذلك الخ) جوّز فيه أن يكون مرفوعا خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره مقدر أي كما ذكر أو خبره إن لم يكن ربك الخ أو منصوبا بفعل مقدر كخذ ونحوه والمشار إليه إتيان الرسل، أو ما قص من أمرهم أو السؤال المفهوم من قوله ألم يأتكم كما ذكره المعرب واللام مقدرة قبل أن وإليه يشير قوله تعليل، وقوله: ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ إشارة إلى التجوّز في النسبة أو تقدير المضاف ولا يأباه قوله وأهلها غافلون لأنّ أصله وهم غافلون فلما حذف المضاف أقيم الظاهر مقام ضميره، وقوله: أو لأنّ الشأن إشارة إلى أنّ اسمها حينئذ ضمير شان مقدر، وقوله ملتبسين الخ إشارة
إلى أنّ الباء للملايسة وأنه حال من المضاف المعلوم ولو قدر ملتبسة على أنه حال من القرى صح. قوله: (أو ظالمًا) إشارة إلى وجه آخر على أنه حال من ربك أي ملتبسًا بظلم أي ظالمًا، والظلم عند عدم إرسال الرسل بناء على أنه من شأنه ذلك أو بناء على القبح، والحسن العقليين ونحن نثبته ولكن لا نجعله مناط الحكم كما قالت المعتزلة، قيل ولا يخفى أنّ قوله: وهم غافلون على هذا التقدير كالمستدرك لأنّ الظلم إنما يكون على تقدير غفلتهم، وأورد عليه أنّ الحصر ممنوع إذ قد يتصوّر الظلم مع عدم الغفلة حال التيقظ ومقارنة الانقياد، وان كان المراد به هاهنا هو الإهلاك حال الغفلة فقوله وهم غافلون تعيين للمراد فلا يتوهم الاستدراك وفيه بحث، وقوله: (بدل من ذلك) أي من لفظ ذلك عطف على قوله تعليل لأنه لا يقدر اللام فيه.
[ ٤ / ١٢٥ ]
قوله: (مر، لب) فسره به ليتناول الدركات حقيقة أو تغليبًا فإنه عامّ لجميع المكلفين، وقوله من أعمالهم الخ فمن على الأوّل ابتدائية، وعلى الثاني بيانية بتقدير مضاف وعلى الثالث تعليلية. قوله: (على تنليب الخطاب الخ) ويجوز أن يكون التفاتًا قيل إنما خصه بقراءة الخطاب إذ لا استتباع فيمن قرأ بالياء لصحة الأخبار عن الغائبين بيعلمون من غير ارتكاب تغليب بخلاف الأخبار عن المفرد الحاضر يتعلمون فإنه لا يصح بدون التغليب، ومن توهم أنّ القيد المذكور لأنه على قراءة الغيبة لا يحمل على تغليب غير. ﷺ إذ لم يعهد في كلامهم تغليب الغائب وان كثر على المخاطب ولا يغلب أحدهما على المتكلم فقد وهم حيث زعم أنه لولا عدم العهد بتغليب الغائب على المتكلم لكان الكلام المذكور مظنة التغليب، وقد عرفت أنه ليس كذلك لصحة الكلام بدون التغليب، اهـ قلت لا كلام في صحة الكلام بدون التغليب وإنما الكلام فيما لو أريد شمول يعلمون للمخاطب بأن أريد جميع الخلق، فما المانع من التغليب على المخاطب إلا أنه لم يعهد مثله فالواهم هو لا من وهمه. قوله: (أيها العصاة) خصهم لأنّ التخويف يناسبهم ومنهم من قدره أيها الناس وله وجه. قوله: (أي قرنًا بعد قرن الخ) في الكشاف من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح عليه الصلاة
والسلام، وإنما فسره بذلك لأنّ آخرين يدل على التغاير في الصفة ومثل لهم بذلك لتحقق قدرته، وقوله لا محالة أخذه من التأكيد بأن واللام، ولكنه استدراك من أن يشأ. قوله: (على غاية تمكنكم) يعني المكانة إما مصدر بمعنى التمكن أو ظرف بمعنى المكان كالمقام والمقامة وهو مجاز عن الحال كما أشار إليه الزمخشري، ويقال على مكانتك أي أثبت على حالك ولا تنحرف فهو اسم فعل بمعنى الأمر. قوله:) كان المهدّد الخ (قال النحرير: يريد أنّ الأمر للتهديد وهو من قبيل الاستعارة تشبيها لذلك المعنى بالمعنى المأمور به الواجب الذي لا بدّ أن يكون ممن ضربت عليه الشقوة. قوله: (العاقبة الحسنى) يريد أنه أطلق العاقبة والدار والمراد بالدار الدنيا وبالعاقبة العاقبة الحسنى أي عاقبة الخير لأنها الأصل، فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة وقنطرة المجاز إليها وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن الخاتمة، وأما عاقبة الشرّ فلا اعتداد بها لأنها من نتائج الفجار كما سيأتي في سورة القصص، وقوله فمحلها الرفع أي على الابتداء والجملة خبرها ومجموعهما سادّ مسد مفعولي العلم وتركه لظهوره وقوله خبرية أي موصولة وهي مفعول علم بمعنى عرف الذي يتعدى إلى واحد، وقوله مجمعا عليه على صيغة الفاعل أي عازمًا مصممًا كقوله: ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٧١] وقوله لا يتأتى منه إلا الشر إشارة إلى وجه الشبه والعلاقة. قوله: (وفيه مع الإنذار الخ) الإنذار يؤخذ من قوله فسوف تعلمون لأنه للتهديد، وحسن الأدب حيث لم يقل العاقبة لنا وفوّض الأمر إلى الله وهذا من الكلام المنصف كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ووجه كون الظلم أعمّ ظاهر، وكونه أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر. قوله: (روي
أنهم كأنوا يعينون الخ) أصلا النظم وجعلوا لله الخ ولشركائهم فطوى ذكر الشركاء لأنه أمر محقق عندهم وأشار إلى تقدديره بالتصريح به بعد ذلك والزعم مثلث كالوذ. قوله: (ساء ما يحكمون) ساء يجري مجرى بئس في جميع أحكامها فما فاعل موصولة أو موصوفة وحكمهم المخصوص بالذمّ كما أشار- إلى تقديره، ويكرن ضد سرّ متعديا لواحد ويصح أن يراد هنا والتقدير ساءهم حكمهم وملا مصدرية وأخطأ ابن عطية ﵀ في منعه الأوّل لأنّ المفسر يضمر مع أنه يجوز بلا خلاث، ثم إق فاعل ساء يجب أن يكون معرّفًا باللام، أو مضافًا في الأشهر فالوجه الثاني أولى خلافا لمن عكسه. فوله:) بالوأد (هو قتل البنات الصغار، وكانت العرب في الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهن أحياء، ويقال إنهم كانوا في ذلك فريقين، أحدهما يقول إنّ الملائكة بنات الله قألحقوا البنات بالئه نهو أحق بهم، والآخر أنهم كانوا يقتلونهن خشية الإنفاق، وقيل إنهم كانوا ينذرون إن بلغ بنره عثرة نحر واحدًا منهم، قيل إنما قيل لها موءودة لأنها ثقلت بالتراب الض ي طرح عليها حتى ماتت وليس بمستقيم لأن فعل الموءودة وأد وفعل الثقل آد قال تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] فهذا ناشئ من عدم الفرق بين المادتين، وقد وقع هذا الخطأ لبعض أهل
[ ٤ / ١٢٦ ]
اللغة ونبه عليه الشريف المرتضى في أماليه واذعاء القلب لا داعي إليه، هـ كانوا يذبحون أولادهم ويقسمون بذلك، وينذرونه كما فعله عبد المطلب في قصته المشهورة واليها أشار النبيّ بمخ! بقوله: " أنا ابن الذبيحين!) ١ (وهو معنى قوله: (ونحرهم لآلهتهم) . قوله: (شركاؤهم الخ (السدنة بالسين المهملة جمع سادن وهو خادم الصنم وجعل الجن شركاء لا! اعتهم لهم كما يطاع الشريك دلّه، وكذا السدنة أو لأنهم شركاء
في أموالهم، ومعنى تزيينه تحسينه لهم وحثهم عليه. قوله: (وهو ضعيف في العربية الخ) تبع فيه الزمخشري وهو من سقطاته وسوء أدبه على الله الذي يخشى منه الكفر كما قاله في الانتصاف والقرا آت السبعة لا بذ فيها من نقل صحيح أو متواثر فيما عدا الأداء على المشهور، وأفي مسلم يقدم على أن يقرأ كلام الله برأيه ويتبع وسم المصحف من غير سماع خصوصا هؤلاء الأئمة الأعلام الواقفين على دقائق الكلام، وهو يظن أن القرآن يقرأ بالرأي كما ذهب إليه بعض الجهلة مع أنه ليس بصحيح لأنهم فرقوا بين المضاف الذي يعمل وغيره فإن الثاني يفصل فيه بالظرت والأوّل إذا كان مصدرًا ونحوه يفصل بمعموله مطلقًا لأن إضافته في نية الانفصال، ومعموله مؤخر رتبة ففصله كلا فصل فلذا ساغ فيه، ولم يخص بالشعر كغيره كما صرّج به ابن مالك، وخطأ الزمخشري لعدم فرقه بينهما وظنه أنه ضرورة مطلقا، وأما ادعاء حذف المضاف إليه من الأوّل والمضاف من الثاني كما ذهب إليه السكاكيّ فتكلف نحن في غنى عنه، وكلام الله أحق أن تجري عليه القواعد، وترجع إليه لا أن يرجع إلى كيره، والعجب ممن أثبت تلك القواعد برواية واحد عن جاهليّ من العرب فإذا جاء إلى النظم توقف في الإثبات به، ولابن القاصح في كتاب الطرق هنا كلام نفيس، وهو أنه ذكر أن حمزة ﵀ رأى رب العزة مزتين قال يا حمزة اقرأ كلامي فقرأ فقال! له: على من قرأت، قال: على فلان، قال: صدق هو كلامي إلى أن قال قرأ جبريل ﵊ قال: صدق قرأ كلامي فلما انتهى إلى الله، قال له: من قرأ سكت تأذبا قال له: قل أنت وقص القصة، قال: ومنها علم أن من كذب أحدًا من القرّاء فقد كذب الله فنعوذ بالله ونسأله أن ينفعنا بكلامه، وببركة نقلته ونحن بحمد الله لا نشك في ذلك وقد شاهدناه رأى العين. قوله: (فزججتها الخ) بنصب القلوص وجز أبي والزج والدفع والمزجة بكسر الميم رمح قصير، وأبو مزادة كنية رجل والقلوص الفتية من النوق وضمير زججتها للكتيبة، وروي زج القلوص بالجرّ والتقدير قلوص أبي مزادة، فحذف من الثاني وعليه فلا شاهد، وهذا البيت لا يعرف قائله قيل ليس في هذا الشعر ضرورة لاستقامة الوزن والقافية بالإضافة إلى القلوص ورفع أبي مزادة وليس بشيء لأنّ المختار عندهم في تعريف الضرورة، أنها ما وقع في الشعر لا ما يكون عنه فدوحة والا فما من ضرورة إلا، ويمكن تغييرها مع بقاء الوزن إلا نادرًا، وقوله: بإضمار فعل دلّ عليه زين فهو على حذ قوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة وهو مشهور. قوله: (وليخلطوا مليهم الخ (لما كان المشركون لا دين لهم أوّل قوله دينهم في الكشاف بثلاثة أوجه، ففال ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل-ستن حتى زلوا عته إلى الشرك، وقيل دينهم الذي وجب أن يكونوا مليه، وقيل معناه وليوقعوهم في دين ملتبس، وقوله ما وجب عليهم الخ معناه ما كان يجب
عليهم التدين به مما يوافق شريعة من الشرائع، لا ما أحدثوه من عند أنفسهم وقيل المراد به دين الإسلام، وتزيين القتل وان كان قبل البعثة لكنه فعل يبقى عليه نسلهم وقيل المراد بالدين في الوجهين دين إسماعيل ﵊ باعتبار الحال الأوّل والحال الثاني، وكل هذا مستغنى عنه، وقوله واللام للتعليل الخ، لأنّ مقصود الشياطين من إغوائهم ليس إلا ذلك وأما السدنة فليس محط نظرهم ذلك لكنه عاقبته. قوله:) ما فعلوه الخ (المراد بقوله أو الفريقان أن الضمير راجع لجميع هؤلاء، والضمير المفرد لفعل القبيلين بتًا ويله باسم الإشارة وقد تقدم وجهه، ومن غفل عنه قال: لا حاجة إليه، ولم يذكر الإرداء والتلبيس لأنه نتيجة ذلك، وقوله افتراءهم الخ يعني ما مصدرية أو موصولة وهو ظاهر. قوله: (إشارة إلى ما جعل لآلهتهم (السابق وما بينهما كالاعتراض نإن قلت كيف يعطف عليه قوله وأنعام حرّمت ظهورها، قلت أدخلت فيها لأنّ السوائب بزعمهم تعتق وتعفى لأجل الآلهة
[ ٤ / ١٢٧ ]
أو أنها خبر مبتدأ مقدر وقوله يستوي الخ بيان لوصف الأنعام، وكونه مضيقا باعتبار أنه مغ منها وبزعمهم من الحكاية وكذا افتراء على الله، وقوله لا يذكرون اسم الله عليها فهو كناية، وترأ الجمهور حجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، وروي بضم الحاء وسكون الجيم، وقرئ أيضا بفتح الحاء وسكون الجيم وبضم الحاء والجيم معا ومادّته تدلّ على المنع والحصر، وهو في الأصل مصدر مذكر ويفرد مطلقا وجوّز في المضموم الحاء والجيم أن يكون مصدرا كالحلم وأن يكون جمعا كسقف ورهن. قوله: (نصب على المصمر الخ (إنما نصبه قالوا لأنّ تعلق عليه وبزعمهم به صيره بمعنى افتروا كما أشار إليه بقوله لأنّ الخ وأما جعله الجارّ متعلقا بقالوا مع بعده فقيل في وجهه إنّ المصدر إذا وقع مفعولًا مطلقا لا يعمل لعدم تقديره، بأن والفعلى، وفيه نظر لأنّ تأويله بذلك ليس بلازم لتعلق الجارّ به كما
صرّحوأ بنظيره في تقدمه، فإن قلت استشهادهم للفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله فزججتها الخ ينافيه لأن زج مفعول مطلق لزججتها وقد نصب القلوص قلت قد أجاب عنه الرضي بأنّ المصدر العامل ليس مفعولًا مطلفا في الحقيقة بل المفعول المطلق محذوف تقديره زجا مثل زج القلوص، وقوله بمحذوف تقديره كائنا وعلى جعله مفعولًا له أي قالوا: ما تقدم لأجل الافتراء على الباري تعالى وهو بعيد معنى، وقوله أو بدله يشير إلى أن الباء للمقابلة والعوضية كما في اشتريت بكذا. قوله: (وتأنيث الخالصة للمعنى (ثم راعى لفظها، وقال العراقي في الإنصاف ليس في القرآن آية حمل فيها أوّلًا على المعنى، ثم على اللفظ ئانيا غير هذه لا آية يعني إذا لم تكن خالصة مصدوًا، ورد بأنّ له نظائر في كلام العرب كثيرة وفي القرآن في مواضع كآية: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٨] إذ أنث ضمير كل مراعاة للمعنى ثم ذكر حملآ على لفظها وآيات أخر وهي ثلاثة أخر كما في الدرّ المصون فانظره، ثم إنه غير مسلم هاهنا، فإنه حمل على اللفظ أوّلًا لأنّ صلة ما جارّ ومجرور تقدير متعلقه استقز لا استقرّت فقد روعي اللفظ فيه أوّلًا كذا قيل ولا وجه له لأنّ المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيثه حتى يكون مراعاة لأحد الجانبين، وراوية بمعنى راو أي كثير الرواية وقيده بقوله رواية الشعر لئلا يتوهم أنه بمعنى المزادة والتاء فيه للمبالغة، وقوله:) أو هو مصدر) ذكره الفرّاء لكن مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل وهو حينئذ إمّا للمبالغة، أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في لسان العرب تقول فلان خالصشي أي ذو خلوصي قال الشاعر:
كنت أميني وكنت خالصتي وليس كل امرئ بمؤتمن
قوله: (أو حال من الضمير الذي في الظرف الخ (في الكشاف ويجوز أن تكون التاء للمبالغة مثلها في راوية الشعر، وأن تكون مصدرًا وقع موقع الخالص كالعاقبة أي ذو خالصة، ويدل عليه قراءة من قرأ خالصة بالنصب على أنّ قوله لذكورنا هو الخبر وخالصة مصدر مؤكد ولا يجوز أن يكون حالًا متقدمة لأنّ المجرور لا يتقدم عليه حاله فقيل وجه دلالة النصب على كون خالصة بمعنى المصدر أنها لو كانت بمعنى اسم الفاعل لكانت حالًا من ذكورنا فيلزم تقدم الحال على المجرور، أو من الضمير في الظرف الواقع خبرًا فيلزم تقدمه على العامل المعنوي وهو الجارّ والمجرور، ويمكن أن يتكلف في تطبيق عبارته على الأمرين وأما جعلها حالًا من الظرف الواقع صلة فلا معنى له عند التأمّل الصادق، فإن أريد أنها في حال الخلوص من البطون والخروج عنها تكون للذكور فهو معنى كونه حالًا من ضمير الخبر لا الصلة، وقيل فيه حث فان الملازمة المستفادة من قوله لو كانت الخ ممنوعة لم لا يجوز أن تكون خالصة اسم
فاعل وخبرًا لما والتأنيث باعتبار كون ما بمعنى الأجنة كما اختاره المصنف ﵀ أو تكون حالأ من هذه الأنعام بأن يكون المعنى س أفي بطون هذه الأنعام دو!، سائرها لذكورنا، وأما قوله ويمكن أن يتكلف الخ ففيه تسامح لأن عبارته نص في الأمر الأوّل وإنما يحتاج إلى التكلف في تطبيقها على الأمر الثاني بأن يقال المراد بالمجرور الجاز والمجرور، واقتصر عليه لظهور انتفاء الفصل) قلت (هذا ليس بشيء لأنه يريد أن يجعل معنى قوله حالًا من المجرور بمعنى أنه شامل للحال من المجرور من الضمير المستتر في الجار والمجرور، ولا شبهة في أنّ أخذهما
[ ٤ / ١٢٨ ]
معًا من هذا التعبير تكلف فهو لم يفهم مراده، قال: وأمّا قوله فلا معنى له فوجهه أنّ تقييد كون الشيء في البطن وحصوله فيه بالخلوص مما لا يفيد أصلًا، اهـ ورذ بأنه كقراءة الإضافة بمعنى جيدة وهو الخارج حيا فما ذكره ليس نتيجة التأمل الصادق، وهذا بعينه كلام القطب في شرحه وقد اعترض عليه بأنه لا يصح لأنّ اعتبار كونه حيًا أو ميتا في حال استقراره في البطون لا وجه له ولك أن تقول تقديره ما كان في بطون هذه الأنعام أو تجعلها حالأ مقدرة، وكل هذا تعسف وضيق عطف، وتد أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى دفعه لأن المراد بخالصة ما ولد حيا بقرينة مقابلته بأن يكن ميتة وليس خالصة بمعنى صرفا وصافية بل بمعنى سالمة كما يقولون خلصت من الشذة ونحوه إذا سلمت منها وهذا مما لا غبار عليه. قوله: (لأنها لا تتقدّم الخ (فيه لف ونشر، والعامل المعنوي الجارّ والمجرور وأسم الإشارة وها التي للتنبيه سميت بذلك، وان كانت لفظًا لأنها عملت بما تضمنته من معنى الفعل والتغليب ظاهر إلا أنه لا يحتاج إليه إذا نصب ميتة لرجوع الضمير إلى ما. قوله: (وقرئ خالص الخ (تفصيل القرا آت ونسبتها مفصل في فنه لكن الزمخشري قال: وقرأ أهل مكة وان تكن ميتة بالتأنيث والرفع وفي الدرّ المصون إنها قراءة ابن عامر ﵀ فإن عنى بأهل مكة ابن كثير وما أظنه عناه فليس كذلك وإن عنى غيره فصحيح ويجورّ أن ابن كثير روى عنه ذلك لكنه لم يشتهر انتهى، وبعض الناس تبجج بتخطئته هنا، وافتخر افتخار الخصي فلذا نقلناه. قوله: (من توله وتصف السنتهم الكذب) وهذا من بليغ الكلام وبديعه فإنهم يقولون وصف كلامه الكذب إذا كذب وعينه تصف السحر أي ساحرة وقده يصف الرشاقة بمعنى رشيق مبالغة حتى كان من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له قال المعرّي:
سرى برق المعرة بعدوهن فبات برامة يصف الكلالا
وقوله جزاء إشارة إلى أنه واقع موقع مصدر سنجزيهم بتقدير مضاف. قوله: (لخفة
عقلهم الخ) تفسير للسفه فكان الظاهر تقديمه كما في بعض النسخ وأشار باللام إلى أنه مفعول له وجوّز فيه الحالية والمصدرية وجهلهم تفسير لقوله بغير علم، وعطفه عليه، وان كان حالأ أو صفة إشارة إلى أنّ له مدخلا في التعليل فتأمّل وقوله وما كانوا مهتدين بعد قوله قد ضلوا للمبالغة في نفي الهداية عنهم لأنّ صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال بعد إن لم يكن فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض. قوله: (معروشات الخ) التعريش رفعه على العريش، وهو معروف وقيل المعروش الكرم، وغيره ما ينبطح على الأرض كالبطيخ والبراري جمع برية معروف. قوله: (والضمير الخ) ذكروا فيه وجوها أن يرجع إلى أحدهما على التعيين ويعلم الاخر بالمقايسة إليه، أو إلى ءلل واحد على البدل أو إلى الجميع والضمير بمعنى اسم الإشارة كما مرّ، وأورد عليه أبو حيان افى الضمير لا يجوز إفراده مع العطف بالواو زاد وجهًا آخر وهو إنّ في الكلام مضافا مقدرًا والضمير راجع إليه أي ثمر جنات، وهذه الوجوه تجري في ضمير ثمره كما أشار إليه المصنف ﵀، وقوله في الهيئة والكيفية متعلق بقوله مختلفًا. قوله: (وإن لم يدرك) أي ينضج ويتم! ني فائدة التقييد به إباحة ا! ل قبله، وعلى الثاني لا حاجة إلى هذا القيد ويينع بياءين من كاب علم وضرب والياء الثانية ثابتة على كل تقدير. قوله: (والأمر بإيتائها يوم الحصاد الخ) ! ي إذا أربد به الزكاة، وأما على الوجه الأوّل فهو باق على ظاهره، وأما إذا أريد الزكاة! الحصاد وقت الوجوب في الذمّة لا وجوب الأداء فأشار المصنف ﵀ بأنه للمبالغة في
الأمر بالمبادرة إليه حتى كأنه مؤدّي قبل وقته، والأمر لما دل على الحدث بماذته والوجوب بهيئته صح أن يقيد باعتبار كل منهما، قيل ولو تعلق بالحق لم يحتج إلى تأويل مصدر حصد الحصد، وعدل إلى الحصاد بفتح الحاء وكسرها وبهما قرئ لما أريد دلالته على حصد خاص إذا انتهى، وجاء زمانه كما صرّج به سيبويه ﵀، والمراد بالتنقية تخليصه من القشر ونحوه، وما ذكره المصنف ﵀ مبني على الفرق بين نفس الوجوب ووجوب الأداء وهو خلاف المشهور عند الشافعية. قوله:) في التمدّق) قال النحرير: لو علقه
[ ٤ / ١٢٩ ]
بالأكل والصدقة بقرينة الإطلاق لكان أقرب، وأفا إذا أريد بالحق الزكاة المفروضة فهي مقدرة لا تحتمل الإسراف من حيث هي زكاة لأن ما زاد لا يسمى زكاة فلا وجه لما قيل إن التقدير لا ينافي الإسراف إذ يحتمل أن يزيد على المقدار المعين على وجه التنفل. قوله:) عطف على جنات الخ) والجهة الجامعة إباحة الانتفاع بهما، وقوله وما يفرس للذبح أي يبسط فعلى الوجهين الأوّلين الفرس بمعنى المفروش، وعلى الثالث الكلام على التشبيه. قوله: (كلوا مما أحل لكم منه) إشارة إلى أنّ الرزق شامل للحلال والحرام، فإن كنت من تبعيضية فهو ظاهر، وان كانت ابتدائية فكذلك لأنه ليس فيه ما يدلّ على تناول جميعه، والمعتزلة خصوه بالحلال، واستدلوا بهذه الآية بجعلها إحدى مقدمتي شكل منطقي أجزاؤه سهلة الحصول، وتقديره الحرام ليس بمأكول شرعا وهو ظاهر، والرزق ما يؤكل شرعا لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنعام الآية: ١٤٢] فالحرام ليس برزق، وهذا إنما يفيد لو صدق كل رزق مأكول شرعا والآية لا تدل عليه فلذا لم يلتفت المصنف ﵀ إلى دليلهم، وفسر خطوات الشيطان بالتحليل والتحريم لاقتضاء المقام له وقوله ظاهر العداوة إشارة إلى أنه من أبان اللازم. قوله: (بدل من حمولة وفرشًا الخ (في الدرّ المصون حمولة وفرشا منصوبان عطفا على جنات والحمولة ما أطاق الحمل من الإبل والفرش صغارها وقال الزجاج ﵀: أجمع أهل اللغة على أنّ الفرس صغار الإبل، قال أبو زيد: يحتمل أنه سمي بالمصدر لأنه في الأصل مصدر، وهو مشترك بين معان منها ما تقدم ومتاع البيت والفضاء الواسع، واتساع خف البعير قليلا والأرض الملساء، وقيل ما يحمل عليه من الدواب والفرس ما اتخذ من صوفه ووبره ليفرش اهـ فقول المصنف ﵀ إنه بدل على أحد التفاسير للحمولة والفرس، بحيث يشمل الأزواج الثمانية
فإن خصت بالإبل فالبدل مشكل أما إذا فسرت الحمولة بكبارها كالإبل والبقر والغنم والفرش بصغارها فهو ظاهر. قوله:) أو مفعول كلوا (يعني كلوا الذي قبله وتقديره كلوا لحم ثمانية أزواج ولا تتبعوا جملة معترضة وقول أبي البقاء ﵀: ولا تسرفوا معترضة سهو. قوله: (أو فعل دل عليه الخ) وهو مجرور معطوف على كلوا والفعل الدال عليه إمّا كلوا أو خلق أو أنشأ أو نحوه، وإذا كان حالًا فتقديره مختلفة وإنما أوّل به ليكون بيانًا للهيئة وعند من اشترط في الحال أن يكون مشتقًا أو مؤوّلًا فهو ظاهر وصاحب الحال الأنعام، عاملها متعلق الجاز والمجرور قوله:) والزوج الخ) إشارة إلى أنّ الزوج يطلق على كل واحد من القرينين ويدلّ عليه قوله ثمانية أزواج إذ لولاه كانت أربعة، ولذا قال والمراد الأوّل ويطلق على مجموعهما كما! له الراغب: وسمع من العرب وهذا مما أخطأ فيه الحريري في درّته. قوله: (وهو بدل من لمائية) قال النحرير: الظاهر أنّ من الضأن بدل من الأنعام واثنين من حمولة وفرشًا أو من ثمانية ازواج إن جوّزنا أن يكون للبدل بدل او أعرب مفعولًا والبدل اثنين، ومن الضأن حال من! رة قدمت عليها وهو بدل بعض من كل أو مع ما عطف عليه بدل كل من كل أو من الضأن يدل كما مرّ، واثنان إذا رفع مبتدأ خبره الجارّ والمجرور، والجملة بيانية لا محل لها من الاعراب، وضثين فعيل كعبيد جمع أو اسم جمع ومعزى اسم جمع معز أيضا، وقوله: أنثييهما إ! ارة إلى أنّ الألف واللام للعهد أو بدل من الإضافة، وأما مركبة من أم وما الموصولة. قوله: (والمعنى إنكار أن الله حرّم (لما كان المنكر هو التحريم، والجاري في الاستعمال إنّ ما أنكر يلي الهمزة قالوا إنه عدل عنه لأنّ هذا أبلغ فيه وبيانه ما قال السكاكي ﵀ إن إثبات
التحريم يستلزم إثبات محله لا محالة فإذا انتفى محله، وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهاني كأنه وضع موضع من سلم أنّ ذلك قد كان ثم طالبه ببيان محله كي يتبين كذبه، ويفتضح عند المخالفة ومنه تعلم أنّ المطلوب بلى الهمزة، وقد يعدل عنه لنكتة وبه يجمع بين كلامهم فتأمّله. قوله: (إذ أنتم لا تؤمنون) يعني أنهم ذهبوا إلى أنّ الله حرّم هذا والعلم بذلك إما بأن بعث الله رسولًا أخبرهم به، وإما بأن شاهدو! الله تعالى وسمعوا كلامه في التحريم، والأوّل مناف لما هم عليه لأنهم ما كانوا يؤمنون برسول فتعين المشاهدة والسماع وهو محال فقد تهكم الله بهم بذلك، ثم بين ظلمهم بقوله فمن أظلم الخ، ثم أعلمهم بقوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ﴾ الخ
[ ٤ / ١٣٠ ]
أن التحريم والتحليل بالوحي لا بالتشهي والهوى. قوله: (والمراد الخ) اقتصر في الكشاف على الأثر الثاني، لأنّ عمرو بن لحيئ هو الذي بحر البحائر، وسيب السوائب فهو الذي تعمد الكذب، وأما من تابعه من كبرائهم فيحتمل إنه أخطا في تقليده فلا يكون متعمدا للكذب فلا ينبغي التفسير به، ولذا قال في تفسيره بعض المتأخرين افترى كذبًا، كاذبا لا مخطئا في ظنه فإنّ فيه مندوحة عن الكذب فليس فيهن خطأ ومخالفة للجمهور في الكذب ولا مخالفة لما قاله الزمخشرقي: إلا في جعله كذبا حالًا بمعنى كاذبًا، وان جوّز فيه أن يكون مصدرأ من غير لفظ الفعل، فمن قالط إنه أخطأ في الإعراب وغفل عن قيد التعمد في معنى الافتراء لم يفهم كلامه. قوله: (ليضل الناس بغير علم (أي عمل عمل القاصد إضلالهم من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلال وإن لم يقصد الإضلال ولذلك قال بغير علم كذا قيل يعني إنّ اللام للعاقبة، ويؤيده قوله بغير علم إن كان حالًا من فاعل يضل ولا يضره احتمال كونه حالًا من الناس وان صح، لأنّ الأوّل أظهر وأبلغ في الذتم لكون المقتدى به جاهلًا فكيف المقتدي، ومن غفل عنه خطأه فيه. قوله: (لا يهدي القوم الظالمين) أي إلى طريق الحق وقيل إلى دار الثواب لاستحقاقهم العقاب، ولا يعد فيه كما توهم وإذا لم يهتد الظالم فالأظلم أولى بعدم الهداية. قوله: (قل لا أجد فيما أوحى إلئ محرّمًا الخ) كني بعدم الوجدان عن عدم الوجود ومبني هذه الكناية على أنّ طريق التحريم التنصيص منه تعالى وتفسيره بمطلق الوحي أستظهروه ولذا قال: أوحى ولم يقل انزل، وقوله: (وفيه تنبيه الخ (قد مرّ ما يشير إليه وأيضا أن الآية لو لم تدل على الحصر، وقد وردت للردّ على المشركين في تحريم ما لم. يحرّمه الله يعني لم يوح إليّ تحريم ما حرّمتموه وإنما الموحي تحريم ما ذكر، ولو لم يكن ذلك مقصودا لم تفذ ما ذكر، وقوله لا بالهوى إشارة إلى أنّ القصر إضافيّ فلا ينافي الاجتهاد، وفسر المحرّم بالطعام لدلالة ما بعده عليه.
قوله: (١ لا أن يكون ميتة الخ) فسر الزمخشري محرّمًا بطعامًا محرّما من المطاعم التي حرّمتموها، وإنما قيده بذلك لدفع توهم ما يرد من أنّ في النظم حصر المحرّمات فيما ذكر، ولا شك أنّ لنا محرّمات غيرها فلذا جعل الاستثناء منقطعًا أي لا أجد ما حرّمتموه لكن أجد الأربعة محرّمة، وهذا لا دلالة فيه على الحصر إذ الاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر وهذا مما ينبغي التنبيه له والمصنف لم يقيده بما ذكر لأنّ الأصل الاتصال وعدم التقييد، وأشار إلى دفع ذلك بقوله فيما سيأتي والآية محكمة الخ قيل وحينئذ يكون الاستثناء من أعتم الأوقات أو أعنم الأحوال مفرّغًا بمعنى لا أجد شيئًا من المطاعم المحرّمات في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة فاني أجد حينئذ محرّما، فالمصدر للزمان أو الهيئة وفيه أنه لا يناسب قول المصنف ﵀ إلا وجود الخ فانه ناطق بخلافه إلا بتكلف، مع أن المصدر المؤوّل من أن، والفعل لا ينصب على الظرفية عند الجمهور، ولا يقع حالًا لأنه مجرفة. قوله: (لى عطف على أن الخ (أي على قراءة الرفع كما يدلّ عليه قوله إلا وجود ميتة فإنه على قراءة النصب يكون التقدير على وجوده ميتة، وعطفه حيمئذ على ميتة أقرب لفظًا ومعنى، وإنما بين هذه القراءة رذًا على أبي البقاء حيث قال وقرئ برفع ميتة على أن تكون تاقة، وهو ضعيف لأن المعطوف منصوب فلا حاجة إلى ما قيل إنه جعله كذلك لاطراده على القراءتين. قوله: (أي إلا وجود ميتة) الظاهر أنه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ميتة موجودة فإن يكون في النظم بمعنى اسم الفاعل كذا أفاده خاتمة المدققين فلا يريد ما قال النحرير: إنّ في جعل الاستثناء متصلا تكلفًا في اللفظ أي إلا الموصوف بأن يكون أحد الأربعة على أنه بدل من محرّما والجواب عن صحة الحصر أنه قد ورد حصر المحزمات في الأربعة لقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الخ فناسب أن تحمل هذه الآية على ذلك، ويدفع الأشكال بأنّ المعنى لا أجد عند تبليغ هذه الآية سواها، أو هي مخصصة بالخبر وليس نسخًا اهـ وفيه نظر، والمراد بالميتة ما لم يذبح ذبحا شرعيا فيتناول المنخنقة ونحوها. قوله: (لا كالكبد والطحال (إشارة إلى أنهما دمان متجمدان كما ذكره الأطباء، وجاء في الحديث: " أحلث لنا ميتنان السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال ") ١ (وما
عداهما من الدماء حرام مطلقا كما ذهب إليه
[ ٤ / ١٣١ ]
الشافعيّ ﵀ ولو ما قل، وتلطخ به القدر واللحم، وتوصيف طاعم بيطعمه كقوله طائر يطير قطعا للمجاز ولا دلالة فيه على أنّ جلد الميتة قبل الدباغ يحرم لأنه يشوى ويؤكل وإذا دبغ لا يقبل ا! ل كما قيل. قوله: (فإنّ الخنزير) قيل الظاهر أنه راجع إلى اللحم لأنه المحدث عنه، وقال ابن حزم: هو عائد على خنزير لقربه وذكر اللحم فيه لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى وبين وجه الحرمة بأنه خبيث في نفسه، ومخبث بأكله الخبائث كالعذرة وهو معنى قوله مخبث، ويحتمل أنه تأكيد كليل أليل وقوله: عطف على لحم خنزير هو على قول. قوله: (ويجوز أن يكون فسقا الخ) تال أبو حيان: هذا إعراب متكلف جدا والنظم عليه خارج عن الفصاحة وغير جائز على قراءة رفع ميتة لأنّ ضمير به ليس له ما يعود إليه ولا يجوز أن يتكلف له موصوف محذوف يعود عليه الضمير أي شيء أهل لغير الله به لأنّ حذف الموصوف والصفة جملة لا يجوز إلا إذا كان بعض مجرور بمن أو في قبله نحو منا ظعن، وفينا أقام أي فريق ظعن وفريق أقام فإن لم يكن كذلك اختص بالضرورة لكن هذا غير متفق عليه عند النحاة، فإنّ منهم من أجازه مطلقًا فلعل المصنف ﵀ يرى رأيه، وأما منعه من حيث رفع الميتة فغير مسلم لأنه يعود على ما كان عائدا عليه في النصب إذ لا مانع منه. قوله: (والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون) خطأه بعضهم فيه بأنّ الجار والمجرور قائم مقام الفاعل فليس فيه ضمير، والصواب ما في الكشاف إنّ ضمير به يرجع إلى ما يرجع إليه المستتر في يكون، والقول بأن فيه ضميرا وان أهل بمعنى ذبح منفردا به لغير الله تكلف وتعسف وأصل الإهلال رفع الصوت والمراد هنا ما ذكر عليه غير اسم الله، واضطر افتعال من الضرورة وعاد بمعنى متجاوز. قوله: (لا يؤاخذه (لما كان كونه غفورأ رحيما أمرًا ثابتا متقدما على الاضطرار تأوّله بأنه وقع جزاء باعتبار لازم معناه ولا حاجة إلى تقدير جزاء يكون هذا تعليلا له، ومعنى عدم المؤاخذة به الإباحة لأنه لو يكن مباحا وقعت المؤاخذة به فلا يرد ما قيل ظاهره ترك المؤاخذة على أكل الحرام بناء على المغفرة والرحمة من الله والاضطرار من العبد، وقوله في الآية الأخرى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١٩] بعد ذكر المحرّمات ظاهرة
الإباحة. قوله: (والآية محكمة) الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة مطلقا وقد نقض مذهبه بهذه الآية فأجاب بأنّ الآية دالة على التوقيت بقرينة أوحى بعني إلى الآن لم أجد ذلك فلا ينافي ما حرّم بعدها أو هي عامّة واثبات محرّم آخر تخصحيص لا نسخ عندهم، وقوله ولا على حل الأشياء الخ يعني أنها لا تدلّ على ذلك بل الدال عليه استصحاب الأصل إذ الأصل الحل عنده فالاستثناء في كلامه منقطع. قوله: (كل ما له أصبع) ظاهره إنّ أحد فلقتي خف البعير تسمى إصبعا والظاهر أنه ليى حقيقيا وإنما جعل المسبب تعميم التحريم لأنّ بعضه كان حرامًا، والثروب جمع ثرب بالثاء المثلثة والراء المهملة والموحدة هو شحم رقيق على الأمعاء والكرش، والكلى بضم الكاف جمع كلية معروف. قوله:) والإضانة لزيادة الربط) يعني بعد قوله من البقر والغنم لا يحتاج إلى إضافة الشحوم إليهما بل يكفي أن يقال الشحوم لكنه قد يضاف لزيادة الربط، والتأكيد كما يقال أخذت من زيد ماله وهو متعارف وهذا إن تعلق من البقر بحرّمنا بعده، وأما من جعله معطوفا على كل ذي ظفر فيؤوّله بعض ويجعل حرّمنا عليهم شحومهما تبيينا للمحرّم فيهما فالإضافة للربط المحتاج إليه لكنه خلاف الظاهر، وما قيل إنه غير صحيح لأنه استدراك لدخول الغنم والبقر تحت ذوات الظفر أي لكن ما حرّمنا منهما إلا شحومهما فغير مسلم عند من أعرب هذا الإعراب فتأمّل. قوله:) ١ لا ما حملت ظهورهما الخ (قال أبو حنيفة ﵀ لو حلف لا يأكل شحما يحنث بشحم البطن فقط، وقالا يحنث بشحم الظهر أيضًا لأنه شحم وفيه خاصية الذوب بالنار ولهذا استثنى في الآية وله أنه لحم حقيقة لأنه ينشأ من الدم ويستعمل كاللحم في اتخاذ الطعام والقلايا وبؤكل كاللحم ولا يفعل ذلك بالشحم، ولهذا يحنث بأكله لو حلف لا يأكل لحما وبائعه يسمى لحامًا لا شحامًا فالاستثناء في الآية منقطع بدليل استثناء الحوايا، وتأويله بما حمله الحوايا من شحم خلاف الظاهر. قوله: (أو ما اشتمل على الإمعاء الخ (قال النحرير: يفهم منه أنّ الحوايا عطف على
[ ٤ / ١٣٢ ]
ظهورهما أي ما حملت الحوايا لكن الأنسب عطفها على ما حملت بتقديره مضاف أي شحوم الحوايا وقوله: (مما اشتمل) بيان لذلك، ويحتمل عندي أن يكون ما اشتمل تفسيرًا للحوايا لأنه من حواه بمعنى اشتمل عليه فيطلق على الشحم الملتف على الأمعاء، وان كان المشهور أنها نفس الأمعاء، وهو على هذا معطوف على المستثنى داخل في حكمه يعني حزمنا جميع شحومهما إلا هذه الثلاثة فكان المناسب هو الواو دون أو لأنّ المخرج جميعها لا أحدها، وأجيب بأنّ الاستثناء من الإثبات نفي وأوفى النفي تفيد العموم لكونه بمنزلة النكرة في سياق النفي فيصير المعنى لم
يحرّم واحد منهما على التعيين وذلك ينفي المجموع ضرورة، وفيه أن الاستثناء إنما يقتضي نفي الحكم عن المستثنى بمنزلة قولك انتفى التحريم عن هذا أو ذاك، فالوجه أن يقال أو في العطف على المستثنى من قبيل جالس الحسن أو ابن سيرين، كما ذكره في العطف على المستثنى منه يعني أنها الإفادة التساوي في الحكم فيحرم الكلم وسيأتي البحث فيه. قوله: (جمع حاوية أو حاوياء الخ) إختلف أهل اللغة في معناها فمنهم من فسره بما مرّ، وقيل: هي المباعر وقيل: المصارين والإمعاء، وقيل: كل ما يحويه البطن فاجتمع واستدار، وقيل: هي الدوارة التي في بطن الشاة ثم اختلف في مفردها فقيل حاوية بوزن فاعلة، وقيل: تحوية كظريفة وقيل: حاوياء بالمد كقاصعاء، وجوّز الفارسي أن يكون جمعا لكل واحد من هذه الثلاثة، وقد سمع في مفردها ذلك فحاوية وحوايا كزاوية وزوايا ووزن جمعه فواعل والأصل حواوي فقلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة، لأنها ثاني حرفي لين اكتنفاء مذة فواعل، ثم قلبت الهمزة المكسورة ياء لثقلها، ثم فتحت لثقل الكسرة على الياء فقلبت الياء الأخيرة ألفًا لتحرّكها بعد فتحة فصارت حوايا أو قلبت الواو همزة مفتوحة، ثم الياء الأخيرة ألفا ثم الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين كما فعل بخطايا، وكذلك إن قلنا إنّ مفردها حاوياء وزن الجمع فواعل كقاصعاء وقواصع واعلاله كالذي قبله، فإن كان مفردها حوية فوزنه فعائل كظريفة وظرائف، وأصله حوائي فقلبت الهمزة ياء مفتوحة والياء التي هي لام ألفا فصار حوايا فاللفظ متحد والعمل مختلف، وما وقع في القاموس والصحاح هنا غير محرر، وعلى ما ذكرناه ينزل كلام المصنف ﵀. قوله: (وقيل هو عطف على شحومهما) هذا على على مقدر أي وهو معطوف على ما قبله، وقيل الخ أو على معنى ما قبله فعلى الأوّل يكون معطوفًا على المستثنى يعني حرّمنا شحومهما إلا هذه الثلاثة، وعلى هذا هو معطوف على غير المستثنى فتكون محرّمة، قيل: ولقائل أن يقول إمّا أن يحرّم عليهم ما اشتمل على الأمعاء فعلى تقدير عطف الحوايا على ظهورهما يلزم أن تكون حلالآ أو لا يحرّم فعلى تقدير عطفه على شحومهما، يلزم أن يكون حراما هذا خلف وأيضا يمنعه قوله أو ما اختلط فإنه معطوف على المستثنى بلا شبهة وليس بشيء لأن هذين القولين منقولان عن السلف، وأكثرهم ذهب إلى الأوّل ومن ذهب إلى الثاني، قال بتحريمه: وتحريم ما اختلط ومن ذهب إلى الأوّل خالفه فيه فلا وجه لما ذكره. قوله: (وأو بمعنى الواو) هذا إمّا على الوجهين كما نقلناه عن النحرير أو على الأخير كما ذهب إليه العلامة، وكلام المصنف يحتملهما وقال النحرير: أو هاهنا مثلها في جالس الحسن أو ابن سيرين أي لإفادة التساوي في الحكم فيحرم الكل، وقيل هي للتفصيل وهو قريب منه، وقد يحمل على ظاهره ويقال معناه حرّمنا عليهم شحومهما أو حرّمنا عليهيم الحوايا أو حرّمنا عليهم ما اختلط بعظم فيجوز له ترك أكل أيها كان وأكل الآخرين، ورذ بأن الظاهر إن مثل هذا وإن كان جائزا فليس من الشرع أن يحرّم أو يحلل واحد مبهم من أمور معينة، وإنما ذلك في الواجب فقط وقيل فيه بحث لأنه المعلوم من شرعنا لا من شرع اليهود، وهذا كله ليس بشيء
فإنّ الحرام المخير والمباح المخير صرح به الفقهاء وأهل الأصول قاطبة، والعجب من النحرير كيف ينكره مع اشتهاده، قال السبكي ﵀: في الأشياء مسألة يجوز أن يحزم واحد من أشياء مبهمة خلافًا للمعتزلة ونقل المسألة عن القرافي وأطال في تقريرها، ثم قال: ويفرض ذلك في مضطر وجد سمكًا ولبنًا فإن جمع بينهما فعلًا وتركا كان آثمًا، ومثل له بمثال آخر فإن أردته فراجعه، وقد ذكره ابن الهمام في تحريره أيضا، ثم إنكاره الإباحة أغرب فإنك إذا قلت لأحد انكح هندًا أو زينب وهما أختان فقد أبحت له واحدة
[ ٤ / ١٣٣ ]
مبهمة شرعا وهذا مما لا شبهة فيه، وقد قيل أيضًا إنه مثال للتحريم المبهم، ثم إني تأمّلت ما ذكر. السعد من إنكاره الحرام المخير مع أنه مصرّج به في كتب الأصول كما رأيت فتعجبت منه لجلالة قدره، ثم رأيت في شرح التمهيد أنّ العلامة قال: في شرح أصول ابن الحاجب إن ما ذكره الأصوليون فيه نظر ولم يبين وجهه وقال: كان وجهه إنه لا يتعين ترك أحدهما إذ له ترك الجميع، وكلا منا فيما يحرم لذاته لا لعارض! فالإشكال باق، وكلمة أو في النهي نحو لا تطع منهم آثمًا أو كفورًا للنهي عن واحد لا بعينه، والنهي عن الجمع من دليل آخر اهـ (أقول) فهاهنا أمور في المخير فعلهما وتركهما، وفعل أحدهما وترك الآخر في الإثبات والنفي فهذه ست وجوه، ثم لنا أيضا وجوب وحرمة وتخيير واباحة والكلام في الأمرين فالوجوب المخير إنما يتحقق إذا وجب أحدهما وامتنع ئركهما وفعلهما كالكفارة، فإنه إذا فعلها كان الآخر تطوّعا لا كفارة وإنما الكلام في المحزم كنكاح إحدى الأختين ونحوه مما ذكروه فإن كان هذا مراد النحرير كان له وجه فأمعن النظر
قوله: (هو شحم الإلية (ومنهم من فسره بالمخ لكن قال السرخسي: في الإيمان إنه لا
كول أحد لمخ العظم شحم، وأما قولهم إن الآية نوع ثالث لا يستعمل استعمال اللحوم والشحوم فقال ابن الهمام فيه نظر والعصعص بالإهمال كقنفد وعليط وزرنب منبت الذنب. رله:) ذلك التحريم أو الجزاء) جزى يتعذى بالباء وبنفسه كما ذكره الراغب وغيره، وفي ذلك هنا وجوه ككونه خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره ما بعده والعائد محذوف، وكونه شصوبا على المصدر وهو ظاهر كلام الشيخين هنا لكن ابن مالك قال: لا يشار إلى المصدر إلا إذا أتغ به نحو قمت ذلك القيام ولو قلت ذلك فقط لم يجز لكن أبو حيان رذه وقال: إنه ول ئز أيضًا ونقله عن النحاة مع شواهده وكلام ابن مالك في كتبه متناقض فيه والحق جوازه فما! ل إنهما مفعولان منصوبان بنزع الخافض فيه ما فيه وقيل إنه مفعول به مقدم، وكلام المصنف حتمله. قوله: (أو الوعد والوعيد) هو مستفاد من السياق أو التحريم لتضمنه عقاب اله هـ تكب ل وثواب المجتنب، ومعنى الصدق فيه قد تقدم تفصيله وهو رذ على من جوّز خلف الوعيد
كما بين في الكلام، وفيه نظر وقوله: واسعة على المطيعين التخصيص يؤخذ من مقابلته بلزوم عذاب المجرمين ولازب ولازم بمعنى ووقوع ما أخبر ألله به من المغيبات من وجو. الإعجاز لكلامه وليس الإعجاز به فقط كما في قول ضعيف. قوله:) أي لو شاء خلاف ذلك الخ) رذ على الزمششريّ حيث قال: سيقول الذين أشركوا أخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه قال:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ٣٥]، يعنون بكفرهم وتمرّدهم أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله بمشيئة الله تعالى وإرادته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك كمذهب المجبرة بعينه، قال النحرير: نعم هو كمذهبهم في كون كل كائن بمشيئة الله لكن الكفرة يحتجون بذلك على حقية الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من القبائح، وكونها ليست بمعص! لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر على ما هو مذهب القدرية من عدم التفرقة بين المأمور والمراد وأن كل ما هو مرادا لله فهو ليس بمعصية منهيّ عنها، والمجبرة وان اعتقدوا أن الكل بمشيئة الله لكنهم يعتقدون أنّ الشرك وجميع القبائح معصية، ومخالفة الأمر يلحقها العذاب بحكم الوعيد ويعفو عن بعضها بحكم الوعد فهم في ذلك يصدقون الله فيما دل عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما يشاء، والكفرة يكذبونه في لحوق الوعيد على ما هو بمشيئته تعالى إلى أن قال وحاصل ما قال الإمام هو أن في كلام المشركين مقدمتين إحداهما أنّ الكفر بمشيئة الله تعالى، والثانية أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبيّ! يو، وما ورد من الذمّ والتوبيخ إنما هو على الثانية إذ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه، ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى دار السلام وان كان لا يهدي إلا من يشاء. قوله: (لا الاعتذار الخ (قيل عليه أنت خبير بأنه إذا أريد الاعتذار لا ينهض ذتهم دليلأ لهم أيضا لإثبات الكسب والاختيار، فإن قيل المراد ذثهم على ما ذكروا من مقدمتهم قلنا كلامه إنما يدل على أنّ الذتم بالاعتذإر فتأمّله قلت هو لا يضرّ المصنف رحمه الله تعالى لأن المعتزلة لما جعلوه اعتذارأ، واستدلوا به
[ ٤ / ١٣٤ ]
أبطله من أصله ولا يضرّ دفعه بوجه آخر فذمّهم عند المصنف لدعوى الرضا لا لدعوى المشيئة. قوله:) ويؤيد ذلك الخ (وجه التأييد أنه لا تكذيب للرسول ﷺ في دعوى أنه لو شاء الله مشيئة إلجاء، وقسر عدم الشرك ما أشركفا لأنّ الرسول
ﷺ لا يدعي-ءفه و! ! اا! كل يب في أنّ الرسول لمجي! هـ يمنع كون ذلك مرضيا له تعالى فتكون دعواهم أنّ أفعالهم بمشيئة مرضية قيل، ولعله قال: يؤيد دون يدل! لأنّ في الاعتذار تكذيبًا أيضا فتأمّل، وقوله: (عطف الخ) بيان لوجه عطف الظاهر على الضمير المرفوع المتصل بدون تأكيد لأنه يكفي أفي فاصل فيه وتد فصل بلا والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئًا، واستدلوا بهذه الآية ونحوها وهم أجابوا بما مرّ، وفيه نظر لأنّ الفصل ينبغي أن يتقدم حرف العطف ليدفع الهجنة، والمصنف ﵀ تبع في هذا بعض النحاة بناء على أنه يكفي الفصل بين المعطوف، وإن لم يفصل حرف العطف وقد توقف فيه أبو عليّ ﵀ فتأمّل وفسر العلم بمعلوم خاص بسبب اقتضاء المقام وأوّل الإخراج بالإظهار لاختصاصه بالمحسوس. قوله: (وفيه دليل الخ) أي اتباع الظن لمجرّد التشهي والهوى لأنه ذمّهم به وهو ظن مخصوص فاسد من بعض الظن، ولذا قيل لا حاجة إلى قوله ولعل ذلك الخ، والبالغة القوية ومنه أيمان بالغة أي مؤكدة، وقوله بلغ بها صاحبها فهي كعيشة راضية في الوجهين، والحج بمعنى القصد أو النلبة. قوله: (من الحج) المشهور أنها بمعنى الغلبة وقوله كأنها تقصد الخ فهي من إسناد الشيء لسببه. قوله: (وفعل يؤنث ويجمع) ترك التثنية لعلمها بالقياس أو أراد بالجمع ما فوق الواحد فيشملها، وهذا بناء على ما اشتهر من أنّ اتصال هذه العلامات من خصائص الأفعال، واذعى أبو عليّ الفارسي أنّ ليس حرف، واتصلت به الضمائر في لست ولستما ولستم لشبهه، لفعل لكونه على ثلاثة أحرف، وبمعنى ما كان كما لحق الضمير هاني وهاتيا وهاتوا مع كونه اسم فعل لقوّة مناسبته للأفعال فعلى هذا القول يكون اسم فعل مطلقًا كما في شرح التسهيل، رمليه الرضي فإنه قال وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظرًا إلى أصله ومن لم مف على الخلاف في هذه المسألة نقل كلام الرضي معترضا به على المصنف رحه ٤ الله. رله: (وأصله الخ) حذف الألف لأنّ أصله المم فاللام ساكنة بحسب الأصل، وأما استبعاد
المصنف رحه الله فدفع بما نقله الرضي عن الكوفيين من أنّ أصل هل أمّ هلا أمّ وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع، فغير إلى هل لتخفيف التركيب، ونقلت ضمت الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس في نحو قد أفلح إلا أنه ألزم هذا التخفيف هنا لثقل التركيب. قوله:) ويكون متعذّيا) بمعنى احضروأت، ولازما بمعنى أقبل كقوله هلمّ إلينا، واعترض عليه بأنه فسرها في سورة الأحزاب بقرب نفسك إلينا، فجعله متعديا وقدر مفعوله فبين كلاميه تناف، وهو مع كونه مناقشة في المثال ليس بوارد لأنه بنى كلامه هنا على الظاهر المتبادر، وأبدى ثمة احتمالًا من عنده مع أنه قيل إنه تحقيق لمعنى اللزوم وإلا قال قربوا غيركم فتأفله. قوله: (يعني قدوتهم فيه الخ) أي المراد بالشهداء كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم، والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم فلذا فرّع عليه قوله فإن شهدوا، وقوله ولذلك قيد الشهداء بالإضافة أي قال شهداءكم ولم يقل: شهداء لأنّ المراد بالشهداء الشهداء المعروفون بالباطل فلذا إضافة للدلالة على ذلك وفرّع عليه ما بعده وعبر عنهم بالموصول لما مرّ من أنّ الصلة يجب أن تكون معلومة، وعلم من كلامه هنا أن الصفة لا يجب فيها أن تكون معلومة، بل أن تكون ثابتة للموصوف فقط فلا حاجة إلى التوفيق بينهما، كما وقع لكثير فتكلفوا ما تكلفوا والا لم يكن فرق بين الذين يشهدون وشهداء يشهدون. قوله: (فلا تصدقهم الخ (فلا تشهد استعارة تبعية وقيل: مجاز مرسل من ذكر اللازم وارادة الملزوم لأنّ الشهادة من لوازم التسليم، وقيل كناية وقيل: مشاكلة وزاد قوله وبين لهم فساده لأنّ السكوت قد يشعر بالرضا. قوله: (للدلالة الخ (كذا في الكشاف وقد قيل عليه إنه لا دلالة للإضافة على الحصر، وغاية التوب أنّ اتباع الهوى مطلقا ممنوع، فلما أضافه إليهم في مقام المنع عن اتباع الهوى علم أنّ صاحب الهوى ليس إلا مكذب الآيات ولا يخفى ما فيه، وقيل وجهه إن الاتباع منحصر في الهوى
[ ٤ / ١٣٥ ]
والحجة وانّ متبع أحدهما لا يكون متبعا للآخر للمنافاة بينهما وضمير بها للأيات، وقوله فاتسع فيه يعني استعمل المقيد في المطلق مجازا وهو ظاهر، وقوله الخبرية هو مقابل الاستفهامية فهي موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف حينئذ. قوله: (وأصله أن يقوله من كان في علو) ي! ضمل أنه هنا
على الأصل تعريضا لهم بأنهم في حضيض الجهل ولو سمعوا ما يقول ترقوا إلى ذروة العلم وقمة العز. قوله: (لأنه بمعنى أقل الما كان أتل بمعنى أقل صح أن يعمل في الجملة بناء على المذهب الكوفي من أنه يحكي الجمل بكل ما تضمن معنى القول، وغيرهم يقدّر فيه قائلًا ونحوه فمن اعترض بأن الناصب للجملة إنما هو الماذة المخصوصة لا ما يكون من أقسامها فإن التلاوة والأمر والنهي تنصب المفرد مع كونها من باب القول لم يصب واسم الاستفهام معمول حرّم تقدّم عليه لا أتل لئلا تبطل صدارته والمعنى أقل لكم وأبين جواب هذا الاستفهام. قوله: (أي لا تشركوا الخ) أي أنّ إن هنا تفسيرية لا مصدرية فلذا عبر بأي التفسيرية لاستيفاء شرطها وهو تقدّم ما فيه معنى القول دون حروفه. قال النحرير: نظم الكلام لا يخلو عن خفاء لأنّ إن إمّا مصدرية أو مفسرة فمان جعلت مصدرية كانت بيانا للمحرّم بدلًا من ما أو عائده المحذوف، وظاهر أنّ المحرّم هو الإشراك لا نفيه وان الأوامر بعده معطوفة على لا تشركوا فيه عطف الطلبي على الخبري، وجعل الواجب المأمور به محرّمًا فاحتيج إلى تكلف كجعل لا مزيدة وعطف الأوامر على المحرّمات باعتبار حرمة أضدادها، وتضمين الخبر معنى الطلب وأما جعل لا ناهية وصلة لأن المصدرية كما جوزه سيبويه ﵀ إذ عمل الجازم في الفعل وألناصب في لا مع الفعل، فلا سبيل إليه هنا لأن زيادة لا الناهية لم يقلى به أحد ولم يرد، فإن جعلت مفسرة ولا ناهية والنواهي بيان لتلاوة المحرّمات أشكل عطف، وانّ هذا صراطي مستقيمًا الخ على أن لا تشركوا مع أنه لا معنى لعطفه على أن المفسرة مع الفعل وعطف الأوامر المذكورة على النواهي، فإنها لا تصلح بيانًا لتلاوة المحرّمات بل الواجبات، والزمخشري اختار كونها مفسرة، وعطف الأوامر لأنها معنى نواه ة ولا سبيل حينئذ لجعل إق مصدرية لما مرّ وأجاب عن الإشكال الأوّل بأنّ هذا صراطي تعليل للاتباع متعلق باتبعوه على حذف اللام وجاز عود ضمير اتبعوه إلى الصراط لتقدمه في اللفظ، فإن قيل فعلى هذا يكون اتبعوه عطفا على لا تشركوا ويصير التقدير وفاتبعوا صراطي لأنه مستقيم، وفيه جمع بين حرفي عطف أعني الواو والفاء وليس بمستقيم، وان جعلنا الواو استئنافية اعتراضية قلنا ورود الواو مع الفاء عند تقديم المعمول فصلًا بينهما شائع في الكلام مثل: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣، و﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآية: ١١٨ فإن أثبت الجمع البتة ومنعت زيادة الفاء فاجعل المعمول متعلقًا بمحذوف والمذكور بالفاء عطفًا عليه مثل عظم فكبروا دعوا الله فلا تدعوا مع الله وآثروه فاتبعوه، وعن الإشكال الثاني بان عطف الأوامر على النواهي الوأقعة بعد أن المفسرة لتلاوة المحرّمات مع القطع بأن المأمور به لا يكون محرّما دل على أن التحريم راجع إلى أضدادها بمعنى أن الأوامر قصد لوازمها حتى كأنه قيل لا تسبوأ الوالدين ولا تبخسوا الكيل والميزان ولا تتركوا العدل ولا تنكثوا العهد، ومثله وان
لم يجز بحسب الأصل ربما يجوز بطريق العطف انئهى، واختار أبو حيان ﵀ إن في الكلام مقدّرا وأصله اتل ما حرّم وما أوجب والتفسير لهما، وقال: إنه أقرب مما ذكروه. قوله: (تعليق الفعل المفسر بما حرّم) أي جعله عاملًا فيه وهو معنى التعليق إذا تعدى بالباء لا بعن والمراد بالفعل المفسر بفتح السين اتل لا بكسرها كما توهم ومن فسر تعليق المفسر بجعله تفسيرًا لما حرّم فقد وهم، وقوله: (إلى أضدادها) مرّ تفسيره. قوله: (ومن جعل أن ناصبه الخ) فهو اسم فعل بمعنى الزموا وما قيل إن انتصاب أن لا تشركوا بعليكم يأباه عطف الأوامر، إلا أن تجعل لا ناهية وأن المصدرية موصولة بالأوامر والنواهي على ما جوّزه الزمخشري نقلًا عن سيبويه، تكلف! لا حاجة إليه لجواز العطف على العامل أعني عليكم لأنه بمعنى الزموا. قوله: (أو بالبدل من ما أو من عائده المحذوف) قيل لا يجوز أن يكون بدلًا من المحذوف والمبدل منه في حكم التنحية، والسقوط بواسطة كونه غير مقصود
[ ٤ / ١٣٦ ]
بالنسبة فلو حذف لفظًا أيضا لم يبق له اعتبار ًا صلًا، والعجب من النحرير إنه جوّز ذلك هنا وقد أشار في المطول إلى ما حققناه في حواشيه وهو تحيل لا وجه له وقد مرّ ما فيه، وقيل إن جعلت إن مصدرية فلا إمّا زائدة أو ناهية أو نافية وكلها باطلة لعطف الأوامر فلو كانت زائدة لكان المأمور به محرّما لأن التقدير حينئذ حرّم أن تشركوا وأن تحسنوا وعلى النهي يجتمع ناصب وجازم على فعل واحد وهو غير جائز وعلى النفي يلزم عطف الطلب على الخبر إلا أن يقال الخبر متضمن للطلب إذ هو في معنى النهي، ورد بأن المعاني الواجبة تجعل محرّمة باعتبار أضدادها كما مرّ وأما جعل لا ناهية وان جوّز اجتماع الناصب والجازم فلا سبيل إليه كما مرّ، وتضمن الخبر معنى الطلب تكلف، وقيل الإنشاء هنا مؤوّل بمفرد فيجوز أن يعطف على الخبر المؤوّل به، وقيل إنه على هذا الأوامر معطوفة على تعالوا لا على لا تشركوا حتى يلزم ما ذكر وعلى تقدير اللام فالجواب عن عطف الأوامر ما مرّ، وقوله: (أو المحرّم أن تشركوا) إشارة إلى زيادة لا في هذا الوجه وقوله يحتمل المصدر فيكون معناه إشراكا ما وعلى المفعولية شريكا ما. قوله: (وضعه موضع النهي الخ) جعله كناية عن ذلك لتتناسب المعطوفات، ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ولأنّ الإحسان إذا لم تترك معه الإساءة لا يعتد به كما قال أبو الطيب:
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى ~ فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
وإن قال في مقام آخر:
أنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان واجمال
قوله: (ومن خشيتة الخ) إشارة إلى أنّ الآية شاملة لقتل الأولاد للفقر الحاصل بالفعل أو لخشية الفقر في المستقبل، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وقيل: إن الخطاب في كل آية لصنف منهم، وليس خطابا واحدا فالمخاطب بقوله: ﴿مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ من ابتلى بالفقر وبقوله: (خثية إملاق) من لا فقر له ولكنه يخشى الفقر ولهذا قدم رزقهم هنا فقيل: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وقدّم رزق أولادهم في مقام الخشية فقيل: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ وهو كلام حسن. قوله: (أو الزنا) فجمع الفواحش للمبالغة أو باعتبار تعدد من يصدر منه ورجح بعضهم هذا التفسير، وقوله كالقود مما أجازه الشرع كدفع الصائل وغيره. قوله:) فإنّ كمال العقل هو الرشدا لما كان أصل العقل ثابتا لهم أوّله بما ذكر وهو ظاهر، وقال: هنا تعقلون وفيما بعده تذكرون مع التفنن بالتعبير بالأمر والنهي لأنّ المنهيات كالشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس كانت العرب لا تستنكف منها، وأما إحسان الوالدين وايفاء الكيل وصدق القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه فلذا أمروا بالثبات عليه وتذكره فتدبره. قوله: (حتى يصير بالغًا الخ) يعني المراد به هنا البلوغ لا أن يبلغ ثلاثة وثلاثين أو أربعين فإنه وان كان معنى له لكنه ليس بمراد هنا بل في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ١٥] سنة، وهو من الشدة أي القوّة أو الارتفاع من شذ النهار إذا ارتفع، واختلف فيه على خمسة أقوال فقيل هو جمع لا واحد له، وهو قول الفراء وقيل: هو مفرد وأفعل ورد مفردًا نادرًا كآنك، وقيل هو جمع شدة كنعمة وأنعم وقدّر فيه زيادة الهاء لكثرة جمع فعل على أفعل كقدح وأقدح، وقال ابن الأنباري: إنه جمع شد بضم الشين كود، وأودّ وقيل جمع شد بفتحها وهو هنا غاية من حيث المعنى لا من حيث التركيب اللفظي، ومعناه احفظوا على اليتيم ماله إلى بلوغ أشذه فادفعوه إليه قاله أبو حيان ﵀: وآنك بالمذ وضمم النون إلا سرب ولم يأت في المفردات على هذا الوزن
غيرهما كما في القاموس وتوله: (ما يسعها) إشارة إلى أنّ فعلا بمعنى فاعل، وقوله وذكره لما كان فيه حرج مع كثرة وقوعه رخص فيما خرج عن طاقتهم ويحتمل رجوعه إلى ما تقدم أي جميع ما كلفناكم ممكن ونحن لا نكلف ما لا يطاق، وقوله: (يعني ما عهد الخ) يحتمل أيضًا أنّ المراد ما عاهدتم الله عليه من إيمانكم ونذركم، وتخفيف تذكرون بحذف إحدى التاءين. قوله: (الإشارة فيه الخ (أي باعتبار أكثره وقيل المشار إليه من قوله: (تعالوا إلى هنا) وقيل المشار إليه شرعه ﷺ ويلائمه قوله ولا تتبعوا السبل، وإذا كان تعليلا مقدما فيه جمع حرفي عطف وقد مرّ توجيهه. قوله:) فتفرقكم الخ (إشارة إلى أن الباء للتعدية وأصل تتفزق وهو منصوب
[ ٤ / ١٣٧ ]
في جواب للنهي. قوله:) وصاكم به) قيل لما كان في الوصية معنى الاهتمام والمحافظة زيادة على معنى الطلب استعيرت للأمر المؤكد والموصى به نفس ما ذكر لا حفظه لما عرفت إن معنى الحفظ ينتظم معنى الوصية، وقيل عليه إن الوصية قد تكون بالإتلاف كبذل المال وذبح القرابين والإعتاق فتأقلى. قوله: (عطف على وصاكم (فيه تسمح أي على جملة ذلكم وصاكم وفيه إشارة إلى أنّ الاسمية التي خبرها فعليه في معنى الفعلية فلذا حسن عطف الفعلية عليها. قوله: (وثم للتراخي في الإخبار الخ (الترتيب الإخباري في نحو بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب ذكره الفراء، وقال ابن عصفور أنه ليس بشيء لأنّ ثم تقتضي تأخير الثاني عن الأوّل بمهلة ولا مهلة بين الإخبارين يعني أنه لا بذ من الرجوع إلى أنها انسلخ عنها معنى الترتيب أو أنه ترتيب رتبي كما يشير إليه قوله أعجب في المثال، وقول المصنف هنا أعظم وعلى هذا فهي لفصل الخطاب الثاني عن الأوّل، وفصل ا! خطاب هو التفاوت الرتبي بعينه فمن قال: لا يبعد أن تكون ثم للإشارة إلى الانتقال من كلام إلى آخر فتكون بمنزلة فصل الخطاب، وكنا كثيرا نسمعه من أهل التدويون فوجدنا أصله هنا والتراخي في الإخبار إنما يكون
لو كان ثم آتينا متراخيا في الإنزال لم يأت بشيء من عنده مع أنّ الألفاظ المنقضية تنزل منزلة البعيد كما مرّ في ذلك الكتاب فلا حاجة إلى أنّ التراخي في الإخبار باعتبار توسط جملة لعلكم تتقون بينهما، وأما الترتيب الرتبي فأن يكون الثاني أعظم من الأوّل لأنّ التوراة المشتملة على الأحكام والمنافع الجمة أعظم من هذه الوصية المشهورة على الألسنة فاندفع إنّ إنزال التوراة تقدّم على هذه الوصية القرآنية، وقوله قديمًا وحديثا إشارة إلى عدم الترتيب الزماني وان صح التراخي باعتبار ابتدائها كما في سائر الأمور الممتدّة فلا يرد أنّ إنزال التوراة أعلى حالًا من الوصية الواقعة هنا، وفي الكشاف هذه التوصية قديمة لم تزل توصاها كل أمّة على لسان نبيهم. (قبل فيه بحث) لأنّ المراد بالموصى بها إما مطلق بني آدم وخطاب وصاكم لهم أو الكفار المعاصرون له ﷺ والخطاب لهم لا سبيل إلى الأوّل لأنّ الخطاب السابق واللاحق للمعاصرين كما لا يخفى، ولا إلى الثاني لأنّ الوجه المذكور لصحة عطف الإيتاء على التوصية بثم لا يكون حينئذ مستقيما لأنّ الإيتاء حينئذ قبل التوصية بدهر طويل، فظهر أن حمل، ثم على التراخي الزماني بعيد ولعل المصنف تركه لهذا، وليس بشيء مع التأمّل الصادق. قوله: (للكرامة والنعمة) قيل إشارة إلى أنه في موقع المفعول له وجاز حذف اللام لكونه في معنى إتماما ويحتمل أنه مصدر لقوله آتينا من معناه لأنّ إيتاء الكتاب إتمام للنعمة كأنه قيل أتممنا النعمة إتماما فتمام بمعنى إتمام كنبات في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: ١٧، وقوله للكرامة مفعوله أو أصله إيتاء تمام أو هو حال كما سيأتي. قوله: (على من أحسن القيام الخ) هذا محصل ما في الكشاف بلا فرق قال النحرير يريد ًانّ الذي أحسن إقا للجنس أو للعهد والمعهود أما موسى عخي! ففاعل أحسن ضمير موسى ﷺ ومفعوله محذوف يعود إلى الموصول، وتماما على هذا حال من الكتاب وأما على قراءة أحسن بالرقع فخبر مبتدأ محذوف والذي وصف للدين أو للوجه الذي يكون عليه الكتب وتمامًا على الوجهين حال من الكتاب، وعلى الذي في الوجه الأوّل متعلق به، وهو بمعناه المصدري وفي الثاني مستقز حال بعد حال وتمامًا بمعنى تافا أي حال كون الكتاب تامًّا كائنا على أحسن ما يكون والأحسنية بالنسبة إلى غير دين الإسلام، وغير ما عليه القرآن لقوله بعده وهذا كتاب الخ وقوله أي زيادة بيان لحاصل المعنى وليس لتضمين الزيادة حتى يتعذى بعلى لأنّ الإتمام يتعذى بها أيضًا نحو وأتممت عليكم. قوله: (ونصبهما يحتمل العلة والحال والمصدر (قيل قوله للكرامة يأبى
المصدرية وفيه نظر ثم إنه فسر قوله تفصيلًا بتفصيل ما يحتاج إليه في الدين فقيل إن فيه دلالة على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى ﷺ وقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿تَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة يوسف، الآية: ١١ ا] فلو صح ما ذكره لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضا، وقوله: (لعل بني إسرائيل الم يجوّز عوده على الذي بناء على الجنسية لأنه لا يناسب بربهم يؤمنون. قوله: (كراهة أن تقولوا الخ الما كان هذا بحسب الظاهر لا يصلح
[ ٤ / ١٣٨ ]
للعلية لأنزلنا المذكور أوّلوه بتقدير المضاف أو حذف لا كما عرفت في أمثاله كذا قيل، وقيل فيه إنّ العامل فيه أنزلنا مقدرًا مدلولأ عليه بنفس أنزلناه ولا جائز أن يعمل فيه أنزلناه الملفوظ به لئلا يلزم الفصل بين العامل، ومعموله بأجنبي وذلك إنّ مبارك إمّا صفة وإما خبر وهو أجنبي على كل من التقديرين والذي منعه هو قول الكسائيّ ﵀ وقيل لا حاجة إلى التقدير بأن تجعل اللام لام العاقبة وأما كون القول في المستقبل علة لإنزاله باعثا عليه فلا يغني عما ذكر فتأمّل. قوله: (ولعل الاختصاص الخ الا شبهة في أن الزبور معروف مشهورا إلا أنه لا أحكام فيه فأل في الكتاب للعهد ومنه يعلم إنه لا كتاب للمجوس.
قوله: (وإنه) كذا قدره الزمخشري، وليس مراده تقدير معمول للمخففة كما صرّج به السفاقسي بل لما بين إنّ أصلها الثقيلة أتى معها بالضمير لأنها لا تكون إلا عاملة فلا يتوهم إنه ذهب إلى أعمال الخفيفة، وكذا من قدرها بانا كنا فلا يرد قول أبي حيان ﵀ إنّ المخففة من الثقيلة إذا لزمت اللام في أحد جزأيها ووليها الناسخ فهي مهملة لا تعمل في ظاهر ولا مضمر ثابت ولا محذوف، فهذا مخالف الكلام النحاة وكذا تبعه في المغني والدرّ المصون، ولا حاجة إلى الاعتذار بأنّ الزمخشري لا يسلم ذلك، وقال ابن الحاجب في أماليه إنما لم نحكم بتقدير ضمير الشأن في المخففة المكسورة لما ثبت إعمالها في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًاّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة هود، الآية: ١١ ا] فإن قيل فليقدر إذا لم تعمل في نحو إن زيد قائم قيل إنه لو قدّر لوجب امتناع العمل لتعذر أن يكون لها اسمان وتد جاز العمل
بإجماع البصريين، وهذا إنما يتم لو قيل بتقديره دائمًا ولو ظهر عملها ولا داعي إليه فليقدر إذا لم يظهر عملها، وقوله لا ندري ما هي لأنا أميون أو لأنها ليست بلغتنا، والثقابة بمثلثة وقاف وموحدة النفوذ والحدة، ويروى بالفاء بدل الموحدة من قولهم غلام ثقف لقف أي ذو فطنة وذكاء، والتلقف التلقي بسرعة وقوله حجة واضحة تعرفونها لظهورها وكونها بلسانكم، وقوله بعد أن الخ تقسيم لهم فان منهم العارف ومنهم المتمكن من المعرفة. قوله: (أعرض أو صد (يعني هو إما لازم بمعنى أعرض أو متعد بمعنى صدّه عن الأمر منعه وصد وان ورد لازمًا لكن أكثر فيه التعدي، ولذا لم يقيده بمفعول لشهرته، وقوله فضل ناظر إلى التفسير الأوّل وأضل إلى الثاني ووقع في نسخة أو بدل الواو فيهما وهي للتقسم كالكلمة اسم أو فعل أو حرف فهما بمعنى ولا اعترإض عليه كما توهم. قوله: (أي ما ي! ظرون الخ) قيل جعل الاستفهام للإنكار وأنكر الرضي كون هل للاستفهام الإنكاري فالأظهر إنه تقريري (قلت) الرضي بعد ما ذكر إنها لا تكون للإنكار قال: إنها تكون للتقرير في الإثبات كقوله هل ثوّب الكفار أي لم يثوّبوا وافادتها فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها إلا وهو مراد المصنف ﵀ إلا أنه لما اقتضى وقوعه أشار بقوله شبهوا بالمنتظرين إلى أنه فرضي وهو دقيق فالانتظار استعارة وليس على كل أحد أن يقلد الرضي، وقد صرّج في المغني بأنّ هل تكون للإنكار. قوله: (أي أمره بالعذاب الخ) وتفسير. بكل الآيات ليقابله بعضها قيل، ولو حمل على حقيقته لابتنائه على اعتقاد الكفرة، كقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ﴾ اسورة البقرة، الآية: ٢١٥] لم يبعد والحق أنه بعيد بل باطل لأنّ في قوله إنا منتظرون تقريرًا وتجويزًا كما أفاده بعض الفضلاء. قوله: (وعن حذيفة الخ) (١) إنما هو معروف من حديث حذيفة بن أسد كما في صحيح مسلم، كذا قاله العراقي، وجزيرة العرب بلادهم وهي كما قال أبو عبيد: صقع من الأرض ما بين خرق أبي موسى الأشعري ﵁ إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، قال الأزهري: سميت جزيرة لأنّ بحر فارس وبحر
السودان أحاط بجانبينا وأحاط بجانب الشمال دجلة والفرات وسياتي تفسير الدخان والنار المذكورة بأن تطرد الناس إلى محشرهم وقيل غير ذلك. قوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك الخ) قال خاتمة المفسرين وتبعه غيره يعني الآية المذكورة في صحيح مسلم عنه ﷺ: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا لىلمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في للمانها خبرا طلوع الشمس من منربها والدجال ودابة الآرض ") ١) وفي الصحيحين: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها
[ ٤ / ١٣٩ ]
الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا لىلمانها " (٢ (ثم قرأ الآية فبعد هذا التعيين منه ﷺ للمراد من الآية في القرآن كيف تفسر بغير ما عينه كيف، ونزول عيسى ﷺ الدعوة الخلق إلى دين الحق بعد خروج الدجال له، قيل فيجوز أن يكون عدم القبول ممن عاين الخروج لا من كل أحد مطلقا كما قالوا نظيره في طلوع الشمس من مغربها (أقول) هذا مسبوق إليه وسيأتي تفصيله وقال القاضي عياض ﵀ الحكمة في هذا إنه أوّل ابتداء قيام الساعة يتغير العالم العلوي، فإذا شوهد حصل العلم الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهذا معنى قول المصنف ﵀ كالمحتضر إذا صار الأمر عيانا وليس المراد تفسير بعض الآيات بما يشاهده المحتضر من الملائكة فهو تنظير وتمثيل له، ويحتمل أن يريد التعميم لما يشمل المذكور وغيره ففيه إشارة خفية إلى تفسير بعض الآيات الثاني بما يصير به الأمر عيانا وذلك إنما يكون بطلوع الشمس من مغربها كمشاهدة ملائكة الموت وفسره فيما مضى بالإشراط مطلقا، وقولهم المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى ليس على إطلاقه بل إذا كان الظاهر الإضمار وعدل عنه إلى الإظهار قد يقتضي ذلك تغايرهما كما في شرح التلخيص، وعدل عن تفسير الزمخشري هنا له بالإشراط لمخالفته الأحاديث الصحيحة وما عليه لمحققون، وكذا ما قيل لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض، فقد قال ابن حجر رحمه الله تعالى: إنّ فيه نظرا لأن خروج عيسى ﷺ بعد خروج الدجال، وهو يقبل الإيمان إلا أن يقال إنها كلها في يوم واحد ونصوص الأحاديث ناطقة بخلافه ومن غفل عن إنّ هذا الحديث معارض! لما هو أصح منه تثبث به هنا فالحق إنه يجب أن يكون المراد ببعض الآيات التي لا ينفع الإيمان بعدها طلوع الشمس من مغربها كما هو الموافق للأحاديث الواردة في عدم قبول التوبة، فقول
المصنف رحمه الله تعالى يعني إشراط الساعة تفسير للآيات أو نقول المراد ببعض الآيات في قوله يوم يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها لا مطلق الإشراط، وفي الزواجر مقتضى الأحاديث إنه لا يقبل بعد ذلك أبدًا لكن الظاهر قبول ما وقع بعد ذلك من غير تقصير كمن جن، وأفاق بعد ذلك أو أسلم بتبعية أبويه وسيأتي ما يؤيده.
تنبيه: روى العراقي في شرح التقريب لفظ حديث صحيح اتفق عليه الشيخ، وبعض أصحاب السنن لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك معنى قول الله لا ينفع نفسا إيمانها وهو يدل على أنّ عدم قبول الإيمان والتوبة مخصوص بطلوع الشمس من مغربها ويخالفه ما في مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عته مرفوعا: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًاللمانها طلوع الشمس من منربها والدجال ودابة الأرض " (٩ (، وفي رواية: " إحدى ثلاث " وفي بعضها: " يأجوج ومأجوج " وهذا يعارض الأحاديث الأولى المعينة لطلوع الشمس من مغربها وهي الصحيحة رواية ودراية وعليها المفسرون والمحذثون قال وفي ثبوت ذلك بخروج الدجال إشكال فإنّ نزول عيسى ﷺ بعده وفي زمنه خير كنير دنيوي، وأخروي والظاهر قبول التوبة وهو المصرح به قال ابن عطية ﵀: ويؤيده منع الغرغرة من القبول وإذا أخبر النبيّ جم! رو بتخصيص مانع القبول بالطلوع في الحديث الصحيح لم يجز العدول عنه وتعين إنه معنى الآية فلا ينفع إيمان كافر ولا توبة عاص فيبقى كل أحد على الحال التي هو عليها وسببه إنه إذا شوهد تغير العالم العلوي يحصل الإيمان الضروري وهم مكلفون بالإيمان بالغيب، وقال البلقيني ﵀: إنه إذا تراخى الحال بعد طلوعها وطال العهد حتى نسي قبل الإيمان والتوبة لزوال الآية الملجئة، وقال العراقي وحمه الله: فيه نظر لأن الظاهر إنه لا يطول العهد حتى ينسى ولا دليل له فيما اذعاه اهـ (أقول) ما اعترض به على البلقيني غير متجه لما رواه القرطبي رحمه الله تعالى في تذكرته عن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ: " إن الناس يبقون بعد طلوع الشمس من منربها مائة وعشرين سنة " (٢ (ونقله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وقال إنه نص في ردّ ما قالوه، وفي سوق العروس لابن الجوزي أن الشمس تطلع من مغربها ثلاثة أيام بلياليها ثم
[ ٤ / ١٤٠ ]
يقال لها ارجعي من مطلعك فتلخص من هذا إنّ الآية المانعة من قبول الإيمان والتوبة إنما هي طلوع الشمس من مغربها، وهو الصحيح عند المفسرين والمحذثين والأحاديث الأخر غير منافية لها أمّا من جعلها عدة آيات فهي آخرها المتحقق بها ذلك، وأما كونها إحدى آيات فهي محمولة على المعينة في الحديث لأنها أعظمها وإنما أخفاها الله كما أخفى علم الساعة حثا لهم على تقديم التوبة كما أخفى ساعة الإجابة وليلة القدر، وأما كون التوبة تقيل
بعدها إذا تراخى العهد فهو حق كما قبل إيمان أبوى النبيّ ﷺ بعد الغرغرة، ومشاهدة أهوال البرزخ وإن توقف فيه بعض مشايخنا وإنما ذكرنا هذا مع طوله لأنه من أنفس الذخائر التي يجب حفظها في كنوز الدفاتر. قوله: (والإيمان برهانئ) أي عيني ليعمّ التقليد وقرينة المجاز مقابلته بالعياني، وعبر عنه بالبرهاني لأنّ حقه أن يكون كذلك واعلم أنّ الآيات المذكورة منها ما هو موجود كالدجال والدابة والخسف والنار، ومنها ما هو ممكن غير خارق للعادة فعلم وجه اختصاصها بطلوع الشمس من مغربها فاعرفه. قوله: (وقرئ تنفع بالتاء الخ) قال ًا هل العربية المضاف يكتسب من المضاف إليه أمورا منها التذكير والتأنيث لكن في المغني شرط هذه المسألة صلاحية المضاف للاستغناء عنه، ومن تمت ردّ ابن مالك ﵀ في التوضيح قول أبي الفتح بن جني في توجيه قراءة أبي العالية لا تنفع نفسا إيمانها بتأنيث الفعل إنه من باب قطعت بعض أصابعه لأنّ المضاف لو سقط هنا لقيل نفسا لا تنفع بتقديم المفعول ليرجع إليه الضمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعلية، ويلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره نحو زيدًا ظلم تريد أنه ظلم نفسه وذلك لا يجوز اهـ.
(أقول) هذا عجيب منه فإنه أخذ الضاز من كلامه وترك النافع منه فإنه قال بعد هذا وقد
يصحح قول ابن جني بأن يجعل لسريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف سبب آخر وهو كون المضاف شبيهًا بما يستغنى عنه، فالإيمان وان لم يستغن عنه في لا ينفع نفسا إيمانها يستغنى عنه في سرتني إيمان الجارية فيسري التأنيث إليه لوجود الشبه كما يسري إليه بصحة الاسنغناء عنه، ويؤيده قول ابن عباس ﵄: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فسرى تأنيث البطون والقلوب إلى الشحم والفقه مع أنهما لا يستغنى عنهما بما أضيف إليهما لكنهما شبيهان بما يستغنى عنه في نحوأعجبتني شحم بطون الغنم، ونفعت الرجال فقه قلوبهم وقد يكون تأنيث كثيرة وقليلة بتأويل كتاويل الشحم بالشحوم والفقه بالفهوم، اهـ فالمراد بالاستغناء الاستغناء حقيقة أو حكما مع أنه على تقدير السقوط لا يلزم إجراء أحكام السقوط بالفعل، كما مرّ في أنّ المبدل منه قد يكون ضميرا رابطا وأمّا قول النحرير: إنهم عنوا بالبعض ما يكون أعمّ من أجزاء الذات وصفاتها القائمة بها، فكأنه عنى هذا وإلا فلا يخفى ما فيه وقال أبو حيان: إنه أنث بتأويل الإيمان بالعقيدة والمعرفة مثل جاءته كتابي فاحتقرها على معنى الصحيفة وتبعه من قال: أريد بالإيمان المعرفة، ويرشدك إليه قراءة لا تنفع بالتاء وبكسب الخير الإذعان والقبول، ونحن معاشر أهل السنة نقول بموجبه من أنّ الإيمان النافع مجموع الأمرين فلا حجة فيه للمخالف لأنّ مبناه على حمل الإيمان على المعنى الاصطلاحي المخترع بعد نزول القرآن، وتخصيص الخير بما يكون بالجوارح، وكل منهما
خلاف الأصل، وفيه نظر. قوله: (وهو دليل الخ) قالت المعتزلة: الآية دالة على عدم الفرق بين النفس الكافرة إذا آمنت عند ظهور أشراط الساعة، وبين النفس التي آمنت من قبلها، ولم تكسب خيرا يعني إنّ مجزد الإيمان بدون العمل لا ينفع والاعتراض بأنّ أحد الأمرين في سياق النفي يفيد العموم كالنكرة على ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٤] فعدم النفع يكون للنفس التي لم يكن منها الإيمان ولا كسب الخير مدفوع بأنه لا يستقيم هنا لأنه إذا انتفى الإيمان انتفى كسب الخير في الإيمان، والحاصل أنّ أو إذا وردت في النفي فهو لنفي أحد الأمرين فإن اعتبر عطف أحد الأمرين على الاخر ثم سلط النفي عليه يفيد شمول العدم عند الإطلاق إلا إذا قامت قرينة حالية ًا ومقالية على أنه لا يقاع أحد المعينين فحينئذ يفيد الشمول كما في هذه الآية لأنّ اشتراط أحد الأمرين
[ ٤ / ١٤١ ]
إنما يحسن إذا تحقق كل منهما بدون الآخر، ولأنه إذا انتفى الإيمان انتفى كسب الخير في الإيمان بالضرورة فيكون ذكره لغوًا من الكلام، أو يؤوّل بأنّ المراد أنهما معا شرطان في النفع والعدول إلى هذه العبارة لتفيد المبالغة في أنهما سيان وإنما يستحسن إذا كان الأوّل أعرف بالشرطية كالإيمان والكسب في هذه الآية ومنه علم الجواب عن الأؤل، وقد أجيب عن اللغوية بأنه لما كان النفع مشروطا بأحد الأمرين سبق الإيمان أو الكسب المذكور، وان كان تحقق أحدهما مستلزما للآخر ظهر وجه عدم الإيمان لنفس خلت عنهما ولا يضر بالمقصود كون الخلوّ عن سبق الإيمان مستلزما للخلوّ عن الكسب لأن غرضنا بيان عدم نفع إيمان نفس خلت عنهما وهذا حق بسبب اشتراط النفع بأحدهما فلا يضرّنا كون الخلو عن واحد مستلزمًا للخلو عن الآخر، ولا حاجة إلى ما تكلف في الاشتراط بأحد الأمرين من أنه يجب اعتبار العمل الصالح سابقًا بأن يقال النافع هو العمل الصالح في الإيمان فإن لم يوجد فالإيمان ولا يجوز أن يقال النافع هو الإيمان فإن لم يوجد فالعمل الصالح في الإيمان لأنّ الإيمان إذا انتفى انتقى العمل الصالح عنه بالضرورة وقال بعض المحققين لا يخفى إنّ استدلال المعتزلة لا يخلو عن قوّة، وقد أجاب عنه أهل السنة تارة بأنّ المراد بالخير الإخلاص وبالإيمان ظاهره من القول والعمل وفيه بعد، وتارة بأنّ الآية من اللف التقديري أي لا ينفع نفسًا إيمانها وكسبها الخير في الإيمان فتتوافق الآيات والأحاديث الشاهدة بأنّ مجرّد الإيمان نافع ويلائم مقصود الآية وهو تحسير الذين أخلفوا ما وعدوا من الرسوخ في الهداية عند إنزال الكتاب حيث كذبوا وصدفوا عنه وفيه إنه ذكر في الخلاصة وغيرها إن توبة اليأس مقبولة وان لم يكن إيمانه مفبولًا، لكن وقع في جامع المضمرات خلافه.
(قلت) هو الصحيح الوارد في الأحاديث الصحيحة كما مرّ ثم قال والأظهر في الجواب
أن يقال المراد بالنفع كما له أي الوصول إلى رفيع الدرجات والخلاص عن الدركات بالكلية، ويرد على المعتزلة أنّ الخير نكرة في سياق النفي فيعمّ ويلزم أن يكون نفع الإيمان لمجرّد الخير
ولو واحدًا وليس كذلك فإنّ جميع الأعمال الصالحة داخلة في الخير عندهم وهو لا يرد على المصنف ﵀ لأنه ناقل لكلامهم. قوله: (وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم) أي لتخصيصه بالذكر ولتقديمه فعدم اعتبار الإيمان المجرّد عن العمل مخصوص بمن أدرك ذلك اليوم بغير عمل فلا تثبت الآية مدعاكم وهو جواب جدلي لا يخفى ضعفه وإلا فالإيمان المتقدّم على ذلك نافع مطلقأ عندنا، وقوله حمل الترديد الخ محصله كما مرّ عموم النفي لا نفي العموم. نوله: (والعطف على لم يكن الخ) وأو على هذا بمعنى الواو، وإذا لم ينفع الإيمان الحادث من غير تقدّم مع كسب الخير فعدم نفعه بدونه بطريق الأولى واليه أشار بقوله وإن كسبت فيه خيرا كذا قيل فعليه إن بكسر الهمزة وصلية وقيل إنها بالفتح مصدرية والأوّل أولى. قوله:) فآمنوا ببعض وكفروا ببعض) قيل هذا لا يلائم قوله وكانوا شيعا إلا أن يجعل صفة أخرى، ووصف الأمم السالفة بأنها في الهاوية إلا فرقة يعني قبل نسخ دينهم، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذقي وصححه وابن ماجه وابن حبان وصححه الحاكم عن أبي هريرة ﵁ (١ (. قوله: (من السؤال الخ) منهم حال لأنه صفة نكرة قدمت عليها، وفسره بليس عليك شيء من السؤال الخ أو من عقابهم أو أنه بريء منهم أو أمره بتركهم، وكله ظاهر.
قوله: (أي عشر حسنات أمثالها) ولما كان المثل مذكرًا كان الظاهر عشرة فأجيب بأنّ المعدود محذوف أقيمت صفته مقامه وقيل إنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وقوله أقل ما وعد الخ مرّ تحقيقه في سورة البقرة، وقوله من الله لا بطريق الوجوب عليه تعالى فهو قيد لأصل الإثابة وزيادتها وقضية للعدل تعليل للجزاء، وكونه بالمثال ولو زيد أيضًا لم يخرج عن العدل على مذهبنا. قوله: (بنقص! الثواب ورّيادة العقاب) أي ليس نقص الثواب، وزيادة العقاب ظلما لأنّ له تعالى أن يعذب المطيع ويعفو عن المسيء إذ لا إيجاب عندنا فليس هذا مذهب المعتزلة، وقيل الظلم بمعناه اللغوي وفيه نظر. قوله: (بدل الخ (ما ذكره في إعرابه ظاهر، والمضمر إما هداني أو نحوه كأعطاني وعرّفني لأنّ الهداية تستلزم المعرفة. قوله: (وهو أبلع من المستقيم الخ) في نسخة من القائم، والزنة الهيئة
[ ٤ / ١٤٢ ]
والصيغة مجموع المادّة والهيئة، وكونه أبلغ لدلالته على الثبوت دون الحدوث، وأبلغية المستقيم باعتبار زيادة الحروف، وفيه ما مرّ الكلام فيه في الرحمن الرحيم، وقيل لأنّ السين للطلب فيفيد طلب القيام واقتضاءه والقيم الثابت المقوّم لأمر المعاس والمعاد والظاهر أنّ المستقيم هنا من استقام الأمر بمعنى ثبت والا فلو اختلف معناهما لا يتأتى ما ذكره المصنف، وقوله: (فاعل لإعلال فعله (وهو قام كما في نحو عياذ فقيم مصدر كالصغر والكبر، وفعله قام يقوم فأعلوه لإعلال فعله ولولا ذلك لصح كعوض، وحول لأنهم لم يجروه يعني لم يقع على بناء يشبه بناء الفعل حتى يعل بالحمل عليه لأنّ أصل الإعلال للأفعال ويعل من الأسماء ما شابهها وزنا لكنه مصدر تبع فعله في الإعلال كما هو القياس كما فصل في المفصل وشروحه وجعلت الملة عطف بيان لتوضيحه، وهذا بناء على جواز تخالفهما تعريفا وتنكيرًا كما في المغني أو منصوب بتقدير أعني. قوله: (حتيفًا حأل) قال النحرير: حنيفا حال من المضاف إليه للإطباق على جواز كذلك إذا كان المضاف جزءًا من المضاف إليه أو بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه نحو اتبعوا إبراهيم إذا اتبعوا ملته ورأيت هندًا إذا رأيت وجهها بخلاف رأيت غلام هند قائمة، واختلفوا في عامل مثل هذه الحال فقيل معنى الإضافة
لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجز كأنه قيل ملة نسبت لإبراهيم حنيفًا والصحيح إنّ عاملها عامل المضاف لما بينهما من الاتحاد بالوجه المذكور وأمّا مثل أعجبني ضرب زيد راكبا فلا كلام في جوازه وكون عامله هو المضاف نفسه اهـ، وأورد عليه أنه إذا كان العامل معنى الإضافة بتلك الطريق فلا معنى لتخصيص، ذلك بما إذا كان المضاف جزءا أو كجزء، فيلزم تجويزها من كل مضاف إليه، وهو باطل ولك أن تقول النسبة خصوصا غير التامّة عامل ضعيف فلما كانت نسبة الجزء، وشبهه أقوى من غيرها خصت بالعمل فهذا قياس مع الفارق، ومثله يكفي في العلل النحوية. قوله: (وما أنا عليه الخ) يريد أنّ المحعى والممات، أريد بهما مجازًا ما يقارنهما ويكون معهما من الإيمان والعمل الصالح لأنه المناسب لوصفه بالخلوص لله. قوله: (وقرأ نافع الخ) وفيها الجمع بين ساكنين، ولذا طعن بعضهم إنه رجع عن هذه القراءة حتى قال أبو شامة ﵀ لا يحل نقلها عنه، وفي رواية إنه كسر الياء كقراءة حمزة وصرّج بالكسر وستأتي، وقرأ الجحدري محي بقلب الألف ياء وهي لغة هذيل.
(أقول) ما قاله أبو شامة مردود فإنّ هذه القراءة ثابتة عنه، وقوله في التيسير الياء موقوفة ولم
يقل ساكنة إشارة إلى توجيه هذه القراءة بأنه نوى فيها الوقف فلذا جاز فيها التقاء الساكنين وبها قرأ مشايخنا. قوله: (خالصة) يحتمل أنه بيان لمتعلق خاص أو لمعنى اللام أو لحاصل الكلام لأنّ لله ولوجه إلله يدلّ على ذلك، وقوله: (لا أشرك فيه غيرا) بيان له بحسب المقام، وقوله وبذلك القول فيكون أمره بقل المذكور لا بقول آخر وعلى الثاني يحتمل إنه أمر آخر. وقوله: لآن إسلام كل نبي متقدّم على إسلام أمّته واليه الإشارة بقوله في الحديث: " أوّل ما خلق الله نوري " (١) . قوله: (فأشركه في عبادته الخ) قيل تقديم غير الله لا يصح أن يكون للاختصاص لأنه حينئذ ليس إشراكا للغير بل توحيد، فنبه بقوله فأشركه على أنّ التقديم ليس للاختصاص بل لأنّ الإنكار ليس في بغية الرب بل في بغية الغير، ولا يبعد أن يقال ذكر في رذ دعوته إلى الغير رذ
الاختصاص تنبيهًا على أنّ إشراك الغير ينافي بغية الله إذ لا بغية له إلا بتوحيده ثم إنّ نفي البغية والطلب أيضًا أبلغ في نفي العبادة، وقال العلامة: أغير الله أبغي ربا جواب لأن التقديم فيه لحصر إنكار الربوبية في غير الله وكل حصر فيه جوأب عما أخطأ فيه السامع، ولهذا قال ولا تكسب كل نفس إلا عليها الخ جواب وفي الكشف الاختصاص نشأ من التقديم أو من أداة الحصر، وهو يقتضي سوق الكلام مع منكر وهو دقيق يحتاج إلى تأنل. قوله: (فلا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه) جعله من حملة الجواب عن دعائهم إلى عبادة ا-لهتهم يعني لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذورًا بأنكم سبقتموني إليه، وقد فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئا ولا ينجيني من الله لأنّ كسب كل أحد وعمله عائد إليه، ولا يرد أنّ الكسب وان قارن على بمعنى المنفقة لمقابلته لقوله ولا تزو الخ إذ هو للمضرة فالمعنى ولا تكسب كل نفس منفعة إلا أن تكون تلك المنفعة
[ ٤ / ١٤٣ ]
محمولة عليها لا على غيرها فالمنفعة التي تزعمونها في اتخاذ غير الله إلها لا تنفعني كما توهم، وغير المصنف جعله جوابا لقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢ ا] لأنّ ما كسبته كل نفس من الخطايا محمول عليها لا على غيرها وقوله ولا تزر وازرة تأكيد له لكن المصنف ﵀ رأى التأسيس أولى ففسره به. قوله: (على أنّ الخطاب للمؤمنين) أو لأمّة الدعوة، وقوله: (لأنّ ما هو آت قريب) بيان لأنه أريد به عقاب الآخرة ولو أريد به عقاب الدنيا لم يحتج إليه أي الموعود سريع الوصول، فإنّ سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعد. قوله: (وصف العقاب الخ) يعني جعل الخبر في الأولى سريع الذي هو صفة العقاب ولم يجعل العقاب نفسه صفة له بأن يقول إنّ ربك معاقب، كما قال: غفور رحيم دمان كان حمل صفة العقاب حملًا له في المعنى ومعنى كونه غفورًا بالذات أنّ مغفرته ورحمته لا تتوقف على شيء كما في الحديث القدسي: " سبقت رحمتي غضبي " (١ (وعقابه لا
يكون إلا بعد ما صدر من العبد ذنب يستحق به ذلك، وهو معنى كونه بالعرض. قوله: (عن رسول الله ﷺ أنزلت علئ سورة الأنعام جملة واحدة الخ) (١) قال ابن حجر ﵀: هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي رجاله ضعف، وقال غيره: إنه موضوع وسئلى عنه النوويّ رحمه الله تعالى فقال أنه لم يثبت، وأما قوله فمن قرأ الخ فمن الحديث الموضوع الذي أسندو. إلى أبيّ بن كعب في فضائل السورة كما غللرخاتمة الحفاظ السيوقي ﵀ وزجل بالزاي المعجمة والجيم واللام بمعنى صوت بالتسبيح والتحميد لأنّ السورة أنزلت لبيان التوحيد مفصلا لكن قوله في الحديث جملة واحدة ينافيه قوله في أوّل السورة إنها مكية غير ست آيات أو ثلاث آيات من قوله، قل تعالوا الخ وما سيجيء من قوله في آخر سورة براءة ما نزل القرآن عليّ إلا آية آية وحرفًا حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، ولا يقال لعل سورة الأنعام لم تنزل إلا بعد ما قال ذلك الحديث لأنا نقول سورة براءة مدنية وسورة الأنعام مكية وكونها نزلت مرّتين بالمدينة ومكة دفعة وتدريجا خلاف الظاهر، وكذا الجمع بين الحديثين بتقييد كل منهما بقيد حتى لا ينافي الآخر اللهمّ كما يسرت لنا إتمام التشرّف بسورة الأنعام يسر لنا الإتمام وأجر ما عوّدتنا من بدائع الأنعام، في مطلع كل ابتداء ومقطع كل اختتام، وأهدمنا لنبيك محمد جمتن أفضل صلاة وسلام، ومثل ذلك لا له وصحبه الكرام على مدى الليالي والأيام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.