كونها بتمامها مكية قول الجمهور، والقول الآخر مروي عن قتادة ﵁، وهذا القول فيه نظر سيأتي في تفسير قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] ولم يحك الداني ﵀ في كونها مكية خلافًا وفي عددها خلاف يسير فقيل: مائة وإحدى عشرة. قوله: (سبحان اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه الخ (أي مصدر غير علم هنا، وهو مصدر سبح تسبيحا بمعنى نزه تنزيها، ويكون التسبيح مصدر سبح إذا قال: سبحان الله أيضا، حتى أنّ بعضهم ظن أنه مخصوص بالمعنى الثاني وليس كذلك، وقد ذهب إلى هذا صاحب القاموس ﵀ في شرح ديباجة الكشاف وجعل سبحان مصدر سبح مخففًا، وقال الزمخشري: إن سبحان علم للتسبيح دائما وهو علم جنس لأن علم الجنس كما يوضع للذوات يوضع للمعاني، وخالفه المصنف ﵀ تبعا لابن الحاجب ففصل فيه فقال إنه إذا أضيف ليس بعلم لأن الأعلام لا تضاف إلا شذوذا وإذا لم يضف فق ص علم لأنه سمع ممنوعا من الصرف كما سيأتي، وقوله اسم أي اسم جنس لا علم وهو رث على الزمخشري فلا ينافي كونه مصدرا كما قال في البقرة إنه مصدر كالغفران أو أراد أنه اسم مصدر لأن قياس مصدره التسبيح، فمن قال إنه يريد أنه اسم لا مصدر وادعى تأويل كلامه في سورة البقرة لم يصب، وقوله: التنزيه احتراز عن التسبيح بمعنى قول سبحان الله فإنه غير مراد هنا، وما ذكر في الكشف من أن الوجه ما ذهب إليه الزمخشري لأنه إذا ثبتت العلمية بدليلها فالإضافة لا تنافيها وليس من باب زيد المعارك بل من باب حاتم طيىء، ولذا لم يضف إلا لأسمائه تعالى لدلالته على تنزيه بليغ يليق بكبريائه فيرد عليه أن من منع إضافة العلم قياسًا لم يفرق بين إضافة وإضافة فإن ادعى أن بعض الأعلام اشتهرت بمعنى كحاتم بالكرم فيجوز في نحوه الإضافة لقصد التخصيص ودفع العموم الطارئ فما نحن فيه ليس من هذا القبيل، كما لا يخفى ثم إنه قيل إن
قوله: بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه المراد منه لا الذي بمعنى التعجب كما إذا قطع عن الإضافة أو استعمل بمن كما في البيت وهو تفسير لكلامه بما لم يرده لما مر من معناه، ولما حققه المدقق قدس سره
[ ٥ / ٣٨٤ ]
من أن المعنى ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص، فلا يكون اصطفاؤه لعبده المخصوص به إلا حكمة وصوابًا، فالتنزيه لا ينافي التعجب كما توهم والتعجب هاهنا تبع بخلافه في قوله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور، الآية: ١٦] فافهم، ومن هذا ظهر مناسبة أوّل هذه السورة لخاتمة السورة التي قبلها وارتباطها بها وأن في سبحان ثلاثة مذاهب أنه علم جنس دائما وأنه علم إذا لم يضف غير علم إذا أضيف وأنه ليس بعلم أصلا كما سيأتي. قوله: (وقد يستعمل علمًا له (أي للتنزيه فيقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف قياسا، ويمنع من الصرف للعلمية والزيادتين، قال الرضي: ولا دليل على علميته لأنه أكثر ما يستعمل مضافا فلا يكون علما وإذا قطع فقد جاء منوّنا في الشعر كقوله: سبحانه ثم سبحانا نحوذ به وقبلنا سبحات الجود والحمد
وقد جاء باللام كقوله:
سبحانك اللهم ذا السبحان
قالوا ودليل علميته قوله:
سبحان من علقمة الفاخر
ولا منع من أن يقال: حذت المضاف إليه وهو مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله أي التجزد عن التنوين كقوله:
خالط من سلمى خياشيم وفا
قوله: (قد قلت لما جاءني فخره الخ (هو من قصيدة طويلة للأعثى، أولها:
شاقتك من قبله أطلاقا بالشط فالجزع إلى حاجر
وسببها أنه لما تنازع الشرف ودعوى الكرم علقمة بن علاثة وابن عمه عامر بن الطفيل العامريان على ما جرت به عادتهم في الجاهلية، وكان علقمة كريما رئيسا وعامر عاهرًا سفيهًا وساقا إبلا كثيرة لتنحر لمن قرّ له أي الفضل هاب حكام العرب أن يحكموا بينهما فأتوا هرم بن سنان، فقال لهما: أنتما كركبتي البعير تقعان على الأرض معًا وتنهضان معا قالا فأينا اليمين قال: كلا كما يمين فمكثا سنة لم يحكم أحد بينهما، فأتى الأعشى علقمة مستجيرًا به فقال: أجيرك من الأسود والأحمر فقأل له: ومن الموت قال لا، فأتى عامرًا فقال له: مثله فقال له: ومن الموت قال: نعم، قال: وكيف قال إن مت في جواري وديتك، فلما بلغ ذلك علقمة
قال: لو علمت مراده لهان عليّ فقال الأعشى: يهجو علقمة، ويفضل عليه عامرًا بقصيدته هذه ومنها قوله:
إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والناظر
ما جعل الحد الظنون الذي خيب صوب اللحب الماطر
مثل الفرأتيّ إذا ما جرى يقذف بالبوصي والماهر
أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر
علقم لا تسفه ولا تجعلن عرضك للوارد والصادر
والشاهد في قوله: (سبحان من علقمة الخ (لمنعه من الصرف، والمراد التعجب من فخره
على عامر كما يقولون سبحان الله من كذا أي أعجب منه، وقال الراغب: إنه تهكم ومن زائدة، وهو مضاف لعلقمة، وقيل: أصله سبحان الله فحذف المضاف إليه فلا شاهد فيه، وعلقمة المذكور صحابيّ قدم على النبي ﷺ فأسلم وهو شيخ واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على حوران فمات بها، وفي الاستيعاب أنه كان من المؤلفة، وقوله: يفعل متروك إظهاره أي لم يسمع من العرب إظهاره وهو سبح مشددًا بمعنى نزه لا مخففا كما مر تحقيقه، وقوله للتنزيه عن العجز، ولا ينافي قصد التعجب كما قدمناه، وقوله عما ذكر بعده وهو الإسراء المذكور، وعدل عن قول الزمخشري: إنه للتنزيه البليغ عن جميع القبائح التي تضيفها إليه أعداء الله لأنه يأباه المقام كما قاله الطيبي، لكن الذي دعا الزمخشري إلى التفسير به مع أنه شامل لما ذكر أنه تفسير مأثور. قال في الإعراب المسمى بالعقد الفريد عن طلحة ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سبحان الله فقال: تنزيهه من كل سوء فتأمّل. قوله: (واسرى وسرى بمعنى) هذا قول أبي عبيدة ﵀ وهو سير الليل أو أكثره وليست همزة أسرى للتعدية بل هما بمعنى ويشير إليه ما ذكره بعده، وقيلى: الهمزة للتعدية ومفعوله محذوف تقديره أسرى ملائكته بعبده، وقيل: أسرى لأوّل الليل
[ ٦ / ٢ ]
وسرى لآخره، وهو قول الليث وعليه فهو مختص بالليل، وأما سار فعاثم، وقيل: إنه مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى. قوله: (وفائدته الدلالة بتنكيره الخ) أي مع أق السرى والإسراء لا يكون إلا ليلا فلا حاجة لذكره معه كما أشار إليه ولا فائدة في ادّعاء أنه للتأكيد أو تجريد الإسراء أو استعماله في مطلق السير مع ذكره بعده، وقوله: بقليل المدة أي مدة الإسراء كذا في الكشاف وتبعه المصنف ﵀ كغيره واعترض عليه بأن البعضية المستفادة من من التبعيضية هي البعضية في الأجزاء والبعضية
المستفادة من التنكير في الأفراد والجزئيات فكيف يستفاد من التنكير أن الإسراء كان في بعض من أجزاء الليل فالصواب أنّ تنكيره لدفع توهم أن الإسراء كان في ليال أو لإفادة تعظيمه كما هو المناسب للسياق والسباق، وأجيب بوجهين: الأوّل أن التبعيض في الأجزاء مقارب لتقليل الأفراد فيستعمل ما لأحدهما في الآخر بأن يراد من ليلا بعضه وهو أبلغ وأدل على المعجزة، الثاني: أن ليلًا وإن كان اسما لمجموع الليلة إلا أنه أريد منه بعضها مجازًا، والمعنى المجازي له أفراد متفاوتة قلة وكثرة فنوّن حينئذ للتقليل، وهذ وجه حسن انتهى، ولا يخفى ما فيه من السماجة فإن التجوز في التنوين بدون التجوّز في الصيغة هنا غير متصوّر، فالجواب الأوّل بدون ملاحظة الثاني غير صحيح، وأمّا الثاني فلا وجه له كما ستراه عن قريب إذا عرفت هذا فالاعتراض لا يرد ابتداء لأن ما ذكر في الكشاف نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز، فما ذكر من الفرق عمن رووه والذي تمسك به بعض المتأخرين من كلام الرضي لا دليل فيه لمن تأمّله بنظر صادق وليس هذا محل رذه، وقد كتبناه في حواشيه وتحقيق ما ذكره الشيخان على ما صرح به الفاضل اليمني نقلا عن ابن مالك وسيبويه أن الليل والنهار إذا عزفا كانا معيارا للتعميم وظرفا محدودا فلا تقول صحبته الليلة وأنت تريد ساعة منها إلا أن تقصد المبالغة كما تقول: أتاني أهل الدنيا لناس منهم بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلاث، فلما عدل عن تعريفه هنا علم أنه لم يقصد استغراق السرى له، وهذا هو المراد من البعضية المذكورة، ولا حاجة إلى جعل الليل مجازا عن بعضه، كما أنك إذا قلت: جلست في السوق وجلوسك في بعض أماكنه لا يكون فيه السوق مجازًا كما لا يخفى، وهذا ما أشار إليه المدقق في الكشف أيضا، وقيل: المراد بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمه كما يقال: جاء فلان بليل أي في معظم ظلمته فيفيد البعضية أيضا، وينافيه ما سيأتي في الحديث، وقوله: قرئ من الليل هي قراءة عبد الفه وحذيفة، وقوله: ومن الليل فتهجد سيأتي وجه تخصيص البعض فيه. قوله: الما روي أنه ﵊ (الرواية الأولى متفق عليها من حديث مالك بن صعصعة مطوّلًا، وما سيأتي من أنه ﷺ كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته وقمق القصة على أئم هانئ الحديث رواه النسائي باختصار عن ابن عباس ﵄، وأورده ابن سعد وأبو يعلى والطبراني من حديث أم هانئ ﵂ مطوّلًا كذا في تخريج
العراقي، وهذا مما يؤيد أنّ الإسراء كان مرّتين مرّة بروحه قبل البعثة، ومرة بجسده بعدها، وبهذا يجمع بين ما في الروايات من الاختلاف مع صحتها ثم إنه لكون رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تقع بعينها وتجيء كفلق الصبح أسرى به بعد ذلك حقيقة وكان الإسراء الروحانيّ تقدمة لهذا وتعليما لطريق الدخول في حظائر القدس فافهم، والحجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء المهملة ما يلي الميزاب من المحوطة المعروفة المفرزة من البيت بحائط قصير. قوله: (بين النائم واليقظان) اليقظان بسكون القاف صفة من اليقظة بفتحها ولا تسكن إلا في ضرورة الشعر كقوله:
فالعمرنوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال ساري
والمراد بكونه بينهما أنه قد عرضت له سنة وفتور يعتري قبل النوم على ما هو عادته ﷺ
إذا نزل عليه الوحي وهو مستيقظ حقيقة، والبراق بضم الباء من دوالت الجنة سمي به لشدة سرعته كالبرق الخاطف. قوله: (أو من الحرم) عطف على قوله: من المسجد الحرام بمعنييه فعلى الأوّل هو من نفس المسجد وعلى هذا ليس منه نفسه، وقوله: وسماه الخ أي أطلقه عليه توجيه لإطلاق المسجد الحرام على
[ ٦ / ٣ ]
الحرم فالأوّل على أنه حقيقة لغوية لأنه كله محل للسجود وحرام محترم ليس بحل، والثاني على أن المراد به معناه المتعارف وهو مجاز بعلاقة المجاورة الحسية والإحاطة، وقوله: ليطابق الخ توجيه للإطلاق المذكور وبيان لنكتة فيه وهو أنه لما كان المنتهى مسجدًا عبر عن المبدأ به لتتم مناسبته له لا أنه سمي بذلك ليتطابقا فإن المبدأ ليس عين المسجد كالمنتهى كما توهم، وفسره بعضهم بما يتعجل منه مع ظهوره وهذا تعليل للعلة مع المعلل لبيان مرجح المجاز، فلا يلزم تعلق حرفي جز بمعنى بمتعلق واحد، وقوله: لما روي
الخ تعليل لقوله من الحرم، وأمّ هانئ بالهمز بنت أبي طالب الصحابية ﵂، وقوله: مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم مجهول من التمثيل وهو إظهار المثال والصورة فهو إفا روحاني أو بالبدن المثالي الذي أثبته الحكماء والصوفية والظاهر أنه بالبدن الحقيقي لأنهم عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم، وهو الذي يقتضيه قوله أنه ﷺ صلى بهم ولذا قيل إن مثل مخفف بوزن ظرف أي انتصب ولا حاجة إليه لأن المشدد بمعناه، قال الراغب في مفرداته: يقال مثل الشيء أي انتصب ومنه قوله ﵊: " من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا " وقد ذكر في الحديث أنه ﷺ دخل بيت المقدس ووجد فيه نفرًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصلى بهم وفي حديث عند الترمذي كما في الروض الأنف أنه أنكر أن يكون ﷺ صلى بهم وقال: ما زايل ظهر البراق حتى رأى ما رأى والمثبت مقدم على النافي، وقوله استحالة مفعول له لقوله: تعجبوا وفي نسخة واستحالوه أي عدوه محالًا، وقوله: فتعجبوا منه أي من إخباره بمثله من المحال إذ ليس له تحقق عندهم حتى يتعجب منه، وسعى بمعنى مضى وأسرع أو من السعاية وهي نقل الخبر على وجه الإفساد وإنما سعوا إليه رجاء أن يرجع عما هو عليه. قوله: (فسمي الصدّيق الخ) الصذيق صيغة مبالغة كسكيت فإن كانت من الصدق لأن المعروف أخذها من الثلاثي فالمراد شدة صدقه فيما أجابهم به وان كانت من التصديق على خلاف القياس فالمراد كثرة تصديقه له، أو هو من الصداقة، واستنعته أي طلب منه نعته، وقوله: بيت المقدس بالإضافة بوزن مجلس اسم مكان أو مصدر ميمي من القدس وهو الطهر أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب أو يطهر من عبادة الأصنام وجاء فيه ضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة وقد تكسر ويقال البيت المقدس بالتوصيف والأشهر الإضافة، وجلى مجهول مثذد أي أظهره الله له حتى شاهده فنعته،
والعير بكسر العين الجمال وتعيين قدومها وما معه بإعلام الله له، وهو من معجزاته ﷺ لأخباره بالغيب فيه، والأورق من الجمال الأبيض الماثل للسواد وليس بمحمود فيها وإن طاب لحمه لهم، وقوله: يقدم الأوّل من القدوم وهو من باب علم والثاني من قدم يقدم كنصر ينصر بمعنى تقدّم ويجوز كونه ماضيا من التفعل، وقوله: يشتدون بمعنى يسرعون في المشي من قولهم: شد عليه إذا حمل عليه جملة أو هو من الشدة وأصله يشتد جريهم، والثنية مكان مرتفع في جبل يكون طريقا والمراد بها ثنية مخصوصة بمكة يدخل القادم من الشام منها وهي معروفة، وإلى متعلق بيشتدون أو يخرجوا، وكونه قبل الهجرة بسنة قول وقيل: بستة عشر شهرًا وقيل: كان قبل البعثة وقد علمت أنه وقع مرّتين كما مر، وقولهم: ما هذا إلا سحر مبين أي ما ذكر لأن السحرة في زعمهم تطلع على بعض المغيبات. قوله: (واختلف في أنه كان في المنام الخ (فعن عائشة ﵂ كانت رؤيا حق وقالت: لم نفقد بدنه وإنما عرج بروحه ﷺ واحتج لهذا القول بقوله تعالى ة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ اسورة الإسراء، الآية: ١٦٠ لأن الرؤيا تختص بالنوم لغة وكذا وقع في البخاري، وذهب الجمهور إلى أنها يقظة والرؤيا تكون بمعنى الرؤية في اليقظة كما في قول الراعي يصف صائدًا:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلباكان جما بلابله
وقال الواحدي: إنها رؤية اليقظة ليلا فقط واحتجوا بما سيأتي، قال السهيلي في الروض: وذهبت طائفة
[ ٦ / ٤ ]
ثالثة منهم القاضي أبو بكر إلى تصديق المقالتين وتصحيح الحديثين بأن الإسراء كان مرتين إحداهما في نومه قبل النبوة بروحه توطئة وتيسيرًا لما بعده مما يضعف عنه قوى البشر فيما شاهده بعدها وعاناه بجسده، وحكي هذا القول عن طائفة من العلماء، وبه جمع بين ما وقع في طرق الحديث من الاختلاف على ما فصله، وحكى المأزري في شرح مسلم قولًا رابعا جمع به بين القولين فقال: كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس فكانت رؤية عين ثم أسري بروحه جمحيه منه إلى ما فوقه فكانت رؤيا قلب ولذا شنع الكفار عليه قوله ﵊: أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا عليه قوله: فيما سوى ذلك وكلام المصنف ﵀ فيه إيهام لهذا القول، قيل والمراد بالمنام هنا ما يشمل ما بين حالي النائم واليقظان كما مر في الرواية الأولى ولا حاجة إليه لأن تلك الحالة كانت عند مجيء جبريل ﵊ بالبراق لا وقت العروج فتأمل.
قوله: (بروحه أو بجسده (الظاهر أنه لف ونشر فقوله: بروحه راجع للمنام وبجسده لليقظة والمراد روحه فقط وكون المراد بروحه أو بجسده في اليقظة خلاف الظاهر. قوله: (ولذلك تعجب قريش واستحالوه) لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعده أحد، وأمّا كون العروج بروحه يقظة خارقا للعادة ومحلًا للتعجب أيضا والجواب بأنه غير منكر كالانسلاخ الذي ذهب إليه الصوفية والحكماء، فأمر لا تعرفه العرب ولم يذهب إليه أحد من السلف. قوله: (والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة الخ (دليل عقلي على صحته ورد لاستحالته، والثانية في اصطلاح المتجمعين جزء من ستين جزءًا من الدقيقة والدقيقة جزء من ستين جزءًا من الدرجة وهي جزء من خمسة عشر جزءا من الساعة المقدر بها الليل والنهار، قال أستاذ عصرنا الفيلسوف في العلوم الرياضة: المولى عبد الوهاب هذا غير سديد من وجوه، منها أن علم الهندسة ليس مظنة للبحث عما ذكر ولو قال بالهندسة لهان الأمر لأن براهين الهيئة تعلم من الهندسة كما هو معروف عند من له معرفة بتلك الفنون، ومنها أن ما بين طرفي قرص الشمس وهو قطرها خمسة ونصف بما يكون به قطر الأرض واحدًا على ما بين في مباحث الأبعاد والإجرام من التذكرة وغيرها وأمّا ما كان مائة ونيفا وستين مرة فهو جرم الشمس بالنسبة إلى كرة الأرض إذ بين ثمّ إن نسبة كرة الأرض كنسبة مائة وستة وستين وربع وثمن هو الشمس إلى الواحد بناء على ما أثبتوه ثمة من أنّ نسبة كرة إلى كرة كنسبة مكعب قطر الأولى إلى مكعب قطر الأخرى، ومنها أن قطر الشمس الذي هو كالواقع في مأخذ حركة مركزها بالحركة الأولى يصل طرفه المتأخر إلى موضع طرفه المتقدم وهو المراد بوصول طرفها الأسفل إلى موضع طرفها الأعلى على أن الطرف المتقدم أعلى من الطرف المتأخر، وكذا المتأخر أعلى من الطرف المتقدم في الارتفاعات الشرقية والانحطاطات الشرقية في جميع ما يتعين فيه الشرق والغرب من الآفاق مع أن الطرف المتقدم أعلى من جميع جوانب الشمس والمتأخر أسفل جميع جوانبها عند طلوع مركزها في أفق الاستواء فلا غبار في ذلك الوصول لكن كون زمانه أقل من ثانية ممنوع بناء على ما بين في محله من أن قطر الشمس، وجد في أكثر أحوال بعدها مساويا في النظر لقطر القمر في بعده الأبعد وقد بين أيضا أنّ قطر القمر في بعده الأبعد إحدى وثلاثون دقيقة وثلث دقيقة فكيف يتصوّر أن يقطع مركز الشمس مقدار قطرها في أقل من ثانية فيقع فيه ذلك لوصول سواء كانت الثانية ثانية الدرجة أو الساعة أو اليوم إذ اللازم مما ذكر أن يكون زمان الوصول المذكور إحدى وثلاثين دقيقة من دقائق الدرجة أو دقيقتين من دقائق الساعة أو خمس ثوان من ثواني اليوم بالتقريب والذي يقطعه مركز الشمس في أقل من ثانية هو مقدار قطر الأرض على أن تكون الثانية ثانية اليوم ولو اكتفى بذلك القدر
من سرعة حركته ولم يلتزم بيان ما هو أزيد منه لتم إثبات المقصود وهو جواز أن يقطع جسم مسافة بعيدة في زمان قليل أو يحزر تحريرًا تاما فليتأمل هذا مرة بعد أخرى فإن دقائقه لا تصل إلى درجة منها بنظرة أولى ولا ثانية وهذا ملخص ما ذكره فمن أراده فعليه بالنظر فيه وهو مما لا شبهة في وروده إلا أن ما أورده أوّلا أمر سهل وقد
[ ٦ / ٥ ]
أشار هو إلى دفعه فتدبر، والنيف مشددًا بوزن كيف ويخفف ما زاد على العقد إلى أن يبلغه.
تنبيه: عبد الوهاب المذكور من موالي الروم له يد طولى وتأليف العلوم الرياضية توفي
بعد عشر وألف قاضيًا بالمدينة المنوّرة رأيته مدرسًا بسليمية إردنه وكان زاهدًا فاضلا ويعرف بقواله إلى زاده. قوله: (وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الإعراض الخ (أقول أنّ المصنف ﵀ تبعًا للإمام أراد أن يثبت صحة الإسراء بدليل عقلي فذكر له أوّلًا: دليلا من علم الهيئة، وثانيًا: من علم الحكمة أخذه من كلام الرازي في المسائل الأربعين وهو أن الأجسام لما كانت متسارية في الذوات والحقائق وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره لأن قابلية ذلك العرض إن كانت من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت لزم حصول تلك القابلية فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على كل منها وان لم تكن من لوازمها كانت من عوارضها فيعود الكلام فإن سلم والا دار أو تسلسل وهذا بناء على تركبها من الجواهر الفردة، وهذا مما أجمعوا عليه غير النظام ورده القرافي في حواشيه، وصاحب لباب الفصول وبينوه وأنه لا وجه له وليس باب المعجزات محتاجا لمثل هذه الترهات، والمراد بالإعراض ما يعرض لها كالأمراض والحركات وما يحمله هو البراق قيل: والأولى الواو بدل أو لأن المعراج إنما كان بالبراق وليس بشيء. قوله: (والتعجب من لوازم المعجزات (لما دفع الاستحالة ورد حينئذ أنه أمر ممكن فلا ينبغي التعجب منه فدفع بأن المعجزات أمور خارقة للعادة فيتعجب منها وان كانت ممكنة لأن التعجب يلزم ما خالف العادة لا الاستحالة والمراد باللوازم المذكورة إنكار الأمم لها فإنه يتعجب حينئذ منه مع إمكانه وشمول القدرة له. قوله: الأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (وجه لتسميته بالأقصى بمعنى الأبعد فهو أبعد بالنسبة إلى من بالحجاز، وفي تاريخ القدس أنه سمي به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد، وقيل: لأنه ليس وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث. قوله: (ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى ﵊ (لا يخفى أنه بناه داود وأتمه سليمان عليه
الصلاة والسلام فكان متعبدًا قبل موسى ﵊ أيضا ففيما ذكره نظر وكأنه أراد أنه قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو أراد أنه بعد تخريبه، وقوله ومحفوف بالأنهار تفسير لقوله: حوله، وقوله: في برهة بضم الموحدة وتفتح وسكون الراء المهملة بمعنى مدة كما فسره الراغب فالمعنى في مدّة وقطعة من الليل من غير نظر إلى طول وقصر لأنه علم مما مر فلا وجه لما قيل إن المناسب أن يذكر ما يدل على القلة، وقوله: (كذهابه الخ (بيان لتلك الآيات وقوله: ومشاهدته بيت المقدس لما انجلى وظهر له لينعته لهم بمكة كما مرّ، وتمثل الأنبياء صلى الله عليهم وسلم له حين اجتمع بهم ﵊ وصلى بهم، وقوله: ووقوفه على مقاماتهم إذ رأى كلًا منهم في سماء على تفاوت رتبهم على ما فصل في حديث المعراج، ولا حاجة إلى تقدير ثم إلى السماء بعد قوله إلى المسجد الأقصى كما قيل لأنه المراد بقوله: لنريه من آياتنا إذ معناه لنرفعه إلى السماء حتى يرى ما رأى. قوله: (وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم ئعظيم تلك البركات والآيات (أي صرف من الغيبة التي في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١]، إلى صيغة المتكلم المعظم في باركنا وما بعده لتعظيم ما ذكر لأنها كمما تدل على تعظيم مدلول الضمير تدل على عظم ما أضيف إليه وصدر عنه كما قيل:
إنما يفعل العظيم العظيما
فهو التفات ونكتته أن قوله الذي أسرى بعبده يدل على مسيره من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فهو بالغيبة أنسب، وقوله باركنا حوله لإنزال البركات فيناسب تعظيم المنزل والتعبير بضمير العظمة، وأيضا هو من عالم الشهادة وقوله: لنريه يفيد الاتصال وعز الحضور فيناسب التكلم معه وأما الغيبة فلكونه ليس من عالم الشهادة ولذا قيل: إنّ الغيبة أليق وآياتنا يناسب التعظيم كما مرّ، وقوله: إنه هو السميع البصير بالغيبة لأنه مقام محو الوجود في غيبة الشهود، فإن قلت الالتفات لا يكون إلا في أوّل ما غير وعدل فيه من الكلام، وهو قوله: باركنا وأما قوله لنريه: وآياتنا فليس فيهما التفات لجريهما على نسق ما قبلهما كما لا يخفى، قلت: مراده أنّ الالتفات في الأوّل وأجرى الكلام عليه دون أن يرجع إلى النمط الأوّل لهذه النكتة أما على قراءة ليريه
[ ٦ / ٦ ]
بياء الغيبة وهي قراءة الحسن ففيه التفاتات أربعة كما في الكشات، وقوله لتعظيم تلك البركات والآيات قيل إئه إشارة إلى دفع ما يقال إن الخليل ﵊ أري ملكوت السموات والأرض وأري نبينا ﷺ بعضها فمعراج إبراهيم ﵊ أفضل لأن بعض الآيات المضافة إليه تعالى أشرف وأعظم من ملكوت السموات والأرض كلها قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم، الآية: ١٨] ولا يخفى أنّ السؤال غير
وارد لأن ما رآه إبراهيم ﵊ ما فيها من الدلائل والحجج وليس ذلك مقاوما للمعراج فتأمّل. قوله: الأقوال محمد ﷺ الخ) فضمير أنه وهو دلّه وأتى به على الغيبة ليطابق قوله: بعبده ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هنا الالتفات في أحسن مواقعه وينطبق عليه التعليل أتمّ انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة لأنه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام، قال الطيبي: إنه هو السميع لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا، مستأهلة للقرب والزلفى ولا بعد في أن يرجع الضمير إلى العبد كما نقله أبو البقاء انتهى وتبعه فيه بعض المحشين ولا يرد عليه شيء ولا يمتنع إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى، كما توهم لا مطلقًا ولا مقيدًا نعم الأوّل أظهر ولدًا ذهب إليه الأكثر، ثم قال: ولعل السر في مجيء الضمير محتملا للأمرين الإشارة إلى أنهءسز إنما رأى ربه كما في حديث كنت سمعه وبصره فافهم تسمع وتبصر، ويكرمه من التكريم أو الإكرام، وقوله: على حسب ذلك أي أقواله وأفعاله أو سمعه ورؤيته لما صدر منه. قوله تعالى: (﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية) عقبت آية الإسراء بهذه استطرادا بجامع أن موسى ﵊ أعطي التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه لأنه منح ثمة التكليم وشرف باسم الكليم وطلب الرؤية مدمجا فيه تفاوت ما بين الكتابين ومن أنزلا عليه د ان شئت فوازن بين أسرى بعبده وآتينا موسى وبين هدى لبني إسرائيل ويهدي للتي هي أقوم، والواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى الخ لا على أسرى لعبده وتكلفه، وضمير وجعلناه المنصوب لموسى أو للكتاب ولبني إسرائيل متعلق بهدي أو بجعلناه وهي تعليلية. قوله: (على أن لا تتخذوا الخ (وفي نسخة على أي لا تتخذوا فهي بيان لأن أن تفسيرية بمعنى أي وهو الموافق لما في الكشاف ولا على هذا ناهية جازمة وهي تفسير لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، والكتاب المكتوب وان كان في الأصل مصدرا وتفسيره بكتابة شيء هو أن لا الخ سيأتي ما فيه وعلى الأولى فالمعنى على أن يكون إلا بمعنى أن لا وهي مفسرة أيضا وليس المراد أنه بمعنى لئلا بحذف الجار كما في قراءة يتخذوا بالغيبة. قوله: (بالياء على لأن لا يتخذوا (وفي نسخة على أن لا يتخذوا أي تقديره كذا ومعناه على الأولى أن أق ناصبة لا مفسرة
وقبلها حرف جر مقدر كما خرجت عليه القراءة الأولى أيضا، وعلى الثانية المعنى أيضا هذا ولكنه لا يناسب النسخة السابقة ولا تظهر المغايرة بينهما والحاصل أن أبا عمرو ﵀ قرأ بالتحتية والباقون بالفوقية قال أبو البقاء: تقديره على الغيبة جعلناه هدى أو أتينا موسى الخ لئلا يتخذوا وعلى غيرها فيه وجهان أن أن التفسيرية لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي أو لا زائدة والتقدير مخافة أن يتخذوا ولا يخفى أن تفسير الكتاب بمعنى المكتوب وهو التوراة غير ظاهر ولذا قيل إنه مصدر والمعنى كتابة شيء هو أن لا يتخذوا الخ وهو أيضا خلات الظاهر فتأمله، وجوز على المصدرية أن يكون أن لا يتخذوا بدلًا من الكتاب. قوله: (ربا تكلون إليه أموركم غيري (إشارة إلى أن وكيلا فعيل بمعنى مفعول وهو الموكول إليه أي المفوّض إليه الأمور وهو الرب وأن دون بمعنى غير ومن زائدة ويجوز أن تكون تبعيضية ومن دوني وكيلا مفعولًا لتتخذوا وكون دون بمعنى غير مصرج به في كتب اللغة والعربية ولها معان أخر وحاصله النهي عن الإشراك. قوله: (نصب على الاختصاص الخ (هذا توجيه لقراءة النصب وهي المشهورة ولذا بدأ بتوجيهها وعلى الاختصاص هو مفعول لا خص أو أعني مقدرًا وليس بنداء وإن كان على صورته على ما حقق في النحو وعلى النداء فيا محذوفة فيه والتقدير يا ذرية من الخ وجوز فيه أيضا البدلية من وكيلا
[ ٦ / ٧ ]
لأن المبدل منه ليس في حكم الطرج من كل الوجوه أي لا تتخذوا من دوني ذرية من حملنا، وأما كونه بدلًا من موسى كما ذكره أبو البقاء فبعيد جدا. قوله: (إن قرئ أن لا تتخذوا بالتاء (أي بالتاء الفوقية للخطاب وهذا قيد للنداء وخصه به تبعا لغيره كمكي فإنه قال: من قرأيتخذوا بالياء التحتية يبعد معه النداء لأن الياء للغيبة والنداء للخطاب فلا يجتمعان إلا على بعد، قيل: وليس كما زعم إذ يجوز أن ينادي الإنسان شخصًا ويخبر عن آخر فيقول: يا زيد ينطلق بكر وفعلت كذا يا زيد ليفعل عمرو كيت وكيت، وهذا إن سلمت صحته لا يدفع البعد الذي قاله وهو لا ينكر. قوله: (أو على أنه أحد مفعولي لا تتخذوا الخ (عطف على قوله: على الاختصاص، وجملة ومن دوني حال حالية أو اعتراضية أو معطوفة على اسم أن وخبرها يعني أنه ليس أحد مفعولي اتخذ كما في الوجهين السابقين ومن على هذا يجوز فيها أن تكون ابتدائية ووكيلًا مفعول ثان على التقديم والتأخير وهو بمعنى وكلاء لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد المذكر وغيره فلا يرد عليه أن المفعول الثاني خبر معنى وهو غير مطابق هنا. قوله: (فيكون كقوله الخ (أي مثله في المعنى لأن الوكيل بمعنى الوكلاء والمراد الأرباب كما مر فهو إشارة إلى عدم انتهائهم لاتخاذهم عزيرا وعيسى عليهما الصلاة والسلام ربا. قوله: (على أنه خبر مبتدأ محذوف (تقديره هو ذرية ولا بعد فيه كما توهم وقوله: أو بدل
من واو يتخذوا قال ابن عطية: ولا يجوز هذا في القراءة بالتاء الفوقية لأنّ ضمير المخاطب لا يبدل منه الاسم الظاهر، ورد بأنه يجوز في بدل البعض والاشتمال والكل إذا أفاد الإحاطة والشمول نحو جئتم كبيركم وصغيركم مع أنه جوّزه الأخفش والكوفيون فلذا أطلقه المصنف ﵀ ولم يقيده بقراءة. قوله: (وذرية بكسر الذال (أي القراءة المشهورة بالضم وقرئ بالكسر أيضًا وهو معطوف على قوله: بالرفع لا على المستتر في قرئ وهذا من تغييرات النسب، قال الراغب الذرية أصلها الأولاد الصغار وإن كان يقع على الصغار والكبار، وششعمل للواحد والجمع وأصله الجمع وفيه أقوال، قيل هو من ذرا الله الخلق فترك الهمز فيه كما في برية وأصله ذروية وقيل: هو فعلية كقمرية وقيل إنه من الذر وتحقيقه في المفصلات وليس هذا محله. قوله: (وفيه تذكير بأنعام الله تعالى (إشارة إلى مناسبة ما ذكر هنا وأنه أيما إلى علة النهي كأنه قيل: لا تشركوا به فإنه المنعم عليكم والمنجي لكم من الشدائد وإنهم ضعفاء محتاجون إلى لطفه وفي التعبير بالذرية الغالب إطلاقها على الأطفال والنساء مناسبة تاقة لما ذكر وذكر حملهم في السفينة للإشارة إلى أنه لم يكن لهم حينئذ وكيل يتكلون عليه سواه، وقوله: يحمد الله الخ المراد بمجامع حالاته جميع حالاته والباء ظرفية وهذا من صيغة المبالغة في شكور، وفسر الشكر بالحمد الواقع في مقابلة النعمة لأنه رديفه، ووجه الإيماء أنه مسوق على وجه التعليل لما قبله وفيه أيضا حث لهم على الاقتداء، وقيل: إنه استطراد. قوله: (وأوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتًا (المبتوت المقطوع به لأن القضاء بمعنى الحتم كما يدل عليه قوله في الكتاب، ولما كان قضى يتعدى بعلى وقد تعدى هنا بإلى ذهب بعضهم إلى أن إلى بمعنى على، وأما المتعدي بنفسه في قوله: قضى زيد منها وطرأ فبمعنى آخر، وذهب المصنف كغيره إلى أنه ضمن معنى الإيحاء فعدى بها وجعل المضمن أصلًا والمضمن فيه تابعًا صفة لمصدره لا حالًا كما اشتهر من عكسه لما مر من تحقيقه وقول الراغب: القضاء يكون بفصل الأمر قولًا أو فعلًا وكل منهما إمّا إلهي أو غيره فمن القول الإلهي وقضينا إلى بني إسرائيل فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيا جزما ليس فيه ما يقتضي عدم التضمين كما قيل، والوحي إليهم الإعلام ولو بواسطة النبيّ ﷺ والكتاب، فلا وجه لما توهم من أنه لا معنى للوحي إليهم، وفسر الكتاب بالتوراة وقيل إنه اللوح المحفوظ على أنّ إلى بمعنى على. قوله: (جوإب قسم محذوف أو قضينا (أي أو جواب قضينا فهو معطوف على
قسم يعني أنه إفا جواب قسم تقديره والله لتفسدن الخ بقرينة اللام وهو مؤكد لتعلق القضاء أو جواب قوله: قضينا لتضمنه معنى القضاء وإجرائه مجراه في تلقيه بما يتلقى به كما قال
[ ٦ / ٨ ]
العرب: قضاء الله لأفعلن كذا. قوله: (١ فسادتين (إشارة إلى أن مرتين منصوب على أنه مصدر لتفسدن من غير لفظه وعدل عنه لأن تثنية المصدر وجمعه ليس بمطرد والفعلة المرة الواحدة. قوله: (مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء الخ (شعياء نبي بعث بعد موسى عليهما الصلاة والسلام قيل: لما بلغهم الوحي أرادوا قتله فهرب ودخل شجرة انفلقت له فنشروها وهو في وسطها فقتلوه، كذا قال ابن إسحق ﵀، ووقع في نسخة وقيل ارمياء فقيل إنه مرضه لأنه لم يثبت قتله والذي وقع في الكشاف حبسه، وقيل إنه الخضر ﵊ وان نظر فيه فإنه صاحب موسى ﵊ كما سيأتي، وفي الكشف أن أرميا بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها وفي القاموس أنه نبي وقوله: قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام في تفسير القرطبي أن زكريا مات بأجله ولم يقتل فلذا قيل: الأولى الاقتصار على يحيى، وذكر في الكشاف قتل زكريا بما وقع في المرة الأولى وضم إليه حبس أرميا وذكر قتل يحيى في المرة الثانية فقال في الكشف هذا فيمن جعل هلاك زكريا قبل يحيى وأرميا كان في زمن بختنصر، وبينه وبين زكريا أكثر من مائتي سنة. قوله: (ولتستكبرنّ عن طاعة الله الخ (أصل معنى العلوّ الارتفاع وهو ضد السفل فتجوز به عن التكبر والاستيلاء على وجه الظلم هنا كما أشار إليه المصنف ﵀، وقوله: وعد عقاب أولاهما ضمير أولاهما للمزتين قبله، والوعد هنا بمعنى الوعيد وفيه مضاف مقدر وهو عقاب وقيل: الوعد بمعنى الموعد اسم الوقت أو هو مقدر معه وفي نسخة بدل وعد وعيد وهي أظهر. قوله: (يختنصر (بضم الباء وسكون الخاء المعجمة والتاء المثناة معزب بوخت بالعبرانية معناه ابن، ونصر بفتح النون وتشديد الصاد المهملة وبالراء المهملة اسم صنم وهو علم أعجميئ مركب قال في القاموس: كان وجد عند الصنم ولم يعرت له أب فنسب إليه قيل إنه ملك الأقاليم، وقال ابن قتيبة: لا أصل لملكه لها، وعليه قول المصنف ﵀ عامل لهراسف وهو ملك ذلك العصر، وبابل مملكة معروفة وعن ابن إسحق ﵀ إنه لما عظم فساد بني إسرائيل استحلوا المحارم وقتلوا شعياء ﵊ فجاءهم بختنصر ودخل بجنده بيت المقدس فقتلهم حتى أفناهم، وقوله: وص ده بالنصب عطف على بختنصر. قوله: (وقيل جالوت الجزري (بالجيم والزاي المعجمة نسبة إلى جزيرة بابل المعروفة الآن بالجزيرة المعمرية أي وقيل: الذي غزاهم جالوت يعني مع جنوده، وكذا ما بعده ولم يذكره اكتفاء، وقيل الخزري بخاء معجمة وزاي مفتوحتين نسبة
للخزر وهو ضيق العين وصغرها وجيل من الناس، وسنجاريب يروى بالجيم وهو المعروف، وروي بالحاء المهملة وهو اسم ملك، ونينوى بكسر النون ثم ياء مثناة تحتية ساكنة ثم نون مضمومة وواو مفتوحة بعدها ألف قرية بقرب الموصل منها بعث يونس ﵊، وفي الأعلام للسهيلي أن المبعوث لهم هم أهل بابل وكان عليهم بختنصر في المرّة الأولى حين كذبوا إرميا وجرحوه وحبسوه، وأمّا في المرّة الآخرة فاختلف في المبعوث عليهم وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، وكان قتله ملك من بني إسرائيل والحامل على قتله امرأة اسمها ازبيد قتلت سبعة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فبقي دم يحيى يغلي حتى قتل منهم سبعون ألفًا فسكن وقيل إن المبعوث عليهم بختنصر وهذا لا يصح لأنّ قتل يحيى ﵊ كان بعد رفع عيسى ﷺ وبختنصر كان قبل عيسى بزمن طويل وقبل الاسكندر وبين الاسكندر وعيسى ﵊ نحو ثلثمائة سنة ولكنه إن أراد بالمرّة الأخرى حين قتلوا شعياء صح فقد كان بختنصر، حيا إذ ذاك فهو الذي قتلهم وخزب بيت المقدس واتبعهم إلى مصر وأخرجهم وبعض هذا عن الطبري. قوله: (بأس شديد (قال الراغب: البؤس والبأس وإلبأساء الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر والبأساء في النكاية ولذا قيل أن وصفه بالشديد للمبالغة كأنه قيل ذو شدة كظل ظليل ولا بأس فيه، وقيل إنه تجريد وهو صحيح أيضًا، وقوله في الحرب لما مرّ عن الراغب. قوله: (ترددوا لطلبكم الخ (قال الراغب: جاسوا الديار
[ ٦ / ٩ ]
توسطوها، وترددوا بينها ويقاربها حاسوا وداسوا وقيل: الحوس طلب الشيء بالاستقصاء، وقوله: وقرئ بالحاء المهملة هي قراءة طلحة وأبو السماك وقرئ أيضا تحوسوا بزنة تكسروا وهما شاذان، وقوله: وهما أخوان أي متقاربان لفظا ومعنى.
قوله: (وسطها (يعني أن خلال اسم مفرد بمعنى وسط ولذا قرىء خلل الديار، وقيل إنه
جمع خلل أي وسط كجبال في جبل، وقوله: للقتل والغارة بالغين المعجمة بمعنى النهب هذا يقتضي أن قوله: لطبكم من معنى الحوس كما مر تفسيره به وان احتمل خلافه، وحرقوا بالقاف من الحريق، وخزبوا بالخاء المعجمة من التخريب. قوله: (والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر الخ (بناء على مسألة القبح العقلي فلا يسند مثله إلى الله فجعلوه مجازًا عن عدم المنع ولا قبح فيه وتارة قالوا: لا قبح في نفس البعث وإنما القبح في التخريب والتحريق المسند إليهم وتفصيله في الكشاف وشروحه. قوله: (وكان وعد عقابهم لا بدّ أن يفعل (يعني اسم كان
ضمير الوعد السابق ومعنى مفعولًا متحتم إلفعل والألم يفد الحمل وقيل الضمير للجوس، وقيل إنه حمله على كونه مفعولًا قبل وقت الوعد فاحتاج إلى التأويل ولك أن تحمله على أنه كان قبل وقت النزول فلا حاجة إليه فتأمل. قوله: (أي الدولة والغلبة) أصل معنى الكز العطف، والرجوع ومنه الكز والفرّ في الحرب وغيره، قال امرؤ القيس:
مكز مفرّ مقبل مدبر معا
ولذا سمي الفتل به والحبل المفتول أيضًا والكزة مصدره ثم أطلقت على الدولة والغلبة مجازًا شائعًا كما يقال: تراجع الأمر، ولام لكم للتعدية، وقيل إنها للتعليل وعليهم متعلق بالكزة لما فيها من معنى الغلبة أو هو حال منها وجوّز تعلقه برددنا وشفقة مفعول ألقى، والأسرى جمع أسير وردهم إلى الشام من أرض بابل بعد قتل بختنصر ونقل باقيهم إليها، وقوله: من اتباع بختنصر جعل جار الله قتل بختنصر من آثار هذه الكرّة وهذا ناظر إلى أن المبعوث قتل بختنصر وما بعده ناظر إلى أنه جالوت، وفي اللباب أن معرفة هؤلاء الأقوام بأعيانهم لا يتعلق بها كبير غرض إذ المقصود أنهم لما كثرت معاصيهم سلط الله عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى. قوله: (أو بأن سلط داود ﵊ على جالوت ققتله (قيل إنه يرذه قوله: وليدخلوا المسجد الخ فإن المسجد الأقصى هو المراد به أوّل من بناه داود ثم أكمله سليمان ﵊ فلم يكن قبل داود مسجد حتى يدخلوه أوّل مرّة إلا أن يرتكب المجاز فيه، ودفع بأن حقيقة المسجد الأرض لا البناء أو بحمل قوله دخلوه على الاستخدام ولا يخفى أن المعترض أشار إلى ما ذكره هذا القائك مع ما فيه من التلطف، والأولى ما أشار إليه العلامة في شرح الكشاف من أن المبعوثين في المرة الآخرة لا يتعين كونهم المبعوثين أوّلًا فتدبر. قوله: (مما كنتم (بيان للمفضل عليه المقدر وقيل تقديره من أعدائكم، وقوله: من ينفر أي يذهب معه من قومه وصحح السهيلي أنه اسم جمع لغلبته في المفردات وعدم اطراد مفرده. قوله: الأنّ ثوابه (أيمما الإحسان لها أي للأنفس يعني أن اللام هنا للنفع كقوله: لها ما كسبت واللام في التفسير لتعليل كونه نافعًا لها وكذا قوله: فإن وبالها الخ وفي قوله: عليها إشارة إلى أنّ اللام الثانية بمعنى على وعبر بها لمشاكلة ما قبلها والازدواج افتعال من المزاوجة والمراد به المشاكلة لا ما اصطلح عليه أهل البديع، وقيل: اللام بمعنى إلى أي
إساءتها راجعة إليها، وقيل إنه تهكم وقيل إنها بمعنى على كما في قوله:
فخرّ صريعًا لليدين وللفم
وقيل إنها للاستحقاق كما في قوله: لهم عذاب، وفي الكشاف أنها للاختصاص قيل:
وهو مخالف في الآثار من تعدى ضرر الإساءة إلى غير المذنب إلا أن يقال: إنّ ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائل لم يتعدهم ولا حاجة لمثله من التكلف لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعذيان وهما المراد هنا، والإحسان والإساءة بمعنى الأنعام وضده وإحسان العمل وما يخالفه قيل والمراد هنا الثاني لا الأعئم الشامل لهما وهو فعل ما يستحسن له أو لغيره والألم يلائمه كلام علي كرّم الله وجهه المنقول في الكشاف والظاهر أن المراد هو الأعمّ إذ هو أنسب وأتم، ولذا قيل إن تكرير الإحسان في النظم دون الإساءة إذ قيل فلها دون فإساءتكم لها إشارة إلى أن جانب الإحسان أغلب وأنه إذا
[ ٦ / ١٠ ]
فعل. ينبغي تكراره بخلاف ضده فتأمل. قوله: (بعثناهم ليسؤوا (إشارة إلى أنه متعلق بجواب إذا المحذوف لدلالة ما قبله عليه كما صرّج به في قوله: فحذف الخ، وقوله: بادية آثار المساءة فيها بنصب بادية منونا ورفع آثار به يعني أنه عدى المساءة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنّ آثار الأعراض النفسانية إنما تظهر في الوجه كنضارة الوجه واشراقه بالفرج وكلوحه وسواده بالخوف والحزن، فالوجه عبارة عن الذات لظهور الآثار فيه فهو مجاز مرسل وقيل إنه استعارة تبعية، وقيل: الوجوه بمعنى الرؤساء وهو تكلف واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن المدلول عليه بقوله وليتبروا، وقوله: للوعد أي بمجيء وقت العقوبة أو للبعث المدلول عليه بما مرّ والإسناد مجازي بخلافه في الوجه الأخير، وقوله: بالنون أي في أوّل المضارع وهذه القراءة مناسبة لقوله: بعثنا وما معه والضمير في القراءة المشهورة للعباد والقراآت على ما في شرح الشاطبية محصلها أن الحرميين وأبا عمرو وحفصا قرؤوا بالياء وضم الهمزة وواو ممدودة، وابن عامر وشعبة وحمزة بالياء وفتحها والكسائي بالنون والفتح أما على قراءة النون فاللام لام الأمر دخلت على المتكلم كما في قوله: (ولنحمل خطاياكم (وجواب إذا هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء وكذا إذا كان بالياء، وقيل: اللام على هذه القراءة يجوز أن تكون لام الأمر، وقوله: على الأوجه الأربعة أي النون والياء في أوّله مع التثقيل والتخفيف، وقوله على أنه جواب إذا أي والفاء محذوفة لأن الجمل الإنشائية لا تقع جوابًا بدونها والضمير للعباد على حذ عندي درهم ونصفه والمراد به في الأخيرة أنه في معنى الجواب لأنّ اللام المفتوحة قسمية وجواب القسم
ساذ مسذ جواب إذا وهذا يحتمل عوده إلى الأخير وإلى ما قبله من قوله: وقرىء لنسوأن بالنون، فتأمّل. قوله: (متعلق بمحذوف هو بعثناهم (هذا على الوجه الأخير كما أنه كذلك إذا كانت اللام لام الأمر لكنه حينئذ يحتمل أن تكون هذه اللام لام أمر أيضا وهذه الجملة معطوفة على جملة قبلها ومن جعل الأولى لام كي وهذه مثلها فالجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور وهو متعلق ببعثناهم المحذوف أيضا فعبارة المصنف ﵀ يمكن أن تشملهما أو متعلقه مقدر وهو من عطف جملة على أخرى وكما دخلوه نعت لمصدر محذوف أو حال أي دخولًا كما دخلوه أو كائنين كما دخلوه، وأوّل منصوب على الظرفية الزمانية والتتبير الهلاك كما فسره المصنف ﵀ به. قوله: (ما غلبوه واستولوا عليه (يعني أن ما موصولة والعائد محذوف وهو إما مفعول أو مجرور أو مصدرية ظرفية أي ليهلكوهم ما داموا غالبين عليهم قاهرين لهم وأسماء الملوك المذكورة غير مضبوطة عندنا واهدأ وهدأ مهموز الآخر بمعنى سكن، وقوله: نوبة بالنون والباء الموحدة بمعنى مرة. قوله: (عدنا موّة ثالثة (قال الراغب: العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إفا انصرافا بالذات أو بالقول أو العزيمة فقوله: مرّة ثالثة إن تعلق بالعقوبة على أنّ المعنى عاقبناكم عقوبة ثالثة فلا خفاء فيه لتقدم العقوبة بتسليط أعدائهم عليهم مرتين، وإن تعلق بالعود فمعناه عودة ثالثة، والعود إنما يكون بعد الترك المسبوق بالفعل فالمرّة الأولى لا عود فيها بل في الثانية فتكون هذه عودة ثانية لا ثالثة، ولذا أورد عليه أن العود مرّتين والأوّل بدء لا عود ويدفع بأن العود قد يطلق على الفعل، وإن لم يسبق مثله كما ذكر في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٨، وأما القول بأن أوّل المرات كونهم تحت أيدي القبط فتكلف ظاهر، وأما الكلام في أن عبارة الكشاف مثل هذه أو لا فمن الفضول هنا ومن دفعه بأن المراد بالعود الرجوع فقد وقع فيما فز منه. قوله: (هذا لهبم في الدنيا (هذا توطئة لما بعده وبيان لأن ما ذكر جامع لعذابهم في الدنيا والآخرة وقوله: محبسا أي مكانا للحبس المعروف فإن كان اسما للمكان فهو جامد لا يلزم تذكيره وتأنيثه وإن كان بمعنى حاصرًا أي محيطا بهم وفعيل بمعنى
فاعل يلزم مطابقته، فإقا لأنه على النسب كلابن وتامر أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول أو لأنّ تأنيث جهنم غير حقيقي أو لتأويلها بمذكر، وقوله: أبد الآباد بالمد جمع أبد وليس مولدًا كما قيل ومعنى أبد الآباد دائمًا. قال في الأساس: يقال لا أفعله أبد الآباد
[ ٦ / ١١ ]
وأبد الأبيد وأبد الآبدين، وقوله بساطا كما يبسط الحصير كقوله لهم: من جهنم مهاد فهو تشبيه بليغ والحصير بهذا المعنى بمعنى محصور لحصر بعض طاقاته على بعض كما قاله الراغب. قوله: اللحالة أو الطريقة (يعني أنه صفة لموصوف حذف اختصارأ لتذهب النفس كل مذهب فلذا كان أبلغ من ذكره كما في الكشاف وتعدية هدى بنفسه وباللام وإلى تقدمت ولم يذكر تقديره بالملة كما في الكشاف والقراءة بالتخفيف ضد التشديد لأنه يقال: بشرته وبشرته وأبشرته كما مرّ. قوله: (عطف على أنّ لهم أجرا الخ (يعني أنه إما معطوف على أن الأول فهو مبشر به أيضا لأنّ مصيبة العدوّ سرور، أو البشارة مجاز مرسل بمعنى مطلق الأخبار الشامل لهما فلا يلزم الجمع بين معنيي المشترك أو الحقيقة والمجاز حتى يقال إنه من عموم المجاز وإن كان راجعا لهذا، أو أنه مفعول يخبر مقدر فهو من عطف الجملة على الجملة، وأخره لأن التقدير خلاف الظاهر. قوله: (ويدعو الله (أي يدعو الإنسان الله عند غضبه بالشر فالباء فيهما صلة الدعاء، ووقوع ذلك عند الغضب على نفسه أو غيره كما سيأتي مشاهد يعني أنّ الإنسان إذا ضجر دعا بالشر وألح فيه كما يدعو بالخير ويلح فيه، وقيل: الباء بمعنى في يعني أنه يدعو في حالة الشر والضر كما كان يدعو في الخير فالمدعو به ليس الشر والخير، وقيل إنها للسببية وتركهما المصنف ﵀ لمخالفتها الظاهر وقوله: أو يدعوه بما يحسبه خيرًا وهو شر فلا يدعو في الدعاء به بناء على زعمه وظنه سواء كان خيريته وشريته لنفسه أو لغيره وهذا غير مقيد مجال الغضب وهو ظاهر، وقوله: مثل دعائه الخ يعني أنه مصدر تشبيهي وأصله دعاء كدعائه فحذف الموصوف وحرف التشبيه فانتصب وليس المراد أن فيه مضافا مقدرًا أي مثل، وقيل المراد آدم ﵊ يعني أن المراد على الأول جنس الإنسان وقيل إن المراد من الإنسان الثاني آدم ﵊ ووجه ارتباطه بما قبله إفادته أن عجلته بالدعاء لضجره أو لعدم تأمله من شأنه وأنه موروث له من أصله:
شنشنة أعرفها من أخزم
فهو اعتراض تذييلي وكلام تعليلي، ولينهض بمعنى ليقوم كما روي أنه لما وصلت الروج
لعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهاها فوثب عجلا إليها فسقط فأول بلاء وقع على الإنسان من بطنه، وهذا روأه القرطبي فالعهدة فيه عليه. قوله: (روي أثه عليه اللام الخ (سودة أئم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وزمعة بفتح الزإي المعجمة وفتح الميم والعين المهملة أبوها وهي في الأصل زوائد خلف الأرساغ وبها سمي، وكتافه بكسر الكاف والتاء المثناة الفوقية والفاء اسم حبل تشد به اليدان وفي نسخة أكتافه جمع كتف، وقوله: فدعا عليها بقطع اليد أي قال: اللهمّ اقطع يديها لكونها حلت يده، ورواه الزمخشري أيضا قريبا من هذا لكن قال ابن حجر أنه: لم يوجد كذا في كتب الحديث والذي رواه الواقدي في المغازي عن ذكوان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبيّ ﷺ دخل لها بأسير، وقال لها: احتفظي به قالت فهرب مع امرأة فخرج ولم تشعر فدخل فسأل عنه فقلت والله لا أدري فقال: قطع الله يدك وذكر نحوًا من هذا، وقوله: فاجعل دعائي رحمة يعني أنه جمر رجا من الله أن يجعل الدعاء على أحد من أفته عند الغضب لله رحمة له بأن لا يؤثر فيه دعاؤه، وهذا من شفقته كصز بأفته ورأفته بهم، وقوله فاجعل دعائي الخ هذا وقع في مسلم في معاوية لما دعاه فقيل إنه يأكل. قوله: (وبجوز أن يريد بالإنسان الكافر الخ (يعني المراد بالدعاء على هذا ما هو على صورته لقصد الاستعجال فهو مجاز محتمل للحقيقة، والنضر معروف من كفار قريش، وقوله: خير الحزبين يعني حزبي المسلمين والمشركين، وقوله: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك (الآية وتمامها فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنصر الله حزب رسول الله لأنهم خير محض وابتلى هو بالعذاب فقتل، وقوله: صبرًا أيمما مصبورًا محبوسا يقال صبرته أي حبسته ويقال قتل صبرًا إذا أمسك وحب حتى يقتل بخلاف من قتل في حرب أو على غفلة منه وصبرا منصوب على المصدرية أي قتلا صبرًا ورجح الإمام هذا الوجه فقال إنه تعالى لما شرح ماض به نبيه ﷺ الإسراء وايتاء موسى ﵊ التوراة وما فعله بالعصاة
المتمردين من تسليط البلاء عليهم
[ ٦ / ١٢ ]
كان ذلك تنبيهًا على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة لا جرم قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٩] ثم عطف عليه ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢، الخ بجامع دليلي العقل والسمع أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله: ويلأع الإنسان بالشر الخ فهو أنه تعالى لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القصوى في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذا النعمة العظمى قائلا اللهمّ إن كان هذا هو الحق الخ فظهر أنّ هذا الوجه كما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو المذهب. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال المعرب: الجعل بمعنى التصيير متعد لاثنين، أو بمعنى الخلق متعد لواحد وآيتين حال مقدرة واستشكل الأوّل بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا عنها إلى أخرى وليس كذلك ويدفع بأنه من باب ضيق فم الركية وهو مجاز معروف، وقوله: تدلان على القادر الحكيم الدلالة من نفس الآية لأنها العلامة الدالة على شيء وهما دليلان بتغيرهما على وجود فاعل مختار قادر لما في ذلك من القدرة الباهرة، حكيم لما فيه من الحكمة الظاهرة ويستلزم هذا وحدته أيضا. قوله: (بتعافبهما على نسق واحد (فالتعاقب دليل القدرة والنسق الواحد دليلى الحكمة فلذا قيده بقوله: بامكان غيره، والضمير للتعاقب أو للنسق والباء فيه للمصاحبة وفي قوله: بتعاقبهما للسببية فلا محذور في تعلقهما بالدلالة مع اختلاف معناهما، ومن أرجع ضمير غيره للقادر الحكيم وإن استبعد جعل باءه للسببية أيضًا كأنه أبدله من الظرف الأوّل لأن تعاقبهما يشتمل على الحدوث والإمكان المقتضي للاستناد إلى واجب الوجود فلا محذور فيه فافهم، ولبعض الناس هنا خبط تركناه خوت الملل. قوله: (أي الآية التي هي الليل بالإشراق (الجاز والمجرور متعلق بمحونا فمحوه إزالة ظلمته بالضوء، وعدل عما في الكشاف وغيره من تفسيره بجعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلمًا لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحوّ فقيل في وجهه أن المحو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الكشات ذلك فلا وجه للعدول عن الحقيقة بلا ضرورة ثمّ تعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئًا وعلى ما ذكر المصنف ﵀ قد لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده وقيل عليه أن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فيكون الليل مخلوقًا مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أنه تعالى خلق الزمان ليلًا مظلما ثم جعل بعضه نهارًا بإحداث الإشراق لفائدة ذكرها وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئًا لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إطلاقه وجعل بعضه مضيئا ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأن المقام لا يلائمه فإن السياق لتفصيل الآيتين وعلى هذا المصرج به إحداهما فتاقل، وقوله: والإضافة فيها للتبيين أي على هذا الإضافة بيانية على تقدير من لصحة الحمل فيها بخلافها على الوجه الآتي وإضافة العدد كأربع نسوة مثلا وهي بيانية
أيضا. قوله: (مضيئة) فهو مجاز بعلاقة السببية أو هو من الإسناد المجازي كقولك: نهاره صائم أي مبصر من هو فيه أو هو للنسب أي ذات أبصار، وقوله أو مبصرة للناس يعني أنه من أبصره المتعذي من بصر فأبصره غيره أي جعله مبصمرًا ناظرًا والإسناد إلى النهار مجازي من الإسناد إلى سببه العادي والفاعل الحقيقي هو الله، وقوله: أو مبصرًا أهله برفعه وهو مروي عن أبي عبيدة من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعف الرجل إذا ضعفت ماشيته وأجبن من الجبن ضد الشجاعة إذا كان قومه جبناء بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وبالنون والمد جمع جبان، فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء وهو معنى وضعي لا مجازي. قوله: (وقيل الآيتان القمر والشمس (فالإضافة لامية ويحتاج حينئذ في قوله: وجعلنا الليل والنهار إلى تقدير مضاف في الأوّل أو الثاني كما ذكره المصنف ﵀ إن جعلناه متعديا إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأوّل وآيتين الثاني فإن عكس كما في البحر وجعل الليل والنهار منه وبين على الظرفية في موضمع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا كان متعذيا لواحد بمعنى خلقنا والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوّزه المعربون. قوله: (ومحو آية الليل التي هي القمر الخ (فمعنى محوها
[ ٦ / ١٣ ]
خلقها كمدة غير مشرقة بالذات لأن ضوءها مكتسب من الشمس على ما ذكره أهل الهيئة فالمحو ليس بمعنى إزالة ما ثبت بل خلقها كذلك كما مر عن الزمخشري، وعلى الثاني هو على ظاهره لأنه تنقيص نورها المكتسب شيئا فشيئا حتى يزول في آخر الشهر والنقص المذكور بحسب الرؤية والإحساس واذ ما قابل الشمس مضيء دائمًا، وقوله: إلى المحاق أي إلى أن ينمحق ضوءه ويذهب لقيبته في آخر الشهر والمحاق يطلق على ثلاث ليال من آخره ات لك، وقوله: تبصر الأشياء بضوئها إشارة إلى أنّ فيه إسنادًا مجازيا إلى السبب العادي أو تجوّزًا بعلاقة السبب كما مر. قوله: (لتطلبوا في بياض الئهار (يعني أن معنى الابتغاء الطلب وقوله: لتبتغوا متعلق بقوله: وجعلنا آية النهار مبصرة، وفيه مقدر أي لتبتغوا فيه ليرتبط معنى به، وقوله: بياض النهار فيه تسمح استعملته العرب أي في النهار الأبيض ووصفه باللون تجوز أيضًا، والمعاش مصدر ميميئ وضمير به لبياض النهار واستبانة الأعمال ظهور ما يفعل فيه، وقوله: باختلافهما أي تعاقبهما على نسق راجع إلى المعنى الأوّل وهو أن الآيتين نفس الليل والنهار، وقوله: أو بحركاتهما راجع إلى الثاني وهو أنهما النيران، قيل: والظاهر المناسب أن يقال: المراد لتعلموا بالليل فإن
عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلم به غالبًا أو بالقمر لقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الاية: ١٨٩] أو المراد باختلافهما اختلافهما مع ما فيهما من النيرين كما قيل وهذا مع كونه خلطا لأحد القولين بالآخر مما لا حاجة إليه فإن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو قيل أن هذه مبينة لأحدهما وتلك للآخر لا محذور فيه وكون الشرع معوّلًا على أحدهما لا يضرنا. قوله: (وجنس الحساب) أي الحساب الجاري في المعاملات كالإجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك، وقيل: المراد به الحساب للشهور والأيام والساعات، وقوله تفتقرون تخصيص له ليخرج ما استأثر الله به ونحوه، وفي نصب كل وجهان: أحدهما أنه منصوب عيى الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية وكذا وكل إنسان ألزمناه، والثاني أنه معطوف على الحساب وجملة فصلناه صفة شيء وهو بعيد معنى. قوله: (بيناه بيانا غير ملتبس) بيان لمعتى التفصيل لأنه من الفصل بمعهنى القطع فهو يقتضي الإبانة التافة فتأكيده بالمضدر يفيد ما ذكره وليس هذا إشارة إلى أنه مصدر نوعي كما توهم. قوله: (عمله وما قدّر له كأنه طير إليه من فش الغيب ووكر القدر) إشارة إلى ما ذكره الزمخشري في سورة النمل من أنهم كانوا يتفاءلون بالطير ويسمونه زجرا فإذا سافروا ومرّ بهم طير زجروه فإن مرّ بهم سانحا تيمنوا وان مرّ بارحا تشاءموا ولذا سمي تطيرا، والسانح والبارج مفصل في كتب اللغة والأدب فلما نسبوا الخير والشز إلى الطائر استعير استعارة تصريحية لما يشبههما من قدر الله وعمل العبد لأنه سبب للخير والشرّ ومنه طائرًا لله لا طائرك أي قدر الله الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، وفي كلامه ما يشعر بأن فيه استعارة تصريحية كالمكنية التي يلزمها التخييلية بتشبيه الغيب والقضاء والقدر بوكر وعش وهو مقر الطائر الذي يختفي فيه ولا يخفى ما فيه من اللطف. قوله: (لما كانوا يتيمنون الخ) قد مرّ تقريره بما يغني عن الإعادة، والسنوح المرور من جهة اليسار إلى اليمين والبروح عكسه ومنه السانح والبارح، وللعرب فيه مذهبان أشهرهما هذا، والثاني عكسه وقلت في الأمثال السسماة بالسانح والبارج:
كم سانح وبارح من الغير لغافل يطيرمن وكرالقدر
وقوله: من قدر الله تعالى، وعمل العبد بيان لما الموصولة فإن كان قدر الله بمعنى مقدره
فلا إشكال فيه بأنه مخالف لتفسيره الطائر بما قدره الله، وان أبقى على ظاهره فهو بيان لما يستعار للعمل لأنه سبب الخير والشر كما يستعار للقدر لأنه السبب الأصلي أو سبب السبب وهو سبب واما استعارته للاعتقاد الفاسد في قوله: طائركم معكهم فهو راجع إلى العمل وملحق به إذ هو عمل قلبي وان تبادر من العمل- عمل الجوإرح وكون من تعليلية يأباه عطف العمل عليه إذ الظاهر أنه في كلامه أولًا وآخرًا بمعنى واحد فتأويله يكسب العبد هنا خلاف الظاهر. قوله:
(لزوم الطوق في عتقه) الظاهر أن يقول: كما في الكشاف القلادة أو الغل
[ ٦ / ١٤ ]
لأنه كما في الكشف إشارة إلى وجه تخصيص العنق لظهور ما عليه من زائن، كالقلادة والطوق أو شائن كالغل ولأنه العضو الذي يبقى مكشوفا وينسب إليه التقدم والشرف ويعبر به عن الجملة وسيد القوم فهو لشبيه للعملى اللازم لصاحبه خيرًا أو شرًا لا للزوم الذي في ضمن الإلزام بالطوق أو الغل في اللزوم والظهور الشائن أو الزائن فتأمّل.
قوله: (أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله) فكتابه عبارة عن نفسه وصور الأعمال المتمثلة فيها كالكتابة ونشره وقراءته عبارة عن ظهوره له ولغيره وهذا منزع صوفي حكمي بعيد من الظهور قريب من البطون ولذا قيل في بيانه إن ما يصدر عن الإنسان خيرًا أو شرّا يحصل منه في الروج أثر مخصوص وهو خفيّ ما دامت متعلقة بالبدن مشتغلة بواردات الحواس والقوى فإذا انقطعت علاقته قامت قيامته لانكشاف الغطاء باتصالها بالعالم العلوي فيظهر في لوح النفس كل ما عمله في عمره وهو معنى الكتابة والقراءة وليس في هذا ما يخالف النقل، وقد حمل عليه ما روي عن قتادة ﵀ من أنه يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئا ولا وجه لعده مؤيدًا له، والقيامة على هذا الوجه القيامة الصغرى. قوله: (فإن الأفعال الاختيارية الخ) تعليل وبيان لانتقاس النفس بالآثار أي حصول كيفية لها من عملها وتلك الكيفية قبل رسوخها فيها تسمى حالًا وبعده تسمى ملكة عندهم، وهي قد تحدث عن كثرة العمل وتكرّره فشبه تلك الصور بنقوس الكتابة. قوله: (وهو ضمير الطائر) وفي نسخة هو بدون واو أي المفعول المحذوف هو ضمير عائد إلى طائره تقديره يخرجه له حال كونه كتابا. قوله: (ويعضده قراءة يعقوب) أي يعضد كونه حالًا فإن الأصل توافق القراءتين فإنه قرأه مبنيا للفاعل من خرج يخرج وفاعله ضمير الطائر وغيره وهو أبو جعفر بن القعقاع قرأه مجهولًا ففيه ضمير مستتر هو ضمير الطائر وقد كان مفعولًا، فإن قلت هذه القراءة يحتمل أن يكون له فيها نائب الفاعل فلا تعضده، قلت إقامة غير المفعول مع وجوده مقامه ضعيفه، وليس ثمة ما يكون حالًا منه فتعين ما ذكره كما قاله ابن يعيش في شرح المفصل، وقوله: وغيره بالجرّ معطوف على يعقوب، ويخرج بصيغة المجهول من الأفعال ووقع في نسخة إسقاط لفظ غيره بعطف يخرج مرادًا به لفظه على يعقوب على قوله يخرج والنسخة الأولى أشهر وأظهر ولا إشكال فيها، وقوله وقرىء ويخرج أي بالغيبة على الالتفات. قوله: (لكشف الغطاء (هو ظاهر في المعنى الثاني للكتاب والظاهر أنه اختاره
لانطباقه على الوجهين ولو فسره بكونه غير مطوفي كان على الأوّل فقط، وقراءة ابن عامر من التفعيل كقوله: وما يلقاها إلا الصابرون عليهما أي يلقى إليه من جانب الله، وعلى كونهما صفتين فيه تقدم الوصف بالجملة على الوصف المفرد وهو خلاف الظاهر، والقول: المضمر قبل اقرأ تقديره يقال: اقرأ وهذه الجملة إما صفة أو حال كالتي قبلها كما ذكره المعرب أو مستأنفة وجملة: كفى بنفسك الظاهر أنها من مقول القول المقدر أيضا. قوله: (أي كفى نفسك (يعني أن كفى فعل ماض فاعله نفسك والياء زائدة كما في بحسبك درهم وذكر وإن كان مثله يؤنث كقوله: ما آمنت قبلهم من قرية لأن تأنيثه مجازي والقول بأنه اسم فعل أو فاعله ضمير الاكتفاء غير مرضي كما مر وقوله: وحسيبًا تمييز كقوله: حسن أولئك رفيقًا ودلّه دره فارسًا وقيل إنه حال وعذه بعض شراح الكشاف تجريد أي جرد من نفسك شاهدا هو هي فقيل إنه غلط فاحش وفيه بحث فإن الشاهد يغاير المشهود عليه فإن اعتبر كونه في تلك الحالة كأنه شخص آخر كان تجريدا لكنه لا يتعلق به هنا غرض فتدبر. قوله: (وعلى صلته لأنه الخ (قدم لرعاية الفواصل وعدى بعلى لأنه بمعنى الحاسب والعاذ وهو يتعدى بعلى، كما تقول: عدد عليه قبائحه واستشهد بضريب وصريم لأن مجيء فعيل الصفة من فعل يفعل بكسر العين في المضارع قليل، والصارم القاطع والهاجر. قوله: (أو بمعنى الكافي الخ (يعني أنه تجوز به عن معنى الشهيد فعدى بعلى كما يعدى بها الشهيد، وقوله لأنه يكفي الخ، بيان لعلاقة المجاز وأما كونه بمعنى الكافي من غير تجوّز لكنه عدى تعدية الشهيد للزوم معناه له كما في أسد عليّ فتكلف بارد. قوله: (وتذكيره (أي حسيبًا وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه مما يغلب في الرجال فأجرى على أغلب أحواله أو النفس مؤؤلة بالشخص، أو محمول على فعيل بمعنى مفعول، وقوله على أن الحساب
[ ٦ / ١٥ ]
أي مبني أو يبنى على أن الخ وقوله: لا ينجي اهتداؤه غيره الخ أي في الآخرة لأنه قد يتعدى حكمه في الدنيا أو في الدارين بمعنى أنه لا يوجب ذلك بالذات إيجابا مطردًا، ويردى بالمهملة أي يهلك ويضر. قوله: (﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (مؤكد لما قبعها للاهتمام به، روي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في الوليد بن المغيرة لما قال: كفروا بمحمد ﷺ وعلي أوزاركم، ولذا خص نفي التحمل بالوازرة، فتأمل. قوله: (يبين الحجج ويمهد الشرائع) بيان للمقصود من البعثة وليس المراد أن ثمة صفة مقدرة في النظم
وقوله: وفي دليل على أن لا وجوب قبل الشرع هذا رد لما في الكشاف مع ما في كلامه مما يعلم من شروحه أي لا يجب علينا شيء من الأحكام قبله كما ذهب إليه غير أهل السنة لأنه لو كان لشيء وجوب علينا قبله لعذبنا بتركه قبله والتالي باطل لهذه الآية فكذا المقدم، ولما كانت هذه الملازمة غير مسلمة عند الأشاعرة لأنهم لا يقولون بلزوم تعذيب العاصي عليه تعالى كما بين في الكلام والقائلون بلزوم ووجوبه على الله هم المعتزلة فالملازمة مسلمة عندهم لا عندنا قيل إنه دليل إلزاميّ والا فارتكاب المعاصي لا يوجب التعذيب عند أهل السنة يعني أنّ هذا الدليل تامّ عندهم لأنّ هذه المقدمة مسلمة عندهم فيكفي ذلك في الرد عليهم، وما قيل في رذه أنّ مراد المصنف ﵀ أنه لا وجوب لشيء علينا من الأحكام التكليفية قبل أن تشرع والا عذبنا بتركه قبله لا أنه لا يجب تعذيبنا عليه تعالى بالمعصية قبل شرع حتى يرد عليه أنّ المذهب عدم وجوب الإثابة والعقوبة على الله فيحتاج إلى ذلك التأويل انتهى ناشىء من عدم التدبر وأنه لا محصل له فإنّ قوله: والا عذبنا مقدمة غير صحيحة عند الأشاعرة فإن بناها على مدعي الخصم رجع بالآخرة إلى ما قاله من رد عليه بعينه، ثم إن وجوب تعذيب العاصي عند القائلين به من المعتزلة وجوب شرعي لا عقلي قال في شرح التجريد: اتفق الأئة على أن الله تعالى يعفو عن الصغائر مطلقا وعن الكبائر بعد التوبة، واختلفوا في جواز العفو عن الكبائر بدون التوبة فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنه جائز عقلا غير جائز سمعًا، وذهب الباقون إلى وقوعه عقلًا وسمعًا اهـ. (أقول) هذا ما قاله أصحاب الحواشي وفي شرح المحصول للأصفهاني لا دليل في الاية على ما ذكر لاحتمال أن يكون المراد بالرسول العقل وأن يكون المنفي عذاب المباشرة وليس فيها نفي التعذيب عن جميع الذنوب ولا يلزم من نفيه نفي الاستحقاق، وأجاب بأنّ الأصل الحقيقة والمنفي إيقاع العذاب مطلقا بمباشرة أم لا، وفي تفسير الإمام الاستدلال بالآية ضعيف لأنه لو لم يثبت العقلي لم يثبت الشرعي وهو باطل وبيان الملازمة أنه إذا جاء نبيّ بشرع ومعجزة فهل يلزم قبول ما جاء به أم لا فإن قلنا بلزومه فهل هو بشرعه أو بشرع غيره فإن كان بشرعه لزم إثبات الشيء بنفسه وإن كان بشرع غيره دار أو تسلسل فلزم الرجوع إلى الوجوب العقلي ورذه شيخنا في الآيات البينات بما يطول شرحه فانظره. قوله: (وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لانفاذ قضائنا الخ (لما كان ظاهر الآية أنه تعالى يريد إهلاك قوم ابتداء فيتوسل إليه بأن يأمرهم فيفسقوا فيدمرهم وارادة ضرر الغير ابتداء من غير استحقاق الأضرار مما ينزه عنه تعالى لمنافاته للحكمة وما ربك بظلام للعبيد دفع بوجوه، منها ما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: وإذا تعلقت الخ يعني أنه إذا تعلقت الإرادة بإهلاكهم لما سبق من القضاء والعلم بأنهم من ذوي المعاصي المهلكين وقع منهم العصيان فأهلكوا، وقد رد هذا في الكشف بأنه في زمان تعلق الإرادة يجب الفعل فالتفسير بهذا دون الرجوع إلى التأويل الثاني غير مجد،
ولهذا اقتصر عليه في الكشاف، وقيل أنّ مراده إذا قرب تعلقها وأنه من مجاز المشارفة لكنه لا يدفع ما ذكر وان دفع السؤال الأوّل كما قرّرناه فالحق أن يقال: إنّ الإرادة لها تعلقان: قديم وهو المتحقق في علمه بأنه سيقع في وقته المعين له وحادث وهو المتعلق به إذا وجد، والمراد هنا هو الثاني لأن إذا معلقة على فسقهم مقارنة له كقوله: إذا كبر الإمام فكبروا، والواقع معه في زمانه الممتذ هو التعلق الثاني لا الأوّل القديم السابق عليه القضاء سبقا ذاتيا على أنّ المراد بإنفاده انفاذه في وقته المقدر له كما توهم فإنه لا يدفع السؤال إلا بتكلف وان ذهب إليه
[ ٦ / ١٦ ]
بعضهم فتأمّل. قوله: (أو دنا وقته المقدّر كقولهم إذا اراد المريض الخ) على هذا اقتصر في الكشاف وهو مبني على أصولهم كما في الكشف وعلى نهج قوله: جدارا يريد أن ينقض كما سيأتي تحقيقه فهو مجاز للتنبيه على عاقبة أمرهم فيجري مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جهة وجاءه الخسران من كل طريق وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلط في أكله وشرع في أكل ما تتوق إليه نفسه لما كان المعلوم من حال هذا الخسران ومن حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام كما في الدرر الشريفة يعني أق دلالة أمر على وقوع شيء عقبه ينزل منزلة الإرادة لذلك الشيء لما بينهما من اللزوم أو المشابهة فتدبر، وقوله: قوم إشارة إلى أنّ المراد بقرية أهلها. قوله: (أمرنا مترفيها متنعميها بالطاعة (لما كان المتبادر منه أن التقدير أمرناهم بالفسق كقوله: أمرته فقام إذ تقديره أمرته بالقيام كما سيأتي تحقيقه وهو غير صحيح لأن الله لا يأمر بالفحشاء إلا بارتكاب التأويل الآتي قدر له هذا المتعلق ولم يلتفت إلى رذه الآتي لأنه مأثور عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير كما نقله المفسرون وقوله: متنعميها بصيغة الجمع المضافة وقوله: على لسان رسول بيان للواقع المقدر بقرينة قوله: تحى نبعث رسولًا. قوله: (ويدل على ذلك ما قبله وما بعده الخ (ردّ على الزمخشري كما سيأتي تفصيله مقتديًا بالإمام فيه يعني أن ما زعمه من أنه لا دليل على تقدير ما ذكر ممنوع بل الدليل عليه ظاهر فإن فسق وعصى متقاربان بحسب اللغة وإن خص في الشرع بمعصية خاصة، وذكر الضد يدل على الضد، كما أنّ النظير يدل على نظيره فذكر الفسق والمعصية دال على تقدير الطاعة كما في قوله: سرابيل تقيكم الحرّ فيكون كقوله أمرته فأساء إليّ أي أمرته بالإحسان بقرينة المقابلة بينهما المقتضية بالعقل الدال على أنه لا يؤمر بالإساءة كما لا يؤمر بالفسق والنقل أنّ الله لا يأمر بالفحشاء والتعجب من جعل المصنف ما ذكر دليلا على تقديره مع أنّ الزمخشري جعله دليلًا على خلافه مما يتعجب منه ثم إنّ المدقق في الكشف رد ما ذكره المصنف ﵀ كغيره بأن الزمخشري لم يمنع هذا التقدير من هذا المسلك بل المانع عنده أنّ تخصيص المترفين حينئذ يبقى غير بين الوجه وكذلك التقييد بزمان إرادة الإهلاك ولظهوره لم يتعرض له، وأيضًا شهرة الفسق في أحد معنييه تمنع من عده مقابلًا بمعنى العصيان على أنّ
ما ذكر من نبوّ المقام عن الإطلاق قائم في التقييد بالطاعة، فافهم ولا تغتر بما أثره الإمام وشنع بأنه لا فرق بين أمرته ففسق وأمرته فعصاني، وأيده غيره بأنّ الفسق الخروج عن الأمر فذلك من عدم تدبر ما أورده جار الله على ما يجب انتهى يعني أن الى، مر بالطاعة واقع من الله في كل زمان ولكل أحد فلا وجه للتقييد حينئذ وأن هذا هو الداعي لاختيار الزمخشري ما ذكر ولما ورد عليه أنه ليس في كلامه ما يدل عليه تلافاه بأنه تركه لظهوره ولا يخفى أنه قول بسلامة الأمير ونظر بعين الرضا إذا أدخل في الكلام ما ليس فيه، وأما التقييد المذكور فظاهر لأنهم أئمة الكفر ورؤساء الضلال وما وقع من سواهم باتباعهم ولو لم يلاحظ هذا لم يكن للتقييد وجه في سائر الوجوه فتدبر. قوله: (وقيل أمرناهم الخ (هذا ما ارتضاه الزمخشري وملخصه أن المراد أمرناهم ففعلوا، والأمر مجاز لأن حقيقته أن يقول لهم: افسقوا وهو لا يتأتى لما مر فالوجه أنه أفاض النعم عليهم ليشكروا فعكسوا ذلك وجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة له فلما آثروا الفسوق أهلكهم، وهذا هو الوجه لأنّ المستفيض حذف ما يدل عليه، ونظيره لو شاء لأحسن إليك أي لو شاء الإحسان فلو أضمرت خلافه لم تكن على سداد، وكأنك تروم من مخاطبك علم الغيب فهو إفا استعارة تمثيلية أو تصريحية تبعية لا مجاز مرسل كما يوهمه لفظ التسبب، فافهم. قوله: (على أنّ الأمر مجارّ من الحمل عليه أو التسبب له (متعلق بقوله قيل الخ ومن متعلقه بمقدر أي ناشىء من الحمل لأنه وجه الشبه فإنه شبه إفاضة النعم وصبها على أهل الأهواء بأمرهم بالفسق والجامع مع ما ذكر أو شبه حالهم في تقلبهم في النعم مع عصيانهم وبطرهم بحال من أمر بفساد فبادر إليه، هذا ما في شروح الكشاف فقوله: بأن بيان للمستعار له، فما قيل
[ ٦ / ١٧ ]
من أنّ الأولى إبدال من بفي فيكون الأمر مستعملًا في معنى الحمل والتسبب مجازًا مرسلا وصحة كلام المصنف بأن يراد بالحمل والتسبب الصب فإنه حمل وتسبب مخصوص ويجعل الأمر مستعملًا في الصب وما أفضى إلى الفسق فعلاقته المشابهة في الحمل والتسبب فالتعبير عن الصبّ بالحمل والتسبب للإشارة إلى وجه الشبه على أنه استعارة تبعية تعسف من غير داع وتطويل من غير طائل، وقيل: أمرنا استعارة لحملنا وتسببنا لاشتراكهما في الافضاء إلى الشيء، وقوله: بأن صب الخ بيان للحامل من جانبه تعالى، وكونه استعارة للصب وان صح ليس بمراد فيه، وفيه ما فيه فتدبر. قوله: (ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي الخ (يعني أنه ينزل منزلة اللازم كما في المثال المذكور لأن القرينة قائمة على أنه ليس بتقدير أمرته بالعصيان ولا قرينة على تقدير شيء آخر، ودلالة الضد على ضده خفية فلا يقدر بالطاعة فيكون المعنى وجهنا الأمر فوجد منه العصيان أو
الفسق، وقد نفى جار الله هذا الاحتمال وذكر أن ما نحن فيه ليس كما ذكر في المثال والمصنف ﵀ لم يلتفت إلى رذه تبعا للإمام وقد ضعفه في الكشاف فإن أردت التفصيل فراجعه وقد مرّت زبدته. قوله: (وقيل معناه كثرنا الخ) أمرت بفتح الميم وأمر بكسرها مطاوعه لازم والأوّل متعدّ فيختلف لزومه وتعديه باختلاف حركته، وقد قيل إنّ المكسور يكون متعدّيا وأنه قرىء به، وقوله: آمرنا بالمد يعني أنه يتعدى بنفسه وبالهمزة أيضًا، وأصله أمرنا فأبدل منه وهذا ذهب إليه أبو عبيدة والفارسي وغيرهما، واستدلوا بالحديث الآتي، وقوله: خير المال الخ هو حديث صحيح ذكر المخرّج سنده والسكة النخل المصفوف ومأبورة بالباء الموحذة والراء المهملة من تأبر النخل تلقح وتثمر وهو معروف، والمهرة أنثى الخيل ومأمورة بمعنى كثيرة الحمل والنتاج ومعناه خير المال زرع أو نتاج. قوله: (وهو أيضا مجاز من معنى الطلب (أي هو في الحديث مجاز كما في الآية كان الله تعالى قال لها: (كوني كثيرة النتاج فكانت) فهي إذا مأمورة غير منهية، وهذا من فائق اللغة بعينه، ومثله معنى ما قيل:
ومهفهف قال الإله لحسنه كن فتنة للعالمين فكانه
فلا يتم الاستدلال بالحديث كما ذكروه وقيل أصله مؤمرة فعدل عنه للمشاكلة كما في مأزورات غير مأجورات. قوله: (ويؤيده) أي يؤيد القول بأنه من أمر بمعنى: كثر قراءة يعقوب ﵀ آمرنا بالمذ من الأفعال وما روي عن أبي عمر ومن قراءة أمرنا بالتضعيف فإنه ليس من الأمر ضد النهي فيكون من أمر بمعنى كثر فهو يدل على وجوده لو لم يحتمل أن يكون منقولًا من أمر بالضم إذا صار أميرًا لأنه معروف فيه، وفعل المضموم مخصوص بهذا المعنى بخلاف غيره من المعاني فلذا قيده به ليتعين فلا يرد عليه أنه مثلث كما في كتب اللغة فلا وجه لتقييده مع أن شهرته تكفي فيه، وضمه لالحاقه بالسجايا، وقوله: وتخصيص المترفين الخ دفع للسؤال الذي مرّ تقريره في الكشف. قوله: (يعني كلمة العذاب السابقة) بالتأنيث كما في بعض النسخ وفي بعضها السابق بدون تاء على أنه صفة الكلمة لتأويلها بالقول، وقوله: بحلوله الضمير للعذاب والباء للملابسة أو السببية متعلقة بحق، وكذا هي فيما عطف عليه والكلمة هنا
بمعنى الكلام وهو الوعيد السابق والفاء للتعقيب. قوله: (بإهلاك أهلها (إشارة إلى التقدير أو بيان المراد من التدمير، وهو الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء كما في البحر. قوله: (وكثيرًا الخ) إشارة إلى أن كم خبرية، وقوله: وتمييز له أي مجرور بمن البيانية لا زائدة فقوله: من بعد نوج من فيه لابتداء الغاية فلذا جاز اتحادها مع ما قبلها متعلقا وخصه بالذكر ولم يقل من بعد آدم ﵊ لأنه أوّل رسول أذاه قومه فاستأصلهم العذاب، ففيه تهديد وانذار للمشركين، وقوله: يدرك الخ تفسير لهما على اللف والنشر المرتب. قوله: (وتقديم الخبير (أي لفظًا على بصير التقدم متعلقه وهو المعلوم منه تقدما وجوديا على الأمر الظاهري لأنه ينشأ عنه غالبا، وقيل إنه تقدم رتبي لأنّ العبرة به، كما في الحديث أنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ونحوه، ثم إنه قال في الكشاف إذ نبه بقوله:
[ ٦ / ١٨ ]
وكفى بربك بذنوب عباده الخ على أنّ الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، والمصنف رحمه تركه لخفائه وقد بينوه بأنه لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علمًا أتم دل على أنه جازاهم بها، وإلا لم ينتظم الكلام وأمّا الحصر فلانّ غيرها لو كان له مدخل كان الظاهر ذكره في معرض الوعيد ثم لا يكون السبب تاضا ويكون الكلام ناقصًا عن أداء المقصمود فلزم الحصر، وهو المطلوب، ومنه يعلم ما قيل متعلقه بذنوب عباده ويرد عليه أنه متعلق ببصيرًا أيضا على التنازع. قوله: (مقصورا عليها همه (في الكشاف كالكفرة وأكثر الفسقة، وأسقطه المصنف ﵀ لابتنائه على مذهبه، والقصر مأخوذ من المقابلة فإنه جعله قسيم من أراد الآخرة فلو أرادهما لم يصح التقسيم وإنما قال: كالكفرة وأكثر الفسقة لأنه اعتبر في المقابل الإيمان والسعي لها حق السعي كذا في الكشف وفيه نظر، وقيل إنه مأخوذ من كان فإنها تدل في مثله على الاستمرار ولأنه قسيم والقسمة تنافي الشركة، ولقوله جعلنا له جهنم الخ فإنّ مريدهما ليس كذلك وهو ملحق بالقسم الثاني، ولا يخفى أنّ إلحاقه بالثاني ينبو عنه قوله حقها من السعي فلذا قيل إنه سكوت عنه ولا ضير فيه، وقيل إنه مأخوذ من الإرادة لأنها عقد القلب وتمحض النية وهو بعيد. قوله: (قيد المعجل) في قوله: ما نشاء، والمعجل له في قوله: لمن نريد،
وذكر المشيئة في أحدهما والإرادة في الآخر إن قيل بتراذفهه- أت! ت، رقوله: وليعلم أق الأمر بالمشيئة والهتم فضل يحتمل أن الهتم مسس ور معطوف على المشيئة والمراد به إرادة العبد وعزمه على ما يريد يعني وجود أمر بعد مشيئة العبد وعزمه فضل من الله تعالى لتوقفه على إرادته، وقيل هو مرفوع خبره فضل وخبر أن بالمشيئة وليس الهتم منصوبا معطوفًا على اسم أن والمعنى أنه لا بد في حصول كل أمر منها وإنما التأثير لها لا اللهتم فإنه فضل من الله موقوف عليها أيضا، وقوله: لأنه لا يجد الخ تعليل على اللف والنشر الغير المرتب أي لا يجد بعقمن يتمنى ما تمنى أصلا وبعض من وجد يجد بعضه لأكله. قوله: (ولمن نريد بدل من له بدل البعض (يعني الجار والمجرور من الجار والمجرور فلا يحتاج إلى رابعل لأنه في بدل المفردإت أو المجرور بدل من الضمير المجرور بإعادة العامل وتقديره لمن نريد تعجيله اط منهم. قوله: (وقرىء ما يشاء (بضمير الغيبة وقوله: والضمير فيه دلّه تعالى أي ضمير الغائب ليطابق المشهورة والضمير فييا لله أيضًا لكن الظاهر هو الوجه الثاني فإنه حينئذ يكون التفاتا، ووقوع الالتفات في جملة واحدة إن لم يكن ممنوعا فغير مستحسن كما فصله في عروس الأفراح، وقوله: مخصوصا بمن أراد الله تعالى به ذلك يعني كنمروذ وفرعون ممن ساعده الله على ما أراد استدراجا له، وقوله: وقيل الخ هذا أيضا على كون ضمير الغيبة لمن ولا عموم للموصولين فيه أيضا لكن المراد بالأول المنافق والمرائي والمراد بما يشاء جزاء ما أعده وسيلة للدنيا مما هو من أعما أط الآخرة فيها، والمساهمة المشاركة في السهام والانصباء الحاصلة من الغنائم ولا يخفى موقعها هنا مع الغرض من اللطف، وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى وقيل: المقابلة بينه وبين ما قبله باعتبار العموم والخصوص أو المنافاة فإن المنافقين أرادوا بعمل الآخرة الدنيا فتأضله. قوله: (حقها من السعي (من إفا تبعيضية أو بيانية وكون سعيها سواء كان مفعولًا به على أن المعنى عمل عملها أو مصدرا مفعولًا مطلقًا بمعنى ما يحق ويليق بها مأخوذ من الإضافة الاختصاصية فيخرج من يتعبد من الكفرة ويزعم أنه سعى لها واليه أشار بقوله: بما يخترعون بآرائثم جمع رأي، وقوله: اعتباهـ الخية
٦ / / م ٣
والإخلاص أي دلّه في عمله سواء كانت للأجل أو للاختصاص، وقوله: فإنه العمدة إشارة إلى وجه تفسيره بما ذكر فإن ما عداه لا يعد مؤمنًا وقوله الجامعون الخ إشارة إلى ألإشارة راجعة إلى جميع ما قبله كما مرّ في قوله: أولئك هم المفلحون، وقوله: من الله من ابتدائية أي من جانبه ومثابا تفسير لمشكورًا ومقبولًا من لوازم الإثابة، وقوله: بدل من المضاف إليه أي عوض، وهذا بناء على أنّ تنوين كل وبعض تنوين عوض عن الاسم المفرد كما يكون عوضا عن الحرف في جوار وغواس وعن الجملة في يومئذ وهو قول للنحاة، وقيل إنه تنوين تمكين، وكلا مفعول نمدّ مقدم عليه. قوله: (نمدّ بالعطاء
[ ٦ / ١٩ ]
مرّة بعد أخرى (فسره به لأنه يشعر بالتكرار كما مد الماء ونحوه، قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٢٧] وقوله: ونجعل آنفة مدد السالفة إن كان آنفة بتاء الوحدة منونا فمددا منون ولسالفة بلام الجر وتاء الوحدة أيضا، وإن كان مضافا لضمير العطاء الغالب فلسالفه، ذلك والسالف ما سبق منه والآنف بالمد ما استؤنف مرة بعد مرّة أخرى، وقوله: من معطاه إشارة إلى أنّ العطاء اسم مصدر واقع موقع المفعول وقوله: ممنوعا لأنه من الحظر بمعنى المنع من الحظيرة، وقوله: في الرزق قيده به لدلالة السياق أو المراد به اللغوي فيتناول الشرف ونحوه كما يقال: السعادة أرزاق أو هو تمثيل.
قوله: (بدل من كلا (أي بدل كل من كل لكنه قدره فيما مضى بكل واحد من الفريقين
تبعا للزمخشري فورد عليه ما أورده عليه أبو حيان والمعربون وتبعهم المحشي من أنه لا يصح على هذا التقدير لأنه يكون بدل كل من بعض كقوله:
رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات ٠..
وهو مردود كما بين في النحو فالظاهر أن يقدر كل الفريقين ومن لم يفهم مراده قال في تقريره: أي نمذ هذا الفريق وذاك الفريق لا كل فرد منهما ولذا قال: كل واحد دون أحد وفرد، والعجب من أبي حيان أنه خالف النحاة في أن كلا إذا أضيفت إلى نكرة قد ترد للكل المجموعي لا بمعنى: كل فرد فرد مستدلًا بقول عنترة:
جادت عليه كل عين ثرّة فتركن كل حديقة كالدرهم
وعليه قول الأصوليين كل رجل يشيل الصخرة العظمية وإن نازعه السبكي فيه في رسالة
كل وعلى ما ذكر لا يرد عليه شيء عند النظر الصحيح وكأنه أشار إليه بقوله: الأولى فتأمّل. قوده:) وانتصاب كبف الخ (أي أنها في محل نصب لأنها مبنية على الفتح قال نجم: الأئمة
إنما عد كيف في الظروف لأنه بمعنى على أي حال والجار والمجرور والظرف متقاربان، وكون كيف ظرفا مذهب الأخفش، وعند سيبويه هو اسم بدليل إبدال الاسم منه نحو كيف أنت أصحيح أم سقيم ولو كان ظرفا لأبدل منه الظرف نحو متى جئت أيوم الخميس أم يوم الجمعة فإن جاء بعد كيف ما يستغنى به فكيف منصوب المحل على الحال فتأمّل، وناصبه ما بعده من الفعل وليس مضافًا للجملة كما توهم والجملة بتمامها في محل نصب بقوله: انظر وهو معلق هنا كما بين في محله، والمعنى انظر إلى هذه الكيفية العجيبة. قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ درجات وتفضيلًا منصوبان على التمييز والمفضل عليه محذوف تقديره من درجات الدنيا وتفضيلها وقوله: بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها عمم الدرجات ليشمل الدركات فللتفضيل بمعنى التفاوت فاعتبر التفاوت بين أهل الجنة والنار وبين أبعاض الفريقين. قوله: (الخطاب للرسول ﷺ الخ) إنما جعل المراد به أقته على حذ قوله:
إياك أعني وسمعي يا جاره
أو المراد به العموم على حذ قوله ولو ترى إذ وقفوا على النار وهو معنى ما قيل إن الخطاب للإنسان لأن ما بعده ليس مما يصف به نبيه وحبيبه ﷺ ولو على طريق الفرض والتقدير. قوله: (فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة (شحذ بمعنى سن وحدد والشفرة السكين الكبيرة وكل نصل عريض وقعد بمعنى صار ويلحق به في العمل، قال الرضي: من الملحقات بصار قعد في قول إعرابي: أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي صارت وقال: إنما تعمل قعد هذا العمل في هذا المثل فلا يقال قعد كاتبا لكونه مثله ولذا قيل: إن تفسيره بتصير هنا غير جيد وهذا غير مسلم لأن الفراء ذهب إلى إطراد قعد بمعنى صار، ومنه قول الراجز:
من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الاير له لعاب
وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها فما ذكر مبنيئ على قول الفراء: وعلى قول الأصحاب: مذموما مخذولًا حال، وعلى قول الزمخشري خبر يقعد. قوله: (أو فتعجز من قولهم قعد الخ) بمعنى العاجز عن القيام ثم تجوّز به عن مطلق العجز، وقيل القعود كناية عن العجز فإن من أراد أخذ شيء يقوم له ومن عجز قعد، وأما القعود بمعنى الزمانة فحقيقة والإقعاد مجاز كأنّ مرضه أقعده والقعود اللبث مطلقا قائما أو قاعدا أو هو حقيقة أيضا وفيه نظر إلا أن يريد أنه حقيقة عرفية لا لغوية لأنه ضد القيام. قوله: (جامعا على
[ ٦ / ٢٠ ]
نفسك الخ (يشير إلى أنهما خبران على الأوّل وحالان مترادفان على الثاني لا متداخلان ولا من قبيل حلو حامض كما قيل وقوله: ومفهومه الخ ومثله من المفاهيم معتبر مقصود هنا فتأمل. قوله: (وأمر أمرًا
مقطوعا به (كذا في الكشاف فقيل: إنه مجاز، وقيل: إنه ضمن معنى الأمر لكونه جامعا للمعنيين الأمر والقضاء الذي هو القطع وليست ضرورة داعية إلى هذا التضمين ورد بأن الداعي إليه أن المقضي يجب وقوعه ولم يقع التوحيد من بعض المخاطبين وقيل إنه أراد أنه مجاز عن الأمر المبتوت الذي لا يحتمل النسخ ولو كان تضمينا لكان متعلق القضاء حينئذ الأمر دون المأمور به والا لزم أن لا يعبد أحد غير الله فيحتاج إلى تخصيص الخطاب بالمؤمنين فيرد عليه بأن جميع أوامر الله بقضائه فلا وجه للتخصيص والأمر هنا لمطلق الطلب ليتناول طلب ترك العبادة لغيره تعالى، وأنت خبير بأنّ ما ذكره متوجه لو أريد بالقضاء أخو القدر أما لو أريد به معناه اللغوي الذي أشار إليه فلا يرد ما ذكره والتضمين عليه هنا شراح الكشاف والداعي إليه أنه لو كان مجازا لكان بمعنى أمر فقط ولم يلاحظ فيه معنى القطع الحقيقي له، فتأمل وأما التجوز في الإيمان بما ذكر فيغني عنه أن معنى لا تعبدوا غيره بمعنى اعبدوه وحده فهو أمر باعتبار لازمه وإنما اختير هذا للإشارة إلى أنّ التخلية بترك ما سواه مقدمة مهمة هنا. قوله: (بأن لا تعبدوا (إشارة إلى أن أن مصدرية والجارّ مقدر قبلها ولا نافية ويجوز أن تكون ناهيه كما مر ولا ينافيه كونها في تأويل المصدر كما أسلفناه، وأما كونه أخبارا عن إنثائه الماضي فتعسف وغاية التعظيم العبادة وهي لا تحق وتليق إلا لمن كان في غاية العظمة منعما بالنعم العظام وهذا لا يوجد في غيره فلذا أمروا بأن لا يعبدوا غيره. قوله: (وهو كالتفصيل (أي هذا وما عطف عليه من الأعمال الحسنة كالتفصيل لأنه لا يشمل جميع مساعيها ولذا عطف بالواو، وقوله ويجوز أن تكون أن مفسرة لتقدم ما تضمن معنى القول: دون حروفه وهذا معطوف بحسب المعنى على قوله: بأن لا تعبدوا لأنه في معنى وأن مصدرية كما مرّ وقوله ولا ناهية، وقيل إنها مخففة واسمها ضمير شان محذوف ولا ناهية، وقيل مصدرية ولا زائدة ويأباه الاستثناء. قوله: (وبأن تحسنوا (وفي نسخة وأن تحسنوا بعطف المقدر على أنها مصدرية ولا نافية، وقوله: أو وأحسنوا على أن أن تفسيرية ولا ناهية وهو معطوف على لا تعبدوا. قوله: (لآنّ صلته لا تتقدّم عليه) وجعله الواحدي صلة له فقيل إن كان المصدر منحلا بأن والفعل فالوجه ما ذكره المصنف تبعًا للكشاف، وان جعل نائبا عن أحسنوا فالوجه ما قاله الواحديّ وهذا كله إن لبم نغتفر ذلك في الظرف مطلقًا لتسامحهم فيه كما ذهب إليه كثير من النحاة. قوله: (ولذلك صح لحوق النون
المؤكدة للفعل (تبع فيه الزمخشري، وهو المذهب المشهور من أنه لا يؤكد بها الفعل بعد إد الشرطية إلا إذا زيدت عليها ما واختلف فيه فقيل إنه واجب وقيل إنه لا يجب وعليه قوله ابن
أفا ترى رأسي حاكى لونه طزة صبح تحت أذيال الدجى
فلا يرد ما اعترض به أبو حيان من أنه مخالف لقول سيبويه ﵀: وإن شثت أفحمت النون كما أنك إن شئت لم تجىء بها مع أنه قيل إن سيبويه إنما نص على أن نون التوكيد لا يجب الإتيان بها بعد أما وان كان أبو إسحاق قال بوجوبه وليس كلامه نصا فيما زعمه. قوله: (أو يدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف يبلغان الخ (لا فاعل والألف علامذ التثنية على لغة أكلوني البراغيث وكلاهما عطف عليه فإن رد بأنه مثروط بأن يسند للمثنى نحو قاما أخواك مثنى أو مفرقا بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه نحو قاما زيد وعمرو وهنا ليس كذلك، واستشكلت البدلية بأن أحدهما عليه بدل بعض من كل لا كل من كل لأنه ليس عينه وكلاهما معطوف عليه فيكون بدل كل من كل لكنه خال عن الفائدة، على أنا نقول أن عطف بدل الكل على غيره مما لم نجده، وقد أجيب عنه بأنا نسلم أنه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه لكنه لا يضر لأنه شأن التوكيد ولو سلم أنه لا بد منها ففيه فائدة لأنه بدل مقسم كما قاله ابن عطية فهو كقوله:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة وأخرى رمى فيها الزمان فشلت. ٠٠
[ ٦ / ٢١ ]
إلا أنه تعقب بأنه ليس من البدل المذكور لأن شرطه العطف بالواو وأن لا يصدق المبدل
منه على أحد قسميه وهنا قد صدق على أحدهما وهذا محتاج إلى التحرير فانظره. قوله. (وكلاهما عطف على أحدهما فاعلاَ أو بدلا (قد علمت ما في البدلية من القيل والقال، واختار في البحر أن يكون أحدهما بدلًا من الضمير وكلاهما فاعل فعل مقدر تقديره أو يبلغ كلاهما وهو من عطف الجمل، وقوله: ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدًا للألف أي ضمير التثنية لأن التأكيد لا يعطف على البدل كما لا يعطف على كيره ولأن أحدهما لا يصلح توكيدا للمثنى ولا غيره فكذا ما عطف عليه ولأنّ بين إبدال بدل البعض منه وتأكيده تدافعا لأن التوكيد يدفع إرادة البعض منه وهذا القول منقول عن أبي علي الفارسي ﵀، قال في الدر المصون: ولا بد من إصلاحه بأن يجعل أحدهما بدل بعض من كل وبضمر بعده فعل رافع لضمير تثنية وكلاهما توكيد له والتقدير أو يبلغان كلاهما وهو من عطف الجمل حينئذ لكن فيه حذف المؤكد وإبقاء توكيده وقد منعه بعض النحاة، وفيه كلام في مفصلات العربية، وقوله: أن يكونا في كنفه أي
في منزله وكفالته أي في حال يلزمه القيام بأمرهما في المعيشة، كقوله: وكفلها زكريا ومنه الكفالة المعروفة وذلك لكبر سنهما وعجزهما عن الكسب وغيره. قوله: (فلا تتضجر مما يستقدر منهما (هذا بيان لمحصل معناه ومؤن بضم الميم وفتح الهمزة جمع مؤونة وهي معروفة وأف اسم فعل بمعنى أتضجر وذكروا فيها أربعين لغة لا حاجة إلى تفصيلها والوارد منها في القرا آت سبع ثلاث متواترة وأربع شاذة فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ نافع في رواية عنه بالرفع والتنوين، وأبو السماك بالضم من غير تنوين وزيد بن علي بالنصب والتنوين، وابن عباس ﵄ بالسكون، واسم الفعل بمعنى الماضي والمضارع قليل والكثير فيه الأوامر وقوله: وهو صوت وهو هذا اللفظ الذي يقوله: المتضجر كأخ الذي يقوله المتوجع وقوله وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر كأوّه بمعنى أتوجع وهو قليل كما مر، وقوله لالتقاء الساكنين لأنه الأصل في التخلص منه والساكنان الفا آن، وقوله: للتنكير فالمعنى أتضجر تضجر أما وإذا لم ينون فهو تضجر مخصوص، وقوله: على التخفيف ليس المراد به ترك التشديد فإنهم لم يقرؤوا به بل تخفيف الفتح لأنه أخف من الكسر، وقيل المراد به ترك التنوين، وقوله: وقرىء به أي بالفتح وهي قراءة زيد وبالضم معطوف على قوله به، والاتباع للهمزة وهي رواية عن نافع كما مر. قوله: (قياسًا (أي قياسًا جليا لأنه يفهم بطريق الأولى وشممى مفهوم الموافقة ودلالة النص وفحوى الخطاب ولا خلاف فيه بين الحنفية والثافعية على أنه مفهوم كما تقرّر في الأصول وقوله: وقيل عرفا يعني أنه يدل على ذلك حقيقة ومنطوقا في عرف اللغة كما في المثال المذكور فإنه يدل على أنه لا يملك شيئًا قلبلا أو كثيرآ، والنقير نقرة في ظهر النواة والقطمير شق النواة أو قشرة رقيقة عليها. قوله: (ولذلك (أي لدلالة النص على ما ذكر منع الخ، وقال ابن حجر حديث حذيفة ﵁ وأنه استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه، وهو في صف المشركين فقال: دعه بل غيرك كما في الكشاف لم أجده مرويا في كتب الحديث ولم يصح عن والد حذيفة أنه كان في صف المشركين فإنه استشهد بأحد مع المسلمين كما في صحيح البخاري لكن نحو القصة المذكورة وقعت لًا بي عبيدة بن الجراج،
وقوله: نهى عما يؤذيهما الخ بيان لمحصل معنى الآية من توله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] إلى هنا، لا بقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] كما قيل، وقوله: بإغلاظ متعلق بتنهرهما أو تزجرهما، وقوله: أخوات أي متقاربة في المعنى أمّا النهي والنهر وهو الزجر فظاهر وأمّا النهم بسكون الهاء والميم فلأنه يكون بمعنى الزجر أيضا كما يكون بالفتح بمعنى شدة شهوة الطعام، وقوله: بدل التأفيف والنهر معلوم مما قبله لا أنه مقدر في الكلام وقوله جميلا أي حسنا لأنه يرد بهذا المعنى في مثله لا بمعنى- كثرة العطاء- والشراسة بفتح الثين المعجمة والراء والسين المهملتين بينهما ألف الصعوبة ومخالفة الطباع اللينة وسوء الخلق، وقوله تذلل لهما وتواضع هو بيان لمحصل معنى الكلام، وقوله فيهما، كأنه معناه في حقهما وفي معاملتهما. قوله: (جعل
[ ٦ / ٢٢ ]
للذل جناحًا كما جعل الخ (يعني أن فيه استعارة مكنية وتخييلية كما في بيت لبيد المذكور وهو من معلقته المشهورة فشبه الذل بطائر منحط من علو تشبيهًا مضمرًا وأثبت له الجناج تخييلا والخفض ترشيحًا لأن الطائر إذا أراد الطيران والعلوّ نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع فإذا ترك ذلك خفضهما وأيضًا هو إذا رأى جارحا يخافه لصق بالأرض وألصق جناحيه وهي غاية خوفه وتذلله، وقيل: المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية وأنه أنسب بالمقام. قوله: (وغداة ريح البيت (غداة مجرورة على إضمار رب والغدة أول النهار خصها لشدة بردها، وقرة بفتح القاف وقيل إنها مكسورة البرد الشديد وهو معطوف على ريح أو غداة، وقوله كشفت بصيغة المتكلم أي أزلت ضررها بكن الضيوف وإطعامهم وإيقاد النار لهم، ومن زعم أنه روي مجهولًا مع تاء التأنيث فقد أخطأ لأنه مختل الوزن ولا رواية فيه وأصبحت ناقصة واسمها ضمير مستتر للغداة أو الريح أو القرة وبيد الشمال زمامها من الخبر والمبتدأ خبرها كذا في شرح المعلقات، والمعنى أن تلك الغداة أو الريح الباردة أو القرة حصلت في ذلك الوقت وأتت بسبب هبوب الشمال وهي ريح معروفة بالبرودة فكأنها قائدة لها كما تقاد الإبل بأزمتها وهذا محل الشاهد ولا تكلف فيه كما توهم أن اسم أصبحت زمامها وأنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه والجارّ والمجرور خبرها، وأوهن منه ما قيل إن أصبحت تامّة بمعنى دخلت في وقت الصباج وأنها مسندة لضمير القزة وزمامها فاعل الظرف وجملته حالية وقوله للشمال بفتح الشين وفيه لغات أخر ففيه استعارتان مكنيتان بتشبيه
الشمال برجل قائد والقرة بناقة منقادة وتخييليتان في الزمام واليد وقوله: وأمره بصيغة الفعل معطوف على جعل ومبالغة مفعول له أو اسم مرفوع خبره مبالغة ووجه المبالغة ما فيه من الترشيح لأنه أبلغ من التجريد لا الإيجاب لأنه يفهم من تواضع وتذلل أيضا. قوله: (أو أراد جناحه (ففيه استعارة تصريحية تحقيقية مرشحة أو تمثيلية ويحتمل المكنية أيضًا على بعد، ووقع في بعض النسخ بالواو بدل أو وهو من سهو الناسخ، والجناح الجانب كما يقال: جناحا العسكر وخفضه مجاز كما يقال: لين الجانب ومنخفض الجانب، وقوله: للبيان لأنه صفة مبينة لأن المراد من خفض الجناج التذلل والمبالغة لأنه وصف بالمصدر كما مرّ تحقيقه والكلام عليه فكأنه جعل الجناج بمنزلة عين الذل وأما أنه يفيد أنه خلق منه كما قيل فلا وجه له، وتحقيقه في الكشف أن فيه وجهين وجناح الذل في الوجه الأوّد بل خفض الجناج تمثيل في التواضمع كما أشار إليه في سورة الشعراء وجاز أن يكون استعارة في المفرد، وهو الجناج ويكون الخفض ترشيحا تبعيا أو مستقلًا كما مرّ في قوله واعتصموا بحبل الله ولما كان الأوّل أبلغ وأظهر اكتفى به في الشعراء، وفي الوجه الثاني استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناج للذل ثم المجموع كما هو مثل في غاية التواضع، ولما أثبت لذله جناحا أمره بخفضه تكميلا، وما عسى أن يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحا فالأمر برفع ذلك الجناج أبلغ في تقوية الذل من الأمر بخفضه لأنّ كمال الطائر عند رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلا لأن الغرض تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس وأما على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناج المخفوض للذل بدل على التواضع وأمّا جعل الجناج وحده فليس بشيء ولهذا جعل تكميلا والأوّل أبلغ وأوفق بنظره في القرآن فافهم فإنه من بدائعه والذل بالكسر في الدوالث ومعناه سهولة الانقياد وبالضم في الإنسان ضد العز والنعت منه ذليل ومن الأوّل ذلول. قوله: (من فرط رحمتك الخ (قال في الكشف: إق هذا إشارة إلى أنّ من ابتدائية على سبيل التعليل ولا تحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا لرجعت الاستعارة إلى التشبيه إذ جناج الذل ليس من الرحمة أبدًا بل خفض جناح الذل جائز أن يقال إنه رحمة وهذا بين اهـ. يعني أنه لو كان بيانا لكان على سبيل التجريد وهو من أقسام التشبيه وهم قد صرحوا بأنه استعارة، ثم إنه بعد التنزل لا مجال له هنا فتدبر، وفرط الرحمة زيادتها والمبالغة فيها وهو مأخوذ من جعل جنس الرحمة مبدأ للتذلل فإنه لا ينشأ إلا عن رحمة تامّة لا من كون التعريف للاستغراق كما قيل. قوله: الافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما
[ ٦ / ٢٣ ]
(تعليل لاحتياجهما إلى أشد الرحمة لأن احتياج المرء إلى من كان محتاجا له غاية
الضراعة والمسكنة فيرحم أشد رحمة كما قلت:
يا من أتى يسأل عن فاقتي ~ ما حال من يسأل من سائله
ما ذلة السلطان إلا إذا ~ أصبح محتاجًا إلى عامله
قوله: (وداع الله تعالى أن يرحمهما برحمتة الباقية (الخطاب للولد، ورحمته الفانية هي ما تضمنها الأمر والنهي السالفان، والرحمة الباقية هي رحمة الآخرة وخصها لأنها الأعظم المناسب طلبه من العظيم ولأنّ رحمة الدنيا حاصلة عموما لكل أحد، ولا تكتف نهي معطوف على الأمر قبله وهذه الرحمة التي في الدعاء قيل إنها مخصوصة بالأبوين المسلمين، وقيل عامة منسوخة بآية النهي عن الاستغفار، والمصنف ﵀ ذهب إلى أنها عامة غير منسوخة لأن تلك الآية بعد الموت وهذه قبله ومن رحمة الله لهما أن يهديهما للإيمان فالدعاء بها مستلزم للدعاء به ولا ضير فيه، فيجوز الدعاء لهما بالرحمة على هذا الوجه فإن كان المراد رحمة الدنيا فهي دعاء بالزيادة. قوله: (رحمة مثل رحمتهما (فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما ذهب إليه بعضهم لأنه مخالف لمعناها المشهور مع أن هذا يفيد ما أفاده التعليل، كما أشار إليه المصنف ﵀ والجار والمجرور صفة مصدر مقدر أي رحمة مثل رحمتهما لي في صغري، وقال الطيبي ﵀: إن الكات لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها، كقوله: مثل ما أنكم تنطقون قال في الكشف وهو وجه حسن، وأما الحمل على أنّ ما المصدرلة حينية والمعنى ارحمهما وقت أحوج ما يكون إلى الرحمة، كوقت رحمتهما لي وأنا لحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة والرحمة الجنة لأنها الرحمة الباقية فتعسف لا يساعده اللفظ والمعنى، وقوله وفاء بوعدك إشارة إلى ما ورد من نحو الراحمون يرحمهم الرحمن وغيره، وقوله روي تبع فيه الزمخشري وقال ابن حجر ﵀: إنه لا يوجد في كتب الحديث، وقوله: فهل قضيتهما أي حقهما كما صزج به في الكشاف، وفي إيراده إشارة إلى فائدة طلب الرحمة لهما من الله فإنه لا يفي بحقهما وإنما يوفيه الله عنه وهو أيضا توطئة لما بعده وفيه تهديد ووعيد لمن خالفه في ذلك، والظاهر أنه وعد لمن أضمر البر ووعيد لغيره. قوله: (قاصدين للصلاح (أي بما صدر في حقهما أي مع صدوره حال اليإ درة والحدة فلذا
فسره بالقصد، والأوبة الرجوع وهي التوبة هنا لأنها رجوع عن الذنب، وحرج الصدر ضيقه، وقوله: وفيه تشديد عظيم على الأولاد في حق أبويهم ووجهه كما في الكشف أنه شرط في البادرة النادرة قصد الصلاج وعبر عنه بنفس الصلاج، ولم يصرح بصدورها بل رمز إليه بقوله فإنه كان للأوّابين الخ لدلالة المغفرة والتوبة على الذنب، فشرط قصد الصلاج والتوبة وهو استئناف يقتضيه مقام التأكيد والتشديد، كأنه قيل: كيف يقوم بحقهما وقد تبدر بوادر فقيل إذا بنيتم الأمر على الأساس وكان المستمر ذلك ثم اتفقت بادرة من غير قصد إلى المساءة فلطف الله يحجز دون عذابه. قوله: (ويجوز أن يكون عاقًا الخ (عطف على ما قبله بحسب المعنى لأنه في قوّة أن يقال ورد في حق هؤلاء، وقوله: أوليا صفة مصدر مقدر أي اندراجا وقد وقع مصرحا به في بعض النسخ، وقوله لوروده على أثره أي لوقوعه بعده وهو تعليل للاندراج، وقيل إنه سقط من بعض النسخ، قوله ويندرج الخ فيشكل التعليل حينئذ إلا أن يراد أن يكون عاقا لغيره، وهو تعسف لا حاجة إليه فإنه إنما سقط من قلم الناسخ. قوله: (من صلة الرحم وحسن المعاشرة (هذا متفق عليه وذكره توطئة لمذهبه من أنه لا تجب النفقة على غير أصل وفرع خلافا لأبي حنيفة على ما فصل في الفروع لكنه قيل عليه إن عطف المسكين وابن السبيل عليه مما يدل على أن المراد الحقوق وذا القربى ظاهر في العموم لا يختص بالقرابة الولادية، وقوله في النظم حقه يشعر باستحقاقه ذلك لاحتياجه فلا يرد قوله في الكشف الحق أن إيتاء الحق عام والمقام يقتضي الشمول فيتناول الحق المالي وغيره فلا ينهض دليلا على إيجاب نفقة المحارم مع أنه إذا عم دخل فيه المالي وغيره فكيف لا ينهض
[ ٦ / ٢٤ ]
وقوله: إذا كانوا محارم فقرأ اقتصر عليه لأنه محل الخلاف ولفهم منه أنهم إذا لم يكونوا كذلك حقهم صلتهم بالموذة والزيارة ونحوهما، وأقارب الرسول ﷺ حقهم توقيرهم ومحبتهم وإعطاؤهم الخمس، ومزضه لأنه لا قرينة على التخصيص وفيه أن الخطاب قرينة وهو مروي أيضا.
قوله: (بصرف المال فيما لا يضبفي (إشارة إلى أن التبذير المثتق من تفريق البذر في الأرض المراد منه ما ذكر وهو شامل للإسراف في عرف اللغة ويراد منه حقيقته وإن فرق بينهما على ما نقل في الكشف بأن الإسراف تجاوز في الكمية وهو جهل بمقادير الحقوق والتبذير تجاوز في موقع الحق وهو جهل بالكيفية وبمواقعها وكلاهما مذموم، والثاني أدخل في الذم، وأما قوله فيه أنه يتناوله في الآية بطريق الدلالة إذ لا يفترقان في الأحكام لا سيما وقد عقبه بالاقتصاد المناسب للكمية المرشد إلى إرادته ففيه نظر غفل عنه من أورده من عنده فإنه إذا كان التبذير أقوى وأدخل في الذم كيف يدل على ما دونه بطريق الدلالة فتأمل، والمسكين وابن
السبيل يعطى من الزكاة كما بين في محله، ثم إنه قيل أن الإسراف منهيئ عنه ولو في وجوه الخير وأن ما أورده الزمخشري من قول القائل: لا سرف في الخير لا عبرة به وفيه نظر. قوله: (وعن النبي ﷺ الخ (رواه أحمد بن حنبل ﵀ عن ابن عمرو ﵄ وغيره وهو حديث صحيح. قوله: (أمثالهم في الشرارة (بفتح الشين مصدر كالطهارة أي في كونهم شرًا وهو إشارة إلى أنّ الأخوان جمع أخ وهو بمعنى المثل والمشابه في الصفة مجازًا واستعارة كما وقع في الحديث بكلماته بأخي السرار أي كلام يشبه المساز به وكذا قولهم للخير أخو الشز فالأخ المماثل حقيقة أو ضدا كما يسمى المتقابلان زوجين، ولذا أرلد به الأصدقاء أو الاتباع فهو مجاز تشبيها لقران الصحبة والتبعية بقران القرابة فظهر أن الكل على الاستعارة وإن كان الوجه مختلف وقوله لأنهم كانوا يطيعونهم في الإسراف بيان لوجه جعلهم أصدقاء وأتباعًا بإطاعتهم لهم كما يطيع الصديق صديقه والتابع متبوعه وكأنه مجاز على مجاز لشهرة الأول التي ألحقته بالحقيقة فتأمل. قوله: (روي أنهم (أي الكفرة وهذا مما عرف في الجاهلية، والتياسر تفاعل من يسر إذا ضرب قداح الميسر على جزور ينحر ويقسم على سهام الميسر كما مر بيانه وعداه بعلى لتضمينه معنى يتزاحمون أو يتراهنون أو يجتمعون، وقوله في السمعة بضم فسكون وهي الرياء الذي يشتهر ويسمعه الناس، وقوله في القربات جمع قربة وهي ما يتقرب به إلى الله وقوله مبالغا من صيغة فعول، وأشار بقوله في الكفر إلى أنه يجوز أن يكون من الكفر ضد الإيمان، وقوله بنعماء بالمد بمعنى النعمة إشارة إلى أنه من كفران النعمة والمقصود زجرهم عن اتباعه. قوله: (وإن اعترضت عن ذي القربى الخ (إشارة إلى ارتباطه بما قبله ولذا خص ضمير عنهم بهم وإن احتمل العموم والخطاب عام وقيل معنى أن أعرضت أردت الإعراض فقل لهم قولًا ميسورًا ولا تعرض وقيل المعنى إن ثبت وتحقق في المستقبل أنك أعرضت عنهم في
الماضي فقل الخ والمراد سببية الثبوت للأمر بهذا القول فهذا وجه تفسيره المضارع بالماضي، وان كانت أن تخلصه للاستقبال وفيه نظر. قوله: (حياء من الرد (أي من رد مت سأل صريحا منهم وفي الحديث كان ﵊ إذا سأل شيئا ليس عنده أعرض وسكت وفيه إشارة إلى أن هذا علة الإعراض لانتظار الرزق، وكونه كناية عن عدم النفع وترك الإعطاء لأن هذا شأن من لم يعط فهو لازم عرفًا وما وقع في نسخة ينفقهم بالقاف من تحريف الناسخ وليس ما ذكر علة له بل عدم حصول ما يعطيه. قوله: الانتظار رزق من الله (في الكشاف أن قوله ابتغاء رحمة أما أن يتعلق بجواب الشرط مقدما عليه أي فقل لهم قولاسهلا لينًا وعدهم وعدًا جميلا رحمة لهم وتطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم وأما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمي الرزق رحمة فرذهم رذًا جميلا فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب موضع السبب والمصنف
[ ٦ / ٢٥ ]
﵀ لم يرد أنه علة لما قبله وقد أشار إليه فيما تقدم، لكنه أجمل ما في الكشاف فلا وجه لما قيل، كون انتظار الرزق علة للإعراض ممنوع وكذا عدم النفع بل هو معلل بالخيار كما ذكره، وقيل: إنه يعني أن إعراضك عنهم بترك الجواب المورث لليأس لانتظار ما ذكر لكن ما ذكره من تعلقه بالجواب أورد عليه أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب أما وما يلحق بها فإفا أن يكون جرى فيه على المذهب الكوفي المجوّز له مطلقا أو أراد التعلق المعنوي فيضمر ما ينصبه، ويجري هذا مجرى تفسيره وأن يأتيك بدل من الضمير بدل اشتمال. قوله: (أو منتظرين له (إشارة إلى أنّ المصدر حال مؤؤل باسم الفاعل وجمعه باعتبار المعنى لأنّ الخطاب لغير معين عام ففيه معنى الجمع، وكونه للتعظيم لا يناسب المقام وفي نسخة منتظرًا وهي ظاهرة، وحمله في الأولى على انتظار السائلين بعيد، ولا وجه للتقييد به وهي حال مؤكدة، وقوله: ويجوز أن يتعلق بالجواب مر تفصيله. قوله: (وقيل معناه لفقد رزق من ربك (عطف على ما قبله من تفسير الابتغاء بالانتظار، قال في الكشف: ابتغاء الرزق أقيم مقام فقدانه وفيه لطف فكان ذلك الإعراض لأجل السعي لهم وهو من وضع المسبب موضع السبب كما مر وإذا جعل الإعراض كناية عن عدم نفعهم فالابتغاء مجاز عن عدم الاستطاعة متعلق بالشرط لا يخفى جريانه على التعليق بالجزاء أيضا، وقوله: لينا تفسير لميسورًا، والإجمال القول الجميل الحسن. قوله: (والميسور من يسر الآمر مثل سعد الرجل ونحس (اليسر السهولة واليسير والميسور السهل
وتيسر تسهل وتهيا كاستيسر، وقوله من يسر أي المجهول وكذا ما بعده فكأنه لم يسمع إلا مجهولًا إذا تعدى كما في الكشاف والميسور اسم مفعول منه، أو المراد بالقول الميسور الدعاء لهم باليسر مثل أغناكم الله ونحوه كيسر لكم الرزق فعلى هذا يكون الميسور مصدرًا بتقدير مضاف، كما في الكشاف، أي قولًا ذا ميسور أي يسر قال العلامة: وفيه نظر لأن الميسور معناه ذا يسر ولهذا وقع صفة لقولا فأي ضرورة في أن يجعل مصدرًا ثم يؤوّل بذا ميسور وما قيل إن قول المصنف وهو اليسر يشير إلى أن الميسور مصدر، وقول ميسور من باب رجل عدل فاندفع ما ذكره العلامة لا يسمن ولا يغني من جوع فالحق في دفعه أنه إذا أريد به قولا يشتمل على الدعاء لا يكون القول حينئذ ميسورًا بل ميسرا لما أرادوه وميسور ومعسور مصدرين مما ثبت في اللغة من غير تكلف فجعله صفة مبالغة أو بتقدير مضاف له وجه وجيه، فتأمل. قوله: (تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر (يعني أنهما استعارتان تمثيليتان شبه في الأولى فعل الشحيح في منعه بمن يده مغلولة لعنقه بحيث لا يقدر على مذها وفي الثانية شبه السرف ببسط اليد بحيث لا تحفظ شيئا وهو ظاهر، وقوله: أمر بالاقتصاد بدل من نهي بدل اشتمال على ما وقع من ترك الواو في نسختنا، وقوله: الذي هو الكرم أي الجود الممدوج لأنه يختص به في العرف فلا وجه لما قيل الأولى: أن يقول هو الجود إذ لا اختصاص للكرم بالبذل المالي، وقوله: عند الله لأنه غير مرضيّ وعند الناس لأن من لا يحتاج إليه يطعن فيه بعدم تداركه لأحواله ومن يحتاج بذفته بإعطاء غيره أو تنقيصه نجل عند نفسه أيضًا كما سيذكره. قوله: (بالإسراف وسوء التدبير (قيل: الأولى أن يعتبر فيه التوزيع فتقعد منصوب في جواب النهيين والملوم راجع قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢٩ كما قيل: إن البخيل ملوم حيثما كانا
والمحسور راجع إلى قوله: ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢٩. قوله: (نادمًا (فهو
من الحسرة وهي كما قال الراغب: الغتم والندم على ما فات كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه أو المحسرات أي انكشفت قواه عنه أو أدركه إعياء عن تدارك ما فاته فلذا قيل: محسورًا دون حاسر لأنه أبلغ. قوله: (أو منقطعا بك (ضبط بفتح الطاء على صيغة المفعول لأنه من انقطع بالمسافة مبينا للمفعول إذا عطبت دابته ونفد زاده فانقطع، وقوله: لا شيء عندك تفسير له، وقوله: من حسره السفر أي أعياه، وأقفه حتى انقطع عن رفقته فهو حاسر ومحسور أمّا الحاسر فتصوّر أنه قد حسر نفسه، وأما المحسور فتصوّر أن التعب قد حسره، وقوله: إذا
بلغ منه أي إذا بلغ السفر منه الجهد كمن
[ ٦ / ٢٦ ]
بلغ منه المرض إذا أثر فيه فهو استعارة. قوله: (وعن جابر الخ (هذا الحديث ذكره في الكشاف هكذا بينا رسول الله ﷺ جالس إذا أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعا فقال: من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا فذهب إلى أقه فقالت له قل له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل ﷺ داره، ونزع قميصه وأعطاه له وقعد عريانًا وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة قال العراقي إنه لم يجده في شيء من كتب الحديث وقوله: تستكسيك أي تطلب منك كسوة لها والدرع هنا القميص، وقوله: من ساعة إلى ساعة تركيب مشهور في الألسنة ومعناه ما في المثل من العمود إلى العمود فرج إلى أخر سؤالك من ساعة إلى ساعة أخرى يظهر لك مرادك وتظفر به، فإنا نترقب حصوله ونرجوه وقوله: فأنزل الله ذلك وهو لا ينافي كونه عاما، وقوله: يوسعه تفسير للبسط ويضيقه تفسير ليقدر فإن يقدر، ويقتر مترادفان. قوله.) فليس ما يرهقك (أي يغشاك ويعرض لك في بعض الأحيان والإضافة أفعال بمعنى تضييق الحال ومن تعليلية وجوز في يرهقك أن يكون أفعالًا من الإرهاق فمن بيانية والا ظهر الأوّل. قوله: (يعلم سرّهم وعلنهم (لف ونشر مرتب كما مر وقوله فيعلم من مصالحهم الخ إشارة إلى أن المراد من علم الظاهر والباطن أنه أعلم بمصالحهم فيقدرها على وفق حكمته فهو تسلية له، وقوله: ويجوز أن يريد الخ فيكون ذكر أن القبض والبسط موكول إليه لعلمه بجميع أحوال عباده عبارة عن أنهم ينبغي لهم الاقتصاد في أمورهم أي الاعتدال والتوسط في الاعطاء والانفاق لأن الزيادة عنه والنقصان إنما هو الله، وقوله: (او أنه الخ (فيكون تعليما لهم وحثا لهم على التخلق بآخلاق الله حسبما يقتضيه الحال، وقوله: (وأن يكون تمهيدا الخ (لأنه إذا كان القبض والبسط دثه لا ينبغي أن يخشى الفقر الحامل على ذلك، وقوله:
وأدهم بناتهم أي دفنها حية كما كانوا يفعلونه في الجاهلية. قوله: (كاثم إثما (أي لفظا ومعنى، ويكون بمعنى تعمد الكذب وليس بمراد هنا وقرأ ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء من غير مد وخرجها الزجاج على وجهين، أحدهما: أن يكون اسمًا أي اسم مصدر لأخطا يخطىء إذا لم يصب واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: اسم أو هو مصدر خطىء بمعنى أخطأ كما في
قوله:
والناس يلمون الأمير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
وقوله: وقيل لغة فيه إشارة إلى هذا يعني أنه مصدر خطىء خطأ وخطًا والمعنى أن قتلهم
غير صواب كما صرح به الراغب وقد استشكلوا هذه القراءة لأن الخطأ ما لم يتعمد وليس هذا محله ورد بأنهم لم يقفوا على ما مرّ عن أهل اللغة والتفسير. قوله: (وقرأ ابن كثير خطاء (بوزن قتال والباقون بكسر فسكون وهي التي فسر عليها أوّلًا وهو مصدر خاطأ يخاطىء خطاء كقاتل يقاتل قتالًا، قال أبو علي الفارسي: وان كنا لم نجد خاطىء لكنه وجد تخاطأ مطاوعه فدلنا عليه وأنشد عليه شعرا للعرب كما أشار إليه المصنف ﵀ فلا عبرة بقول أبي حاتم أنّ هذه القراءة غلط، وقوله: وهو أي الخطاء إفا لغة أي في مصدره ديان لم يكن من المفاعلة كقام قيامًا أو هو من المفاعلة، وقوله: وهو مبني عليه أي التفاعل مبنيّ على المفاعلة لأنه مطاوعه فب ل عليه كما مر، والقناص بالتشديد الصائد، والخرطوم الفم ومنقع بفتح الميم محل اجتماع الماء، وراسب بمعنى داخل يصف صيدا ظفر به وهو يثرب. قوله: (وقرىء خطاء بالفتح والمدّ (وهذه قراءة للحسن شاذة وهي اسم مصدر لأخطأ كأعطى وقرىء أيضًا خطا بفتح الخاء والطاء وألف في آخره مبدلة من الهمزة كعصا واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: وخطا بحذف الهمزة مفتوحا لكن عبارته توهم أنه من قصر الممدود وليس كذلك لأنه ضرورة لا داعي إليها، وقوله: ومكسورا أي مكسور الخاء مع ألف في آخره وهذه قراءة أبي رجاء، وقرىء خطأ بفتح فسكون وهمزة في آخره وهي مروية عن ابن عامر، وقرىء في الشواذ خشية بكسر الخاء. قوله: (بالعزم والإتيان بالمقدّمات (فهو نهي عنه على أبلغ وجه سواء كان كناية أو دلالة وفيه إشارة إلى تحريم العزم على المحزمات إذا صمم عليه
[ ٦ / ٢٧ ]
وقوله: فعلة بفتح الفاء إشارة إلى وجه تأنيثه وهو خبر لمذكر أو إلى تقدير موصوف مؤنث، وقوله: ظاهرة القبح تفسير لفاحشة.
قوله: (وبئس طريقا طريقه (إشارة إلى أق ساء بمعنى بض وحكمها حكمها وسبيلا بمعنى طريقا تمييز، وقد اعترض عليه أبو حيان بأن الفاعل في بابه ضمير التمييز فلا يصح تقديره طريقه وسبيله لأنه ليس بمضمر ولا اسم جنس فالظاهر تقديره بئس السبيل سبيلآبلا إضافة وقيل الإضافة فيه بيانية أي بئس طريقا الطريق الذي هو الزنا فإنه طريق لقطع الأنساب وهيج الفتن كما ذكره المصنف ﵀ فإن جعلت لامية وطريقه العزم والإتيان بمقدماته احتاج حينئذ إلى تقدير مضاف وهو الغصب أي طريق الغصب فتأمل. قوله: (وهو الغصب (بالمهملة على ايإبضاع بالكسر والمعجمة أي الإكراه على المجامعة والتصرّف في البضع بغير حق واستيلاء اليد األمبطلة على حق الله، وتأديته إلى قطع الأنساب، أما في نفس الأمر أو بحسب الشرع إذا لم يكن لها بعل أو كان ولو عنت ونحوه، وهيج الفتن تحريكها وهو ظاهر. قوله: (إلا بالحق (قال المعرب أي إلا بسبب الحق فيتعلق بلا تقتلوا، ويجوز أن يكون حالا من فاعل لا تقتلوا، أو من مفعوله، أي لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق وأما تعلقه بحزم الله فبعيد وان صح ومعنى تحريمها تحريم قتلها فالمعنى حزم قتلها إلا بحق فمن قال: لا محصل له لم يصب، قال الضحاك: وهي أوّل آية نزلت في شأن القتل، وقوله: إلا بإحدى الخ تفسير لقوله بالحق بالحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود " لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لديته المفارق للجماعة " وفي الكشف أنه ينتقض حصره بدفع الصائل فإنه ربما أدى إلى القتل ودفعه بأن المراد ما يكون بنفسه مقصودًا به القتل وهذا المقصود به الدفع لكنه قد يفضي إليه، وقوله: كفر بعد إيمان قد عرفت أن هذا بعينه نص الحديث والحصر فيه ليس بحقيقي فلا يرد النقض بالكفر الأصلي كما في الجهاد، وقوله: وقتل مؤمن قيل قيده به بناء على مذهبه من أن قاتل الذي لا يقتص منه لكنه ينتقض بما إذا كان قاتله ذمّيا أيضا فتأمل. قوله: (غير مستوجب للقتل (يتناول العمد والخطأ على التفسير الأول لقوله سلطانا وقوله: وهو الوارث بناء على الأغلب ولو أبقاه على عمومه كان أولى، وقوله: تسلطا إشارة إلى أنه مصدر كالغفران، والمؤاخذة أعئم من أخذ
المال والقصاص، وبمقتضى يتعلق بالمؤاخذة وعلى من متعلق بتسلطا، ومن عليه بتقدير من هو عليه، والضمير المحذوف للمقتضي والمجرور بعلى لمن، وقوله: أو بالقصاص أي فقط عطف على قوله بالمؤاخذة، وقوله: لا يسمى أي لا يطلق عليه أنه ظلم في نفسه وكذا لا إثم فيه أيضا وان قيل إنه يأثم فيه ولذا شرعت الكفارة فيه فإنها لعدم التثبت واجتناب ما يؤذي إليه، ولذا ورد في الحديث) رفع عن أمّتي الخطأ (فلا حاجة إلى أن يقال المراد أنه لا يسمى ظلما في العرف والا فهو يتضمن الإثم، ولذلك وجبت كفارة على أنه ناشىء من عدم الفرق بين الإثم والظلم واهمال لقوله يسمى فتدبر. قوله: (أي القاتل (أي مريد القتل ومباشره ابتداء، ويرد على هذا التفسير أنه تأباه عبارة الإسراف فإن حقه النهي عن القتل مطلقًا فإن دفع بأنه فسر الإسراف بالقتل بغير حق ولا أباء فيه ورد عليه أنه يصير بمعنى قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١، فلا وجه لتفريعه عليه، وإن كان تأكيدًا فالوجه هو الثاني، وقوله: ما يعود عليه بالهلاك يعني القصاص إشارة إلى أنه نصح لهم ببيان ما ينفعهم. قوله: (أو الولتي بالمثلة (بالمقتول وهي معروفة، وقتل غير القاتل سواء كان وحده أو معه وسواء كان القاتل واحدا أو متعددا. قوله: (ويؤيد الأوّل قراءة أبتي (لأن القاتل متعدد في النظم في قوله ولا تقتلوا، والأصل توافق القراءتين ولم يجعلها معينة لأن الولي عام هنا فهو في معنى الأولياء فيجوز جمع ضميره بهذا الاعتبار ويكون التفاتًا وتوافق القراءتين ليس بلازم، وقوله: على خطاب أحدهما أي القاتل أو الولي التفاتا أي يجوز فيه الوجهان. قوله: (علة النهي على الاستئناف (أي البياني، وقوله إما للمقتول أي أوّلا والتعليل للنهي عن الإسرات
هـ
سواء كان النهي والضمير فيه للقاتل أو الولي وكذا إذا عاد الضمير للوليّ قوله: للذي يقتله
[ ٦ / ٢٨ ]
الوليّ إسرافا والنهي وضميره حينئذ للولي فقط، والتعزير في المثلة بالمقتص منه، والوزر أي الإثم في الكل ويدخل به ما إذا كان فاعل المثلة سلطانا. قوله: (فضلاَ أن تتصرّفوا فيه (بتقدير الجاز أي عن أن تتصرّفوا فيه يعني أنه نهى عن القرب منه فيعلم منه النهي عن التصزف فيه بالطريق الأولى ودلالة النص، وهو كناية فلا ينافي إرادة المعنى الأصليئ منها، فالاستثناء دال أيضا على جواز القربان والتصرّف بالتي هي أحسن، ولم يتعرض المصنف ﵀ له ثمة لأنه معلوم بالطريق الأولى أيضا فلا يتوهم أن الاستثناء يدل على جواز القربان بالتي هي أحسن لا التصرّف فيه، وقوله: بالطريقة التي الخ بيان لتقدير موصوف مؤنث بقرينة صفته وتلك الطريقة كحفظه وهي معروفة، وقوله: بما عاهدكم الله بحذف العائد أي عليه إن كانت ما موصولة والعهد بمعنى المعهود، وعهد الله ما كلفهم به وأما عهد العباد فشامل لما عاهدوا الله عليه من التزام تكاليفه وعاهدوا العباد عليه، ويدخل فيه العقود وغيره منصوب معطوف على ضمير المفعول. قوله: (مطلوبا يطلب من المعاهد الئي (فالمسؤول من سألته كذا إذا طلبته فمسؤول بمعنى مطلوب، وقوله: يطلب الخ إشارة إلى أن المطلوب عدم إضاعته والثبات عليه فالإسناد مجازي أو فيه مضاف مقدر بعد حذفه ارتفع الضمير واستتر، وأصله مطلوب عدم إضاعته ومثله من الحذف والإيصال شائع، فلا تعسف فيه من جهة اللفظ كما قيل ولا من جهة المعنى أيضا لأن الجملة الاستئنافية التعليلية مساوية للمعلل بها فيكون تعليلا للشيء بنفسه إذ طلب عدم إضاعته عين طلب الوفاء به فإنّ مآله إلى أن يقال: أوفوا بالعهد فإن عدم إضاعته لم تزل مطلوبة من كل أحد فتطلب منكم أيضا كما أفاده الفاضل المحشي، وقوله: من المعاهد صيغة الفاعل شامل للمعاهد بزنة المفعول لأن باب المفاعلة فيه كل جانب فاعل ومفعول فلا يرد ما قيل إن هذا الوجه يختص بما إذا فسر العهد بما عاهدتموه ولو قال: من المعاهد أو المعهود له كان جاريًا على التفسيرين كما في الوجوه الآتية سوى الأخير إلا أن يفسر صاحب العهد بما يعم غير المعاهد أعني المعهود له فإنه يجري على التفسيرين أيضا، وقوله أو مسؤولًا عنه أي على الحذف والإيصال، وقوله: يسأل الخ، بيان للمسؤول عنه. قوله: (أو يسأل العهد الخ (﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ مجهول بكسر التاء على خطاب المؤنث أو بسكونها على حكاية ما وقع في القرآن، والاستشهاد به بناء على أنه لا سؤال ثمة وإنما القصد التوبيخ كما في هذا الوجه، وقيل إنه استشهاد لمجرّد السؤال لأن سؤالها بعد إحيائها يوم القيامة وهو سؤال حقيقي
فتأمّله. قوله: (فيكون تخييلا (التخييل له استعمالات كما ذكره الشريف في حواشي شرح المفتاح حيث قال: إنه يطلق على التمثيل بالأمور المفروضة وعلى فرض المعاني الحقيقية وعلى قرينة الاستعارة المكنية وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فالمراد بالتخييل التمثيل بالاستعارة التصريحية للأمر المفروض فإن جعل العهد مسؤولا كذلك ويصح أن يراد معناه الاصطلاحي بأن يشبه العهد بشخص تصدر عنه أمور ويجعل كونه مسؤولًا عنها على التخييل قرينة لتلك المكنية وهذا مما لا خفاء فيه فلا وجه لما قيل إنّ الظاهر أن يقول فيكون تمثيلا أي يجعل العهد متمثلا على هيئة من يتوجه إليه السؤال كما تجسيم الحسنات والسيئات لتوزن إذ الظاهر أن الواقع ليس تخييلًا خاليا عن الحقيقة وكذا ما قيل إن مراده التخييلية المجرّدة عن المكنية لعدم ظهور وجه الشبه بين العهد والمسؤول عنه وقوله: لم نكثت بالخطاب معلوما ومجهولآ، والتبكيت التوبيخ والتقريع، وهذا كما ورد في الحديث من وقوف الرحم بين يدي الرحمن وسؤالها عمن وصلها وقطعها. قوله: (ويجوز أن يراد أنّ صاحب العهد الخ (أي يقدر مضاف قبل العهد كما ذكره، وقوله: ولا تبخسوا أي ولا تنقصوا فيه، وقوله: لسوفي أي المساوي بلا نقص فيه. قوله: (وهو رومتي (أي معرب من لغة الروم لفقد مادته في العربية وقيل: إنه عربيّ، وقيل إنه مأخوذ من القسط وفيه نظر، وقوله: ولا يقدج ذلك في عربية القرآن المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف، الآية: ١٢ لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربيا فلا حاجة
[ ٦ / ٢٩ ]
إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب كما هو مشهور.
قوله: (وأحسن عاقبة (إشارة إلى أنه هنا بمعنى العاقبة لا بمعنى التفسير لأنه يطلق عليهما، إذ هو من الأول وهو الرجوع إلى الغاية المرادة منه علما أو فعلًا فالعلم كما في قوله: (وما يعلم تاويله إلا الله (، والفعل كقول ابن تيمية:
وللنوى قبل يوم البين تأويل
وقوله: يوم يأتي تأويله كما حققه الراغب، من ظن أنه لا يكون إلا بهذا المعنى فقد وهم فاحفظه. قوله: (ولا تتبع (بالتشديد والتخفيف أصل معنى قفاه اتبع قفاه، ثم استعمل في مطلق الإتباع وصار حقيقة فيه، وقات أثره إذا قصه واتبعه ومنه القيافة وأصل معناها ما يعلم من
الأقدام وأثرها وهو أص معروف عند العرب وقيل إن قاف مقلوب قفا، كجذب وجبذ والصحيح خلافه، والقافة كسادة جمع قائف أو اسم جميع له بمعنى متتبع الأثر ليعلم منه شيئا، وقراءة الجمهور بسكون القاف وضم الفاء وحذف حرف العلة الأخير وهو الواو للجازم وقرىء بإثباتها في الشواذ كقوله:
من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
وهو معروف في النحو، والقراءة الثانية بضم القاف وسكون الفاء كتقل على أنه أجوف مجزوم. قوله: (ما لم يتعلق به علمك تقليد الخ (تقليدًا منصوب على أنه مفعول له متعلق بقوله: ولا تتغ المفسر لقوله: ولا تقف وهو قيد للمنفيّ لا للنفي فيكون نفيا للتقليد الصرف، كما كان يفعل الكفرة من قولهم إنا وجدنا آباءنا فعلوا كذا، وأما تقليد المجتهدين فسيأتي بيانه، وقوله: أو رجما بالغيب أو فيه للترديد في التفسير أو لتقسيم ما كان بغير علم والرجم بالغيب استعارة للمتوهم لا من غير سند. قوله: (واحتج به من منع اتباع الظن (وكذا من منع العمل بالقياس من الظاهرية، وكذا العمل بالأدلة الظنية مطلقا، وقوله: وهو الاعتقاد الراجح الخ فخرج المرجوح والمتساوي الطرفين لأنه ليس العمل بالأدلة الظنية مطلقا، وقوله: هو الاعتقاد الراجح الخ فخرج المرجوج والمتساوي الطرفين لأنه ليس بعلم ولا ظن، وظاهره أن الظن يسمى علما حقيقة وهو مخالف للمشهور، قال في شرح المواقف: الظن والتقليد لا يسمى علما لا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فقوله: واستعماله بهذا المعنى شائع كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ١٠، إشارة إلى دفع ما ذكر، وقيل إن الشرع أجرى الظن وان لم يكن علما مجرى العلم، وأمرنا بالعمل به للإجماع على وجوب العمل بالشهادة والاجتهاد في القبلة وغير ذلك، مما لا يحصى من الأحكام الفرعية، وقوله: المستفاد من سند أي ما يسند إليه ظنه من دليل أو أمارة فيدخل فيه التقليد، لأن له سندأ وهو حسن فإنه بالمجتهد أو سند المجتهد سند له في الحقيقة لعلمه بأنه لا يقول من غير دليل. قوله: (وقيل إنه مخصوص بالعقائد (أي ما ذكر من النهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بما ذكر فلا ينهض حجة لمن مغ العمل بالظن مطلقا حتى في القياس والتقليد في الفروع ونحوه والمخصص له أمر خارج عن الظن وهو عمل الناس والآثار الشاهدة بخلافه، وقوله: وقيل بالرمي أي القذف والذمّ بما لم يتحققه أو الشهادة بخلاف ما يعلمه أو بما لم يعلمه، وتخصيصه بما ذكر يدفع الاستدلال به على ما مرّ أيضا، وأما القول بأن المراد به مطلق الشهادة فباطل ولا سند فيما ظنه القائل به سندًا وهو ظاهر. قوله: (ويؤيده قوله عليه الصلاة
والسلام (أي يؤيد كون المراد به الرمي والقذف وشهادة الزور لأنهما سواء في أنهما نسبة ما لا أصل له إلى غيره فدليل أحدهما دليل للآخر، وقيل: إنه مؤيد للرمي وحده، فكان عليه أن يقدم شهادة الزور عليه أو يؤخرها عن الدليل، والحديث المذكور رواه الطبراني وغيره، بمعناه مع مخالفة فا في لفظه حتى قال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ بعينه مرفوعا ولا ضير فيه، والردغة بفتح الراء المهملة وسكون الدال المهملة وفتحها والغين المعجمة أصلها في اللغة الوحل الشديد، والخبال بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة أصله الفساد في العقل ونحوه، وأما ردغة الخبال الواردة في الحديث ومثلها طينة الخبال الواردة في حديث من شرب الخصر كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال ففسرت في كتب الحديث بما يخرج من أبدان أهل النار من القيح والدم والصديد ونحوه، وهو تفسير مأثور وقوله: قفا بمعنى اغتاب وقذف. قوله: (حتى يأتي بالمخرج (المخرج بفتح فسكون المعروف في معناه أنه ما يخرجه عن عهدته ولما كان هذا غاية لحبسه في النار الواقع في الآخرة ولا مخرج له ثمة عن عهدة
[ ٦ / ٣٠ ]
ما صدر منه لأنّ المتبادر إثبات ما اذعاه ونحوه أوّلوه بأنّ المراد بالمخرج ما يخرجه من حبسه في النار وهو أن يحمل عليه من ذنوب المغتاب ما يعذب به على مقداره ثم يخرج منها فالإتيان به مجاز عن تحمل ما يعذب به لأنه مسبب عما أتى به أوّلًا، وقيل إنه على حذ قوله حتى يلج الجمل في سمّ الخياط فهو كناية عن أنه لا إتيان له بدافع ولا خروج له عن عهدته لتعليقه على ما لا يكون فيفيد ما ذكر على أبلغ وجه وآكده وأما تفسيره بحتى يتوب فلا وجه له لما مر إلا أن يؤوّل حبسه بفعل ما يستوجب حبسه، ولا يخفى بعده. قوله: (وقول الكميت (بالتضمير شاعر إسلاي معروف وهم ثلاثة هذا أصغرهم والبيت من قصيدة له هجا بها نساء كليب، وقوله: بغير ذنب تأكيد لكونه بريا وأقفو بمعنى أقذف كما مر، والحواصن بالحاء والصاد المهملتين بمعنى المحصنات من النساء جمع حاصنة بمعنى محصنة أي عفيفة، وان قفينا بصيغة المجهول أي قذفهن غيري، والنون ضمير الإناث والألف لاطلاق القافية إشباعا للفتحة. قوله: (فأجراها مجرى العقلاء (هذا بناء على أن أولئك هل يختص بالعقلاء أو يغلب فيهم كما قيل أو هي عاقة
لهم ولغيرهم فعلى الأوّل تكون تلك الأعضاء منزلة منزلة العقلاء لصدور أفعالهم أو ما يشبهها منهم ففيه استعارة بقرينة الإشارة بما يشار به إلى العقلاء وهو أولئك وعلى غيره لا حاجة إليه واليه أشار بقوله: هذا الخ أي الأمر هذا أو خذ هذا، وكون ها بمعنى خذ بعيد، وقوله لما بفتح اللام وتشديد الميم جوابها محذوف بقرينة ما هو مقدّم عليها مما مر هو بمعناه أو بكسر اللام التعليلية وتخفيف الميم وما مصدرية وقوله: اسم جمع لذا أي اسم جمع لا مفرد له من لفظه وإنما له مفرد من معناه كرهط. قوله: (كقوله (أي قول الشاعر وهو جرير في قصيدته المشهورة وأوّله:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى
وقال ابن عطية الرواية: بعد أولئك الأتوام فلا شاهد فيه، وما وقع للمصنف ﵀ كالزمخشري مسطور في الكتب المعتبرة فلا يلتفت إلى ردّه ومعناه أنه يخاطب صاحبه ويقوله له: اذمم كل منزل وكل حياة بعد تلك المنازل وأيامها الخالية فيها واللوى موضع معروف. قوله: (في ثلاثتها ضمير كل (أي في كان وعنه ومسؤولًا ضمير مفرد عائد إلى كل أولئك بتأويل كل واحد منها مع أنه يجوز الإفراد وان لم يؤوّل بذلك لأن كلا المضافة إلى نكرة يطابق الضمير العائد إليها المضات إليه إفرادًا وجمعًا وهل هو لازم أو لا فيه كلام فإن كان المضات إليه معرفة كما هنا جاز فيه الإفراد وغيره مراعاة للفظ أو المعنى ولذا لم يقل: كانت عنها مسؤولة لأن كل عبارة عما أضيف إليها وهو جمع معنى. قوله: (عن ئفسه (بيان لمعنى النظم وأنّ السؤال عن نفسه لا عن غيره، وقوله عما فعل به صاحبه ما مصدرية أو موصولة بحذف العائد أي فعله به، والباء للتعدية أو للسببية أي هل استعمله لما خلق له أم لا، وقوله ويجوز الخ معطوف بحسب المعنى على ما قبله وقوله المصدر لا تقف فيه تسمح لأنه مصدر تقف. قوله: (أو لصاحب السمع والبصر (وهو القافي وقد جوّز هذا في ضمير كان ففيه التف ت لأن الظاهر كنت حينئذ. قوله: (وقيل مسؤولا مسندا إلى عنه (على أنه نائب الفاعل وقائله الزمخشري وهذا رد عليه تبعا لأبي البقاء وغيره لأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله قال المعرب ﵀: وليس لقائل أن يقول إنه على رأي
الكوفيين في تجويزهم تقديم الفاعل لأنّ ابن النحاس حكى الإجماع على عدم جوارّ تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جازًا ومجرورًا فليس هو نظير غير المغضوب عليهم إلا أن ينازع فيه، وفي شرح المفتاح أنه مرتفع بمضمر يفسره الظاهر وجوّز إخلاء المفسر عن المسند إليه إذا لم يكن فعلا لالحاقه بالجوامد لعدم أصالته في العمل وهو مخالف للقياس والنقل، قال في الكشف فالوجه أنه حذف منه الجارّ فاستتر فيه الضمير ولو علل جواز تقديمه بأنّ المجرور بالحرف لا يلتبس بالمبتدأ لكان له وجه كما في التقريب، وجوز أن يكون مسؤولًا مسندًا إلى المصدر المدلول عليه ولكنه لا يصلح تصحيحا لكلام الكشاف. قوله: (مؤاخذ بعزمه) إذا صمم عليه بخلاف مجرد الخاطر كما فصله في الإحياء وقد قيل عليه إنه يجوز أن يكون ما يسأل عنه الفؤاد العقائد لا الهتم بأمر ولا حجة للمحتمل
[ ٦ / ٣١ ]
فتأمله. قوله: (وقرىء والفواد الخ (أي قرأ بعضهم وهو الجزاح العقيلي بفتح الفاء وابدال الهمزة واو وتوجيهها أنه أبدل الهمزة واوًا لوقوعها بعد ضمة في المشهور ثم فتح الفاء تخفيفا وهي لغة فيه ولا عبرة بإنكار أبي حاتم لها. قوله: (ذا مرح) المرج شدة الفرح والسرور كذا فسره المعرب وفسره المصنف كغيره بالاختيال وهو افتعال من الخيلاء وهي العجب والكبر وهو أنسب أي لا تمش مشية المعجب المتكبر وفي انتصابه وجوه فقيل إنه مفعول به وقيل إنه مصدر وقع موقع الحال مبالغة فهو إما مؤوّل بمرج بكسر الراء بصفة الشبهة كما قرىء به أو مقدر فيه مضاف كما هو معروف في مثله وإليه أشار المصنف ﵀. قوله: (وهو باعتبار الحكم أبلغ (يعني القراءة بالوصف هنا أبلغ من قراءة المصدر المفيد للمبالغة بجعله عين المرج كما يقال رجل عدل لأنه واقع في حيز النهي الذي هو في معنى النفي ونفي أصل الاتصاف أبلغ من نفي زيادته ومبالغته لأنه ربما يشعر ببقاء أصله في الجملة وجعله المبالغة راجعة إلى النفي دون المنفيئ بعيد هنا كما لا يخفى، هذا ما عناه المصنف ﵀ وهو تعقب لما في الكشاف فإنه قال: مرحًا حال أي ذا مرج وقرىء مرحا وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد اهـ فرده بأن المصدر آكد لما مر لكنه في الإثبات لا في النفي وما في حكمه، وقال الطيبي ﵀: إن القراءة باسم الفاعل شاذة وفي كلامه تسامح لأنه قال وفضل الأخفش الخ بعدما أوّله بذي مرج وإنما يكون المصدر أبلغ إذا ترك مجاله، ولا يرد ما ذكره لأن أوّل كلامه إشارة إلى دفع ما ذكره الأخفش حتى لا تفضل إحدى القراءتين على الأخرى أو هو ماش معه على تفضيل المتواترة على الشاذة أو ما ذكر أولا أراد به تصوير المعنى لا تقدير المضاف ولو سلم فهو مبنيّ على ظاهر التركيب فإن العدول عن التصريح يشعر به على أنّ جعله صاحب مرج أبلغ لجعله ملازما له كأنه مالك حائز له، فإن قلت مرج صفة مشبهة تدل على الثبوت ونفيه لا يقتضي نفي أصله أيضا، قلت هذه مغالطة نشأت من عدم معرفة معنى الثبوت فيها فإن المراد به أنها لا تدل على تجدد
وحدوث لا أنها تدل على الدوام كما ذكره النحاة، ثم إن ما ورد على الزمخشري أورده بعضهم على المصنف ﵀ من عنده وقد عرفت دفعه، نعم يرد عليه أن ما ذكره فيه تفضيل القراءة الشاذة على المتواترة ولا وجه له، فتدبر. قوله: (لن تجعل فيها خرقا (فسره به إشارة إلى أنه ليس المراد به النفوذ من جانب إلى آخر كما يتبادر منه، وقوله: بتطاولك أيمما بتكلفك الطول بمد قامتك كما يفعله المختال تكلفا وهذا بيانا لحاصل المعنى فلا ينافي كونه تمييزًا أو مفعولًا له، وقيل إنه إشارة إلى أنه منصوب على نزع الخافض وأن الطول بمعنى التطاول وكونه إشارة إلى أنه مفعول له لما بين اللام والباء من الملابسة تكلف لا داعي له، وقوله: وتعليل لأن مآله إلى أن لا فائدة فيه والجدوى بالجيم والدال المهملة الفائدة. قوله: (إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين الخ (وذكره لتأويله بالمذكور ونحوه، وأولها ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٢، وهي النهي عن اعتقاد أن له شريكا، وثانيها وثالثها قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣، إذ هي أمر بعبادة الله ونهي عن عبادة غيره ورابعها ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] وخامسها ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء، ١ لآية: ٢٣، وسادسها ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣، وسا بعها ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] وثامنها ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٤] وتاسعها ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٤، وعا شرها ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٦، وحادي عشرها ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ [سورة الإسراء، ١ لآية: ١٢٦ وثاني عشرها ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٦، وثالث عثرها ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ اسورة الإسراء، الآية: ٢٦] ورابع عشرها ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٨، وخامس عشرها ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٩] وسادس عشرها ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٩، وسابع عشرها ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣١، وثامن عشرها ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣١، وتاسع عشرها ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٣] وعشروها ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٣، وحادي عشريها ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٣٤ وثاني عشريها ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٥، وثالث عشريها ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [سورة الإسرأء، الآية: ٣٥] ورابع عشريها ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٦، وخامس عشريها ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [سورة الإسراء،
الآية: ١٣٧ وكلها تكليفات. قوله: (يعني المنهي عته الخ) في هذه الآية قراءتان فقرأ الكوفيون وابن عامر سيئه برفعه على أنه اسم كان واضافته إلى ضمير الغائب المذكر
[ ٦ / ٣٢ ]
وهي التي فسرها المصنف ﵀ أوّلًا، وقرأه الباقون مؤنثا منصوبا وعلى الأولى اختلف المفسرون في تفسيرها فذهب المصنف كغيره إلى أن كل ذلك شامل لجميع ما مرّ من الأوامر والنواهي وهو مبتدأ والجملة بعده خبره وسيئه المنهيات منه، فالإضافة لامية من إضافة البعض إلى الكل، وذهب آخرون إلى أن الإضافة بيانية وأن كل ذلك سيىء أما النواهي فظاهرة وأما الأوامر فلأنها نهي عن أضدادها فهي دالة عليه في الجملة أو الإشارة الى ما نهى عنه كما في الوجه الآتي والأوّل أظهر ومناه جمع منهي وفيه شيء. قوله: (إشارة إلى ما نهى عنه خاصة (بطريق التصريح ويجوز التعميم على أنّ الإشارة إلى ما نهى عنه صريحا أو ضمنا كما مرّ وقوله: بدل من سيئة أو صفة لها أي مكروها، وعند ربك متعلق به مقدم من تأخير وقوله محمولة على المعنى لتذكيره على الوصفية لا على البدلية فإنه لا يعتبر فيها المطابقة، وقل: إنّ السيئة بمعنى الذنب جرت مجرى الجوامد، وضعف البدل بأنّ بدل المشتق قليل، وقيل: إنه خبر كان لجواز تعدد خبرها وقوله على أنه صفة سيئة فيستتر فيه ضميرها والحال حينئذ مؤكدة. قوله: (والمراد به المبغوض (أي المراد بالمكروه هنا وهو جواب عن قول المعتزلة أنّ القبائح لا تتعلق بها الإرادة هالا اجتمع الضدان الإرادة المرادفة أو الملازمة للرضا عندهم والكراهة ونحن لا نقول بذلك لما ذكره المصنف ﵀ وقوله: لقيام القاطع الخ دفع لقولهم لا يعدل عن الظاهر بلا دليل ولا ضرورة، وقوله: إشارة الخ بتأويل المذكور كما مرّ وهي من قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخ. قوله تعالى: (﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ﴾ الخ (أي كائن منا أوحي ومعلوم به وقوله: من الحكمة جوز فيه المعرب أن يكون حالًا من الموصول أو من عائده المحذوف أو متعلقًا بأوحى، ومن تبعيضية أو ابتدائية أو متعلقا بمحذوف ومن بيانية أو الجار والمجرور بدل مما أوحى. قوله: (التي هي معرفة الحق لذاته الخ) تفسير للحكمة وهي إما نظرية وأجلها معرفة الله ولذا اقتصر المصنف ﵀ عليها وقيل إن أريد بالحكمة ما سبق ذكره فهو ظاهر ويأباه التعميم في قسميها وإما عملية واليها أشار بقوله والخير الخ. قوله: (فإن من لا قصد له بطل
عمله الخ (قيل إنه لا دلالة على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه وهو غير متوجه إذ مراده كما نطق به كلامه أن فائدة الأعمال متوقفة على التوحيد فإن من عمل عملا من غير قصد أصلا عمله باطل لا يثاب عليه ومن قصد به غير الله كالأصنام أو الرياء كان سعيه ضائعا إذ لا يفيده شيئًا فبقي أن يقصد به وجه الله لا غير لينفعه وهذا متوقف على معرفة الله تعالى وتوحيده، ومن الناص من رده وتردد فيه من غير محصل لكلامه. قوله: (وإنه راس الحكمة وملاكها (معطوف على قوله أن التوحيد الخ الرأس معروف ويطلق على الأول والأشرف والمراد الثاني لأن الأوّل بمعنى المبدأ وقد تقدم ذكره والملاك بكسر الميم ما به البقاء فالمراد أنه أشرف الأمور وبه يكون بقاؤها وثباتها لأنه علم أنه من الحكمة بدخوله فيها ثم لما أعاد ذكره تأكيدا علم منه أنه مما يعتني به لما ذكر. قوله: (ورتب عليه الخ (يعني قوله مذموما مخذولًا وقوله: فتلقى في جهنم الخ، وقوله: تلوم نفسك لأنه في القيامة يشتغل كل أحد بنفسه فلا يتفرغ للوم غيره ولو سلم فيعلم منه لوم غيره بالطريق الأولى. قوله: (والهمزة للأنكار الخ (بمعنى أنه لم يكن ذلك من الله ولا يليق صدور اعتقاده بعاقل وهي مقدمة من تأخير أو داخلة على مقدر على ما تقرر والفاء على الأول لسببية الإنكار لا لإنكار السببية، وقوله: أفخصكم تفسير لأصفاكم لأنه من كونه صافيا أي خالصًا والباء داخلة على المقصور والكلام فيه معروف، وقوله: بناتا لنفسه أي لتكون أولادًا له لا للتزوّج، وعبر بالإناث إظهارا لخستهن وقوله: خلاف ما عليه عقولكم يعني من ترك الأشرف مع القدرة عليه وعادتهم من قبل ترك البنات بوأدهن واضافة الأولاد نسبتها وفي نسخة هن بدل هي باعتبار البنات والصحيح الأولى، وقوله لسرعة زوالها فيحتاج إلى بقاء النوع بالتوالد وأنت ضمير زوالها العائد للبعض لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه أو لتأويله بالمتوالدة ويصح رجوعه للأجسام وقال بعض: لأنّ منها ما لا يتوالد كالفلكيات وقوله: بتفضيل معطوف على قوله: بإضافة الأولاد وكذا ما بعده، وما تكرهون هو البنات وأدونهم الإناث. قوله: إكررنا هذا المعنى) يشير إلى
[ ٦ / ٣٣ ]
أنّ التصريف تكرير الشيء من حال إلى حال والمراد به التعبير عنه بعبارات، ومفعوله محذوف أي صرفناه. قوله: (في مواضع منه (إشارة إلى أن القرآن المراد منه المجموع، وقوله: ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات
الخ، لا يعني به أنه أطلق القرآن وأراد به الإبطال من باب إطلاق اسم الحاذ على المحل بل المراد أق هذا القرآن إشارة إلى البعض المشتمل على الإبطال ويؤيده قوله ولقد صرفنا القول في هذا المعنى كما أفاده في الكشف، وصرفنا متعد مفعوله القول المقدر وايقاع القرآن على المعنى وجعله ظرفا للقول إما بإطلاق اسم المحل على الحال لما اشتهر أنّ الألفاظ قوالب للمعاني أو بالعكس كما يقال الباب الفلاني في كذا، وهذه الآية في تحريم كذا أي في بيانه وكلا الاستعمالين شائع، وقوله: أو أوقعنا الخ على تنزيله منزلة اللازم وتعديته بفي كما في قوله: تجرج في عراقيبها نصلي، وفي نسخة بالواو بدل أو فيكون مع ما قبله وجهًا واحدا ويكون قوله على تقديره ولقد صرفنا القول بيانا لحاصل المعنى لا لتقدير المفعول لكنه خلاف الظاهر. قوله: اليتذكروا (إشارة إلى أصك لفظه وأنه من التذكر بمعنى العظة وأما قراءة التخفيف فمن الذكر بمعنى التذكر ضد النسيان والغفلة، ثم إن الزمخشري أشار إلى نكتة هنا وهو أنه قال أي كرّرناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم فإن التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس به فيكون قوله: وما يزيدهم تعكيسا وهو معنى لطيف تركه المصنف ﵀، وقوله: وقلة طمأنينة إليه قيل: القلة بمعنى العدم أو كناية عنه ويجوز ابقاؤها على ظاهرها لأنهم ربما اطمأنوا لبعضه ظاهرا، وقوله وفيما بعده هو عما يقولون، وقوله: على أن الكلام مع الرسول ﷺ بمعنى أنه إذا أمر أحد بتبليغ كلام لأحد فالمبلغ له في حال تكلم الآمر غائب ويصير مخاطبا عند التبليغ فإذا لوحظ الأوّل فحقه الغيبة وإذا لوحظ الثاني فحقه الخطاب كما في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢] وقد قرىء بالوجهين وقيل إنه يريد أنه ليس من جملة القول المأمور به بل كلام الله مع رسوله ﷺ معترضًا بين الشرط والجزاء، وعلى قراءة الخطاب هو متعلق بالشرط وفيه نظر. قوله: (مما أمر الرسول ﷺ الخ (أي باعتبار حاله عنده مكالمتهم لا باعتبار حاله مع الله، وقوله مما نزه به نفسه أي ابتداء من غير أمر للرسول ﷺ لهم، وقولي عن قولهم وهو أن مع الله آلهة وقوله وجزاء للو لاقترانها بإذا واللام وقوله لطلبوا الخ فقوله إلى ذي العرس بمعنى إلى مقابلته ومغالبته والمعازة بالزاي المعجمة مفاعلة من العز ومعناها المقاومة والمغالبة من عزه إذا غلبه وهذه الآية، كقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] ففيها إشارة إلى برهان التمانع بتصوير قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي كما سيأتي تقريره ثمة. قوله: (أو بالتقرب إليه والطاعة (فالسبيل بمعنى الوسيلة الموصلة إليه وضمير ابتغوا فيهما للآلهة قالوا إنه إشارة إلى قياس اقتراني والمراد بالآلهة من عبد من أولي العلم كعيسى والعزير عليهما الصلاة والسلام وتقريره هكذا لو كان كما زعمتم آلهة لتقربوا إليه وكل من كان كذلك ليس إلها فهم ليسوا بآلهة ولو على الأول امتناعية وعلى هذا شرطية والقياس مركب من مقدمتين شرطية اتفاقية وحملية. قوله: (ينزه تنزيهًا (يشير إلى أنّ سبحان مصدر سبح بمعنى نزه وبرأ لا بمعنى قال سبحان الله كما م تقريره، وينزه بالياء في أوّله مجهول مضارع نزه تنزيها كما في النسخ الصحيحة لا بالتاء ماضي تنزهًا كما ظنه بعضهم فحبط إذ قال قدر فعله من التفعل لا من التفعيل ليناسب قوله تعالى ولم يقل تنزها لما مر أن سبحان من التسبيح الذي هو التنزه وقوله تعاليا إشارة إلى أن علوًّا مصدر من غير فعله كقوله أنبتكم من الأرض نباتا. قوله: (متباعدًا غاية البعد) إشارة إلى أن الكبر من صفات الأجسام فإذا وصفت به المعاني فسر بما يليق بها وهو ما ذكره هنا، وذكر العلوّ بعد عنوانه بذي العرش في أعلى مراتب البلاغة، وقوله: ما يمتنع بقاؤه أي عادة لا بالذات ولذا توالد وتناسل لبقاء نوعه في الجملة. قوله: (ينزهه عما هو من لوازم الإمكان) يعني أن في قوله تسبح الخ استعارة تمثيلية أو تبعية كنطقت الحال فإنه استعير فيه التسبيح للدلالة على وجود فاعل قادر حكيم واجب الوجود منزه عن الإمكان وما يستلزمه كما يدل الأئر
[ ٦ / ٣٤ ]
على مؤثره فجعلت تلك الدلالة الحالية كأنها تنزيه له عما يخالفه:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد..٠
فلوازم الإمكان الأمور الموجبة والمستلزمة له وقوله: حيث الخ إشارة إلى أنها محتاجة
إلى الفاعل في الوجود والبقاء لأنّ سببه الإمكان والحدوث على ما اختاره المحققون من أهل الكلام وبهذا ظهر وجه الشبه وان الدلالة مشبهة بالتنزيه لا أنها مفروغ منها كما توهم. قوله: (أيها المشركون (إشارة إلى جواب سؤال مقدر وهو أنه إذا كان التسبيح بمعنى الدلالة الظاهرة المشبهة بالتنزيه كيف قيل إن الناس لا يفهمون ذلك وكثير من العقلاء فهمه ولهذا ذهب بعض الظاهرية وارتضاه الراغب أنه تسبيح حقيقي ولكنا لا ندركه لحكمة ولا يستغرب هذا وقد
سبح الحصى في كف نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام وسلمت عليه الحجارة فدفعه بأن الخطاب للمشركين والكفرة بقرينة ما قبله فإنه مسوق لهم وهم لو فقهوه ما أشركوا وسيأتي ما يرد عليه ودفعه وأن السؤال مدفوع على عموم الخطاب أيضا. قوله: (ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك الخ (معطوف على ما قبله بحسب المعنى أي يجوز أن يراد به الدلالة على تنزيه الباري عما ذكر مطلقا سواء كانت حالية أو مقالية على أنه من عموم المجاز أو بالجمع بينهما على رأي من جوزه، وعبر بالجواز ردًا على ما يفهم من ظاهر كلام الكشاف من منعه وإشارة إلى أنه مرجوج عنده لأنه مع بعده لا يلائمه قوله لا تفقهون لأن منه ما يفقهه المشركون وغيرهم وهو التسبيح اللفظي وأن أجيب عنه بأنهم لعدم تدبرهم له وانتفاعهم به كان فهمهم بمنزلة العدم أو أنهم لعدم فهمهم لبعضه جعلوا كمن لا يفهم الجميع تغليبًا وهذا وان حسم السؤال لكنه ضغث على إتالة، وقوله وعليهما عطف على قوله على المشترك أي على اللفظ والدلالة الحالية معًا، وقوله على معنييه أي الحقيقيّ والمجازي كما يحمل على الحقيقيين والمجازيين. قوله: (وقرأ ابن كثير الخ (قرأ أبو عمرو والأخوان وحفص بالتاء الفوقية تسبح له السموات، والباقون بالتحتية لأن التأنيث مجازي مع الفصل، وقال ابن عطية أنه أعيد على السموات والأرض ضمير العقلاء لإسناد ما هو من أفعالهم لها، ورده المعرب بأنه ظن أن ضميرهت يخص العاقلات وليس كذلك. قوله: (حين لم يعاجلكم الخ (إشارة
إلى دفع ما قيل جعل الخطاب للمشركين لا يناسب قوله أنه كان حليما غفورًا فالظاهر أنه للمؤمنين وأن قوله لا تفقهون إشارة إلى ما عليه الأكثر من الغفلة وعدم العمل بمقتضاه، ورد بأنه لا يلتئم مع ما قبله من الإنكار على المشركين لما أسندوه إليه فلما نزهه عنه قال هذ التنزيه مما شهد به حتى الجماد، وأما التذييل بقوله أنه كان حليما الخ، فوجهه كما أشار إليه المصنف ﵀ أنه لا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وقصورهم في النظر ولو تابوا لغفر لهم ما صدر منهم فكأنه قيل ما أحلم الله وأكرمه وهذا في غاية البلاغة والانتظام. قوله: (يحجبهم عن فهم ما تقرؤه (قيل عليه إنه وان روي عن قتادة واختاره الزجاج وغيره لا يلائم قوله: بينك وبين الذين الخ إلا بتقدير حذف مضافين أي جعلنا بين فهم قراءتك وأيضا هو على هذا مكرر مع ما بعده من غير فائدة جديدة فالأولى أن يحمل على ما روي من أنها نزلت في أبي سفيان وأبي جهل والنضر وأئم جميل إذ كانوا يؤذونه إذا قرأه فحجب الله أبصارهم عنه فكانوا يمزون ولا يرونه، ومن الناس من يرد عليه بأنه سهل من غير بيان لوجه ألسهولة وكان السكوت عنه خيرا له بل الظاهر أنه لا يقدر فيه وإنما يلزم لو كان حقيقة وهذا تمثيل لهم في عدم استماع الحق بمن كان وراء جدار وحجب كما أن الأكنة كذلك وأما الإعادة من غير إفادة التي اذعاها فقد كفانا المصنف ﵀ شرها فإن قوله: تسبح له السموات الخ نفي لفهمهم للأدلة الآفاقية والنفسية ثم عقبها بما هو أبلغ وهو أنهم لا يفهمون فصيح المقال فضلا عن دلالة الحال ثم صرح بما اقتضاه من كونهم مطبوعين على الضلال وأي فائدة بعد هذا أجل لمن كان ذا بال وقد تتبعنا كلام الكشاف والمصنف فرأيناهما إذا اقتصرا على تفسير أو قدماه فهو مأثور عن السلف ما لم يدع داع إلى سواه. قوله: (ذا ستر كقوله تعالى: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (لما كان الحجاب ساترا لا مستورا ذهبوا في تأويله إلى
[ ٦ / ٣٥ ]
وجوه، منها ما ذكره من أنه للنسب كلابن وتامر، وهو وأن اشتهر في فاعل فقد جاء في مفعول أيضا كما نبهوا عليه وله نظائر كرجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة، ولا يقال رطبته وهلته وغنجته وعليه يخرّج كل ما جاء على مفعول من اللازم فاحفظه، ومنه وعدا مأتيا أي ذا إتيان لأنه آت وكذا سيل مفعم بالفتح فإنه مفعم بالكسر من أفعمت الإناء إذا ملأته وأهل المعاني مثلوا به للإسناد المجازي وهو جائز فيه كما يجوز في النظم هنا كما في شروح الكشاف ولكل وجهة لكن صاحب الكشاف رجح النسبة على التجوز في الإسناد في هذا المثال بأنه لو قيل أفعم السيل الوادي كان التجوّز بحاله وفيه نظر لكن المثال لا يتحمل القيل والقال.
قوله: (أو مستورا عن الحس) فيكون بيانا لأنه حجاب معنوي لا حسيّ فهو على ظاهره حقيقة، وقيل إنه على الحذف والإيصال والأصل مستورًا به الرسول ﷺ عن رؤيتهم أو فهم ما يقرؤوه وادراكه، وقوله: أو بحجاب آخر فيكون عبارة عن تعدّد الحجب، وقوله: لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون بيان لتعدد الحجب المجازية فالحجاب الأوّل: عبارة عن عدم الفهم، والثاني: عدم فهم عدم الفهم، وعن الأخفش أن مفعولًا يرد بمعنى فاعل، كميمون ومشؤوم بمعنى يأمن وشائم كما أن فاعلا يرد بمعنى مفعول كماء دافق فإن أراد أنه حقيقة فقريب، وقوله: نفي عنهم تفصيل لمعنى هذه الآية مع ما قبلها وما بعدها وبيان لارتباطها، وقوله: النفقة للدلالات ضمنه معنى التفطن والتدبر فعداه باللام، وقوله: مطبوعين أي مجبولين ومخلوقين وكلامه ظاهر، وقوله: تكنها يقال كنه وأكنه إذا ستره. قوله: (كراهة أن يفقهوه (يعني أنه مفعول له بتقدير مضاف أو هو مفعول به لفعل مقدر مفهوم من الجملة أو من أكنة وأما جعله من التضمين كما قيل فغيرظاهر فإنه لا يظهر تضمين جعلنا أو أكنة أو الجملة بتمامها كما ذهب إليه بعض الشراح. قوله: (يمنعهم عن استماعه) أي عن حق استماعه، وكذا قوله فهم المعنى وإدراك اللفظ أي كما ينبغي ويليق به فإنهم كانوا يسمعون اللفظ من غير تدبر فلا يدركون إعجازه فقد منعوا عن إدراكه على ما ينبغي وكذا حال المعنى فلا يرد أن فهم المعنى موقوف على إدراك اللفظ فالجعل الثاني على تقدير كونه حقيقة كاف في الأمرين كما قيل: وهذا لو سلم لا يرد على المصنف ﵀ ولو حمل على ظاهره لأنه ترق فكأنه لما قال لا يفهمون المعنى قال: بل لا يدركون لفظه فضلا عنه ولا محذور فيه حتى يتكلف له ما ذكر. قوله: (واحدا غير مشفوع به الخ (أي مقرون بذكره ذكر شيء من الآلهة، كما كانوا يقولون بالله واللات مثلا وعدم اقترانهم به صادق بنفيهم فلا يرد ما قيل إن المتبادر من هذا كونه غير مشفوع به في الذكر، وقوله: بعده هربا من استماع التوحيد يقتضي أنه غير مشفوع به في الألوهية، وقوله: مصدر وقع موقع الحال في الدرّ المصون أنّ فيه وجهين أحدهما أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة لفظا فإنه في قوّة النكرة إذ هو في معنى منفردا وهل هو مصدر أو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال فوحده موضوع موضع اتحاد، واتحاد وضع موضع متوحد، وهذا مذهب سيبويه ﵀ أو هو مصدر أوحد على حذف الزوائد وأصله اتحاد أو هو بنفسه مصدر وحده فعلا ثلاثيا، يقال: وحده يحده وحدا وحدة كوعد أو عدة، وقال الزمخشري: إنه مصدر الثلاثي سادا مسذ الحال بمعنى واحدا كجهدك، وهذا ليس بمذهب سيبويه، والئاني:
أنه منصوب على الظرفية وهذا مذهب يونس، وعلى الحالية إذا وقعت بعد قاعل ومفعول كقوله: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده جاز كونها حالا من كل منهما أي موحدًا له أو موحدًا بالذكر فقول المصنف ﵀ واقع موقع الحال أي لا منصوب على الظرفية ولا على المصدرية بفعل هو الحال في الحقيقة وهذا معنى قوله وحده أي هو حال وحده لا مع عامله ولا مع متعلقه. قوله: (هربًا (يعني أنه مفعول له أو مفعول مطلق لقوله ولوا فهو منصوب بولوا لتقارب معناهما، أو جمع نافر فهو حال، وقوله: بسببه ولأجله يعني أنه متعلق بيستمعون والضمير لما والباء سببية في به لا بمعنى اللام إلا أنه وقع في نسخة أو بدل الواو وعليها يتعين ذلك، وقد تجعل الباء للملابسة أي يستمعون بقلوبهم أو بظاهر أسماعهم والأوّل أولى واما باء بما
[ ٦ / ٣٦ ]
فمتعلقة بأعلم لأن أفعل للتعجب أو التفضيل في الجهل والعلم يتعدى بالباء وما سواهما باللام تقول هو أعلم بحاله وأكسى للفقراء، وقوله: من الهزء الخ بيان لما وقوله ظرف لأعلم أي متعلق به أي نحن أعلم بما هم عليه في هذا الوقت، وليس المراد تقييد علمه بل الوعيد لهم وقيل إنه متعلق بيستمعون الأولى، وقوله: بغرضهم من الاستماع وهو الهزء السابق، وقوله: مضمرون أي مخفون لغرضهم وهو يعلم من الاقتصار على الاستماع المقابل بالنجوى، وقوله ذوو نجوى إشارة إلى تقدير المضاف على المصدرية وإذا كان جمع نجيّ فهو كقتيل وقتلى. قوله: (على وضع الظالمين (أي وضع الظاهر موضع الضمير إذ الظاهر إذ يقولون لكنه عبر به للإشارة إلى أنهم بهذا متصفون بالظلم له أو لأنفسهم وقوله للدلالة متعلق بقوله بدل لبيان فائدة الإبدال وبقولهم خبر إن. قوله: (هو الذي سحر به فزال عقله (فهو كقولهم أن هو إلا رجل مجنون، وبه متعلق بسحر لتضمينه معنى فعل السحر به، وقوله: الذي له سحر بسكون الحاء وسينه مثلثة، كما في الدرر والغرر وقد تفتح حاؤه، والرئة مهموز آلة للنفس معروفة في الجوف، وقوله: يتنفس الخ إشارة إلى أنّ مسحورًا بمعنى ذا سحر وهو كناية عن كونه بشرًا مثلهم لا يمتاز عنهم بشيء يقتضي اتباعه على زعمهم الفاسد، يقال: رجل مسحور ومسحر أي يأكل ويشرب ومنه سحور الصائم أو هو من وقت
السحر لأنه زمانه وهذا تفسير أبي عبيدة وقيل إنه بعيد لفظًا ومعنى لأنه لا يناسب ما بعده من كونه ضرب مثلا ولذا أخره المصنف ﵀ ومرضه. قوله: (مثلوك بالشاعر الخ) أي قالوا تارة هذا وتارة هذا مع علمهم بخلافه فإنما قصدوا تشبيه حالك فيما قلته ونطقت به من القرآن بحال هؤلاء فتكون مثلوك بمعنى شبهوك إما على أن الأمثال جمع مثل بفتحتين أو مثل بكسر فسكون، وفي الكشف الأظهر أن تفسير ضربوا لك الأمثال بمعنى بينوا لك الأمثال كما ذكر في غير هذا المحل بقوله وقالوا أئذا كنا الخ المقالات الثلاث ألا ترى قوله: واضرب لهم مثلا فتفسيره بمثلوك غير ظاهر إذ الظاهر حينئذ مثلوا للى وبه ياهـ تبط الكلام أتم ارتباط فلما ذكر استهزاءهم بالقرآن عجبه من استهزائهم بمضمونه من البعث دلالة على أنه أدخل في التعجب لمخالفته العقل وأما على هذا التفسير فيكون وقالوا معطوفًا على فضلوا لأنه من الضلال أو على مقدر تقديره مثلوك بما ذكر، وقالوا: وأورد عليه أنه لا يظهر كون المقالتين الأخيرتين من ضرب المثل فالأولى الاقتصار على الأولى كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ﴾ [سورة ياسين، الآية: ٧٨] الآية وسميت أمثالا للتعبير عنها بعبارات شتى أو باعتبار تعدد القائل (قلت (ليس التعبير عنها بالأمثال لما ذكر بأقرب من جعل ما يتعلق بالمثل مثلًا على التغليب ثم إنه على ما اختاره في الكشف يكون قوله قالوا معطوفًا على ضربوا عطفا تفسيريا، والظاهر فيه الفاء، وعلى ما ذكره المصنف أيضا ولا حاجة لما تكلفه ولا وجه لعطفه على ضلوا والارتباط عليه تام أيضا لأنه لما تعجب من ضربهم الأمثال بما ذكر عطف عليه أمرًا آخر أعجب منه، فلا داعي لما ذكره أصلًا كما أنه لا وجه لما اعترض به على هذا التفسير بأنهم ما مثلوه ﷺ بما ذكر بل قالوا تارة أنه ساحر وأخرى أنه شاعر الخ، وأيضا كان الظاهر أن يقال فيك لا لك فإن ما ذكروه على طريق التشبيه لتفريقه بين الأقرباء والأصدقاء وعجزهم عن معارضته ﷺ لإخباره بالغيب واشتماله على المحال بزعمهم، ولك أظهر من فيك لأنه الممثل له وتفسير ضربوا ببينوا هنا لا حاجة إليه بل لا يناسب فتأمل. قوله: (إلى طعن موجه (أي له وجه يقبل به، وقوله: يتهافتون بمعنى يقعون لضعف ما يتمسكون به ويختص في الاستعمال بالوقوع في الشر، وقوله: أو إلى الرشاد بيان لمتعلقه بوجه آخر، والرفات ما يلي فتفتت وقيل إنه التراب والحطام ما تكسر من اليبس وهما متقاربان، وصيغة فعال تكون لما تفزق كدقاق وفتات، وقوله على الإنكار أي قالوا هذا قولًا مبنيًا على الإنكار وهو إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى أنه لا يكون هذًا وغضاضته طراوته ورطوبته، ولذا قابلها بيبوسة الرميم أي البالي لأن اليبوسة تقتضي التفرّق والفناء أأسمنافي للحياة والرطوبة تقتضي الاتصال المقتضي للبقاء والحياة كما يعلم من
علم الحكماء
[ ٦ / ٣٧ ]
فسقط ما قيل إنّ الأولى أن يقال لما بين العظام والأجزاء المتفتة المنتشرة والبدن المجتمع من الأجزاء التي فيها الحياة والقوى الحيوانية من التباعد والتنافر. قوله: (والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون) وهو نبعث مقدرًا بفرينة ما ذكر وأن الاستفهام بالفعل أولى لا نفسه لأنّ أنّ لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها كما بينه النحاة وكذا الاستفهام مانع أيضا كما ذكروه وان كان تأكيدًا وليس عدم ذكره لأنه غير مانع لهذا كما توهم، وهدّا على القول بأن العامل في إذا الشرطية الجواب أو ما في حيزه، وأما على القول بأن العامل الشرط فلا حاجة إلى التقدير وهو خلاف المشهور عند النحاة، وفي الدرّ المصون إذا هنا متمحضة للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية فالعامل فيها جوابها المقدر أي أئذا كنا عظامًا ورفاتًا نبعث أو نحوه كنعاد، وهذا المحذوف جواب الشرط عند سيبويه والذي انصب عليه الاسنفهام عند يونس، قيل وعلى كونها شرطية والعامل الشرط يرد أن عمله فيها يوجب كونها ظرفا له وذلك لا يكون إلا بعد تعين مدلولها وهو لا يكون إلا بشرطها وهو تخيل واه لأنّ المعنى حينئذ أنبعث وقد كنا رفاتا في وقت فدعوى ادّعاء التعين لا يتعين وهو ظاهر. قوله: (وخلقا الخ (أي نصبه إمّا على أنه مفعول مطلق من غير لفظ فعله أو حال بمعنى مخلوقين، ووحد لاستواء الواحد وغيره في المصدر. قوله: (كونوا حجارة) قالط الزمخشري: أي لمشاكلة قولهم كنا وأما الأمر فقيل إنه للاستهانة أو الإهانة وقال الطيبي أنه أمر تسخير كقوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٥] لكونه على الفرض وإلا لزم أن يكونوا حجارة قال في الكشف وهو غير ظاهر لأنه لا معنى للتسخير الفرضيّ ولو جعل من قبيل كن فلانا كقوله:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك عماذكرت من نسب
على معنى أنت فلان باستعمال الطلب في معنى الخبر أي أنتم حجارة ولستم عظاما ومع
ذلك تبعثون لا محالة لكان وجهًا قويما وفيه بحث لأنه كيف يقال أنتم حجارة على أنه خبر وهو غير مطابق للواقبم فلا بد من قصد الإهانة وعدم المبالاة وجعل لأمر مجازًا عن الخبر والخبر خبر فرضي وليس فيه ما يدل على الفرض كان ولو الشرطية، وهو مما لا يخفى بعده وليس بأقرب مما استبعده فالصواب أنه للإهانة كما جنح إليه في الإيضاج فتدبر. قوله: (أي مما يكبر الخ (يشير إلى أنّ الكبر في الأصل للمحسوسات ويوصف به المعاني كالعظيم ثم شاع فيما يستبعد وقوعه وهو المراد هنا، وقوله فإن قدرته تعالى الخ جواب عن إنكارهم البعث بعد كونهم عظامًا بالية بأنه أمر هين عليه تعالى ولو كنتم أجسامًا لم تتصف بالحياة كالحديد
والحجارة فإنه يقدر على خلق الحياة فيها لتساوي الأجساد في قبول الأعراض فضلا عما كان متصفا بها فمن قال إنه تصوير لمعنى النظم إلى قوله فسينغضون لأن هنا إنكارين إنكار للبعث وانكار لمن يقدر عليه وهذان جواب عن الثاني والكلام في الأوّل لم يصب وهذا إنما يحتاج إليه في كلام الكشاف كما في الكشف، وهو الذي غره لعدم التدبر. قوله: (﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ (مبتدأ خبره يعيدكم أو فاعل به أو خبر مبتدأ مقدر على اختلاف في الأولى كما فصل في محله، وقوله: وهو أبعد منه من الحياة وفي نسخة وما هو أبعد الخ ومن فيهما متعلقة بأبعد، والثانية: صلته والأولى: تفضيلية وضمير منه لما ذكر من العظام والرفات ومرفوتة بمعنى مفتتة، وقوله فسيحزكونها تفسير لقوله: فسينغضون إليك فإنه بمعنى إلى جانبك وتحريك الرأس لذلك معروف. قوله: (فإن كل ما هو آت (أي محقق إتيانه قريب ولم يعين زمانه لأنه من المغيبات التي لا يطلع عليها غيره تعالى فبعد تحقق الوقوع القريب والبعيد سواء وقيل إنه قريب لأن ما بقي من زمان الدنيا أقل مما مضى منه. قوله: (وانتصابه على الخبر الخ) أي على أنه وصف منصوب على أنه خبر يكون الناقصة واسمها ضمير يعود على البعث المفهوم مما قبله أو العود أو هو منصوب على الظرفية وأصله زمانًا قريبا فحذت الموصوف وأقيمت صفته مقامه فانتصب انتصابه، ويكون على هذا تامّة فاعلها ضممير العود أي عسى أن يقع العود في زمان قريب، وقوله: وأن يكون اسم عسى يعني عسى يجوز أن تكون تافة وناقصة فعلى الأوّل أن يكون مرفوع بها ولا خبر لها أي قرب كونه في وقت قريب أو كونه قريبًا على
[ ٦ / ٣٨ ]
وجهي يكون وقريبًا وهو الوجه الأوّل في كلام المصنف ﵀ لكنه تسمح في تسمية مرفوعها اسما فإنه مخصوص بالناقصة، وأما التاتة فمرفوعها فاعل، وعلى الثاني ف اسمها مضمر راجع إلى العود كما مرّ فإن قلت إذا كان المعنى على التمام قرب أن يكون البعث قريبا لم يكن فيه فائدة، قلت: قال نجم الأئمة أنه لم يثبت معنى المقاربة في عسى لا وضعا ولا استعمالًا ويدل لما ذكره التصريح بقريبا بعده في هذه الآية فلا حاجة إلى القول بأنها جردت عنه، كما قيل فالمعنى يرجى ويتوقع قربه. قوله: (أي يوم يبعثكم فتنبعثون (بالبناء للفاعل فيهما، والأوّل من البعث الثلاثي والثاني من الانفعال المطاوع له وقوله استعار لهما أي للبعث والانبعاث ولا دعاء ولا استجابة فهو كقوله: (كن فيكون (فشبههما بذلك في السرعة والسهولة عليه، أما الأوّل فلأن قول قم يا فلان أو كن أمر سريع لا بطء فيه وكذا الثاني لأن مجرّد ندائه ليس كمزاولة إيجاده بالنسبة إلينا، فمن قال إنه ظاهر في الاستعارة الثانية وأما الأولى فباعتبار ترتب سرعة الأستجابة والانبعاث على الدعاء والبعث لم يأت بشيء، وقيل إنه حقيقة كما في قوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ
الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ وقيل إنه كناية عن البعث والانبعاث لعدم المانع من إرادة حقيقتهما، فتدبر ثم إن قوله يوم يدعوكم فيه وجوه للمعربين ككونه بدلًا من قريبا على أنه ظرف أو منصوب بيكون أو منصوب بضمير المصدر المستتر في يكون العائد على العود بناء على جواز أعمال الضمير أو منصوب بمقدر كاذكر أو تبعثون، وأما أنه بدل من الضمير المستتر في يكون بدل اشتمال ولم يرفع لأنه إذا أضيف إلى الجملة قد يبنى على الفتح فتكلف وادعاء ظهوره ولا يسمع فإنه مكابرة وكذا القول بأنه لا وجه له إلا برفع يوم، ولا رواية له. قوله: (وأنّ المقصود الخ الأن الدعوة والنداء إنما يكون لأمر ودعوة السيد لعبده إنما تكون لاستخدامه أو للتفحص عن أمره والأوّل منتف لأنّ الآخرة لا تكليف فيها فتعين الأخير، فلا يقال إنه لا دلالة فيه على الإحضار لما ذكر بعده حتى يقال إنه تبرع من المصنف ﵀ لبيان الواقع وكيف يتأتى هذا وقد أدخله المصنف في وجه الشبه وما قيل إنّ الدعوة تشعر بالإحضار والاستجابة بالسؤال المشعر بالحساب والجزاء لأنّ السؤال يكون له فليس بشيء كما لا يخفى. قوله: (حال منهم (أي من ضمير المخاطبين أي تستجيبون حامدين أو منقادين وقيل إنه متعلق بيدعوكم وفيه بعد وإذا كان بمعنى حامدين فهو حقيقة والباء للملابسة وقد أيده بما ذكر من الأثر وينفضون بالفاء والنفض معروف وإذا كان بمعنى منقادين فهو مجاز لأن من رضي فعلا وحمده انقاد له، وقوله: كالذي مرّ على قرية إشارة إلى الآية التي مرت، وقوله: لما ترون من الهول لأنهم يذهلون به. قوله: (يعني المؤمنين (يعني أن الإضافة هنا للتشريف فيختص بالمؤمنين اختصاص بيت الله بالكعبة وان كانت البيوت كلها لله والمقول لهم هم العباد المشركون، وقل أمر مقدر مقوله بقرينة جوابه وهو يقولوا أي قل لهم قولوا التي الخ أو يقولوا بتقدير لام الأمر أي ليقولوا وهو إرشاد لهم أن لا يقولوا إلا بأمره، وقد مر تفصيله. قوله: (الكلمة التي هي أحسن (بيان لتأنيث التي إما بتقدير موصوف لها مؤنث أو بكونها عبارة عن الكلمة المؤنثة، والمراد بالكلمة معناها اللغوي الشامل للكلام وقوله ولا تخاشنوا المشركين بالغيبة والخطاب أي تغلظوا القول لهم وهذا قبل الأمر بالقتال ونزول آية السيف. قوله: (يهيج بينهم المراء والشر (المراء المجادلة والمخاصمة وضمير بينهم للمؤمنين والمشركين، والمراد أنّ المخاشنة تفضي إلى
تحريك الشيطان لهم على هذا فتؤدّي إلى عنادهم واصرارهم على الكفر وايذاء المؤمنين فيتزايد الفساد ويفوت المقصود وقوله ظاهر العداوة إشارة إلى أنّ مبينا من أبان اللازم كما مرّ. قوله: (تفسير للتي هي أحسن الخ) فالخطاب هنا للمشركين والمعنى أن يشأ يعذبكم بإبقائكم على الكفر وان يشأ يرحمكم بتوفيقكم للإيمان، وقيل إنه استئناف وليس تفسيرا للكلمة والخطاب للمؤمنين وهو مروي عن الكلبيّ والمعنى أنه إن يشأ يرحمكم أيها المؤمنون في الدنيا بإنجائكم من الكفرة ونصركم عليهم وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم فالتي هي أحسن المجادلة الحسنة، وقوله: ولا تصرحوا الخ أي بل علقوا أمرهم على
[ ٦ / ٣٩ ]
مشيئة الله كما في الآية. قوله: (مع أن ختام أمرهم (في العذاب والرحمة غيب أي غائب علمه ومخفيئ من غير الله فلا ينبغي القطع بأنهم من أهل النار حتى أن المؤمن إذا صرح بذلك ينوي تعليقه على الإرادة أيضا فمن قال لا وجه لهذه العلاوة لم يصب.
قوله: (موكولًا الخ) أي مفوّضًا إليك، وهذا قبل آية السيف، وقوله بالاحتمال أي باحتمال أذيتهم، وقوله: فنزلت أي آية قل لعبادي إلى ما هنا، وهذا وجه آخر معطوف على ما قبله بحسب المعنى وهو مروفي وهو مخالف للأول في الخطاب ومعنى الرحمة والعذاب فتذكره. توله: (وقيل شتم عمر رضي الله عته رجل الخ (هذا سبب آخر للنزول، وعليه يختلف المعنى ويكون الخطاب في ربكم الخ للمؤمنين، والمراد بالتي هي أحسن الكلمة الحسنة التي لا شتم فيها ولا سبّ كأن يقول له عفا الله عنك وهداك ونحوه، وقوله فهمّ به أي قصد سبه أو ضربه أو نحوه مما يكون جزاء له، وقوله: وما أرسلناك عليهم وكيلا تعريض لهم أي فكيف بأصحابك وأتباعك، فإن قلت ما فسر به وكيلا لا يظهر له وجه فما معناه، قلت قوله تقسرهم على الإيمان معناه أنّ الوكيل يتصرّف في أمور موكله فتجوّز به عن إلجائه إلى الإيمان لأنه من جملة أحواله فوجهه ظاهر، وكذا قوله أنّ المشركين الخ معناه أنك لا تصرّف لك في أمورهم حتى تأمرهم بترك الأذية نعم ما ذكر عن عمر ﵁ لا وجه له إلا جعله نظيرًا لما قبله فتأمله. قوله: (يتيم أبي طالب (هو النبيّ ﷺ وعبر بهذه العبارة حكاية عن الكفار في حال استبعادهم والا فهذه العبارة لا يجوز إطلاقها على النبيّ ﷺ حتى أفتى المالكية بقتل قائلها كما في الشفاء فكان ينبغي للمصنف ﵀ تركها، والجوع بضم الجيم وتشديد الواو جمع جائع
والعراة جمع عار واستبعادهم ذلك لجهلهم وظنهم أنّ النبوّة تتوقف على قوّة صاحبها بالمال ونحوه وكون اتباعه أغنياء أشد، ولذا خص الله داود ﵊ بالذكر هنا إشارة إلى أنه لم يفضل بالملك وإنما فضل بالوحي كما سيذكره المصنف ﵀. قوله: (بالفضائل النفسانية (ليس هذا مبنيا على مذهب الحكماء كما مر تحقيقه في سورة الأنعام، والتبرئ مهموز وقد تبدل همزته ياء لكسر ما قبلها كالتوضي وليس كثرة زوجاته ﷺ من العلائق الجسمانية كما يتوهمه من لا يتأمّل قوله " حبب إليئ من دنياكم النساء " وقد ذكر علماء الحديث أنه من خصائصه ﷺ جواز الزيادة على الأربع دون أتته وكان ذلك جائزا في الملل السالفة كما ذكر في قصة سليمان ﵊ وحكمته أن يقفن على ما يتعلق بالنساء من الشرع كأمور الحيض ونحوها مما يتحاشى الرجال عن ذكره، وقد قالوا إن عائشة ﵂ أخذ عنها ربع العلم، وليس في كلامه إشارة إلى أن المراد ببعض النبيين داود ﵊ كما توهم، وقوله: حتى داود ﵊ توطئة لما بعده وإشارة إلى وجه تخصيصه كما مرّ. قوله: (قيل هو (أي ما ذكر هنا ومرّضه لبعده فإنه على ما قيل تلميح إلى ما وقع في الزبور من وصفه بما ذكر فيه حتى شبه بقصة المنصور وقد وعد الهذليّ بعدة فنسيها فلما حجا وأتيا المدينة قال له يومًا وهو يسايره: يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتغزل
فتفطن لمراده وعلم أنه يشير إلى قوله في هذه القصيدة:
وأراك تفعل ما تقول وبعفهم مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فأنجز عدته، وقوله: تنبيه أي قوله وآتينا الخ تنبيه على وجه تفضيله ﵊. قوله: (وتنكيره هاهنا الخ (المعنى أنه في الأصل وصف أو مصدر ولما كان فعول بالفتح في المصادر نادرًا والمعروف فيه الضم نظره وأيده بقراءة الضم، فمن قال إنه تأييد لكونه وصفا أو مصدرًا لا علمًا لم يصب فيبعد جعله علما دخلت عليه أل للمح أصله الوصفي،
كالعباس أو المصدر كالفضل، وهذا للمعنيين فلا يفيد نكتة لعدم دخولها هنا لأنه على الأصل، وقوله بعضر الزبر فهو نكرة غير علم ونكر ليفيد أنه بعضا من الكتب الإلهية أو من مطلق الكتب ولا إشكال حينئذ في دخول اللام عليه كما في الوجه السابق والتعريف على هذا عهدي وعلى ما بعده يفيد أنه جزء من الكتاب المخصوص، وقد مرّ الكلام على إفادة التنكير
[ ٦ / ٤٠ ]
لمثله في أوّل هذه السورة في قوله: ليلا، فالزبور كالقرآن يطلق على مجموعه وعلى أجزائه. قوله: (قراءة حمزة بالضم (هي مؤيدة للمصدرية، كما بينا ومن قال: فإنه جمع زبر بكسر الزاي بمعنى المزبور، والأصل توافق القراءتين لم يصب، وحاصله أنه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن زبور أعلم ولذا لم تدخله أل هنا لئل يجتمع تعريفان فلم دخلت عليه في آية أخرى، فأجاب بأنّ دخولها لا ينافي العلمية، لأنها للمح أو أنا لا نسلم أنه علم لأنه نكرة بمعنى كتاب مطلقًا وعلى تقدير اختصاصه بكتاب داود ﵊ أيضا فليس يعلم لإطلاقه على ما يشمل كله وبعضه فهو من غلبة اسم الجنس لا العلم فمن قال اللائق بقانون المناظرة تقديم الجواب الثاني ثم الثالث إلا أنه قدم ما حقه التأخير اهتماما بشأنه لم يصب. قوله: (إئها آلهة (إشارة إلى تقدير متعلق لزعمتم قائم مقام مفعوليه لأنّ حذفهما معا أو حذف ما يسذ مسذهما جائز، وإنما الخلاف في حذف أحدهما وأنث الضمير إشارة إلى أنها بمنزلة الأصنام غير العفلاء في عدم القدرة على ما ذكر والداذ على هذا المقدر قوله من دونه، وقوله. كالملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام لأنّ بعض الكفار عبد بعض هذه وبعضهم الآخر، وقوله: ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم ممن لم يعبده، وقيل المراد بالتحويل تحويله من بعض إلى آخرين أو تبديله بمرض آخر، وهذا أظهر. قوله: (هؤلاء الآلهة الخ (هذا هو الداعي إلى جعل الآلهة قبله عبارة عن المسيح وغيره من العقلاء لا الأصنام وإن كان الكلام مع المشركين وأولئك مبتدأ وجملة يبتغون خبره والموصول نعت أو بيان والإشارة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المعبودين دون الله، والواو ضمير عبادهم والعائد محذوف أي يدعونهم ا-لهة، أو يدعونهم لكشف الضرّ عنهم أو الذين خبره، ويبتغون حال أو بدل من الصلة وقرئ يدعون بالغيبة والخطاب. قوله: (بدل من واو يبتغون الا من واو يدعون كما قيل وهو بدل بعض من كل وأي موصولة كما أشار إليه المصنف ﵀ وهي مبنية على الضم لحذف صدر صلتها والتقدير أيهم هو أقرب فجملة هو أقرب صلتها، وقيل إنها استفهامية فهي مبتدأ
وأقرب خبرها فليست بدلًا حينئذ بل جملتها في محل نصب بيدعون أو يبتغون، - وأورد عليه أثه يلزمه تعليق غير أفعال القلوب، ولذا قدر بعضهم قبله ينظرون بمعنى يكفرون، ويمكن أن يقال: إنه يتضمن معنى فعل قلبي فيجري التعليق فيه وكله تكلف فلذا لم يلتفت إليه المصنف ﵀ ومذهب يوئش عدم اختصاص التعليق بأقعال القلوب وهو مذهب مرجوح نحن في غنى عنه. قوله: (أي يبتغي من هو أقرب منهم) ولا ينافيه جمع يرجون ويخافون لعدم اختصاصه بالأقرب أو لكون الأقرب متعددا كالملائكة، وقوله فكيف تزعمون نتيجة ما تقدم كله من الابتغاء والرجاء والخوف، وقيل إنه نتيجة الرجاء والخوف ونتيجة الابتغاء- اسشعاد عدم ابتغاء من ليس بأقرب، ويلزم نفي كونهم، آلهة فيتحدان بحسب المال، وقوله: حقيقا الخ أوّل به لأن من العصاة والكفرة من لم يحذره، وقوله: بالموت أي حتف أنفه لذكر القتل بعده، وفيه إشارة إلى دخول أهلها في ذلك، قال ابن فارس والأزهري: لم يسمع للحتف فعل، وحكى ابن القوطية فعلا له من باب ضرب وقيل أوّل من تكلم به النبيّ ﷺ ورد بأنه سمع في الجاهلية قال السموأل:
وما مات منا سيد حتف أنفه
ومعناه أن روحه تخرج منه وهو يتنفس لا بغتة بضرب سيف. قوله: (وما صرفنا عن إرسال الآيات الخ) قيل عليه أن المنع حقيقة صرف الغير له عن فعله والصرف والمنع محال في حق الفاعل المختار كما ذكره الطيبي فلا يفيد تأويل أحدهما بالآخر فكان عليه أن يجعله مجازًا عن الترك كما في الكشاف وغيره، ومن الناس من منعه منعًا مجرّدًا لا يسمع مثله ومنهم من سلمه واعترض على المعترض فقال: ليس مراد المصنف ﵀ تأويل المنع بالصرف بل توضيح معناه وبيان حقيقته ثم تفسيره بتركنا لا يلائم إلا منعنا بسكون العين والإسناد للمتكلم، والذي في النظم بفتحها على الغيبة نعم يجوز أن يكون معنى الآية ما ذكره لكن لا على أن يكون المنع مستعارا للترك كما صرّج به بل على أن يكون مجازًا مرسلًا بعلاقة اللزوم فيكون منعنا مجازًا عن تركنا على التكلم لا على الغيبة لعدم جريان التبع
[ ٦ / ٤١ ]
في المجاز المرسل على المشهور اص. وعبارة الزمخشري استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة اهـ، فقال الشارح العلامة في شرحه المنع كالغير كن فعل يريد أن يفعله وذلك في حقه تعالى
محال فهو ليس حقيقة في معناه بل مستعار للصرف عن إرسال الآيات فإنه إذا صرفه عن الإرسال فكأنه منعه عنه، واليعنى وما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة إلا تكذيب الأوّلين فإنه مؤذ إلى تكذيب الآخرين المقترحين اتباعا لهم، وتكذيبهم يتضمن تعجيل العذاب بحكم عادة الله تعالى والحكمة تقتضي تأخيره لبعث النبيّ ﷺ فيهم فتكون الحكمة صارفة عن إرسالها وحاصله أنا تركنا إرسال الآيات فبمانه لو أريد ظاهره والمنع مسند إلى تبهذيب الأوّلين يلزم أن يكون ترك إرسال الآيات مسندًا إلى التكذيب لكن التارك هو الله تعالى (أقول (هذا تحقيق لكلام الكشاف بلا مزيد عليه وهو بعينه كلام المصنف ﵀، وقد صرّح به في الكشاف بعده حيث قال: والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه، وتقريره أنه مبنيّ على مقدّمة وهي الفرق بين المنع والصرف والترك بأن المنع يقتضي القسر ويكون من فاعل آخر هو المانع، وأمّا عد الأمور المعنوية مانعا فاصطلاج أو عرف طار على أصل اللغة، وكون فاعل آخر قاسر الله محال منزه عنه والصرف يكون في المعاني ولغير القاسر لإشعاره بوصوله إليه وتمكنه منه ثم إنه متصرف عنه والترك أعمّ لأنه عدم الفعل سواء كان لصارف أو لا فيجوز أن يكون المنع هنا مجازًا عن الصرف أو الترك لكن الثاني لا يتأتى هنا لأنه لو كان منع مجازا عن الترك والتارك هو الله لكان ضمير الله فاعلًا وان كذب مفعولًا عكس ما في النظم والقلب لا يليق هنا إلا أنّ ما ادّعاه من لزوم اتحاد الفاعل في المعنى الحقيقي والمستعار له مما لم يقم عليه دليل بل الظاهر خلافه ولذا صرّج الطيبي بأنه مستعار للترك ولم يلتفت لهذا، وما يدل عليه ما ذكره المدقق في الكشف في أول سورة البقرة في قولهم شجاع يفترس الأقران بعد ما قرّر أن فيه استعارة مكنية وتخييلية أنه يجوز أيضا جعل الافتراس استعارة تصريحية بعد أن تعرف أنّ المقصود هو التنبيه على أنه أسد كي يجيء الافتراس وسائر ما للأسد اهـ، ولا شك أنه بمعنى يقتل وفاعله الشجاع والصشبه به الافتراس وفاعله الأسد فتأمّلى، ء والصعترض لم يصب لعدم وقوفه على مرادهم والمجيب أخطأ خطأ على خطا وزاد في الطنبور نغمة لفرقه بين الاستعارة والمجاز المرشل بسلامة الأمير فرحم الله امرأ نطق فغنم أو سكت فسلم، وقوله: تكذيب إشارة إلى أن أن مصدرية، وقوله: في الطبع أي في كونهم مطبوعا على قلوبهم، وقوله: مضت به سنتنا يعني أنه عادة الله في مثله. قوله: (لأنّ منهم من يؤمن الخ (أو لمنع الخلو في البعض لا الجمع، لأنّ منهم من آمن بعد ذلك وولد من آمن كأبي سفيان ﵁ والمجموع تعليل واحد، ومن أفادت أن منهم من ليس كذلك لكنه ترك استئصاله لكونه لم يقدر له ذلك، فلا يرد عليه انّ هذا التعليل غير مانع من استئصال المعاندين خاصة، على أنه غفلة عن معنى الاستئصال. قوله: (ذات أبصار أو بصائر (لما كان المقام يقتضي أن الغير يراها ظاهرة بينة فكان الظاهر
مبصرة على صيغة المفعول أوّلوه بما ذكر يعني أنّ الصيغة للنسب يعني أنها ذات أبصار أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها والتاء للمبالغة لا للتأنيث بتقديره موصوف مؤنث كما توهم لأنّ صيغة النسب يستوي فيها المذكر والمؤنث كما فصله الرضي وفيه بحث ذكرناه في حواشيه، وقوله أو جاعلتهم ذوي بصائر على أنه اسم فاعل من أبصره صيره ذا بصيرة وادراك فيؤمنون به والهمزة للتعدية فيفيد الجعل المذكور، وقوله: وترئ بالفتح أي بفتح الميم والصاد أي محل أبصار بجعل الحامل على الشيء بمنزلة محله كقولهم: الولد مجبنة مبخلة وهذه قراءة قتادة أو بفتح الصاد مع ضم الميم اسم مفعول على الحقيقة وبها قرئ أيضا وهي منصوبة على الحالية وقرئ بالرفع على إضمار مبتدأ، وقوله: فكفروا بها إشارة إلى أن الباء صلة لكونه بمعنى الكفر، إذ الكفر ظلم عظيم، وقوله: وظلموا الخ وجه ثان بإبقاء الظلم على ظاهره، وحذف مفعوله وجعل الباء سببية بتقديره مضاف أو هو بيان لوجه السببية ولو أتى بدل الواو بأو كان أظهر.
[ ٦ / ٤٢ ]
قوله: (أو بغير المقترحة) يعني أن الآيات إمّا المقترحة فالتخويف بالاستئصال لإنذارها به في عادة الله أو غيرها فالتخويف بعذاب الآخرة لا عذاب الدنيا، كالاستئصال فالحصر إضافيّ فلا ينافي كون نزولها لتصديق النبي ﷺ حتى يؤمنوا به. قوله: (والباء مزيدة (في المفعول أو للملابسة والمفعول محذوف أي نرسل نبيا ملتبسا بها، وقيل إنها للتعدية وإن أرسل يتعدى بنفسه وبالباء ورد بأنه لم ينقل عن أحد من الثقات، ولا حجة في قول كثير:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسز ولا أرسلتهم برسول
لاحتمال الزيادة فيه أيضًا مع أن الرسول فيه بمعنى الرسالة فهو مفعول مطلق والكلام في دخولها على المفعول به فتأمل. قوله: (واذكر) إشارة إلى متعلق إذ وأن القول بواسطة الوحي، وقوله: في قبضة قدرته فالناس عاتم، والإحاطة مجاز عن شمول قدرته وقبضة قدرته استعارة أو تشبيه كما سيأتي تحقيقه في سورة الملك، والمعنى أنّ له التصرّت فيهم كيفما يشاء، وهو وعيد لهم بأنه لا يعجزه شيء عما أراد وقوله أحاط بقريش فتعريف الناس للعهد والإحاطة مجاز عن الإهلاك من أحاط بهم العدوّ إذا أخذ بجوانبهم لإهلاكهم كقوله: وأحيط بثمره كما سيأتي، وقوله: فهي بشارة أي على هذا التفسير الثاني. قوله: (وتعلق به (أي بما ذكر بناء على تفسيره بما ذكر وكون الرؤيا مخصوصة بالمنام ومن قال الخ هو إشارة إلى ضعفه لأن قوله إلا فتنة للناس يرذه، ولذا قيل إن بعضهم قال له ﷺ: لما قص عليهم الإسراء لعله شيء رأيته في منامك، وقوله: فسر الرؤيا بالرؤية يعني أن الرؤيا في اللغة بمعنى الرؤية مطلقا وهو معنى
حقيقيّ لها، وقيل إنها حقيقة رؤيا المنام أو رؤيا اليقظة ليلًا، وقد ذكر السهيلي أنه ورد في كلام العرب بهذا المعنى وأنه كالقربى والقربة، وقيل إنه مجاز إمّا مشاكلة لتسميتهم له رؤيا أو جار على زعمهم أو على التشبيه بها لما فيها من خرق العادة أو لوقوعها ليلا أو لسرعتها. قوله: (أو عام الحديبية (معطوف على قوله ليلة المعراج يعني أو الرؤيا التي وقعت في عام الحديبية إذ رأى ﷺ فيه أنه دخل مكة وسيأتي تفصيله في سورة الفتح. قوله: (وفيه أنّ الآية مكية (وقصة الحديبية بعد الهجرة وأمّا كونها مكية وأخبر فيها عما سيراه وعبر بالماضي لتحققه فبعيد لقلة جدواه كالقول بأن الحديبية من الحرم المكي، وقوله إلا أن يقال الخ يعني أنه رأى تلك الرؤية بمكة ونزلت عليه هذه الآية ولكنه ذكرها عام الحديبية لأنه كان إذ ذاك بمكة فعلم أنه دخوله بعد خروجه منها، والفتنة واقعة حين الحكاية حين صدّه المشركون حتى قال عمر ﵁ ما قال كما سيأتي، والحديبية بالتخفيف وقد يشدد بئر أو شجرة حدباء، ولا يخفى ما في هذا من التكلف أيضا. قوله: (ولعله (أي لعل المراد بما ذكر في هذه الآية أي رأى وقعة بدر بعينها في مكة ورأى من قتل بها وموضع قتله، وقوله في وقعة بدر أي في شأنها وشأن ما وقع فيها فلا يرد عليه ما مر من أنها مكية فيحتاج إلى الجواب بما مر وتكون الرؤيا على ظاهرها، والفتنة فيها أظهر، وقوله لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٤٣، الخ، قيل: إنه تعليل لكونه وقع له رؤيا في وقعة بدر لا ليكون المراد بهذه الآية تلك الرؤيا بعينها إذ لا دلالة فيها على ذلك، وكذا ما روي على ما فيه، وقوله: لكأني الخ اللام في جواب قسم مقدر للتأكيد والمصارع جمع مصرع وهو محل صرع فيه القتيل ووقع، قيل: ولا دلالة في هذا على أنه كان رؤيا منام لجواز كونه بوحي وكأن لملاحظة المصرع بوصف المصرعية ولا يخفى أنه لو كان بوحي عين فيه تلك المضارع لقال: إني أعلمها ويؤيده أنه روي أنه صرّج بكونها رؤيا منام، وقوله ماءه أي ماء بدر وذكر باعتبار المكان، وما ذكره من السخرية هو المراد بالفتنة على هذا، وهذا الحديث وان لم يوجد بعينه كما قاله ابن حجر لكنه بمعناه في مسلم. قوله: (فتسامعت به قريش) أي سمعوه فالتسامع ليس على أصله، وقيل إنّ بعضهم
أسمع بعضًا وفيه نظر لأنه لا يكون على حقيقته أيضا وقوله: يرقون بالقاف أي يصعدون، وقوله: ينزون بالزاي المعجمة أي يثبون عليه، والقردة جمع قرد، وقوله وعلى هذا الخ ففيه مضاف مقدر أي جعلنا تعبير الرؤيا أو الرؤيا مجاز عنه باعتبار ما كان.
[ ٦ / ٤٣ ]
قوله: (لما سمع المشركون ذكرها الخ) هو ما سيأتي من أنها شجرة في جهنم، والسمندل باللام طائر مشهور وهو باللام عند الأزهري وبالراء عند غيره وظاهر كلام القاموس أنهما متغايران فإنه قال السمندر والسميدر دابة، وقال في اللام: السمندل طائر بالهند لا يحترق بالنار، وفي حياة الحيوان: أنّ بعض أهل اللغة سماه سندل بغير ميم، وسماه ابن خلكان سمند بغير لام وقال القزويني: إنه حيوان كالفار ولك أن تقول أنه فارسيّ بالراء كما وقع في أشعارهم وعزب باللام وهو طائر فيهما أو دولبة فلا يغرّك ما وقع لهم فيه والحمر بالمهملة جمع حمراء. قوله: (ولعنها في القرآن لعن طاعمها (فوصفت به على أنه مجاز في الإسناد ووجه المبالغة أنه بسبب كونها شديدة اللعنة سرت اللعنة إلى غذائها هذا إن أريد باللعنة معناها المتعارف فإن أريد معناها اللغوفي وهو البعد فهو لكونها في أبعد مكان من الرحمة لكونها في أصل الجحيم أي قعرها، واللاعن الواصف باللعن والداعي به، والملعون بمعنى المؤذي لأنها تغلي في البطون كغلي الحميم وهو إفا مجاز مرسل أو استعارة، وتأويلها بمن ذكر على الاستعارة كأنهم شجر جهنم يأباه قوله: طلعها كأنه رؤوس الشياطين وما معه من الأوصاف كما سيأتي لكنه ورد في حديث مسند عن عائشة ﵂ أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول الشجرة الملعونة أبوك وجدك فقوله طلعها الخ من جملة المشبه به. وروي أيضًا أنّ الله ﵎
أنزل عليه ﷺ بعد هذه الرؤيا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر، الآية، ا] تسلية له ﷺ بأنه أعطاه بعدد ملكهم لأن مذتهم ألف شهر ولا يرد عليه أنه لم يكن له منبر كما لا يخفى وأما كون أبي جهل ومن بعده لم يلعنوا في القرآن بخصوصهم فمن فسره به لا يسلمه، وقوله بأنواع التخويف أخذه من حذف متعلقه المفيد للعموم والعتو تفسير للطغيان وتجاوز الحد تفسير لكبير وكونه من مفهوم الطغيان أو العتوّ في اللغة لا يضر لا سيما مع تفاوت مراتب التجاوز فتأمل. قوله: (فنصب بنزع الخافض (ويؤيده التصريح به في آية أخرى، وقوله ويجوز أن يكون حالا أشار بالجواز إلى أنه خلاف الظاهر لكونه جامدًا ولذا أوّله بعضهم بمتأصلًا، وقوله: وهو طين إشارة إلى أن الطينة مقدمة على خلقه إنسانًا مقارنة لابتداء تعلقه به كما يقال جاءني زيد وهو راكب فإنه لا يضرّه نزوله بعده، وقيل إنه لتحصيل الهيئة وقوله: أو منه أي هو حال من الموصول نفسه لا من الضمير الراجع إليه، وقوله: أي أأسجد بيان لكونه المعنيّ منه في الثاني يعني أن معنى قوله وهو طين أن أصله ذلك إذ ظاهر التركيب يقتضي السجود له في حال الطينية فلذا أول بما ذكر، وفيه نظر لأنّ المضيئ بالنظر إلى زمان الحكم فيقتضي تقدم طينته على السجود وذكر الخلق مع أنه يكفي في المقصود أن يقال لمن كان من طين أدخل في المقصود مع أنّ فيه إيماء إلى علة أخرى، وهي أنه مخلوق والسجود إنما هو للخالق، فما قيل إنه لم يقل هنا وهو طين كما في الوجه الأوّل لأنه لم يكن طينا وقت السجدة بل أصله طين وكان طينا وقت الخلق لا وجه له وكذا ما أورد عليه من أنه حينئذ يضيع قوله خلقته ولا معنى للجواب بأق الموصول اقتضاه لا محالة وأنه لو قيل لم لم يقل لمن أصله من طين لم يسمع لأنه تعيين للطريق فتدبر. قوله: (الكاف لتثيد الخطاب الخ (أي حرت خطاب على ما بين مؤكد لمعنى التاء قبله وليس تاكيدًا اصطلاحيا ولذا قال لا محل له من الإعراب لأنه لو كان تابعا كان له محل كمتبوعه. قوله: (وهذا مفعول أوّل الخ (هذا بناء على أن رأى فيه علمية تتعدى إلى مفعولين كما ذهب إليه بعض النحاة لا بصرية متعدية لواحد كما ذهب إليه آخرون واختاره الرضي وقد مر تفصيله في سورة الأنعام وجعل المفعول اسم إشارة للتحقير وقوله والمفعول الثاني محذوف وهو ما تضمنه الاستفهام الذي أشار إليه بقوله لم كرمته عليئ، والمعنى أعلمت هذا مكزما عليه ومن جعله متعديا لواحد جعل الجملة الاستفهامية مستأنفة، وقوله والمعنى أخبرني بعني أنه إنشاء مجاز عن إنشاء آخر وهو ما ذكر لأن الرؤية أو العلم سبب للإخبار لازم
له، وقوله كلام مبتدأ أي مستأنف لا محل له وجوابه أي القسم. قوله: (لاستأصلتهم بالإغواء (أي لأهلكنهم أو لأعمنهم به جميعا وعلى الأوّل
[ ٦ / ٤٤ ]
وهو الظاهر هو إهلاك معنوفي، كما أشار إليه بقوله بالإغواء وهو من حنك الجراد الأرض إذا أهلك نباتها من الحنك وهو الفم والمنقار فهو اشتقاق من اسم عين، وقوله: جرد ما عليها أي أكله وأفناه إشارة إلى وجه تسميته جرادًا، وقيل المعنى لأسوقنهم وأقودنهم حيث شئت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، وفي كلام المصنف ﵀ إشارة إليه بقوله: لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، والمعنى لا أقدر على تسخيرهم حتى ينقادوا إلي.
قوله: (وإنما علم أنّ ذلك الخ (أي كونه متيسر له اغواؤهم حتى ذكره مؤكدًا قبل وقوعه، وقوله: مع التقرير أي مع تقرير الله لقول الملائكة إذ لم يرده عليهم بل قال: إني أعلم ما لا تعلمون وقوله: أو تفرسا أى علمه بالفراسة لما رأى فيه من القوى الشهوانية المقتضية لذلك كشهوة الطعام والجماع وشهوة الانتقام للغضب والوهم الذي يحسن له ما يحمله على اتباعه حتى يمنعه العقل عنه. قوله: (وهو طرد وتخلية الخ (يعني ليس المراد به حقيقته وهو الأمر بالذهاب ضد المجيء بل المراد به تخليته، وما أراد كما تقول لمن يخالفك افعل ما تريد وينبغي أن يحمل قوله طرد على أنه إهانة له، لأنه المقصود من التخلية لكن إن بقي على ظاهره فيه جمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند المصنف ﵀ وما سوّلته له نفسه الإغواء. قوله: (ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين (في قوله ومن تبعك على الالتفات من غيبة المظهر إلى الخطاب وهذا الوجه ذكره الزمخشري وتبعه المعربون وقال ابن هشام في تذكرته: عندي أنه فاسد لخلو الجواب أو الخبر عن الرابط لأن الضمير ليس عائدا على لفظه إنما هو مفسر بالحضور انتهى وتبعه بعض أرباب الحواشي وهذا بناء على أن ضمير الخطاب لا يكون رابطا فلا يصح زيد يقوم أبوك ولو أوّل بالغائب في الالتفات ومن لم يشعر بوجهه، قال: المعنى فإن جهنم جزاؤكم يا أتباعه حتى يحصل الربط وقد أجيب بأنه مؤوّل بتقدير فيقال لهم إن جهنم جزاؤكم ورد بأنه يخرجه من الالتفات وهو غير مسلم وفي حواشي الجاربردي يجوز أن يكون من الذهاب ضد المجيء، فمعناه كمعنى قوله اخرج منها فإنك رجيم، واعلم أن ضمير الخطاب إن سلم أنه لا يكون عائد إلا نسلم أنه إذا أريد به الغائب التفاتًا لا يربط لأنه ليس بأبعد من الربط بالاسم الظاهر، وهذا هو الذي ارتضاه الزمخشري ففيه قولان ينبغي التنبه لهما.
قوله: (من قولهم فر) كعد من وفر المتعدي ويكون لازما ومعناه كمل وكثر وقوله: بإضمار فعله أي تقديره بتجزون أو تجاوزون لأنهما بمعنى وهذا المصدر لهما فلا يقال الأظهر أن يقول المصنف تجزون وقوله: أو بما في جزاؤكم الخ يعني أنه منصوب بالمصدر لتأويله بالفعل، وفيه نظر إذ هو حال موطئة لصفتها التي هي حال في الحقيقة ولذا جاءت جامدة، كقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢] ولا حاجة لتقدير ذوي فيه حينئذ وصاحب الحال مفعول تجزون، وقيل إنه حال من الفاعل بتقدير ذوي جزاء، وقيل إنها مؤكدة لمضمون الجملة نحو هو حاتم جوادًا، وقيل إنه تمييز وقوله: واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأصل معنى الفز القطع، ويقال: للخفيف فز أيضا ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية ومن موصولة، وقيل إنها استفهامية وهو تكلف بعيد، وقوله: أن تستفزه بيان لمفعوله المقدر بقرينة ما قبله وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيرا له حتى كأنه لا معنى له. قوله: (وصح) وقيل معناه اجمع والباء زائدة كما في تقرآن بالسور، والجلبة بفتحات. قوله: (بأعوانك (يتناول جند الشياطين ومن يتبعه من أهل الفساد كما في الكشاف فلو خص بالأوّل فالظاهر أن الخيل والرجل كناية عن الأعوان والأتباع من غير ملاحظة لكون بعضهم راكبا وبعضهم ماشيا وهذا غير التمثيل الآتي لأنه في المجموع كما سيأتي بيانه، وقد يقال في تفسيره بالأعوان إشارة فا إليه فتأمل. قوله: (والخيل الخيالة (أصل معنى الخيل الأفراس ولا واحد له من لفظه، وقيل إنّ واحده خائل لاختياله في مشيه وقد يطلق على فرسانها وهو مجاز في الأصل والخيالة بفتح الخاء وتشديد الياء ركبان الخيل وأصحابها، وقوله ﷺ يا خيل الله اركبي من بليغ الكلام قاله ﷺ في بعض غزواته،
وقد استنفر أصحابه ﵃ كما وقع في الأحاديث الصحيحة من طرق. قوله: (والرجل اسم جمع للراجل الخ (لا جمع لغلبة وزنه في المفردات والراجل خلاف الفارس، وقوله: ويجوز
[ ٦ / ٤٥ ]
أن يكون تمثيلًا الخ الظاهر، أنه يريد أنه استعارة تمثيلية مركبة استعير فيه المجموع والهيئة للمجموع والهيئة، وهذا لا ينافي أن يكون في الوجه الأوّل تجوزا في المفردات كأن يراد بالصوت الوسوسة أو كناية لأنه ليس على طريق التمثيل المشهور، ومن قال إنه تمثيل من غير أن يلاحظ فيه شيء يشبه الصوت وآخر يشبه الخيل والرجل بخلافه على الوجه الأوّل فإنه لوحظ فيه ذلك لأنه لا تمثيل على الأول لم يصب والذي غزه كلام صاحب الكشف هنا وهو محل بحث، وقوله لتسلطه وفي نسخة لتسليطه بيان لذلك المجموع ووجهه ما ذكره من استئصالهم واهلاكهم أو غلبته وتسخيره لهم والمغوار بالكسر الكثير الغارة وهي الحرب والنهب، وقوله: فاستفزهم من أماكنهم أي أزعجهم. قوله: (وقرأ حفص ورجلك بالكسر) أي بكسر الجيم مع فتح الراء وهو صفة كحذر بمعنى راجل، وقوله: بالضم أي بضم الجيم مع فتح الراء أيضا وقد جاءت ألفاظ من الصفة المشبهة على فعل وفعل كسرا وضما كندس وهو الحاذق الفطن. قوله: (ومعناه وجمعك الرجل الخ) يريد توجيه القراءتين فإنه مفرد، والمناسب للمقام وما عطف عليه الجمعية فأشار إلى أنه مفرد أريد به الجمع أي وأجلب عليهم بجمعك الرجل أي الرجال والرجل مفعول جمعك لأنه مصدر، ومن العجيب أن بعضهم قال إنه مضاف إليه ولم يجعل الكاف في جمعك مانعا للإضافة لجعلها في حكم كلمة واحدة. قوله: (وقرئ ورجالك ورجالك (رجال في الأوّل ككفار جمع كافر والثاني بالكسر كنبال وكلاهما جمع
رجلان وراجل كما في الكشف، وفي بعض نسخ الكشاف رجال بالفتح والتشديد على أن أصله رجالة فحذفت تاؤه تخفيفآ، وقوله: بحملهم على كسبها الخ يعني أنّ المشاركة فيها مجاز عما ذكر وكذا ما بعده وتسميتهم عبد العزى وعبد الحرث بنسبتها إلى غير الله كأنه شركة فيها والاتكال على كرامة الآباء فإنه يعدهم بأنها تنفعهم، وقوله: اعتراض أي بين ما خاطب به الشيطان وان لم يكن بين كلامين متطالبين، ولذا قيل إنه اعتراض بياني. قوله: (وتعظيم الإضافة الخ (يعني أنّ الإضافة هنا للتعظيم فتدل عل تخصيص المضاف إليه بالمخلصين منهيم كما وقع التصريح به في الآية الأخرى ولقرينة كون الله وكيلًا لهم يحميهم عن شز الشيطان فإن من هو كذلك لا يكون إلا عبدًا مكرما مخلصا فلا يرد عليه أنه وقع هذا أي تعظيم الإضافة للكل من غير تخصيص في قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٥٣] مع أن الإضافة هناك قرينة على أنّ الإضافة ليست للتعظيم بل للترحم والتقييد في الآية الأخرى وإن وقع من الشيطان فهو مع أنّ الله تعالى قرره أدل دليل على ما ذكر لكون الخصم معترفًا بأن من حماه الله منه عبد مخلص، وقوله: قدرة تفسير لسلطان على أنه مصدر بمعنى التمكن من التسلط بالقدرة وعلى إغوائهم متعلق به. قوله: (يتوكلون عليه في الاستعاذة الخ (يعني المراد بالوكيل الملجأ إليه، وقوله هو الذي يجري إشارة إلى أن الذي خبره بكم لا صفته، وأن الخبر يزجي وأصل معناه يسوق والمراد به يجري هنا، وقوله: إلا متعة التي لا تكون عندكم قيده به لأنه الداعي إلى مثله من السفر غالبا وما تعسر من أسبابه هو سفر البحر. قوله: (ذهب عن خواطركم الخ (يعني ًاق المراد بضلالهم غيبتهم عن الفكر لا عن النظر والحس، لأنه معلوم من قولهم ضل عنه كذا إذا نسيه ولا حاجة إلى جعله من ضمل بمعنى ضاع أو غاب وإن كان أصل معناه لغة على ما حققه في الكشف، ومن إن كانت عبارة عن المدعوّين مطلقا فالاستثناء متصل وان كانت عبارة عن آلهتهم فقط فهو منقطع بقرينة قوله فلما نجاكم إلى البر أعرضتم فإنه يدل على أنهم في السزاء كانوا يدعون آلهتهم وحدها كما اختاره في الكشف، وقوله: لكشفه أي لإزالة الضر. قوله: (أو ضل كل من تعبدونه الخ (إغاثتكم إفا بالغين
المعجمة والثاء المثلثة أو بالمهملة والنون وهو ظاهر والضلال على هذا بمعنى الغيبة أو بمعنى عدم الاهتداء إلى طريق الإغاثة والدعوة بمعنى العبادة لا بمعناها الظاهر كما في الوجه الأوّل وعلى هذا الوجه الاستثناء يحتمل الاتصال والانقطاع أيضا بناء على تقييد من واطلاقه وأما ما قيل من أنه لا داعي لجعل الاستثناء منقطعا على هذا كما في الكشاف وحققه
[ ٦ / ٤٦ ]
بأنّ عبادتهم مخصوصة بآلهتهم فيقتضي ذلك كونه منقطعا لا محالة فسد لباب الاحتمال واختصاص العبادة ممنوع كيف وقد قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فهو المعبود الحقيقي عندهم فتأمّل. قوله: (عن التوحيد (هذا على الوجهين وهو على الثاني أظهر فإنه يقتضي اختصاص ما ذكر، وقوله: اتسعتم يعني أنه من العرض مقابل الطول وهو كناية عن التوغل في التوسع في كفران النعم بقرينة ما بعده، ولما كان هذا غير مشهور ذكر بيت ذي الرمّة شاهدًا عليه ومعناه أنه لتمكنه في المعالي له عطاء جم، ومكارم عريضة طويلة وهذا استعارة لأنّ الطول والعرض مخصوص بالأجسام وذكر العرض يغني عن الطول في الآية للزومه له، وقوله: كالتعليل للإعراض يعني بمعنييه لكنه على الأوّل يصح أن يكون من الكفر والكفران، وعلى الثاني من الكفران لا غير، ولم يجعله تعليلًا لإعراضهم لأنه غير مخصوص بهم وفيه لطف حيث أعرض عن خطابهم بخصوصهم وذكر أنّ جنس الإنسان مجبول على هذا فلما أعرضوا أعرض الله عنهم. قوله: (الهمزة فيه لإنكار (بمعنى أنه لا ينبغي الأمن وعطف الفاء في مثله على مقدر أحد المذهبين المشهورين فيه والمذهب الآخر أنها مقدمة من تأخير لأصالتها في الصدارة واختار المصنف ﵀ هذا لأنه لا يظهر تسبب الإنكار للأمن على ما قبله لترتبه على النجاة منه كما أشار إليه وقوله فحملكم الخ إشارة إلى أن الفاء تفيد سببيته لما قبله كما تقول: تأهب للشتاء فقد دنا وقته فهو معطوف عليه والجملة معترضة، وقوله فإنّ الخ بيان لوجه الإنكار
وتوطئة لما بعده. قوله: (أن يقلبه (تفسير للخسف، وقوله: وأنتم عليه من قوله بكم على أنها للمصاحبة والجارّ والمجرور حال أي مصحوبا بكم، وقوله: أو يقلبه بسببكم فهي متعلقة بالفعل قيل ولا يلزم من خسفه بسببهم أن يكونوا مهلكين مخسوفا بهم، كما في الأوّل وأجيب بأنّ المعنى جانب البرّ الذي أنتم فيه فيلزم من خسفه هلاكهم ولولا هذا لم يكن في التوعد به فائدة، فقوله فيكم الخ لف ونشر مرتب كذا في الدرّ المصون وفيه جانب البرّ منصوب على الظرفية، وعليه فيجوز كون الباء للتعدية بمعنى بغيبكم فيه كما فسره به في القاموس والأربعة نرسل ونعيدكم، وفنرسل وفنغرقكم، وقوله: وفي ذكر الجانب الخ لأنّ العدول عن البر الأحصر لا بد له من نكتة، وهي ما ذكر فالمراد به طرفه مما يلي البحر وهو الساحل لا ما يشمل جميع جوانبه، وقوله: كما وصلوا أي أوّل وصولهم، وهذه الكاف تسمى كاف المفاجأة والقرآن، وقوله: وان الجوانب الخ على تعميمه وكان الظاهر أو بدل الواو أي ليس جانب من جوانبه وإن بعد عن البحر مانعًا، وعاصما مما يريده والمعقل بكسر القاف الحصن أي المانع والملجأ، وقوله: ترمي بالحصباء وهي الحجارة الصغار وهو عبارة عن شدتها وذكرها إشارة إلى أنهم خافوا إهلاك الريح في البحر فقال إن شاء أهلككم بالريح في البر أيضًا وقوله يحفظكم الخ إشارة إلى أنّ الوكيل هنا الموكل بالأمور الحافظ لها، وقوله: فيه أي بركوب الفلك وليس الضمير للفلك لأنها مؤنثة. قوله: (بخلق دواعي الخ (وهو بيان لسبب العود ولا ينافي كون العود أيضا بخلقه، وفعله كما قيل إنّ الزمخشري قصده بهذا التفسير بناء على أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم فلذا خص الخلق بالدواعي فلا اعتراض على المصنف ﵀ لحمله على الصلاج، وقوله: فتركبوه أتى به لقوله فيه، وقوله: لا تمز الخ كناية عن شدتها، وقوله: بسبب إشراككم يعني أن الباء سببية وما مصدرية والكفر إمّا بمعناه المعروف أو بمعنى كفران النعمة وفي نسخة وكفرانكم بالواو والأولى أظهر في التقسيم، وقوله: مطالبا ففعيل بمعنى مفاعل أو تابعا وغريما فهو بمعنى فاعل كما ذكره أهل اللغة، وقوله يتبعنا أي يطالبنا بإنجائهم لانتصاره لهم أو لصرفنا وردنا عما أردناه والثاني قبل الإغراق والأوّل بعده. قوله: (بحسن الصورة الخ (الإشارة والخط معطوفان على النطق والتهدي تفعل من الهداية بمعنى الاهتداء معطوف على
الإفهام والتسلط على ما في الأرض كتسخير الحيوانات والأسباب العلوية كالشمس والقمر والأمطار والمسببات كالسحاب والرياج والعلوية والسفلية راجع إليهما لا لف ونشر ومما يقف الحصر
[ ٦ / ٤٧ ]
استعارة لطيفة. قوله: (ومن ذلك ما ذكره ابن عباس (﵄ قيل عليه أنه ينتقض بالقردة فإنها كذلك فلا يكون هذا كرامة ولا خاصة للإنسان وندفعه بعد القول بأنه بالنظر للأغلب بأنه لكونه من ذوات الأربع يده في حكم الرجل فلا كرامة في أكله بها والأمر في مثله سهل على طرف الأنامل. قوله: (على الدواب والسفن (فهو من حملته على كذا إذا أعطيته ما يركبه ويحمله فالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام كما في قولهم حملته إذا جعلت له ما يركبه، وحملا بفتح الحاء وسكون الميم أو المراد حملهم على البر والبحر بجعلهم قازين فيهما بواسطة أو دونها، كما في السباحة في الماء وأصل معنى الحمل فيهما واحد. قوله: (والمستثنى جنس الملاتكة عليهم الصلاة والسلام الخ (المراد بالاستثناء هنا معناه اللغوي وهو الإخراج بما يقتضيه مفهوم تخصيص الكثير بالذكر فإنه يقتضي أن غيرهم لم يفضل عليه وإلا لم يكن للتخصيص وجه والمراد به الملائكة هاهنا إما جنسهم أو الخواص منهم على المذهبين المذكورين في الأصول إذ لم يذهب أحد إلى أنهم الجن أو غيرهم. قوله: (ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس الخ (جواب لسؤال واعتراض على الزمخشري، كغيره ممن قال إق ظاهر الآية يدل على تفضيل الملك على البشر وهو مخالف للمشهور من مذهب أهل السنة فدفعه بأن تفضيل جنس على جنس آخر لا يقتضي تفضيل كل فرد منه على كل فرد من الآخر، فالمراد بالجنس في كلامه الاستغراق أي اللازم من النظم عدم تفضيل جنس البشر بمعنى: كل فرد فرد منه على جنس الملك إذ بني آدم عام وليست إضافته للعهد فكذا ضميره أو على الخواص منهم فلا ينافي ذلك تفضيل بعض أفراد البشر على كل الملك أو على بعضه على المذهبين في المسألة، ثم المسألة مختلف فيها بين أهل السنة فمنهم من ذهب إلى تفضيل الملائكة عليهم الصلاة والسلام مطلقا ونقل عن ابن عباس ﵄ واختاره الزجاج ومنهم من فصل فقال الرسل من البشر أفضل مطلقا ثم الرسل من الملائكة على من سواهم من البشر والملائكة ثم عموم الملائكة على عموم البثر وعليه أكثر الحنفية والأشعرية ومنهم من عمم تفضيل الكمل من نوع الإنسان نبيا كان أو وليا ومنهم من فضل الكروبين من الملائكة مطلقًا ثم الرسل
من البشر ثم الكمل منهم ثم عموم البشر على عموم الملائكة واليه ذهب الرازي والغزالي. قوله: (والمسألة موضع نظر (مراده ما ذكره في الكشف من أنّ هذه المسألة لا تستند إلى دليل قطعي ولا يخلو دليل من أدلتها عن الطعن، ولذا لم يضلل أحد من أصحاب الأقوال فيها ولم ينسب إلى بدعة لعدم إخلاله بتعظيم الفريقين، فمن قال معنى كونها موضعنظر أنه مختلف فيها لم يأت بشيء. قوله: (وقد أوّل الكثير بالكل (كما أنّ القليل يكون بمعنى العدم وفيه تعسف لأنه لم يرد في القرآن ولا في كلام الفصحاء بهذا المعنى وعلى تسليمه لا فائدة لذكره حينئذ كذا قيل لكن المصنف تبع في هذا الزمخشري مع أنه قيل إنه فسر الاكثر في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا﴾ بالجميع فكأنه أراد أنه تعسف هنا لأن من التبعيضية تنادي على خلافه وكونها بيانية خلاف الظاهر وإذا كان التفضيل في الغلبة والاستيلاء لا يكون دليلا على المذعي لأنّ التفضيل المختلف فيه كونهم أقرب منزلة عند الله وأكثر ثوابا. قوله: (نصب بإضمار الخ (على أنه مفعول به لأنه من الظروف المتصرّفة لا على الظرفية كما في الوجه الآتي بعده فهو يخالفه من وجهين ولم يجعله معمولًا ليظلمون المذكور مع أن التقدير خلاف الظاهر لأن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وإلا لما دل عليه يقرؤون لأنهم لا يقرؤون كتابهم حين الدعوة فلا وجه لتعلقه به ولأن نفي الظلم يومئذ أهتم من إثبات القراءة فيه إن سلم صحته، وفيه أعاريب أخر مفصلة في الدر المصون، وقوله: يدعو أي بالياء أي الله أو الملك ويدعى مجهولًا. قوله: (ويدعو على قلب الألف واوا) أي بضم الياء وفتح العين بعدها واو وهي منقولة عن الحسن ﵀ ولما كان الظاهر حينئذ يدعون بإثبات النون التي هي علامة الرفع خرجوها على وجهين، الأوّل: ما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله على قلب الألف واوا الخ يعني ليست الواو ضمير الجمع حتى يرد ما ذكر بل هي منقلبة من الألف وأصله يدعي كما في القراءة الأخرى فجيء به كذا على لغة من يقلب الألف في الآخر واوًا فيقول في أفعى وهي
[ ٦ / ٤٨ ]
الحية أفعو لكن هذه تكون في الوقف وهذه في الوصل، أما إجراء له مجرى الوقف وأما لأنها لا تختص به كما نقل عن سيبويه، والثاني: ما أشار إليه بقوله أو على أن الواو الخ يعني أن الواو ليست ضميرًا بل حرف أتى به علامة للجمع وليست فاعلا بل الفاعل كل أناس وحينئذ ليس حذف النون شاذا على حد قوله:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي ٠..
لقلة المبالاة بها كما سيأتي ولا يجوز أن يقال إنه للضرورة لوقوعه في هذه القراءة وفي الحديث لا تؤمنوا حتى تحابوا فكيف يقال إنه من ضرورة الشعر فتأمّل، ولا وجه لما أورد على
هذا من أنه إما أن يقول إنها بدل من الألف فيرجع لما قبله أو زائدة فيلزم حذت لام الفعل من غير سبب لاختيار الثاني وأنها حذفت لسبب وهو التقاء الساكنين الواو التي هي لام حذفت ضمتها للاستثقال والواو التي هي علامة الجمع، وقوله أو ضميره فهي فاعلة وكل بدل كل منه بخلافه على الأوّل. قوله: (والنون محذوفة لقلة المبالاة بها (ظاهره أنه جار على الوجهين وأن النون لما كانت علامة إعراب عوملت معاملة حركته في إظهارها تارة وتقديرها أخرى وخالف الزمخشري في جعل هذا توجيها له على كونها علامة إعراب لأن النون إنما تلزم وتكون علامة إعراب بعد ضمير الجمع لا بعد علامته فإنه لا يجب فيه ذلك ورفعه حينئذ بحركات مقدرة كما في يدعي المفرد لأنه مفرد مثله، وأما على الوجه الثاني: فحذفها مخصوص بالضرورة فلا تقل المبالاة بها هنا وقد رذه صاحب التقريب بأنها علامة رفع فيهما من غير فرق بينهما وهو الحق ومن قال إن قوله والنون محذوفة الخ على أن تكون الواو ضميرًا، وإلا فعلى كونها علامة جمع لا يقال النون محذوفة إذ الكلمة مفردة ألحقت بها علامة الجمع والرفع تقديري فهو مقدر كما في يدعي والنون غير مقدرة إذ لا موجب للحذف هنا كما في البيت السابق الذي حذفت فيه النون ضرورة فقد خبط خبطا عجيبا، ومن أمثلة كونها علامة يتعاقبون فيكم ملائكة ورفعه بالنون بلا خلاف ومنه تعلم أن الإعراب بالحروف يكون ملفوظًا ومقدرًا، فلا حاجة إلى تصويره بمسلميئ الجمع المضاف للياء. قوله: (من نبتي الخ (يعني المراد كل متبع عاقلا أو لا، وعلى الوجه الآخر المراد به كتاب الأعمال فقط، وقوله التي قدموها صفة أعمالهم توجيه لإطلاق الإمام عليه، وقوله تنقطع علقة الأنساب الخ يعني على هذا التفسير وما قبله لأنه لا يدعي بابن فلان وإنما ينادي يا صاحب هذا الكتاب الفلاني أو الدين الفلاني أو أتباع فلان. قوله: (بالقوي (كالعصب والعصبية فيقال: يا أصحاب العصبية والجاهلية ولأتباعهم لها جعلت إمامًا ولا يخفى بعده ولذا مرضه. قوله: (وقيل بأمّهاتهم جمع أمّ الخ (ضعفه لأن المعروف في جمع أم أقهات ولما في تعليله من الدخل مع ما فيه كما ستراه، وقوله: والحكمة في ذلك أي في النداء بالأمّهات نحو يا ابن فلانة أما تعظيم المسيح ﷺ للإشارة بأنه لا أب له وأنه روج الله ولو نودي الناس بآبائهم ونودي بأمه لربما يشعر ذلك بنقص وكذا تعظيم الحسن والحسين رضي
الله عنهما ببيان نسبهما من رسول الله ﷺ ولو نسبا إلى أبيهما لم يفهم هذا لا لأن أتهما ﵂ أفضل من عليّ ﵁ أو سترا على خلقه حتى لا يفتضح أولاد الزنا فإنه لو نودي الناس بآبائهم ونودوا هم بأمّهاتهم علم أنهم لا نسبة لهم إلى آباء يدعون بهم وفيه تشهير لهم ولو نودوا بآباء لم يعرفوا بهم في الدنيا ولم ينسبوا لهم شرعا كان كذلك، فما قيل إنّ رعاية حق عيسى ﵊ في امتيازه بالدعاء بالأم كرامة له ﵊ لا غض فيه ليجبر بجعل الناس أسوة له في الانتساب إلى الأمّهات وإظهار شرت السبطين ﵄ بدون ذلك أتم، فإن أباهما خير من أمّهما ﵄ مع أنّ أهل العباء كالحلقة المفرغة، وأما أولاد الزنا فلا فضيحة إلا لأنهاتهم وهي حاصلة دير غيرهم أو لم يدع مع أنهم لا ذنب لهم يترتب عليه الافتضاح ظاهر السقوط بما قرّرناه، وقوله: كالحلقة المفرغة جواب تسليمي، أي عليئ ﵁ لكونه أحد الخلفاء الأربعة الذين ظاهر كلام أهل السنة أنهم أفضل من غيرهم من الصحابة مطلقا أفضل ولو سلم فلكل منهما أفضلية وشرف من جهة، ككون فاطمة ﵂ بضعة من
[ ٦ / ٤٩ ]
أشرف الأنبياء ﷺ وعليّ ﵁ هو ما هو في صفات الكمال واعتبار أحد الجهتين لا ينافي اعتبار الأخرى فلا يرد عليه أنّ بين كلاميه تنافيًا وكيف يتوهم أنه يريد تساوي أهل الكساء من كل وجه وفيهم النبيّ ﷺ، وقوله: أدنى شيء تفسير لفتيلًا فإنه ما في شق النواة وهو حقير جذًا.
قوله: (وتعليق القراءة الخ (يعني بقوله: ما يحبس ألسنتهم عن القراءة القراءة الكاملة بالإفصاج كما في الكشاف للتصريح بقراءتهم في غير هذه الآية، وهذا يؤخذ من مفهوم الشرط، وقوله: ولذلك لم يذكرهم أي بوصف القراءة، وقوله: مشعر بذلك أي بكون قراءتهم كالعدم لأنّ الأعمى لا يقرأ وإنما جعله مشعرًا لأنه من عمي البصيرة لكنه لكونه مستعارا من عمي البصر أشعر به. قوله: (والمعنى ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب الخ (يعني أن العمي هنا من عمي البصيرة فقوله: لا يبصر رشده بمعنى ليس له بصيرة تهديه إلى ما يرشده لفقد النظر الصواب، وقوله: لا يرى طريق النجاة يريد أنه استعارة لعدم النجاة لأنه لا طريق له إليها حتى يراء إذ طريقها الإيمان والعمل وهما لا يفيدان يوم القيامة فرأى في كلامه بصرية على الاستعارة وقيل إنها قلبية والمراد نفي النجاة إذ لا طريق لها بعده أو المراد نفي إدراك ما هو طريق النجاة لو كان في الدنيا أي الإيمان وهو المناسب لما سيأتي فتأمّل، وقوله: منه في الدنيا
يعني أنه مفضل على نفسه باعتبارين، وقوله: لزوال الاستعداد أي استعداده لعمل ما ينجيه وفقدان الآلة كأن المراد بها العمل لأنه لا يمكنه والمهلة معطوفة على الآلة وهي ظاهرة. قوله: (وقيل لأنّ الاهتداء بعد) أي بعد الدنيا لا ينفعه، يعني أق الأعمى فاقد حاسة البصر استعير في الأوّل لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة في الدنيا لفقدان النظر أي الفكر وفي الثاني لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة في الآخرة لعدم انتفاعه بها فيها، وهذا ما في الكشاف وقد فسره المصنف ﵀ بأنه لا طريق له إلى النجاة كما مرّ، وقوله: والأعمى مستعار من فاقد الحاسة يعني على المسلكين إذ الخلاف إنما هو في المراد منه، فتأئل. قوله: (وقيل الثاني للتفضيل (بناء على أق العمى كما يكون للبصر يكون للبصيرة وعلى الثاني، فهو من العيوب الباطنة التي يجوز أن يصاغ منها كالأحمق والأبله فإن كان حقيقة فيهما فلا إشكال، وان كان مجازًا فيجوز إلحاقه بما وضع لذلك وقد منعه بعضهم لأن العلة فيه وهي الإلباس بالوصف موجودة فيه، وقوله ولذلك أي لكونه أفعل تفضيل غير معرف باللام ولا مضافا وهو لا يستعمل بدون من الجارّة للمفضل عليه ملفوظة، أو مقدرة وهو معها في حكم الكلمة الواحدة فتكون ألفه كأنها في وسط الكلمة كألف أعمال والألف المتوسطة لا يحسن ويكثر إمالتها، كالمتطرفة فلذا أمال بعض القراء إحداهما دون الأخرى وبهذا صرح أبو عليئ ﵀ في الحجة، وهذا الكلام مأخوذ منه فلا يرد عليه إمالة أدنى من ذلك والكافرين وقراءة بعض القراء بإمالتها حتى يقال: إنّ من أمالهما لا يراه اسم تفضيل أو هو للمشاكلة مع أنه لا يحسم مادة السؤال فإنه إذا أميل مع من وفي الوسط الحقيقيّ لا يتأتى ما قالوه هنا، والجواب أنه لما ذكر ما يحسن إمالته مقارنا لما لا يحسن حسن عدم الإمالة للفرق بينهما فلا يرد عليه ما ذكر فتدبر، وقوله: معرضة للإمالة أي صالحة لها وقوله: من حيث إنها تصيرياء في التثنية يعني وافعل من لا يثني ولا يجمع كما تقرر في النحو والإمالة تقرب من الياء، وقوله: بين بين بالتركيب أي بين الألف والياء. قوله: (نزلت في ثقيف (اسم قبيلة معروفة. وقوله: لا ندخل في أمرك أي لا نسلم،
وقوله: لا نعشر مجهول من التعشير وهو أخذ العشر لأنّ زكاة المعشرات كانت بالمدينة كما في الكشف، وقيل: المراد لا تؤخذ صدقة أموالنا على التغليب، وقوله: نحشر مجهول أيضًا أي لا ١ فبعث ونساق إلى غزاة وجهاد ونجبي بضم النون وفتح الجيم وكسر الباء الموحدة والياء آخر الحروف من التجبية وهي وضع اليدين على الركبتين أو على. الأرض أو انكباب على الوجه فهي كناية عن الرجوع أو السجود والمراد لا نصلي لكن إن ثبت أنّ النبيّ ﷺ قال لهم لا خبر في صلاة ليس فيها ركوع فالمراد الأوّل، وكذا قول المصنف ﵀ في صلاتنا يقتضي أنّ الأخير غير مراد فمن خمسره به لم يصب، وقوله: موضوع عنا أي مرفوع عنا فلا يؤخذ منا، وقيل: معنى كل
[ ٦ / ٥٠ ]
ربا لنا أي كمال الغنيمة وكل ربا علينا أي ما يؤخذ من الواجبات وغيره ولا وجه له، وقوله: وان تمتعنا الخ أي تترك ذلك الصنم لنا ولا تبطله، قالوا: حتى نأخذ ما يقرب لها، وواديهم واد بالطائف ويسمى وجا، وقال العراقي: هذا الحديث لم نجده في كتبه، والثعلبيّ رواه عن ابن عباس زضيا قه عنهما من غير سند وفيه زيادة في الكشاف، واستلام الحجر تقبيله وفي كونه سببًا للنزول ما جقتضمي أنه أبدى لهم لينا ليؤففهم وهذا بالوضع أشبه،. وقرله: الفارقة أي بين المخففة وغيرها كما بين في النحو، وقوله: إنّ الشأن إشارة إلى أن اسمها ضمير شأن مقدر، وقوله: قاربوا حعنى كادوا، وقوله: بمبالغتهم من أن والتأكيد باللام، وقوله: بالاستنزال إشارة إلى أنه مضمن معنى- هذا ليتعدى بجن، وقوله: غير ما أوحينا إليك مما مرّ ذكره. قوله: (بريئًا من ولايتي) يعني أنه يكون بينه وبينهم مخالة ومخالة عدوّ الله تقتضي عدم مخالفته كما قيل:
إذا صافى خليلك من تعادي فقد عاداك وانفصل الكلام
لا أن في النظم ما يدل على الحصر، وقوله: تثبيتنا إشارة إلى أن أق مصدرية، وقوله:
إن تميل تفسير للركون وأصل معناه الميل إلى الركن، وقوله: وهو صريح في أنه ﵊ ما همّ أي قصد وعزم لا أنه همّ فمنعه نزول هذه الآية كما قيل، وقوله: ودليل على أن
العصمة أي عصمة نبينا ﷺ على أنّ التعريف للعهد أو عصمة كل أحد لأنه يعلم منه بالطريق الأولى، وقوله: لو قاربت قدره لأن إذا حرف جواب وجزاء فيقدر شرط دل عليه ما قبله. قوله: (أي عذاب الدنيا (ففي الكلام مضاف مقدر وقد كان موصوفا وعذاب الآخرة يتناول عذاب القبر لأنه دهليز الآخرة وقد عدوه منها، ويعذب مجهول وغيرك نائب فاعله، وقوله: لأنّ خطأ الخ إشارة إلى وجه التضعيف والتعبير بالخطأ حسن جدا، وكونه عذاب غيره على الفرض، وفيه تنزيه واجلال لقدره فإنّ مثل الركون والهئم موضوع عنا ما لم يقارنه غيره فإذا ضوعف جزاؤه ووعيده عليه علم نزاهته عنه. قوله: (وكان أصل الكلام ايخ) والإضافة فيه على معنى في ويقدر حينئذ ضعف عذاب الحياة ولو قدر ابتداء هكذا، كان أسهل وتكون الإضافة لامية ولا داعي لهذه الاعتبارات، والقرينة على تقدير العذاب هنا قوله: أذف ك، وقوله: وقيل الضعف من أسماء العذاب هذا القائل عني أنه عبر به عنه لكثرة وصف العذاب به كقوله: عذابًا ضعفا من النار وقوله وقيل المراد الخ يعني أنهم في الآخرة لا يموتون فلهم فيها حياة مضاعفة وموتهم في القبور أضعاف موتهم قبله، وقوله: يدفع العذاب الدفع أسهل من الرفع فلا يجد من يرفعه بطريق الأولى. قوله: (أرض مكة ليخرجوك الخ (قيل عليه كاد للمقاربة لا للحصول وقد حصل الخروج كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [سورة محمد، الآية: ١٣] وأجيب بأنهم إنما هفوا بإخراجه ﷺ ولم يخرجوه كما في حديث دار الندوة ولكنه ﷺ خرج بنفسه مهاجرًا إلى ربه بأمره والإخراج المذكور في الآية مجاز عن إرادته وتسببه ولذا قال المصنف ﵀: ولو خرجت ولم يقل أخرجت ولو بمعنى أن فيه أو الآية نزلت قبل إخراجه وقد قرب ذلك لأنها مكية والقول بأنها مدنية غير مرضي وان ذهب إليه بعضهم كما يدل عليه إذا والسباق، وقيل الأرض أرض العرب وعليه فلا إشكال. قوله: (إلا زمانًا قليلاَ) يجوز أن يكون التقدير إلا لبثا قليلًا لكنه اختاره لأنّ التوسع بإقامة الوصف مقام الموصوف بالظرف انسب والمراد بعدم لبثهم إهلاكهم سواء كان بالاستئصال أولًا وعلى تفسير
الأرض بأرض العرب المراد به الاستئصال وأشار إلى أن المراد به ذلك بقوله: وقد كان ذلك الخ وقوله: وقيل إنّ المراد بالأرض أرض المدينة، وقوله: ثم قتل الخ بيان لعدم اللبث على هذا التفسير، وقوله: بقليل يكفي في التراخي المدلول عليه بثتم أو هو تراخ في الأخبار. قوله: (وقرئ لا يلبثوا منصوبا (شرط عمل إذن النصب استقبال ما بعدها وكونها في أوّل جملة، كما ذكره النحاة فلهذا وفقوا بين القراءتين بأنها على الأولى معطوفة على قوله: يستفزونك وهو خبر كاد فتكون متوسطة في الكلام لكون الجملة الداخلة عليها خبر كاد، وعلى الثانية: هي معطوفة على جملة وان كادوا فلا يكون
[ ٦ / ٥١ ]
كذلك فتعمل ولا يخرجها العطف عن ذلك، وإليه أشار بقوله فإن إذا الخ، وما بعدها فاعل معتمدا لكونه معتمدًا، وقوله: وهو لغة فيه أي في خلف المقابل لقدام لا مصدر خالف خلافا. قوله: (عفت الديار الخ) يصف دروس ديار الأحباب بعدهم فخلافهم فيه بمعنى بعدهم وخلفهم، وعفت بمعنى درست وخربت، وبسط بمعنى مد وفرش، والشواطب جمع شاطبة وهي التي تشطب خوص النخل وتشقه لتنسج منه حصيرًا يعني أنها غير مكنوسة، والحصير ما يبسط على الأرض مما عمل من الخوص ونحوه. قوله: (نصب على المصدرا لفعل مقدر وقيل إنه منصوب على نزع الخافض أي كسنة فلا يوقف على قوله: قليلا، كما في الدر المصون فالمراد تشبيه حاله بحال من قبله لا تشبيه الفرد بفرد من ذلك النوع، والمعنى على هذا وعلى ما قبله أن هذا ليس ببدع بل سنة جرت قبلك. قوله: (فالسنة لله) يعني أنه لم يضف إلى من سنه كما هو المشهور في مثله فأضيف إلى من سن لهم إضافة اختصاصية بدليل ما بعده كما أشار إليه بقوله، ويدل عليه أي على أن السنة دلّه. قوله: الزوالها (تفسير للدلوك لغة وقدمه لأنه الأشهر وللتصريح به في الحديث المذكور الذي رواه البيهقيئ، وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقوله: وقيل لغروبها إشارة إلى القول الآخر في
معنى الدلوك، وقوله: وأصل التركيب أي المادّة المركبة من دلك يدلّ على معنى الانتقال لوجوده في جميع معانيها ففي الزوال انتقال من وسط السماء إلى ما يليه، وفي الغروب انتقال مما يقابل الأرض إلى ما تحته وفي الدلك المعروف انتقال اليد من محل إلى آخر بل ما كان أوّله دال ولام بقطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل، والانتقال فيه من مكان إلى آخر، أو من قولهم دلج بالدلو إذا مشى بها من رأس البئر للصمث، ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشيًا متثاقلا، ودلع بالعين المهملة إذا أخرج لسانه ويكون متعذيا ولازمًا، ودلف بالفاء إذا مشى مشي المقيد أو بالقاف لإخراج المائع من مقرّه، ودله إذا ذهب عقله ففيه انتقال معنوي، وقوله: وقيل الدلوك من الدلك بمعناه المعروف فيه فهو مصدر مزيد مأخوذ من المصدر المجرد لأنه الأصل، كما قالوه في الطهارة وسموه اشتقاقا وبه صزج الزمخشري فمن قال: إن هذا يدل على أن الدلوك ليس بمصدر لم يصب، وتعليله بأن المصدر لا يشتق غفلة عن هذه القاعدة المقرّرة عندهم، وهذا على القول بأنه الزوال لكن يكون دلوك الشمس تجوزًا في نسبة الإضافة عن دلوك ناظرها بحسب الأصل، ومن قال إنه ليس بمشتق منه لأن الأوّل مصدر دلكت الشمس دلوكا بأحد معانيه والثاني مصدر دلكه دلكا إذا غمزه ووعكه لم يأت بشيء. قوله: (واللام للتأقيت الخ) أي لبيان الوقت بمعنى بعد وتكون بمعنى عند أيضًا وقيل إنها للتعليل، لأن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، وقوله: ليدفع شعاعها أي ليدفع ما يلحق العين من شعاعها، وقوله لثلاث إشارة إلى أنه شاع استعمالها في التاريخ، كما بين في النحو وقوله إلى ظلمته بيان لمعنى الغسق وهو الظلمة وقال ابن شميل هو دخول أوّل الليل. قوله: (وصلاة الصبح (عطف تفسيرفي وفي نسخة، وهو صلاة الصبح وهما بمعنى، وقوله سميت قرآنا يعني أنه من تسمية الكل باسم جزئه لأنه ركنها فيدل على وجوب القراءة فيها صريحا وفي غيرها بدلالة النص والقياس، وقوله ولا دليل الخ رد على من استدلّ بها من الحنفية، كما في الكشاف على وجوب القراءة فيها بأنه يجوز أن يكون التجوّز به لوقوعه فيها على سبيل الندب كما سميت تسبيحا، وهو ليس مما يجب فيها ورد بأنّ العلاقة المذكورة علاقة الجزئية والكلية بدليل ما نظر به من الركوع والسجود فجعله ركنا كنظائره وجيه مع أن
الندبية لا تصلح علاقة معتبرة إلا بتكلف، والتسبيح ليس بمعنى قول سبحان الله بل بمعنى التنزيه البليغ الحاصل بقراءة الفاتحة بل بالتكبير الواجب بالاتفاق وبالفعل الشامل لجميع الأركان، وأورد عليه أنّ قراءة الفاتحة والتكبير ليسا بركنين عند مخالف المصنف والوجوب لا يستلزم الركنية فلا يدفع النقض والتسبيح فعلًا أمر مبهم لا بد من بيانه حتى يتكلم عليه (اقول (ما ذكره المصنف ﵀ ليس انتصار المذهب الشافعي حتى يرد عليه بما ذكر، وكذا ما وقع في الكشاف فإنه رد
[ ٦ / ٥٢ ]
على ابن علية والأصم القائلين بندبية القراءة والاكتفاء بما ذكر من العلاقة لا تكلف فيه لأنه من الصلاة الكاملة فهو كنظائره بلا ضرر ولا ضير، ومذهبهما في التكبير غير معلوم فدعوى الاتفاق غير مسلمة منه ولو كان كما ذكره لكان الوجوب كافيًا في علاقة أخرى وهي اللزوم، وأمّا التنزيه الفعليّ في الصلاة كلها لأنها عبادة وهي عبارة عن التعظيم، والتنزيه فليس بأمر مبهم بل هو أظهر من الشمس نعم هو أمر معنوي لا يظهر عذه ركنًا، ومن رذه بأن القراءة والتكبيرة من أركان الصلاة عند الشافعي ﵀ كما في الهداية فكيف لا يدفع النقض فقد شرحه بما لا يوافق المشروح فتدبر. قوله: (نعم لو فسر الخ (يعني أنها إذا جعلت مجازًا عن الصلاة دل على وجوبها للأجمر بها لا على القراءة ووجوبها وإن كان علاقة التجوّز وقوعها فيها أما إذا أبقى على حقيقته دل على ما ذكر وهو الذي اختاره الإمام وفي أحكام الجصاص تقديره أقم قرآن الفجر وفيه دلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن الأمر للوجوب ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة، فإن قيل معناه صلوا الفجر قيل له هذا غلط من وجهين، أحدهما: أنه صرف عن الحقيقة بغير دليل، والثاني: أن قوله ومن الليل فتهجد به نافلة لك يأباه فإنه لا معنى للتهجد بصلاة الفجر اهـ، وما قال إنه غلط لا وجه له لأن الدليل قائم وهو قوله: أقم لاشتهار أقم الصلاة دون أقم القراءة، وضمير به راجع إلى القرآن بمعناه الحقيقي استخداما فتدبره. قوله: (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (أي الكتبة والحفظة لنزول ملائكة النهار في ذلك الوقت وبعده تصعد ملائكة النهار فتلتقي الطائفتان في وقتي الصبح والعصر كما في الكشاف وغيره. قوله: (أو شواهد القدرة) أي تشهد وتحضر فيه شواهد وأدلة على قدرته تعالى، وقوله بالانتباه أي الذي هو أخو الحياة، وقوله أو من حقه لو قال إذ من حقه لكان أظهر. قوله: (والآية جامعة للصلوات الخ (بدخول الغاية تحت المغيا المبين بالسنة، وفعل الرسول ل ﷺ لأنها تدل على أن فيه أوقات صلوات إجمالًا بينها الله بوحي آخر، وغسق الليل ممتدّ إلى الفجر لا أن كل وقت منه وقت صلاة إذ لا صلاة في وقت الكراهة، كما بعد
العصر فلا يقال إنّ هذا لا يجري على مذهب المصنف ﵀ لأن بين المغرب والعشاء وقتا مهملًا على أحد قولين وليست الآية حجة عليه كما قيل، وقوله: ولصلاة الليل وحدها هذا مبنيّ على أن مبدأ النهار طلوع الشمس كما هو في العرف ومصطلح المنجمين، وأهل الشرع على أنّ مبدأه الفجر الصادق وقد ورد بهذا المعنى في حديث صلاة النهار عجماء أي سرية فإنه أدخل الفجر في الليل فليس مجرّد اصطلاج كما توهم والحاصل أنّ الظهر والعصر يخرص ن على هذا فلا يرد عليه شيء. قوله: (وقيل المراد بالصلاة (في قوله أقم الصلاة صلاة المغرب وحدها فيكون في الآية صلاتان، وقوله: بيان لمبدأ الوقت ومنتهاه، فالغاية خارجة على هذا القول الضعيف عنده لأنّ بينهما وقتا مهملًا على القول الجديد عند الشافعي وهو ما قاله بعد خروجه من بغداد فلا تنافي بين كلاميه كما توهم، وقوله: على أنّ الوقت أي وقت المغرب على هذا التفسير وعلى غيرهـ لا يمتد كما مرّ، وهو مذهب الحنفية في الامتداد. قوله: (وبعض الليل «إشارة إلى أن من تبعيضية وأنه لا يستغرق الليل به كما في الحديث لبدنك عليك حق وقوله فاترك الهجود بيان لأن الهجود بالضم أصل معناه النوم والتفعل للسلب كتأثم بمعنى ترك الإثم ومعناه صل ليلًا ولذا فسره ابن فارس به، وقوله: والضمير للقرآن أي استخداما أو هو على ظاهره كما مرّ وقيل الهجود من الأضداد يكون بمعنى اليقظة والنوم وان تهجد يكون بمعنى صل في الليل حقيقة ومن الليل في محل نصب، والفاء عاطفة على مقدر أي قم فتهجد أو هو على نسق واياي فارهبون فهي مفسرة. قوله: (فريضه (فهي بمعناها اللغوي وهي زائدة، ولذا سميت النافلة نافلة لزيادتها على الفرض وهذا بناء على أن قيام الليل كان واجبا عليه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ النبيّ ﷺ خاصة أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمّته لكن صحح النووي أنه نسخ عنه فرضية التهجد ونقله أبو حامد من
الشافعية وقال إنه الصحيح، وفي مسلم ما يدل عليه أو المراد بالنافلة الفضيلة إمّا لأنه فضل على
[ ٦ / ٥٣ ]
أمّته بوجوبها عليه ليزداد ثوابا أو هو فضيلة له لا مكفرة لذنوبه لكونه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما فصل في شروح البخاري. قوله: (يحمده القائم فيه) أي الموجود في ذلك المقام وهو كل من بالمحشر وقوله: وهو أي المقام المحمود معناه المتبادر منه ما ذكر لكن المشهور أنه مقام الشفاعة مطلقا، وهو كما في شرح الكرماني مقام يحمده فيه الأوّلون والآخرون حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه ئ ﷺ وهو مقام الشفاعة العظمى حيث اعترف الجميع بعجزهم، وقيل له اشفع تشفع فيشفع لجميع الخلائق في تخليصهم من هول الموقف وهذه هي الشفاعة العامّة، ثم يشفع بعد ذلك لعصاة أمّته والشفاعتان كلاهما في موقف الحشر فلا منافاة بين ما في الحديث من الشفاعة لأمّته ﷺ في الذنوب والشفاعة لجميع أهل الموقف من الخلاص من هوله ودهشة الانتظار، فلا يرد على ما في الحديث أنّ ظاهره أنّ المراد به مقام الشفاعة الخاصة بأمّته والمشهور أنه مقام الشفاعة العامّة لأهل المحشر وبه يجمع بين الروايتين فإن كلا منهما ورد في حديث صحيح، وقوله: سابقا وكل من عرفه لدخوله في الشفاعة الأولى فلا وجه لما قيل إنّ ذلك ليس لوصول نفعه إليهم بل لاستحقاقه لذلك. قوله: (ولإشعاره بأن الناس يحمدونه الخ (وجه الإشعار أنّ مقامه محل قيامه في الأصل ثم شاع في
مطلق المحل وحمد المقام من حيث هو مقاه م يقتضي أن يكم ن ذلك القيام مقاما محمودًا أيضا، ولا معنى لكونه قيامًا عظيما بعد البعث إلا كونه للشفاعة إذ أيتصوّر كونه للعبادة ولا للخطابة إذ لا يكون مثله بعد البعث ومجرّد القيام لا يحمد ولذانسر- به في الأحاديث، وعبر عف بالإشعار لخفائه ودفته فلا وجه لما قيل إنه لا مانع في ظالر اللفظ من إرادة مقامه في الجنة مثلا فوجه الإشعار غير واضح إلا على مذهحب من يقول إن الحمد قد يكون في مقابلة الأنعام وليس المصنف ﵀ منهم كما مرّ مع أنّ ما ذكره بعيد عن البعث ولا يناسب عسى فإنه محقق وان كانت عسى من الله إيجابًا لأنّ الكئريم لا يطمع فيها لا يفعل كما صرّج به المفسرون وقد حاول بعضهم دفعه بما لا طائل تحته. قتوله: (وانتصابه إلى الظرف الني) إشارة إلى دفع ما يقال إنّ النحاة ذكروا أنّ اسم المكان الذي عدلى مفعل ونحو لا ينتصب مطلقا إلا المبهم منه، وأمّا ما كان محلا للحدث المشتق كمقعد ومعكان، فلا يجوزفيه ذلك إلا إذا كان العامل فيه من لفظه نحو جلست مجلس زيد، ولا يجوز أكلت مجلس! بد إلا على خلاف القياس خلافًا للكسائي فلذا أضمر له فعلًا من لفظه، وجوّ ز أن يكون ناصمه يبعثك لتضمنه معنى فعله وهذا بناء على أن التضمين ليس بتقدير ليغاير ما قبله وقوله معط إ، أي يقيمك أو نصبه ليس على الظرفية حتى يرد ما ذكر فهو إمّا حال بتقديرر مضاف كما ذلره المصنف أو مفعول به ليبعثك لكونه مضمنًا معنى يعطيك، وقوله: أو الحا ال معطوف على قوله على الظرف. قوله: (أي في القبر) حمله عليه بقرينة ذكره بعد البعث، أوقوله: مرضهيا أي مبرا مما لا يرضى عند الله من السيئات تفسير لصدق لأنه نظ! ير رجل صد- ق أي رجل ط رق بمعنى جيد مرضي والإضافة لأجل المبالغة نحو حاتم الجود أي يستحق أن يقال فيه أنه إدخال مرضيئ لا يرى فيه ما يكره لأنه في مقابلة مدخل سوء، قال الفاضل اليمبني الصدق من و! ف العقلاء فإذا وصف به غيرهم كان دالًا على أنه مرضيّ وقوله عند البعث بقنرينة ذكره عقبه اوقوله: ملقى بالكرامة أي بإكرام الله والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وقوله ا: وقيل المراد إرخال المدينة الخ ويدل عليه قوله وان كادوا ليستفزونك الآية وهذا يدل على أنهها مكية وقوله: وقيل إدخاله مكة، وهذا يدل على أنها مدنية وفي الكشاف أنها نزلت في يوم الفمتح قال في الكشف أنه يدل على أن بعض السورة نزل بعد الهجرة وقد ذكر في قوله وإذا لا يلبثمثون وجها يدل كللى أن الأرضى أرض المدينة وهو يدل بظاهره على أنّ بعضها مدني وإن كان مررجوحًا. قوله: (وقيل إدخاله فيما حمله من أعباء
الرسالة) جمع عبء كحمل وأحمال، وزنا ومعنى وآخره مهموز وهو استعارة أو من قبيل لجين الماء، وضمير منه وحقه لما الموصولة، وقوله إدخاله في كل ما يلابسه في الكشف أنه الوجه الموافق لظاهر اللفظ المطابق لمقتضى النظم وسابقه ولاحقه لا يختص بمكان، وكفاك قوله واجعل لي من لدنك
[ ٦ / ٥٤ ]
سلطانا نصيرا شاهد صدق على إيثاره، وقوله: وقرئ الخ هي قراءة شاذة، وقوله: فأدخل فأخرج قدر فعلا ثلاثيا ليناسب مخرجا سواء أكان مصدرًا أم اسم مكان، وقيل إنه يحتمل أن يكون على حذف الزوائد على حد قوله أنبتكم من الأرض نباتًا، وفيه نظر. قوله: (ملكًا بصيئة المصدر) أي قهرًا وعزًا كما في الكشاف، وقوله: فاستجاب له أي
هذه الدعوة، لأن قوله اجعل لي جملة دعائية فلا حاجة إلى جعل الفاء فصيحة بتقدير فأمره الله بالدعاء فدعا فاستجاب، ولم يذكر ما في الكشاف من قوله: والله يعصمك من الناس لعدم مناسبته للنصرة ظاهرًا. قوله: (﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ﴾) قيل إنه يحتمل أن يكون من مقول القول الأوّل لما فيه من الدلالة على الاستجابة ولا يخفى بعده وفسر الحق بالإسلام وقريب منه تفسير الحق بعبادة الله والباطل بعبادة الأصنام، وقوله: وهلك أي فني واضمحل والشرك مطلق الكفر لاستعماله بهذا المعنى أو بمعناه المشهور لكون هؤلاء كذلك، وقوله: من زهق روحه يعني أنه استعارة منه، وقوله: غير ثابت الآن وفيما بعد أو مطلقا لكونه كأن لم يكن. قوله: (عن ابن مسعود ﵁ الخ) وقع في الكشاف مع زيادة فيه، وقال ابن حجر: إنه لم يجده بلفظه وذكر ما يقرب مما رواه المصنف ﵀ عن علي ﵁ ونقله عن النسائي والحاكم وقوله: دخل مكة يوم الخ في الكشاف ولما نزلت هذه الآية وقال ابن حجر أنه لم
يجده فلذا تركه المصنف ﵀، وقوله: ينكت بالتاء المثناة الفوقية أي يدس والمحضرة بكسر الميم والخاء المعجمة والصاد والراء المهملتين عصا ونحوها سميت بها لأنها قد توضمع تحت الخاصرة، وقوله: فينكبّ أي يسقط والضمير لواحد الأصنام، وقوله: وبقي الخ لأنه لم تصل إليه العصا لارتفاعه، وقوله: وكان من صفر في الكشاف من قوارير صفر، والصفر على ما هنا النحاس وخزاعة قبيلة معروفة، وقوله: فصعد أي عليّ ﵁ ولم يقل كما في الكشاف أنه صعد على النبيّ ﷺ تأدبًا وفي مسند ابن حنبل عن عليّ ﵁ قال: كان على الكعبة أصنام فذهبت لأحمل النبيّ ﷺ فلم أستطع فحملني فجعلت أطعنها ولو شئت لنلت السماء ة وفيه معجزة له ﷺ إذا وقعت مع تمكنها بمجرّد نخسه، ولذا قالوا انظروا سحر محمد. قوله: (ما هو في تقديم دينهم الخ) فالشفاء استعارة تصريحية أو تخييلية بتشبيه الكفر بالمرض وقيل إنه تشبيه لذكر الطرفين وفيه نظر ظاهر. قوله: (ومن للبيان) بناء على جواز تقدم البيان على المبين وهو ما فلا يسمع ردّ أبي حيان له وعلى هذا يكون القرآن كله شفاء. قوله: (إنه) أي من وذكره باعتبار أنه حرف، ويجوز تأنيثه باعتبار الكلمة وحمل الشفاء على معناه لا يناسب على المعنى الأول إذ كله شاف كما مرّ تقريره وفي شرح الكشاف أنه يجوز أن يكون بالمعنى الأوّل، والمراد تنزل ما هو شفاء منه أي ندرج نزوله شيئًا فشيئا وليس المراد أن منه ما هو شفاء وما ليس بشفاء والمنزل الأوّل، وإنما المعنى أن ما لم ينزل بعد ليس شفاء لعدم الاطلاع عليه وما نزل شفاء لداء خاص فانزل كله دواء كفوًا لكل داء فالمراد بالشفاء ما هو شفاء بالفعل ولبعده عدل عنه المصنف ﵀ لما ذكره. قوله: (وآيات الشفاء) هي ست، ولشف صدور قوم مؤمنين، وشفاء لما في الصدور فيه شفاء للناس، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، وإذا مرضحت فهو يشفين، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، قال السبكي: وقد جرّبت كثيرا وعن القشيريّ أنه مرض له ولد يئس من حياته فرأى الله في منامه فشكا له
ذلك فقال له: اجمع آيات الشفاء واترأها عليه أو اكتبها في إناء واسقه فيه ما محيت به ففعل فشفاه الله والأطباء معترفون بأن من الأمور والرقي ما يشفى بخاصة روحانية كما فصله الأندلسي في مفرداته، ومن ينكره لا يعبا به، وقوله لتكذيبهم وكفرهم به فيزيد الخسار بزيادة أسبابه. قوله: (لوى عطفه الخ) أصل معنى نأى بعد من النأي فمعنى بعده بجانبه أما صرفه عما يقابله لأنه يبعده عن جانب إلى آخر، أو المراد بجانبه نفسه، كما يقال: جاء من جانب فلان كذا أي منه، وهو كناية أيضًا كما يعبر بالمقام والمجلس عن صاحبه وتبعيد نفسه عن الله أو ذكره عبارة عزم نسيانه مجازا ومستبدّ بمعنى مستقل لا يحتاج إلى ربه، وقوله: ويجوز الخ، هو في الأوّل أيضًا كناية لكن عن الترك ويجوز
[ ٦ / ٥٥ ]
أن يكون مجازًا عنه، وقوله على القلب: أي قلب العين إلى محل اللام أو هو بمعنى نهض أي أسرع بتقدير مضاف أي أسرع بصرف جانبه، ومعنى الجانب على ما مرّ أو معناه تثاقل عن أداء الشكر وفي الكشاف أنّ قوله: ونأى بجانبه تأكيد للأعراض، فاورد عليه أنه ينبغي ترك العاطف لكمال الاتصال إلا أن يراد أنه كالتأكيد أو هو تفسير كما قيل، وإذا كان بمعنى الاستكبار لا يكون تأكيدا، ولا يخفى أن قوله ونأى بجانبه لكونه تصويرًا لأعراضه كما في الكشف أوفى بتأدية المراد ومثله يجوز عطفه لإيهام المغايرة بينهما وهو أبلغ من ترك العطف كما قرّره في المطول في قوله: ويذبحون أت اءكم مع أنّ ما ذكره أهل المعاني غير مسلم كما سيأتي ومعنى الاستكبار مبين في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ الآية، وقوله: من روح الله بفتح الراء بمعنى رحمته وشدة يأسه، لأنه لم يعامله في الرخاء حتى يرجو فضله في الشدة. قوله: (كل أحد) إشارة إلى تقدير المضاف وأن التنوين عوض! عنه، وقوله: على طريقته تفسير للمشاكلة بطريقته أي مذهبه لأنّ أصل الشواكل الطرق المتشعبة لتشاكلها أي تشابهها في الشكل، فسميت عادة المرء بها لأنها تشاكل حاله في الهدى والضلال، وهذا أنسب مما بعده ولذا قدمه. قوله: (أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه) فالشاكلة الروج، فالمعنى حينئذ أن كل أحد يعمل على وفق روحه فإن كانت روحه ذات شقاوة عمل عمل الأشقياء وان كانت سعيدة عمل عمل السعداء أو عملًا عائدا على روحه خيرا وشرًّا، واختلف في الأرواح والنفوس الناطقة الإنسانية هل هي مختلفة الماهية واختلاف أفعالها لاختلاف ماهيتها أولًا، واختلاف الأحوال لاختلاف الأمزجة، قيل: وفي كلام المصنف ﵀ إشارة
إلى المذهبين والأوّل هو المختار الموافق لظواهر النصوص وفيه نظر. قوله: (أسدّ طريقًا (فكثرة الهداية أو قوّتها بشدة سدادها وصوابها، والمنهج الطريق، وتفسيرها بالطبيعة لأنها من الشكال الذي يقيد به لأنّ سلطان السجية قاهر للإنسان وضابط له، ولذا قال: كل ميسر لما خلق له ولذا أطلقها على العادة والدين لعدم خروج الإنسان منهما فهو كالمقيد. قوله: (من الإبداعيات الكائنة بكن) الإبداعيات ما خلق من غير مادة، فقوله: الكائنة تفسير وتعريف لها لأنهم فرقوا بين الخلق والإبداع بما ذكر كما فصله في شرح الإشارات، وقوله: كأعضاء جسده مثال للمنفيّ وهو ما خلق من مادّة فالمراد بالأمر على هذا التفسير قول كن، ولذا قالوا لمثله عالم الأمر، والسؤال على هذا عن حقيقتها والجواب إجماليئ بأنها من المبدعات من غير مادة، ولذا قيل إنه من الأسلوب الحكيم كما في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ إشارة إلى أن حقيقتها لا تعلم وإنما يعلم منها هذا المقدار. قوله: (أو وجد بأمره (أي بفعله وخلفه أو بقوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ الأمر بالمعنى السابق والفرق بتغاير المسؤول عنه، ودلالته على الحدوث على الأوّل ظاهرة وعلى الثاني لتوقف الأمر على الإرادة بنص قوله إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون وأذا كان السؤال عن القدم والحدوث فالجواب مطابق له، وبيان لحدوثه، كما أشار إليه بقوله بتكوينه فإنّ التكوين يقتضي حدوث ما تعلق به وان قيل بأنه صفة قديمة على ما فصل في الكلام وقوله: استأثر الله بعلمه أي اختص به وفي نسخة استأثره بتعديته لتضمينه معنى خصه وقد مرّ مثله، فالأمر على هذا بمعنى الشأن واحد الأمور، ومن تبعيضية ويكون نهيًا لهم عن السؤال عنها وتركا للبيان. قوله: (روي انّ اليهود قالوا لقريش الما التمسوا منهم لكونهم أهل كتاب أن يذكروا لهم أمورًا يمتحنون بها النبيّ ﷺ وهو مروفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في السير قال: بعثت قريش النضر بن الحرث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد فإنهم أهل كتاب عندهم من العلم ما ليس عندنا
فخرجا حتى قدما المدينة، فسألاهم فقالوا لهما: ما ذكره المصنف إلا أنه ملخص مما فصلوه وهذا كان والنبيّ ﷺ بمكة، فتكون هذه الآية مكية لا مدنية كما ذكره المصنف ﵀ في أوّل هذه السورة، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ثبت في الصحيحين أنّ اليهود سألوا النبيّ ﷺ بالمدينة عن الروح فتلا عليهم هذه الآية ولذا كان من العلماء من قال:
[ ٦ / ٥٦ ]
إنها نزلت مرّة ثانية بالمدينة ومنهم من قال: إنما ذكر بها جوابها وان كان نزولها متقدما ومن قال إنها نزلت بالمدينة واستثناها ففي قوله نظر، اهـ يعني أنه غير صحيح لمخالفته ما مرّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومنه يعلم ما في كلام المصنف ﵀ فتدبر، وقوله: فإن أجاب عنها أي عن جميعها أو سكت عن جميعها فليس بنبيّ أمّا الأوّل فلأنّ بعضها وهو أمر الروح مما لم يبينه الله وأمّا الثاني فظاهر، وقوله: وهو مبهم أي غير مبين في التوراة يشير إلى أنّ عدم بيانه لا ينافي النبوّة. قوله: (وقيل الروح جبريل) ﵊ فيكون السؤال عنه لذكره أنه منزل عليه فأجيبوا بأنه مخلوق من مخلوقاته وكذا في الوجه الذي بعده ولكن المصنف مرضه لقلة جدواه، فما قيل إنه لا يظهر لقوله من أمر ربي يعني على هذا لا وجه له. قوله: (تستفيدونه) أي العلم وكون النظري مستفادا من الضروري مبرهن في محله وأمّا كون الضروريات كلها مستفادة من الإحساس فأكثرقي، وهو كاف لإثبات المقصود فلا ينافي كون التجربة والحدس والوجدان قد تكون مبدأ لاكتساب بعض النظريات، وقوله: من فقد حسا الخ أي فقد العلم المستفاد منه وهو ظاهر. قوله: (ولعل كثر الآشياء لا يدركه الحس الكونه غير محسوس أو محسوسًا منع مانع عن إحساسه كالغيبة ونحوها، فيكون غير المعلوم أكثر من المعلوم كما نطق به النظم، وقول: لا شيئا من أحواله المعرفة لذاته المعرفة صفة للأحوال، والتعريف شامل للجدّ والرسم والأحوال العرضيات فالمراد أنّ الحس قد لا يدرك عرضيات يرسم شيئًا بها فضلًا عن أن ينتقل منها الفكر بواسطتها إلى ذاتياته فيقف على حقيقته لتعسر الوقوف على حقائق الأشياء فلا وجه لما قيل عليه إنا لا نسلم أنّ بالحس! يحصل التمييز بين
الذاتيات والعرضيات وأنّ مقتضى ما ذكره أنّ التعريف بغير الذاتيات لا يفيد العلم أصلًا وليس كذلك، وأغرب منه تجويزه أن يكون قوله المعرفة مفعولًا مطلقا ليدرك من غير لفظه، وقوله: وهو إشارة الخ أي قوله: وما أوتيتم من العلم الخ فإنّ ذكره بعده رمز إلى أنه مما لا يعلم بكنهه بل بعوارضه ككونه مخلوقا لله، وقوله: فلذلك أي لكونه لا يمكن معرفة ذاته اقتصر في بيان السؤال عن حقيقته بناء على أنّ السؤال عنها على ما ذكر من الجواب دون شرح الماهية إذ قال: من أمر ربي على معنى أنه من إبداعياته وقوله: كن، وقوله: كما اقتصر موسى الخ إلا أنّ الفرق أنّ بيان كنه الروح ممكن بخلاف كنه الذات العلية. قوله: (فقالوا ما أعجب شأنك الخ) تفريع للإنكار على عدم الاختصاص، فإنه إذا عتم الخطاب يلزم التناقض فإنه قد حكم على أنّ كل من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا أي علما كثيرا وقد حكم بانهم لم يعطوا عموما من العلم إلا قليلًا وسيأتي دفعه فلا وجه لما تيل إن الفاء للتعقيب دون السببية ولك أن تجعلها لها باعتبار الجزء الثاني من الجواب، وإنما أنكروه لأنهم أهمهم السؤال عن الاختصاص بالخطاب، لكن قراءة الأعمش وما أوتوا من العلم إلا قليلًا تقتضي اختصاصهم وأنّ هذه الرواية غير صحيحة، كما قاله العراقي، وقوله: ساعة متعلق بتقول والجملة تفسير لقوله ما أعجب شأنك. قوله: (وما قالوه) من ظن التناقض بين القلة والكثرة المذكورتين لأن القلة والكثرة من الأمور الإضافية فالشيء الواحد يكون قليلًا بالنسبة لما فوقه وكثيرًا بالنسبة لما تحته، وقوله: ما تسعه القوّة وفي نسخة الطاقه أي لا كل معلوم ولا كلى ما يمكن أن يعلم وقوله: بل ما ينتظم به معاشه ومعاده للإضراب عن الأوّل بتفسير الجملة بتفسير أخص من الأوّل، وقوله: بالإضافة إليه كثير أي بالإضافة إلى الإنسان المعلوم من السياق أو إلى خير الدارين أو إلى ما ذكر من كونه ينال به ذلك، وقوله: النائب مناب الخ فهو يغني عن تقديره وليس جوابا لأن لدخول اللام عليه وهو ظاهر، وقوله: ذهبنا بالقرآن المراد بالقرآن هنا عين صورته سواء كانت في نقوس الكتابة أو في الصور التي في القوّة الحافظة فليس فيه عموم المجاز كما قيل، إلا أن يقال: إنّ إطلاقه على نقوش الخط حقيقة عرفية ولا حاجة إليه. قوله: (من يتوكل علينا استرداده (أي من يتعهد ويلتزم استرداده بعد رفعه كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه حال كونه متوقعا أن يكون محفوظا في السطور والصدور
[ ٦ / ٥٧ ]
فهو مجاز عما ذكر كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله: (فإنها إن نالتك فلعلها تسترذه الخ) عبر بلعل لأنّ المعنى لى* تجد وكيلًا باسترداده إلا الرحمة فإنك تجدها مستردّة ولا يلزم من وجود المستردّ الاسترداد مع أنّ إثبات خلاف حكم المستثنى منه للمستثنى غير متعين على ما فصل في الأصول، وقيل إنه أجرى على عادة الله لأنه تقدير لكلامه، ثم إنه وصاحب الكشاف جعلا الاستثناء على هذا متصلًا إذ قابلاه بالمنقطع مع أنه غير داخل فيما قبله لأنّ من يتوكل لذوي العلم فلعلهم أرادوا ما يشمل الرحمة والتعبير بمن على طريق التغليب ولو فسره بالرادّ لكان أظهر، والظاهر أنه منقطع مفسر بلكن أو بل على الوجهين فيه، وأنه على حد قوله:
ولا عيب فيهم غيرأنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
والمستدرك عليه قوله ولئن شئنا لنذهبن. قوله: (فيكون امتنانًا بإبقائه) على تقدير كونه منقطعًا كما يدلّ عليه قوله تركته، وأمّ على الاتصمال فيدلّ على أنه بعد الذهاب به لعلها تستردّه فهي دالة على عدم الإبقاء، والمنة في تنزيله من قوله: وتنزل من القرآن ما هو شفاء، وقوله: كإرساله تمثيل للفضل المأخوذ من الآيات السابقة، وقوله: إبقائه في حفظه أي في حفظ الله كما قال: وانا له لحافظون وهذا من قوله ولو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك كما تدل عليه لو الامتناعية، وقيل المراد حفظ النبيّ ﷺ وخص به مع عموم المصاحف والمصدر السابق لأنه في بيان تفضله عليه وكون هذا مرادًا بالفضل يستفاد من سوق الآية، وذكر إرساله وانزال الكتاب من حيث إنه يستتبعهما حفظ الوحي ولا يخفى ما فيه. قوله: (وفيهم العرب العرياء) أي الخلص من أهل اللسان النازل به، ونص على دخولهم في العموم لأنّ التحدي إنما وقع لهم، وأرباب البيان عطف تفسير، وقوله: ولولا هي أي اللام الموطئة لأنّ معها يتعين الجواب له كما فصل في النحو، وقوله: بلا جزم دفع لما يتوهم من أنه لا يصلح له لكونه مرفوعا بثبوت النون لأنّ الشرط إذا كان ماضيا قد لا يعمل في الجزاء لأنه إذا لم يؤثر في الشرط ظاهرًا مع قربه جاز أن لا يؤثر في الجواب، والبيت المذكور لزهير من قصيدة في مدح هرم بن سنان ومعناه إذا أتاه خليل أي صاحب أو فقير على أنه من الخلة، وهي الحاجة ويوم مسألة أي يوما يسأل الناس فيه لقحطهم وفي رواية مسغبة أي جوع، ويقول مرفوع وهو محل الشاهد أي لا يمنعه لتعلله بعدم حضور ماله ولا يحرمه بردّه، وحرم كحذر صفة من الحرمان، وتظاهروا
بمعنى اجتمعوا وتعاونوا. قوله: (ولعله لم يذكر الملائكة لآنّ إتيانهم الخ) قيل عليه لا اشتباه في كون القرآن معجزًا للملك أيضا بدليل قوله: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا فإنه صريح في عجز غير الله عنه وإنما لم يذكروا لأنّ التحدّي ليس معهم والتصدي لمعارضته لا يليق بشأنهم لأنهم معصومون لا يفعلون إلا ما يؤمرون، فلا يناسب أن ينسب ذلك إليهم، وأجيب عنه بأنه ليس معناه أنّ الملائكة عليهم الصلاة والسلام يقدرون على ذلك، بل مبناه على الفرض والتقدير لأنه مبعوث للثقلين فيكون التحدي معهم والأولى الاقتصار على أن التحدي كان معهم لأنه قيل بعموم رسالته ﷺ للملك أيضا فيقال: لم يذكر الملك لأنّ التحدي لم يقع معهم فيكفي في كونه معجزا عجز من تحداه به، وهو مراده وما قيل إنه يلزم من هذا الفرض وهو كونه من الملك لا من الله عدم ثبوت الرسالة مدفوع بأنّ الملك لا يأتي بمعجزة لمفتر، وفيه نظر لأنه يلزم أن يكون مفتريا في قوله إنه من عند الله فتأئل، وقوله ولأنهم، كانوا وسايط فلا يلائمه قوله: لا يأتون بمثله بحسب الظاهر إذ معناه لا يأتون به من عندهم، فمن قال لا يصح قوله لا يأتون بمثله لم يصب، وجمع الوسايط مع أن الواسطة جبريل ﵊ فقط لأن ما جاز أن يكون لواحد من جنس يجوز أن يكون لباقيه. قوله: (ويجوز أن تكون الآية تقريرا الخ) لأنّ عدم قدرة الثقلين على ردّه بعد إذهابه مساو لعدم قدرتهم على مثله لأنّ ردّ. بعينه غير ممكن لعدم وصولهم إلى الله فلم يبق إلا رده بمثله فصرّح بنفيه تقريرًا له، فاندفع ما قيل إنه لا يصح لأنّ القدرة على
[ ٦ / ٥٨ ]
الإتيان بمثله أصعب من القدرة على استرداد عينه ونفي الشيء إنما يقرّر بنفي ما دونه لا بنفي ما فوقه وإن ردّ بعدم تسليم الأصعبية، وأمّا القول بأنّ لفظ المثل مقحم للتأكيد وأنّ القصر الذي في كلامه ممنوع فإنه يحصل بالمساواة أيضا فليس بشيء لأنّ الإقحام خلاف الظاهر وأمّ القصر فإضافيّ، وترك ما في الكشاف من أنّ إعجاز القرآن يدل على حدوثه لأنه لا وجه له كما بينه شرّاحه. قوله: (كررنا بوجوه مختلفة) يعني أنّ أصل معنى التصريف التحويل والتغيير فالمراد به هنا تغيير الأساليب والعبارات في بعض المعاني ليزداد تقريره ورسوخه في النفوس وبيانه وما ذاك إلا ليزدادوا تدبرًا وإذعانا فكان حالهم على العكس، إذ لم يزدادوا إلا كفرًا كما تزيد الفواكه المريض مرضًا، وقوله: هو كالمثل في غرابته الخ يعني أنّ المثل ليس بمعناه المعروف بل هو مستعار لكل أمر عجيب حسن الموقع كأنه بكر معن سار في مثل وهو مجاز مشهور أيضا كما مرّ، وقوله: موقعها أي موقع الأمثال المفهومة من السياق ويجوز عوده على الغرابة. قوله: (وإنما جاز ذلك ولم يجز
الخ) يعني أنّ الاستثناء المفريخ مشروط بالنفي فكيف جاز هنا في الإثبات وقد منعوا مثله كما في المثال المذكور، فأجاب بأن أبي ونحوه قريب من معنى النفي فهو مؤول به إذ معناه لم يرضوا أو ما فعلوا ونحوه، وإنما امتنع لفساد المعنى إذ لا قرينة على تقدير أمر خاص ولا يصح العموم، إذ لا يمكن أن يضرب رجل كل أحد غير زيد مثلا فإن صح جاز كصليت إلا يوم كذا إذ يجوز أن يصلي كل يوم غيره، فإن قيل إنّ المعنى هنا كذلك بتقدير أبوا كل شيء فيما اقترحوه إلا جحوده صح وكان وجها آخر، ولا فرق بين كلام الله وغيره في هذا كما توهم، وقوله: تعنتًا الخ تعليل لقالوا، وقوله: بالتخفيف من باب نصر المتعدي، والتفجير إسالة الماء بانشقاق الأرض!، والتفعيل هنا لتكثير الماء أو الينابيع والأرض أرض! مكة لقلة مياهها فالتعريف عهدي، وقوله: لا ينضب بالضاد المعجمة والباء الموحدة من باب نصر بمعنى ينقطع، وقوله: يفعول فالياء زائدة وهي صيغة مبالغة، واليعبوب الماء الكثير الجاري والفرس الشديد العدو وزخر بمعنى كثر موجه، ومنه البحر الزاخر. قوله: (أو يكون لك (أي خاصة بستان حديقة تشتمل على ذلك المذكور من الأشجار والأنهار قيل إنهم قالوا له: أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر ينابيع نزرع بها فقال: لا أقدر فقيل له إن كنت لا تستطيع الخير لنا فاستطع الشرّ وأرسل السماء كما زعمت الخ، وقوله: وهو كقطع يعني أنه بكسر الكاف وفتح السين كقطعة وقطع لفظا ومعنى أي ترمي قطعًا من جرم السماء علينا وعلى قراءة السكون مع الكسر فهو إمّا مخفف من المفتوح لأنّ السكون أخف من الحركة مطلقا فلا يرد عليه أنّ الفتحة خفيفة مع أنّ خفتها بعد الكسرة غير مسلمة أو هو فعل صفة بمعنى مفعول أي مقطوع، وأورد على قوله: فيما عدا الطور أنّ في النشر أنهم اتفقوا على إسكان السين في الطور إلا أني تتبعت كتب القرا آت فوجدت في إيضاح الأنباري أنّ ما ذكر رواية وفيه إشارة إلى أنّ فيه رواية أخرى شاذة والمصنف ثقة. قوله: (كفيلاَ بما تدّعيه «يعني أنه من القبالة وهي الكفالة والمراد أن تشهد
لك بصحة ما قلته، وتضمن ما يترتب عليه، والدرك بفتحتين التبعة وضمان الدرك معروف في الفقه أو القبيل بمعنى مفاعل كرضيع بمعنى مراضع، وقوله: وهو حال أي على الوجهين وحال الملائكة محذوفة أي قبلاء بمعنى كفلاء وقوله:
فإني وقيار بها لغريب
الشعر لضابىء الرجمي قاله وقد حبسه عثمان بن عفان ﵁ في خلافته
بالمدينة، وأوّله:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله
وقيار اسم فرس أو جمل له والشاهد فيه أنّ قوله: لغريب خبر إن وخبر قيار محذوف
كما حذف الحال في الآية وفيه كلام آخر في كتب العربية، وقوله: أو جماعة يعني قبيلًا بمعنى جماعة كقبيلة فيكون حالًا من الملائكة لأنها جماعة أيضًا فيتطابقان، وفي الكشف جعله حالا من الملائكة لقرب اللفظ وسداد المعنى لأن المعنى تأتي بالله وجماعة من الملائكة لا تأتي بهما جماعة ليكون حالًا على الجمع إذ لا يراه المعية معه تعالى ألا ترى إلى قوله حكاية عنهم أو نرى ربنا والقرآن يفسر بعضه بعضا اهـ. قوله: (من ذهب)
[ ٦ / ٥٩ ]
إشارة إلى أنّ أصل معناه الزينة وأطلق على الذهب لأنّ الزينة به، وقوله: في معارجها المعارج المصاعد كالسلم إشارة إلى أن فيه مضافا مقدرًا، وقوله: لرقيك إمّا صلة نؤمن أو اللام لام التعليل وكلاهما جائز في كلامه، وقوله: وحده قدره لئلا يناقض ما قبله من قولهم: لن نؤمن لك إلا أن ترقى في السماء فإنه يقتضي إيمانهم للرقيّ، فلو أطلق هذا نافاه فلا وجه لما قيل إنه يدل على أنّ المصنف حملها على لام الأجل فلا يجوز الحمل على غيره عنده، أي لن نؤمن بنبوّتك لأجل رقيك وحده حتى تنزل الخ، وقوله: كتابا نقرؤه بلغتنا على أسلوب كلامنا، وقوله: وكان فيه تصديقك لأنّ نزوله كما أرادوا لا يدل على ظهور نبوّته المطلوب لهم إذ يجوز أن يكون أخذه من غيره.
قوله: (تعجبًا) يعني المراد من التسبيح التعجب كما مر تحقيقه، أو المراد به تنزيه الله
عما ذكر، وقوله: من أن يأتي أي بما اقترحوه، وقوله: أو يتحكم عليه إشارة إلى أنّ مرادهم إما طلب أن يأتي بذلك بقدرة الله تعالى فيلزم التحكم عليه أو بقدرته نفسه فيلزم أن يشاركه في قدرته وكلاهما غير صحيح. قوله: (هل كنت إلا بشرًا رسولًا) في الكشاف هل كنت إلا رسولًا
كسائر الرسل بشرًا مثلهم قال في الكشف قدم رسولًا في التفسير ليدلّ به على أنّ الوصف معتمد الكلام وأنّ كونه بشرًا توطئة لذلك ردًا لما أنكروه من جواز كونه بشرا، ودلالة على أنّ الرسل عليهم الصلاة والسلام من تبل كانوا كذلك لا إنه يحتمل أن يكون حالًا انتهى، ورجح الوصفية على الحالية في بشرًا من النكرة لتقدمه وقد جوّزها المعرب ولم يتعرّض! لكونهما خبرين كما ذكره بعضهم، وادّعى أنه مراد الزمخشريّ والمصنف وأنّ ما ذكر يحتمله إذ المراد بالوصف معناه اللغوفي لا النعت النحوي ولا يخفى بعده، وقوله: توطئة يأباه وليس في كلام المصنف ما يشهد له، وكونهما خبرين غير متوجه لأنه يقتضي استقلالهما وأنهم أنكروا كلا منهما حتى ردّ عليهم بذلك ولم ينكر أحد بشريته ولذا لم يذكره المعربون، وكذا الحالية ركيكة لأنه يقتضي أن له حالًا آخر غير البشرية. قوله: (على ما يلائم حال قومهم) من مجيء، كل رسول بمعجزة تناسب زمانه وأهله وهذا يعلم من قوله: كسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام إذ هو وجه الشبه بقرينة الاقتراح لا أنه زيادة بيان من المصنف ﵀ كما قيل ولم يكن معطوفا على لا يأتون عطفا تفسيريا أي أنهم لم يأتوا إلا بما أمرهم الله به وأظهره على أيديهم من غير تفويض إليهم فيه ولا تحكم منهم عليه في طلب آيات أخر منه، وقوله: حتى يتخيروها منصوب بإسقاط النون وهو ظاهر والتخيير طلب ما هو خبر من غيره وهو قريب من الاختيار والضمير للآيات والضمير المرفوع للرسل إن قرئ بالغيبة وللمخاطبين من قومه إن كان بالتاء الفوقية، وفي نسخة يتخيرونها بإثبات النون لأنه غير مستقبل. قوله: (إلا قولهم هذا) وفي التعبير به إشارة إلى أنه مجرّد قول تعنتا إذ هم لم ينكروا إرسال غيره، وقوله إلا إنكارهم إشارة إلى أنّ المانع لهم معنى ذلك القول وهو لا ينافي ما مرّ من النكتة، وقوله كما يمشي بنو آدم وما بعده بيان لوجه ذكره وعدم الاكتفاء بقوله في الأرض إذ ملائكة السماء قد تكون فيها كالحفظة والكتاب وهو معنى قول الزمخشريّ: لا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه، وقوله: ساكنين فسره به لئلا يتوهم أنه من الاطمئنان المقابل
للانزعاج، وقوله: لنمكنهم الخ، مضارع بالنون من التمكين ويجوز أن يكون مصدرًا، وفي نسخة ليمكنهم الاجتماع بدون من من الإمكان والمراد الإمكان العادي، وقوله: فعامتهم هم من عدا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وبعض الخاصة على ما قيل: وعماة بالضم بمعنى عمي جمع أعمى وهو مجاز أي لا يرونهم، والتلقف الأخذ هنا وعدل عما في الكشاف لابتنائه على الاعتزال كما في شرحه، وقوله: فانّ ذلك أي رؤيته والتلقي منه مشروط بما ذكر فيما جرت به عادة الله وان أمكن خلافه والتناسب والتجانس في القوى القدسية والصفات الروحانية المطهرة من دنس القوى الشهوانية كما للأنبياء صلى الله وسلم عليهم، ولذا لم ير النبي ﷺ جبريل على صورته الأصلية إلا نادرًا، فإن قالوا: فليأتنا الرسول من الملائكة على صورتنا ليكون التجانس، فقد بين الله ما فيه، بقوله: ولو جعلناه
[ ٦ / ٦٠ ]
ملكًا لجعلناه رجلاَ وللبسنا عليهم ما يلبسون فتدبر. قوله: (وكذلك بشرا) أي في قوله: أبعث الله بشرًا رسولًا لا في قوله هل كنت إلا بشرًا رسولًا كما في الكشف، وقوله: أوفق بمعنى أكثر موافقة للمقام وأنسب، ووجهه على ما ذكره الشارح العلامة وصاحب التقريب أنه على الحالية يفيد المقصود بمنطوقه، وعلى الوصفية يفيد خلاف المقصود بمفهومه أمّا الأوّل: فلأن منطوقه أبعث الله رسولًا حال كونه بشرًا لا ملكا ولنزلنا عليهم رسولًا حال كونه ملكًا لا بشرًا وهو المقصود، وأمّا الثاني: فلأن التقييد بالصفة بفيد أبعث بشرًا مرسلًا لا بشرًا غير مرسل، ولنزلنا عليهم ملكًا مرسلا لا ملكا غير مرسل وهو خلاف المقصود، وقال في الكشف: تبعا لشيخه وجهه أنّ التقديم عن موضعه الأصليّ دلّ على أنه مصت الإنكار في الأوّل أعني قوله: أبعث الله بشرًا رسولًا فيدلّ على أنّ البشرية منافية لهذا الثابت أعني الرسالة كما تقول أضربت قائمًا زيدًا، ولو قلت أضربت زيدًا قائما أو القائم لم يفد تلك الفائدة لأنّ الأول يفيد أن المنكر ضربه قائمًا لا مطلقا والثاني يفيد أنّ المنكر ضربه لاتصافه بصفة مانعة ولا يفيد أنّ أصل الضرب حسن مسلم، والجهة منكرة هذا إن جعل التقديم للحصر، فإن جعل للاهتمام دلّ على أنه مصب الإنكار وان لم يدل على ثبوت مقابله، وعلى التقديرين فائدة التقديم ظاهرة. قوله: (على أني رسول الله إليكم الخ) إشارة إلى أنهم لما استبعدوا أن يكون الرسول بشرًا رد عليهم بوجوه، وهي أنّ الملك لو ادعى الرسالة لم يكن له بد من دليل بالمعجزة فما يدلّ على نبوّة الملك يدل على نبوّة البشر فلا وجه
للتخصيص واليه أشار بقوله: إذ جاءهم الهدى أي المعجز الهادي إلى التصديق وأنه لو كان أهل الأرض ملائكة، وجب أن يكون رسلهم كذلك، لأنّ الجنس إلى الجنس أميل فلما كانوا بشرًا كان المناسب أن يكون رسلهم من جنسهم ولذلك امتن الله عليهم، بقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم وأيضا أنه لما أظهر المعجزة على وفق دعواه كان ذلك شهادة منه كافية في صدق المدعي، وهذا الجواب الأخير هو معنى هذه الآية كما قرّره المصنف ﵀ تبعا للإمام وهو أوفق بالسياق فلذا رجحه. قوله: (أو على أني بلغت ما أرسلت به الخ (اقتصر في الكشاف عليه وأخره المصنف لما سمعته وأمّا كونه أوفق بقوله إنه كان بعباده الخ كما قيل فلا وجه له لأنّ معناه التهديد والوعيد بأنه يعلم ظواهرهم وبواطنهم وأنهم إنما ذكروا هذه أشبه للحسد وحب الرياسة والاستنكاف عن الانقياد للحق، كما ذكره المصنف ﵀. قوله: (الباطنة الخ الف ونشر على الترتيب، وقوله: فيجازيهم إشارة إلى أنّ علم الله عبارة عن المجازاة كما مرّ، وقوله: وتهديد للكفار إشارة إلى ما مر، وضمير منها للأحوال، قوله: اثبتا الياء أي ياء المهتدي، وغيرهما حذفها. قوله تعالى: (﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ﴾ الخ (قال الفاضل المحشي: الظاهر أنه ابتداء أخبار منه تعالى لا مندرج تحت قوله: قل لأن قوله ونحشرهم يأباه ويحتمل اندراجه تحته ونحشرهم حكاية لما قاله الله له أو التفات، وقوله: فلن تجدلهم من الحمل على المعنى بعد الحمل على اللفظ وحمل قوله: ومن يهد الله الخ على اللفظ إفرادًا لأنّ طريق التوحيد واحدة بخلاف طرق الضلالة، فإنها متشعبة فلذا حمل فيها الجمع على المعنى، وهذا مما حمل فيه على المعنى ابتداء من غير تقدم حمل على اللفظ وهو قليل، وقال أولياء: مبالغة لأن الأولياء إذا لم تنفعهم فكيف الوليّ الواحد (قلت) تبع فيه أبا حيان ولا وجه له فإنه حمل فيه على اللفظ أولًا إذ في قوله يضلل ضممير مفرد محذوف إذ تقديره يضلله على الأصل وهو راجع إلى لفظ من فلا يقال إنه لم يتقدهه حمل على اللفظ، وأغرب منه ما قيل إنه قد يقال: إن الحمل على اللفظ قد تقدمه في قوله: من يهد الله وإن كان في جملة أخرى، وقوله: روي الخ حديث صحيح ووقع في البخاري بمعناه عن أنس ﵁، والمشي على الوجه هو الزحف منكبًا ومعنى سحبهم عليها جرّ الملائكة لهم منكبين عليها، كقوله: يوم
يسحبون في النار على وجوههم ولم يذكر المصنف هذه الآية ويجعلها مفسرة لهذه لأنّ هذا في الحشر وذاك بعد دخول النار وهما وجهان متغايران بتغاير المتعلق، ومن قال: إق في كلامه ألغاز أو أنه يحتمل أن يكون وجها واحدًا فقط خبط خبط عشواء
[ ٦ / ٦١ ]
وأطال بما لا طائل فيه. قوله: الا يبصرون الخ) يعني أنه نزل ما أبصروه وقالوه وسمعوه منزلة العدم لعدم الانتفاع به فهو مجاز، وقيل على قوله: ولا ينطقون بما يقبل منهم أنّ توله اليوم نختم على أفواههم يقتضي نفي القدرة عنهم مطلقًا، وأجيب بأنّ هذا في ابتداء الحشر وذاك بعده، وأخره مع تقدمه في النظم رعاية للواقع، وقوله: كأنهم الخ إشارة إلى أنّ جزاءهم من جنس عملهم. قوله: (ويجورّ الخ) فالحشر بمعنى جمعهم منساقين إلى النار وهو في الأوّل بمعنى جمعهم في الموقف والصفات على هذا على الحقيقة وعلى الأوّل مجاز، ومؤفي القوى صيغة جمع مضافة، وقيل إنّ ذلك عند قيامهم من قبورهم ثم تردّ لهم الحواس فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون إذا سئلوا. قوله: (سكن لهبها) وفي نسخة لهبها أي اشتعالها، وقوله: بأن الخ إشارة إلى أنّ قلة تسعرها بفناء أجسادهم لأنها وقودها، كما قال: وقودها الناس، وإنما فسره بهذا لأنه كان الظاهر أن يقال، زدناها سعيرًا، وعلى ما ذكره يتجاوب النظم فتدبر، وقوله: توقدًا إشارة إلى أنّ سعيرًا مصدر أو مؤوّل به هنا. قوله: (بأن نبدّل جلودهم الخ) فهي كلما أكلت وفنيت بدلت بجلود أخر تتقد بها النار وتتلهب، واستشكل بأق قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٦] يدلّ على أنّ النار لا تتجاوز عن إنضاجهم إلى إحراقهم وافنائهم فيعارض ما ذكر وأجيب بأنه يجوز أن يحصل لجلودهم تارة النضج وتارة الإفناء أو كل منهما في حق قوم على أنه لا سدّ لباب المجاز بأن يجعل النضج عبارة عن مطلق تأثير النار إذ لا يحصل في ابتداء الدخول غير الإحراق دون النضج وأورد على الجواب الأوّل أن كلمة كلما تنافيه، وتبديل جلودهم على ما سيأتي إمّا بأن تعود لها صورة أخرى حتى لا يلزم إعادة المعدوم بعينه، أو بإزالة أثر الحريق وعود إحساسها بالعذاب، أو بخلق جلود أخر ولا محذور فيه لأنّ العذاب إنما هو للروح المتعلقة بها فلا يلزم تعذيب غير العاصي مع أنه جائز أيضا، وقوله: كأنهم الخ معنى حسن جدًا والإفناء في كلامهم شامل لإفناء الحياة والبدن فلا يرد ا!
مقولهم هنا إنما هو أئذا كنا عظاما الخ، وفوله: لأنّ الإشارة أي بقوله: ذلك هنا وهو علة لقوله: واليه أشار الخ يعني أنّ لفظ ذلك إشارة إلى عذابهم المفهوم من قوله: زدناهم ومعناه إعادة جلودهم كلما فنيت وقوله: أو لم يعلموا إشارة إلى أن رأى هنا علمية لأنه المناسب. قوله: (فإنهم ليسوا الخ) يعني أنه إثبات للإعادة بطريق برهاني وهو أنّ من خلق هذه الإجرام العظيمة وأبدعها من غير مادّة قادر على خلق مثلكم بلا شبهة، ومن قدر على ذلك كيف لا يقدر على إعادتكم وهي أهون عليه، ولا حاجة إلى جعل مثل هنا كناية عنهم، كقوله: مثلك لا يبخل مع أنه صحيح أيضا ولو جعل خلق مثلهم عبارة عن الإعادة كان أحسن وكأنه مراد.. قوله: (هو الموت) قدّمه لأنه المعروف إذ هو يطلق على مدة الحياة وعلى آخرها وعلى الموت للمجاورة له، وقوله: أو القيامة فالمراد به مدة يكون فيها حشرهم وحياتهم وهو ميقات إعادتهم، وهذه الجملة معطوفة على جملة أو لم يرو الأنهار وان كانت إنشائية فهي مؤوّلة بخبرية كما في شرح الكشاف، إذ معناها قد علموا بدلالة العقل أنه قادر على البعث والإعادة وجعل لهم أي لإعادتهم أجلًا وهو يوم القيامة يعني أنهم علموا إمكانها واخبار الصادق بها وضربه لها أجلًا، فيجب التصديق به أو جعل لهم أجلًا وهو الموت والانسلاخ عن الحياة ولا يخفى على عاقل إنه لم يخلق عبثًا فلا بد أن يجزي بما عمله في هذه الدار فلا معنى للإنكار فظهر ارتباط المتعاطفين لفظا ومعنى، ولا ريب فيه ظاهر على الثاني وعلى الأوّل معناه لا ينبغي إنكاره لمن تدبر، وقيل إنها معطوفة على قوله: يخلق ورجحه بعضهم وقوله: خزائن رزقه الخ فالرحمة عبارة عن النعم مجازًا والخزائن استعارة خقيقية أو تخييلية، وقدر الفعل لأن لو أداة شرط تختص بالدخول على الأفعال. قوله: (كقول حاتم الخ) هو مثل يضرب لمن أهانه من لم يكن أهلًا لإهانته، قاله وقد أسر فلطمته جارية والسوار إنما يكون للحرائر عندهم أي لو لطمتني حرة لهان ذلك عليّ، وقصته مشهورة ورواه بعضهم لو غير ذات سوار أي لو لطمني رجل والمشهور الأوّل والتقدير لو لطمتني ذات سوار، وهنا كان تقديره لو تملكون فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
[ ٦ / ٦٢ ]
قوله: (وفائدة هذا الحذف الخ) أمّا الإيجاز فلأنه بعد قصد التوكيد للتقويه لو قيل: تملكون تملكون لكان أطنابا وتكرارا بحسب الظاهر، وأمّا المبالغة فقيل إنها من تكرير الإسناد، وقيل: إنها من تكرير الشرط فإنها تقتضي تكرّر ترتب الجزاء عليه فتأمل. قوله: (والدلالة على الاختصاص) تبع فيه الزمخشريّ وقد قيل عليه إنه وإن كان في صورة المبتدأ والخبر لكنه إنما يفيده لو كان معنى كذلك حتى يقدر فيه التقديم والتأخير المفيد لما ذكر
وهذا فاعل لفعل مقدر فكما لا يفيد ذلك إذا ذكر لا يفيده بعد حذفه، وأجيب بأن أنتم بعينه ضمير تملكون المؤخر، فهو في المعنى فاعل مقدم وتقديم الفاعل المعنوي يفيد الاختصاص إذا ناسب المقام، قيل: فأفاد ترتب الإمساك على تملك الخزائن منهم دون غيرهم وهو الله، وقيل عليه: أن الظاهر أنّ المعنى ترتب الإمساك على اختصاص التملك بالمخاطبين حتى لو اشترك غيرهم فيه لم يوجد منهم الإمساك لما ذكر، يعني أنه قصر إفراد لا قلب، ولا وجه له فإن ما ذكره القائل أبلغ وأنسب لأنهم إذا أمسكوا حين تفردهم بملكها فمع الاشتراك بالطريق الأولى. قوله: (لبخلتم (يعني أن الإمساك كناية عن البخل سواء كان لازما أو متعذيا حذف مفعوله أو نزل منزلة اللازم، وقال في الكشاف: إنه لا يقدر له مفعول لأنه بمعنى بخلتم فمنهم من حمله على التنزيل منزلة اللازم، ومنهم من جوّز فيه التضمين، والظاهر أنه أراد أنه مجاز فيه ومنه تعلم فائدة وهو أنّ المتعذي إذا جعل مجازا عن معنى فعل لازم يجوز أن يكون لازما مثله وهذا مما ينبغي التنبه له، وقوله: مخافة النفاد بالإنفاق إشارة إلى أن الإنفاق بمعناه المعروف وهو صرف المال وفي الكلام مقدر أي نفاده أو عاقبته أو هو مجاز عن لازمه، وقال الراغب: إن الإنفاق بمعنى الافتقار يقال: أنفق فلان إذا افتقر فهو كالإملاق في الآية الأخرى فلا يحتاج إلى تقدير، وهو قول أبي عبيدة، وقيل إنه مراد المصنف لا التقدير وهو خلاف ظاهر العبارة. قوله: (١ ذ لا أحد إلا ويختار الخ (هذا إشارة إلى توجيه معنى الآية إذ الخطاب فيها عام فيقتضي أنّ كل واحد من الناس بخيل، كما يدلّ عليه ما بعده فأشار أوّلًا إلى إجرائه على ظاهره، وأنه بالنسبة إلى الجواد الحقيقي والفياض المطلق فإنه إما ممسك أو منفق والثاني لا يكون إلا لغرض للعاقل إمّا دنيوقي، كعوض! مالي أو معنوفي، كثناء جميل أو خدمة واستمتاع كما في النفقة على الأهل، وما كان لعوض ماليّ، كان مبادلة لا مباذلة أو هو بالنظر إلى الأغلب وتنزيل غيره منزلة العدم كما قيل:
عذنا في زماننا عن حديث المكارم
من كفى الناس شرّه فهوفي جودحاتم
ولا وجه لما قيل عليه: إنّ تعليله يدل على أن مطلق الإمساك من سجية الإنسان لا على
أن الإمساك خشية الإنفاق كذلك إذ الإنفاق ضدّ الإمساك فمن كان طبعه التخلق بصفة كان يكره ضدها ويخشاه ولا معنى لما قيل في دفعه: أن المطلوب ليس إلا بترتب الإمساك خشية الإنفاق على تملكهم خزائن الله لا ما ذكره وفي دلالة هذا عليه كلام. قوله: (هي العصا الخ (القول الأوّل لابن عباس ﵄ والثاني للحسن وفي بعض التفاسير أنها كما في التوراة
العصائم الدم ثم الضفادع ثم القمل ثم موت البهائم ثم برد كنار أنزله الله مع نار مضرمة أهلكت ما مرت به من نبات وحيوان ثم جراد ثم ظلمة ثم موت عم كبار الآدميين وجميع الحيوان وأنه لم يذكر اليد فيها لأنها لا ضرر فيها عليهم فإن قلت الثلاثة الأخيرة فيما نقله المصنف أوّلًا: ليست مما أوتيه موسى ﵊ بعد هلاك فرعون، وهي انفجار الماء من الحجر ونتق الطور وانفلاق البحر، وقوله: ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض! يقتضي أن الآيات التسع المشار إليها في حياته حين تجاوزه فالرواية الصحيحة هي الثانية، فلا ينبغي تأخيرها وتمريضها كما فعله المصنف إذ لا إشكال فيها كما توهم، قلت: أجابوا عنه بأنه ليس في هذه الآية دلالة على أن الكل لفرعون، وأمّا قوله في آية أخرى في تسع آيات إلى فرعون وقومه، فيجوز أن يكون
[ ٦ / ٦٣ ]
بعض تلك غير بعض هذه مع أنه لا يتعين أن تكون الإشارة بهؤلاء إلى كلها ومثله كثير، ولا يخفى ما فيه وقول المصنف ﵀ يعني الآيات مناد على خلافه فتأمّل. قوله: (وعن صفوان) هو ابن عسال ﵁، وقوله: أن لا تشركوا خبر مبتدأ مقدر أي هي أن لا الخ، وقوله: ولا تمشوا المراد نهيهم عن السعاية في حق البريء من أمر إلى صاحب تسلط وقهر حتى يقتله أو يضره، والباء للتعدية أو السببية وتقبيله لعلمه بأنه رسول لموافقة ما ذكره لكتابهم، فقوله: فعلى هذا أي فعلى هذه الرواية وأنها المراد هنا لا ما وقع في الحديث أن اليهوديّ سأله ﷺ عن التسع آيات المذكورة في هذه كما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد واسحق وأبو يعلى والطبرانيّ كلهم من رواية عبد القه بن سلمة عن صفوان كما ذكره المخرّج فهذا هو التفسير الصحيح وسيدفع ما يرد عليه، وعلى متعلقة بالمراد
مقدمة من تأخير والأحكام خبر المراد، والعامة والثابتة بالرفع صفة لها، وقوله: سميت بذلك أي بالآيات وذكر باعتبار أنه لفظ وهو جواب عما يرد عليه من أنّ هذه ليست بآيات أي معجزات بل أحكام وليست تسعا بل عشرا فدفع الأوّل بأنها آيات بمعنى علامات على السعادة لمن امتثلها والشقاوة لغيره ودفع الثاني بأنّ الأخير ليس منها ولذا غير أسلوبه لنسخه واختصاصه بهم، فهو تذييل للكلام وتتميم له بالزيادة عما سألوه، وليس من الأسلوب الحكيم، كما قيل: وقوله: متعلقها بصيغة المفعول المراد به ما يتعلق بها من الارتكاب أو الانتهاء. قوله: (فقلنا له الخ) إشارة إلى ما ذكروه من أنّ المأمور يجوز أن يكون موسى وأن يكون نبينا عليهما الصلاة والسلام، والسؤال إما بمعنى الطلب أو بمعناه المعروف فإذا كان بمعنى الطلب والمأمور موسى ﵊ يحتاج إلى تقدير أي فقلنا لموسى سلهم أي لطلب بني إسرائيل من فرعون لأنهم كانوا كالأسرى له وللقبط وإليه أشار بقوله فقلنا الخ، وقدّره ليصح العطف ويظهر الارتباط، وقوله: ليرسلهم إما بالجزم على أنها لام أمر للغائب كفل لزيد ليفعل كذا أو بالنصب على أنها لام تعليل وهو الظاهر، أو السؤال بمعناه المشهور، والقول: مقدر أيضا، والمراد سلهم عن دينهم وفي الكشاف جواز كون المسؤول عنه معاضدتهم لفرعون وتركه المصنف ﵀، أو المراد بالسؤال هل هم ثابتون عليه أو اتبعوا فرعون وهو يدل على هذا واليه أشار بقوله: أو سلهم من حال دينهم، وكان عليه أن يأتي بعن بدل من للفرق بين المسؤول عنه ومنه وقد وقع في بعض النسخ عن وهي أصح، وقوله: ويؤيده أي يؤيد أنّ الخطاب لموسى ﵊ بوجهيه قراءة المضيئ لتعين عود ضميره لموسى والأصل توافق القراءتين وبني مفعول على الوجهين لا منصوب بنزع الخافض. قوله: (وهو لنة قريش) أي يقولون سال، كقال معتلًا عندهم إذ إبدال الهمزة المتحرّكة لا يكون في القياس، وقوله: وإذ متعلق بقلنا المقدر أو سال الماضي، كما في القراءة الشاذة لا بالأمر إذ لا يناسبه إذ جاءهم، وليس محل الالتفات والسؤال على ما مرّ. قوله: (أو فاسأل يا محمد الخ (يعني الخطاب للنبيّ ﷺ والسؤال بمعناه المشهور والمسؤول عنه ما ذكر وهو معطوف على ما قبله معنى وهذه الجملة معترضة والفاء تكون للاعتراضى كالواو كما ذكره النحاة في قوله:
واعلم فعلم المرءينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
فمن قال إنها لسببية الأخبار عما قبله لا للتعقيب لم يصب ولم يدر أنه ينافي كونه اعتراضا، وقوله: أو عن الآيات أي التسع وهو معطوف على قوله عما جرى، وقوله: ليظهر
الخ متعلق باسأل وهو إشارة إلى أنّ السؤال وإن كان حقيقة ليس المراد به استعلام ما لم يعلم لأنّ الظاهر أنه كان عالما بها وقت النزول، وقوله: للمشركين لأنّ السؤال كان بمحضر منهم أو لأنه يبلغهم، وقوله: أو لتتسلى نفسك إن كان عائدًا على المعنى الأوّل على اللف والنشر المشوّس فهو ظاهر، والا فوجهه أنه تسلية لما فيه مما نزل بمن عاند الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أظهر، وقوله: لتعلم بالخطاب أو بالغائب المجهول ولا يلزم، كما قيل على الأوّل أن السؤال عما لم يعلمه لأنّ هذا مترتب على المسؤول عنه وليس بمسؤول عنه، وتظاهر الأدلة تقوّيها بتكرار
[ ٦ / ٦٤ ]
ما يدل عليها. قوله: (وعلى هذا) أي كون الخطاب لمحمد ﷺ لأنه يصح حينئذ تعلقه باسأل إذ ليس سؤاله في هدّا الوقت وعلى تعلقه بآتينا المعنى ظاهر وما بينهما اعتراض كما مرّ والمسؤول منهم مؤمنو بني إسرائيل في زمنه كعبد الذ بن سلام فلذا قدروه إذ جاء آباءهم كما في الكشاف، وقيل: إق المصنف ﵀ لم يتعرض! له لأنه جعله استخداما، وليس في كلامه ما يقتضيه فلعله حمله على النوع فتدبر. قوله: (أو لإضمار يخبروك (من إضافة المصدر لمفعوله إذ المراد به لفظه وجعله الإضمار ناصبا تسمح أو هو من إضافة الصفة للموصوف أي يخبروك المضمر ولا يخفى أنّ الإخبار ليس واقعا في وقت المجيء ودفعه بأنه مفعول به لا ظرف، كما قيل فيه إن أخبر يتعدى بالباء أو عن لا بنفسه، وقوله: على أنه جواب بيان لارتباطه وجزمه وأورد عليه أنّ السؤال عن الآيات وبيانها والجواب بالإخبار عن وقت المجيء لا يلائمه اللهم إلا أن يقال: إنّ المراد يخبروك بذلك الواقع في وقت مجيئه لهم، وهو تكلف فتأمل، وقوله: أو بإضمار اذكر على أنه مفعول به لا ظرف لأن الذكر ليس في ذلك الوقت، وقيل إنه يجوز تعلقه باسأل على أنّ إذ للتعليلى أي سلهم لأنه جاء آباءهم فهم يعلمون أحواله، وكذا إذا تعلق بيخبروك يجوز فيه هذا. قوله: (فقال له فرعون) الفاء فصيحة أي فذهب إلى فرعون وأظهر آيات ومعجزات ودعاه للإيمان فقال الخ، وقوله: سحرت فهو على ظاهره وتخبط العقل اختلاله فلهذا اختل كلامه على زعمه وقيل المسحور بمعنى الساحر على النسب أو حقيقة كما مرّ في حجابا مستورًا وهو يناسب قلب العصا ثعبانا ونحوه وعلى الأوّل هو كقوله: إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قوله: (على إخباره عن نفسه) وهو على القراءتين ردّ لقوله: أظنك على تفسيريه والجملة المنفية معلق عنها ساذة مسد مفعوليه والمعنى أنّ علمي أو علمك بأن هذه الآيات من الله إذ لا يقدر عليها سواه يقتضي أني ل! ست بمسحور ولا ساحر وأن كلامي غير مختل لكن حب الرياسة حملك على العناد وقوله يعني الآيات أي التسع أو بعضها أو ما أظهره من المعجزات وقوله بينات أي لا سحر ولا تخيل، كما زعم فهي
جمع بصيرة بمعنى مبصرة أي بينة كما مرّ تحقيقه في قوله: وآتينا ثمود الناقة مبصرة أو المراد الحجج بجعلها كأنها بصائر العقول وتكون بمعنى عبرة كما ذكره الراغب، وقوله: نبصرك صدقي إشارة إلى علاقة التجوّز فيه. قوله: (وانتصابه على الحال) فإن قلنا ما قبل إلا يجوز علمه فيما بعده وان لم يكن مستثنى ولا تابعا له فعامله أنزل المذكور وصاحبها هؤلاء وإليه ذهب أبو البقاء والحوفي وابن عطية والا فالعامل مقدر تقديره أنزلها. قوله: (مصروفًا عن الخبر (من الثبر بمعنى الصرف مطلقًا، وقدّر متعلقه مخصوصًا بقرينة المقام وكونه مطبوعا على الشر من لوازمه وقوله: هالكا فهو من ثبر اللازم بمعنى هلك ومفعول فيه للنسب بناء على أنه يأتي له من اللازم والمتعدي، وفسره المعرب بمهلكا وهو ظاهر وفي شرح شعر هذيل في قوله:
بنعمان لم يحلف شنيقا مثبرا
إن في الحديث ما ثبر الناس أي عجل الدنيا وأخر الآخرة، وقال أبو عمر ومثبر: لا يصيب خيرًا، وقيل ضعيف وبه فسرت الآية. قوله: (قاوع ظنه بظنه) أي قابله به لدفعه، كما يتقابل المتقارعان بالرماح فهو استعارة، وقوله: كذب بحت بالباء الموحدة والحاء المهملة والتاء الفوقية أي خالص لا يطابق واقعا ولا اعتقادًا ولا إمارة عليه وإنما سمي ظنا لتعبيره به أو لأنه وقع منه الظن لفساد عقله، وما ذكر بالنسبة للواقع في العقول السليمة وأخالك بمعنى أظنك بكسر الهمزة في الفصيح وقد تفتح. قوله: (أن يستخف الخ (هذا أصل معناه أي يزعجهم فكني به عن إخراجهم من أرضهم وهي مصر إن ثبت أنهم دخلوها، فإن لم يثبت فالمراد ذريثهم أو يراد بالأرض! الأرض المقدسة والتعريف للعهد أو من جميع الأرض! والتعريف للجنس ويلزمه قتلهم واستئصالهم وهو المراد به. قوله: (فعكسنا عليه مكره (أي أراد ذلك لهم دونه فكان له دونهم والتعكيس على الثاني ظاهر فإن خص به فأظهر وإلا فهو على
الأوّل لأنه أراد إخراجهم منها فأخرج هو أشدّ إخراج بالهلاك إذ الزيادة لا تضر في التعكيس بل تؤيده ولذا زاد قوله: بالإغراق. قوله: (الكرّة الخ) بيان لتقدير موصوف على الوجوه وقوله: يعني قيام القيامة على جميعها، وقوله: إياكم واياهم كان الظاهر أنتم وهم وهو منصوب بمقدر أي أعني، وقيل:
[ ٦ / ٦٥ ]
إنه تفسير لضمير بكم مع الإشارة إلى أن فيه تغليبا للمخاطبين على الغائبين وأتى بالضمير المنصوب لأنّ المجرور في محل نصب لكن كان الظاهر تقديمه حينئذ، وقوله: واللفيف الخ فهو إما اسم جمع كالجميع ولا واحد له أو هو مصدر شامل للقليل والكثير لأنه يقال: لف لفا ولفيفا. قوله: (أي وما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق) يشير إلى أنّ الباء للملابسة وانّ تقديم الجار والمجرور على عامله للحصر هنا والضمير للقرآن والجارّ والمجرور حال من ضمير المفعول، وفيه وجوه أخر، وغاير بين وصفي الحق إشارة إلى تغايرهما هربا من التكرار ظاهرًا، وان كفى تغاير متعلقهما وهو الإنزال والنزول وبه لا يكون الثاني تأكيدًا للأوّل حتى يتوهم أنّ المحل حينئذ ليس محل العطف لكمال الاتصال لأن العطف للجملتين لا للمتعلقين والحق فيهما ضد الباطل لكن المراد في الأوّل الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله وفي الثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها، وقيل: الباء الأولى للسببية والثانية للملابسة وقيل: هي للسببية فيهما فتتعلق بأنزلنا. قوله: (وقيل الخ) أي قيل إنّ معنى كونه منزلًا ونازلًا بالحق ما ذكر وهو التفسير الثاني في الكشاف وفسره الشارح الطيبي بأنّ الحق فيه مقابل الباطل، وقوله: محفوظا بالرصد توضيح له وبيان لأنه منصوب على الحال يعني هو محفوظ بالرصد لا يأتيه الباطل من بين. يديه ولا من خلفه كقوله: وأحاط بما لديهم واليه أشار المصنف بقوله: ولعله الخ يعني أن هذا القائل أراد أنه ثابت على الحقية فالحق فيهما بمعنى واحد بخلافه على تفسير المصنف، وإنما عبر بلعل لأنّ الحفظ لا يلزمه ذلك إلا بالتأويل كما مرّ والرصد جمع راصد كحرس وحارس لفظًا ومعنى فقوله: من الملائكة بيان له والاعتراء بالعين والراء المهملتين بينهما مثناة فوقية وبالمد الإصابة، وأوّل الأمر وآخره منصوب على الظرفية، والمراد بالأوّل حال إنزاله وبالآخر النزول وما بعده إذ لو حمل النزول على ظاهره الملازم للإنزال لم يكن لذكره فائدة، وبه يندفع ما يتوهم من التكرار على اتحاد معنى الحق فيهما، وقوله: من تخليط الشياطين متعلق بمحفوظ الثاني لا أنهما على التنازع لأنّ احتمال التخليط إنما هو بعد النزول فمن قال إنّ قوله: ولعله الخ معنى آخر حاصله جعل أوّل الزمان للإنزال وآخره للنزول فليس فيه شبه تكرار أوارد لعل هذا القائل أو الله تعالى على هذا القول نفي اعتراء البطلان الخ، يعني
أنه تعالى لما أخبر بأنه محفوظ من التخليط زمان إنزاله من السماء الدنيا ومعلوم أنه محفوظ أيضا في زمان إنزاله من اللوح إلى السماء الدنيا، فلذا قال! المصنف ﵀: من السماء ولم يقل إلى السماء الدنيا ليحصل التغاير بينهما فأفادت الآية أنه محفوظ أوّلا وآخرًا اهـ، فقد خبط خبط عشواء لما سمعته من بيان مراده. قوله: (للمطيع (قدره لدلالة المقام عليه وقوله: فلا عليك أي لا يجب عليك إلا هذا لا هدايتهم للإيمان فالقصر إضافي والوجوب من لفظ عليك، ويجوز أن يقدر لا بأس عليك بحذف اسم لا فإنه مسموع مقيس، وقوله: نزلناه مفرّقا منجما تفسير له على قراءة التخفيف وإشارة إلى أنه بحسب المآل بمعنى المشدد، وقوله: فرقنا فيه بيان لأنّ الضمير للظرفية للفرق بين الحق والباطل، وهو القرآن وبعد حذف الجار انتصب مجروره على أنه مفعول به على التوسع لأنّ الضمير لا ينتصب على الظرفية، وقرآنا منصوب بفرقنا على الاشتغال فالاستشهاد بالبيت من وجهين وفي نصبه أقوال أخر هذا أقربها، وقوله: ويوما الخ من بيت هو:
ويوما شهدناه سليما وعامرا مزيدًا على الطعن النهال نوافله
وسليم وعامر اسما قبيلتين من قيس، ونوافله غنائمه فاعل مزيد، والنهال بكسر النون
جمع ناهل بمعنى عطشان والمراد بها الرماح أي لا غنائم فيه إلا الطعن وهو تمثيل ومحل الاستشهاد فيه ظاهر. قوله: (لكثرة نجومه الخ) يعني أن التفعيل فيه للتكثير في الفعل وهو التفريق وقيل: فرق بالتخفيف يدل على فصل متقارب وبالتشديد على فصل متباعد، ومنجمًا مفرّقا من قولهم نجمت المال إذا وزعته كأنك فرضت أن تدفعه عند طلوع كل نجم ثم أطلق النجم على وقته ثم على ما يقع فيه فما كان في نجوم كان مفرقًا ومنجما، ولما كان قوله: على مكث دالًا على كثرة نجومه كانت القراءتان بمعنى، فلا يرد عليه أن الدلالة على التكثير أنسب بالمقام
[ ٦ / ٦٦ ]
كما قيل، وقوله: في تضاعيف عشرين سنة أي فيها وهو من المجاز يقال: تضاعيف كذا وفي إضعافه أي في إثباته كما في الأساس، وتؤدة بضم التاء وفتح الهمزة والدال المهملة هي التأني والتمهل في الفعل وقوله: فإنه أيسر للحفظ أي التأني في القراءة، وفي قوله: على مكث احتمالات منها تعلقه بفرقناه وهو الظاهر لأنّ تعلق على الناس بتقرأه يقتضي أن لا يتعلق به، لأنّ تعلق حرفي جرّ بمعنى بمتعلق واحد خلاف الظاهر ولو بالتأويل، أو هو متعلق بمحذوف أي تفريقا على مكث أو قراءة على مكث منك بمكث تنزيله فما ذكر من كونه أيسر وأعون تعليل لتدريج النزول أو للتأني في القراءة ولا ترجيح لإحدى القراءتين كما يعلم مما قرّرناه وقوله: وقرئ بالفتح أي بفتح الميم فإنها مثلثة إلا أنّ الكسر قليلى ولم يقرأ به. قوله:
(على حسب الحوادث) وفي نسخة المصالح وهما بمعنى وفسره به ليقيد معنى قوله: فرقناه فإن الأوّل دال على تدريج نزوله ليسهل حفظه وفهمه من غير نظر إلى مقتضى لذلك وهذا أخص منه فإنه دال على تدريجه بحسب الاقتضاء فلا وجه لما قيل إنه للتنصيص على معناه ولولاه لكان مكرّرا، وقوله: آمنوا به أو لا تؤمنوا للتسوية لما ذكره المصنف ﵀. قوله: (تعليل له) أي لقوله: لا تؤمنوا وهو الظاهر أو لما قبله وهو داخل في حيز قل لما ذكر والتعليل صادر من الله على لسان نبيه غيب، وقوله: فقد آمن به بتقدير فلا بأس فقد الخ، وقوله: قرؤوا الخ بيان لسبب إيمانهم، وبيان لطريق إتيانهم العلم بحقيقته وهو أنهم لمعرفتهم بالوحي وامارته عرفوا أنه وحي وأنك نبيّ، وقوله: أو رأوا نعتك الخ بيان لسبب آخر لإيمانهم وهو كونه مذكورًا في كتبهم وهو معطوف على قوله عرفوا، وعلى كونه تعليلا لقل لا يكون داخلا في مقوله وحيزه. قوله: (يسقطون على وجوههم (هذا بيان لحاصل المعنى وتفسير له لأنّ معنى الخرور السقوط والسجود وهو يكون على الوجه فلا يغاير قوله: الآتي وذكر الذقن الخ، وقيل: يحتمل أنه إشارة إلى وجه آخر وهو أن اللام بمعنى على هنا كما ذكره المعرب وأن الذقن مراد به الوجه تعبيرا بالجزء عن الكل لأن حقيقته مجتمع اللحيين لا ما ينبت عليه من الشعر وان شاع فيه مجازًا قيل: وهو أولى، وقوله: تعظيما مفعول له تعليل لما قبله، وليس تفسيرًا لسجدا الواقع حالًا، وقوله: أو شكرًا معطوف عليه وهو أوفق بالتفسير الثاني لقوله: أوتوا العلم، وانزال القرآن بالجز عطف على إنجاز أو على بعثة محمد ع! يلى وهو أولى لقربه ولإفادته أنه موعود به أيضًا وقوله: عن خلف الموعد متعلق بسبحان بمعنى التنزه وهذا ناظر إلى التفسير الثاني، ويصح على الأوّل بأن تكون المعرفة بأمارات قبل التأمل فيما يتلى، وهذا بعده، وقوله: إنه الخ إشارة إلى أنّ أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن وقوله: لا محالة من التأكيد بالاسمية وأن واللام. قوله: (كرّره) أي قوله يخرّون للأذقان لاختلاف الحال وهو أنّ الأوّل عند إنجاز الوعد، وهذا بعده أو الأوّل في حال التعظيم وهذا في حال البكاء والخوف
والسبب هو الشكر في الأوّل وتأثير الموعظة في الثاني. قوله: (وذكر الذقن لآنه أوّل ما يلقى الأرض الخ) كذا في الكشاف واعترض! عليه في التقريب بأنّ أوّل ما يلقى الأرض من وجه الساجد الجبهة أو الأنف، وأجاب عنه الشراح بأنه في ابتداء الخرور أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن أو أنه أريد به المبالغة في الخضوع لأنه بتعفير اللحى في التراب والأذقان عبارة عنها، أو أنه ربما خرّ على الذقن كالمغشيّ عليه ومنهم من قال: لعل سجودهم كان هكذا غير ما عرفناه (قلت (لا يخفى ما في هذه الوجوه كلها مع أن هذا الاستعمال وارد مع الخرور، ولو في غير السجود في كلام العرب قديمًا قال الثاعر:
فخروا لأذقان الوجوه تنوث! هم سباع من الطير العوادي وتنتف
فالظاهر أنه غفلة عن معنى لقي قال الراغب: اللقاء مقابلة الشيء ولا شك أن أوّل مقابل الأرض من الساقط الساجد والواقع هو الذقن، وهم ظنوه بمعنى الإلصاق فتكلفوا له ما ذكر، والحاصل أنّ هذا إنما يرد لو أريد به ظاهره وحقيقته، أما إذا أريد به المبالغة كأنه لشدة تحامله ألصق ذقنه بالأرض! أو جعله كناية أو تمثيلًا فلا إشكال. قوله: (واللام فيه لاختصاص الخرور به) أي بالذتن، اعترض عليه بأنه بعد ورود ما تقدّم عليه مخالف لقوله: لأنّ أوّل ما يلقى الأرض الخ لاقتضائه أن في الوجه ما يتصف
[ ٦ / ٦٧ ]
بالخرور وغيره، إلا أن يقال تقديره لاختصاص أوّل الخرور به أو يقال: لاختصاص هنا متعذ، والمعنى لتخصيصهم الخرور به، ويكون هذا طريق سجدتهم كما مرّ (قلت (هذا مبنيّ على أنّ الاختصاص الذي يدلّ عليه اللام بمعنى الحصر وليس كذلك وإنما هو بمعنى تعلق خاص، ولو سلم فمعنى الاختصاص به الاختصاص بجهته، ومحاذيه وهو جهة السفل ولا شك في اختصاصه به إذ هو لا يكون لغيره فمعنى يخزون للأذقان يقعون على الأرض عند التحقيق، والمراد تصوير تلك الحالة كما في قوله:
فخز صريعا لليدين وللفم
قوله: (أو قالت اليهود) بيان سبب آخر، وفي نسخة بالواو وهذه أصح لما في الثانية من
إيهام أنه من تتمة ما قبله وليس بمراد كما صرّج به، وقوله: هو التسوية بين اللفظين الاستواء
هو معنى أو التخييرية، كما في قوله: سواء عليّ أقمت أو قعدت، فهي إشارة إلى أنهما متساويان في الدلالة على ذات واحدة، وإن اختلف مفهوماهما، كما هو مشهور وبه يتم الجواب كما لا يخفى فسقط ما قيل: إن الجواب ليس إلا بأنهما يطلقان على ذات واحدة لا بالتسوية لإشعاره بأنّ إطلاقهما على ذات واحدة مفروغ عنه، مع أنّ ما ذكره من المحذور نور على نور، وقوله: ذات واحدة وقع في نسخة واحد إشارة إلى أنه انسلخ عنها معنى التأنيث لما أطلقت على الله، وعلى الثاني أي السبب الثاني للنزول: وهو قول اليهود الاستواء في حسن الإطلاق كما يفهم من توصيف الأسماء بالحسنى لأنهم فهموا أحسنية الرحمن لكثرة ذكره في كتابهم، وكأنّ حكمته أنّ موسى ﵊ كان غضوبا كما دلت عليه الآثار فأكثر من ذلك، ليعامل أمّنه بذلك لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متخلقون بأخلاق الله. قوله: (وهو أجود) أي أكثر جودة وفي نسخة أخرى أي أنسب، وفي النسخ الصحيحة أجوب من الجواب بالجيم والباء الموحدة فاللام تعليلية أيضًا أي أشد إجابة، والمعنى أليق بالجواب لما قالوا، قال في الكشف: في غير هذا المحل وقد عبر به الزمخشري، قال الأزهريّ عن ابن عمر أن رجلا قال للنبيّ ﷺ: أي الليل أجوب دعوة فقال: " جوف الليل الغابر "، قال: أي أسرع إجابة كما يقال أطوع من الطاعة والأصلى جاب يجوب مثل طاع يطوع بمعنى أنه من الثلاثي لا من المزيد لمخالفته القياس بلا حاجة ولو كان منه لصح إسماعه، ووجه الأجوبية أنه يدل على أنهم ظنوا أنه أحسن لكونه أحبّ إلى الله إذ أكثر من ذكره لا أنهم ظنوا تغايرهما كما زعم المشركون وأمّا ما أورد عليه من منع الأجوبية لأنّ تقديم الخبر في قوله فله الأسماء الحسنى يقتضي أجوبية الأوّل، إذ معناه هذه الأسماء لله لا لغيره كما زعم المشركون إلا أن يقال أو للتخيير وهو غير مسلم فيدفع بأنّ المعنى لله أسماء متفقة في الحسن لأنها لا يختلف مدلولها بالذات بخلاف غير.، فإنّ أسماءه تختلف فالقصر ناظر إلى الوصف لا الأسماء وهذا لا يتوقف على تسليم التخيير مع أنه سيأتي ما فيه، وقال في الكشف أيضًا على الوجهين التسوية بين اللفظين في الحسن والاختلاف إنما هو بأنّ الاستواء في الحسن ردّ لليهود بأنّ الإتيان بأحد الحسنين كاف أو لمن قال إنه يدعو اتها آخر بأنّ الاختلاف بين اللفظين الدالين على كماله تعالى لا بين كاملين فالأجوبية ممنوعة، ولرذه أنّ التوصيف بالحسنى أنسب بما ذكر كما قرّرناه. قوله: (والدعاء الخ) في الكشف لأنه لو حمل على الحقيقة المشهورة يلزم إما الإشراك إن تغاير مدلولا الاسمين أو عطف الشيء على نفسه إن اتحدا، وفيه بحث لأنا نختار الثاني ولا يلزم عطف الشيء على نفسه بأو وهو إنما يجوز بالواو كما في قوله:
وألقى قولها كذبا ومينا
لأنه قصد به لفظه كما تقول: بأن النبيّ محمد أو أحمد مع أنّ اختلاف مفهوميهما يكفي لصحته وقد جوّزه المعرب وغيره وسبب النزول الأول مؤيد له فتأمل، وقوله في الآية إشارة إلى أنه بهذا المعنى في الموضعين وأنه يكون بمعنى آخر في غير هذه الآية، وقوله: حذف أوّلهما وهو الضمير المقدر بتدعوه، والثاني أيا. قوله: (وأو للتخيير) قيل عليه الصواب أن يقول للإباحة لأنّ الفرق بينهما كما ذكره الرضي وغيره أنّ في الإباحة يجوز الجمع بين المتعاطفين والاقتصار على أحدهما وفي التخيير لا يجوز الجمع وهو جائز هنا (قلت) ما ذكره اصطلاح للنحاة في التخيير إذا قوبل
[ ٦ / ٦٨ ]
بالإباحة ومراد المصنف به التسوية بينهما في الدلالة على ذات واحدة كما صرّح به أوّلًا، وسواء فيه الإفراد والجمع، قال: في التلويح وفي التخيير قد يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة ا!، مع أنه لو سلم أنه لا وجه لمخالفة الاصطلاح المشهور فالآية أو فيها للتخيير بمعناه المعروف، لأنّ أيا لأحد الشيئين استفهاما كانت أو شرطا فإذا قلت لأحد أي الأمرين تأخذه فخذ لم تأمره بأخذهما بل بأحدهما، وأمّا الدلالة على جواز الجمع فمن خارج النظم، ودلالة العقل لأنهما إذا لم يتنافيا جاز الجمع بينهما فتدبر. قوله: (والتنوين الخ) أي أيا اسم شرط جازم منصوب بتدعوا وجازم له فهو عامل ومعمول من جهتين والمضاف إليه محذوف يعوّض عنه التنوين، وتقديره أيّ هذين الاسمين وما حرف مزيد للتاكيد، وقيل إنها اسم شرط مؤكد به وجملة فله الأسماء الخ، جواب الشرط، وقوله: والضمير الخ أي هو عائد على المسمى المفهوم من الكلام والقرينة عقلية، وهي أنّ الأسماء تكون للمسمى لا للأسماء. قوله: (وكان أصل الكلام اياما تدعوا فهو حسن) هدّا على الوجه الثاني وهو يتضمن وجه أجوبيته كما مرّ ويعلم منه تقديره على الآخر وهو فمدلوله واحد ونحوه، وقوله: فوضع موضعه أي موضع هذا الجواب، والمبالغة بجعلها كلها حسنى وهو يدلّ على حسن كل منهما بطريق برهانيّ فأقيم فيه دليل الجواب مقامه وهو أبلغ، وقوله: لدلالتها الخ مبنيّ على أنّ الله بمعنى المعبود وصفات الجلال ما يدل على العظمة كجليل وكبير وصفات الإكرام كرحيم ورحمن، وقال الكرماني: صفات الجلال هي العدمية كلا شريك له، وصفات الإكرام الوجودية فتأمّل. قوله: (بقراءة صلانك) أي بتقدير مضاف أو
بتسمية القراءة التي هي منهابها كما تسمى ركعة وقد مرّ تفصيله، وقوله: حتى تسمع بالخطاب للنبيّ في من الأفعال والمشركين مفعوله والسب سب القرآن أو منزله أو النبيّ ﷺ واللغو رفع أصواتهم وتصفيقهم حتى يخلطوا عليه القراءة كما كانوا يفعلون، وقوله: فإن ذلك تعليل للنهي، وقوله: لا تسمع بخطاب الإسماع أو بغيبة سمع، وقوله: سبيلًا وسطا تقدير للصفة أو بيان كون المراد بالسبيل ذلك، وأنه يفهم من بين والاقتصاد التوسط والاعتدال وأصله سلوك طريق مقصودة، وقوله: فإنّ الخ تعليل لابتغاء الوسط فلا حاجة لما قيل حقه، ولأنّ الاقتصاد لسبق علة النهي، وقوله: روي حديث صحيح رواه الترمذيّ وغيره وفيه أنّ النبي ﷺ سألهما عن ذلك وخفت من باب ضرب بمعنى أسرّ وأخفى يقال: خفت يخفت خفتا وخفوتا وخافت مخافته بمعنى، وقوله: روي بدون عطف بيان لسبب النزول ولكونه غير مخالف لما فسره به أوّلًا لم يعطفه عليه كما في الكشاف ولم يسبق ذكر سبب آخر يعطف عليه كما توهم، وما ذكر من قوله أناجي ربي الخ حكمة السرّ والجهر. قوله: (وقيل الخ) فهو على الأوّل أمر بالاعتدال في الجهر أيضا، وعلى هذا يتغايران والحكمة فيه ما مر من سب المشركين ولغوهم فإنهم يسمعون نهارا لا ليلًا ثم استمرّ الشرع على ذلك وقوله: بالإخفات قيل عليه أنه لم يوجد في كتب اللغة أفعال من الخفت فلعله من تحريف الناسخ وهو إخفاء بالمدّ فظن المدة صورة التاء فانظره. قوله: (في الآلوهية (جعل نفي الشريك له في ملكه لسائر الموجودات كناية عن نفي الشركة في الألوهية لأنه لو كان إله آخر لتصرف فيها، فاندفع ما قيل إنه الأولى أن يقول: في الخالقية. قوله: (ولئ يواليه من أجل مذلة به) يشير إلى أن من هنا تعليلية، كما هو أحد الوجوه فيها وقوله: يواليه تفسير للوليّ بأنه من يواليه أي يجعله مولى يلتجىء إليه وفاعله ضمير الله المستتر ومفعوله ضمير الوليّ، فأمّا أولياؤه من المؤمنين فليس الولاية فيه بهذا المعنى بل بمعنى من يتولى أمره لمحبته له تفضلًا منه ورحمة، وقوله: ليدفعها أي ليمنعها عنه قبل لحوقها
أو بعده. قوله: (نفى عته أن يكون له ما يشاركه الخ) المشارك من الجنس الولد واختياره أن يكون من غير حاجة إليه والاضطرار خلافه ومن غير جنسه هو الشريك غير الولد سواء جعله شريكًا باختياره أو شاركه قسرًا فاختيارًا واضطرارًا راجع لهما ويصح أن يكون على اللف والنشر، وما يعاونه هو الولي المحتاج إليه كما مرّ وهو عطف على قوله: شريك.
[ ٦ / ٦٩ ]
قوله: (ورتب الحمد عليه) أي على النفي لهذه بأن جعله محمودًا عليه وهو دفع لسؤال كما في الكشاف وهو أنّ الحمد يكون على الجميل الاختياري وبه وما ذكر من الصفات العدمية ليس كذلك فالمقام مقام التنزبه لا مقام الحمد، وقوله: لأنه كامل الذات الخ بيان لدفعه وحاصله أنه يدل على نفي الإمكان المقتضي للاحتياج واثبات أنه الواجب الوجود لذاته الغنيّ عما سواه المحتاج إليه ما عداه فهو الجواد المعطى لكل قابل ما يستحق فهو المستحق للحمد دون غيره، وقيل: نفي هذه الصفات التي هي ذرائع لمنع المعروف لأنّ الولد مبخلة، والشريك مانع من التصرّف كيف شاء والاحتياج إلى المعين أظهر رديف لإثبات أضمدادها على الكناية وهو وجه حسن ولو حمل الكلام على ظاهره لكان له وجه لأنّ قول القائل الحمد لله ينبئ عن أنّ الألوهية تقتضي الحمد، فإذا قلت الحمد لله المنزه عن النقائص مثلا يكون مقويا لمعنى الألوهية المفهومة من الجلالة فيكون وصفًا مؤيدًا لاستحقاقه الحمد من غير نظر إلى مدخلية الوصف في الحمد اسنقلالًا وهذا معنى مكشوف لكنهم حاولوا الدلالة على مكان الفائدة الزائدة يعني أنه دال على الاستحقاق الذاتيّ، وأفاد الطيبي ﵀ أنّ في الآية تقسيما حاصرًا لأنّ المانع من الإيتاء إمّا فوقه أو دونه أو مثله فنفى الكل على الترقي، وهو معنى بديع فقول المصنف: لأنه كامل الذات معلوم من الجلالة وكونه لا ولد له ولا معين فهو تنبيه على الاستحقاق الذاتي، وقوله: المنفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق من كونه لا شريك له في الملك فهو الموجد له المتصرّف فيه فكل ما فيه من نعمة ومنعم عليه، فهو له وهو الفياض! المطلق بلا عوض! ولا غرض إذ لا احتياج له وهذا يفهم منه بطريق الكناية، وقد قصد معناه الحقيقي أيضا إذ هي لا تنافيه فهذا إشارة إلى الاستحقاق الثاني، وقوله: مملوك نعمة من إضافة الصفة للموصوف أي ما عداه ناقص لأنه إمّا نفس النعمة المملوكة له المسندة إليه أو منعم عليه، وقوله: ولذلك، أي لكونه كاملًا وما عداه ناقص استحق التكبير أي التعظيم فلذا عطف عليه قوله: وكبره تكبيرًا. قوله: (وفيه) أي في قوله: وكبره تكبيرًا أمرًا له بتعظيم الله أي تعظيما مؤكدًا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظمه به إشارة إلى أنه مما لا تسعه العبارة، ولا تفي به القوّة البشرية، دمان بالغ في التنزيه بما مرّ والتحميد بحمده، واجتهد في العبادة المفهومة من ذكر الصلاة قبله فلم
يبق إلا الوقوف بأقدام المذلة في حضيض القصور. قوله: (روي أنه ﷺ الخ) الآية هي قوله: الحمد دلّه الخ وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما، وقوله: أفصح أي أنطق لسانه بالكلام وفهم ما يلقى إليه، وقوله: من قرأ الخ حديث موضوع، وقوله: فرق قلبه أي حزن عليهما وتأسف، وقوله: كان له قنطار أي من الثواب، وقوله: والقنطار الخ هو من جملة الحديث، وذكره الواحديّ دون قوله: ومائتا أوقية وفيه الأوقية منها خير من الدنيا وما فيها والله أعلم، تمت السورة بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.