وتسمى سورة الدهر، والأمشاج وهل أتى ولا خلاف في عدد آياتها وهي مكية عند الجمهور، وقالط ابن عادل إنها مدنية عند الجمهور وهو مخالف لما قاله الفاضل المحشي، وقيل: مدنية مطلقًا وقيل: إلا قوله فاصبر الخ
[ ٨ / ٢٨٤ ]
وقيل إلا قوله ولا تطع منهم آثمًا أو كفورا.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (استفهام تقرير وتقريب) تقريب بالرفع عطف على استفهام أو بالجرّ عطف على تقرير، والتقرير الحمل على الإقرار بما دخلت عليه والمقرّر به من ينكر البعث، وقد علم أنهم يقولون نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه فيقال لهم: فالذي أوجدهم بعد أن لم يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم، وهذا معنى الهمزة المقدرة معها، والتقريب تقريب الماضي من الحال وهو معنى قد وهل المرادفة لها فلما سدت مسد الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معًا، ثم صارت حقيقة في ذلك فقوله، ولذلك أي لدلالتها على ما ذكر كما عرفته، وقوله: فسر بقد كما فسرها به ابن عباس ﵄ وجماعة من النحاة كالكسائيّ وسيبوبه والمبرّد والفرّاء، وردّه ابن هشام في المغني وقوله: وأصله أهل على ما قرّرناه. قوله: (كقوله) القائل هو زيد الخيل قاله: في غارة أغارها على بني يربوع وهم قبيلة مغروفة أغار عليهم فأصاب منهم وقتل وسبى فقال في ذلك شعرا وهو:
سائل فوارس يربوع بشذتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
أم هل تركت نهيكافيه دامية ملاسة تنفث الطلاء بالقدم
والحرث بن هشام عند معترك رهن المقامة للعرجاء والرخم
إنا كذاك إذا ما غارة لحقت نفضي لكل رقيق حذه خدم
وكل مشترف من نسل سلهمة يلتحن عند اعتراك الموت باللجم
وهذه جميع الأبيات قال السيوطي في شرح شواهد المغني والذي رأيته في نسخة قديمة
من ديوانه فهل رأونا وقال السيرافي الرواية الصحيحة أم هل رأونا وأم منقطعة بمعنى بل فلا
دليل فيه لما قاله الزمخشري، ومن تبعه لأنّ الحرف لا يدخل على مثله ولم يجعله المصنف ﵀ دليلاَ كما في الكشاف لاحتمال أنه جمع بينهما للتوكيد كما في قوله:
ولا للما بهم دواء
مع أنّ هذا أقرب لعدم اتحادهما لفظًا، والسفح أسفل الجبل ينفسح فيه الماء، والقاع الأرض المنخفضة وا! م جمع أكمة وهي ما علا من الأرض دون الجبل والشدة بالفتح الحملة أو بالكسر القوّة والباء فيه لتضمين سائل معنى أهيم أو للسببية، وقوله: أهل الخ كناية وتعريض معناه أهل كنا غالبين أم هم وفيه تعريض بأنهم كانوا في الحضيض كذا في الكشف وعندي إنه كناية عن انهزامهم لأنّ من شأن المنهزم الالتجاء إلى جبل. قوله: (طائفة محدودة) أي مقدرة، وهو تفسير للحين وهو شامل للكثير والقليل لأنها إمّا مدة الحمل إن أريد النطفة أو هي مدّة مادة آدم المخمرة طينًا على الخلاف فيها هل هي أربعون سنة أو مائة وعشرون كما في الآثار إن أريد العنصر، وقوله: الزمان الممتدّ الغير المحدود تفسير للذهر فإنه عند الجمهور يقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين والزمان عامّ للكل، وتوقف أبو حنيفة في معنى الدهر كما ذكر في كتاب الإيمان يعني في المراد به عرفا حتى يقال: بماذا يحنث إذا قال: لا أكلمه الدهر. قوله: (غير مذكور بالإنسانية (إشارة إلى أنّ النفي راجع للقيد أي غير معروف بها والمراد أنه معدوم لم يوجد بنفسه إذ كان الموجود أصله مما لا يسمى إنسانًا ولا يعرف بعنوان الإنسانية كالعناصر الأربعة جملتها أو بعضها المخلوق منها آدم ﵊، أو النطفة المتولدة من الأغذية المخلوقة من العناصر، وقوله: حال من الإنسان فأطلق على مادّته الإنسان مجازًا بجعل ما هو بالقوة منزلًا منزلة ما هو بالفعل أو هو من مجاز الأول وقوله: بحذف الراجع أي العائد وتقديره فيه كما في قوله: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٨] . قوله: (والمراد بالإنسان الجنس) الشامل لآدم وبنيه لا آدم كما ذهب إليه بعض المفسرين وسيأتي لأنه أعيد معرفة في قوله: لقد خلقنا الإنسان من نطفة فيكون عين الأوّل، وآدم غير مخلوق من نطفة فإذا أريد الجنس فإمّا أن يكون جنس بني آدم وهو خارج، أو داخل بتغليب غيره عليه أو بجعل ما للأكثر للكل مجازًا في الإسناد أو الطرف فلذا قال: لقوله الخ فجعل هذا دليلاَ لتفسيره
[ ٨ / ٢٨٥ ]
بالجنس بناء على الظاهر المتبادر. ترله: (أو آدم (أي المراد به في قوله: على الإنسان آدم ﵊، وقوله: بين أوّلًا خلقه أي ما خلق منه، ومادته لأنّ الشيء الذي لم يذكر المراد به العناصر أو التراب وهو وإن أبهم معلوم من القرائن الخارجية فما قيل: إنه بطريق الإشارة لا وجه له إلا أن يريد ما ذكر على أنّ الإشارة غير
المصطلحة فقوله: سابقا كالعناصر، والنطفة المراد المجموع بالنظر إلى المجموع أو التوزيع على الوجهين في المراد بالإنسان وليس نظرًا للتقريب في الاستفهام، وعدمه لأنّ مرتبة العنصرية بعيدة كما توهم لأنّ التقريب فيهما نسبي تقريبي. قوله: (أخلاط) جمع خلط بمعنى مختلط ممتزج، وقوله: مشج بفتحتين كسبب وأسباب أو بفتح فكسر ككتف وأكتاف ومشيج فعيل فإنه يجمع أيضا على أفعال كشهيد وأشهاد ونصير وأنصار وإن قال في التسهيل إنه غير مقيس، وقوله: وصف النطفة وهي مفردة بها أي بأمشاج وهو جمع لأن المراد بها مجموع ماء الرجل، والمرأة والجمع ققد يقال على ما فوق الواحد أو باعتبار الأجزاء المختلفة فيهما رقة وغلظا وصفرة وبياضا وطبيعة وقوّة وضعفا حتى اختص بعضها ببعض الأعضاء على ما أراده الله بحكمته وعلمه بقدرته فهذا في المعنى جوابان، والحاصل أنه نزل منزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه، وقوله: ولذلك أي لأجل التفاوت والاختلاف المذكور وخلقها متفاوتة كذلك باختياره تعالى فلا يتوهم أنه مخالف للمذهب الحق من أنه باختياره تعالى، وإن جاز أن يقال إنه وقع كذلك ابتداء باختياره تعالى فتدبر. قوله: (وقيل مفرد) أي أمشاج هنا مفرد بناء على أنّ أفعالًا يكون في المفردات نادرًا وقد عدوا منه ألفاظا مذكورة في كتب اللغة واليه ذهب سيبوبه في لفظ أنعام كما مرّ فالقول بأنه لم يذهب إليه غير صحيح وقد مرّ ما فيه، وقولهم: برمة أعشار أي متكسرة كأنها صارت عشر قطع والبرمة القدر وا! ياس بكاف وياء تحتية مثناة وشين معجمة ثوب غزل غزله مرّتين، وقيل: الثوب اكياس، من ملابس ا! ياس. قوله: (وقيل ألوان) معطوف على قوله: أخلاط على أنه مفسر بذاك أو بهذا، وقوله: اخضرّا لتغيرهما بالمكث في قعر الرحم كما يخضرّ الماء بالمكث، وهو حال أي من فاعل خلقنا أو من مفعوله وقوله: بمعنى مريدين إختباره يشير إلى ما يرد عليه من أنّ الابتلاء بمعنى الاختبار بالتكليف، وهو يكون بعد جعله سميعًا بصيرًا لا قبله فكيف يترتب عليه قوله: فجعلناه الخ فأجاب بأنه إمّا حال مقدرة مؤولة بقوله: مريدين الخ أو الابتلاء ليس بمعنى الاختبار المذكور بل هو مجاز مستعار لنقله من طور وحال إلى طور، وحال آخر لأنّ المنقول يظهر في كل طور ظهورًا آخر كظهور نتيجة الامتحان بعده وليس هذا على تفسير الأمشاج بالأطوار كما يتوهم، وأما كون نبتليه في نية التأخير أي فجعلناه سميعا بصيرًا نبتليه فتعسف، ولذا لم يعرج عليه المصنف. قوله: (فهو
كالمسبب الخ) أي جعل الله الإنسان ذا سمع وبصر كالمسبب عن الابتلاء لأنّ المقصود من جعله كذلك أن ينظر الآيات الآفاقية والأنفسية وشممع الأدلة السمعية، ولذا خص هاتين الصفتين وقال كالمسبب لأنّ أفعاله تعالى لا تحتاج إلى الأسباب والعلل أو لأنه مسبب عن إرادة الابتلاء لا عن الابتلاء نفسه، وقوله: ولذلك أي لأجل أنه كالمسبب عطف بالفاء ورتب عليه ما بعده لأنه مسبب وما بعده عفة له، وقوله: ورتب عليه الخ لأنها جملة مستأنفة تعليلية في معنى لأنا هديناه أي دللناه على ما يوصله من الدلائل، وهو إنما يكون بعد التكليف والابتلاء به، وقوله: إنزال الآيات إشارة إلى الدلائل السمعية. قوله: (وإفا للتفصيل) باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات ففصلت حالاته إلى الشكر والكفران كما أشار إليه بقوله: في حاليه والتقسيم للناس باختلاف الذوات والصفات باعتبار أن بعضهم كذا وبعضهم كذا، والشكر الاهتداء للحق وطريقه والكفران ضده فالمعنى إنا دللناه على الهداية، والإسلام فمنهم مهتد مسلم ومنهم ضال كافر. قوله: (أو من السبيل الخ (عطف على قوله من الهاء، وقوله: على حذف الجواب الخ وتقديره إمّا شاكرًا فتوفيقنا له واقا كفورًا فبسوء اختياره ونحوه مما يناسب المقام، وقيل: إنها إمّا العاطفة وفتح همزتها لغة فيها، وقد تبدل ميمها ياء كما في قوله:
إيماء إلى جنة إيماء إلى نار
وقوله: ليطابق قسيمة تعليل للمنفي، ومحافظة تعليل للمنفي وقسيمه شاكرا، وقوله: التوغل فيه أي المبالغة والزيادة فيه الذي تفيده صيغة فعول، والكفران ترك
[ ٨ / ٢٨٦ ]
الشكر وقلما يخلو منه أحد فحينئذ يلزم عدم الفرق بين المؤمن، وكيره ولا تتأتى المقابلة لأنّ كل شاكر كافر وقد يجتمعان، والمبالغة بحسب الكيف أو الكم لشموله الجميع. قوله: (وتقديم وعيدهم) هنا على الوعد للمؤمنين مع تأخر ذكرهم في التقسيم بقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٣] لأنّ الإنذار أنسب بالمقام وحقيق بالاهتمام وليكون أوّل الكلام وهو شاكرًا، وآخره من أوصاف المؤمنين وأيضًا هو لف ونشر مشوس، وهو أرجح لما فيه من اتصال أحد القسمين، وقوله: وقرأ نافع الخ ورويت عن غيره كما فصل في النشر، وقوله: للمناسبة يعني تنويته كما نوّن ما بعده وللمشاكلة يجوز صرف ما لا ينصرف، وذكر له وجو. أخر في الكشاف
هذا أحسنها وأشهرها مع ما يرد على غيرها كما يعلم من شروح الكشاف، وقوله: جمع بر كأرباب جمع رب بناء على أن فاعلا لا يجمع على أفعال وما بعده بناء على القول بجوازه كصاحب، وأصحاب وكما في المثلى أحبارها أبناؤها والخلاف فيه مشهور، وقد مرّ والبر المطيع، وعن الحسن البر الذي لا يؤذي الذر ولا يضر البشو. قوله:) من خمر (فهو مجاز بعلاقة المجاورة، وقوله: تكون فيه إشارة إلى أنه مما وضع بقيد كالذنوب للذلو فيها ماء ونحوه، وقوله: ما يمزج بها كالحزام لما يحزم به فهو اسم آلة، وقوله: لبرده وحرارة الخمر فيعدلها وعذوبته وطعمها مز والكافور الحيّ، كذلك وهو طري وقيل: كافور الجنة مخالف لكافور الدنيا ولو ذكر بياضه كان أولى ليكون تركيبا بما عرف فيه، وطيب عرفه بالفتح أي رائحته وهذا تعليل للمزج به دون غيره بناء على أنّ الكافور بمعناه المعروف، وقوله: اسم ماء وعلى هذا فالمزج به ظاهر وعلى القول بأنه خمر الجنة فيه أوصاف الكافور الممدوحة فجعله مزاجا مجاز في الاتصاف بذلك. قوله: (أو من محل من كأس الخ) أي ماء عين أو خمر عين على الوجهين السابقين بناء على أن ما يجري منها خمر أو له فعل الخمر قيل: إنه لا حاجة لتقدير المضاف على هذا على أنه مجاز في النسبة والنصب على الاختصاص يعني بتقدير أعني أو أخص، وقوله: أو بفعل يفسره ما بعدها لا أنه صفة عينًا ولذا أورد عليه أنه إذا كان صفة عينًا فلا يفسر أيضا وإلا فيجوز نصبه بنفسه من غير تقدير، وفيه وجوه أخر ذكرها المعرب. قوله:) ملتذا (هذا بناء على كون عينا بدلًا من قوله: من كاس وما بعده على إبداله من كافورأ، وهو إشارة إلى أن يشرب لا يتعدى بالباء فهي متعلقة بمحذوف يدل عليه ما ذكر، وقوله: مبتدأ منها لأنّ العين المنبع وقوله: كما هو كأنه اكتفاء أي كما هو مبتدأ من الكأس في قوله: من كأس وترك الخبر لظهوره، وقيل: الكاف للبقاء على حاله وما موصولة، وهو مبتدأ وهو ضمير العين ذكر لتأويله بالمشروب وخبره محذوف تقديره عليه أي على الوجه الذي هو عليه، وبهذا الوجه أعرب قولهم كما أنت وفيه نظر. قوله: " جراء سهلاَ) فتنكيره للتنويع أو هو من التفجير لأن الفجر الشق الواسع كما قاله الراغب: فيفيد ما ذكر وقوله: ببيان ما رزقوه لأجله ضمير رزقوه المنصوب للمذكور والمجرور لما أي بيان البرّ الذي رزق الأبرار ما ذكر لأجله فإن ترتب الحكم على وصف البرّ يشعر بعليته، وكان الموافق لقوله: يشرب أن يقول ما يرزقونه وكأنه آثر
صيغة الماضي للدلالة على التحقيق كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [سورة القمر، الآية ١٠] ونحوه، وقوله: كأنه سئل عنه أي قيل بما استحقوا هذا النعيم، وقوله: وهو أبلغ الخ أي أنّ قوله: يوفون بالنذر كناية عن أن يؤدّوا الواجبات كلها العلم ما عداه بالطريق الأولى وإشارة إلى النص كما ذكره. قوله: (شدائده) التعميم مستفاد من الإضافة إلى اليوم فإنه يشمل كل ما فيه، وفاشيا بمعنى ظاهرا ومنتشرا أي عام اللحوق والإصابة واستطار الحريق بمعنى انتشر وظهر كنور الفجر، وقوله: أبلغ من طار لأنّ زيادة البنية تدل على زيادة المعنى وللطلب زيادة دلالة عليه لأنّ ما يطلب من شأنه أن يبالغ فيه وقوله: وفيه إشعار الخ حسن العقيدة لأنّ خوف يوم القيامة بعد الإيمان بالله، والحشر والنشر وما تبعه واجتناب المعاصي لأنّ من خاف العذاب خوفًا استحق به أن يمدحه الله بأنه اجتنب مقتضى الخوف كما لا يخفى. قوله: (حب الله الا ضعف فيه كما قيل لأنه يغني عنه قوله لوجه الله وغير مناسب لقوله: حتى تنفقوا مما تحبون لأنّ ما ذكر مؤيد له لا مناف له وعدم المناسبة غير ضارة، وهو أحسن من حب الطعام بخلاف حب الإطعام فتأمّل. قوله: (فإنه ﷺ الخ) قال ابن حجر ﵀: إنه لم يذكر ممن يعتمد عليه من
[ ٨ / ٢٨٧ ]
أهل الحديث وكذا ما بعده والأسير المؤمن هو المملوك وسمي أسيرًا باعتبار ما كان وتسمية المسجون أسيرًا مجاز لمنعه عن الخروج، وقوله: وفي الحديث: " غريمك أسيرك " فيه تشبيه بليغ أي كأسيرك، وهذا كقول عليّ كرم الله وجهه أحسن إلى من شئت تكن أمنره. قوله: (على إرادة القول) بتقدير قائلين، وهذا إما قول باللسان لدفع الامتنان وتوهم توقع المكافأة أو بلسان الحال لما يظهر عليهم من أمارات الإخلاص، وقوله: إنها تبعث بالصدقة أي كانت تبعث بها،
وقوله: شكرا إشارة إلى أنه مصدر كالدخول، وقوله: فلذلك نحسن الخ إشارة إلى أنه تعليل لما قبله من قوله: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء، وقوله: عذاب يوم بتقدير المضاف أو لأنّ خوفه كناية عن خوف ما فيه. قوله: (تعبس فيه الوجوه) فوصفه بالعبوس مجاز في الإسناد كقوله: نهار. صائم أو فيه استعارة بالكناية على تشبيه اليوم بأسد مفترس، واثبات العبوس له تخييل وأخر. لأنّ العبوس ليس من لوازم الأسد ففي جعله تخييلية ضعف مّا لكنه لشهرة، وصفه به صح في الجملة وقيل إنه تشبيه بليغ، والضراوة بوزن الطراوة بالضاد المعجمة الاعتياد للصيد والافتراس وفي نسخة ضرره وهذه أصح. قوله: (كالذي يجمع ما بين عينيه) لأنه من قمطة إذا شده، وجمع أطرافه وقوله: وجمعت قطريها أى جانبيها لتضع حملها وقوله: والميم مزيدة فاشتقاقه من قطر بالاشتقاق الكبير وقوله: بدل عبوس الفجار المعلوم من قوله: وجوه يومئذ باسرة، وهو لشهرته فيه غنى عن ذكر مأخذه أو هو مص ت قوله: يوما عبوسا بناء على أرجح الوجهين فيه كما مرّ، وقوله: وايثار الأموال فيه مضاف مقدر أي إيثار بذل الأموال على اقتنائها، ولو قال: إيتاء الأموال كان أظهر والقياس دال على ما ذكرناه. قوله: (وعن ابن عباس ﵄ الخ (هو حديث موضوع مفتعل كما ذكره الترمذقي، وابن الجوزي وآثار الوضع ظاهرة عليه لفظا ومعنى فليت المصنف يترك إيراد مثله مع أنه يقتضي كون السورة مدنية لأنّ تزوّج علي بفاطمة ﵄ كان بالمدينة والسورة عند المصنف مكية، وقوله: فضة بلفظ أخت الذهب اسم جارية له، وأصوع جمع صاع وهو معروف وهو يؤنث، ولذا قال
ثلاث أصوع وقوله: هنأك الله دعاء له بجعلهم قرّة لعينه لما لهم من الزهد. قوله: (حال من هم) وخص الجزاء بهذه الحالة لأنها أتم حالات المتنعم ولا يضر الحالية فوله: بما صبروا لأن الصبر في الدنيا وما تسبب عليه في الآخرة، ولو كان حالًا من ضمير صبروا ورد ذلك عليه إلا أن يجعل حالًا مقدرة، وقوله: أو صفة لجنة هذا على مذهب مرجوج عند النحاة فإن الصفة إذا جرت على غير من هي له يجب إبراز الضمير البارز فيها سواء ألبس إضماره أم لا فمقتضاه أن يقال هنا متكئين هم فيها، وهل الضمير البارز في مثله فاعل أو مؤكد للفاعل المستتر وارتضى الثاني الرضى، وتفصحيله في شرح التسهيل. قوله: (يحتملهما) أي الحالية من ضمير جزاهم، وكونه صفة جنة، وقوله: والمعنى الخ لأنها إذا لم يكن بها شمس لم يكن فيها هواء حار فقصد بنفي الشمس نفيها، ونفي لازمها معًا لقوله: ولا زمهريرًا فتحسن المقابلة فكأنه قيل: الا حر، ولا قر) كما ورد في وصف هواء الجنة في الحديث وقوله: محم اسم فاعل من أحماه صيره شديد الحرارة والمراد مسخن لما لاقاه، وقوله: وقيل الخ لتظهر المقابلة والمعنى ما سيأتي. قوله: (وليلة ظلامها البيت اليلة مجرورة على تقدير رب وجملة ظلامها الخ صفتها واعتكر إشتدت ظلمته وتراكم بعضه على بعض، وقوله: ما زهر بمعنى أضاء وأشرق وهذا هو القرينة على أنّ الزمهرير في البيت القمر وقطعتها أي بالسير وجملة والزمهرير حالية. قوله: (حال الخ (هذا على قراءة النصب فهي حال أي معطوفة على محل الجملة الحالية، وهي لا يرون أو على متكئين الحال أو صفة معطوفة على الصفة السابقة بالوجهين، وقوله: أو عطف على جنة أي بتقدير موصوف وهو جنة وقوله: على أنها خبر ظلالها لا على أنهار رافعة له على الفاعلية حتى يستدلّ به على أعمال اسم الفاعل، من غير اعتماد كما ذهب إليه الأخفش مع أنه يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ مقدّر فيعتمد إذ لا يتعين كونه مبتدأ فيستغني بفاعله عن الخبر، وقوله: والجملة حال قالوا وامّا عاطفة أو حالية، وإذا كان صفة فالجملة أيضًا معطوفة على الصفة أو
صفة والواو للإلصاق على مذهب الزمخشري. قوله: (معطوف على ما قبله الخ) على الرفع وجعلت فعلية للإشارة إلى أن التظليل أمر دائم لا يزول لأنها
[ ٨ / ٢٨٨ ]
لا شمس فيها بخلاف التذليل فإنه أمر متجدّد وقوله: حال من دانية أي من الضمير المستتر فيه، وقوله: على قطافها بضم القاف، وتشديد الطاء جمع قاطف وكيف شاؤوا أي جلوسًا وقياما. فوله: (أي تكوّنت) أي أوجدت وخلقت وهو إشارة إلى أن كان هنا تامّة وقوارير حال، وإفادة ما ذكر لأنّ القارورة من الزجاج وهو على التشبيه البليغ أي كالقوارير في كونها شفافة صافية اللون، وقوله: نوّن قوارير أي فيهما وهي قراءة وقرئ بتنوين قوارير الأولى دون الثانية لوقوعها في الفاصلة وآخر الآية فنوّن ووقف عليه بالألف مشاكلة لغيره من كلمات الفواصل، وهو مراد المصنف بقوله: رأس الآية أي نهايتها فأطلق الرأس على النهاية، وإن كانت آخرًا كما في قولهم رأس السنة لآخرها وقوله، وقرئ قوارير أي برفع قوارير الثانية على أنها خبر مبتدأ مقدر وفي الوقف بالألف ودونها هنا روايات مفصلة في النشر. قوله: (فجاءت مقاديرها الخ) فعلى الأوّل معناه أنها كما تمنى الشاربون وأحبوا صورة وقدرا فهو كقول الطائي:
ولو صوّرت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع
ولا يحتاج هذا إلى قرينة المقام لأنّ المرء ما يقدر في نفسه ما يجيء له إلا على ما يحب
كما دل عليه بيت الطائي، وعلى الثاني إنّ السقاة أتوابها على مقدار يسع مقدار ما يكفي الشارب من غير زيادة ولا نقص وهو أهنأ وأمرأ، وقوله: وقرئ قدروها أي ببناء المجهول، وقوله: شرابها بالنصب مفعول قدر فعليه في الآية مضاف مقدر أو مضافان أحدهما مقدر هنا أي كفاية شرابها. قوله: (جعلوا قادرين لها الخ (يعني أنه من قدرت " الشيء بالتخفيف أي بينت مقداره فإذا نقل إلى التفعيل تعدى لاثنين ومعناه تصييره مقدارا له واحد المفعولين هنا الضمير النائب عن الفاعل، والثاني ها وقال أبو حيان أقرب من هذا ما نحاه أبو حاتم، وهو إن أصله
قدّر ريهم منها تقديرا والري ضدّ العطش فحذف المضاف، وحرف الجر وأوصل الفعلى له بنفسه وفي كونه أقرب منه نظر فإنه أكثر تكلفًا ولكن كل حزب بما لديهم فرحون. قوله: (ما يشبه الزنجبيل) ما يجوز فيه المذ على أن يشبه صفته، والقصر ويشبه صلته وعلى التقديرين عينا بدل من زنجبيلا فإن كان زنجبيلا على حقيقته فعينا بدل من كأسا أي يسقون فيها كأسًا كأس زنجبيل وقوله: وكانت العرب الخ إشارة إلى أنه ورد على ما تعارفوه، وإن كان ثمة ما يفوق لذته المستلذات كما يعرف بالذوق السليم. قوله: (لسلاسة انحدارها في الحلق) لأنّ أهل اللغة كما قال الزجاج: فسروه بما كان في غاية السلاسة يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي سهل الانحدار في الحلق ومساغها مصدر ميمي، وتوله: حكم بزيادة الباء تبع فيه الزمخشريّ، وقد قال أبو حيان عليه إنّ عني الزيادة الحقيقية فليس بجيد لأنه لم يقل أحد بأنّ الباء من أحرف الزيادة وإن عني إنها حرف في أصل الكلمة، وليس في أصل مرادفها من سلسل وسلسال على أنه مما اتفق معناه، واختلفت مادته صح وفيه نظر وقد قيل: إنه أراد به أنه من الاشتقاق اكبر. قوله: (والمراد به أن ينفي عنها الخ) اللذع بى العين المهملة لا بالمعجمة لأنّ أهل اللغة يفرقون بينهما، والأوّل في النار والأجزاء الحارّة ونحوها ونقيضه كونه سهل البلع. قوله: (وقيل أصله سل سبيلا) نقل هذا عن عليّ وهو افتراء عليه فإنه من تلفيق التجنيس كقول ابن مطران الشاشي:
سل سبيلافيها إلى راحة النف ص براج كأنها سلسبيل
وقوله: فسميت من التسمية، وهي وضع الاسم العلم وهو معنى قوله: تسمى في النظم
على هذا، وعند غيره التسمية إطلاق الاسم علممًا أو غيره وعلى هذا هو علم منقول من الجملة محكى على أصله، وقوله: لأنه الخ توجيه للتسمية به وانها كانت في المنقول عنه استعارة أو مجازا مرسلا للعمل المؤذي إليها وغير هؤلاء لا يقولون بالعلمية لأنها تقتضي منع الصرف ولم يقرأ به في العشرة، وإن قرأ به طلحة في الشواذ إلا أن يقال إنه صرف على لغة أو لمشاكلة الفواصل ونحوه من الوجوه السابقة وقوله: رأيتهم الخطاب للنبي ﷺ أو لكل واقف عليه. قوله: (وانبثاثهم في مجالسهم) أي تفرقهم كاللؤلؤ المنثور وانعكاس الشعاع ليس من لوازم اللآلئ المنثورة فكأنها إذا كان جرمها كبيرًا جدا كانت مضيئة كذلك فتأمّل. قوله: (لأنه عام
معناه إن بصرك
[ ٨ / ٢٨٩ ]
الخ) أراد بالعموم أنه منزل منزلة اللازم، وترك مفعوله فيفيد العموم في المقام الخطابي إذ تقدير أحد المفاعيل دون غيره ترجيح بلا مرجح فيلزم العموم هذا مراده، وهو أظهر من أن يخفى والعجب ممن ادّعى هنا أنه يقدر له مصدر معرف بلام الاستغراق بمعونة المقام، وانه بمعنى كونه عامًا وحينئذ فقوله: معناه على ظاهره ولا حاجة إلى جعله مال المعنى كما قيل، وثم ظرف بمعنى هناك نصب محلا على الظرفية. قوله: (واسعًا) فالكبر مستعار من عظم الحجم لسعة المسافة وأيده بالحديث المذكور:
والجود أعظم والمواهب أوسع
وقوله: يرى أقصاه كما يرى أدناه أي أقربه إليه لما يعطي من حدة النظر أو هو من خصائص الجنة. قوله: (هذا) أي الأمر هذا، والشان كما ذكر والحال أن للعارف بالله ما هو أعظم وأوسع من ذلك، وهو ما له في مدينة العلم من منازل العارفين التي تسافر فيها أبصار البصائر فلا تنتهي إلى حد وهو معاني العوالم التي هي لذة الأرواح، والمراد بالملك عالم الشهادة فلذا أضاف له الجلايا والملكوت عالم الغيب، ولذا أضاف له الخفايا، وأنوار القدس العلوم الحقيقية واضافته للجبروت، وهو العظمة لأنها المقتضية لتنزهه عما لا يناسبه جل وعلا وهذا مأخوذ من التفسير الكبير، وحاصله أن ما ذكر في المحسوسات ولهم من المعقولات ما وراء ذلك مما هو أعظم وأعظم فتدبره. قوله: (ما رق منها وما غلظ الف ونشر مرتب فما رق السندس، وما غلظ الاستبرق فإنه معرب استبر، وهو الغليظ منه وفي كلامه إشارة إلى أن خضراوان توسط فهو لهما، وقوله: أو حسبتهم الخ ما قيل عليه من أنه يلزمه تفكيك الضمائر لأنّ بعضها للطائف وبعضها للمطوف عليه ردّ بأنه مع القرينة المعينة لا بأس به مع أنّ كون ضمير حلوًا وسقاهم للمطوف عليه غير مسلم فإنه يجوز كونه للطائفين كما ذكره المصنف، وقوله: أو ملكًا أي من المضاف قبل قوله: ملكًا لقربه، ويجوز أن يكون من المقدر قبل قوله:
نعيمًا كما ذهب إليه غيره وقوله: بالرفع أي وتقديره على الياء مع كسر الهاء، ومن نصبه ضمها وأخبر به عن النكرة لأنه نكرة واضافته لفظية كما أشار إليه بقوله: في تفسيره يعلوهم، وهو أحسن من جعله منصوبا بفتحة مقدرة لأنه شاذ أو ضرورة فلا ينبغي أن يخرج عليه القراءة المتواترة كما فعله أبو البفاء هذا، والأحسن لفظا ومعنى كما في بعض الحواشي أن يعرب عاليهم مبتدأ وثياب خبره فتأمّل. قوله: (حملا على سندس بالمعنى الأنه وإن كان مفردًا لفظا جمع معنى، واما جعل جره للجوار لتتوافق القراءتان معنى فلا يلتفت إليه لأنه شاذ لا يخرج عليه من غير ضرورة، وقوله: فإنه اسم أي اسم جنس جامد شائع في أفراده فيجوز أن يوصف بالجمع ولا يخلو كلامه من الخفاء. قوله: (استبرق بالرفع) أي قرئ به وقوله: بالعكس أي بجر استبرق عطفًا علي سندس، ورفع خضر على أنه صفة ثياب فيدل على خضرة الاستبرق أيضا كما أشار إليه المصنف في تفسيره أوّلًا، وقوله: والفتح أراد به فتح القاف على أنه علم جنس منقول من الفعل، وحكي فتحه أو المسمى به الجملة من الفعل والضمير المستتر، وقد رد الزمخشريّ هذا القول بأنه معرب من غير شبهة فيه وما ذكر في الحقيقة تكلف ضعيف رواية ودراية، وأضعف منه ما قيل إنه باق على فعليته والضمير المستتر فيه راجع للأخضر المفهوم من خضر أو للسندس، إشارة إلى خلوص خضرته وأنها لا يعلوها سواد كخضرة الدنيا وكله أو هي من بيت العنكبوت.
تنبيه: للأئمة المعتمد عليهم في استبرق اختلاف كثير لأهل اللغة والعربية والتفسير هل
هو عربي أو معرب وهل هو نكرة أو علم جنس مبنيّ أو معرب مصروف أو ممنوع من الصرف كلها أقوال مصرح بها وهمزته همزة قطع أو وصل والصحيح منها أنه نكرة معرب مصروف مقطوع الهمزة لأنه الثابت في السبعة المتواترة، وعدم قطع همزته ثبت في قراءة شاذة إما بناء على أنه عربي أو لمشابهته للاستفعال، وقول المصنف علمًا يأباه صرفه لا دخول أل لأنه لم يثبت بناؤه على الفتح كما في المحتسب بناء على أنه منقول من جملة فعل وضمير مستتر وهو معرب استبر على الصحيح وعند ابن دريد معرب استروه، وتبعه في القاموس، ومعناه كل غليظ ثم خص بالديباج وفي تصغيره ومادته اختلاف لأهل اللغة، وهذا مما ينبغي المحافظة عليه. قوله: (عطف على ويطوف الخ) واختلافها بالماضوية والمضارعية لأنّ الحلية مقدمة على
الطواف المتجدد، وقوله: لإمكان الجمع بتعدد الأساور لكل والمعاقبة بلبس الذهب تارة، والفضة أخرى
[ ٨ / ٢٩٠ ]
والتبعيض بأن تكون أساور بعض ذهبا وبعض فضة، وقوله: فإن الخ تبعيض للتبعيض، وقوله: وأسوارًا جمع لسوارة وفي نسخة بدله أنوارًا على أنه استطراد، وقيل: إنه لدفع ما يتوهم من أنّ تلك الحلي للنساء بأنّ المراد بها الأنوار الفائضة عليهم المتفاوتة تفاوت الذهب والفضة، والتعبير عنها بأساور الأيدي لأنها جزاء ما عملته أيديهم، ولا يخفى ما فيه فإنّ ما ذكره وهم مبناه المتعارف اليوم فإما في الجنة فالأمر على خلافه، ولو كان كما ذكره لم يكن ثمة تعارض أصلاَ، وقوله: تتفاوت الخ إشارة إلى أنها ليست من جنس معدنيات الدنيا. قوله:) أو حال الخ) عطف على قوله: عطف، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون التحلي بأساور الفضة للخدم وأساور الذهب في غير هذه الآية للمخدومين فلا يخالف ما هنا المذكور ثمة، وذلك بأن يكون عاليهم حال من ضمير حسبتهم لكنه يرد عليه ما قيل من أنه يصير داخلا تحت الحسبان، وكيف يكون ذلك وهم لابسون السندس حقيقة بخلاف كونهم لؤلؤا فإنه على طريق التشبيه المقتضي لقرب شبههم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤا ويمكن تصحيحه بتكلف اهـ، وهو غير وأرد لأن الحسبان في حال من الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان فتأمل. قوله: (يفوق على النوعين المتقدّمين) وهما ما مزج بالكافور وما مزج بالزنجبيل وهو مأخوذ من كلام طويل للإمام وأسنده إلى رواية فيها إنه تقدّم لهم الأطعمة، والأشربة فإذا فرغوا أتوا بهذا الشراب الطهور فإذا شبوا منه طهر بطونهم ورشح منه عرق بريح المسك وهو نوع من الشراب آخر، وقوله: يطهر شاربه يشير إلى أن الطهور بمعنى المطهر، وفيه كلام تقدّم، وقيل: إنه يعني به الشراب الروحاني لا المحسوس كالريحاني، وهو عبارة عن التجلي الرباني الذي يسكرهم بالذهول عما سواه وهو الذي عناه ابن الفارض رحمه الله تعالى بقوله:
سقوني وقالوا لاتغيبن ولو سقوا جبال حنين ما سقوني لغابت
قوله: (على إضمار القول) أي ويقال لهم الخ قيل، ويجوز أن يكون خطابا من الله في
الدنيا للأبرار وهو لا يغني عن التقدير ليرتبط بما قبله، وقوله: ما عد من ثوابهم توجيه لأفراده وقوله: مجازي عليه الخ فالمشكور مجاز عما ذكر وقوله: مفرقًا بناء على أنّ التنزيل للتدريج
وقد مرّ مرارًا. قوله: (وتكرير الضمير الخ) أراد أنّ نحن نزلنا يفيد الاختصاص كما مرّ في نظائره، وتكرير الضمير مع أنه تأكيد لهذا الاختصاص سواء كان نحن بعده تأكيدا أو مبتدأ أو فصلا ولذا قال: مزيد لاختصاص ليتمكن في الذهن أنه هو المنزل لا غيره، وقد علم أنّ كل ما صدر منه على وفق الحكمة ومقتضاها الأمر بالصبر والمكافأة وسيأتي زمان القتال بعده وقوله: بتأخير نصرك متعلق بحكم. قوله: (أي كل واحذ من مرتكب الإثم الخ) اعلم أنه قال في الكشاف: إنّ أو لأحد الشيئين، وانه إذا قيل: لا تطع أحدهما فالنهي عن طاعتهما جميعا انتهى قيل، وهو فاسد لاحتمال أن يكون المطلوب ترك واحد منهما، أي: واحد كان لا ترك كل واحد فالصحيح إنها في الإثبات لأحد الأمرين وفي النفي لكليهما وأما توهم إنه لو أتى بالواو زال الوهم بالكلية فليس بشيء، وتقريره ما قيل من أنّ أو ليست للتخيير حتى يرد ما ذكر بل للإباحة، والمقام للمبالغة في النهي عن طاعتهما مجتمعين ومنفردين، ولو قيل: لا تطعهما أو هم النهي عن طاعتهما مجتمعين فلذا قيل لا تطع أحدهما ليدل منطوقه على النهي عن طاعة أحدهما، وفحواه على النهي عن طاعتهما بالطريق الأولى، ولذا قال الزجاج: أو هنا أوكد من الواو وعلم منه أن أو في الإباحة كجالس الحسن أو ابن سيرين تدل على استحقاق كل منهما ذلك بالفضل، والمزية ليدل على الاجتماع بالطريق الأولى والإباحة من خارج، وهو موافق لقول ابن الحاجب أو لإثبات الحكم لأحد الأمرين وضعا فإن قامت القرينة على عدم المنع عن المعية فهي للإباحة، وقال بعض الفضلاء أو في الإثبات لأحد الأمرين وفي النفي لكليهما فمراد السائل أنّ أو لأحد الأمرين فيحتمل إرادة النهي عنهما وجواز طاعة أحدهما بشرط ترك طاعة الآخر، والمحرم المجموع فلم لم يأت بالواو ليدلّ على النهي عن كل منهما وقوله: الناهي عن أحدهما النهي عنهما لا يدفعه، والجواب أنه أتى بأو ليفيد نفي كل واحد واحد لأنها في النفي لكل منهما لأن نقيض الإيجاب الجزئي السلب الكلي، والواو لا تفيد هذا لأنها في الإثبات للجمع ونفيه يحتمل
[ ٨ / ٢٩١ ]
أن يكون بنفي أحدهما فتشبيهه بالنهي عن التأفيف لا يصح، ويرده إنه لا شك إنّ أو في جميع مواقعها لأحد الشيئين، ويعرض لها معان أخر كالشك والإباحة، وغير ذلك فإذا قلت: اضرب زيدًا أو عمرًا فالمعنى اضرب أحدهما فقط وإذا قلت لا تضرب زيدًا أو عمرا فالأصل أنّ معناه لا تضرب أحدهما واضرب الآخر كما في الأمر لكنه بمعنى لا تضرب أحدهما والأحد الأغلب عليه في غير الإثبات العموم فمعناه لا تضرب زيدًا ولا عمرًا، واحتمال غيره مرجوح والقرينة هنا دافعة له لوصفه بآثما وكفورا إذ المعنى لا تطع من كان فيه أحد هذين الوصفين فالنهي عمن اجتمعا فيه يعلم بالطريق الأولى، ولذا رد القول بأن أو هنا
بمعنى الواو انتهى محصله إذا عرفت هذا فقوله: كل واحد أتى بكلمة كل لأنه لو قال لا تطع واحدا لم يفد ما أراده من عموم النهي هنا وليس الواحد كالأحد في العموم فما قيل من أنّ الأولى طرح كل لإيهامها خلاف المقصود هنا لا وجه له وقوله: الداعي لك إليه إشارة إلى أنّ تعليق النهي بالموصوفين ليس لمجرد الدلالة على الاتصاف بهذين الوصفين بل للدلالة على ارتكاب ذلك، والدعوة إليه فإنه إذا قيل لا تطع الظالم فهم منه لا تتبعه في الظلم، ولولاه كان ذكر الآثم لغوا كما في الكشاف، وقوله: الغالي في الكفر من صيغة فعول. قوله: (وأو للدلالة على أنهما سيان) كذا في بعض النسخ بالواو العاطفة قبل أو فهو وجه واحد مع ما قبله وفي بعضها أو من غير واو فهما وجهان كما في بعض الحواشي، وهو ظاهر ودلالتها على الاستواء فيما ذكر لما عرفت أنها وضعت للدلالة على أنّ الحكم لأحد الشيئين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عداه من المعاني بواسطة القرائن الخارجية فليس فيه إشارة إلى أنها للإباحة كما توهم فالمقصود الدلالة على ما ذكر لا لأنه نهي عن إطاعة أحدهما دون الآخر حتى تكون الواو أولى هنا. قوله: (والتقسيم الخ) دفع لما يقال كلهم كفرة فما معنى التقسيم فيه بأنّ التقسيم ليس باعتبار ذواتهم حتى يكون بعضهم آثمًا وبعضهم كفورا بل باعتبار ما دعوه له فإن منهم من دعاه ل! ثم ومنهم من دعاه للكفر، وقوله: فإن ترتب الخ أي ترتب النهي على الوصفين باعتبار أنّ الحكم على مثتق يقتضي أنّ مأخذ الاشتقاق علة له فقوله: بأنه أي النهي لهما أي الوصفين المذكورين وقوله: يستدعي أن تكون المطاوعة الخ أي المطاوعة المنهيّ عنها، وفي نسخة أن لا تكون فالمراد ضدّها والإثم إذا أطلق يراد به غير الكفر وهو المراد. قوله: (وداوم على ذكره) إشارة إلى شيئين الأوّل أنّ الأمر للدوام لأنه لم يترك ذكره حتى يؤمر به، والثاني أنّ قوله: بكرة وأصيلا كناية عن الدوام، وقوله: فإنّ الأصيل الخ أما تناوله للعصر فظاهر وأما تناوله للظهر فباعتبار أواخره إذ الزوال وما يقرب منه لا يسمى أصيلا وما قيل إنه قد يسمى ذلك أصيلاَ لو سلم فهو ارتكاب لغير المعروف من غير ضرورة تدعو له، والذي غرّه إنهم فسروه بالعشية وهي تطلق على ما ذكر وهذا يقتضي أن هذه السورة نزلت بعد فرض الصلوات الخمس، وهو الظاهر. قوله: (وبعض الليل الأن من تبعيضية، وقوله: فصل لأنّ السجود مجاز عن الصلاة بذكر الجزء وارادة الكل، وقوله: صلاة المغرب والعشاء ليتضمن
الكلام الصلوات كلها، وقوله: وتقديم الظرف الخ يعني للاعتناء والاهتمام بظرفها وتشريفه الدال على أنها كذلك بالطريق الأولى وليس للحصر كما لا يخفى والكلفة المشقة لأنه زمان الاستراحة من الأعمال والفراغ، والخلوص لبعده عن الرياء والفاء على معنى الشرطية فالتقدير ما يكن من شيء فصل من الليل، وهو يفيد أيضا بتأكيده الاعتناء التامّ. قوله: (وتهجد له طائفة طويلة) حمله على التهجد لذكره بعد الصلوات كلها على تفسيره السابق إذ صلاة الليل غيرها كذلك وأصل التسبيح التنزيه، ويطلق على العبادة القولية والفعلية فلذا فسر المسبحين بالمصلين كما ذكره الراغب وفي تأخيره، وتأخير ظرفه ما يدل على أنه ليس بفرضى، وأما كونه معبرًا عنه بالتسبيح فلا دلالة له على ما ذكر كما قيل، وقوله: طائفة الخ إشارة إلى أن التنوين للتبعيض كما مرّ في قوله ليلا من المسجد الحرام فيفيد أن تهجده من بعض، ومقدار طويل من الليل فقد وصف بعض الليل الواقع ذلك فيه بالطول فيفيد ما ذكر من غير تكلف ما قيل إنّ توصيف الليل بالطويل ليس للاحتراز عن القصير لعموم زمان التهجد بل لتطويل زمان التسبيح. قوله: (أمامهم) لأنّ يوم القيامة كذلك وجعله خلف ظهورهم بمعنى عدم
[ ٨ / ٢٩٢ ]
الالتفات له والاستعداد، ولذا قيل: إنه على الأوّل حال من يومًا وعلى الثاني ظرف لقوله: يذرون، ولو جعل على وتيرة واحدة في التعلق صح أيضًا، وقوله: الباهظ بالموحدة والظاء المشالة تفسير للثقيل لكنه تفسير بما هو أخفى يقال: بهظه الحمل إذا أثقله فعجز عنه أو شق عليه حمله، فكأنه توصيف له بما يفيد أنّ في فعيل مبالغة في الثقل وفي نسخة من الثقل الباهظ وهي أحسن والاستعارة تصريحية أو مكنية وتخييلية والكل ظاهر. قوله: (وهو كالتعليل لما أمر الخ) يعني في قوله: ولا تطع إلى هنا فكأنه قيل: لا تطعهم، واشتغل بالأهم من العبادة لأنّ هؤلاء تركوا الآخرة للدنيا فاترك أنت الدنيا، وأهلها للآخرة وإن هذا يفيد ترهيب مجيء العاجل وترغيب مجيء الآجل والأوّل علة للنهي عن طاعة الآثم والكفور والثاني علة للأمر بالطاعة. قوله: (وأحكمنا ربط مفاصلهم الخ) يعني الأسر معناه في اللغة الشد والربط ويطلق أيضًا على ما يشدّ ويربط به، ولذا سمي الأسير أسيرًا بمعنى مربوط فشبهت الأعصاب بالحبال المربوط بها ليقوي البدن بها أو لإمساكها للأعضاء، ولذا سموها رباطات أيضا والعارف يقول فمن كان أسره من ذاته وسجنه دنياه في حياته فليبك مدة عمره ويتأسف على وجوده بأسره، وقوله: شذة الأسر أي قوّة أعصابهم وبدنهم. قوله: (يعني النشأة الثانية (يعني المراد بالتبدل إيجادهم في النشأة الثانية بعد الموت وقوله: ولذلك أي لأنّ المراد النشأة الأخرى المحققة عبر بإذا الدالة على التحقق وجعل فيه
تبديل الصفات بمنزلة تبديل الذوات فكان ذكر المشيئة على هذا لإبهام وقته، ومثله شائع كما يقول العظيم لمن يساله الأنعام إذا شئت أحسن إليك وقوله: وإذا التحقق القدرة وفي نسخة لتحقيق القدرة وهما بمعنى يعني أنّ إبدال الناس بعد إعدام جنسهم وهو تبديل في الذوات لم يثأه الله ولم يقع فلو أريد هذا كان المناسب أن بدل إذا كما في قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٣٣] لكنه لتحقق قدرته عليه وتحقق ما يقتضيه من كفرهم المقتضي لاستئصالهم جعل ذلك المقدور المهذد به كالمحقق، وعبر عنه بما يعبر به عن المحقق وهو إذا المناسبة للمقام، وهذا معنى ما نقل عن الزمخشري من أنه إنما جاز ذلك لأنه وعيد جيء به على سبيل المبالغة حتى كان له وقتا معينا فلا وجه لقوله في الكشف لا إخال نسبته إليه صحيحة وقد جاء في نظيره في التنزيل وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم لأنّ النكات لا يلزم اطرادها، وما قيل من أنّ كلمة الشك دخلت فيما تلاه على التولي لا على الاستبدال فإنه مقطوع على تقدير وقوع الشرط لا يخفى ما فيه من الخبط والخلل فتدبر. قوله: (تقرّب إليه بالطاعة) يعني أن اتخاذ السبيل إليه تعالى يكون بالطاعة الموصلة لقربه إيصال السبيل للمقاصد فهو تمثيل هنا، وقوله: إلا وقت الخ يعني أن يشاء الله في محل نصب على الظرفية بتقدير المضاف الذي سد مسده، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ﴾ الآية قال بعض الفضلاء: معناه ما تشاؤون شيئآ أي ما تشاؤون اتخاذ سبيل إلى الله بدليل قوله: ﴿فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٩] أي لا تتخذون السبيل بمشيئتكم إلا أن يشاء الله اتخاذكم والمقصود أنّ مشيئة العبد في أفعاله الاختيارية غير كافية بل لا بد مع ذلك من مشيئة الله تعالى بلا استقلال للعبد ولا جبر من السيد بل أمر بين أمرين يتحقق بالمشيئتين فيكسب العبد ويخلق الرب، وقوله: عليما أي يعلم ما يتعلق به مشيئة العباد من الإيمان والتقوى وخلافه حكيما لا يشاء الأعلى وفق حكمته، وهو أن يشاء العبد فيشاء الرب لا العكس ليتأتى التكليف من غير انفراد لإحدى المشيئتين عن الأخرى فخير الأمور أوسطها اهـ. فوله: (مشيئتكم) رد على الزمخشري حيث قال: إلا أن يشاء الله يقسرهم عليها فإنه تحريف من غير دليل والظاهر ما ذكره المصنف فإنّ مفعول المشيئة يقدر من جنس ما قبله وزيادة القسر هنا تعسف كما بينه شراح الكشاف. قوله: (بما يستأهل (بالهمزة ويجوز إبدالها ألفًا أي بما يستحق وأصل معناه يصير أهلا وقد! رّ تحقيقه، والقول بأنه لا يلائم المذهب الحق غير سديد فإن علمه باستحقاق كل أحد ومجازاته كما يستحق لا يقتضي الوجوب عليه كما توهمه القائل فتدبره بعين الأنصاف. قوله: (مثلاَ أوعد
أو كافأ) بالهمز في آخره بمعنى جازى، ولم يقدر المذكور بعينه لأنه لا يتعدى بنفسه بل با كما يقدّر في نحو زيدًا مررت به جاوزت زيدًا مررت به، وقوله: ليطابق الخ دفع لما يقال أنه لو رفع استغنى عن التقدير فلم كانت القراءة المشهورة بالنصسب لأنّ المعطوف عليه ويدخل من
[ ٨ / ٢٩٣ ]
يشاء جملة فعلية ولو رفع كانت جملة اسمية فتفوت المطابقة بين المتعاطفين وأحسن، وقوله: وقرئ بالرفع في الشواذ وهي قراءة منسوبة لابن الزبير وحسنت لتأكيد الو بالاسمية فانه يسهل فوات المطابقة وإن كانت قراءة الجمهور أحسن لما مر ولأنّ الأمر بالعكس لو حقق لسبق الرحمة الغضب. قوله: (عن النبئ ﷺ الخ) هو حديث موضوع اللهم ارر جنة وحريرًا، وحررّنا تحريرًا وصل وسلم على أشرف مخلوقاتك وآله وصحبه الذين طهر- من دنس المعاصي تطهيرا، ونوو قلوبنا بحبهم وذكرهم تنويرًا تمت السورة بحمد الله وعونه.