لا خلاف في عدد آياتها والخلاف في كونها مكية أو مدنية بتمامها أو إلا أربع آيات من
أولها ولكون هذين القولين يأباهما قوله بهذا البلد ادعى الزمخشري الإجماع على كونها مكية، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو الظاهر وأمّا احتمال نزولها بمكة بعد الهجرة فتكون مدنية على قول فبعيد.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (أقسم الخ) إشارة إلى أنّ لا صلة هنا، وأنّ البلد هنا مكة شزفها الله تعالى، وقوله:
وقيده الخ إشارة إلى أنّ الجملة الاسمية حالية على هذا الوجه وأنّ الخطاب له جمتن، وقوله: إظهار المزيد فضله إن كان الضمير للرسول ﷺ كما هو المتبادر فإقحام المزيد لأنّ له شرفا ذاتيًا وعليه علاوة مما ذكر وغيره
[ ٨ / ٣٦٠ ]
والإظهار لأنه قيد القسم بحلوله به فكأنه أقسم به لأجله وإن كان للبلد الحرام فوجهه أنّ القسم يفيد شيئين تعظيم المقسم به، وتوكيد المقسم عليه وهو تعريض بعدم شرف أهل مكة وانهم جهلوا جهلاَ عظيما لهمهم ب! خراج من هو حقيق به وبه يتم شرفه. قوله: (وإشعارا الخ) إمّا أن يعتبر هذا على ظاهره، وعمومه بناء على أنه ليس للأمكنة شرف ذاتيّ أصلا إلا الأماكن المقدسة والمعابد المطهرة، ولا مانع منه فيتسمح في قوله: أهله على أنّ المراذ به ما يقع فيه من العبادة ومن عبد الله به ومن أتاه من الملائكة بأمره تعالى، وكونه قبلة وموطنًا لإجابة الدعاء، وافاضة الخير والرحمة بما فيه من ذلك وبتشريف الله له وتجلية له كما تجلى للطور، وقيل: المراد مطلق المكان دون خصوص مكة فلا ينافي الوجه الأوّل والإشعار لأن البلد المشرف على سائر البلاد إذا زاد شرفه بمرحلة يفهم منه ثبوت أصل الشرف لغيره (وفيه بحث (والحل صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه، ولا عبرة بمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة. قوله: (وقيل حل مستحل) بزنة اسم المفعول، وتعرضك نائب فاعله أي مستحل التعرّض لأذيتك، وقوله: في غيره لأنه لا يحل فيه، وفيه تعريض بتجميم وتفريقهم بأنه لا يستحل فيه الحمام فكيف يستحل فيه دم سيد الأنام عليه الصلاة واللام والجملة على هذين الوجهين معترضة، وتجوز الحالية إن أبقينا لا على ظاهرها أو قلنا بأنها حال مقدرة في الوجه الأخير والحل على هذا ضد الحرمة، ولما فيه من البعد مرضه ولأنّ الحل يراد به الاستفبال في الوجه
الأخير، وهو غير متبادر منه وفيه تسلية له ﷺ ووعد بنصره واهلاك ضده. قوله: (ساعة من النهار الخ) إشارة إلى ما ورد في الحديث من قوله ﷺ يوم الفتح: " إن مكة لم تحل لآحد قبلي ولا بعدي وإنها أحلت لي ساعة " وهو معروف في كتب الحديث، وقوله: والوالد الخ على أن المراد به الأب الأعلى للنبيّ ﷺ، وقوله: ذريته على أنّ المراد آدم ﵊ وما بعده على ما بعده ففيه لف ونشر، ويخمل رجوع كل لكل منهما لأنّ العرب ذرية إسماعيل. قوله: (ولشار ما على من الخ) يعني أنه أوثر ما لإرأدة الوصف فيفيد التعظيم في مقام المدح، وأنه مما لا يكتنه كنهه لثذة إبهامها، ولذا أفادت التعجب أو التعجيب وإن لم يكن استفهامًا كما ذكره الزمخشري في مواضع من الكشاف كما في قوله: بما وضعت أي أيّ مولود عظيم الشأن، وضعته وهذا على كون المراد إبراهيم والنبيّ عليهما الصلاة والسلام ظاهر أما على أنّ المراد به آدم وذريته فالتعجب من كثرتهم أو مما خص به الإنسان من خواص البشر كالنطق والعقل وحسن الصورة لا من وصف الكل بوصف البعض كما قيل: فإنه إلغاز مخل. قوله: (ومته المكابدة) لمقاساة الشدائد وأصله الشدة المؤثرة لوجع الكبد، ثم عنم فضمير منه للتعب أو لوجع الكبد وهذا أقرب وقوله: والإنسان الخ بيان لكون الإنسان خلق في التعب، ووجه التسلية إنه لم يخلق الناس للرّاحة في الدنيا، وكل من كان أعظم فهو أشدّ تعبا وقوله: لبعضهم أي لبعض قريش وقوله يغتر أي يحصل له غرور بقوته الجسمانية وأبو الأشد بالشين المعجمة وضبطه بعضهم بالمهملة كما سبق ني شرح الكشاف وكلدة كتمرة علم والأديم الجلد المدبوغ، وقوله: عكاظي منسوب إلى عكاظ وهو سوق معروف للعرب يصنع فيه أقوى الجلود وحسنها، وقوله: أو لكل أحد منهم أي
ممن كثرت مكابدته وغروره والاستفهام للتعجب. قوله: (أو للأشمان) المذكور بعمومه والتهديد وإن كان عاما بحسب الظاهر فهو مصروف لمن يستحقه وعلى الأوّل الضمير يعود على ما فهم من السياق، وقوله: في ذلك الوقت أي وقت الانتقام منه، وقوله: سمعة أي رياء ليسمع به الناس. قوله: (أو بعد ذلك) الإنفاق فلم بمعنى لن وعبر بها لتحققه وقوله: يعني أنّ الله يراه عبر بالمضارع مشاكلة لما في النظم، ولذا لم يقل: رآه وليس المقصود استمراره حتى يعترض عليه، وهذا ناظر للأوّل وقوله: أو يجده للثاني وعليه فالمراد بالرؤية الوجدأن اللازم له فتدبر، وقوله: ثم قرر ذلك أي الإنكار أو كونه يرأه أو يجده فيحاسبه، ويجازيه فإنّ من قدر على ما خلقه قادر على مجازاته ومحاسبتة، والاطلاع على حاله وقوله وغيرها كالنفخ. توله: (يترج! م به (أي يبلغ به ما في ضميره والترجمة لا تختص بتفسير لسان بآخر كما توهم، وقد وردت بهذا المعنى أيضا كقوله:
[ ٨ / ٣٦١ ]
إنّ الث! ط نين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان
ويحتمل أنه على هذا استعارة. قوله: (طريقي الخير والشرّا لا يخفى إنه ذكر في سياق الامتنان فالمرإد الامتنان عليه بان هداه وبين له الطريق فسلكها تارة، وعدل عنها أخرى فلا امتنان عليه بالشرّ ولذا جعله الإمام بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٣] ووصف مكان الخير بالرفعة والنجدية ظاهر بخلاف الشرّ فإنه هبوط من ذروة الفطرة إلى حضيض الشقوة فهو على التغليب أو على توهم المتخيلة له صعودا فتدبر. قوله: (أو الثديين) أي ثديي الأم والعرب تقول في القسم إما ونجديها ما فعلت كذا فالنجد الثدي والبطن تحته كالغور، وقوله: وأصله الخ هو على التفسيرين منقول من هذا، وقوله: فلم يشكر الخ بيان لحاصل المراد منه إذ المراد أنه مقصر مع ما أنعم به عليه من عظيم الأنعام والأيادي النعم، وقوله: وهو أي الاقتحام. قوله: (استعارها) أي العقبة لأنها استعارة مصرحة لشكر المنعم بالعمل بالأركان وشكر الإحسان بالإحسان فشبه الإعتاق والإطعام لعلو منزلته عند الله بمحل مرتفع وأثبت له الاقتحام ترشيحًا أو جعل فعله اقتحاما وصعودا شاقا
وذكره بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة العليا من البلاغة، وقوله: لما فيهما الخ متعلق بقوله: استعارها للإشارة لوجه الشبه فسقط قول الإمام إنه لا بد فيه من تقدير أي ما أدراك ما اقتحام العقبة لأنّ العقبة غير الفك لأنه إن أراد أنها غيره بحسب الحقيقة فلا نزاع فيه، وإن أراد ادعاء ومجازًا فلا وجه له وكذا ما قيل العقبة عين والفك معنى فكيف يفسر أحدهما بالآخر، والمراد بالاقتحام فعل ذلك. قوله: (ولتعدّد المراد الخ) جواب عن سؤال مقدر، وهو أن لا يجب تكرارها في بعض المواضع على ما فصله في المغني كما إذا دخلت على الماضي كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [سورة القيامة، الآية: ٣١] وما نحن فيه من ذلك فلم لم تكرر بأنّ اللازم تكرارها لفظًا أو معتى وهي مكررة هنا معنى لأنّ لا اقتحم لما فسر بما بعده كان في قوّة قولك لا فك رقبة، ولا أطعم الخ فقوله: بما أي بلفظ ما في قوله: ما أدراك ما العقبة، وقوله: موقع لم أي من غير تكرار مع الماضي وفي الآية أجوبة أخرى منها أنه لما عطف عليه كان وهو منفي أيضًا فكأنها كررت، وقيل: لا للدّعاء وقيل: مخففة من إلا وقيل: إنها للنفي فيما يستقبل فانظره في المطوّلات من النحو. قوله:) فك) الظاهر أنه بصيغة الماضي على القراءة الثانية، وكوت مصدرًا عطف عليه الفعل لتأويله بالمصدر بعيد، وقوله: لتباعد الخ هو على الوجهين وهو إشارة إلى أن ثم هنا للتراخي في الرتبة، وقوله: لاستقلاله أي لكونه يستقل بكونه سببا للتجاة وشكرا جمدون الأعمال كمن آمن وصدّق تصديقا تامًا، ثم مات في يومه قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال فإنّ ذلك ينفعه ويخلصه بخلاف ما عداه فإنه لا يعتد به بدونه فعطف بثم، وإن كان مقدّمًا لما ذكر. قوله: (مفعلات) أي مصادر ميمية على هذا الوزن، وقوله: وترب إذا افتقر أصله ألصق جلده بالتراب لجلوسه في حفرة لعدم ما يستره أو لإلصاق بطنه بالأرض من شذة الجوع والاستدلال بهذا على معنى الفقر موقوف على كون الصفة كاشفة وهو غير متعين، وقوله: فك رقبة بصيغة الماضي مبدلة من اقتحم وما بينهما اعتراض على هذه القراءة. قوله: (أو بموجبات (بكسر الجيم أي أسبابها فهو مجاز أريد بالمسبب سببه، أو فيه مضاف مقدر، وقوله: اليمين أي جهة اليمين التي فيها السعداء أو اليمن لكونهم ميامين على أنفسهم وغيرهم:
واذاسخر الإله سعيدًا لا ناس فإنهم سعداء
وقوله: بما نصبناه فالآيات بمعنى الأدلة أو هي آيات القرآن المعروفة. قوله: (ولتكرير
ذكر المؤمنين الخ) قال في شرح المغني: سألت بعض الأصحاب عن وجه التفرقة بين المؤمنين والكافرين حيث ترك ضمير الفصل في الأوّلين وأتى بدله باسم الإشارة وقال السمين الحكمة فيه أن اسم الإشارة يؤتى به لتمييز ما أريد به أكمل تمييز كقوله: هذا أبو الصقر البيت، ولا كذلك الضمير فإنّ اسم الإشارة البعيد يفيد التعظيم لتنزيل رفعة محله منزلة بعد درجته كما أشار إليه المصنف ﵀ فاسم الإشارة للتعظيم، والإشارة إلى تمييزهم واستحقاقهم كمال الشهرة بخلاف أصحاب المشأمة، والضمير لا يفيد ذلك. قوله: (من أوصدت الباب) واغلاق
[ ٨ / ٣٦٢ ]
أبوابها أشد لتعذيب أصحابها، وقوله: وقرأ الخ فيه رد على الزمخشري إذ نقل طعن بعضهم على هذه القراءة مع تواترها، وقوله عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع (تمت السورة) بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.