مدنية والقول بأنها مكية غلط لأن الجمعة وأمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة ولا خلاف في
عدد آياتها المذكور.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (لآنّ كثرهم الخ) قيد به لأنّ منهم من قرأ وكتب ومن أطلق أراد ذلك أيضًا، وقوله: من جملتهم بيان لأنّ من تبعيضية والبعضية إما باعتبار الجنس فلا تدل على أنه أمّيّ أو باعتبار الخاصة المشتركة في
[ ٨ / ١٩٣ ]
الأكثر فتدل على ذلك ويزكيهم بمعنى يطهرهم، وقوله: من خبائث متعلق به والشريعة تفسيير للحكمة لأنها فسرت بعلم الشرائع والشريعة، وقوله: من المنقول والمعقول بيان للكتاب والحكمة على اللف والنشر المرتب والمراد بالمعالم نفس الأمور العقلية والنقلية التي يعلم بها الدين جمع معلمة، وهو المحل الذي يعلم منه الشيء كالمسألة محل السؤال مجاز إلا الأدلة فإنه غير مناسب هنا فالكتاب والحكمة كناية عن جميع العقليات والنقليات كالسموات والأرض لجميع الموجودات والأنصار والمهاجرين لجميع الصحابة، وقوله: سواه أي سوى ما ذكر كما قال في البردة:
كفاك بالعلم في الأ! ي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم
قوله:) وإرّاحة الخ (هذا وما قبله مأخوذ من قوله: هو الذي بعث إلى هنا، ولم يبين أنّ
نسبة الضلال إليهم باعتبار الأكثر اعتمادًا على ما مز فلا يرد أن منهم مهتد كورقة وأضرابه كما توهم، وتوله: وإن هي المخففة لا شرطية ولا نافية واللام تختص بها، ولذا سميت الفارقة وآخرين جمع أخرى بمعنى غير وقوله: منهم التخصيص بالذكر للعرب أو للأميين منهم لا ينافي عموم رسالته، ودعوته ﷺ سواء قلنا باعتبار المفهوم أولًا لأنّ المذكور هنا قومه وجنسه
الذين بعث فيهم، وهو خاص بلا كلام والعامّ المبعوث إليهم ولم يتعرض له هنا نفيا واثباتًا فلا وجه لما تكلفوه هنا مما لا يرد رأسا فيحتاج للدفع كما توهم، وقوله: فإنّ دعوته إذا عطف على الأقيين وتعليمه على ما بعده ففيه لف ونشر مرتب. قوله: الم يلحقوا بهم بعد (أي إلى الآن وسيلحقون وهو إشارة إلى أنّ لما نافية جازمة كلم إلا أن نفيها يستمرّ إلى الحال، ويتوقع وقوعه بعده وهو الفرق بينه وبين منفي لم كما ذكره النحاة، وقوله: الخارق للعادة يعني جمعه للعلوم بالشرائع وغيرها وهو أمي بين قوم أميين وهو بيان لارتباطه بما هو دليل له، وقوله: عن أقرانه يعني من قومه وأهله وهذا أولى أو من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لامتيازه عليهم بما أوتيه من العلم لا بعموم دعوته لما مرّ من أنه لم يتعرض له هنا. قوله: (علموها (بالمجهول من التفعيل، والتحميل في هذا شائع يلحق بالحقيقة، وقوله: لم يعلموا الخ لتحريفهم وتعطيلهم لكثير من أحكامها ومن ذلك ذكر خاتم الرسل ونعته والتبثير به، وقوله: حال لتعريفه وكون المضاف عاملًا فيه، وقوله: أو صفة لا! تعريفه ذهني فهو معنى نكرة فيوصف بما توصف به، وقوله: أي مثل الذين كذبوا الخ يعني أن مثل القوم فاعل بئس والذين كذبوا هو المخصوص بالمدح بتقدير مضاف كما ذكره فيتحد الفاعل والمخصوص، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإذا كان صفة للقوم فالمخصوص بالمدح محذوف والتقدير مثلهم أو هو وتهادوا وتهوّدوا بمعنى صاروا يهودأ. قوله:) إذ كانوا يقولون نحن أولياء الله وأحباؤه) تفسير لقوله: زعمتم وفيه إشارة إلى انّ قولهم: ذلك محقق فاستعمل فيه إن التي
للشك إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجزم به لوجود ما يكذبه، وقوله: وأحباؤه عطف تفسير بيانا لأنّ المراد بالأولياء هنا الأحباء، وقوله: إن كنتم صادقين لأنّ الحبيب يتمنى لقاء من يحب ولا يفر منه. قوله: (والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط) أراد بالاسم اسم إن وهو ردّ على من زعم أنّ الفاء إنما تدخل الخبر إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط، والمتضمن له الذي وليست بمبتدأ بأنه صفة اسم إنّ الذي هو بحسب الأصل مبتدأ والصفة، والموصوف كالشيء الواحد ولأن الذي يكون في الأغلب صفة، وإذا لم يذكر لموصوف تدخله الفاء فكذا إذا ذكر وهو كلام حسن. قوله: (وكان فرارهم يسرع لحوقه) أي الموت بهم هو من الفاء في قوله فإنه ملاقيكم فإنها نفيد تعقيب ملاقاته المفسرة باللحوق فيما مرّ وليست هذه الفاء لازمة كالتي في الجواب الحقيقي فإقحامها لنكتة تليق بالمقام، وهي ما ذكر فكان الفرار الذي أعدوه سببا للنجاة سببًا للهلاك تعكيسًا للحال، فما قيل من أنّ الأولى أن يقال. كان فرارهم يلحقه بهم والتشبيه في الترتب لا محالة ولا تظهر دلالته على الإسراع إلا إذا قيل الفاء الجزائية تدل على التعقيب، وفيه ما فيه ليس بشيء لما عرفته مع أنّ الترتب صادق بالسرعة فيحمل على أكمل الإفراد. قوله: (ويجوز أن يكون الموصول الخ) والتعقيب بحاله والمعنى ما مرّ من أنّ الفرار مستعقب لموتهم ملحق له بهم، وقوله: أذن لها
[ ٨ / ١٩٤ ]
أطلقه ولها أذانان أذان خارح المسجد، وأذان بعده بين يدي المنبر إذا جلس الخطيب، وفي الكشاف أنّ الثاني هو المراد ويعينه أنّ الأوّل لم يكن على عهد النبيّ ﷺ وإنما أحدثه عثمان ﵁ كما صرحوا فكيف يقال المراد الأوّل في الأصح لأنّ الإعلام به، وأمّا كون الثاني لا إعلام فيه فلا يضر لأنّ وقتة معلوم تخمينًا ولو أربد ما ذكره وجب بالأوّل السعي، وحرم البيع وليس كذلك وفي كتاب الأحكام روي عن ابن عمر والحسن ﵃ في قوله: إذا نودي الخ قال: إذا خرج الإمام وأذن المؤذنون فقد نودي للصلاة، أن فهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره.
قوله: (بيان لإذا) من هذه تحتمل التبعيض وأن تكون بمعنى في كما ذهب إليه أبو البقاء
فإن أراده المصنف ﵀ فالبيان لغوي لأنّ تعيين اليوم الذي فيه ذلك الوقت تعيين له، ولا لبس فيه لأنّ المعاني متقاربة ومثله يسمى إجمالًا لا لبسًا لأنّ الليس باحتمال ما لا يصح كما ذكره ابن الحاج في المدخل، وظاهره أنه أراد البيان المشهور لكن أورد عليه أنّ شرط من
البيانية أن يصح الحمل فيها، وهو منتف هنا لأنّ الكل لا يحمل على الجزء، واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لا لأنّ قوله تسميه العروبة يمنعه لأنه يجوز فيه الاستخدام بل لأنّ يوم الجمعة علم لليوم المعروف لا يطلق على غيره في العرف، ولا قرينة عليه هنا. قوله: (وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه) هذه عبارة اللغويين وظاهر. أنّ الجمعة وحدها من غير يوم علم ولا مانع منه، واضافة العامّ المطلق إلى الخاص جائزة مستحسنة إذا خفي معنى الثاني أو كان مثتركًا بينه وبين غيره كمدينة بغداد وشجر الإرأك بخلاف إنسان زيد فإنه قبيح وما نحن فيه من الأوّل لأنّ التسمية حادثة، وإن اختلف أهل اللغة فيها هل حدثت في الإسلام أو قبله فلا حاجة إلى تقدير المضاف هنا إلا أن يقال العلم مجموعه وهو محتمل أيضا. قوله: (وكانت العرب تسميه العروبة) هذا بناء على أنّ هذا الاسم حدث في الإسلام وأوّل من استعمله الأنصار، وقيل: إنه جاهليّ وأوّل من سماه كعب بن لؤي مصغرا تصغيرا لأي وعروبة علم جنس يستعمل بال وبدونها، وقيل: أل لازمة والأصح الأوّل وأوّل جمعة مبتدأ وجمعها صفة جمعة، وقوله: في دار لبني سالم خبره، وقوله: إنه لما قدم بالفتح وقبله لام أو باء مقدرة، وهو مقدم من تأخير ويجوز الكسر على أنها جملة معترضة وفي العبارة نوع من الخفاء لا يخفى مثله وما ذكر. من أنّ أوّل جمعة صلاها النبيّ ﷺ وأوّل جمعة فعلت في الإسلام قبل قدوم النبيّ ﷺ للمدينة صلاها ابن زرارة وبه يلغز في صلاة مفروضة صلاها الناس قبل النبيّ ﷺ، وقوله: وأوّل جمعة أطلق الجمعة على الصلاة مجازًا كما تطلق مجازًا على أيام الأسبوع أو فيه مضاف مقدر أي صلاة جمعة. قوله: (قصدا) المراد بالقصد هنا الاعتدال لا التعمد فإنه مشترك بينهما وقوله: فإنّ السعي الخ تعليل لكون المراد بالسعي عدم الإفراط في السرعة، وهو المعروف في اللغة وتفسيره في القاموس بعد ألا يخلو من شيء، وقوله: والذكر الخطبة مجازا من إطلاق البعض على الكل كإطلاقه على الصلاة أو لأنها كالمحل له، وقوله: والأمر بالسعي إليها الخ الظاهر عود ضمير إليها للخطبة لأنّ إطلاقها على الصلاة ممرض غير مرضي له ولأنه المحتاج للدليل، وقيل: إنه يجوز عوده لكل واحد منهما. قوله: (واتركوا المعاملة (فالبيع مجاز عن مطلق المعاملة بيعًا وشراء واجارة وغيره أو هو دال على ما عدا. بدلالة النص وقوله: فإن نفع الآخرة خير إشارة إلى أنّ التفضيل فيه مراد لأنّ الخيرية تعم الثواب، وغيره فهي مطلق
النفع. قوله: (أو إن كنتم من أهل العلم) فمفعوله محذوف أو لا مفعول له لتنزيله منزلة اللازم واقتصاره على الثاني في الصف كما مرّ قيل: لأنه في مقام العتاب، وهو المناسب له وقوله: فرغ منها إشارة إلى ما في التنقيح وغيره من كتب الأصول من أنّ القضاء يكون بمعنى الإتمام كما مرّ في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٠٠] وله معان أخر وقوله: إطلاق لما حظر أي منع فهو إباحة للمعاملة بعد الفراغ منها، وقد كانت ممنوعة وهذا توطئة لما بعده. قوله: (واحتج به من جعل الأمر الخ (الأمر هنا للإباحة على الأصح وفي شرح البخاري للكرماني أنه متفق عليه وفيه نظر لأنه قيل: إنه للوجوب كما نقله السرخسي، وقيل: إنه للندب كما نقل عن سعيد بن جبير وهو الأقرب لما فيه من عدم التشبه بأهل الكتاب في تعليل يوم السبت والأحد، وهذا اليوم لنا بمنزلته، واختلف
[ ٨ / ١٩٥ ]
الأصوليون في الأمر الوارد بعد المنع، فقيل: للإباحة استدلالًا بما هنا فإنه لم يذهب أحد من أصحاب المذاهب المشهورة إلى أنه للإيجاب، وهذا عائد بالنقض في دليله ومدلوله، أمّا في دليله فلأن الأصل بقاء الأمر على أصله من الإيجاب أو الندب، وهذا مثال جزئيّ لم يحمل عليه، لأنّ الاتفاق على خلافه قرينة مانعة عن إرادته، ولأنّ المعاملات حق شرع للعبد رفقا به، فلو أوجب أو طلب كان مشقة لا رفقا به، وأشار المصنف ﵀ إلى دفعه بالحديث أيضا، فإنه دل على أن المأمور به أمر أخروي لا دنيوي، فهو باق على الندبية، ولا دليل فيه لهم على الإباحة وتفصيله في الأصول. قوله: (واذكروه في مجامع أحوالكم) أي في كل مكان لكم جامع لأحوالكم، وعدم الاختصاص مفهوم من عدم تقييده بحال، ومكان وزمان، والأمر للندب، وقوله: فمرّت عليه عير بكسر العين أي إبل محملة بأنواع المأكولات المجلوبة كالبر، وقوله: إلا اثني عشر رجلا من الصحابة ﵃، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاج وسعيد بن زيد وبلال وعبد القه بن مسعود، وفي رواية عمار بن ياسر بدل ابن مسعود، وعد في مسلم منهم جابرًا. قوله:) وأفراد التجارة برد الكناية الخ) يعني كان مقتضى الظاهر إليهما لسبق شيئين، أو إليه بعود الضمير على
ما ذكر، وعوده على الرؤية المفهومة من رأوا خلاف الظاهر المتبادر، والكناية هنا بمعنى الضمير اصطلاح النحاة والمشهور هو اصطلاح أهل المعاني، وقوله: لأنها المقصودة، يحني فاكتفى بالأهمّ كما قرّرناه، وفيه نظر لأنه بعد العطف بأو لا يثنى الضمير، ولا الخبر ولا الحال ولا الوصف لأنها لأحد الشيئين حتى تأوّلوا إن يكن غنيا أو فقيرًا فالله أولى بهما، كما مز وتفصيله في إعراب السمين، فالظاهر أن يقال: وحد الضمير لا! العطف بأو واختير ضمير التجارة دون اللهو، لأنها الأهم المقصود وقد يقال: إنه المراد فتدبر، وقوله: فإنّ المراد الخ بيان لأنه الأهمّ. قوله: (والترديد الخ) يعني العطف بأو للدلالة على ما ذكرنا، إذ لو عطف بالواو اقتضى أن الانفضاض لهما معا، وحينئذ فعدم ذكره لعدم الاعتداد به، ولا تغليب فيه كما توهم، وقوله: أو للدلالة عطف على قوله للدلالة قبله، لا على قوله لأنها المقصودة، كما قيل لأنه يتراءى في بادئ النظر إنه علة لتخصيصه بإرجاع الضمير إليه، وهو ظاهر، لكن وجه ما قلناه، وهو المتبادر من السياق أنه سوّى بينهما وذثم الانفضاض إلى التجارة دونه اعتمادًا على شذة الظهور فيه، وأنه يعلم بالطريق الأولى فتأمّل. قوله:) وقيل تقديره الخ (ووجه تمريضه ما مرّ من أنه بعد العطف بأو لا يحتاج إلى الضمير لكل منهما، بل يكفي الرجوع لأحدهما، فهو تقدير من غير حاجة. قوله: (بخلاف ما يتوهمونه من نفعهما (إشارة إلى أن التفضيل عليهما، واثبات الخبرية لهما بناء على زعمهم وتوهمهم وإلا فخيرية اللهو متوهمة لا حقيقة لها، وخيرية التجارة غير باقية، كما في سائر أمور الدنيا وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة، كما توهم بل لأنه أقوى مذمة فناسب تقديمه في مقام الذمّ، وقوله: وعن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع، وخص الأمصار لأنها إنما تلزم فيها على ما عرف في الفقه، تمت السورة والصلاة والسلام على المنزلة عليه وعلى آله وصحبه الكرام.