وتسمى قل أوحي إليئ ولا خلاف في كونها مكية ولا في عدد آياتها.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (وقرئ احي الخ) يقال: وحي وأوحى بمعنى، وقلب الواو المضمومة أو المضموم
ما قبلها همزة مقيس مطرد، وقد يرد في المكسورة كوشاح وأشاج، والمفتوحة كوحد واحد، وقوله: فاعله يعني نائب فاعله لأنه يسمى فاعلًا أيضا. قوله: (والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة (هذا هو المشهور، وهو باعتبار الأغلب فإنه يطلق على ما فوق العشرة في الكلام الفصيح، وذكره صاحب القاموس وغيره من أهل اللغة، وفي كلام الشعبي حدثني بضعة عشر نفرا، ولا يختص بالرجال بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا، وفي المجمل الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين وقد أشبعنا الكلام فيه في شرح الدرة، فما قيل من أن قوله في السراجية أصحاب هذه السهام اثنا عشر نفرًا تجوّزا وسهو من قلة التتبع وقصور النظر. قوله: (والجن أجسام الخ (واحد الجن جني كروم ورومي، وقوله: خفية أي قابلة للخفاء، وهر من شأنها إلا أنها لا ترى أصلا حتى يخالف مذهب أهل الحق، ومرض القولين الأخيرين لضعفهما ومخالفتهما لأقوال السلف، وظاهر الآيات والأحاديث، وقوله النارية لقوله تعالى: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ١٥] . قوله: (وفيه (أي فيما ذكر هنا دلالة على أنه-لمجي! ما رآهم، ووجه الدلالة على عدم رؤية هؤلاء المذكورين هنا ظاهر للتصريح بأنه علم استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة، وقد وقع في الأحاديث إنه رآهم، وجمع بين ذلك بتعدد القصة، قال في آكام المرجان ما محصله في الصحيحين في حديث ابن عباس ما قرأ رسول الله-شح! على الجن ولا رآهم، وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ، وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب، فقالوا: ما ذاك إلا لشيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ من ذهب لتهامة، منهم به ﷺ وهو يصلي الفجر فلما استمعوا له، قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين السماء، ورجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا﴾ (١! الخ، فأنزل الله عليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ الخ، ثم قال: ونفى
[ ٨ / ٢٥٣ ]
ابن عباس إنما هو في هذه القصة واستماعهم تلاوته في الفجر في هذه القصة لا مطلقًا، ويدلق عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٢٩] الخ، فإنها تدل على أنه كلمهم ودعاهم، وجعلهم رسلاَ لمن عداهم، كما قاله البيهقي وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: " أتاتي داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليها القرآن قال: وانطلق بثا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم " الخ وقد دلت الأحاديث على أنّ وفادة الجن كانت ست مرات، وقال ابن تيمية أنّ ابن عباس علم ما دل عليه القرآن، ولم يعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة من إتيان الجن له، ومكالمتهم له، وقصة الجن كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقال الواقدي كانت سنة إحدى عشرة من النبوّة، وابن عباس ناهز الحلم في حجة الوداع فقد علمت أنّ قصة الجن وقعت ست مرّات، وفي شرح البيهقي من طرق شتى عن ابن مسعود أنّ النبئ ﷺ صلى العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا فأجلست! وخط علئ خطًا ثيم قال: " لا تبرح عن خطك " فبينما أنا جالس إذ أتاتي رجال منهم كأنهم الزط فذكر حديثًا طويلا وإنه ﷺ ما جاءه إلى السحر قال وجعلت أسمع الآصوات ثم جاء فقلت: أين كنت يا رسول الله فقال: " أرسلت إلى الجن " فقلت: ما هذه الآصوات التي سمعت قال: " هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا علئ " وفي الكشاف أنّ هؤلاء الجن من قبيلة هي أكثرهم وتسمى الشيصبان. قوله: (كتابا) فسره به للإشارة إلى أن ما ذكروه وصف له كله دون المقروء منه فقط، والمراد أنه من الكتب السماوية، وقوله: وهو مصدر يعني عجبًا، وقوله: على ما نطق به الدلائل أراد المذكورة في هذا القرآن، أو مطلق الأدلة، وقوله: على التوحيد متعلق بالدلائل. قوله تعالى: (﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ الم يعطف بالفاء لأنّ نفيهم هنا للإشراك، أمّا لما قام عندهم من الدليل العقلي كما هو ظاهر إطلاق المصنف لا السمعي، فحينئذ لا يترتب على الإيمان بالقرآن، فإن قلنا هو سمعي مأخوذ مما تلي عليهم كما يدلّ عليه قول المصنف، كأنهم سمعوا من القرآن ما ينبههم على خطأ ما اعتقدوه في الشرك، فيكفي في ترتبهما عليه عطف الأوّل بالفاء خصوصًا والباء في قوله، به تحتمل السببية فيعم الإيمان به، الإيمان بما فيه، فإنك إذا قلت ضربتة فتأدب وانقاد لي فهم ترتب الانقياد على الضرب، ولو قلت فانقاد لم يترتب على الأوّل، بل على ما قبله، فما قيل من أنه عطف بالواو لتفويض الترتب إلى ذهن
السامع، وقد يقال إنّ مجموع قوله: فآمنا به ولن نشرك مسبب عن مجموع قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ الخ، فكونه قرانًا معجزًا يوجب الإيمان به، وكونه يهدي إلى الرشد يوجب قلع الشرك من أصله، وفي تقرير المصنف إيماء إليه لا يخلو من الخلل فتدبر. قوله: (قرأه ابن كثير والبصريان بالكسر الخ) قيل: كلامه هنا في تفصيل القراآت لا يخلو عن خبط، وتحريره ما في النثر وهو أنهم اختلفوا في، وأنه تعالى وما بعده إلى قوله: وانا منا المسلمون، وتلك اثنتا عشرة همزة فقرأها ابن عامر وحمزة والكسائيّ وخلف وحفص بفتح الهمزة فيهن، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة، وأنه تعالى، وأنه كان يقول وانه كان رجال، وقرأ الباقون بكسرها في الجميع، واتفقوا على فتح أنه استمع، وأنّ المساجد لله، لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحي بخلاف الباقي فإنه يصح أن يكون من قولهم ومما أوحى، واختلفوا في وأنه لما قام فقرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها انتهى، وتلخيصه إن أن المشدّدة في هذه السورة على أقسام، فقسم ليس معه واو العطف، ولا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره حسبحا اقتضته العربية، فلا خلاف في فتح أوحى إليّ أنه استمع، لأنه مصدر نابط عن الفاعل، وقوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾ لا خلاف في كسره، لأنه محكي بالقول، وقسم مع الواو وهو أربع عشرة، إحداها لا خلاف في فتحه، وهو وأنّ المساجد، والثانية وانه لما قام كسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون، والاثنتا عشرة، وهي وأنه تعالى جد الخ وإنه كان يقول، وانا ظننا، وانه كان رجال، وانهم ظنوا، وانا لمسنا السماء، وانا كنا، وانا لا نا- ري، وأنا منا الصالحون وأنا ٠ ظننا وأنا لما سمعنا وأنا منا المسلمون وهي مقروءة بالو- كين والكلام في توجيهها كما ستسمعه. قوله: (من جملة الموحى به) فيعطف على أنه استمع، وقوله: إلا في قوله: إنه لما قام فكسراه، وقوله: على أن ما كان من قولهم الخ، احترز به عن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، لأنه لا يجوز في فصيح الكلام، ولو
[ ٨ / ٢٥٤ ]
قيل إنه بتقدير الجارّ، لاطراد حذفه قبل أنّ، وأن لكان سديدًا كما في الكشف.
قوله: (كأنه قيل صدقناه وصدقنا إنه تعالى جدّ ربنا (قد اختلف في توجيه الفتح على القراءة
به، فقال أبو حاتم: هو معطوف على نائب فاعل أوحى، فهي كلها في محل رفع، وردّه المعربون بأن أكثره لا بصح بحسب المعنى عطفه على ما ذكر، كقوله: إنا لمسنا السماء، وانا كنا، وانا لا ندري، وأخوات له، فإنه لا يستقيم معناه، فلذا ذهب اكثر إلى أنه معطوف على محل به في آمنا به، كأنه قيل: صدقناه، وصدقنا إنه الخ، إلا أن مكيا ضعفه، وقال فيه بعد في المعنى لأنهم لم
يخبروا إنهم آمنوا بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا إنهم آمنوا بأنه كان رجال، إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر أولى بذلك، ورد بأنه سبق الزمخشريّ إلى هذا الفراء والزجاج، وقد رأوا ما يرد عليه فدفعوه بأن الإيمان والتصديق يحسن في بعض ما قبح فيمضي في البواقي، ويحمل على المعنى على حد قوله:
وزججن الحواجب والعيونا
فيخرج على ما خرج عليه أمثاله، فيؤوّل صدقنا بما يشمل الجميع، أو يقدر مع كل ما يناسبه، وأوّله بصدقنا لأن آمن يتعدى بالحرف، فلو عطف على معموله لزم العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، فلذا عطفه على محله المنصوب، وقد مرّ له توجيه آخر كما عرفته، وفيه إشارة إلى دفع ما يقال: من أنّ شرط العطف على المحل أن يصح إظهاره في الفصيح فإنه يكفي إظهاره ولو مع مرادفه كما ذكر. قوله: (أي عظمتة) فالمعنى عظمت عظمته، كقوله: جد جده، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، وقوله: مستعار الخ، راجع إلى الوجوه كلها، والبخت معروف وهو غير عربي فصيح، وقوله: بيان لذلك أي لقوله تعالى جذ، فهو مفسر له، ولذا لم يعطف عليه، وقوله: صدق ربوبيته، قيل ظاهره أنه مضاف على قراءة الكسر، والذي ذكره المعرب أنه منون على هذه القراءة وكانه مراده، واكتفى بقوله: قبله جدًا بالتمييز عن التصريح به ولا بعد فيه، وفسره بالصدق وهو في الأصل ضد الهزل. قوله:) كأئهم سمعوا الخ (لأن تفريع الإيمان ونفي الشريك والصاحبة والولد عليه يدل على ما ذكر، وقوله: مردة الجن جمع ما رد ككاتب وكتبة، وعلى هذا فالمعنى سفهاؤنا والإضافة للجنس، وقوله: ذا شطط الخ، يعني أنه مصدر بمعنى البعد، والمراد به مجاوزة الحذ صفة لقول مقدر، فهو بتقدير مضاف، أو جعله عين الشطط مبالغة فيه، وقوله: ما أشط فيه أي أبعد وتجاوز الحد بيان للمبالغة فيه. قوله: (اعتذار الخ) بظنهم متعلق بالاعتذار لأنه المعتذر به، وقوله: نصب على المصدر كقعدت القرفصاء، أو هو وصف لأنه يكون وصفا كما يكون مصدرًا، ويوصف به القول كما يوصف به القائل، فيقال: رجل كاذب، وقول كاذب، و! وبمعنى مكذوب فيه لأنه
لا يتصوّر صدور الكذب منه، وإن اشتهر توصيفه به، فلا يقال: إن ما ذكره المصنف تطويل للمسافة، ولو جعله من الوصف بالمصدر مبالغة، على أن المبالغة في النفي لا في المنفي لأنه غير مقصود صح. قوله: (ومن قرأ أن لن تقوّل) وهو الحسن وغيره، وأصله تتقوّل بتاءين فحذفت إحداهما، وقوله: جعله مصدرًا من غير لفظه كقعدت جلوسا لا وصفًا للقول، وقوله: بقفر أي أرض خالية، وهم يعتقدون إنها مقرّ الجن ورؤساؤهم تحميهم منهم، وقوله: فزادوا الضمير المرفوع للإنس المستعيذين برؤساء الجن، على هذا بخلافه في الوجه الثاني، الآتي كما سيأتي. قوله: (أو فزاد الجن الإن! غيًا) فالفاعل الأوّل للتعقيب، وعلى الثاني قيل إنها للترتيب الإخباري، وذهب الفراء إلى ما بعد الفاء قد يتقدم إذا دلّ عليه الدليل، كقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤] وجمهور النحاة على خلافه، وأن ما يخالف المشهور مؤوّل، وليس الترتيب الذكري مخصوصا بعطف المفصل على المجمل كما توهم، وقيل هنا مقدر على الثاني، أي فاتبعوهم فزادوهم الخ. قوله: (والرهق في الأصل غشيان الشيء) كما في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [سورة عبس، الآية: ٤١] فإنّ المعنى يعرض لها ويغشاها، فحص بما يعرض من الكبر والضلال والعتو ونحوه، ولذا فسره الزمخشري بغشيان المحارم، فلا مخالفة فيه لما ذكر. قوله: (والآيتان) يعني وأنه كان رجال، وإنهم ظنوا من كلام الجن، والخطاب لهم، وإذا كان استئنافًا فالخطاب للإنس، وكذا فيما بعده، والبعث في الآية بعث الرسل، وهو الظاهر، ويحتمل بعث الموتى، وقوله: جعلهما من الموحى به، لم يرتضه في الكشف، لأنّ قوله:
[ ٨ / ٢٥٥ ]
وانا لمسنا السماء من كلام الجن، أو مما صدقوه على القراءتين، لا من الموحى إليه فتخلل ما تخلل بينهما، وليس اعتراضًا غير جائز، إلا أن يؤول بما يجري مجرا. لكونه يؤكد ما حدث عنهم من تماديهم في الكفر، ولا يخفى ما فيه من التكلف. قوله: (ساد مسد مفعولي ظنوا) وإن مخففة من الثقيلة، ويجوز تقدير المفعول الثاني محذوفا، واعمل الثاني دمان خالف المختار، لأن ظنوا هو المقصود هنا، فجعل المعمول له أحسن، وأما كما ظننتم فمذكور بالتبعية، ومن لم يتنبه له قال إنه على خلاف المختار. قوله:) واللمس مستعار من المس للطلب (ظاهر كلامه ترادف اللمس: المس وقد مرّ تفصيله في الأنعام، وللطلب
متعلق بمستعار، والظاهر أنّ الاستعارة هنا لغوية، لأنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه، وجعل حرسا اسم جمع كرصد، لأنه على وزن يغلب في المفردات كبصر وبطر، ولذا نسب إليه فقيل: حرسي وذهب بعض النحاة إلى أنه جمع، والصحيح الأوّل ولذا وصفه بالمفرد، فقيل: حرسا شديدا، ولو روعي معناه جمع، إلا أن يكون نظر الظاهر وزن فعيل، فإنه قد يستوي فيه الواحد وغيره، وملئت حال إن كان وجد بمعنى صادف، ومفعول ثان إن كان من أفعال القلوب، وقوله: المتولد من النار بناء على أنه غير كوكب على ما قرره الحكماء، وفد مر تفصيله. قوله: (وإنا كنا نقعد الخ) قيل: إنّ الرجم حدث بعد مبعثه ﷺ، وانه إحدى آياته، والصحيح أنه كان قبله كما ورد في الأحاديث، وقد وقع ذكره في أشعار الجاهلية، لكنه كثر بعد البعث وزاد زيادة ظاهرة للإنس والجن، ومنع الاستراق رأسا، وعن معمر قلت للزهري أكان يرمي بالنجوم في الجاهلية، قال: نعم، قلت: أرأيت قوله: وانا كنا نقعد، فقال: غلظت وشدد أمرها بعد البعثة، وفي قوله: ملئت، دليل على أنّ الحادث الكثرة، وكذا قوله: مقاعد كما فصله الزمخشريّ، وقوله: وللسمع الخ، فيه لف ونشر للتفسيرين، ويصح جعل كل لكل. قوله تعالى: (﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾) في شرح التسهيل الآن معناه هنا القرب مجازًا فيصح مع الماضمي والمستقبل، وقوله: شهابا راصدا يعني أنه على الإفراط صفة لشهابًا، ويجوز كونه مفعولًا له، وقوله: ولأجله تفسير لقوله له، أو هو إشارة لذلك، وإذا كان مفردًا صفة لشهاب فهو ظاهر، وأما إذا كان كحرسًا فوصف المفرد بالجمع مع اشتراط النحاة التطابق في الإفراد وغيره، لأنّ الشهاب لشدة منعه، واحراقه جعل كأنه شهب فوصف بالجمع، كما وصف المعي، وهو واحد الأمعاء بجياع في قوله:
كأنّ قتودرحلي حين ضمت حوالب غرزا ومعي جياعا
كما قال الزمخشري وغيره إنه جعل المعي لفرط جوعه بمنزلة أمعاء جائعة، فجمع النعت
مع توحيد المنعوت، وهذا وإن كان بعيدا من جهة العربية فهو أقرب بحسب متانة المعنى من تقدير ذوي شهاب، كما قيل في الآية والبيت. قوله تعالى: (﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾ الخ الا يخفى ما
فيه من الأدب حيث لم يصرح بنسبة الشر إلى الله كما صرح به في الخير، وإن كان فاعل الكل هو الله، وقوله: في الانتصاف إنه من عقائد الجن الجامع بين الأدب وحسن الاعتقاد، مراده به التعريض بالزمخشريّ، والا فجعله من عقائد الجن لا وجه له كما لا يخفى. قوله: (المؤمنون) فسر الصالحين بالأتقياء الأبرار، ومن دونهم بالفسقة، وهو المراد بقوله: المقتصدون، وإن كان المقتصد المعتدل، وإن أمكن جعل دون بمعنى غير، وغير الصالحين شاملا للكفرة، لئلا يتكرر مع قوله: منا المسلمون ومنا القاسطون، وإن قيل إنّ التقسيم الثاني للناجي وغيره، وهذا للتقي وغير.، وهو مغاير له بالاعتبار، وحذف الموصوف بدون صفته، لأنه يطرد حذفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن تقدم عليه، والصفة ظرف أو جملة، كما صرّح به النحاة، وفسر الطرائق بالمدّاهب، كما يقال طريقته كذا لمعتقده، وما هو حاله ولم يجعله منصوبًا على الظرفية بتقدير في لأنه اسم خاص لموضع يستطرق فيه، فلا يقال للبيت والمسجد طريق على الإطلاق، وأنما يقال جعلت المسجد طريقا فلا ينتصب مثله على الظرفية إلا في الضرورة عند سيبويه هذا، وقال بعض النحويين هو ظرف لأنّ كل موضع يستطرق طريق كما في شرح الكتاب. قوله: (وهم المقتصدون) الذي في النسخ هم بضمير الجمع، وفي بعضها هو على أنه ضمير الموصوف، ولا وجه له رواية ودراية، وما قدره قبل طرائق ليصح الحمل لأنه ليس محل المبالغة، وقوله: أو كانت طرائقنا
[ ٨ / ٢٥٦ ]
طرائق كونه من تلقي الركبان، والتأويل قبل الحاجة إليه لا يلتفت لمثله حتى يعد اعتراضا أو مانعًا، وقوله: من قد إذا قطع حتى كان كل طريق لامتيازها مقطوعة من غيرها، وقوله: علمنا تقدم الكلام عليه. قوله:) أن لن يعجز الله في الأرض) حمل المصنف رحمه الله تعالى الأرض هنا على العموم، لقوله أينما كنا، ولما وقع قوله ولن نعجز. هربًا في مقابلته لزم أن يكون الهرب إلى السماء ففيه ترق ومبالغة، كأنه قيل لا نعجزه في الأرض ولا في السماء، وأمّا في الثاني فلم ينظر فيه إلى عموم ولا خصوص، وجعل الفوت على قسمين أخذا من لفظ الهرب، كأنه قيل إنّ طلبنا لم نفتة، وإن هربنا لم نخلص منه، وذكر الأرض لتصوير أنها مع سعتها ليس فيها منجي منه ولا مهرب لشدّة قدرته وزيادة تمكنه منه كقوله:
وانك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وهذا أحسن مما قيل، إنّ فائدة ذكر الأرض تصوير تمكنهم عليها وغاية بعدها عن محل استوائه، فإنه غير مناسب للمقام، وهربا كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى حال! معنى هاربين، وكذا قوله في الأرض أو تمييز، وفسر الهدى بالقرآن، لاقتضاء قوله: سمعنا له، ولأنه المناسب لسبب النزول. قوله: (فهو لا يخاف) قدر هو ليحسن دخول الفاء فيه، لا! جواب الشرط المنفي بلا يصح فيه دخول الفاء وتركها، كما صرح به في شرح التسهيل، وفي كلام الزمخشريّ، وابن مالك إشارة إليه فما قيل إنه لتصحيح دخول الفاء غير صحيح، وعلى قراءة الجزم لا ناهية، لا نافية لأنّ الجواب المقترن بالفاء لا يصح جزمه. قوله: (والأوّل) يعني الرفع، وتقدير المبتدا لأنه من قبيل هو عرف، وهو يفيد التقوى، ويدلّ على الاختصاص عند الزمخشريّ، وفي النهي أيضا دلالة لأنه علق الحكم بمن يؤمن، وتعليق الحكم بالمشتق وما هو في حكمه يفيد علية مأخذ الاشتقاق، وهي تستلزم ما ذكر، وفي نسخة المؤمنين وبهم، وفي أخرى المؤمن وبه بالإفراد وقوله: والأوّل أدل بأفعل التفضيل، لأنه خبر يدلّ على تحقق مضمونه. قوله: (نقصا في الجزاء ولا أن ترهقه ذلة) فسر الرهق بغشيان الذلة، وأصل معناه مطلق الغشيان لقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [سورة يرنس، الآية: ٢٧] والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقوله: أو جزاء نقص، أي ورهق ظلم ففيه اكتفاء، كسرابيل تقيكم الحرّ الخ بقرينة ما بعده من قوله: لأنه الخ، فاندفع ما قيل عليه من أنّ الصواب أن يقول: جزءا نقص! ولا رهق كما في الكشاف حتى لا يبقى التعليل بقوله: ولم يرهق بلا معلل، وهذا إمّا على إضمار الجزاء بأن يقدر فيه مضاف، أو هو بيان لحاصل المعنى، وأنّ ما ذكر في نفسه مخوف فإنه يصح أن يقال: خفت الذنب وخفت جزاءه، لأنّ ما يتولد منه المحذور في نفسه محذور، وفيه دلالة على أنّ المؤمن لاجتنابه البخس والرهق لا يخافهما، فإن عدم الخوف من المحذور إنما يكون لانتفاء المحذور، وقوله: لأنه لم يبخس إشارة إلى ذلك، ويجوز أن يكون من وضع السبب موضمع المسبب والأوّل أظهر، وأقرب مأخذا كما رجحه المدقق في الكشف فتدبر. قوله: (لأنّ من حق المؤمن بالقرآن أن يجتنب دّلك (وفي نسخة من حق الإيمان وهو إشارة لما مر. قوله: (فمن أسلم) من كلام الله أو الجن، وفي الكشاف زعم من لا يرى للجن ثوابًا أنه تعالى أوعد قاسطهم، وما وعد مسلمهم وكفى به وعدا إن قال فأولئك تحروا رشدًا، فذكر سبب الثواب
وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد، فتحرى الرشد مجاز بعلاقة السببية عن الثواب، كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بفوله: (يبلغهم (الخ، والتوخي التحري، وهو القصد، وقوله: بكفار الإنس إشارة إلى أنهم في التكليف مثلهم، وتوله: إنّ الشأن إشارة إلى أنّ أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدر، والضمير لما ذكر وقوله: على الطريقة المثلى تأنيث الأمثل، بمعنى الأفضل يشير إلى أنها جعلت طريقة، وما عداها ليس بطريقة يفهم منه كونها مفضلة على ما سواها، أو هو إشارة إلى أق التعريف فيه للعهد، والمعهود طريقة الجن المفضلة على غيرها. قوله: (لوسعنا عليهم الرزق) على التجوّز بما ذكر عن الرزق الواسع، أو الاكتفاء به لأن غيره يعلم منه أولوية، وقوله: والسعة عطف على المعاش ناظر إلى كثرة الماء، كانه قال: لأنّ أصل الماء أصل المعاس، وكثرته أصل السعة، فلا وجه لما قيل من انّ السعة عطف تفسير للمعاش، والا فأصل المعاش هو اصل الماء لا كثرته، وغدقا بفتح الدال وتكسر وبه قرئ في الشواذ. قوله: (لنختبرهم كيف يشكرونه) فالفتنة في الماء الاختبار في شانه
[ ٨ / ٢٥٧ ]
هل يشكر أم لا، وقوله: وقيل الخ، مرضه لأنه مخالف للظاهر من وجوه، ومن استعمال الاستقامة على الطريقة في الاستعمال على الكفر، وكون النعمة المذكورة استدراجا من غير قرينة عليه، وقال الطيبي إنّ التذييل بقوله: ومن يعرض الخ، يؤيد هذا وفيه نظر، وقيل: إن استعارة الاستقامة على الطريقة للكفر في غاية البعد، وقوله: لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم إشارة إلى أنّ الفتنة على هذا بمعنى العذاب لا بمعنى الاختبار كما في الوجه الأوّل، وقوله عن عبادته فالذكر مصدر مضاف لمفعوله فتجوز به عن العبادة، وإذا فسر بالموعظة فهو بمعنى التدّكير، وهو مضاف لفاعله، وكذا إذا كان بمعنى الوحي أيضًا. قوله: (يدخله (إشارة إلى أن سلك يتعدى إلى المفعول الثاني بفي، فعدى له بنفسه هنا لأنه ضمن معنى يدخله، كما في الكشاف، وقوله: شاقًا تفسير للمراد منه، وقوله: يعلو الخ، بيان لمعناه الحقيقي، وأن العلو تجوز به عن الغلبة، كما في قول عمر ﵁ تصعدتني خطبة النكاح، أي غلبتني وشقت علي كما وضحه الزمخشري، وقوله: مصدر يعني صعدا هنا مصدر وصف به مبالغة، أو تأويلاَ كما عرف في أمثاله. قوله: (ومن جعل الخ) هو منقول عن الخليل بن أحمد، وقوله: علة للنهي في قوله: فلا تدعو، فتقديره لا تدعوا مع الله أحدا لأنّ المساجد له على أنّ المساجد بمعناها المعروف، وقوله: فلا تعبدوا فيها غيره تقدير فيها
هنا لا بد منه ليرتبط الكلام بعضه ببعض، كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: ألغى فائدة الفاء أي لزمه أي يجعل الفاء لغوا لأنها للسببية ومعناها مستفاد من اللام المقدرة، وكونها للإشعار بمعناها، وأنها مقدرة، أو تأكيد لها، كما قيل: لا يخلو من شيء، وقد مر فيه كلام في البقرة، وأن الفاء هنا لا يصح فيها أن تكون عاطفة، فإن جعلت جزائية على أنّ فيه شرطا مقدرًا أو متوهمًا، كما سيأتي في قوله: وربك فكبر، لا يلزم اللغوية التي ادعاها المصنف رحمه الله تعالى، ولذا اعترض عليه بأنها معنى الشرط، والمعنى أن الله يحب أن يوحد ولا يشرك به، فإن لم يوحدوه في سائر المواضع فلا تدعوا مع الله أحدًا في المساجد لأنها مختصمة به، فالإشراك فيها أقبح القباح، فتأمّل. قوله: (وقيل المراد بالمساجد الأرض الخ) إشارة إلى ما في الحديث الصحيح: " جعلت الآرض مسجدا وطهورا " قال القاضي عياض: إنه من خصائص هذه الأمّة لأنّ من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع تيقنوا طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته، وقال القرطبي وهو المشهور في كتب الحديث إن هذا مما خص به نبينا ﷺ، وكانوا قبله إنما تباج لهم الصلاة في البغ والكنائس، وفيه أشكال مشهور، وهو أنّ عيسى ﵊ كان يكثر السياحة، وغير. من الأنبياء لجهم الصلاة والسلام، كافوا يسافرون فإذا لم تجز لهم الصلاة في غير الكنائ!، لزم ترك الصلاة في كثير من الأوقات وهو بعيد، ولذا قيل المخصوص بهذه الأمة كونها مسجدًا وطهورًا في التيمم واختصاص المجموع به لا يضر وقد يقال إنه مخصوص بالحضر فتدبر. قوله: (لأنه قبلة المساجد) توجيه لإطلاق الجمع عليه بأنه لكونه قبلة لها، يعني كل قبلة متوجهة نحوه:
كإنما هو مغناطي! أنفسنا فحيثما كان دارت نحوه الصور
جعل كأنه جميع المساجد مجازًا، وظاهره أنّ المراد به الكعبة نفسها لا الحرم كله، وان
صح أيضا، وتوله: ومواضع السجود عطف على قوله: المسجد الحرام، أي قيل المراد به مواضمع السجود مطلقًا، فهو جمع مسجد بمعنى مكان السجود مطلقا، والواو فيه بمعنى أو وفي نسخة، أو بدلها وهي ظاهرة. قوله: (على أنّ المراد النهي الخ الو أخره لأنه صالح لها كلها كان أولى، والآراب بالمد جمع أرب وهو العضو، والسبعة القدمان والركبتان والكفان والوجه أي الجبهة والأنف، وقوله: تجمع مسجد أي بفتح الجيم وهو مصدر ميمي كما قيل وهو مبني على تعلقه بقوله، أو السجدات فقط، وليس كذلك بل هو متعلق به، وبما قبله من قوله:
مواضع السجود أيضا، فإن المساجد على كلا الاحتمالين جمع مسجد بالفتح. قوله: (فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه) أي أنه على جعله من الموحى إليه فالقراءة بالفتح، إذ كان أصله، وإني لما قمت فهو تعبير عن نفسه، فلذا قال عبد الله تواضعًا منه، وعلى القراءة الأخرى هو للإشعار فقط، وقوله: والإشعار الخ، فإنّ المقتضي للقيام للعبادة
[ ٨ / ٢٥٨ ]
هو العبودية وفي كلامه إيهام لتعلق يدعو لقيامه، على أنّ المعنى قيامه للعبادة. قوله: (كاد الجن الخ) الضمير يحتمل عوده للجن أو للإنس، أو للكل، فعلى قراءة الفتح، وجعله من الموحي الضمير للجن، أي أوحى إليه حالهم لما رأوه يصلي، وعلى الكسر فالضمير للمقتدين به من الأصحاب، وهو من مقول الجن، وقوله: متراكمين تفسير لقوله: لبدًا، أي مجتمعين مزدحمين حوله. قوله: (أو كاد الإنس والجن) على أنّ الضمير عامّ للفريقين، واجتماعهم لإبطال أمره، ويدعو من الدعوة لا بمعنى العبادة على هذا، وهذا على قراءة الكسر، وكونها جملة مستأنفة إبتداء إخبار منه تعالى عن حال رسوله تمهيدًا لما بعده، وتوكيدًا لما قبله، مقابلًا لقوله: وإنّ المساجد دلّه، كأنهم لما نهوا عن الشرك ودعوا للتوحيد قابلوه بالعداوة والجد في نقض أمره، وقوله: لبدة بكسر اللام وسكون الموحدة، وتلبد بمعنى اجتمع، ولبدة الأسد الشعر المجتمع بين كتفيه، وقوله: وعن ابن عامر الخ، أي قرأها بضم اللام وفتح الباء، جمع كزبرة وزبر، وهي لغة في جمعه، وروي عن ابن عامر الكسر أيضا، وكلاهما صحيح كما في الن! ثر، وقوله: لبدًا كسجد بالضم والتشديد، وقوله: لبد بضمتين، والقراآت فيه مبينة مفصلة في النشر. قوله: (يوجب تعجبكم) هذا على كون الضمير للجن، وقوله: أو إطباقكم على مقتي وبغضي، على أن الضمير للجن والإنس جميعا، وقوله: عاصم وحمزة هو رواية عن أبي عمرو أيضًا، وقوله: ولا نفعًا فسر الرشد بالنفع لوقوعه في مقابلة الضر، وكذا تأويل الضرّ بالغيّ لوقوعه في مقابلة الرشد، فلا بد من تاويل الأوّل أو الثاني. قوله: (عبر عن أحدهما الخ) يعني إمّا أن يراد بالرشد النفع تعبيرا باسم السبب عن المسبب، أو يراد بالضرّ الغي تعبيرا باسم المسبب عن السبب، ففيه لف ونشر مرتب، ووجه إشعاره بالمعنيين أنّ السبب يشعر بالمسبب كعكسه، ويجوز أن يجرد من كل
منهما ما ذكر في الآخر، فيكون احتباكا، فالتقدير لا أملك لكم ضرا ولا نفعًا ولا غبار ولا رشدًا، وقوله: منحرفا هو معناه الحقيقيّ، وملتجأ هو المجازي المراد، وقد جوّز فيه الراغب كونه اسم مكان ومصدرا. قوله: (استثناء من قوله: لا أملك الخ) يعني أنه استثناء من مفعوله، أعني ضرًا ورشدا لأنه في معنى لا أملك شيئا كما في الكشف، وهو متصل، وظاهر قول المصنف رحمه الله تعالى، فإن التبليغ الخ، أنه مستثنى من رشد أوحده، والاستثناء من المعطوف دون المعطوف عليه جائز، والأوّل أولى ولفظ الإنفاع خطأ كما مرّ، لأنه لم يسمع له مزيد، وقوله: اعتراض الخ دفع للاعتراض بكثرة الفصل المبعدة له، والاستطاعة تؤخذ من توله: لا أملك لأنه بمعنى أقدر وأستطيع، وقوله: أو من ملتحدًا فالاستثناء منقطع لأن البلاغ من الله، وقيل: إنه من التعليق بالمحال، كقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦، وجوّز صاحب الكشف في الأوّل إن لم يؤوّل شيئًا أن يكون كقوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
الخ. قوله: (ومعناه أن لا أبلغ الخ) وفي الكشاف معناه أن لا أبلغ بلاغا، كقولك: إلا
قيامًا فقعودا، وظاهره أنّ المصدر سد مسد الشرط كمعمول كان، والأكثر على أنّ حذف جملة الشرط مع بقاء الأداة جائز، وذهب أبو حيان وغيره إلى أنه لا يحذف إلا مع بقاء لا النافية، كقوله:
وألا يعل مفرقك الحسام
وان اختار في شرح التسهيل الجواز مطلقًا، واعترض بأنه كيف يقع الخلاف فيه، واشتراط بقاء لا مع ورود مثل قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٦] والناس مجزيون بأعمالهم إنّ خيرًا فخيرا، لا أن يراد حيث يكون الشرط منفيًا بها، إلا أنه لا يحذف إلا حيث ينفي بها مطلقًا فيسهل الأمر حينئذ، وليس بشيء فالظاهر أن اطراد حذفه مشروط ببقاء لا، ما لم يسد مسد شيء من معمول أو مفسر، وهو مراد النحاة فلا يرد ما ذكره. قوله: (وما قبله دليل الجواب الا اعتراض كما قيل، وفي منافاته للاعتراض نظر، وقوله: عطف على بلاغًا لا ينبغي تقدير المضاف فيه، أي بلاغ رسالاته، فإنه يكون من عطف الشيء على نفسه إلا أن يوجه، بأن البلاغ من الله فيما أجد عنه بغير واسطة، والبلاغ ما هو بها وهو بعيد غاية البعد. قوله: (في الأمر بالتوحيد الخ (إن كان المراد بالرسول رسول البشر وهو الظاهر، فالمعنى في شأن الأمر بالتوحيد وأمثاله، وإن كان رسول الملائكة فالمراد أن لا يبلغ
كما وصل إليه، وقوله: إذ الكلام الخ، يعني أنه مخصوص بقرينة المقام، فلا يصح استدلال المعتزلة به على تخليد العصاة في النار، وقوله: وقرئ فإنّ أي بفتح الهمزة، وقوله: على فجزاؤ. أن أي يجعل خبر مبتدأ مقدر تقديره
[ ٨ / ٢٥٩ ]
جزاؤه وإن الخ، خبره وقوله: جمعه للمعنى أي لرعاية معنى من، ولو راعى لفظه قال: خالدا.
قوله: (والغاية لقوله يكونون الخ (يعني إن فسر بًا لتجمع للعداوة، فهو غاية له وعلى
الوجه الآخر متعلق بمحذوف دلت الحال عليه، كأنه قيل: لا يزالون يستضعفونه، حتى إذا رأوه ما يوعدون تبين لهم المستضعف من هو، وأمّا جعله غاية لقوله: نار جهنم، فركيك جدًا مع أنه يأباه ما بعده وما قبله، وأمّا استعباده بطول الفصل فليس بشيء كما توهمه أبو حيان، فإنه لا مانع من تخلل أمور غير أجنبية بين الغاية والمغيا، وقوله: ما أدري بيان لأنّ إن نافية هنا. قوله: (غاية تطول مدّتها الخ الما كان التقابل يقتضي أن يقال: أقريب أم بعيد، أو أله أجل وأمد أم لا، أوّله المصنف رحمه الله تعالى بالأمد البعيد بقرينة المقابلة، وإن كان الأمد وضعا شاملا لهما، ولذا وصف بقوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٣٠] وفي الكشاف المعنى ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل له غاية مضروبة، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أولى وأقرب. قوله:) هو عالم الغيب (يعني هو خبر ضمير محذوف، واضافته محضة لقصد الثبات فيه، فيفيد تعريف الطرفين فيه التخصيص لأنّ الكلام وقع تعليلًا لنفي الدراية، كأنه قيل: ما أدري قرب ذلك الموعد وبعده، إلا أن يطلعني الله عليه، لأن علم الغيب مختص به وقد يطلع عليه بعض خلقه. قوله: (على الغيب المخصوص به علمه الإفادة الإضافة الاختصاص واختصاصه به تعالى لأنه لا يعلمه بالذات والكنه علمًا حقيقيا يقينيا بغير سبب، كاطلاع الغير إلا الله، وعلم غيره لبعضه ليس علما للغيب، إلا بحسب الظاهر، وبالنسبة لبعض البشر كما ذكره بعض المحققين فلا منافاة، لقوله: بعده لعلم بعضه، حتى يقال عليه إنه بعد ما حمل الغيب على الغيب المخصوص به علمه كيف يقول لعلم بعضه حتى يكون له معجزة، وتكلف بعضهم الجواب عنه، بأنّ المراد بالغيب المخصوص به ما لم ينصب عليه دليل، ولا يقدج في هذا الاختصاص كونه معلوما للغير بإعلامه تعالى إذ الاختصاص إضافيّ بالنسبة إلى من عدا المستثنى. قوله:) ١ لا من ارتضى (يصح في هذا الاستثناء الاتصال، وهو الظاهر، والانفصال بناء على التخصيص أو عدمه كما في
بعض الحواشي. قوله: (واستدل به على إبطال الكرامات) فيه كلام من وجهين الأول إنه لا دلالة فيه إلا على إبطال كرامة علم الغيب لا غير، والقول بأنه لا قائل بالفصل لا يتمشى في أمثال هذه المطالب، وادعاء دلالة النص ليس بشيء، لأن الخارق للعادة ليس مساويا لإظهار الغيب بل أقوى منه، إذ الأوّل قد يعرف بحدس ونحو.، وفي شرح المقاصد ليس هذا بقادج في حكم المقام، لأن مدعي أهل السنة حقية كرامات الأولياء جميعها، وأدلة الخصم بعضها يدل على إبطال الجميع، وبعضها على إبطال البعض، وهو الإخبار بالغيب إذ به يحصل بطلان ما ادعيناه من حقية جميعها، فلا يرد عليه إنه لا دلالة فيه إلا على إبطال كرامة علم الغيب لا غير فتأمله. الثاني إن كلامه لا يخلو من أن يكون مبنيًا على جوابين كما في التفسير الكبير، حيث قال: الغيب مخصوص بوقت وقوع القيامة بدلالة السياق، والرسول بالملك فإنه تعالى يطلع الملائكة عليه يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلًا، ويجاب أيضًا بتخصيص الإظهار بما يكون بغير واسطة، ويرد على الأول إنه كيف يصح هذا بعد قوله: ليكون معجزة، والمعجزة إنما هي لرسل البشر دون الملائكة، وأجيب بأنه غير مرضي له، وأنما قدّم لإيجازه وليفرغ منه إلى الأهم عنده كما هو دأب المصنفين، وقيل: كلاهما ليس بمرضي له، وأنما المرضي له ما أشار إليه في أثناء تفسير النظم من تخصيص الغيب، وحمل الرسول على المتعارف لدلالة السباق والسياق عليه، وأما هذا فالعهدة فيه على القوم، وأورد على الثاني أن الرسل لا يطلعون بغير واسطة، وقصة المعراح، وتكليم موسى ﵊ يرده، أو جوابًا واحدًا كما ارتضاه البعض، وهو الظاهر من عطفه بالواو، وقيل: وهو مخالف لقوله: حتى يكون معجزة، ومقتضى لزوم الواسطة للإظهار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو غير صحيح لقصة المعراج وغيرها، ولا يرد عليه أنه وارد على الجواب الأول عند القائل بالتعدد لأنه غير مرضي له، لا يقال: إذا خصص الغيب بالقيامة أو بغيرها مما يتعلق بذاته لا يرد المعراج ونحوه، لأنا نقول حينئذ لا يصح الاستدلال ولا يحتاج إلى الجواب، وهذا معنى ما قيل إنّ كلامه لا يخلو من الخلل والإخلال، ولبعض أهل العصر هنا كلام طويل بلا طائل. قوله: (وكرامات الأولياء الخ) يرد
[ ٨ / ٢٦٠ ]
عليه إن الإمام الغزالي رحمه تعالى قال: الفرق بين الولي والنبيّ نزول الملك فإنّ الولي يلهم والنبيّ ينزل عليه الملك مع كونه يكون ملهمًا فإنه جامع بين النبوّة والولاية، وتنبه له بعض أرباب الحواشي ففسر التلقي من الملك بالإلهام لأنه من نفث الملك بالروع وهو خلاف الظاهر ووده الشيخ الأكبر في الفتوحات، وقال: إنه غلط من قائله دال على عدم ذوقه والفرق بينهما إنما هو فيما ينزل به الملك لا في نزوله فإنه ينزل على الرسول والنبيّ بخلاف ما ينزل به على الولي التابع، وقد ينزل عليه بالبشرى والفوز والأمان في الحياة الدنيا كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة
فصلت، الآية: ٣٠] إلى آخر ما فصله فأعرفه. قوله: (ليعلم المرتضي) فسره بما يشمل الوجهين وكذا ما بعده محتمل لهما خلافًا لمن قصر بعضها على بعض. قوله تعالى: (﴿وَأَحَاطَ﴾) قيل: هو معطوف على أبلغوا إن كان ضمير ليعلم للنبيّ الموحى إليه وأما إن كان الضمير لله فهو عطف على لا يظهر أي عالم الغيب فلا يظهر وأحاط بما عند الرسل وأحصى كل شيء عددا ويجوز هذا أيضًا على التقدير الأوّل وقيل: جملة أحاط حالية بتقدير قد وفيها دفع للتوهم الناشئ من الكلام السابق، وقوله: ليتعلق به علمه إشارة إلى أنّ علمه قديم، والمقترن بالزمان تعلقه بالمعلوم وإن تعليل هذا بالعلم الأزلي غير مراد بل هو معلل بتعلقه الحادث واظهاره ليتعلق به الجزاء كما في قوله: ﴿نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ كما مرّ تحقيقه وقوله: كما هي أي من غير تغيير وتبديل، وقوله عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة.