بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (مكية) قيل إلا ثلاث آيات من قوله أفمن كان مؤمنًا الخ قيل وأثتتين من قوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع الخ واستبعد لشدة ارتباطهما بما قبلهما وسيأتي بيانه وقوله وقيل تسع وعشرون لاختلافهم في قوله لفي خلق جديد هل هو آية أو بعض آية. قوله: (إن جعل اسمًا للسورة الخ) ويجوز على هذين الوجهين أيضًا كونه خبر مبتدأ محذوف، وتنزيل! الكتاب خبر بعد خبر أو مبتدأ واذا كانا لتنزيل بمعنى المنزل فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أو بيانية بمعنى من ويجوز إبقاؤه على معناه لقصد المبالغة أو تقدير مضاف في الأوّل، وقوله خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا المتلوّ ومرّ الكلام على هذا مفصلا في أوّل البقرة. قوله: (فيكون من رت الخ) أي على تقدير كون تنزيل مبتدأ خبره لا ريب بخلاف غيره من الوجوه فانه عامل ضعيف فلا يتعدى عمله لما بعد الخبر إلا أن يقال إنه ظرف يتوسع فيه، وهذا التوسع نحن في سعة عنه أو لأنه من تمامه والاسم لا يخبر عنه قبل تمامه، والمصدر تنزيل والضمير في فيه هو المجرور بفي، وهو للكتاب أو للتنزيل لا المستتر لعدم صحته معنى. قوله: (ويجورّ أن يكون) أي قوله من رب العالمين خبرًا ثانيًا أي ولا لم أو للمبتدأ المقدر على الوجهين والخبر الأوّل تنزيل كما يجوز أن يكون من رب خبر تنزيل، ولا ريب اعتراض وهو أرجح عند الزمخشريّ، وعليه اعتمدوا في تفسير الآية وبجوز أن يكون خبرا أوّل أو حالًا، وقوله حال من الكتاب فعامله تنزيل وهي مؤكدة. قوله: (والضمير في فيه) في بعض النسخ فيه بدون في وفيه تسمح، وقوله لمضمون الجملة أي على كونه اعتراضًا الضمير لكونه منزلًا من رب العالمين لا للتنزيل ولا للكتاب، والمعنى لا ريب في أنه من عند الله، وقوله ويؤيده أي يؤيد رجوع الضمير لما ذكر وإنما أرجعنا كلامه إلى الاعتراض دون الحالية ليطابق ما في الكشاف، ويسلم من الاعتراض! بأنه لا يتأتى اعتبار من رب العالمين في مضمونها مع تأخره فإن الاعتراض! في نية التاخير فلا يضرّ فيما ذكر وفي بعض النسخ بعد قوله ثانيا والأوجه أنه الخبر الخ. قوله: (فإنه)
أي قولهم افتراه إنكار لكونه من رب العالمين بيان لوجه التأييد فالأنسب أن يكون نفي الريب عما أنكروه، وهو كونه من رب العالمين قيل فلا بد أن يكون مورده حكمًا مقصودا بالإفادة لا قيدا للحكم بنفي الريب عنه، واعترض بأن مصب الإفادة المقصودة في الكلام هو القيد كما صرّح به الشيخ في دلائل الإعجاز مع أن ما ذكره لا يلزم منه كونه هو الخبر بل يتحقق إذا كان خبرا ثانيا أيضا، ثم أورد على ما زاده اعتراضًا آخر من الزوائد فيما نحن فيه، ولا يخفى عليك إنه إذا كان من رب العالمين حالًا من ضمير فيه كان المعنى لا ريب فيه حال كونه من رب العالمين فيفيد أن ما هو منه لا يليق أن يرتاب فيه فيكون كونه منه نافيا للريب لا محلا له وهذا لا ينافي ما ذكره الشيخ وإنما ينافي الغرض! المسوق له الكلام وأما كونه خبرًا ثانيًا فيأباه عود الضمير على مضمون الكلام كما مرّ فتدبر. قوله: (وقوله بل هو الحق الخ) أي يؤيده أيًا قوله هذا، وقوله فإنه تقرير له أي لما قبله فيكون مثله في التأييد، وقوله ونظم الكلام على هذا الوجه من كون تنزيل مبتدأ خبره من رب العالمين وما بينهما اعتراض! وهو الوجه المرضي للشيخين، والإشارة إلى إعجازه من قوله ألم كما مرّ في البقرة وهذا على ما وقع في بعض النسخ من قوله والأوجه إنه الخبر أي عن تنزيل الكتاب ظاهر وهو
[ ٧ / ١٤٥ ]
يقتضي صحة تلك النسخة، وأما الأخرى فمشكل لأن ظاهره مبني على ذلك الإعراب وهو غير مذكور في الكتاب فيحتاج إلى التوجيه بأن الإشارة إلى كونه اعتراضا، والضمير لمضمونه وفيه تأمّل. قوله:) وقرّر الخ) لأن الجملة المعترضة تفيد التقرير والتأكيد، وقوله فإن أم منقطعة فتقدر ببل، والهمزة الإنكارية وتفيد ما ذكر، وقوله المنزل من الله هو معنى قوله بل هو الحق من ربك وفيه نكتة ذكرها في الكشف وهي أنه أضاف الرب أوّلًا إلى العالمين، ثم إليه يك! م ثانيا تخلصا لإثبات نبوّته، واشارة لتعظيم شأنه بأنه الجامع لما فرق في العالم بأسره واردًا على أسلوب الترقي دالًا على أن جمعيته به أتم مما لكل العالم وحق له ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (وبين المقصود من تنزيله الخ (الظاهر أنّ ما نافية كما أشار إليه المصنف بقوله إذ كانوا أهل الفترة لأنّ قريشا لم يبعث إليهم رسول قبله يك! برو على ما فصله شرّاح الكشاف، فمفعول تنذر الثاني محذوف تقديره العقاب وجملة ما أتاهم صفة قوما، وقد جوّز فيها الموصولية لأنّ أنذر يتعدّى لمفعولين كقوله: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [سورة فصلت، الآية: ١٣] فيوافق قوله وان من أمّة إلا خلا فيها نذير ويجوز أن تكون مصدرية كما ذكره المعرب، ولا يرد على المصنف أنه إذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم
الحجة حتى يحتاج إلى القول بأن العقل كفى به دليلًا على قاعدة الاعتزال كما في الكشاف لأنّ قيام الحجة وسطوع البرهان بإنذار سيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام كاف لما نحن فيه، وقوله الله الذي الآية مرّ الكلام عليها مفصلًا في الأعراف فلا وجه لتكراره هنا. قوله: (ما لكم إذا جاوزتم الخ) جواب عن أن الشفيع لا يطلق على الله، ولذا أنكر بعض السلف من قال له أستشفع بالله لك فكيف أطلق عليه هنا بأنه لم يرد بالشفيع الله بل غيره ومن دون للمجاوزة كما في قوله:
يا نفس ما لك دون الله من واقي
فمن دونه حال من مجرور لكم والعامل الجارّ والمجرور أو متعلقه أي ما استقرّ لكم مجاوزين الله ورضاه شفيع أي لا يمكن أن يوجد ناصر أو شفيع عنده لكم من الخلق فلا يلزم إطلاقه عليه تعالى، وان قلنا بأنه أطلق عليه فإنّ قوله مالك دون الله من واقي يقتضي أنه هو الواقي نإنما يمتغ بمعناه الحقيقي فإذا كان مجازًا عن الناصر فإن الشفيع ينصر من يشفع له فهو يطلق عليه تعالى، والحاصل أن الشفيع على الأوّل غير الله وعلى الثاني هو الله وإلى الثاني أشار بقوله أو ما لكم سواه الخ إشارة إلى أنّ دون بمعنى غير والجارّ والمجرور حال من شفيع قدم عليه لأنه نكرة والمعنى ما لكم وليّ ولا شفيع غير الله فيلزم إطلاقه عليه، وتوجيهه ما مرّ ويجوز على هذا أيضا كون من دون حالًا من المجرور كما في الوجه السابق بعينه، وقوله بمواعظ الله إشارة إلى أنه من التذكير بمعنى الوعظ. قوله تعالى: (﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾) الآية ذكر فيها المصنف ﵀ وجوها ذكرها الزمخشريّ وحاصلها كما في بعض شروحه أن الأمر إما المأمور به أو الحال أو الشأن أو الوحي، فإن كان الأوّل فمعنى يدبر ينزله مدبرًا من السماء إلى الأرض، وتعديته بمن والى لتضمينه النزول، وفي يوم متعلق بيعرج والمراد بالألف استطالة المدة لأنها نهاية العقود وهو الوجه الأوّل في الكشاف، وإن كان الثاني فقوله في يوم الخ إمّا أن يتعلق بيدبر أو بيعرح فإن كان الأوّل فالمعنى يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة على أن يدبر على حقيقته، والجاران من والى متعلقان بالأمر والألف على حقيقته ومعنى العروج الثبوت عنده وفي صحف ملائكته والتدبير لهذه المدة وان كان مرّة إلا أن العروج متكرّر لكل يوم إلى تمام ألف سنة ثم وثم إلى انقراض الدنيا وهو الوجه الثاني وإن كان الثاني فالمراد بالعروج الصيرورة إليه لا ليثبت في ديوان الملائكة بل ليحكم به والمراد بيوم كان مقداره الخ يوم القيامة، والظرف متعلق بيعرح وهو الوجه الرابع وتكرار التدبير في الوجهين من المضارع، وأما أن العروج في الأوّل منهما في كل وقت من أوقات هذه المدة
فلأن كتابة الملائكة لا تتأخر عن وجود الحوادث، وان كان الثالث فيدبر بمعنى ينزل كما في الأوّل والجاران متعلقان به للتضمين وفي يوم متعلق بالفعلين للتنازع، واليوم وقت إنزال الوحي مع جبريل ﵊، وعروجه معه أيضًا أي رجوع ما كان من قبول الوحي وردّه إليه، وهذا الوقت وان كان قصيرا إلا أنه قدّر بألف سنة لأن مسافته صعودا وهبوطا سير الناس، وهو الوجه الثالث
[ ٧ / ١٤٦ ]
ولم يرتض هذا الوجه الزمخشريّ لتكلفه، وكذا الرابع لأنه لا فائدة ظاهرًا في العدول عن يوم القيامة إلى ما في النظم، اهـ محصله وعليه ينزل كلام المصنف وان خالفه ترتيبا ومعنى كما سنبينه. قوله: (يدبر أمر الدنيا الخ) هذا أحد الوجوه السابقة والتدبير فيه على ظاهره والأمر بمعنى الشأن كما أشار إليه بقوله أمر الدنيا والى متعلق بيدبر لتضمينه معنى ينزل ومن ابتدائية والى انتهائية، واليه أشار بقوله نازلة، وهذا هو المطابق لما في الكشاف وشروحه فقوله بأسباب سماوية بيان لحاصل المعنى، وهي الأمطار ونحوها ويجوز على هذا تعلق من السماء إلى الأرض بالأمر أو جعله حالًا منه ويجعل كناية عن تدبير جميع الأمور، وقيل من عنده سببية، وقوله آثارها الضمير فيه للأسباب ويعرح بمعنى يصعد ويرتفع على حقيقته كما ذكره، وقوله ويثبت في علمه بيان لوجه صعوده للعرض عليه، وقيل إنه إشارة إلى أن العروج والصعود مجاز عن الثبوت في العلم أي تعلق العلم به تعلقًا تنجيزيًا فإنه كان معلومًا له قبله، ولذا قال موجودًا لئلا يرد أنه كان ثابتا فيه قبله ولو فسر بكتابته في الصحف كان أظهر. قوله: (في برهة) أي مدّة الخ يعني أن قوله في يوم الخ متعلق بيعرج في هذا الوجه وأن المراد استطالة مدة ما بين التدبير والوقوع لا ظاهر العدد فهو مجاز عن لازمه لأن الألف نهاية العقود، ولذا يعبر به عما طالت مدته وهذا مما خالف فيه الزمخشريّ لأنه أبقاه على ظاهره إذ جعل الأمر بمعنى الشأن وفسره به إذا كان واحد الأوامر. قوله: (وقيل يدبر الأمر الخ الم يبين المراد بالأمر في هذا الوجه والظاهر أنه بالمعنى السابق من أمور الدنيا وأحوالها وأنه الوحي وهو المطابق للكشاف، ويدبر على هذا مضمن معنى ينزل أيضًا كما أشار إليه وإنما مرضه لأن تقدير مسافة ما بين السماء والأرض به غير معلوم، ولأن كونها مدة الذهاب والإياب خلاف الظاهر، وكذا جعله بالنسبة لسير غير الملائكة، وقوله ثم يعرح أي الملك أو الأمر مع الملك، وقوله في زمان إشارة إلى أن اليوم بمعنى مطلق الوقت. قوله: (فإن ما بين السماء والأرض الخ) إشارة إلى أنّ قوله في يوم متعلق بالفعلين معنى وأنه تقدير لمسافة النزول والصعود بسير غير الملك فيكون على التشبيه، وقوله في الكشاف في الحقيقة ليس المراد به ما يقابل المجاز لأنه
يقال هذا في الحقيقة كذا أي في نفس الأمر أو فيما تحققه الناظر مع قطع النظر عن دلالة اللفظ كما بينه بعض شراح الهداية، ومن غفل عنه اعترض عليه وكذا من أجاب عنه بأن مقصوده المبالغة في التشبيه، وما في آية أخرى من قوله خمسين ألف سنة لا يعارضه إن قصد المبالغة أو هذا عروج إلى سماء الدنيا وذاك إلى العرس. قوله: (وقيل يقضي الخ) فيدبر بمعنى يقضي ومن السماء إلى الأرض متعلق بالأمر أو حال منه، والأمر قضاؤه تعالى ويعرج بمعنى يصعد ويعرض! كما مرّ وألف سنة على ظاهره ومرضه لأنّ نزول الملائكة بما قضى في ألف سنة، ثم الصعود به بعدها خلاف الظاهر. قوله:) وقيل يدبر الأمر الخ) فالأمر واحد الأمور من السماء إلى الأرض متعلق به أو حال وهو كناية عن جميع الأمور، والمراد بيوم الخ يوم القيامة ومرضه لأنّ العدول عن التعبير بيوم القيامة، ونحوه خلاف الظاهر ولأنه يحتاج إلى جعل في بمعنى إلى أو جعل تدبيره بمعنى الجزاء عليه، وجعل يعرج بمعنى يرجع إليه للجزاء وكل بعيد وقوله يعرج وقع في نسخة بدله يرجع أي للحكم، والجزاء عليه وهو تفسير ليعرج على هذا الوجه. قوله: (وقيل يدبر المأمور به) فالمراد بالأمر واحد الأوامر أو الوحي وهو بمعنى المأمور فالتضمين، والتعلق على حاله، وثم للاستبعاد والخلوص من الصعود والعروج لقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر، الآية: ١٠] وألف عبارة عن الاستطالة كما مرّ وهذا الوجه قدّمه الزمخشري وأخره المصنف ﵀ إشارة إلى ضعفه عنده. قوله: (وفرئ يعرج) أي بالبناء للمفعول، وهي قراءة شاذة لابن أبي عبلة وأصله يعرج به فحذف الجارّ وإرتفع الضمير واستتر، وقوله ويعدون بالغيبة وهي قراءة الأعمش والجمهور على الخطاب، وقوله تعالى ذلك إشارة إلى الذات الموصوفة بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامّة والحكمة العامّة، وهو مبتدأ خبره ما بعده والعزيز الرحيم خبران آخران أو نعتان، وقوله وفيه إيماء أي في قوله العزيز الرحيم أو في قوله الرحيم، وحده ووجه الإيماء ظاهر لأنّ الوصف بالمشتق! يقتفبي علية مأخذه فتدبيره للعالم
[ ٧ / ١٤٧ ]
رحمة منه لا إيجابا عليه وهو ردّ على من يقول بالإيجاب. قوله: (خلقه موفرا) أي مكملاَ تامّا وهذا بيان لحاصل المعنى لأنّ تقديره أحسن خلقه أي جعله حسنا تامّا كاملًا حسبما تقتضيه حكمته، وكون خلقه بدل اشتمال إذا كان بالمعنى المصدري فالضمير المضاف إليه لكل شيء أمّا إذا كان بمعنى المخلوق فهو بدل كل من كل أو بدل بعض من كل والضمير لله، والذي ارتضاه أبو عليّ في الحجة وهو ما صرّح به في كتاب سيبويه أنه مفعول مطلق لأحسن من
معناه، والضمير لله أيضًا وقد جوّز أيضا كونه مفعولًا ثانيًا أو أوّل لأحسن لتضمينه معنى أعطى. قوله: (وقيل علم كيف يخلقه) قال الراغب الإحسان يقال على وجهين أحدهما الأنعام على الغير والثاني الإحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا وعمل عملًا حسنا وعليه قول أمير المؤمين عليّ كرم الله وجهه الناس أبناء ما يحسنون أي ينسبون إلى ما يعلمونه، ويعملونه من الأفعال الحسنة اهـ فحينئذ إذا تضمن معنى العلم فلا مانع من أن يحوي معناه ويعمل عمله كما قرّروه في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، [سورة هود، الآية: ٧] ولا يضرّ عدم تعدّبه لهما في المثال فقوله يحسن معرفته إشارة إلى وجه تفمنه معنى العلم لا إلى تقدير مضاف، وقوله قيمة المرء ما يحسنه هو من كلام عليّ أيضًا كرم الله وجهه وهو استشهاد على دلالته على العلم كالبيت المنسوب إليه أيضًا وهو:
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
فلا يتوهم أنّ ما استشهد به غير موافق لمدعاه كما قيل، ومعنى المثال زيادة رفعة المرء
وعلوّ قدر. بعلمه لا بحسنه وجسمه فالقيمة مجاز فيه. قوله: (بفتح اللام) على أنه فعل ماض، والجملة واقعة بعد نكرة فهي صفة كل أو شيء والثاني أولى لأنّ المضاف بعد كل هو المقصود بالذات فهي في محل جرّ لا نصب، وهو الظاهر من قوله فالشيء الخ. قوله: (على الأوّل مخصوص بمنفصل وعلى الثاني بمتصل) قصر العامّ على بعض أفراده إمّا بغير مستقل، وهو كلام غير تام تعلق بصدره كلاصفة أو بمستقبل من كلام أو عقل أو غيره كالحس ويسمى الأوّل متصلاَ والثاني منفصلًا، وكل منهما تخصيص عند الشافعية لأنه قصر العامّ على بعض أفراده مطلقا وأمّا عندنا فالتخصيص هو الثاني فقط كلاما كان أو غيره فما ذكره المصنف من أنه على الأوّل أي على قراءة خلقه بالمصدرية على وجوه إعرابه مخصوص بمنفصل، وهو دلالة العقل على أنه لم يحسن خلق كل شيء مطلقًا حتى ذاته وصفاته لأنّ المتبادر من الخلق الحدوث الزمانيّ وذاته وصفاته ﷾ منزهة عن الاتصاف بالخلق فاحتيج إلى تخصيص شيء بما ذكر، وأمّا الحدوث الذاتيّ فاصطلاح للفلاسفة واه كما بين في الكلام ولو جعلت جملة خلقه مستأنفة كان التخصيص بمنفصل أيضًا على هذه القراءة لكن لكونه خلاف الظاهر لم يتعرّض له المصنف وكون شيء بمعنى المفعول، وهو مشيء كما مرّ في البقرة بحسب الوضمع الأصلي، وقد يلاحظ فيه العموم فيحتاج إلى المخصص مع أنه وجه في المآل آخر للتخصيص فلا اعتراض به على المصنف ﵀ كما توهم فما ذكره المصنف مبنيّ على أصولهم، وقد يرجع إلى أصولنا أيضًا فأعرفه. قوله: (يعني آم) ﵊ قد مرّ تحقيقه وفوله
تنسل كتنصر تخرج، وتنفصل والسلالة الخلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية، وممتهن بمعنى مبذول وأصل التسوية جعل الأجزاء متساوية فلذا فسره بقوله قوّمه الخ وثم للترتيب الرتت أو الذكريّ لأنها قبل النسل* قوله: (إضافة إلى نفسه تشريفًا) إذ لم يقل روحا بل روحه تشريفًا له مع أنّ كل روح له، ومنه قيل بيت إدلّه وناقة الله تعظيما للمضاف وضمير له للإنسان أو للروح بتأويله بمخلوق، وقوله له مناسة ما إلى الحضرة الربوبية ظاهر في هذا أي انتساب إليها ولذا عداه بإلى وحضرة مصدر بمعنى حضور، والمراد المقام والمحضر وأقحم تأدّبا على ما عرف في الاستعمال ووجه المناسبة اتصالها بالعالم العلوفي، وتجرّدها عن التجسم وتصرّفها، وتوله من عرف نفسه الخ ليس بحديث بل هو من كلام أبي بكر الرازي كما ذكره الحفاظ، وبعض الجهلة يظنه حديثا كما وقع في بعض كتب الموضوعات، وقيل ليس معناه ما ذكر بل معناه من عرف نفسه، وتأمّل حقيقتها عرف أنّ له صانعًا موجدا له وإليه أشار تعالى بقوله ة ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٢١] (قلت) ما ذكره المصنف ﵀ سبقه إليه غيره وهو مناسب لكلام الحكماء
[ ٧ / ١٤٨ ]
والصوفية واللفظ يحتمله فتأمّله. قوله تعالى: (﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾) التفات إلى الخطاب لا يخفى موقع ذكره بعد نفخ الروح وتشريفه بخلقة العقل حتى صلح للخطاب، وقدم السمع لكثرة فوائده وأفرد لأنه في الأصل مصدر، وقوله خصوصا من لام الاختصاص والتقديم والاختصاص بالمجموع، والظاهر أنّ جملة قليلا الخ حالية، وقوله شكرا قليلا إشارة إلى أنه صفة مصدر مقدّر. قوله:) أي صرنا ترابًا الخ) فهو من ضل المتاع وأضله إذا ضاع كأنه لاضمحلاله وامتزاجه بالتراب شيء ضائع، وقوله أو غبنا أي بالدفن فيها وان لم نفن ونضمحل كما في قول النابغة:
وآب مضلوه بعين جلية
أي دافنوه وهذا معنى آخر فلا وجه لما قيل الظاهر عطفه بالواو كما في القاموس، وقوله وقرئ ضللنا الخ هي قراءة عليّ وابن عباس رضمي الله محنهم لأنه يقال ضل يضل كضرب يضرب، وعلم يعلم وهما بمعنى وأمّا صل بالمهملة فمعناه تغير وأنتن من الصلة، وهي الدبر ويقال للأرض الصلة لأنها لست الدنيا، وتقول العرب ضمع الصلة على الصلة وصللنا روي في الإهمال بفتح اللام وكسرها وهي قراءة الحسن، وقوله على الخبر أي بترك الأستفهام، وقوله
والعامل فيه الخ لأنه لا يصح تقديم معموله عليه مع الاسنفهام المستحق للصدارة، وكذا أنّ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها أيضًا وقوله، وإسناده الخ تقدّم ما قيه واعتراض بعضهم بأنه لا يشترط الرضا بل يكفي وقوعه فيما قبلها أيضًا وقوله، وإسناده الخ تقدّم ما فيه واعتراض بعضهم بأنه لا يشترط الرضا بل يكفي وقوعه فيما بينهم وتناقض كلامهم فيه، والجواب عنه والتوفيق فتذكره وقولهم هذا تهكم واستهزاء واذا يحتمل الظرفية المحضة والشرطية والجواب على الثاني محذوف وأبيّ بن خلف من المشركين مشهور. قوله: (بالبعث) فلقاء الله كناية عن البعث أو هو بتقدير مضاف أي بلقاء ملائكة ربهم، وهم ملائكة الموت والعذاب والإضراب على الأول للترقي من التردّد فيه واستبعاده إلى الجزم بجحده، وكون لاستفهام إنكاريا يؤول إلى الجحد لا يضرّه كما توهم، وقيل الظاهر ما في بعض النسخ من عطف وتلقى بالواو ليظهر الإعراب لأنه إنكار جميع ما بعد الموت، وهو أبلغ من إنكاره فقط. قوله تعالى: (﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ الخ) وجه مناسبته لما قبله على الثاني ظاهرة لأنهم لما جحدوا بلقاء ملائكة الموت وما بعده قيل لهم إنكم سترون ملك الموت، وما بعده من الحساب والعقاب، وأمّا على الأوّل فلأنهم لما أنكروا البعث والمعاد ردّ عليهم بما ذكر لتضمن قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١١، البعث مع زيادة ذكر الموت، وكونه موكلاَ بهم لتوقف البعث عليه ولتهديدهم وتخويفهم وللإشارة إلى أنّ القادر على الإماتة قادر على الإحياء فلا حاجة إلى تكلف ادّعاء أنّ كلامهم يشعر بأنّ الموت بمقتضى الطبيعة حيث أسندوه إلى أنفسهم فليس عندهم بفعل الله، ومباشرة ملائكته وأبعد منه ما قيل في مناسبته إنّ عزرائيل، وهو عبد من عبيده إذا قدر على تخليص الروح من البدن مع سريانها فيه سريان ماء الورد في الورد، واللهب في الجمر فكيف لا يقدر خالق القوى والقدر على تمييز أجزائهم المختلطة بالتراب، وكيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له تعالى فإنّ ذلك السريان ربما خفي على العقلاء فكيف بجهلة المشركين وفي وكل إشارة إلى أنّ المتوفى حقيقة هو الله كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٤٢، أو هو بمعنى سلط. قوله: (يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا) من أجزائها لا من جزئياتها لئلا يتحد بما بعده، وهذا من معنى التوفي لأنه بمعنى أخذ الشيء بتمامه كما في شرح المفتاح، وقوله أو لا يبقى منكم أحدًا الخ هو من السياق، وقوله والتفعل الخ توجيه لتفسيره به بأنهما متلازمان فإنه مطاوعه وهو لا ينفك عنه أبدًا أو أغلبيا،
وقوله إحصاء آجالكم ليس الإحصاء فيه بمعنى العد بل المراد معرفة انتهائها وتمامها. قوله تعالى: (﴿وَلَوْ تَرَىَ﴾) الخطاب للنبيّ ﷺ أو لغير معين، وقوله قائلين إشارة إلى أنه حال بتقدير القول، وهو أولى من تقدير الزمخشريّ يستغيثون بقولهما لخ، وعامل الحال ترى أو ناكسو، وقوله أبصرنا ما وعدتنا إشارة إلى مفعوله المقدر وقدره الزمخشريّ صدق وعدك ووعيدك قصدًا للمبالغة. قوله تعالى: (﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾) استئناف لتعليل ما قبله كقوله: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [سورة هود، الآية: ٣٧] بعد قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سورة هود، الآية: ٣٧] ولذا أكد بأنّ والاسمية، وقوله إذ لم يبق لنا شك إشارة إلى أنّ الإيقان اليقين الدافع للشك والشبه كما مرّ تحقيقه في أوّل سورة البقرة، وقيل إنه إشارة إلى أنه استئناف لم يقصد به التعليل وفيه نظر. قوله: (وجواب لو محذوف تقديره الخ) ظاهره
[ ٧ / ١٤٩ ]
أنها تدلّ على التمني حقيقة أو مجازا وحينئذ لا يكون لها جواب ملفوظ، ولا مقدر وقد خالف في ذلك ابن مالك وأبو حيان وقالا لا بد لها من الجواب استدلالًا بقول مهلهل في حرب البسوس:
فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أقي زير
بيوم الشعثمين لقرّ عينا وكيف لقاءم ن تحت القبور
فإنّ لو فيه للتمني بدليل نصب فيخبر وله جواب وهو قوله لقرّ وردّ بأنها شرطية ونصبه
عطفًا له كلى المصدر المتصيد من نبش، وتقديره لو حصل نبش فإخبار وهو تكلف، ولو قيل إنها لتقدير التمني معها كثيرًا أعطيت حكمه فاستغنى عن تقدير الجواب فيها إذا لم يذكر كما في الوصلية، ونصمب جوابها كان أسهل مما ذكر. قوله: (والمضي فيها) أي في لو لأنها حرف امتناع لامتناع فيما مضى وفي إذ وضعا لأنّ إخباره تعالى عما تحقق في علمه الأزلي لتحققه بمنزلة الماضي فيستعمل فيه ما يدل عليه مجازا كلو واذ قيل ولا يبعد حمل ترى أيضا على المضيّ الفرضي أي لو رأيت إذ وقفوا على النار في الدنيا، وهو كلام حسن سقط به اعتراض! ابن هشام ﵀ بانه لا معنى له إذا لو أوّل ترى برأيت وهو مستقبل لزم كون رأيت بمعنى ترى وفي بعض شروج الكشاف فان قلت هذا في قوله ناكسو صحيح لأنه نزل فيه النكس المستقبل منزلة الواقع فيما مضى فأدخل فيه إذ أما في ترى فلا لأنه في حيز لو الامتناعية المقتضية عدم وقوع الرؤية فكيف ينزل منزلة الواقع قلت المراد من المترقب النكس لا الرؤية لكن لما جعل النكس، واقعا فيما مضى صارت الرؤية المتعلقة به بمنزلة الماضي بتبعيته مع امتناعها ورده معلوم مما قرّرناه أيضا فتأمّل. قوله: (ولا يقدر الخ التنزيله منزلة اللازم، وما دلّ عليه صلة إذ أي ما أضيفت إليه لأنه بمنزلة الصلة المتممة لها للزومها الإضافة وهو المجرمون
أو وقوفهم على النار، وقوله أو لكل أحد أي ممن يصح منه الرؤية لأنّ الضمير قد يراد به غير معين كما تقرّر في المعاني. قوله تعالى: (﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾) قيل إنه جواب لقولهم فاوجعنا بأنهم لو أرجعوا لعادوا لما نهوا عنه لأنا لم نقدر هدايتهم، وقوله ما يهتدي به الخ لو فسر بنفس الإيمان والعمل الصالح صح لكن هذا أتمّ وأولى وأنسب بمعنى الهداية، وقوله بالتوفيق متعلق بقوله آتينا. قوله: (ثبت) تفسير لحق لأنه بمعنى ثبت وتحقق، وقوله قضاتي تفسير للقول لأنه إذا أضيف إلى الله يراد به حكمه وقضاؤه كما ذكره الراغب في قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [سورة بس، الآية: ٧] ومثله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥ ا] وقوله: ﴿سبق وعيدي﴾ تفسير آخر له فالقول على ظاهره، وقوله لأملأنّ الخ هو المقول على هذا ولذا قال وهو الخ. قوله تعالى: (﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾) قدم الجنة لأنّ المقام مقام تحقير ولأنّ الجهنميين منهم أكثر فيما قيل ولا يلزم من قوله أجمعين دخول جميع الإنس، والجن فيها وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [سورة مريم، الآية: ٧١، فالورود غير الدخول كما مرّ تحقيقه في هود لأنها تفيد عموم الأنواع لا الإفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك النوعين جميعًا كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعا، كما ذكره بعض المحققين وردّ بأنه لو قصد ما ذكر كان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كأيهما فالظاهر أنها لعموم الإفراد والتعريف فيها للعهد، والمراد عصاتهما ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى خطابا لإبليس لعنه الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص، الآية: ٨٥] فتدبر. قوله: (وذلك تصريح الخ) ذلك إشارة إلى النص، وقوله لأملأنّ الخ وقد وقع في نسخة هذا النص صريح وهو ردّ على الزمخشريّ حيث أيد مذهبه من أنه تعالى لا يشاء القبيح كالضلال بل الهداية، وحمل المشيئة المذكورة على القسرية وقال إن تعقيب فذوقوا الخ بنسبة النسيان إليهم وجعله سببًا للإذاقة دال على أنّ المشيئة المطلقة مقيدة هنا بقيد الإلجاء والقسر، وأنّ العلم الأزليّ مانع لاختيارهم قال الطيبي ﵀ وهو عدول عن جادّة الصواب حيث أوقع حق القول المعبر به عن العلم الأزليّ المستتبع للكائنات سببًا عن استحبابهم العمي وجعل استحبابه مسببا عن اختيارهم المعدوم، والحق قول الإمام إنّ لو شئنا لآتينا الخ جواب لقولهم فارجعنا أي هذا الذي جرى علينا بسبب ترك العمل أمّا الإيمان فنحن موقنون به فأرجعنا لتتلافى العمل فأجيبوا بأنا لو أردنا الإيمان فنحن موقنون به فأرجعنا لتتلافى العمل فأجيبوا بأنا لو أردنا الإيمان هديناكم فلما لم نهدكم تبين أنا لم نرد إيمانكم فلا نردّكم فذوقوا العذاب
[ ٧ / ١٥٠ ]
المقدر عليكم بكفركم فإنه لا ينفعكم الآن شيء والمصنف ﵀ أشار إلى أنّ الآية صريحة في خلاف ما ذكره،
لأنها دالة على أنّ عدم إيمانهم لعدم مشيئة الله، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ لأنّ الهدى الإيمان أو الموصل إليه، وقوله المسبب الخ أي وعدم المشيئة مسبب عن سبق حكم الله به، وهو معنى قوله ولكن حق القول مني الخ فإنه استدراك لدفع ما قبله والمراد أنه سبب استمراره أو سببه بنفسه فإنه لا مانع من تسبب أزليّ لأزليّ آخر فإنه لا يقتضي التقدّم الزمانيّ بل الرتبيّ، وما أورد عليه من أنّ العدم الأصليّ لا يحتاج إلى سبب فينبغي تفسيره بالكف أو الامتناع عن المشيئة غير مسلم في العدم الذي ليس بصرف، وكذا ما قيل من أنّ التصريح ممنوع إذ يجوز كون سبق الحكم سببا لعدم الهداية بل هو الظاهر إذ المناسب كون السبق لعدم المشيئة لا العكس، فإنه مخالف للنظم كما عرفت فتأمّل. قوله: (ولا يدفعه الخ) أي كما في الكشاف نصرة لمذهبه أي لا يعارض سبق القضاء لأنّ عدم الإيمان على هذا بسبب ميلهم الاختياريّ لا لعدم مشيئته تعالى، ولا للسبق المذكور والمراد بنسيانهم ترك العمل المشابه للنسيان أو ترك التدبر وعليه كلامه الآتي وذوقوا أمر تهديد توبيخيّ، والفاء تفصيلية أو في جواب شرط مقدر أي إذا حق القول، وهذا إمّا مفعول ذوقوا والمعنى ذوقوا ما أنتم فيه من نكس الرؤس والخزي، والغم أو صفة يوم وحذف مفعوله للتهويل بالإبهام ويدلّ عليه قول المصنف ﵀ فيما سيأتي من التصريح بمفعوله الخ، وقوله بقوله متعلق بجعل. قوله: (فإنه من الوسايط المفضية له) أي لذوق العذاب يعني ليس هو السبب الحقيقيّ حتى ينافي كونه بمشيئة الله وسبق قضائه، والجبر مندفع بمقارنة القدرة لفعل العبد عند الأشاعرة على ما بين في الكلام وأما التوبيخ بالواسطة مع سبق المسبب الحقيقيّ فلا بعد فيه كما توهم إذا تضمن نكتة كقربه من الوقوع، وظهوره وكونه هو الصادر منهم وقوله المفضية بالفاء والضاد المعجمة بمعنى الموصلة وفي نسخة المقضية والمقتضية بالقاف وهي متقاربة. قوله: (تركناكم من الوحمة أو في العذاب) وهما وان تغايرا متقاربان وهو إشارة إلى أنّ النسيان بمعنى الترك. لأنه محال عليه تعالى، وهو استعارة أو مجاز مرسل كما أنّ لنسيان السابق أيضا مجاز مرسل، وقد جعله الزمخشريّ مقابله أي مشاكله كما صرّح به بعض الشراح، وكون المشاكل الأوّل مجازا لا يمنع منها والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم من جنس عملهم فهو على حد قوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ الشورى، الآية: ٤٠] لكنه نادر في بابه فلا يرد الردّ عليه بأنه مجاز فافهم وقوله ترك المنسيّ أي كترك المنسيّ إشارة إلى أنه استعارة. قوله: (وفي استثنافه) أي إيقاعه هذه الجملة سمتأنفة لأنّ جعله جملة مستأنفة يقتضي الاهتمام به ففيه تأكيد أيضا. قوله: (وبظء الفعل على أنّ واسمها) أي إيقاع الفعل، وهو نسيناكم خبرًا عن الاسم وجعله عجز
الاسمية مؤكدة بأن إشارة إلى أنه نسيان أي ترك شديد محقق كما تفيده الاسمية المؤكدة، والانتقام من وقوعه جزاء لنسيانهم. قوله: (كرر الأمر) أي قوله ذوقوا للتأكيد ولما كان من حق التاكيد أن لا يعطف أشار بقوله ولما نيط أي علق الخ إلى أنّ فيه زيادة على الأوّل جعلته بمغايرته للأوّل مستحقًا للعطف، وقوله من التصريح بمفعوله، وهو عذاب الخلد إشارة إلى أنّ مفعول الأوّل محذوف أو غير صريح لأنه اسم إشارة، وقوله وتعليله إشارة إلى أنّ الباء سببية وأفعالهم السيئة مدلول قوله ما كنتم تعملون، وقوله من التكذيب الخ بيان لها، وقوله بتركهم الخ معنى قوله بما نسيتم وفيه إشارة إلى أنّ ما مصدرية، وقوله دلالة الخ إشارة إلى أنها أسباب متعدّدة وان كانت وسايط فلا ينافي ما مرّ كما ذهب إليه الزمخشريّ. قوله تعالى: (﴿بِآيَاتِنَا﴾) المراد بها دلائل توحيده وقدرته أو آيات القرآن الدالة على ذلك، وقوله كالعجز الخ إشارة إلى ارتباطه بما قبله، وقوله حامدين الخ إشارة إلى أنّ الباء للملابسة والجار والمجرور حال وأنّ الحمد هنا في مقابلة النعمة، وقوله حامدين الخ إشارة إلى أنّ الباء للملابسة والجار والمجرور حال وأنّ الحمد هنا في مقابلة النعمة، وقوله وهم لا يستكبرون عطف على الصلة أو حال من أحد الضميرين، وقد تجوّز عطفه على أحد الفعلين. قوله تعالى: (﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾) جملة مستأنفة أو حالية أو هي خبر ثان للمبتدأ وكذلك يدعون وإذا جعل يدعون صالًا احتمل أن يكون حالًا ثانيًا وأن يكون حالًا من ضمير جنوبهم لأنّ المضاف جزء والتجافي البعد، والارتفاع من الجفاء وكني به
[ ٧ / ١٥١ ]
عن ترك النوم كما في قول ابن رواحة رضي الله تعالى عنه:
نبيّ يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
واليه أشار المصنف ﵀، وخوفا وطمعًا إمّا مفعول له أو حالان أو صصدران لمقدر وتتنحى بالمهملة أي تبعد ومواضع النوم شامل للأرض. قوله: (وعن النض ﷺ في تفسيرها) أي الآية إشارة إلى ما رواه أحمد والحاكم، وغيرهما عنه ﷺ مرفوعًا من أنه قرأها وقال هو
صلاة الرجل في جوف الليل، وقوله إذا جمع الله الخ روأه أبو إسحق وأبو يعلى عن أسماء كما ذكره ابن حجر، وقوله يسمع الخلائق أي صوته أو هو معلوم من أسمع ويجوز أن يكون من سمع وفاعله الخلائق، والمراد بالجمع المحشر ومن أولى بالكرم أي من الله، وقوله فيسرحون أي يرسلون وشاقون إلى الجنة من غير حساب ومنه سرّح الماشية للمرعى، وسائر الناس باقيهم، وقوله وقيل الخ مرضه لمخالفتة للظاهر لأنه ليس وقتًا يكثر فيه النوم حتى يمدح بتركه ولمخالفته للرواية المشهووة السابقة، وقوله وجوه الخير شامل للفرض والنقل، وقوله ولا نبيّ الخ في نسخة بترك العطف وهو مرويّ في الحديث القدسيّ المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁. قوله تعالى: (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ الخ) الفاء سببية، أو فصيحة أي أعطوا فوق رجائهم فلا الخ ونفس نكرة منفية فتعم وقرة العين السرور وقد مرّ تحقيقها، وقوله أعددت أي هيأت وأحضرت لهم من النعيم والرضوان، وقوله ما لا عين رأت الخ يعني أنه ليس من جنس ما يعرفون من النعيم بل هو أبئ وأعظم. قوله: (بله ما اطلعتم عليه) قال ابن هشام في المغني بله على ثلاثة أوجه اسم لاع ومصدر بمعنى الترك واسم مرادف لكيف وما بعدها منصوب على الأوّل ومخفوض على الثاني، ومرفوع على الثالث وفتحها بناء على الأوّل والثالث وإعراب على الثاني، وإنكار أبي عليّ أن يرتفع ما بعدها مردود رواية ومن الغريب ما في البخاريّ، من رواية الحديث من بله بمن الجارة خارجة عن المعاني الثلاثة، وقد فسرت بغير وبه يتقوّى عدّها من أدوات الاستثناء فما بعدها محتمل لوجوه الإعراب الثلاثة والمعنى على كل حال أنه ليس مما عرفتموه واطلعتم عليه واطلعتم معلوم من الاطلاع افتعال
بمعنى الوقوف عليه، وقد روي اطلعتم مجهولًا من الأفعال وما وقع في الرضى أعطيتم غير معروف رواية، وقوله إن شئتم أي أردتم تحقيقه. قوله: (وقرأ حمزة الخ) عقب الحديث بهذه القراءة إشارة إلى ما في الانتصاف من قوله كان جدي ﵀ يستحسن أن يقرأ الآية تلو الحديث المذكور بسكون الياء من أخفى ورده إلى المتكلم ليطابق صدر الحديث، وهو أعددت الخ ليكون الكل راجعًا إليه تعالى مسندًا إلى ضمير اسمه جل وعز صريحًا اهـ، وعلى القراءة المشهورة هو ماض مجهول بفتح الياء. قوله: (وقرئ نخفي) أي بنون العظمة وأخفى ماض معلوم، وقوله وقرات أي قرى قرّات بصيرة الجمع لقرة وهي قراءة شاذة أسندها أبو الدرداء وابن مسعود ﵄ إلى النبيّ ﷺ، وقوله لاختلاف الخ بيان لنكتة جمع المصدر أو اسمه، وقوله والعلم بمعنى المعرفة فيتعدى لمفعول واحد وهو ظاهر على الموصولية وإذا كانت ما استفهامية يجوز تعديه لمفعولين لسد الجملة مسدهما وعلى كل من الموصولية والاستفهامية فالإبهام للتعظيم لأنه بمعنى أيّ شيء. قوله: (أي جزوا جزاء) فهو مفعول مطلق لفعل مقدر والجملة مستأنفة ويجوز جعلها حالية، وقوله أو أخفى للجزاء فهو مفعول له وقوله فإن إخفاءه لعلوّ شأنه بيان لوجه التعليل للإخفاء وحينئذ يجوز تعلقه بلا تعلم، وقوله وقيل الخ أي أخفى ليكون الجزاء من جنس العمل، ويجوز على المصدرية جعله مؤكدًا لمضمون الجملة المتقدّمة. قوله: (خارجًا عن الإيمان) يشير إلى أنّ أصل معنى الفسق الخروج من فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها ثم استعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع مطلقًا فهو أعمّ من الكفر وقد يخص به كما في قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور، الآية: ٥٥] وكما هنا لمقابلته بالمؤمن. قوله: (في الشرف الخ) هذا على طريق الفرض أو التهكم إذ لا مثوبة للكانر أصلا، وقوله تأكيد أي لما فهم من قوله أفمن كان مؤمنًا الخ فإنه يدلّ على عدم مشابهته له ومساواته معه، وقوله والجمع أي في ضمير يستوون الراجع لمن باعتبار المعنى بعد
[ ٧ / ١٥٢ ]
أفراده رعاية للفظه. قوله: (نإنها المأوى) أي المسكن لأنها مقرّ والدنيا ممر وجسر للآخرة، وقوله وقيل الخ فهو علم المكان مخصوص منها كعدن ومرضه لأنّ الجمع وإضافة العامّ إليه لا تناسبه والنزل كما مرّ ما يعد للنازل ثم عمّ كل عطاء أو جمع نازل حالًا. قوله:
(بسبب أعمالهم) فالباء للسببية، وكونها سببًا بمقتض فضله ووعده فلا ينافي حديث لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، وقوله أو على إعمالهم فالباء للمقابلة والمعاوضة فإنها تستعمل بهذه المعنى كعلى في نحو بعتك الدار على ألف درهم، ووقع في نسخة عطفه بالواو فهو بيان لما قبله والأولى أولى وبما ذكرناه علم ضعف قوله في المغنى إنّ الباء هنا ليست للسببية كما قاله المعتزلة وكما قاله الجميع في نحو لن يدخل أحدكم الجنة بعمله لأنّ المعطي بعوض قد يعطى مجانًا، وأمّا المسبب فلا يوجد بدون السبب، وقد تبين عدم المعارضة بين الآية والحديث لاختلاف معنى الباءين اهـ. قوله: (مكان جنة المأوى الخ) يعني ليس المراد بالمأوى مطلق المحل والمنزل وإن جوّزه في الكشاف بل المحل المقصود والمطلوب للاستراحة والوقاية من الحرّ والبرد ففيه استعارة تهكمية، وهذا مأخوذ من المتعارف والمقابلة وهو أبلغ فلا يرد عليه أنه عدول عن الحقيقة من غير داع، ولا قرينة فلا وجه له كما قيل. قوله: (عبارة عن خلودهم فيها) دفع لما يتوهم من أنّ الإعادة تقتضي الخروج فهو معارض لقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٧] وقد حمل كلامه هنا على الاستعارة التمثيلية، وقد مرّ في سورة الحج أنّ التقدير فخرجوا لأنّ الإعادة بعد الخروح ومراده الخروح من معظمها فلا يخالف قوله وما هم بخارجين الخ، ولذا قال فيها دون إليها وقيل هو كناية عن القرب من الخروج وقد مرّ الكلام فيه. قوله تعالى: (﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ الخ) في أمالي ابن الحاجب في نكتة إظهار النار مع ذكرها قبله أنه لأنّ فيه تهديدا وتخويفًا ليس في الإضمار لأنه وقع حكاية لما قيل لهم ثمة وليس مثله موضع الضمير، وأورد عليه الطيبي إنه داخل في حيز الآخبار لعطفه على أعيدوا الواقع جوابًا لكلما فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه جاز فيه أيفا إن لم يقصد التهويل فالوجه الثاني لا يتم وحده، وودّ بأنّ المانع إنه حكاية لما يقال لهم يوم القيامة والأصل في الحكاية أن تكون على وفق المحكي عنه دون تغييره ولا إضمار في المحكي لعدم تقدّم ذكر النار فيه، وقد يناقش فيه بأنّ مراده أنه يجوز وعاية المحكيّ والحكاية وكما أنّ الأصل رعاية المحكيّ الأصل
الإضمار إذا تقدّم الذكر فلا بدّ من مرجح فتأمّل. قوله: (عذاب الدنيا الأنه أدنى أي أقرب أو أقل من عذاب الآخرة، والسنة بمعنى القحط وقد دام على قريش قبل الهجرة سبع سنين كما ذكر في السير، وقوله يوم بدر الخ يقتضي أن هذه الآية مدنية والمختار عنده خلافه، وقوله لعل من بقي الخ لأنّ من قتل لا يتصوّر توبته، وعقبة هذا أخو عثمان لأمّه وقد أسلم هو وأخوه خالد يوم الفتح. قوله: (روي أنّ وليد الخ) تغ فيه الزمخشريّ، وفال ابن حجر إنه غلط فاحش فإنّ الوليد لم يكن حيث! ذ رجلًا بل طفلا لا يتصوّر منه حضور بدر وصدور ما ذكره الزمخشريّ من مشاجرته لعليّ ﵁. قوله: (وثم لاستبعاد الإعراض الخ) الاستبعاد غير التراخي الرتبي كما صرّح به بعض شرّاح الكشاف فهو أعمّ منه لأنه بعد أحدهما رتبة في شرف أو ضدّه سواء كان الأوّل أعلى أو الثاني، وهذا مطلق التباعد بينهما وان لم يشتركا في شرف أو ضده، وقوله بعد التذكير متعلق بالإعراض ويجوز تعلقه بالاستبعاد، وقوله عقلا تمييز راجع إلى الاستبعاد. قوله: (ولا يكشف الغماء إلا ابن حرّة) هو من شعر لجعفر بن علية الحارثي الحماسي وبعده قوله:
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
ومعنى يرى غمرات الموت يتحققها حتى كأنه يشاهدها أي لا يكشف الخصلة الشديدة
إلا رجل كريم يرى قحم الموت، ثم يلجا ولا يعدل عنها، وقال إبن حرّة لأنّ مثله ذو أنفة والغماء ما يغم وأصله التغطية، وثم فيه أيضًا الاستبعاد مشاهدة شدائد الهلاك، ثم الرغبة فيها واقتحامها وعبر بالزيارة إشارة إلى أنّ إتيانه لها برغبة تامّة لا اضطرار. قوله: (فكيف الخ) توجيه للعدول عن قوله منهم مع أنه الظاهر بأن هذا يثبت الانتقام منه بطريق برهانيّ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٧] فسره الزمخشريّ في الكشاف بجنس
[ ٧ / ١٥٣ ]
الكتاب ليصح عود الضمير إليه لأنه لم يلق عين كتاب موسى وارادة العهد، وتقدير مضاف أي تلقى مثله بعيد كالاستخدام ورجوعه إلى القرآن المفهوم منه أبعد، ونهيه عن الشك المقصود به نهى أمّته والتعريض بمن صدر منه مثله. قوله: (من لقائك الكتاب) إشارة إلى أنه مصدر مضاف
إلى المفعول وفاعله محذوف وهو ضمير النبيّ ﷺ، وقوله وإنك الخ اسنشهاد على أنّ الكتاب يوصف بالملاقاة وقوله فإنا الخ تعليل للنهي عن الامتراء بالتشابه يين الإيتاءين فليس الثاني مبتدعًا حتى يرتاب فيه، وقوله مما لم يكن قط، وفي نسخة لم يكن قط بيان لقوله باع ولما يينهما من التشابه قال أوّلًا مثل ما آتيناه، ثم عكسه هنا وقوله أو من لقاء موسى الكتاب فهو مضاف للمفعول أيضًا لكن فاعله موسى، وقد جوّز إضافته للفاعل على أنّ الضمير لموسى فتأمّله. قوله: (أو من لقائك موسى) ﵊ فالضمير لموسى على أنه مفعول، ويجوز أن يكون فاعلًا أيضًا والمراد بالكتاب العهد لكن وجه التفريع فيه بالفاء خفيّ، وقوله وعنه الخ تأييد لهذا التفسير وأنّ المراد لقاؤه في الدنيا وآدم بالمدّ بمعنى أسمر وطوالًا بضمّ الطاء بمعنى طويل والجعد خلاف السبط، وهو معروف وشنوأة بالمعجمة والهمزة حيّ من اليمن موصوفون ومشهورون بالجعودة فلذا شبهه بهم قيل، وهذا يدلّ على أنّ الآية نزلت قبل الإسراء، وقوله المنزل على موسى فالضمير للكتاب ويجوز وجوعه لموسى. قوله: (بأمرنا إيادم به) أي بأن يهدوا أي فالأمر واحد الأوامر، وعلى ما بعده واحد الأمور والمراد به التوفيق، وقوله وقرأ الخ أي بكسر اللام وتخفيف الميم وما مصدرية كما أشار إليه بقوله لصبرهم وكونه تفسيرا على الوجهين لأنّ الظرف والمظروف كالعلة والمعلول في اقتران أحدهما بالآخر فلذا يستعار له نحو أكرمك إذا أكرمت زيدًا، وإن صح خلاف الظاهر وامعان النظر تدقيقه وأصل معناه الإبعاد، وجملة كانوا معطوفة على جعلنا أو صبروا وجوّز فيها الحالية أيضًا. قوله: (فيميز الحق من الباطل الخ الم يقصر المسافة، ويقول المحق من المبطل لقوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣ ا] وقوله من جنس المعطوف المراد به ما يناسبه معنى حتى يكون دليلًا عليه نحو ألم ينههم أو يدعهم ونحوه، وهذا أحد القولين فيه
والآخر أنه لا تقدير فيه والهمزة مقدمة من تأخير والمسألة مشهورة. فوله: (والفاعل ضمير الخ) جعله مضمرا لأنّ كم لصدارتها لا تقع فاعلاَ، وهي هنا في محل نصب بأهلكنا والفاعل لا يحذف في غير مواضع ليس هذا منها، وأمّا إذا كان مضافًا فيحذف نحو بدت القرية على أنّ أصله أهل القرية فشرطه أن يكون المضاف إليه يصح وقوعه فاعلا بحسب القرينة، والجملة لا تقع فاعلاَ على الصحيح فلا وجه لمن جوّزه هنا إلا إذا قصد لفظها فقول المصنف في غير هذه السورة إنّ الفاعل الجملة بمضمونها لا وجه له أيضا إلا أن يريد الوجه السابق وأمّا ما أورد عليه من أنه يلزم عود الضمير على متاخر لفظًا ورتبة فمردود لأنّ المراد أنه ضمير مبهم عائد إلى ما في الذهن، وما بعده مفسر له فتأمل. قوله: (أي كئرة من أهلكناهم الخ) هو بيان للفاعل بأنه كثرة المهلكين فإنّ إهلاكهم سبب للهداية فالإسناد إليه جائز وان كان مجازا ولا حاجة إلى تقدير مضاف فيه أي كثرة إهلاك من أهلكنا كما مرّ في سورة طه كما قيل فإنه مفهوم من الفحوى، ثم إنّ مفعوله مقدّر وهو طريق الحق، وقوله أو ضمير الله أي فاعل يهد ضمير الله لسبق ذكره في قوله ربك وهو معلق بكم عن المفعول، وهو مضمون الجملة لتضمينه معنى العلم. قوله: (يمشون في مساكنهم) جملة مستانفة بيان لوجه هدايتهم أو حال من ضمير لهم أو من القرون والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم، وتشديد يمشون على أنه تفعيل من المشي للتكثير والكلام في أولم يروا كالسابق. قوله: (لا التي لا تنبت) كالسباخ الذي لا ينبت أصلا فإنه كما صرّح به أهل اللغة من الجرز، وهو القطع فيطلق على ما كان له نبت وقطع وعلى ما انقطع نباته لكونه ليس من شأنه إلا نبات وكلاهما ثابت مسموع لكن الثاني غير مناسب لقوله بعده فنخرج الخ كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى تبعًا للزمخشريّ، فما قيل إنه لا مناسبة بين الإنبات بعد سوق الماء، وبين أن لا تنبت فالوجه أن يحال على النقل لا معنى له. قوله: (وقيل اسم موضع باليمن) أي الأرض الجرز اسم لما ذكر ووجه تمريضه ظاهر لأنه لا وجه لتخصيصه هنا، وقوله كالحب والتمر إشارة إلى أنّ المراد بالزرع ما يخرج بالمطر مطلقا فيشمل
الشجر وغيره
[ ٧ / ١٥٤ ]
وكذا قوله الورق قيما قبله لغلبة إطلاقه على أوراق الشجر فلا إشكال فيه كما قيل، وقوله فيستدلون الخ إشارة إلى أنه هو المقصود من النظر وقدّم الأنعام لأنّ انتفاعها مقصور على النبات، وأكثر ولأنّ كلها منه مقدّم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرح سنبله، وجعلت الفاصلة هنا يبصرون لأنّ الزرع مرئي وفيما قبله يسمعون لأنّ ما قبله مسموع، أو ترقيًا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ودفع العذر. قوله: (النصرا للزومه للفتح، وقوله الفصل بالحكومة هو أحد معاني الفتح، ولذا قيل للقاضي فتاح وفي نسخة بالخصومة أي بسببها وقوله من قوله الخ أو فوله وفتحت السماء، وقوله لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إن عمّ غير المستهزئين فهو تعميم بعد تخصيص، وإن خص بهم فإظهار في مقام الإضمار تسجيلاَ لكفرهم، وبيانًا لعلة عدم النفع وعدم إمهالهم. قوله: (فإنه الخ) بيان لجريان هذا التفسير على الوجهين في معنى الفتح، وقوله وقيل يوم بدر مرضه لبعده عن كون السورة مكية وأمّا كونه يوم الفتح أي فتح مكة فمع ذلك يبعده قلة المقتولين فيه جدًّا. قوله: (والمراد بالذين كفروا الخ) دفع لما يتبادر إلى الذهن من أنّ يوم الفتح ليس زمانه زمان ياس حتى لا ينفع إيمانهم فيه بأن المراد بهم من قتل فيه على الكفر فمعنى لا ينفعهم إيمانهم لا! بمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله:
على لا حب لا يهتدى بمناره
سواء أريد بهم قوم مخصوصون استهزؤوا أم لا وسواء عطف وقوله ولا هم ينظرون على المقيد أو على المجموع فتأمّل. قوله: (وانطباقه جوابا عن سؤالهم) بقولهم متى هذا الفتح لأنّ الظاهر في الجواب تعيين ذلك اليوم المسؤول عنه فكأنه قيل لا تستعجلوا أو لا تكذبوا فإنه آت لا محالة، وإنه إذا أتى ندمتم وحصل لكم اليأس ومرّض كونه منسوخًا لاحتمال أنّ المراد الإعراض عن مناظرتهم لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين، وقوله وقرئ بالفتح اي في منتظرون على أنه سم مفعول والمعنى ما ذكره. قوله: (عن انتبئ ﷺ الخ) قال ابن حجر رواه الثعلبيّ وابن مردوبه والواحدي مسندا وأشار إلى ضعفه ولم يقل إنه موضوع، وقوله كأنما
الخ تفسير! لمفعول أعطى المحذوف وهو أجرا عظيمًا، وأمّا قوله من قرأ الخ فقال إنه لم يجده في شيء من كتب الحديث تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.