وتسمى سورة إلانفطار ولا خلاف في عدد آياتها وكونها مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (تساقطت متفرّقة) فهو استعارة لإزالة الكواكب حيث شبهت بجواهر قطع سلكها،
وهي مصرحة أو مكنية وليس هذا الانتثار ما في قوله:
درر نثرن على بساط أزرق
وقوله: فتح الخ كما مرّ تفصيله في التكوير
[ ٨ / ٣٣٠ ]
وما ذكر لازم من تفجيرها لأنّ معناه فتحها
وشق جوانبها فيلزم ما ذكره فلا وجه لما قيل من أنه لا يدل عليه النظم وأنه مأخوذ من الأثر. قوله:) قلب ترابها) يعني أزيل التراب التي ملئت به، وكان حثى على موتاها فانفتحت وخرج من دفن فيها وهذا معنى البعثرة، وحقيقتها تبديد التراب أو نحوه وهو إنما يكون لإخراج شيء تحته فقد يذكر ويراد معناه ولازمه معًا كما ذكره المصنف ﵀ في هذه السورة، وقد يتجوّز به عن البعث والإخراج كما سيأتي في سورة العاديات حيث فسره بالبعث، والفارق بينهما أنه أسند هنا للقبور فكان على حقيقته وثمة لما فيها فكانت مجازا عما ذكر، ومن لم يقف على مراد المصنف ﵀ زعم أنه مشترك بين النبش والإخراج وذهب بعض الأئمة كالزمخشري والسهيلي إلى أنه مركب من كلمتين اختصارا ومثله كثير في لغة العرب، وشممى نحتا وأصله بعث وأثير أي حرك وأخرج وله نظائر كبسمل، وحوقل ودمعز أي قال بسم الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله وأدام الله عزه فعلى هذا يكون معناه النبش، والإخراج معا ولا يرد عليه أن الراء ليست من أحرف الزيادة كما توهمه أبو حيان فإنه فرق بين التركيب، والنحت من كلمتين والزيادة على بعض الحروف الأصول من كلمة واحدة كما فصله في المزهر نقلا عن أئمة اللغة ولكونه خلاف المألوف مرّضه المصنف ﵀ فتدبر. قوله: (من عمل أو صدفة الخ) قد مرّ من المصنف ﵀ في سورة القيامة تفسيره لما قدم بما عمله، ولما أخر بما لم يعمله أو ما قدم ما عمل، وما أخر ما سنه من حسنة أو سيئة أو ما قدم الصدقة وما أخر ما
خلفه من متروكاته أو هما أوّل عمله وآخره فهذه وجوه أربعة، وقد اختصرها هنا على أوجز
وجه، ومن لم يتأمّله ظنه مخالفًا لما مرّ والعمل شامل لثلاثة أوجه والصدقة للرابع فتدبر.
قوله: (من سنة أو تركة) السنة بضم السين، والنون المراد به ما سن عمله للناس من حسنة أو
سيئة وما في النسخ من الياء التحتية والهمزة تحريف من الناسخ، وهو مقابلة للعمل بمعنيين
أعني ما عمله بنفسه أو أوّل ما عمله، وقوله: تركة اسم بمعنى متروك مقابل لقوله: صدقة
وكونه ماضيا من الترك ناصبا الضمير ما أو مصدر مضاف للضمير لا وجه له لاحتياجه للتكلف،
ولما بقي وجه أشار إليه بقوله: ويجوز الخ فما قدم ما عمله من الحسنات الداخلة في قوله من
عمل، وما أخر ما فرط فيه فلله در المصنف ﵀ في حسن سبكه. قوله: (أيّ شيء
خدعك الخ) أصل معنى الغرور ما دعا الإنسان إلى ارتكاب ما لا يليق لمال أو جاه أو شهوة
وماكه ما ذكره المصنف ﵀ وقد اختلف في المراد بالإنسان هنا فقيل المراد به الكافر،
وقيل: الأعم الشامل للعصاة والثاني أرجح كما في الكشف، وغيره لوقوعه بين مجمل
ومفصل، وأمّا قوله: بل تكذبون الخ فإمّا ترشيح لقوّة اغترارهم بايهام أنهم أسوأ حالًا من
الكافرين تغليظًا، أو لخطاب الكل بما وجد فيما بينهم وعلى هذا ينزل قول المصنف ﵀
إضراب عما هو السبب الأصلي، الخ فلا وجه لما قيل إنه غير مناسب للعموم الراجح كما
سنوضحه ثمة. قوله: (وذكر الكريم الخ) جواب عما يتوهم من أنّ التوصيف هنا بالكرم غير
ملائم للمقام إذ الظاهر الوصف بما يمنع الغرور كالانتقام، والقهر بأنّ هذا أبلغ لأنّ محض
الكرم لا يمنع مجازاة الجاني ولا يقتضي إهماله بل ينافيه وأنما المقتضى له الجهل أو العجز،
وقوله: وتسوية الموالي الخ ترق في اقتضاء الكرم خلاف ما يتوهم فإنه لو سوى بين المطيع
والعاصي لم يكن الإحسان والكرم في موقعه عند الممنون عليه، ألا ترى لو أنّ صديقًا لك
أحسن إليك بشيء، ثم أعطى مثله لعدوّ له تلاشت المنة، واضمحلت الصنيعة، ولذا قيل: إنّ
الكرم إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وذم بقوله:
يعطي ويمنع لا بخلاولاكرما لكنها خطرات من وساوسه
وقوله: فكيف الخ لأنه حينئذ يكون المانع عنه أكثر وأقوى. قوله: (والإشعار الخ) بالجرّ
معطوف على المبالغة وفي نسخة والاشتغال الخ وهو معطوف على الاغترار أي للمنع عن
الاغترار والاشتغال بما ذكر وقوله: فانه يقول أي كقول بعض شياطين الإنس:
تكثرما استطعت من المعاصي ستلقى في غدربًا غفورا
تعض ندامة كفيك مما تركت مخافة الذنب السرورا
[ ٨ / ٣٣١ ]
قوله: (والدلالة) معطوف على المبالغة أيضا لأنّ من يتفضل بالإحسان كيف يستحق العصيان، وترك الشكر للكفران، ولذا قال بعض العارفين: لو لم أخف الله لم أعصه وعقب هذا بقوله الذي الخ مع تقدم قوله: بربك المنادي على ذلك، وقيل: إنّ هذا تلقين للحجة وهو من الكرم أيضا فإنه إذا قيل له ما غرّك الخ يتفطن للجواب الذي لقنه ويقول كرمه كما قيل: يعرف حسن الخلق والإحسان بقلة الآداب في الغلمان
قوله: (مبينة للكرم) من التبيين وفي بعض النسخ من الإثبات بالمثلثة، وقوله: منبهة الغ
فهو إيماء إلى إثبات ما كذبوه من البعث والجزاء توطئة لما بعده، وذلك إشارة إلى الخلق وما بعده، وقوله: والتسوية الخ أصله جعل الأشياء على سواء فتكون على وفق الحكمة ومقتضاها بإعطائها ما يتم به، وقوله: جعل البنية الخ المراد بها الجسد ومعتدلة فسره بقوله: متناسبة الأعضاء إذ لو كانت إحدى العينين أو اليدين أكبر من الأخرى كبرا مفرطا كان مشوه الخلقة كما يشهد به الحس، وقوله: بما يعتدها أي يهيؤها وفي نسخة يستعدها وأنث الضمير لتفسيره بالقوى. قوله: (عدل بعض أعضائك الخ) تفسير له على قراءة التخفيف بوجهين لأنه إمّا من عدل فلانا بفلان إذا ساوى بينهما أو من عدل بمعنى صرف، وليس الأوّل توجيها للتشديد والثاني للتخفيف كما توهم. قوله: (أي ركتك الخ (أي استفهامية والجار والمجرور متعلق بركبك، وما زائدة وجملة شاء صفة صورة والاستفهام مجاز للتعجيب ومآله إلى أنه وضعك في صورة عجيبة اقتضتها مشيئته أو في صورة متميزة متعينة أو الظرف حال أي ركبك كائنا في أيّ صورة أرادها. قوله: (وقيل شرطية) أي إن شاء تركيبك ركبك، والمعنى أنه إن شاء تركيبك في أي صورة غير هذه الصورة فعل، وقوله: وركبك جوابها وقيل جوابها محذوف ولبعده جدًا أخر. ومرضه وجوّز فيها كونها موصولة، وموصوفة ومفعولًا مطلقا لركبك. قوله: (والظرف صلة عدلك) أي على الشرطية لأنّ معمول ما في حيز الشرط لا، يجوز تقديمه عليه، واعترض عليه بان أي اسم استفهام له الصدر فكيف يعمل فيه ما قبله وكونه فيه معنى التعجب أي صورة عجيبة كما في الكشاف لا يسوغه كما لا يخفى والصواب أن يتعلق بمقدر والمعترض لم يفهم
مراده فإنه أراد أنها أفي الدالة على الكمال وهي صفة هنا حذف موصوفها زيادة للتفخيم، والتعجيب وأصله في صورة أيّ صورة كما تقول مررت برجل أي رجل وأي الكمالية منقولة من الاستفهام لكنها لانسلاخ معناه عنها بالكلية عمل فيها ما قبلها كما في المثال المذكور، وهذا لا شبهة فيه فمن توهم أنه هنا للاستفهام فقد وهم لكن الكلام في جواز حذف موصوف أي الكمالية، وقوله: لم يعطف أي بالفاء كما قبله وقوله: بيان لعدلك لأنّ معناه ركبك في صورة عجيبة، وهذا إذا لم يتعلق الجار بقوله: عدلك والجملة الشرطية صفة صورة والعائد محذوف. قوله: (! ! راب إلى بيان الخ) وهو إنكارهم الدين بالمعنيين أو هو إضراب عنه إلى ما هو أشدّ منه والدين له معان منها ما ذكر هنا، وقوله: أو الإسلام كما في قوله: إنّ الدين عند الله الإسلام، قيل: والإسلام هنا كناية عن التصديق بالثواب والعقاب كما في الكشاف فلا يرد عليه أنّ ما بعده معين لمعنى الجزاء، وفيه نظر، وقال الراغب بل هنا لتصحيح الثاني وابطال الأوّل كانه قيل ليس هنا مقتض لغرورهم ولكن تكذيبهم حملهم على ما ارتكبوه فهو ترق من الطمع الفارغ إلى ما هو أغلظ منه. قوله تعالى: (﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ﴾ الخ) جملة حالية مقررة للإنكار، ويجوز أن تكون مستأنفة والأوّل أولى، وقوله: تحقيق لما يكذبون به من الجزاء على الوجهين كأنه قيل إنكم تكذبون بالجزاء والكتبة يكتبون كل ما يصدر منكم حتى التكذيب، وليى هذا إلا للجزاء والا لكان عبثا تنزه عنه الحكيم العليم وهذا على الوجه الأوّل، ولذا قيل إنه ترجيح له وقيل: إنه استبعاد للتكذيب مع ما ذكر ورد بأنهم لا يعترفون به فلا يتم به الاستبعاد، وفيه بحث. قوله: (ورد لما يتوقعون الخ) المراد بالتسامح إما التسامح في الكتابة أو في الجزاء للكفرة لأنهم المكدّبون فلا يرد أنّ الكرام الكاتبين حافظون لأعمال المؤمنين مع التسامح عن بعض السيئات في الآخرة كما توهم. قوله: (وتعظيم الكتبة) بما وصفوا به هنا لأنّ عظمتهم تدل على عظمة شغلهم، وعظمة شغلهم تدل على عظمة جزائه إذ لو لم يكن
[ ٨ / ٣٣٢ ]
ذلك عظيمًا لم يوكل به العظماء كما لا يخفى، وقوله: بكونهم كراما عند الله قيل: إنه إشارة إلى أنّ التعظيم بكونهم أعزاء على الله لا بوصفهم بالكتابة والحفظ كما في الكشاف، وفيه نظر ظاهر. قوله: (عند الله (إشارة إلى أنّ معنى التعطف على المؤمنين غير مناسب هنا، وقوله: بيان لما يكتبون لأجله يعني أنها جملة مستأنفة في جواب سؤال تقديره لم يكتبون ذلك فكأنه قيل: ليجازي الأبرار بالنعيم والفجار بالجحيم، وقيل: إنه ردّ لتكذيبهم بالجزاء وجملة يصلونها حالية أو مستأنفة. قوله: (لخلودهم فيها) فهو كقوله: وما هم بخارجين منها في الدلالة على الخلود،
وليس من التقوى والحصر في شيء، ثم إنّ الحصر هنا غير مقبول جمند الجماعة لعمومه للكفار والفسقة فلا وجه للقول بأنه في الكشاف أثبت التقوّي ونفي الحصر بناء على مذهبه. قوله: (وقيل: معناه الخ) قال: يغيبون الخ إشارة إلى أنه من حكاية الحال الماضية، ومرضه لأنه خلاف الظاهر فلا يرتكب من غير داع قيل: والواو على هذا للعطف فيقتضي تغاير المتعاطفين أي أنهم الآن ليسوا بغائبين عن الجحيم وعلى الأوّل للحال وأورد عليه أنّ بعض الفجار في زمرة الأحباب وبعضهم لم يخلق لذلك وعذاب القبر بعد الموت، وكلام الزمخشري يأبى حمله على ما حمله عليه فالظاهر أنّ الواو حالية في الوجهين لكنها على الأوّل حال مقدّرة وعلى الثاني هي كقوله: حصرت صدورهم، وهو غير وارد لأنه يعني أن الواو على هذا ليست للحال لانفصال ما بين صليّ النار، وعذاب القبر بالبعث وما في موقف الحساب بل للعطف فيحمل اسم الفاعل في المعطوف أعني غائبين على الحال ليغاير المعطوف عليه الذي أريد به الاستقبال، ولا ينافيه قوله: قبل ذلك فإنه بيان لحاصل المعنى، ولا ينافيه مًا ذكره من أنّ بعض الفجار الخ لأنّ الكلام على ما عرف في إخباره تعالى من التعبير عما يستقبل منها بالماضي لتحققه، والمعترض لما لم يقف على مراده قال ما قال: وما بعد الحق إلا الضلال. قوله: (سمومها في القبور) بضم السين / بمعنى حرّها أو بفتح السين بمعنى ريحها الحارة، وفي الكشاف قيل أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحالة الآخرة التي يجازي فيها، وحال البرزخ وهو قوله: وما هم عنها بغائبين انتهى، ولم يذكر حال البرزخ للأبرار اكتفاء لعلمها من المقابلة. قوله: (دراية دار) إشارة إلى أن الخطاب في أدراك عام، وقيل: الخطاب للرّسول وقيل: للكافر، وقوله: تعجيب الخ حيث أتى بصيغة الاستفهام تحريضا للمخاطبين على إدراكه أو مبالغة في إيجاب الاستفسار عنه كأنه قيل: ما أدرأك، بيوم الدين فلا تسأل عنه إذا ذكر وجعله تعجيبا لتنزهه تعالى عن التعجب كما مر مرارا. قوله تعالى: (﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾) قال في الكشاف أي لا أمر إلا لله وحده، وفي الكشف الظاهر أن الأمر واحد الأوامر لقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر، الآية: ١٦] فإنّ الأمر من شأن الملك المطاع، وفيه تحقيق قوله: لا تملك نفس لنفس شيئا لدلالته على أنهم مسوسون مقهورون مشتغلون بأنفسهم، وقوله: لا أمر إلا لله وحده إبراز لمعنى الاختصاص في اللام وما ذكره هو الحق الذي لا عدول عنه لأنّ المراد بكون الأمر له أنّ التصرّف جميعه في قبضة قدرته، وهو الموافق لقوله: لا تملك الخ لأنّ معناه لا قدرة لأحد على ضر أحدًا، ونفعه وكون الأمر واحد الأمور ركيك هنا فلا يلتفت إلى ما قيل من أنه لو حمل على واحد الأمور كان أشمل ولا نزاع في جواز كل منهما إنما الأمر في أيهما أظهر، وما ذكره دعوى من غير
دليل، وقوله: تقرير الخ لدلالته على اشتغالهم بأنفسهم وأنهم مقهورون بسطوة الربوبية، وقوله: ورفع الخ على البدل أو هو خبر مبتدأ مقدّر ونصبه الباقون بإضمار اذكر أو يدانون لدلالة الدين عليه أو بتقدير يشتدّ الهول، ونحوه مما يدل عليه السياق وقال الزجاج إنه مبني على الفتح وهو في موضمع رفع أو جرّ، وقوله عن النبيّ الخ حديث موضوع. تمت السورة والحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.