الفصل السابع:
حمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم
قال الله تعالى ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون﴾ (١) .
المبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة
يحمد الله ذاته الكريمة بالعطف على تنزيهه لها قبله؛ بعد أن بيّن سبحانه في الآيات السابقة حال فريقي المؤمنين العاملين بالصالحات والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعقاب وهي قوله تعالى ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون﴾ (٢)؛ وذلك لكي يرشد عباده بما ينجيهم من العذاب ويفضي بهم إلى الثواب، وهو تنزيههم له تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله؛ وحمدهم له على ما أنعم به عليهم من نعمه العظيمة وآلائه الجليلة إذ قال ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون﴾ (٣) .
ويدلّ على هذه المناسبة اقتران التسبيح بالفاء، وهي لترتيب ما بعدها
_________________
(١) سورة الروم: الآيتان (١٧-١٨) .
(٢) سورة الروم: الآيات (١٤-١٦) .
(٣) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٥ ص ١٠٤؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٥٤؛ تفسير الثعالبي ج٣ص٢٠٠؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص ٣٨٧؛ محاسن التأويل للقاسمي ج ١٣ ص١٧٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٢١٢.
[ ٥٣ ]
على ما قبلها، ومن ثمّ عطف عليه حمده لذاته سبحانه.فقوله تعالى (فسبحان الله) خبر في معنى الأمر بالتسبيح لخلقه، فإذا كان الله تعالى ينزه ذاته عن كل ما لا يليق بها فعباده مأمورون بلا ريب في تحقيق ذلك، وكذلك الشأن في قوله ﴿وله الحمد في السموات والأرض..﴾ فإن حمده لذاته والإخبار عنه فيه إرشاد وأمر لحمده على أبلغ وجه وآكده (١) .
لطيفتان:
الأولى: إنّ في توسيط الحمد ومجيئه معترضًا بين أوقات التسبيح اعتناءً واهتمامًا بشأنه؛ وإشعارًا بأنّ حقّهما أن يجمع بينهما (٢) .
الثانية: وفي حكمة اقتران الحمد بالتسبيح والجمع بينهما في هذا المقام؛ بل وفي غيره من آيات القرآن الكريم يقول ابن كثير (٣) رحمه الله تعالى: «ولمّا كان التسبيح يتضمّن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدلّ على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قُرن بينهما" (٤) .
_________________
(١) انظر: تفسير أبي السعود ج ٧ ص ٥٤.
(٢) انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٥٤؛ محاسن التأويل ج١٣ ص١٧٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٢١٢.
(٣) هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ ومفسر وفقيه. ولد في قرية من أعمال بصرى الشام عام ٧٠١؟، وانتقل مع أخ له إلى دمشق عام ٧٠٦؟، ورحل في طلب العلم وتوفي في دمشق عام ٧٧٤؟. ومن أشهر مؤلفاته: البداية والنهاية، تفسير القرآن العظيم، الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث، الفصول في اختصار سيرة الرسول (انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ج١ ص ٣٧١؛ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج٩ ص ٢٩٢؛ طبقات الشافعية للسبكي ج٦ ص٨٤؛ الأعلام للزركلي ج١ ص٣٢٠) .
(٤) تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٥. أقول: وأشدّ من ذلك اقترانًا التسبيح بحمد الله مثل قوله تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم) ومنه أيضًا إخباره عن الملائكة بقولهم: (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) وفي ذلك قال الزمخشري: (ونحن نسبح بحمدك) بحمدك في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك لأنّه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك (ج١ ص٦١) والفخر الرازي يقول: أي: إنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحًا من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح وهو معنى آخر (التفسير الكبير ج٢ ص١٧٣) .
[ ٥٤ ]