الفصل العاشر:
حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات
قال الله تعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين.
والحمد لله رب العالمين﴾ (١)
المبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله
إنّ موضع حمد الله ذاته الكريمة - ههنا - يجيء في آخر ثلاث آيات كريمات شكّلت بمجموعها خاتمة لسورة الصافات بأجمل وأبدع ما يكون من ختام في تناسق نظم ومعنى وبيان.
هذا وفي مناسبة حمد الله ذاته - في هذا المقام - وجهان ذكرهما المفسرون. وجه نُظِر فيه إلى مجمل ماحوته سورة الصافات، ووجه روعي فيه النظر إلى أقرب الآيات مكانًا لآية الحمد، وكلا الوجهين هما في محلّ الاعتبار.
أمّا بالنظر إلى أقرب الآيات مكانًا للحمد فوجهه أنّه بعد أن أخبر الله تعالى عن سنته الماضية بنصرة رسله وأوليائه وإهلاكه لأعداء دينه وشريعته بقوله تعالى ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾ الآيات، هذه السنّة التي تترتب عليها نعمٌ جمةٌ ومصالح عظيمة من إظهار أسماء الله الحسنى وشرائعه العليا وإصلاح أمر الدنيا والآخرة (٢) .. حينذاك ناسب أن يحمد الله تعالى ذاته عند ذكره لهذه السنّة الإلهية المنبئة عن كمال عدله وإحسانه، وصفاته العليا كلّها؛ وعظيم إنعامه وكرمه وجوده، وقيل أيضًا: إنّه
_________________
(١) سورة الصافات: الآيات (١٨٠ – ١٨٢) .
(٢) انظر: تفسير القرطبي ج١٦ ص١٤٢؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢١٢؛ تفسير الجلالين ج٣ ص٣٥٠؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ص١٤٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ص٤٠١. والآيات بسورة الصافات (١٧١-١٧٩) .
[ ٦٨ ]
لمّا أثنى سبحانه على المرسلين بقوله قبل الحمد ﴿وسلام على المرسلين﴾ حمد ذاته على إرسالهم مبشرين ومنذرين، فإن ما بالمرسلين من فضل وشأن إنّما هو من عند الله وهم في ذات الأمر نعمة ورحمة على عباده (١) . وهو وجه لطيف سائغ أيضًا.
وأمّا بالنظر إلى ما حوته هذه السورة الكريمة من ذكر ما قاله المشركون في الله تعالى، ونسبوا إليه مما هو منزّه عنه، وماعاناه المرسلون من جهتهم، وما خوّلوه في العاقبة من النصرة عليهم، ناسب بذلك ختمها بهذه الآيات الثلاث التي يأتي في بدايتها تنزيه الله ذاته عمّا وصفه به المشركون ومن بعد يتوسّطها التسليم على المرسلين وتُختم بحمده تعالى لذاته على ما قيّض لهم من حسن المآل والعواقب (٢) .
وفي مثل هذا يقول ابن عاشور: «هذه الآية فذلكة لما احتوت عليه السورة من الأغراض، إذ جمعت تنزيه الله والثناء على الرسل والملائكة وحمد الله على ما سبق ذكره من نعمة على المسلمين من هدى ونصر وفوز بالنعيم المقيم» (٣) .
وأقول: إنّ جميع ما ذكر من علّة لمجيء الحمد في هذا المقام صالح للاعتبار والاستدلال وإظهار وجه المناسبة والحكمة، ويحتمل أنّ الكلّ مراد،
والله أعلم بمراده.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ج٢٣ ص٧٤؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ ص١٤٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٠١.
(٢) انظر: الكشاف للزمخشري ج٣ ص٣١٥.
(٣) التحرير والتنوير: ج٢٣ ص١٩٨-١٩٩.
[ ٦٩ ]