في بيان قوله تعالى: ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾
أخبر الله تعالى عن قدرته العظيمة الكاملة بخلق السموات والأرض وجعله الظلمات والنور، وإنّما خصّ خلق السموات والأرض بالذكر دون غيرهما من المخلوقات - في هذا المقام لكونهما أعظمها ولاشتمالهما على جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء والنعم الجليّة والخفيّة التي أجلّها نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كلّ موجود، هذا بالإضافة إلى ما فيهما من أنواع وفنون النعم الأنفسية والآفاقية المنوط بها مصالح العباد ومنافعهم في المعاش والمعاد (١) .
وأما الظلمات والنور فجمهور المفسرين على أن المراد بهما سواد الليل وضياء النهار (٢)، وتخصيص جعلهما بالذكر في هذا المقام لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما (٣)، مع كونهما أمرين خطيرين ونعمتين عظيمتين مرتبطتين بانتظام الحياة والمعاش على هذا الكون. قال الله تعالى ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلًا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب..﴾ الآية (٤) .
لطائف:
الأولى: إنّ في ذكر هذه المخلوقات الأربعة (السموات والأرض والظلمات والنور) تعريضًا بإبطال عقائد كفار العرب من مشركين وصابئة ومجوس
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي ج٢ ص ٨٣؛ تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٠٤.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ج٦ ص ٣٨٦.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ج٧ ص١٢٧.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ج٢ ص ١٢٣. والآية بسورة الإسراء رقم:١٢.
[ ٣١ ]
ونصارى، إذ إنّهم قد أثبتوا آلهة غير الله تعالى من هذه الأربع، فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض، والصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى ﵇ أو عيسى ومريم ﵉ وهما من الموجودات الأرضية، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة فجعلوا النور إله الخير والظلمة إله الشر؛ فأخبرهم الله عزوجل أنه خالق السموات والأرض أي وبما فيهن وخالق الظلمات والنور، فكيف يجعلون المخلوق إلهًا ويساوونه بالخالق سبحانه؟! (١)
الثانية: إنّ التعبير بالخلق في شأن السموات والأرض؛ وبالجعل في شأن الظلمات والنور دلالة على فرق دقيق بين الكلمتين أشار إليه ابن عاشور إذ قال: «التفرقة بين جعل وخلق معدود من فصاحة الكلمات، وإن لكل كلمة مع صاحبتهما مقامًا، وهو ما يسمى برشاقة الكلمة، ففعل (خَلَق) أليق بإيجاد الذوات، وفعل (جَعَل) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها» (٢) .
الثالثة: وإنّ في تقديم السموات على الأرض والظلمات على النور مراعاة لترتيب الوجود، فإنّ السموات تقدّم وجودها على الأرض كما هي على حالها الآن، والظلمات سابقة النور، فإن النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة وكانت الظلمة عامة (٣) .والله أعلم بمراده.
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٧ ص ١٢٧.
(٢) المرجع السابق: ج٧ ص ١٢٧.
(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٠٥؛ التحرير والتنوير ج٧ ص ١٢٧.
[ ٣٢ ]