في وجه الحكمة في إسناد الحمد إلى اسم الذات الإلهية
وما جاء بعده من أوصاف.
الذي يلحظه المتأمّل أنّ الحمد أُسْنِد أوّل ما أُسْنِد إلى اسم الذات الإلهية (الله)؛ وهذا هو شأن الحمد في جميع مواضع ذكره في القرآن الكريم، والحكمة في ذلك - والله أعلم بمراده - التنبيه على استحقاقه تعالى للحمد أوّلًا لذاته لا لشيء غيرها، باعتبار أنها حائزة لجميع الكمالات الإلهية؛ وأنها مصدر جميع الوجود وما فيه من الخيرات والنعم (١) .
ومن بعد إسناد الحمد لاسم ذاته تنبيهًا على الاستحقاق الذاتي أتبعه - سبحانه - بأربعة أوصاف له تعالى؛ ليؤذن باستحقاقه الوصفي للحمد - أيضًا - كما استحقّه بذاته؛ وذلك باعتبار تعلّقها وآثارها (٢) .
وهذه الأوصاف أوّلها (ربّ العالمين) وقد تكرّر هذا الوصف لله تعالى في القرآن الكريم بشأن استحقاق الحمد في سبعة مواضع (٣)، ولا ريب أنّ هذا يدلّ على
_________________
(١) انظر: تفسير أبي السعود ج ٣ ص ١٠٤؛ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ج١ ص ١٤؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج١ ص ٥٠؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١ ص ١٦٦.
(٢) انظر: تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج١ ص٥٠؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١ ص ١٦٦.
(٣) في سورة الفاتحة، وسورة يونس الآية (١٠) في قوله ﴿..وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾، وفي سورة الصافات الآية (١٨٢) في قوله تعالى ﴿والحمد لله رب العالمين﴾، وفي سورة الزمر الآية (٧٥) بقوله ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾، وبسورة غافر الآية (٦٥) في قوله ﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾، وفي سورة الجاثية الآية (٣٦) بقوله ﴿فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين﴾ .
[ ٢٣ ]
أنّ استحقاق الله تعالى للحمد بربوبيته للعالمين (١) هو في أوّل درجات الاستحقاق الوصفي وأعلاها؛ ذلك بأنّ ربوبيته تعالى للعالمين تقتضي تربيته لهم وتدبيره وإصلاحه لأمورهم وشؤونهم بما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة (٢) .
وثاني الأوصاف وثالثها الوصفان الجليلان (الرحمن الرحيم)، والإتيان بهما في مقام الحمد - هنا - لتأكيد استحقاقه تعالى له؛ إذ إنّ من رحمته تعالى بخلقه ما يتقلّبون فيه من نعمه وإحسانه صباح مساء.
قال الفخر الرازي (٣) في تفسيره الكبير: «فاعلم أنّ الرحمن الرحيم عبارة عن التخليص من أنواع الآفات؛ وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات (٤») .
وفي وجه الحكمة في ذكر هاتين الصفتين الجليلتين لله تعالى بعد وصفه برب العالمين ذكر المفسرون أمرين: (أحدهما) الإشارة إلى أن تربيته سبحانه للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرّة، وإنّما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه. و(ثانيهما) البيان بأنّ ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان لا ربوبية قهر
_________________
(١) الراجح في معنى (العالمين) أنّه جمع العالَم (بفتح اللام) وهو كل موجود سوى الله تعالى. وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. ودليله قوله تعالى ﴿قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ الشعراء ٢٣ – ٢٤. (انظر: فتح القدير للشوكاني ج١ ص٧١؛ أضواء البيان للشنقيطي ج١ص١٠١) .
(٢) انظر: تفسير الطبري ج١ ص٤٨؛ تفسير البغوي ج١ ص٣٩-٤٠؛ نظم الدرر للبقاعي ج١ ص١٤؛ تفسير المراغي ج١ ص٣٠.
(٣) هو محمدبن عمربن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله (٥٤٤-٦٠٦هـ): الإمام المفسر، قرشي النسب، أصله من طبرستان، ومولده في الريّ وإليها نسبته، ويقال له: (ابن خطيب الريّ)، رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان وتوفي في هراة. من أشهر مصنفاته: مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) والمحصول في علم الأصول (انظر: لسان الميزان لابن حجر ج ٤ ص ٤٢٦؛ طبقات الشافعية للسبكي ج ٥ ص ٣٣؛ البداية والنهاية لابن كثير ج ١٣ ص ٦٠؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص ٣١٣) .
(٤) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج١ ص ٧.
[ ٢٤ ]
وجبروت كما قد يفهمه البعض، وفي هذا جمع لهم بين الترغيب والترهيب ليقبلوا على ما يرضيه بنفوس مطمئنة وصدور منشرحة (١) .
وآخر الأوصاف الإلهية في هذا المقام (مالك يوم الدين)، ولا ريب أنّ هذا الوصف يدلّ - أيضًا - على استحقاقه - تعالى - الحمد دون سواه؛ فمن كان مالكًا ليوم الثواب والعقاب وبيده جزاء خلقه على ما قدّموه في دنياهم مع بسطه لهم من نعمه وإحسانه فهو حقيق بأن لا يحمد إلا هو. وقد أشار إلى ذلك قوله عزوجل بآخر سورة الزمر في ختام مشهد القضاء: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ (٢) .
وإجمالًا لما سبق ذكره - من البيان والتفصيل - أقول: إنّ هذه الصفات هي بمثابة التعليل لاستحقاقه الوصفي للحمد بعد استحقاقه الذاتي، وفي ذات الوقت تدلّ على أنّ من كان هذه صفاته لم يكن أحد أحقّ منه بالحمد والثناء. وفي هذا يقول ابن عاشور: «إجراء هذه الأوصاف الجليلة على اسمه تعالى إيماء بأنّ موصوفها حقيق بالحمد الكامل الذي أعربت عنه جملة (الحمد لله)؛ لأنّ تقييد مفاد الكلام بأوصاف متعلّق ذلك المفاد يشعر بمناسبة بين تلك الأوصاف وبين مفاد الكلام» (٣) .
لطائف:
الأولى: لابن قيم الجوزية (٤) كلام حسن حول ما تدلّ عليه هذه الأوصاف في
_________________
(١) انظر: فتح القدير للشوكاني ج١ ص٧١؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج١ ص ٥١؛ تفسير المراغي ج١ص ٣١.
(٢) سورة الزمر: الآية (٧٥) .
(٣) التحرير والتنوير: ج١ ص ١٧٧.
(٤) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين (٦٩١-٧٥١هـ): الإمام المشهور بابن قيم الجوزية، مولده ووفاته بدمشق، تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لايخرج عن شيء من أقواله؛ بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه، وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأطلق بعد موته. من أشهر مؤلفاته: إعلام الموقعين – زاد المعاد- مدارج السالكين. (انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ج٣ ص٤٠٠؛ البداية والنهاية لابن كثير ج١٤ ص ٢٤٦؛ شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ج٦ ص١٦٨؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص ٥٦) .
[ ٢٥ ]
هذا المقام إذ يقول: «في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدلّ على أنّه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ورب محمود، ورحمان محمود، وملك محمود. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر..» (١) .
الثانية: وفي وجه افتتاح الفاتحة بالحمد دون التسبيح مع كون التخلية مقدّمة على التحلية قال الفخر الرازي: «إنّ التحميد يدلّ على التسبيح دلالة التضمّن، فإن التسبيح يدلّ على كونه مبرءًا في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات، والتحميد يدلّ مع حصول تلك الصفة على كونه محسنًا إلى الخلق منعمًا عليهم رحيمًا بهم، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تامًا والتحميد يدلّ على كونه تعالى فوق التمام» (٢) .
والثالثة: في وجه تقديم الرحمن على الرحيم بقوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول ابن عاشور: «تقديم الرحمن على الرحيم لأنّ الصيغة الدالة على الاتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلّقاتها» (٣) .
وبهذه اللطائف المفيدة المعتبرة أختم الحديث عن هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته الكريمة، وهو فاتحة المواضع كما هو فاتحة الكتاب ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) مدارج السالكين: ج١ ص ٣٥.
(٢) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج١ ص ٢٢٤.
(٣) التحرير والتنوير لابن عاشور: ج١ ص ١٧٢.
[ ٢٦ ]