اعتمادًا على ما سبق ذكره بأنّ حمد الله ذاته الكريمة معطوف على تسبيحه لها؛ فإنّ الأوقات التي ذكرت هي محلٌّ لهما كذلك وهي أربعة أوقات:
(حين تمسون - حين تصبحون - عشيًا - وحين تظهرون) وقد ذُكر في وجه تخصيصهما بتلك الأوقات أنّه للدلالة على أنّ ما يحدث فيها من آيات قدرته وأحكام رحمته ونعمته هي شواهد ناطقة بتنزهه تعالى واستحقاقه للحمد، وموجبة لتسبيحه وتحميده حتمًا (١) .
أقول: وهذا الكلام في غاية الصحة وهو مبني على تأمّل وإدراك بالغ، ويضاف إليه ما أشار إليه ابن عاشور في أنّ هذه الظروف متعلّقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل، أي ينشأ تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان منها، والمقصود التأبيد أي على الدوام، وإنّما سلك مسلك الإطناب لأنه مناسب لمقام الثناء (٢) . وهي إشارة حسنة لا تتعارض مع ما ذُكِر قبلها.
هذا ويرى ابن عباس ﵄ أنّ تسبيح الله تعالى وتحميده في هذه الأوقات إشارة إلى الصلوات الخمس. (٣) وعلى هذا فالتعبير بالتسبيح
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ج٣ ص٤٢٨؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص ٥٤-٥٥؛ تفسير الآلوسي ج٢١ ص٢٩.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ج٢١ ص ٦٥.
(٣) انظر: تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة لعبد العزيز الحميدي ج٢ ص ٧١٨ –٧١٩. والأثر بهذا عن ابن عباس حسن الإسناد.
[ ٥٥ ]
والتحميد - ههنا - هو من باب إطلاق الجزء على الكلّ؛ حيث إنّ الصلاة تشتمل عليهما.وللشيخ عبد الرحمن السعدي (١) إضافة متميّزة في ماذكره ابن عباس ﵁ حيث قال: «فهذه الأوقات أوقات الصلوات الخمس أمر الله عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات وما يقترن بها من النوافل؛ لأنّ هذه الأوقات التي اختارها الله لأوقات المفروضات هي أفضل الأوقات؛ فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها» (٢) .
ثمّ إنّ جعل الحمد له سبحانه في السموات والأرض فيه تفخيم وتعظيم لشأن حمده تعالى، فهناك قال: (في الأولى والآخرة) وههنا قال (في السموات والأرض)، وفيه إشارة - أيضًا - إلى أنّه لا يستحقّ الحمد أحدٌ سواه، إذ إنّ حمده قد استغرق وأحاط بكل الأزمنة والأمكنة والأحوال،،وسواءٌ حمده الناس أم لم يحمدوه فهو الغنيّ الحميد.
وقد ذكر ابن كثير في معنى قوله تعالى ﴿وله الحمد في السموات والأرض﴾ أي هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض (٣) . وهو كلام موجزٌ مؤكِّدٌ لما ذكرته آنفًا.
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي (١٣٠٧ – ١٣٧٨؟) مفسر من علماء الحنابلة، من أهل نجد، مولده ووفاته في عنيزة بالقصيم، وهو أول من أنشأ مكتبة فيها عام ١٣٥٨؟، وله نحو ثلاثون كتابًا منها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، القواعد الحسان في تفسير القرآن، القواعد والأصول الجامعة في أصول الفقه. (انظر: الأعلام للزركلي ج٣ ص ٣٤٠) .
(٢) تفسيرالسعدي: ج ٦ ص١١٧.
(٣) تفسير ابن كثير: ج٣ص ٤٢٨.
[ ٥٦ ]
مطلب:
يجيء بعد التسبيح والحمد قوله تعالى ﴿يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم أنتم بشر تنتشرون..﴾ الآيات (١) . وفي هذه الآيات بيان لتصرّفه تعالى في المخلوقات بالإيجاد وبالإحياء بعد الموت، مع ذكره لعدد من نعمه وآلائه، وهي بهذا تُبيّن أنّه سبحانه هو الإله المستحقّ للثناء والتقديس، فلها موقع العلّة لما قبلها من التسبيح والتحميد (٢) .
لطيفة:
إنّ في تقديم (عشيًا) على (حين تُظهرون) مراعاة للفواصل وتغيير الأسلوب، ولما أنّه لايجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة (٣) . والله أعلم بمراده.
وبهذه اللطيفة أختم الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته
ولله الحمد المنة.
_________________
(١) انظر: الآيات بسورةالروم من الآية (١٩) إلى الآية (٢٧) .
(٢) انظر: تفسير التحرير والتنوير ج ٢١ ص ٦٧؛ تفسير المراغي ج ٢١ ص ٣٦.
(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٧٠ ص ٥٥.
[ ٥٧ ]