إنَّ مما لا شكَّ فيه باتفاق أرباب الفنون وأصحاب التوجهات المسلمة والعلماء والباحثين والمسلمين أجمعين يجمع الجميع على أن أشرف الكتب هو كتاب الله - ﷿ -، فهو خير الكلام كما قال ﵊ (١).
وقال الشاعر:
وخير كلام في الوجودِ كلامه سواء علينا نثره ونظامه
_________________
(١) ورد ذلك في افتتاحية خطبته ﵊ والمعروفة بـ "خطبة الحاجة"، وقد جمع العلامة الألباني - ﵀ - ألفاظ طرق حديثها في كتاب مستقل سماه: "خطبة الحاجة"، وقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه (٢/ ٥٩٢) من حديث جابر وابن عباس - ﵃ -.
[ ١ / ٥ ]
فإذا تعيَّن بأن يكون كتاب الله أفضل الكتب وأشرف العلوم يتعيَّن من لازم ذلك بأن تكون مباحثه وكل ما تعلق به هو أشرف العلوم مهما اختلفت مشارب الفنون وأربابها وأصحابها.
وعلماؤنا الأفاضل وسلفنا الأكارم عرفوا أهميته وشرفه فشمروا عن سواعدهم فبذلوا النفس والنفيس في خدمته لما أيقنوا من أنه يحتوي على أسرار ومكنونات يعجز أي مفسر عن الإحاطة بإخراج هذه الأسرار والمكنونات، بل لو جَمَعْتَ كل التفاسير قديمًا وحديثًا في كتاب واحد لم تتحقق تلك الشمولية في تفسيره حتى يأتي من بعدهم فيظهرون من هذه الأسرار والمكنونات والإعجاز والفوائد ما لم يظهره من قبلهم وهكذا حتى تنتهي الدنيا ليعلم الباحثون في علوم القرآن خاصة عجزهم وضعفهم عن احتواء مكنونه، فإذا تبيَّن ذلك فإنه يتعيَّن أيضًا شرف هذا العلم وأهميته. كما تكمن أهمية هذا الموضوع بما تحويه مادته الثرية بالفوائد والشرائد في علوم القرآن المختلفة، فقد أبدع الجرجاني في تبسيط هذه العلوم والفوائد بشكل مختصر ومبسط نحويًا وبلاغيًا وموضوعيًا ومعجميًا لغويًا، كما نثر فيه الكثير من الأحكام الفقهية مجليًا فيها الحلال والحرام في آيات الأحكام، ومظهرًا ميوله للمذهب الشافعي الذي ينتمي إليه، كما أنه لم يغفل ذكر الكثير من الجوانب التاريخية واستعراض الكثير من الأعلام مستشهدًا بأقوالهم باختلاف تخصصاتهم، ثم نراه يستعرض محلِّلًا ومعلِّلًا ومدلِّلًا الكثير من المسائل العقدية التي تظهر لنا ميوله الأشعري الذي ينتصر له في تلك المباحث سيما في آيات الصفات.
وبهذا تتجلى لنا أهمية الموضوع الذي شمرنا سواعدنا في إظهاره، فهو يعدُّ عملًا موسوعيًا في معارفه الشريفة، فمع أن مؤلِّفه جنح إلى أسلوب الاختصار فيه فهو لا يألو جهدًا في استعراض وبسط الكثير من المسائل التي تحتاج إلى تحرير ومناقشة ليظهر لنا نتائج تلك المباحث، ولذا نرى أن المباحث المطروقة في هذا التفسير ينشد إليها طالب العلم المتخصص كما ينشد إلى قراءتها والتلذذ في مادتها حتى العامة من الناس.
[ ١ / ٦ ]
كما تكمن أهمية الموضوع بأهمية مباحثه التي تقدم ذكرها وبروز مؤلفه الجرجاني - ﵀ - سيما في الجوانب النحوية والبلاغية المنثورة في مادة الكتاب وتحليلاته الدقيقة فيها حتى وصفه كثير من العلماء كالحافظ الذهبي وغيره بأنه شيخ العربية سيما أنه عاصر الكبار واغترف من فيض علمهم حتى تميَّز بعلمه وأخذ صيته ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، فكتب الله له القبول بين العلماء والباحثين في كلِّ مكان، فجلالة العالم وجلالة العلم الذي كتب فيه أكسب الموضوع - بلا شك ولا ريب - أهمية وقدرًا فنحن في أمسِّ الحاجة إلى علماء مثل هؤلاء ينبرون إلى خدمة هذه العلوم الشريفة علوم الشريعة بما فيها من مباحث والذي أشرفها علم تفسير كتاب الله - ﷿ -.
كما أن بروز الجرجاني في جانب البلاغة حتى لم تعرف البلاغة إلا به ولم يعرف إلا بها إذ هو الواضع المؤسِّس لقواعدها وأصولها، فإذا ذكرت البلاغة ذكر الجرجاني معها، وما كتبه التي ألَّفها في هذا الفن والإقبال الشديد عليها إلا أكبر دليل وشاهد على تميُّزه بها وضلوعه في مباحثها. وكتابنا هذا التفسير أودع فيه الكثير من المباحث البيانية والإشارات البلاغية حتى أكسب موضوع التفسير في هذا الكتاب مكانة رفيعة وجليلة في مادتها البلاغية.
كما تكمن أهمية موضوع الكتاب بأسلوبه المتميِّز فقد استعمل أسلوب التنوع في الاختيار، فمرة يختار ما ذهب إليه ابن جرير في تفسيره، ومرة يختار ما اختاره الفراء أو ما اختاره الزجاج في كتابيهما "معاني القرآن" أو غيرهم من أئمة السلف، فإمامنا الجرجاني يترفَّع عن الجمود في الانتماء، وهذا مما يميِّز الكتاب ويضفي عليه غطاءً علميًا متميِّزًا.
ولذا نرجع فنقول إننا نتعامل مع أشرف العلوم وأرفعها، ولذا قال العلاَّمة الأصفهاني في بيان شرف ورفعة هذا العلم فقال: "إنَّ أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان، هو تفسير القرآن، وبيان ذلك هو أنَّ علم التفسير قد حاز الشرف من جهات ثلاث: من جهة الموضوع، ومن جهة الغرض، ومن جهة شدة الحاجة إليه.
[ ١ / ٧ ]
أما من جهة الموضوع، فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كلِّ حكمة ومعدن كلِّ فضيلة، فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، لا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه.
وأما من جهة الغرض، فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى.
وأما من جهة شدة الحاجة إليه، فلأن كلِّ كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى" (١).
وهذه الجوانب الثلاثة التي ذكرها الأصفهاني تجلي لنا أهمية موضوع تفسير كلام الله - ﷿ - وبها يكتسب الأشرفية في مباحثه.
أما سبب اختياري لهذا الموضوع فإنه يرجع إلى عدة أسباب يمكن حصرها بما يلي:
أولًا: أنه يمثِّل أشرف العلوم وأحبَّها إلى الله - ﷿ -، وأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله - ﷿ - بحثًا وتحقيقًا ودراسة فخدمة كتاب الله هو خير وأعظم ما اشتغل به الباحثون.
ثانيًا: شموليته لكثير من الفوائد والشرائد في مختلف المعارف والفنون فهو يضفي معارف مختلفة تجعل القارئ يتنقل من فنَّ إلى فن، فتارة يطرب سمعه بقراءة النكت البلاغية وتارة يتفكه بالمسائل النحوية، وتارة أخرى يقلب ناظريه بالفوائد المعجمية اللغوية، وتارة أخرى يتذوق الأخبار التاريخية للأمم السابقة، إلى غير ذلك من ألوان المعارف المختلفة، فالقارىء يسوح ويجول في جنان هذه المعارف.
ثالثًا: دقة صناعة المؤلف في كتابه ومباحثه التي استعرضها نحويًا وبلاغيًا ولغويًا وغير ذلك فكان دقيقًا في عباراته، متثبِّتًا في نقولاته، حياديًا
_________________
(١) نقله عن الأصفهاني السيوطي في الإتقان (٢/ ٤٠٦).
[ ١ / ٨ ]
في ترجيحاته، يتَّسم بطابع الإيجاز في تفسير القرآن ودلالاته. فلا تجد حشوًا أو إطنابًا مُخِلاُّ في عباراته فهو يحاول في تفسيره أن لا يتوسع كثيرًا في إظهار معاني الآيات وما تعلَّق بها، فهو يقتصر على ما تحصل به الفائدة، ولذا نراه يترك بعض الآيات فلا يفسر منها شيئًا لوضوح معناها ودلالتها فيرى أنها لا تحتاج إلى إيضاح.
رابعًا: الإسهام في إخراج الدفين من تراث أسلافنا الأوائل. فمثل هذا الكتاب النفيس لم يخرج في حيِّز الوجود ولم يطبع من قبل - فيما أعلم - على شهرة مؤلّفه ومكانته بين العلماء والباحثين سيما أنه من قرن متقدِّم، فهو من أعيان القرن الخامس وله من الأعمال العلمية المطبوعة والمخطوطة ما يشهد للمؤلف الجرجاني - ﵀ - بقيمته العلمية فينضم هذا الكتاب "درج الدرر" إلى قافلة مطبوعات الجرجاني النفيسة. ومع أن الكتاب قدم كرسالة دكتوراه في جامعة مانشستر في بريطانيا للباحث عبدالله بن عبد الرحمن الخطيب عام ١٩٩٠م، وهو من الأردن وأنا لم أطلع على هذه الرسالة، وهذه المعلومة ذكرت في نشرة أخبار التراث العربي الصادرة عن جامعة الدول العربية عام ١٩٩٠ في عددها (٤٤) صفحة (٢١).
خامسًا: كما شدَّني إلى اختيار هذا الموضوع ومادة الكتاب أنه كتاب متكامل فهو يمثَّل تفسير القرآن بكامله من الفاتحة إلى الناس، والكتاب في حوزتي بكامله وإن كانت رسالتي الماجستير هذه تتضمن سورتي الفاتحة والبقرة، فإن لديَّ عزيمة في إخراج الكتاب بكامله إن شاء الله مهما كانت الظروف والصعاب.
سادسًا: أسلوب الكتاب وبساطة أسلوبه وجزالة ألفاظه وسهولة تناوله وطابع الاختصار الذي يتميز به مما يكسبه قبولًا بين القرَّاء بجميع شرائحهم فهو يأتي بمعاني الآيات ودلائلها ومبانيها بما تحصل به الفائدة ويتكشف به المعنى على وجه الاختصار.
سابعًا: الذي يميِّز هذا الكتاب تركيزه على الجوانب النحوية، فلطائفه
[ ١ / ٩ ]
وإشاراته النحوية تطغى على مادة الكتاب بشكل واسع وكبير، فقد أكثر من هذه الإشارات واللطائف والنقولات عن أعلام النحاة كالخليل وسيبويه والفراء والزجاج والكسائي وأعلام المدرستين الكوفية والبصرية، ففي الكتاب موسوعة نحوية منثورة في ثناياه سيما أن الجرجاني يعدُّ من أعلام النحاة كما وصفه كثير من العلماء كالذهبي والقفطي والسلفي والفيروزآبادي وغيرهم، وهذا من أهم الأسباب التي دفعتني لاختيار هذا الكتاب وما يحويه من هذه الموضوعات النفيسة.
*.*.*