إنَّ مما لا شكَّ فيه وبعد التحري والتتبُّع والاستقراء يجعلنا نجزم تمامًا أن الكتاب لعبد القاهر الجرجاني، ويمكن أن نعزو هذا الترجيح الذي تبنيناه إلي أمور عدة، منها:
أولًا: أن بعض المصادر نسبت الكتاب إلى عبد القاهر الجرجاني، منهم على سبيل المثال: إسماعيل باشا البغدادي في كتابه "هدية العارفين" (١/ ٦٠٦)، وتبعه بروكلمان في كنا به "تاريخ الأدب العربي" (٥/ ٢٠٦)، كما ذكره حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون" (٢/ ٥٧٠)، ونويهض في كتابه "معجم المفسرين" ص ٢٩٥، كما ذكر الأدنه وي في كتابه "طبقات المفسرين" ص ١٣٣ أن لعبد القاهر تفسيرًا دون أن يسميه قائلًا: "وصنف تفسيرًا". وكذا ذكر الداودي في طبقات المفسرين (١/ ١٣٣).
ثانيًا أن النسخ المخطوطة الأربع للكتاب ذكر في صفحتها الأولى عنوان
الكتاب "درج الدرر في تفسيرالآي والسور" كما ذكر اسم مؤلف
الكتاب "عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني" وتوافق هذه النسخ
[ ١ / ٥١ ]
الأربع مع اختلاف النسَّاخ مما يدلُّ يقينًا - والله أعلم- صحة نسبة الكتاب لمؤلِّفه آنف الذكر.
ثالثًا: إن من يتتبَّع أسلوب الجرجاني في كتبه المطبوعة وجوانب الطرح التي ذكرها وبسط الكلام فيها سواء الجوانب البلاغية أو النحوية يجد كثيرًا من التوافق والتشابه بينها، مع أن كتاب التفسير جنح فيه مؤلِّفه عما اعتاده من أسلوب البسط والإطناب والإطالة في عرضه للمسائل البلاغية والنحوية لأنه يدرك أن الأسلوب الأمثل لتفسير القرآن هو الاختصار ليسهل تناوله والاستفادة منه لجميع شرائح قُرَّاء الكتاب الكريم.
بل هناك بعض مؤلَّفات الجرجاني مثل كتاب "الجُمَل في النحو" وكتاب "المفتاح في الصرف" وكتاب "التتمة في النحو" وغيرها حيث استعمل الجرجاني أسلوب الاختصار على غرار أسلوب التفسير.
رابعًا: أن الحافظ الذهبي (١) ذكر أن للجرجاني كتاب "تفسير سورة الفاتحة" وأنه فسَّرها في مجلد، وهذا يدلُّنا على أن الجرجاني فعلًا طرق جانب التفسير، فإذا كان بدأ بتفسير الفاتحة فحتمًا أن يواصل مشوار في تفسير الباقي من كتاب الله كما جرت عليه عادة المفسِّرين الذين يتصدُّون لتفسير القرآن الكريم، فالأصل أن يتَمَّ القرآن برمَّته لا أن يأخذ جزءًا منه إلا أن تدركه المنية قبل إتمامه، وهذا شيء نادر والنادر لا حكم له.
خامسًا: أن الذي يقلِّب كتاب التفسير يجد أن المؤلِّف يصرح بانتمائه الفقهي لمذهب الشافعي، وانتمائه العقدي لمذهب الأشاعرة، كما في آيات الصفات التي تطرق لها، فهو شافعي أشعري، وهذا منطبق تمامًا عندما نرجع إلى من ترجم للجرجاني فإنهم ذكروا ذلك عنه.
سادسًا: يرجح بعض الباحثين أن هذا التفسير لأبي علي الحسن بن يحيى الجرجاني، وعند تتبعي لبعض من نقل عن أبي علي الجرجاني هذا ومقابلة ما ذكروه عنه من التفسير لم أجد ما ينطبق على ما بين أيدينا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٣٢).
[ ١ / ٥٢ ]
من تفسير "درج الدرر" فعلى سبيل المثال نقل ابن القيم عن الجرجاني وصرح بكنيته في بعض المواضع كما في إغاثة اللهفان (١/ ٣٥) وكتاب الفوائد (١/ ٨٩) وكتاب الروح (١/ ١٦٤) والتبيان في أقسام القرآن (١/ ١٠) (١/ ٤٩) (١/ ٨٣) (١/ ١٤٧) والقرطبي في تفسيره (٦/ ٢٨) (٦/ ٣٣٣) (٧/ ٢٥١) (٨/ ٣٥٧) (٨/ ١٥٢) وفتح القدير للشوكاني (٤/ ١٠٥) (٥/ ٤٢٤) وفي تفسير اللباب لابن عادل (١٥/ ٣٦) (١٥/ ٢٧٢ - ٤٣٥) فكل هؤلاء نقلوا عن أبي علي الجرجاني ولم أجد شيئًا من المطابقة بين تفسير أبي علي الجرجاني وتفسير درج الدرر لعبد القاهر الجرجاني وبذلك يرتفع الإشكال الوارد في نسبة "درج الدرر" لأبي علي الجرجاني مع أن أبا علي الجرجاني معاصر لعبد القاهر الجرجاني، وله كتاب في التفسير أيضًا كما نقل عنه.