لقد سلك الجرجاني في منهجه هذا أسلوبًا لا يختلف في جملته عن منهج عامة المفسِّرين، وإن كان -﵀ - لم يكتب منهجه في مقدمة تفسيره إلا أننا يمكن أن نتوصل إلى منهجه من خلال ثنايا تفسيره وما بسط القول فيه، وقد سلك المؤلف في كتابه أسلوب الاختصار فيمكننا أن نقول إن قريبًا من نصف الكتاب يأخذ طابع تفسير المفردات بالمفردات على غرار ما يغلب على تفسير الجلالين وغيره، فهو يحاول أن يفسِّر الكلمة بكلمة أو كلمات مختصرة، لكنه ربما أسهب في بعض المواطن وأطال فيها وإن كانت قلة كإطالته شي تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ حيث أسهب في مسألة النسخ، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ حيث بسط القول في الزكاة وأنصبتها وجهاتها وما يتعلق بها.
كما سلك المؤلف في تفسيره في كثير من المواطن تفسير القرآن بالقرآن، فهو يحاول أن يوضح المجمل بالمفصل، والعام بالخاص، أو غير ذلك، وأمثلة ذلك كثيرة جدًا يمكننا أن نستعرض أمثلة على ذلك فمنها:
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب: السيد. قال يوسف - ﵇ -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود لقوله في شأنهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قد يكون البلاء بالخير والشر، قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ (٣).
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.
_________________
(١) يوسف:٥٠.
(٢) البقرة: ٩٠.
(٣) الأعراف: ١٦٨.
[ ١ / ٥٥ ]
ثانيًا: سلك في منهجه أيضًا أسلوب تفسير القرآن بالسنة النبوية، وهو منهج متأصل عند المفسَّرين كالذي قبله، مثال ذلك:
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى ﴾ في الآية دليل على أن خلق الأرض وما فيها من الجماد مقدَّم على تسوية السماوات. ثم استشهد الجرجاني على ذلك بما ورد في السنَّة عن النبي - ﵇ - قال: "إن الله خلق الأرض يوم الأحد " الحديث، وإن كانت الشواهد على تفسير القرآن بالسنَّة قليلة جدًا؛ لأن المؤلف سلك جانب الاختصار كما تقدم ذلك.
وانظر أيضًا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً ﴾
كما أننا نرى أن المؤلِّف يعتمد رواية الواقدي في رواية الحديث، والواقدي معروف أنه متهم بالكذب. انظر تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﴾ (١)، وقوله أيضًا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ﴾ (٢).
ثالثًا: تفسير القرآن بآثار السلف وأقوالهم كثير جدًا في هذا الكتاب، فهو ينقل عن أئمة التفسير من الصحابة كابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم، ومن التابعين مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم، ومن تبعهم من أئمة السلف. بل استفتح تفسيره لسورة البقرة للحروف المقطعة ﴿الم (١)﴾ بقول ابن عباس - ﵄ -: "الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد"، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي القرآن: عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي وابن جريج.
ومن منهجه أنه ربما يستخدم في تفسيره القرآن لتأييد معنىً لغوي يطرح فيه جوانب لغوية كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة على ذلك.
_________________
(١) سورة البقرة: ١٢٦.
(٢) سورة البقرة: ١٢٧.
[ ١ / ٥٦ ]
ومن منهجه أيضًا أنه يستخدم القرآن لتأييد معنى نحوي، وقد يذكر أسماء أعلام النحاة أو لا يذكر أحدًا منهم، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ والشواهد على ذلك كثيرة جدًا.
وقد ترفع في منهجه عما اختصَّ به من تضلُّعه في علوم البلاغة، فمن يعرف الجرجاني ويتصفح كتبه يكاد يجزم أنه لا يمكن أن يترك جانب البلاغة والتوسُّع به في هذا التفسير، إلا أننا لا نكاد نجد إشارات بلاغية ربما أطال فيها وهي قليلة جدًا في التفسير، نجد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١) حيث أشار إلى الكناية والمجاز، وأطال الكلام فيهما. وكما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية (٢).