لم تذكر المصادر بداية نشأة الجرجاني شواء نشأته الاجتماعية أو نشأته العلمية، إلا أننا يمكن أن نحدِّد الزمن الذي نشأ فيه الجرجاني - ﵀ -،
_________________
(١) = وإنباه الرواة للقفطي (٢/ ١٨٨) والعبر في خبر من غير للذهبي (٣/ ٣٣٠) وفوات الوفيات للكتبي (٢/ ٣٦٩) وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٤٩) وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧١) وطبقات النحاة لابن قاضي شهبة (٢/ ٩٤) ومرآة الجنان لليافعي (٣/ ١٠١) والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٥/ ١٠٨) وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٠٦) وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٣٦) ومفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (١/ ١٥٧) وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٣٤٠) وهدية العارفية للبغدادي (١/ ٦٠٦) وطبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٤٩١) ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (٥/ ٣١٠) وكشف الظنون لحاجي خليفة (١/ ٨٣) والأعلام للزركلي (٤/ ٤٨) واشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين لعبد الباقي اليماني (ص ١٨٨) وكتاب "عبد القاهر والبلاغة العربية" للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، وكتاب "عبد القاهر الجرجاني بلاغته ونقده" للدكتور أحمد مطلوب.
[ ١ / ٢٥ ]
فقد عاش في عصر الدولة الزِّيارية وهي إحدى الدول التي انفصلت عن الدولة العباسية، وانتهى حكمها سنة ٤٣٣ هـ في عهد "أنو شروان بن ضوجهر بن قابوس بن وشمكير" وانتقل الحكم إلى يد "طغرلبك" فأصبحت في يد السلاجقة، وتوفي الشيخ وهي ما تزال في أيديهم (١). ومن خلال تلك الفترة استطاع الجرجاني أن يؤسِّس نفسه تأسيسًا علميًا بعيدًا عن الاضطرابات السياسية قاصرًا نفسه على الدرس والتحصيل، يزاحم مجالس العلماء على قلة تلك المجالس، إلا أنه كان واسع التحصيل فكان يتردَّد كثيرًا على مجلس أبي الحسين محمد بن الحسين الفارسي (٢) الذي كان من كبار أئمة العربية في وقته وهو ابن أخت النحوي المشهور "أبو علي الفارسي"، فلازمه ملازمة طويلة حتى لم يعرف إلا به، كما كان يتردد على مجلس القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (٣).
كما ذكر الخوانساري صاحب "روضات الجنات" (٥/ ٩٠) أن الجرجاني كان يتردد على مجلس ابن جني (٤) (ت ٣٩٢ هـ)، والصاحب بن
_________________
(١) معجم البلدان (٢/ ١١٩)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٨/ ٣٠).
(٢) هو أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد الفارسي النحوي، أخذ عن خاله أبي علي الفارسي علم العربية، وطوف الآفاق. وكان خاله قد أوفده على الصاحب بن عباد بالري فارتضاه وأكرمه ووُزِّر للأمير غرسيستان ثم اختصَّ بالأمير إسماعيل بن سبكتكن بغزنة، ووزِّر له إلى أن استوطن جرجان وقرأ عليه أهلها ومنهم عبدالقاهر الجرجاني. وتوفي ٤٢١هـ. [نزهة الألباء (٣٤٣) - معجم الأدباء (١٨/ ١٨٦) - بغية الوعاة (١/ ٩٤)].
(٣) هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي الجرجاني قاضي الريِّ في أيام الصاحب بن عباد، وكان أديبًا نحويًا شاعرًا قد عُرِفَ بجودة الخط حتى شُبِّهَ خطه بخط ابن مقلة. توفي سنة ٣٦٦ هـ. [معجم الأدباء (١٤/ ٣٥)].
(٤) هو إمام العربية أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي صاحب التصانيف المشهورة، كان أبوه مملوكًا روميًا لسليمان بن فهد الموصلي، لزم أبا علي الفارسي مدة طويلة وسكن بغداد وكان أعور، قرأ على المتنبي ديوانه وشرحه، ومن أبياته المشهورة التي يقول فيها: =
[ ١ / ٢٦ ]
عباد (١) (ت ٣٨٥ هـ)، فإن كان كذلك فيمكننا أن نحدِّد وقت طلب الجرجاني للعلم وأنه كان في مقتبل عمره، وقد يكون قبل البلوغ - والله أعلم.
وعلى قلة مشايخ الجرجاني فإنه كان حريصًا أشد الحرص على التحصيل وبناء شخصيته العلمية، ويشهد لذلك بروزه وشهرته وكثرة مؤلَّفاته - ﵀ -.
ومن حيث رحلاته العلمية فإنه لم يحرص عليها ولم يُكثر منها، ولم يُعْرَف عنه أنه رحل في طلب العلم، لذا كان تحصيله للعلم لم يبرح مدينته جرجان حتى علا صيته واشتهر فأصبح تشدُّ إليه الرِّحَال فتتلمذ عليه الأئمة الكبار.
ولكننا إذا سلَّمنا أنه تتلمذ على ابن جني والصاحب بن عباد، وهذان الرجلان لم يستوطنا جرجان، فإنه يلزم من ذلك الرحلة إليهما إلى مدينة الري، وبذلك يمكن أن نسجِّل رحلةً علمية قام بها الجرجاني.
وأما من حيث بروزه في الشعر فهو لم يبرز فيه كشاعر، إلا أننا
_________________
(١) = فإِنْ أصْبِحْ بلا نسبٍ فعلمي في الورى نسبي على أَنِّي أؤُولُ إلى قُرُومٍ سادةٍ نُجُبِ توفي سنة ٣٩٢ هجرية، وله مؤلفات كثيرة، منها: "سر الصناعة" و"اللُّمَع" و"التصريف" و"الخصائص" و"إعراب الحماسة" وغيرها كثير. [تاريخ بغداد (١١/ ٣١١) - يتيمة الدهر (١/ ١٠٨) - تاريخ ابن كثير (٢/ ١٣٦)].
(٢) هو الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عَبَّاد، كان وزيرًا للملك مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة، صحبَ الوزير أبا الفضل بن العميد ومن ثَمَّ شُهرَ بالصاحب. قال عنه الحافظ الذهبي: كان شيعيًا معتزليًّا مبتدعًا، تياهًا صلفًا جبارًا، وكان فصيحًا متقعرًا، وهو القائل: رَقَّ الزجاجُ وَرَقَّتِ الخَمْرُ وَتَشَابَهَا فتشاكَلَ الأَمْرُ فكأنَّها خَمْرٌ ولا قَدَحٌ وكأنَّمَا قدحٌ ولا خَمْرُ وكان له مكتبة كبيرة يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل. ذُكِرَ له البخاري يومًا فقال: ومن البخاري؟!! حشوي لا يُعَوَّلُ عليه. توفي سنة ٣٨٥ هجرية، عن تسع وخمسين سنة. [سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٥١١) - الكامل لابن الأثير (٨/ ٣٥٢) - وفيات الأعيان (١/ ٢٢٨) - البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٣١٤)].
[ ١ / ٢٧ ]
يمكن أن نجمع له الكثير من الشعر من خلال كتبه ومؤلَّفاته وما نقله العلماء عنه، ومن هذه المناسبات يقول الباخرزي (١): مما أنشدنيه الشيخ أبو عامر للجرجاني في شكاية الزمان وأهله واستيلاء نقصهم على فضله:
أيُّ وقتٍ هذا الذي نحنُ فيه قد دجا بالقياسِ والتشبيهِ
كلما سارت العقولُ لكي تقـ ـطعَ تيهًا تَغَوَّلَتْ في تِيهِ
وذكر القفطي له بعض الأبيات (٢):
هذا زمانٌ ليس فيه سوى النذالة والجهالهْ
لم يَرْقَ فيه صاعدٌ إلا وَسُلَّمُهُ النَّذَالَهْ
وله أيضًا:
لا يُوحِشَنَّكَ أَنَّهُمْ ما ارتاحوا مما جلاه عليهم المُدَّاحُ
فَهُمُ كقومٍ عُلِّقَتْ بِإِزَائِهِمْ بيضُ المرائي والوجوهُ قباحُ
وله في اليأس من الناس:
خَلَعَ الناسُ إهابا وَتَبَدَّوا في إهابِ
وأرى نفسيَ تأبى غيرَ ما كان ثيابي
إنَّ إترابًا من الما لِ بِلَثْمٍ للترابِ
ليسَ من خيم كريـ ـمِ الخيمِ والمحض اللُّبَابِ
ليس بالإقبالِ مانيـ ـلَ تقبيل الكلابِ
إنَّ باغي الربح والخسـ رانِ في بابٍ وبابِ
تاجرٌ غيرُ بصيرٍ بمقاديرِ الحسابِ
وعامة شعره يدور حول الزهدِ في الدنيا والتحقير من شأنها ونقل صورة واقعية عن حياة الناس وجشعهم في الدنيا وشيء من الحِكَمِ والعبر،
_________________
(١) شذرات الذهب (٣/ ٣٤١)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٢٤٢).
(٢) دمية القصر (٢/ ١٨).
[ ١ / ٢٨ ]
مما ينقل لنا صورة عن حياة العالم الرباني عبد القاهر الجرجاني واتِّصافه بالزهد والورع والإعراض عن الدنيا. ومع ذلك فإننا نراه يطرق جانب المدح وذلك من خلال مدحه لنظام الملك حيث يقول:
لو جاود الغيثَ غدا بالجودِ منه أجدرا
أو قيسَ عرف عرفهِ بالمسكِ كانَ أعطرا
ذو شيم لو أنها في الماءِ ما تغيَّرا
وهمَّة لو أنها للنجمِ ما تفورا
لو مَسَّ عودًا يابسًا أورقَ ثم أَثمرا
كما طرق عدة أغراض شعرية ليس هذا مقام بسطها، وبهذا يمكن أن نصنِّف الجرجاني بأنه شاعر متميِّز أبدع في نظمه كما أبدع في نثره.
وقد عرف الجرجاني بالورعِ والزهد والإعراض عن الدنيا. ومن ورعه أنه في خل عليه لصٌّ وهو في الصَلاة فأخذ اللصُّ جميع ما وجده أمامه في البيت والشيخ ينظر إليه ولم يقطع صلاته (١).