لقد برز وأبدع الجرجاني في جانب النحو والبلاغة واللغة أيَّما إبداع، وآثاره العلمية في هذين الفنَّين محطّ الاهتمام عند أعلام العلماء قديمًا وحديثًا. فهو يحاول أن يطرح آراءه النحوية والبلاغية من خلال التفسير، وإن كان الأغلب والأكثر هو استعراضه للمسائل النحوية في ثنايا تفسيره وهو يركز بشكل أساسي على الناحية الإعرابية لبعض الكلمات أو الجمل المشكلة في الآيات القرآنية، وربما ذكر الأوجه الإعرابية في الكلمة، وقلَّ أن يرجح شيئًا من هذه الأوجه بل يحاول أن يترك القارئ هو الذي يختار الوجه الذي يراه مناسبًا.
ولا يدفعنا هذا إلى أن نقلِّل من شأن الجرجاني نحويًا حيث لم يذكر القول الراجح من الأوجه الإعرابية، بل الجرجاني كما وصفه أعلام العلماء كالذهبي والسلفي والقفطي وغيرهم بأنه شيخ العربية وإمام النحاة، فهو في الأساس رجل نحوي، بل إن علم المعاني الذي - كما قيل- يعتبر واضعًا لأصوله لم يكن إلا إحياء لروح المعنى والحس والتذوّق في علم النحو، فالأمور التي ذكرها هي بالتأكيد أبعد مدى وأوسع غاية من مجرد الإعراب، فما نجده في كتابه التفسير هو مجرد إشارات لطيفة ومختصرة سواء في الجوانب الإعرابية أو التقعيدات النحوية.
ويرى الجرجاني كما في تفسيره أن علل القياس تبطل بالسماع كما في قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ فقد علَّق الجرجاني على كلمة "المرء" لما ذكر علل اللغويين في هذه الكلمة وتصريفاتها قال: "هذه علل واهية واللغة بالسماع".
[ ١ / ٥٩ ]
وربما كان للجرجاني رأيٌ يخالف فيه عامة المفسَّرين واللغويين فينفرد به عنهم، ففي تفسيره للحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة ﴿الم (١)﴾ أنه قاسها على حذف آخر الكلمة كما هو معروف عند العرب. ولا شكَّ أن مثل هذا القياس هو قياس مع الفارق، إذ المحذوف من آخر الكلمة يفهم من سياق الجملة والكلام أو من الكلمة ذاتها على العكس من الحروف المقطَّعة التي لم يسبقها سياق يدلُّ عليها، وإنما هي حروف مجرَّدة.
كما نراه أيضًا ينفرد في تفسيره لكلمة ﴿مَالِكِ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ففسَّر ﴿مَالِكِ﴾ بمعنى قاضي، ولا يعرف في معاجم اللغة مثل هذا التفسير، كما لم يفسر أحد من المفسرين هذا التفسير- فيما أعلم -.
ومن حيث الجوانب البلاغية في تفسيره فهي إشارات لطيفة ومختصرة وقليلة جدًا، وهو مما نستغربه جدًا أن يغفله المؤلف في هذا الكتاب، فهو أحقُّ من غيره في أن يستعرض به المؤلف- سيما المختص بالبلاغة - الجوانب البلاغية بشكل موسع، ولذا نرى أعلام العلماء يركِّزون على ذلك ويحرصون عليه. يقول الزمخشري في هذا المعنى: "ولله در أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها" (١). ويرى السكاكي أن "كلَّ آية من القرآن تشتمل على لطائف لا تكاد تحصى لأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنّ الآية مقصورة على ما ذكرت، فلعلَّ ما تركتُ أكثر مما ذكرت" (٢).
وفي الجملة، فإن القصور والتقصير في طرق الجوانب البلاغية حاصل من المؤلف وإنه لم يعطِ الكتاب حقَّه من اللطائف البلاغية.
وفي أحكامه الإعرابية يحاول أن يجعل جانب الترجيح والأحكام الإعرابية وفق ما يذهب إليه ويتبنَّاه كبار النحويين، فقد تبيَّن لي وجه الشبه الكبير بينه وبين سيبويه والكسائي والفراء وأبي عبيدة، وربما صرح بأسمائهم، لكن في الجملة فإن للجرجاني استقلاليته في الأحكام الإعرابية.
_________________
(١) الكشاف (١/ ٢٣٨).
(٢) مفتاح العلوم للسكاكي ص ٥٣١.
[ ١ / ٦٠ ]