تتجلَّى عقيدة الجرجاني من ناحيتين:
الناحية الأولى: حكم أعلام العلماء على عقيدته حيث ذكروا وحدَّدوا عقيدته فقال الذهبي: "كان أشعريًا" (١)، وكذا قال القفطي (٢) وغيرهما.
الناحية الثانية: مؤلفات الجرجاني عامتها تشير إلى ذلك، سيما عند تعرُّضه لآيات الصفات سواء في كتابنا هذا الذي تتجلى فيه أشعرية المؤلف بشكل واضح أو من خلال بعض كتبه كـ "أسرار البلاغة" و"الإعجاز". والذي يهمّنا هو الكتاب الذي بين أيدينا، فلعلنا نستعرض بعض الشواهد من كتابه هذا لنحدَّد به منهج المؤلف العقدي، فمنها على سبيل المثال:
أولًا: في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يجازيهم على استهزائهم، وهذا تفسير الأشاعرة الذين ينفون صفة الاستهزاء بالكافرين عن الله، فيصرفون ظاهر اللفظ عن معناه الأصلي الذي خاطبنا الله به، ولذلك ردَّ إمام المفسِّرين ابن جرير الطبري هذا التأويل الذي ذهب إليه المؤلف وتبعه في ذلك ابن كثير وغيرهما. وإن ما ذهب إليه المؤلف مخالف لكلام العرب، يقول الحافظ الطبري: "إن معنى الاستهزاء في كلام العرب إظهار المستهزىء للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا" (٣).
ثانيًا: صفة الاستواء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ فقد ذهب مذهب الأشاعرة في تفسيره لها فقال: إنها بمعنى عمد وقصد. بينما يرى إمام المفسَّرين محمد بن جرير الطبري أنها بمعنى
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٣٢).
(٢) إنباه الرواة (٢/ ١٨٩).
(٣) تفسير الطبري (١/ ٣١٥).
[ ١ / ٦١ ]
العلو والارتفاع (١)، وكذا ذكر البغوي (٢) وغيرهما من أئمة السلف.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ قال: أَلْهَمَ ووفَّق. وهذا أحد أقسام العلوم عند الأشاعرة.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ذكر بأن الله متعالٍ عن الحلول في الجهات والأقطار، وهذا يشبه كلام الأشاعرة في نفي الجهة. ومذهب أهل السنَّة عدم الخوض في الجهة لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأن الكتاب والسنَّة لم يفصَّلا في ذلك ولم يتطرَّقا لها، فمن باب أولى أن نترك ما تركه الله ورسوله. وكما جاء في الحديث: "إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها". وقد فصلت القول في هذه المسألة عند الآية الكريمة، فالمؤلف في عدة مواطن استعمل الكلمات التي يخوض بها الأشاعرة مثل: العرض، والجوهر، والجهة، والجسم.
خامسًا: في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فسَّر الرحمة بأنها إرادة الخير، وهو مذهب الأشاعرة في نفي صفة الرحمة لأنها تقتضي الرقة، والله منزَّه عنها - على حدِّ قولهم - ومن المعلوم أن الأشاعرة يركزون على إثبات سبع صفات مجموعة في قول الناظم:
لهُ الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر
فهذه نماذج تمثل منهج المؤلف في تأويله لآيات الصفات.
ثم إنه لما يتحدَّث عن الأمر والإرادة يقول: إن الأمر غير الإرادة، فهو يعلق على أمر الله تعالى إبراهيم بذبح ابنه يقول: "إن الإرادة انفصلت عن الأمر لأن الله أمر بذبح ابن إبراهيم ولم يرده" فهو يرى أن إرادة الشيء غير الأمر، وهذا منهج وتقرير الأشاعرة.
_________________
(١) تفسير الطبري (١/ ٤٥٧).
(٢) تفسير البغوي (١/ ٥٩).
[ ١ / ٦٢ ]
ثم نراه يعرج في تفسيره على آية البسملة بأن الاسم يراد به التسمية وهو غير المسمَّى، وهذا مذهب المعتزلة حيمث أشار إليه ابن كثير (١) فقال: "إن ما ذهب إليه المعتزلة من هذا القول هو عبث على جميع التقديرات، والذي عليه أهل السنَّة أن الاسم هو المسمى، وهو ما ذهب إليه أبو عبيدة وسيبويه واختاره الباقلاني وابن فورك وغيرهم" اهـ.
وفي الجملة فإننا وإن كنا نخالف المؤلف فيما ذهب إليه من المسائل التي ذكرنا فإن ذلك لا يقلِّل من جلالته وقدره وسعة علمه، بل إننا نجد أن أكثر علماء التفسير ينحون هذا المنحى في تبنّي وتقرير مذهب الأشاعرة، مع أننا في أمسِّ الحاجة إلى علمهم ولا يمكننا الاستغناء عنهم بوجه من الوجوه، وقد فصَّلت الكلام في كتابي الموسوعي الذي كتبته عنهم والذي بعنوان "الموسوعة الميسَّرة في تراجم أئمة التفسير والنحو واللغة مع دراسة لعقائدهم وشيء من طرائفهم" وكانت حصيلة هذه الموسوعة أنني خرجتُ بأن أكثر أئمة التفسير والنحو واللغة يتبنّون مذهب الأشاعرة.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٢٩).
[ ١ / ٦٣ ]
القسم الثاني
ويشتمل على ما يلى:
أولًا: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحيق.
ثانيًا: منهجى في التحقيق.
ثالثا: منهجى في التحقيق.
رابعًا: النص المحقق.
خامسًا: تذييل الكتاب بالفهارس الفنية اللازمة.
[ ١ / ٦٤ ]