مدنية (١)، وهي مائتا آية في غير عداد أهل الشام.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
عن أبي إسحاق والربيع أنَّ نيفًا وثمانين آية مِنْ أوّل هذه السورة نزلت في وَفْد نجران (٢)، وقد مضى تفسير حروف المقطعة.
﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أصْل التورية عند الكوفيين تورية بوزن تَوْصِية، فلما أخرجوا اللفظ مِنْ حيّز الأفعال إلى الأسماء نقلوا حركة عين الفعل إلى الفتحة (٣)، فانقلبت الباء ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها (٤)، وهو معنى
_________________
(١) ذكر القرطبي في تفسيره (٤/ ١)، والثعالبي في تفسيره (١/ ٢٣٠) وغيرهما أنها مدنية بالإجماع، وحكى النقاش أن اسمها في التوراة "طيبة".
(٢) ذكره ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٧٤) وتبعه ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٢) عن ابن إسحاق ذكره بطوله، وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة.
(٣) في الأصل: (فتحة)، والمثبت من بقية النسخ.
(٤) وهذا القول نقله القرطبي (٤/ ٥) عن الفرَّاء، وقال الخليل: أصلها فَوْعَلة، فالأصل وَوْرَيَة، قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تَوْلَجْ، والأصل وولج فَوْعَل من وَلَجَت، وقلبت الياء ألفًا لحركتها وانفتاح ما قبلها وبناء فَوْعَلَة أكثر من تَفْعِلة. وقيل: التوراة مأخوذة من التورية وهو التعريض بالشيء والكتمان لغيره، فكان أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح، وهو منقول عن الفراء أيضًا، نقله الرازي في تفسيره، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طي، فإنهم يقولون في جارية: جاراة، وفي ناصية: ناصاة، ومنه قول الشاعر: فما الدنيا بباقاة لحيٍّ وما حيٌّ على الدنيا بباقِ =
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الإيراء؛ لأنّ الله تعالى أورى لموسى -﵇- نارًا، وكان ذلك سبب كتابه، فُسمّي كتابه بذلك، وقيل: سمي لكونه (١) ضياء وهدى، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
وقيل: إنّه مِن التعريض؛ لأن التعريض في التوراة كثير.
وقيل: إنّه باللغة العبرية (توروه) (٢) وهو الأدب المتأدب.
وعند البصريين وزن التورية وَوْرَية كقوصرة قلبت الواو الأولى تاء كما في تَوْلَج، مشتق من الإيراء.
﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ إفعيل مِنَ النَّجل، والنَّجل عبارة عن الولادة والتولّد والتوليد، يقال: قبح الله ناجليه، أي والديه، وإنما سُمّي كتاب عيسى بذلك لأنَّ الحكمة تتولد منه (٣)، وقال الأصمعي: الإنجيل كُلّ كتاب مسطور وافر السطور (٤).
وقيل: إنّ الله تعالى أعطى المسيح أربعَ كلمات، فأعطاها هو أربعة (٥) نفر من الحواريِّين: يوحنا ومتّى ومرقوش من جملة الاثني عشر، ولوقا من جملة السبعين، فاستخرج هؤلاء الأربعة من تلك الكلمات معانيها بإلهام مِنَ الله، وضمّنوها كتابًا وسمّوه الإنجيل؛ لأنّه كالمتولّد مِنْ تلكَ الكلمات الأربع (٦).
_________________
(١) = [مفاتيح الغيب (٧/ ١٣٨)؛ معاني القرآن للزجاج (١/ ٣٧٤)].
(٢) في "ب": (لأنه).
(٣) في الأصل: (توره)، والمثبت من بقية النسخ.
(٤) في "أ": (تتولد بتولد منه).
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره الجامع (٤/ ٦) قال: وذكر شمر عن بعضهم فذكره. وذكره المناوي في "الفيض" (٤/ ١٩٥) بلفظ: ويقال، وقد ساق القرطبي جملة من التعريفات والتفاسير للإنجيل.
(٦) في "ب": (أربع)، وهو خطأ لغة.
(٧) قال الزجاج: إنجيل: إفعيل من النخيل وهو الأصل: هكذا يقول جميع أهل اللغة في إنجيل، =
[ ٢ / ٤٦٠ ]
عن (١) عبد الله بن سلام وأخيه عُبيد الله عن الصامين باليمن أنّ الإنجيل الصحيح عندهم أملاه عليهم المسيح -﵇-، وأن هذه (٢) الكتب الأربعة كتب التلامذة، اكتتبها (٣) لهم يهودي وحرّف الكَلِم عن مواضعه.
﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ الانتقام: المعاقبة وهو افتعال من النقمة، والنقمة: العقوبة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى﴾ لا ينكتم عليه ﴿شَيْءٌ﴾ وضدّه الظهور، وإنّما لم يقتصر على ﴿شَيْءٌ﴾؛ لأنَّ ذِكر السماء والأرض أبلغ في التهديد وأوقع في النفوس (٤).
﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ التصوير: إحداث الصورة، والصورة (٥) شكل الأجسام حقيقة ويعبر بها عن كيفية كل متكيف، وأصلها من الإحالة، و(٦) ﴿الْأَرْحَامِ﴾ جمع رحم، ككبد وأكباد وفخذ وأفخاذ، وهي موضع الحيض والحبل، ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ كما يشاء من غير إلجاء أحد أو أمره إيّاه، إذْ هو أعلى (٧) مِنْ (٨) أنْ يكون أمرُه تحت أمر ونهي هاباحة وحظر، وممّن صوّره في الرحم عيسى -﵇-، والتصوير يوجب التخليق (٩)، والتخليق: قبل ولادته.
_________________
(١) = ولأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين. وقال الفخر الرازي: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته. ويقال للماء الذي يخرج من البئر: نجدٍ. وقال أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع، وسمِّي الإنجيل بذلك لأن القوم تنازعوا فيه. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٣٧٤)؛ مفاتيح الغيب (٧/ ١٣٨)].
(٢) في "ب" "ي" "أ": (وعن) بالواو.
(٣) في "ب": (وإن هذه الكلمات الكتب الأربعة).
(٤) في الأصل: (واكتتبها) بالواو، والمثبت من بقية النسخ.
(٥) في "ي" والأصل: (بالنفوس).
(٦) في "أ" والأصل: (والصوت) وهو خطأ.
(٧) (الواو) من "أ" "ب".
(٨) في الأصل: (على).
(٩) (من) جاءت مكررة في الأصل و"ي" "أ".
(١٠) في الأصل و"ي": (التخلّق).
[ ٢ / ٤٦١ ]
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال الربيع بن أنس: نزلت في وفد نجران حيث قالوا للنبي -﵇- (١): أليس عيسى روح الله وكلمته؟ قال (٢): نعم، حسبنا هذا (٣). كأنّهم ذهبوا إلى روح الله، وكلمته هو ما قدّروه نفسًا لا هويته وتوهموها فعبدوها فأنزل الله الآية وهي في المتشابه والمحكم، قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقيل: نزلت في اليهود حيث أوّلوا الحروف المقطعة على مدة بقاء هذه الأمة من طريق حساب (٤) الجمل (٥)، وهي أصله يرد إليه كل من أوّل متشابهًا، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ من البدعة والضلالة، عن عائشة قالت: سئل رسول الله - ﷺ - (٦) عن هذه الآية فقال (٧): "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم" (٨).
وسئل محمَّد بن إسحاق بن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال: بدعة ابتدعوها ولم يكن (٩) أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين يتكلمون في تلك، وكانوا ينهون عن ذلك ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة (١٠).
والمحكم ما أحْكم وجهه بتشديد (١١) اللفظ وتلخيصه، فلم يترك
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في جميع النسخ (قالوا)، والمثبت من "ب" وهو الصواب.
(٣) ذكره ابن حجر الحافظ في العجاب (٢/ ٦٦٠) عن مقاتل بن حيان ولم يعزُه لأحد.
(٤) (حساب) ليست في الأصل.
(٥) وردت في المخطوطات مرسومة بهاء (الجهل)، وفي "أ": (الجهلة).
(٦) (ﷺ) من "ب" فقط.
(٧) (فقال) من "أ"، وفي بقية النسخ: (وقال).
(٨) رواه البخاري (٤٥٤٧)؛ ومسلم (٢٦٦٥).
(٩) في "ب": (تكن).
(١٠) ذكره شيخ الإِسلام في كتابه "الاستقامة" (١/ ١٠٨)؛ وعزاه لأبي عبد الرحمن السِّلمي في كتابه "ذم الكلام".
(١١) في جميع النسخ: (بالتشديد)، والمثبت من "أ".
[ ٢ / ٤٦٢ ]
للمتأول فيه متعلَّق وإنّما قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولم يقل أمهات الكتاب؛ لأنّه اعتبر المعنى وهو الأصل فجعل الآيات شيئًا واحدًا، ثم وحّد وقرب منه (١)، كقوله تعالى (٢): ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٥].
و﴿وَأُخَرُ﴾ جمع أُخرى، وإنما لم يصرف (٣) للتأنيث، والعدل (٤) عند البصريين، وقال الكسائي: لأنّه صفة كالاسم مثل عُمَر (٥)، ﴿زَيْغٌ﴾ مَيل عن
_________________
(١) أخبر بلفظ الواحد وهو "أُمُّ" عن جمع وهو "هُنَّ" إما لأن المراد كل واحدة منه أم، وإما لأن المجموع بمنزلة آية واحدة كالآية التي ذكرها المؤلف ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقَرَة: ٧]، وكقول الشا عر: كُلُوا في بعضِ بطنِكم تَعِفُّوا فإنَّ زمانَكُم زَمَنٌ خَمِيصُ أي: بعض بطونكم. وقول علقمة الفحل: بها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عظامها فبيضٌ وَأَمَّا جلدها فصليبُ وقال الأَخفش: وَحَّدَ "أم الكتاب" بالحكاية على تقدير الجواب. كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقال: هنَّ أم الكتاب. قال ابن الأنباري: وهذا بعيد من الصواب في الآية لأن الإضمار لم يقم عليه دليل ولم تدع إليه حاجة. [الكتاب (١/ ١٠٨)؛ ابن يعيش (٥/ ٨)؛ أمالي الشجري (١/ ١٠٨)؛ ديوان علقمة الفحل ص ٤٠؛ الدر المصون (٣/ ٢٥)].
(٢) (تعالى) من الأصل.
(٣) في "ب": (يثبت).
(٤) في الأصل و"ي" "ب": (والعدد).
(٥) يرى الخليل وسيبويه - كما حكاه الزجاج عنهما - أن "أُخَر" غير مصروفة لأنها فارقت أخواتها، والأصل الذي عليه بناء أخواتها؛ لأن "أُخر" أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كما تقول: الصغرى والصُّغَر والكبرى والكُبَر، فلما عدلت عن مجرى الألف والسلام منعت من الصرف. وقيل: لم تصرف لزيادة الياء التي في واحدتها، وإن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف. وقال أبو عبيد: لم يصرفوها لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش. وما ذكره المؤلف عن الكسائي أنكره المبرد وقال: إن لبدًا وحطمًا صفتان، وهما منصرفان. [ابن جرير (٥/ ١٩١)؛ الزجاج - معاني القرآن (١/ ٣٧٧)؛ القرطبي (٤/ ١٣)].
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الحق. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال (١): ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ [سبأ: ١٢].
(يتبعون) يتتبعون، و(التأويل) ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر، وقيل: هو تبيين ما يؤدي إليه فحوى الخطاب على وجه الاستخراج. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: مآله ومصيره وما يؤدي إليه، وها هنا وقف تام، وفي قراءة أبي: ويقول (٢): ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾، وكذلك روى طاوس عن ابن (٣) عباس، وفي مصحف عبد الله: ﴿إنْ تأويله إلا عند الله﴾، ثم استأنف (٤): ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾.
وقال أبو حاتِم: والراسخون في تقدير: وأما الراسخون، وإلى هذا ذهب في مسألة القدر والصفات علي وعائشة وأم سلمة وغيرهم، وإحدى فوائد نزول (٥) المتشابه الائتلافات، قيل: هل كان النبي -﵇- (٦) يعلم تأويل هذا النوع من المتشابه؟ قلنا: يجوز أن يعلم بالتوقيف (٧) لا مِنْ جهة نفسه، كما علم أشياء مِنَ الغيب.
فإنْ قيل: هل يجب الإيمان بغير المعلوم؟ قلنا: نعم للإعجاز (٨) الحاصل بالنظم المعلوم ووقوع بائن معناه موافق للمحكم المعلوم، وفي
_________________
(١) (وقال) من "ي" "أ".
(٢) في الأصل: (يقول) بدون واو.
(٣) في "ي" "ب": (بن).
(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ١٩١)؛ ومعاني القرآن للزجاج (١/ ٣٧٨). ورواية طاوس عن ابن عباس - ﵄ - رواها الطبري في تفسيره (٥/ ٢١٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١١٦)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٢٨٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) (نزول) ليست في "ب".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في الأصل و"ي": (بالتوقف).
(٨) في "ب" "أ": (الإعجاز).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
معناه ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (١)﴾ [النساء: ١٦٢] (الرسوخ): الغاية في الثبوت، وفي الحديث: "الإيمان راسخ بالقلب مثل الجبال الرواسي (٢) " (٣).
﴿رَبِّنَا﴾ محمول على ﴿آمَنَّا﴾، أي: يقولون (٤): ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تخذلنا ولا تمسك عنّا (٥) توفيقك وتزيغ قلوبنا، وقيل: لا تعاقبنا على ذنوبنا على إزاغة قلوبنا (٦)، وقيل: لا تكلفنا البحث عن المتشابه فتفرق (٧) بنا الأهواء، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ أي: أعطنا، وإنّما عبر عن الإعطاء بالهبة؛ لأنّه تمليك بغير بدل، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ مِنْ عندك وكل ما هو في الغيب أو كان شأنه موقوفًا على حكم الله تعالى، يقال: هو عند الله؛ لأنّه لا سبيل لغيره إليه بوجه ما، ﴿رَحْمَةً﴾ نَعمة وهي الهدى أو العافية أو الجنة دون اتصاف الرحمن برحمته (٨).
﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لشأن يوم (٩) أو إلى يوم، ويحتمل أنّ اللام هي التي تدخل في التواريخ، و(الجمع) ضمّ أحد المفردين إلى الآخر، ﴿لَا
_________________
(١) في الأصل و"ي" "أ": (بالعلم).
(٢) في "ب": (الجبل الراسي) وهو خلاف الحديث.
(٣) لعله يشير إلى حديث: "إن من أمتي رجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي". أخرجه الطبري محمَّد بن جرير في التفسير (٥/ ١٦٠ - ١٦١) عن أبي إسحاق السبيعي مرسلًا.
(٤) في "ي" والأصل: (ويقولون).
(٥) في "أ": (عتابه) وهو خطأ.
(٦) من قوله (وقيل إلى: قلوبنا) ساقطة من "أ".
(٧) في "أ": (فيفترق).
(٨) ما ذكره المؤلف من تأويل صفة الرحمة هو وفق ما سار عليه من تأويل الصفات بما يتوافق مع مذهب الأشاعرة الذي التزمه في تفسيره هذا كما مرَّ علينا. وأما ما يتعلق بهذه الصفة - صفة الرحمة - ونفيه لها وأن الله لا يتَّصف بها لأنها تقتضي الرقة - على حد زعم الأشاعرة -، فقد وقد ردَّ هذا التأويل ابن القيم - كما في "مختصر الصواعق المرسلة" (٢/ ١٢١) - فقال: إن الله فرق بين رحمته ورضوانه وثوابه فقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ﴾ [التوبَة: ٢١] وهذا يبطل من جعل الرحمة رضوانًا أو إرادة الإحسان، بل الإحسان والرضوان والثواب هي من لوازم الرحمة.
(٩) في الأصل: (لشأن توهم) وهو خطأ.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: هو غير متصرف بما يقتضي بغضًا أو ذمًا و﴿الْمِيعَادَ﴾ وقت الوعد من الله مِنْ عذاب الله وعقابه.
﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف وما بعده خبر مبتدأ تقديره: (وإنّهم كدأب) ويحتمل: أن الذين كفروا كدأب آل فرعون، أي: كفرهم (١)، والدأب: الشأن المعتاد.
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ الغلبة: القهر والاستيلاء والاستعلاء.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ الآية: العلامة والعبرة، و﴿وَأُخْرَى﴾ (٢) رفع على سبيل الابتداء (٣) كأنّك قلت: إحداهما. قال الشاعر:
إذا مِتُّ كانَ الناسُ صنفين شامت وآخرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنع (٤)
﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ مثل الشيء ما لا يميّز بينه وبينه على وجه (٥) المشابهة والمجانسة (٦) أو على الإحالة (٧)، فإنْ كان على سبيلِ المجانسة (٨) فهو
_________________
(١) في هذه الآية وجهان إعرابيان: الأول: ما ذكره المؤلف وهو أن الكاف في محل رفع خبر لمبتدأ مضمر تقديره: دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون، وبه قال الزمخشري وابن عطية. والوجه الثاني: أن الكاف في محل نصب، وفي الناصب لها تسعة أوجه إعرابية. فذهب الفراء أنها نعت لمصدر محذوف، والعامل فيه: كفروا. والتقدير: إن الذين كفروا كفرًا كدأب آل فرعون. [الكشاف (١/ ٤١٤)؛ المحرر (٣/ ٢٦)؛ معاني القرآن (١/ ١٩١)].
(٢) (أخرى) ليست في "أ".
(٣) قوله "أخرى" صفة لموصوف محذوف، التقدير: وفئة أخرى كافرة، ومن قرأ بالنصب: ﴿وأخرى كافرةً﴾ فهو عطف على الأولى بالنصب على الاختصاص أو الحال كما قال الزمخشري. [الكشاف (١/ ٤١٥)؛ الدر المصون (٣/ ٤٦)].
(٤) هذا البيت للعجير السلولي وهو في الكتاب (١/ ٣٦)؛ والنوادر ص ١٥٦؛ وابن يعيش (١/ ٧٧)؛ والهمع (١/ ٦٧).
(٥) في الأصل و"ب": (وجهه).
(٦) في الأصل و"ب": (المجالسة).
(٧) في الأصل: (الإجابة).
(٨) في الأصل: (المحاسبة).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
غيره لأنّه يتميز عنه بالمكان أو ببعض الصفات، وإذا كان على طريق الإحالة (١) فمثل الشيء نفسه؛ لأنّ التميّز بين الشيء ونفسه محال، والمراد هاهنا الكمية والعدد دون الطول والعرض وغيرهما، فإنْ كان المراد به القلّة (٢) فهو صرف رؤيتهم عن المجموع، وإن كان المراد به الكثرة فهو على سبيل اللبس والتخييل، وتقديره: (يرونهم حينئذٍ كأنّهم مثلاهم) لاستحالة أن يزيد الشيء على كميته فيكون واحد اثنين في حالة واحدة، ووقوع الخلاف في المشاهدة مع عدم الحيل البشرية والأغراض الفاسدة المعهودة من الأول (٣) ونحوه لا يكون إلا مِنْ فعل الله تعالى، فإذا (٤) أظهر ذلك لنبي من الأنبياء كان ذلك إعجازًا (٥)، وإنما قال: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ للتأكيد، قال الفراء (٦): مثل الشيء اثنان؛ لأنّ (٧) مثل الشيء ضعفه، وضعف كميته مرتين وضعفاه هو مثله مرتين (٨). و"التأييد" الإعانة والمعونة وذلك إشارة إلى (٩) الأمر والشأن (١٠) و(العبرة) فعل
_________________
(١) في الأصل: (الإجابة).
(٢) في الأصل: (العلّة).
(٣) في الأصل: (الأل).
(٤) في "أ": (إذ).
(٥) في "ب": (إعجازًا له).
(٦) معاني القرآن للفراء (١/ ١٩٤).
(٧) من قوله (مثل إلى: لأنَّ) ليست في "أ".
(٨) التحقيق في هذه المسألة هو أن الفئة التي رأت الأخرى مثليْ أنفسها هي الفئة المسلمة، قلَّلها الله ﷿ في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها، ويشهد لذلك ما روي عن ابن مسعود - ﵁ - حيث قال في هذه الآية: هذا يوم بدر، وقد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهمِ يزيدون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفَال: ٤٤]. فمعنى الآية على هذا التأويل: قد كان لكم يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا؛ إحداهما مسلمة والأخرى كافرة، كثيرٌ عددُ الكافرة، قليلٌ عدد المسلمة، ترى الفئة القليل عددها الكثير عددها أمثالًا، إنما تكثرها من العدد بِمثْلٍ واحدٍ فهم يرونهم مثليهم. [الطبري (٥/ ٢٤٥)].
(٩) في "أ": (إلا).
(١٠) في "أ": (الثاني).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
المعتبر كالقعدة والجِلْسة، و(الاعتبار) باتخاذ المذهب والمعبر للنفس إلى مقصود (١) يتوصل إليه بالعقل.
﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ على أحد معنيين حبّ المتشهيات أو الحب الشهوي، فأضافه إلى أصله كقولهم (٢) من بهيمة، و(الشهوة): توقان النفس. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار، والقنطار مجموع كثير من المال أقله ما قاله السدي مائة (٣) رطل من ذهب أو فضة (٤)، وأكثره ما ذكره أبو عبيدة من قول العرب أنه وزن شيء لا يحدونه، وفيما بين القولين أقوال (٥)، ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مُنفْعَلة كقولهم: (ألف مؤلّفة) و(بدرة مبدرة)، وقيل: معناه المضعّفة، فأقل ما يفيد اللفظ تسعة قناطير. و﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ منطبعان من الجوهر جعلهما الله تعالى (٦) ثمنين للأشياء، فالذهب أصفر إلى الحمرة والفضة أبيض. ﴿وَالْخَيْلِ﴾ اسم جنس للفرس (٧) والبرذون والحصان والروكه وهو معطوف على القناطير دون الذهب والفضة. و﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الراعية. عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والربيع (٨) يقول: أسمتها
_________________
(١) في "أ": (مقصوده).
(٢) في "أ": (فإضافة صلة كقوله).
(٣) في جميع النسخ (أنه)، والتصحيح من مصادر التخريج.
(٤) رواه الطبري (٥/ ٢٦٠)؛ وابن أبي حاتم (١٨٩/حكمت)؛ وعبد بن حميد (٢/ ١١/در) عن السدي قال: القنطار مائة رطل.
(٥) اختلف المفسرون في مقدار القنطار، فروي عن معاذ بن جبل قال: القنطار ألف ومئتا أوقيَّة [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٥٤)؛ وابن أبي حاتم (٢/ ٦٠٦)]. وهكذا أيضًا روي عن ابن عمر - ﵄ - وأبي هريرة، وروي مرفوعًا عن أبي بن كعب: "القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية" [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٥٥)]. ولعل هذا القول أقرب الأقوال. وعن ابن عباس - ﵄ - قال: القنطار ألف ومائتا دينار، ومن الفضة ألف ومائتا مثقال. وهناك أقوال أخرى، والله أعلم.
(٦) (تعالى) ليست في "ب".
(٧) (للفرس) ليست في "أ".
(٨) رواه ابن أبي حاتم (٢٠٢ - ٧٠٢/ تحقيق د. حكمت بشير)؛ والطبري (٥/ ٢٥٨ - ٢٦٠) =
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وسومتها فهي سايمة (١)، قال الله تعالى: ﴿شَجَرٌ (٢) فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠]. وعن ابن عباس: أنها المعلمة (٣) من السيماء، قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١].
﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمع نَعَم، والنَعَم: الماشية من الإبل والبقر والغنم لا واحد لها (٤) من لفظه، و﴿الْمَآبِ﴾ المرجع.
قال عبيد بن الأبرص (٥):
فكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ طلب الإصغاء من المستمعين وليس باستئذان. وكذلك قوله: هل أنبئكم، ألا أنبئكم، ﴿جَنَّاتٌ﴾ رفع على الابتداء عند البصريين وعلى أنه خبر الكلام عند الكوفيين، وأجاز البصريّون "جناتٍ" على الجرّ بدلًا عن لفظة "خير" وعلى النصب بدلًا من خبر محمولًا على محله دون لفظه، ولم يخبر الفراء المكان الفاصل، وإنما كان المعاد خبرًا من المعاد لمعان (٦) (٧) أحدهما: الأمن من زوال النعمة (٨).
_________________
(١) = عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان ومجاهد.
(٢) رواه الطبري (٥/ ٢٦٢) عن سعيد بن جبير.
(٣) في الأصل: (شجرة).
(٤) رواه الطبري (٥/ ٢٦٤) عن ابن عباس.
(٥) في الأصل: (له).
(٦) البيت ذكره القرطبي في تفسيره غير منسوب لأحد، وفيه "الأموات" بدل الموت. [القرطبي (٤/ ٣٧)]. لكن البيت لعبيد بن الأبرص وهو في ديوانه ص ١٦ وفيه: الموت، كما ذكره الجرجاني وهو في لسان العرب (١/ ٢١٩ - أوب)؛ وتهذيب اللغة (١٥/ ٦٠٨)؛ ومقاييس اللغة (١/ ١٥٣).
(٧) (لمعان) ليست في "أ".
(٨) في الأصل: (المعان).
(٩) ارتفع "جنات" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو جنات. فتكون الجملة بيانًا وتفسيرًا للخيرية، ويؤيد ذلك قراءة "جناتٍ" بكسر التاء على أنها بدل من "بخير" =
[ ٢ / ٤٦٩ ]
(الأسحار) جمع سَحَر كأسفار وسَفَر، والسحَر أوان انفلاق الصبح، وإنما خصّ ذلك الوقت بالدعاء؛ لأن اليقظة في ذلك الوقت أضن على النفس وأخلص لوجه الله تعالى، والقائمين بالليل يفرغون من الصلاة تلك الساعة فيشغلون بالدعاء والاستغفار كما أخبر الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨] فإنّما نصب على القطع (١).
وتقديره: شهد الله القائم بالقسط إقامة القسط، [وقيامه بالقسط: إقامة القسط] (٢) في العالم بين العقلاء كما يقال: فلان قائم بالحوايج، ويحتمل أن يكون القسط صفة من اسمه المقسط فيكون عبارة عن قيامه مقسطًا، وثبوته عادلًا من غير كيفية وحال كما يقال: فلان قائم بالخلافة والإمارة.
و﴿الدِّينَ﴾: الحكم، ولذلك يقال للحاكم: الدّيان، وفي حديث بعض التابعين: كان علي ديّان هذه الأمة، قال الأعشى للنبي -﵇-:
_________________
(١) = فهي بيان للخير، وقيل: إن الجار والمجرور "للذين اتقوا" خبر مقدم و"جنات" مبتدأ مؤخر، وعلى هذا التقدير يكون الكلام قد تم عند قوله: "من ذلكم" ثم ابتدأ بهذه الجملة، فهي مفسرة للخيرية. وقد ذهب مكي في كتابه "المشكل" (١/ ١٢٩) إلى أن "جنات" بدل من "بخير".
(٢) في نصب "قائمًا" أربعة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه منصوب على الحال. والوجه الثاني: أنه منصوب على النعت للمنفي بـ"لا". الوجه الثالث: أنه منصوب على المدح. ويجوز أن يكون المنصوب على المدح نكرة خلافًا لمن منعه. وأنشد سيبويه على ذلك قول أمية بن أبي عائذ الهذلي: ويأوِي إلى نسوةٍ عُطَّلٍ وَشُعْثًا مراضيعَ مثلَ السعالي الوجه الرابع: أنه منصوب على القطع -كما ذكره المؤلف-، وهذا مذهب الكوفيين ونقله بعضهم عن الفراء، وقد ذكره في معاني القرآن. [ديوان الهذليين (٢/ ١٨٤)؛ الكتاب (١/ ١٩٩)؛ معاني القرآن للفراء (١/ ٢٠٠)؛ ابن يعيش (٢/ ١٨)].
(٣) ما بين []، سقطت من الأصل.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
يا مالك الملك وديان العرب (١)
والدين الطاعة (٢) من قولهم: دان فلان لفلان.
وقيل: العادة والسُّنّة، قال الشاعر (٣):
تقول إذا دَرَأْتُ لها وضيني أهذا دِينهُ أَبَدًا ودِيني؟
و﴿الْإِسْلَامُ﴾ الانقياد لله تعالى في الناسخ من أحكامه والمنسوخ، وفيما قدر من خير وشر وحلو ومر، وترك المنازعة والابتداع، وقد علم أهل الكتاب هذا ثم أبوا قبول الناسخ وابتدعوا في الدين، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ تهديد لمن كفر بآياته.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ (٤)، وإنما كان قوله:
_________________
(١) أما الأثر عن بعض التابعين في علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه ديان هذه الأمة لم أجد له أصلًا في كتب الحديث، وأما قول الأعشى للنبي - ﷺ -: "يا مالك الملك وديان العرب" كذلك لم أجد له أصلًا، وعلى فرضية صحته فإنه لا يمكن للنبي - ﷺ - أن يسكت على هذا الوصف الذي وصفه به الأعشى لأن النبي - ﷺ - يعلم أنه لا مالك لهذا الملك إلا الله -﷿-، فلا يصدف مثل هذا الوصف إلا على الله -﷿-. لكن ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ١٤٨) بلفظ: يا سيد الناس وديان العرب. وبه يزول الإشكال من حيث المعنى، وكذا هو في لسان العرب (٤/ ٤٥٩ - دين). وأثر بعض التابعين في علي بن أبي طالب ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (١٤/ ١٨٥)، وابن الأثير في النهاية (٢/ ١٤٨).
(٢) إطلاق الدِّين علي الطاعة معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: ويوم الحزنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدٌّ وكان الناس إلا نحنُ دِينا وقول الأعشى: هو دانَ الرِّبَابَ إذ كرهوا الديـ ـن دِراكًا بغزوةٍ وصيالِ كرهوا الدين: أي الطاعة. وقول عمرو بن كلثوم: وأيامًا لنا غُرًّا طِوَالًا عصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا [الطبري (٥/ ٢٨١)؛ ديوان الأعشى ص ١١؛ ديوان عمرو بن كلثوم ص ٧١].
(٣) البيت للمُثَقِّب العَبْدي يذكر ناقته وهو في ديوانه ص ١٩٥. وقد ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (١٤/ ١٥٩)؛ ولسان العرب (١٣/ ١٦٩ - دين)؛ ومجمل اللغة (٢/ ٢٦٦).
(٤) وبه قال الزمخشري وابن عطية، وقيل: إنه مرفوع بالابتداء والخبر محذوف، وقيل: =
[ ٢ / ٤٧١ ]
﴿أَسْلَمْتُ﴾ جوابًا لهم من أوجه أربعة:
أحدها. أنهم حاجّوه في عبادة المسيح فقالى: بل أسلم وجهي لمن استوجب العقول عبادته ضرورة ولا أعبد غيره اشتباهًا ومنية.
والثاني: أنهم أقروا بوجوب عبادة الله فسلموا له دعواه ثم ادعوا عبادة آخر معه فأجابهم بأنه أخذ المجموع دون المختلف ديه.
والثالث: أنهم الحق في لزوم سير (١) معهودة بعضها منسوخ (٢) وبعضها
بدعة، فقال -﵇-: "بل الحق في الانقياد لله فيما يمحو أو (٣) يثبت".
والرابع: أنه أعرض (٤) عن جدالهم وأخبر بما يقطع جدالهم كقول موسى -﵇- حيث قال فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الشعراء: ٢٧، ٢٨].
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ بمعنى الأمر (٥) كقوله (٦): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، ومثل: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٧) [هود: ١٤] و﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافات: ٥٤]، و﴿الْبَلَاغُ﴾ اسم من التبليغ كالعذاب والتعذيب والكلام من
_________________
(١) = إنه منصوب على المعية، والواو بمعنى "مع" أي: أسلمت وجهي لله مع من اتبعني، قاله الزمخشري. [الكشاف (١/ ٤١٩)، المحرر (٣/ ٤٣)؛ البحر المحيط (٢/ ٤١٢)].
(٢) في "أ": (سيرة).
(٣) (بعضها منسوخ) ليست في "ب".
(٤) في "ب" "أ": (و).
(٥) في "ب" "ي" والأصل: (إعراض).
(٦) أي أنه استفهام بمعنى الأمر، والتقدير: أسلموا. كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المَائدة: ٩١] التقدير: انتهوا. فهو بمعنى- كما قال الزمخشري-: أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإِسلام ويقتضي حصوله لا محالة، فهل أسلمتم بعدُ أم أنتم على كفركم. [الكشاف (١/ ٤١٩)، معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥٢)].
(٧) في "أ": (كقولهم).
(٨) (وقيل أنتم مسلمون) بياض في "أ".
[ ٢ / ٤٧٢ ]
التكليم، وتبليغ الرسالة أداؤها وإيصالها، وفي قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ تمهيد لعذر النبي -﵇- بعد البلاغ، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ معنى التهديد.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ عن أبي عبيدة بن الجراح أن بني إسرائيل قتلوا من أول النهار في ساعة واحدة ثلاثة وأربعين نبيًا، فقام إليهم مائة رجل من الصّالحين ينهونهم فقتلوهم أيضًا (١). وقد قتلوا زكريا ويحيى ﵉ (٢) وسعوا في قتل المسيح -﵇- (٣) أبلغ سعي، وسمّوا نبينا -﵇-. والفاء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٤) على الجزاء ليضمن الاسم الموصول نوعًا من الشرط.
حبوط عملهم في الدنيا أنه لم يفعلوا حسنًا، وحبوطه في الآخرة بطلان الثواب. ﴿نَاصِرِينَ﴾ من عذاب الله تعالى، وإنّما جمع ناصرين لنظم الآي.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام يقتضي ذم المستفهم عنه كما تقول: ألم تر إلى خبث فلان، ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما بقي من التوراة مصونًا عن التحريف والتبديل بتغيير اللفظ أو التأويل، ﴿إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ جميع (٥) التوراة (٦)،
_________________
(١) حديث أبي عبيدة بن الجراح أخرجه البزار في مسنده (١٢٨٥)؛ والطبري في تفسيره (٥/ ٢٩١)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢٠)؛ والبغوي في تفسيره (٢/ ٢٠)؛ ولفظه: قلت: يا رسول الله: أي الناس أشدُّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: "رجل قَتَلَ نبيًا أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف" ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ٢١] ثم قال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا عبيدة، قَتَلَتْ بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار، في ساعة واحدة، فقام مائةُ رجل واثنا عشر رجلًا من عُبَّاد بي إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله -﷿-".
(٢) ذكر الطبري في تفسيره أنهم قتلوا زكريا وابنه يحيى ﵉. [الطبري (٥/ ٢٨٩)].
(٣) (السلام) من "ب" "أ".
(٤) (بعذاب) من "أ".
(٥) في "ب": (جمع).
(٦) في الأصل و"أ" "ي": (التورية).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وقيل: هو القرآن المعجز (١)، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ بإسلام إبراهيم، ونعت نبينا -﵇- (٢)، وآية الرجم وسائر ما خوطبوا به من أمر الدين، وإنما أكّد التولي بالإعراض لأن من المؤتمرين من يتولى عن الأمر وينصرف (٣) من عنده مقبلًا على الطاعة فنفى هذا الإيهام.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ تعليل لجرأتهم بقولهم الذي اختلفوا فيه ثم اعتقدوه، ﴿وَغَرَّهُمْ﴾ خدعهم، و﴿مَا﴾ في محل رفع (٤) لإسناد الغرور إليه مجازًا (٥).
﴿فَكَيْفَ﴾ في هذا الموضع لتفخيم الأمر وتهويله، والمستفهم عنه مضمر تقديره: كيف يصنعون أو كيف يحتالون أو كيف يعتذرون.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قيل أن رسول الله (٦) أخبر أصحابه يوم الخندق بفتح فارس وملك الروم، فقال بعض المنافقين: هذا الرجل ليس يأمن في (٧)
_________________
(١) الذي يظهر أن المراد بكتاب الله في هذه الآية هو التوراة، والذي يدل على ذلك سبب النزول، فقد أخرج الطبري في تفسيره بسند حسن (٥/ ٢٩٣) والواحدي في أسباب النزول ص ٧٠؛ والبغوي في تفسيره (٢/ ٢١)؛ وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (١/ ١٧٩) عن ابن عباس قال: دخل رسول الله - ﷺ - بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمَّد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه". فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. فقال لهما رسول الله - ﷺ -: "فهلمُّوا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم" فأبيا عليه، فأنزل الله -﷿-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ [آل عِمرَان: ٢٣] وهذا الذي رجحه ابن جرير في تفسيره.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ي" "ب": (فينصرف).
(٤) في "ي" "أ": (الرفع).
(٥) يجوز أن تكون "ما" مصدرية أو موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف. والتقدير: الذي كانوا يفترونه.
(٦) في "ي": (قيل أن الله ) وهو خطأ.
(٧) (في) من "ي" "ب".
[ ٢ / ٤٧٤ ]
بيته حتى صار يحتدق على نفسه ثم يطمِع في ملك الملوك! فأنزل الله الآية (١) تنافيه معنى الدعاء والسؤال، و﴿اللَّهُمَّ﴾ في الأصل: يا الله، فعلّق بآخره الميمان بدلًا عن حروف النداء عند البصريين. وقال الفراء: أرى أن الميم في آخره بقية كلام وتقديره: يا الله أم بالخير، أي: اقصد، مثل هلم إلينا، وقيل: ميم جمع ألحقت بالاسم وذلك جمع الخلق (٢)، و﴿اللَّهُمَّ﴾ على هذا آله الخلق وآله العباد زيدت ميم أخرى للتأكيد أو زيادة كما زيدت في عبثم ونحوه.
وعن الحسن أن ﴿اللَّهُمَّ﴾ مجمع الدعاء. وعن أبي رجاء العطاردي: في هذا جماعة سبعين (٣) اسمًا من أسماء الله تعالى. وعن النضر بن شميل (٤): من
_________________
(١) أخرج الطبري في تفسيره (٥/ ٣٠٣) وابن أبي حاتم (٢/ ٦٢٤) عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله - ﷺ - سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ ﴾ [آل عِمرَان: ٢٦] وهذا إن صحَّ فهو قريب مما ذكره المؤلف في سبب النزول، لكن الانقطاع فيه ظاهر بين قتادة والنبي - ﷺ -.
(٢) قال الفراء: "اللهم" كلمة تنصبها العرب، وقد قال بعض النحويين [منهم الخليل كما ذكره سيبويه]: إنما نصبت إذ زيدت فيها الميمان لأنها لا تنادى بـ"يا" كما تقول: يا زيد، فجعلت الميم فيها خلفًا من "يا". ومنه قول الراجز: وما عليكِ أن تقولي كُلَّمَا صلَّيتِ أوسَبَّحتِ يا اللهم ما أُرْدُدْ علينا شيخنا مُسَلَّمَا وهذا خاص بهذا الاسم الشريف - الله- ولا يجوز في غيره، ولذا لا يجوز الجمع بينها وبين حرف النداء في هذا الاسم، فلا تقل - يا اللهمَّ-، وهذا رأي البصريين إلا أنهم أجازوا الجمع في ضرورة الشعر كما في البيت السابق. وأما الكوفيون فقالوا: الميم المشددة بقية فعل محذوف تقديره: أُمَّنَا بخير. أي: اقصدنا به من قولك أَمَّمْتُ زيدًا: أي قصدته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المَائدة: ٢] أي: قاصديه. وهذا رأي الفراء كما ذكره المؤلف. والكلام يطول حول هذه الكلمة وما فيها من أحكام ليس هذا مقام بسطها. [معاني القرآن للفراء (١/ ٢٠٣)؛ الكتاب (١/ ٣١٠)؛ الدر المصون (٣/ ٩٧)؛ الطبري (٥/ ٢٩٩)].
(٣) في "ب": (سبعين ألفًا) وهو خطأ.
(٤) في "ب": (النضر بن محمَّد بن شميل) وهو خطأ.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
دعا بهذا الاسم فقد دعا الله بجميع أسمائه (١)، ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الذي يكون له المملكة وملك اليمين، ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ أي: البسطة والسلطان، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ تجذبه وتسلبه، ﴿وَتُعِزُّ﴾ تجعله عزيزًا من أي وجه كان دنياويًا كان أو عقباويًا، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ تجعله ذليلًا من أي وجه كان، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: تحت يدك وسلطانك وتصرفك وإحداثك، وإنما خص الخير دون الشر لمعنيين:
أحدهما: أن الله يوسف بأنه رب محمَّد ورب إبراهيم ولا يحسن أن يوسف برب الكلب والخنزير إلا عند العموم.
والثاني: أن كل فعل لا يقع منه إلا حميدًا فيه نوع مصلحة عاجلًا أو (٢) آجلًا، والذم ينصرف إلى المكتسبين للأفعال (٣).
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الإيلاج: الإدخال، فالله تعالى يدخل بعض ساعات الليل في النهار إذا قدر طلوع الشمس بالصيف في البروج
_________________
(١) ورد في هذه الآية عنه ﵊ فيما رواه ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا، قال ﵊: "اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب في هذه الآية" ثم قرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ [آل عِمرَان: ٢٦] الآية. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٧٩٢) بسند ضعيف، وله شاهد عند ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٦٣)، والفريابي في فضائل القرآن (١٨٤/ ١)، وغيرهم. وصححه العلامة الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة (ح ٧٤٦/ص٣٨٢).
(٢) في "ي": (أو)، وفي البقية: (و).
(٣) الاقتصار على الخير دون ذكر الشر وارد استعماله في الكلام العربي، ومنه قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد. ومنه قول الشاعر [ينسب لامرىء القيس]: كأنَّ الحصى من خلفها وأمامها إذا نجلته رِجْلُهَا حذفُ أَعْسَرَا أي: رجلُها ويدُها. وقول الفرزدق: تَنْفي يداها الحصى في كلِّ هاجرةٍ نفي الدراهيمِ تنقادُ الصَّيَارِيفِ أي: يداها ورجلاها. وقيل: خُصَّ الخير هنا لأن المقام مقام ترجي الخير من الله. [التحرير والتنوير (٣/ ٢١٤)؛ ديوان امرئ القيس ص ٦٤؛ ديوان الفرزدق ص ٥٧٠؛ الكتاب (١/ ١٠)].
[ ٢ / ٤٧٦ ]
الشمالية، ويدخل بعض ساعات النهار في الليل إذا قدر طلوع الشمس بالشتاء في البروج الجنوبية، ويجعل كل النهار ليلًا (وكل الليل نهارًا) (١) بتفاوت الحساب بين السنة القمرية والسنة الشمسية، ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الجماد كالطير من البيض، والنفس من النطفة، والدود من الأنداء، والعاقل من السفيه، والمؤمن الولي من الكافر العدوّ، ويخرج الجماد من الحي كالشعر والنطفة والبيض من الحيوان، والسفيه من العاقل، والكافر العدو من المؤمن الولي.
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ نهى عن (٢) المغابنة فلايكن من دون المؤمنين، أي: مع موالاة المؤمنين إلا أنه يقتضي نوع حقًا (٣) وامتياز كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٣]، وذلك إشارة إلى اتخاذ الأولياء ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن دين الله كقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ويحتمل: ليس من رحمة الله وإثابته، ﴿فِي شَيْءٍ﴾ ثم استثنى (٤) من أظهر (٥) موالاتهم خوفأ على نفسه كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
روي أن قريشًا (٦) كلفوا عمارًا وأصحابه على شتم رسول الله - ﷺ - (٧)، ففعل عمار وأصحابه ثم أخبروا رسول الله - ﷺ - (٨) فصوّبهم جميعًا.
_________________
(١) ما بين () ليست في الأصل وأثبتناها من بقية النسخ.
(٢) المثبت من "أ"، وفي بقية النسخ: (على).
(٣) (حقًا) من "ي" "أ".
(٤) في "ب": (استثناه).
(٥) في "ب": (ظهر).
(٦) في "ب": (الصحابة) وهو خطأ.
(٧) (ﷺ) من "ب".
(٨) (ﷺ) من "ب"، وفي الأصل: (صلى عليه)، وفي "أ": (صلى عليه وسلم) وفي "ي": (صلى الله عليه).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وأخذ مسيلمة (١) الكذاب رجلين من المسلمين فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. [قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وقال للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم] (٢). قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمّ، فكرر عليه قوله مرارًا والرجل يقول قوله، فأمر بضرب عنقه، ولما سمع ذلك رسول الله -﵇- (٣)، قال: "أما الأول، فقبل رخصة الله تعالى، وأما الآخر فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئًا له" (٤). والاختيار الثبات لأنه من عزائم الأنبياء لم يكن له رخصة في التقية قط والأخذ به أولى، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ ينذركم ويأمركم أن تتقوا مقته وسخطه.
﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ "يوم" نصب على الظرف لأحد الأشياء الأربعة:
أحدها: الخبر الذي في ليس (٥).
_________________
(١) في جميع النسخ: (مسلمة) وهو خطأ، والمثبت من "أ".
(٢) ما بين []، ليست في "أ".
(٣) المثبت من "ب"، وفي الأصل و"أ": (رسول الله -﵇-)، وفي "ي": (رسول الله عليه).
(٤) لم أعثر على هذه القصة في كتب التفسير التي بين يدي، والمعروف في سبب نزول آية "البقرة" وآية "النحل" ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦] أنهما نزلتا في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت على الإِسلام بعضهم، وافتتن البعض الآخر، فروى أبو عبيدة بن محمَّد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه حتى جاراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان. قال النبي - ﷺ -: "فإن عادوا فَعُد". [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٣٧٤) وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٦٠)؛ وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٤٩)؛ والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٧). وقال الحافظ في الفتح: مرسل رجاله ثقات، وله طريق عند البيهقي في السنن (٨/ ٢٠٨)، وهو مرسل أيضًا].
(٥) وهذا بعيد جدًا أن ينتصب بالخبر الذي في ليس لأن واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها - قاله ابن الأنباري- كما أن ما بين الظرف وناصبه معترضًا وهو كلام طويل والفصل بمثله مستبعد. [الدر المصون (٣/ ١١٤)].
[ ٢ / ٤٧٨ ]
والثاني: المصير (١).
والثالث: العقاب المضمر بالتحذير (٢).
والرابع: الجر في فحوى يعلمه (٣) الله.
﴿وَمَا﴾ في محل النصب لوقوع الوجود أو الود عليه (٤)، والأمد: الأجل والغاية نصب بأن، والكافر إنما يتمنى بُعد الأمد كما يتمنى طول الأجل ولا محيص، و(إحضار الأعمال) إحضار ثوابها وإحضارها في جوهر قابل لها كالمرآة يقبل الصورة أو كان العرض عينًا قائمة.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ﴾، (إن) كانت في شأن المؤمنين فـ (إن) (٥) بمعنى إذ، وإن كانت في شأن الكفار فإن للشرط على قضية زعمهم (٦).
﴿اصْطَفَى آدَمَ﴾ أبونا صفي الله ﴿وَنُوحًا﴾ وهو ابن ليك بن متوشالخ بن أنوخ، وأنوخ هو إدريس -﵇- بن الياردين بن مهلايل بن فتبين بن
_________________
(١) وإلى هذا ذهب الزجاج وابن الأنباري ومكي وغيرهم، وهذا ضعيف على قواعد البصريين للزوم الفصل بين المصدر ومعموله بكلام طويل. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٣٩٩)؛ المشكل (١/ ١٣٤)].
(٢) أي أن العامل فيه "عقاب" وهو الذي ذهب إليه أبو البقاء العكبري. [الإملاء (١/ ١٣٠)].
(٣) في الأصل: (نقله).
(٤) أي أن "ما" مصدرية، ويكون المصدر حينئذ واقعًا موقع المفعول في محل نصب، والتقدير: يوم تجد كل نفس عملها أي معمولها، وهذا قول الجمهور. ويجوز أن تكون "ما" موصولة والعائد مقدر، والتقدير: ما عملته، وهو الذي ذهب إليه الطبري. [الدر المصون (٣/ ١١٦)؛ الطبري (٥/ ٣٢٢)].
(٥) (فإن) من "أ".
(٦) الذي يظهر من سبب النزول وهو الذي رجحه ابن جرير في تفسيره أن هذا أمر من الله لنبيه محمَّد - ﷺ - أن يقول لوفد نجران وهم من النصارى: إن كان هذا من قولكم -يعني في عيسى -﵇- حبًا وتعظيمًا له ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ٣١]، وسبب النزول هذا رواه محمَّد بن جعفر بن الزبير. [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٣٢٦)].
[ ٢ / ٤٧٩ ]
أنوش بن شيت النبي -﵇-، ونوح اسم أعجمي سمي نوح لكثرة نياحته وبكائه من خشية الله تعالى، بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ولم يؤمن به إلا شرذمة، ولما أتاح الله له النصرة والفرج أوحى الله إليه أن اصنع الفلك على ما سنذكره، ثم إنه لما خرج من السفينة وعاد إلى الدنيا بهجتها نشر الله ذريته في أقطار الأرض من بنين ثلاثة:
سام (١) وهو ولي (٢) عهد أبيه وولده (٣) إرم وأرفخشد (٤).
ويافث وهو المبرّك المرضي وولده الترك والخزر والأسبان والصقالب ويأجوج ومأجوج.
وحام وهو الطريد المدعو عليه وولده قرط وكوش وكنعان منهم الهند والسند والسودان.
وأما عمران قيل: هو أبو موسى وهارون، وقيل: هو جد عيسى ويحيى (٥)، وهذا أصح (٦).
واصطفاهم بالرسالة لقوله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وتخصيص الأربعة لأن كل واحد أصل موصل بافتتاح وحي بعد فترة وغاية في الإسناد والانتشار والاعتراف.
والعالم (٧) الذي اصطفى الله آدم عليهم هم (٨) الملائكة المأمورون
_________________
(١) (حام ويافث) من "أ"، وهو خطأ
(٢) في الأصل: (في).
(٣) في الأصل: (والده)، وهو خطأ.
(٤) انظر: تاريخ الطبري (١/ ٢٠٣)، المنتظم (١/ ٢٤٨).
(٥) في "ب": (يحيى وعيسى).
(٦) وهو الذي رجحه ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٤١) ثم ذكر نسب عمران نقلًا عن ابن إسحاق حتى أرجع نسبه إلى سليمان بن داود -﵉-.
(٧) في "ب": (العالم) بدون الواو.
(٨) (هم) ليست في "ب".
[ ٢ / ٤٨٠ ]
بالسجود، وأمره بأن ينبئهم بأسماء الأشياء ﴿ذُرِّيَّةً﴾ نكرة نصب على البدل (١) ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لمقالة امرأة عمران حنَّة (٢).
وعمران هو ابن ماثان بن إلياقيم (٣) من ولد داود (٤) من أشراف بني إسرائيل وعبَّادهم، وكان صهرًا (٥) لزكريا النبي -﵇-. إيشاع (٦) أخت مريم و(المحرر) الذي تجرد للعبادة. ويكون حبيسًا (٧) لخدمة المسجد [لا يعمل للدنيا فهو المعتق في اللغة، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لأن الذكر يمكنه لزوم المسجد] (٨) عامة أحوالِهِ. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ عارض تلفظت به لحاجة في نفسها وليس بمتصل بالدعاء، فمن قاله جعل مريم من أسماء الأعلام، وقيل: هو متصل بالدعاء، ومريم التي لا تريد الرجال، وقيل: لا تطاوع في الشر. وعن أبي هريرة أن النبي -﵇- قال: "ما من مولود إلا ويمسُّه الشيطان حين يولد ولذلك يستهلُّ (٩) صارخًا إلا مريم وابنها" (١٠). وهذا عموم بمعنى الخصوص لأنَّه روي أنَّ الملائكة (١١) نزلت يحرسون نبينا -﵇-
_________________
(١) وقيل إن "ذريةً" منصوبة على الحال، والتقدير: اصطفاهم حال كونهم بعضهم من بعض، والعامل فيها "اصطفى". [الدر المصون (٣/ ١٢٩)].
(٢) هي حنة بنت فاقود بن قبيل والدة مريم، انظر: قصص الأنبياء لابن كثير ٥٠٠٨.
(٣) في الأصل: (يعاقيم) وهو خطأ، وهو ليس والد (ماثان) بل هو أحد أجداده، كما في رواية ابن عساكر التي ذكرها ابن كثير في قصصه ٥٠٨.
(٤) ذكر الطبري نسب عمران فقال: هو عمران بن ياشهم بن أمون بن منش ابن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهفاشاط بن أيشا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن أيشا. [الطبري (٥/ ٣٣١)].
(٥) في الأصل: (منهم)، وفي "أ" وجد بياض.
(٦) كتبت في كل النسخ (بايلشفاع)، وهو خطأ والتصحيح من المصادر، انظر: ابن عساكر تاريخ مدينة دمشق (٦٤/ ١٦٨)، والمناوي في فيض القدير (١/ ٤٨).
(٧) في الأصل: (جليسًا).
(٨) ما بين []، من "ي" فقط.
(٩) في الأصل و"أ": (يهتل)، وهو خطأ.
(١٠) رواه البخاري (٤٥٤٨)؛ ومسلم (٢٣٦٦).
(١١) في "ب": (لأن الملائكة).
[ ٢ / ٤٨١ ]
حين ولد، وروي أنَّ فاطمة الكبرى (١) وضعت عليًا في جوف الكعبة (٢) ولا سبيل للشيطان إليها (٣).
﴿بِقَبُولٍ﴾ ولم يقل بتقبل لأنهما بمعنى، وكذلك لم يقل إنباتًا لأن في النبات معنى الإنبات كقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]، ولم يقل: معاهدة، وقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ [البقرة: ٢٣٦] في آية المتعة ولم يقل (٤): تمتعًا، وقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يقل: بتداين.
(الكفالة) قبول في معنى الضمان، و(المحراب) الصومعة سميت لبعد ارتفاعها وكونها منفردة منقطعة، ومنه سمي القصر محرابًا، وسمي صدر المسجد محرابًا (٥)، و(الرزق) الذي كان يجيئها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء (٦).
عن ابن (٧) عباس والضحاك ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، وعن الحسن أنه كان يأتيها من الجنة، وفي هذا أبين دلالة على جواز كرامة الأولياء من عند الله مِنْ قضائه وحكمته.
_________________
(١) هي أم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أول هاشمية ولدت من هاشمي.
(٢) ذكر الحاكم في مستدركه ذلك قائلًا: (وقد تواترت الأخبار ) (٣/ ٥٥٠).
(٣) لم أجد أصلًا لهذا الأثر ولا أظنه يثبت سيما أنه لا يوجد لفاطمة ولد اسمه علي، ولذا ذكر المؤلف هذا الأثر بصيغة التمريض "رُوِيَ".
(٤) في الأصل و"ي": (وقوله).
(٥) قال أبو عبيدة: المحراب: هو أشرف المجالس ومقدمها، وهو كذلك من المسجد. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو القصر لعلوِّه وشرفه. وقال الأصمعي: هو الغرفة، وأنشد قول امرئ القيس: وماذا عليه أَنْ ذكرتُ أوانسًا كغزلانِ رملٍ في محاريب أقيالِ وقيل: هو المحراب من المسجد المعهود، وهو الأظهر في الآية. [مجاز القرآن (١/ ١٩)؛ ديوان امرئ القيس ص ٣٤؛ الدر المصون (٣/ ١٤٤)]
(٦) روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وقتادة والربيع. أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤٥)؛ والطبري (٥/ ٣٥٤)؛ وأخرجه اللالكائي في كرامات الأولياء ص ٧٠ - ٧٧ عن سعيد بن جبير ومجاهد وجابر بن يزيد والنخعي وقتادة والربيع وعطية والسدي والثوري.
(٧) في "أ": (بن).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يحتمل أن يكون إخبارًا من قول مريم ويحتمل أن يكون كلامًا مستأنفًا.
﴿هُنَالِكَ﴾ من الأسماء المشار بها إلى الظروف، فهنا أقرب وهناك بعده وهنالك أبعد منه كذا وذاك وذلك، وحقيقتها للأماكن وقد تستعمل في الأزمنة لإيهامها. ﴿دَعَا﴾ لما شاهد كرامة مريم ازداد رجاء أن يرزقه الله ولدًا حالة الشيخوخة وإن كان مخالفًا للعادة، ﴿طَيِّبَةً﴾ اعتبار اللفظ أُنّث النعت وذكر الفعل اعتبارًا بالمعنى.
﴿فَنَادَتْهُ﴾ قيل: ملك من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، وقيل: ناداه جبريل ذكره بلفظ الجمع تشريفًا له (١)، (يحيى) اسم لا ينصرف للعلمية أو للمضارعة مع التعريف (٢)، ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب على القطع أو الحال بكلمة عيسى -﵇- (٣) أو الإنجيل أو وحي [اختص يحيى -﵇- بتصديقه من قبل أبيه أو من قبل نفسه، ﴿وَسَيِّدًا﴾ إمامًا ورئيسًا، ﴿وَحَصُورًا﴾ لا يشتهي النكاح عن ابن مسعود (٤)، وذلك لغلبة حالة الخوف عليه، والأنبياء من كان يخشع مرة] (٥) ويبتهج أخرى، ﴿وَنَبِيًّا﴾ من الأنبياء، وقيل: على التقديم والتأخير: وحصورًا من الصالحين ونبيًّا، إلا أنه قدم وأخر النظم.
_________________
(١) ويشهد لذلك قراءة ابن مسعود - ﵁ -: ﴿فناداهُ جبريل وهو قائم يصلي في المحراب﴾ وكما ذكر المؤلف أنه جائز أن تخبر بالجمع وتريد به الإفراد للتشريف أو لغرض آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٣]، والقائل هو واحد، وهو نعيم بن مسعود.
(٢) قوله للمضارعة: أي وزن الفعل. فـ"يحيى" ممنوعة من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وهذا ما قاله الزجاج وغيره، وقيل: إنه اسم أعجمي لا اشتقاق له، فيكون منعه من الصرف للعلمية والعجمى، وعلى كلا القولين يجمع على يَحْيَوْن بحذف الألف. [البحر (٢/ ٤٣٣)؛ شرح الكافية الشافية لابن مالك (٤/ ١٨٠)].
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٣٧٧)؛ والبيهقي في سننه (٧/ ٨٣)؛ وابن عساكر في تاريخه (٤/ ١٧٥)].
(٥) ما بين []، من "ب" "ي" "أ"، وأما في الأصل فكتب: (اختصت يحيى -﵇- وكان غيرهما يتقلب في حالة الخوف والرجاء يخشع مرة).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وإنما قال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ طمعًا منه أن يعيده الله شابًا وامرأته شابة أو ليريه آية من طريق المشاهدة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أو لم يعلم أن الغلام المبشر يكون من امرأته هذه (١) () (٢) أنه من غيرها أو يأمره الله باتخاذ ولد ولده غيرهما، و(الغلام) الصبي و(العاقر) التي يهلك النسمة في رحمها لانسداد وخلل في طبيعتها ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كما ذكرنا، وقيل: عمد جبريل إلى سعفة يابسة فحركها فصارت رطبة، فالتشبيه وقع بها، وقيل (٣): كذلك تقدير كلام السائل مجازًا على وجه الرفق، ﴿اللَّهُ﴾ رفع بالابتداء.
﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ كسؤال إبراهيم، وقيل: كان (٤) من حين استجيب له إلى أن حبلت امرأته أربعون سنة، فطلب الآية ليعلم أوان الحبل، ﴿رَمْزًا﴾ إيحاءً (٥)، ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ العشية وهي مدة ما بين العصر إلى العشاء الآخرة، وقيل: من الظهر إلى العشاء، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ صيرورة الزمان بكرة، وهي وجه النهار مقدمه ومنه الباكورة.
﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾ واو استئناف بدل عن الأول، ﴿اصْطَفَاكِ﴾ لولادة عيسى من غير زوج، وقيل: هذا الاصطفاء بدل عن الاصطفاء الأول (٦)، ﴿نِسَآءِ
_________________
(١) (هذه) ليست في "ب".
(٢) بياض في جميع النسخ.
(٣) (بها وقيل) ليست في "ب".
(٤) في الأصل و"ي": (كان جبريل) والأصل حذف كلمة جبريل.
(٥) قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عِمرَان: ٤١] فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وقد يقال للخفي من الكلام الذي هو مثل الهمس بخفض الصوت: الرمز. ومنه قول جُؤَيَّة بن عائذ: وكانَ تَكَلُّم الأبطال رَمزًا وهمهمةً لهم مِثْلَ الهديرِ وأما المراد بالرمز الذي في الآية فهو تحريك الشفتين من غير أن يرمز بلسانه بكلام، وهو قول مجاهد. وذهب ابن عباس إلى أن يكلم الناس بيده أي بالإشارة. [الطبري (٥/ ٣٨٨)، ابن عساكر في تاريخه (٩/ ٥٢)].
(٦) كرر الاصطفاء في الآية رفعًا من شأنها، قال الزمخشري: اصطفاك أولًا حين تقبلك من أمك ورَبَّاك واختصَّك بالكرامة، واصطفاك آخرًا على نساء العالمين بأن وهب لك =
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الْعَالَمِينَ﴾ عالمي زمانهم، ومعنى التطهير: من العيوب والذنوب، وقيل: من الحيض والأدناس، وقيل: من مسيس الرجال (١)، وتقديم السجود لا يوجب تقديمه على الركوع لأن الواو للجمع والاشتراك دون الترتيب لأن الواو في الاسمين المختلفين كالنسبة في المتفقين وإنما بدىء في الصفا لقوله: "ابدأوا بما بدأ الله" (٢) ذلك إشارة إلى البناء المذكور.
والهاء في ﴿نُوحِيهِ﴾ عائدة إليه، و(الوحي) إعلام في السر، والخطاب يوجب العلم ضرورة ﴿يُلْقُونَ﴾ الإلقاء الطرح والإيقاع، (القلم) القدح سمي به لأنه يبرى، ومنه سمي السهم قلمًا، وقلم الكاتب قلمًا، ومنه (٣) تقليم الأظفار، والقصة في ذلك أنّ عباد مسجد بيت المقدس وأحباره تنازعوا في كفالله مريم وضربوا بالقداح فخرج سهم زكريا -﵇- (٤)، وقيل: كانت لهم أقلام من الحديد يكتبون بها وحي الله تعالى فألقوها في الماء فطفا قلم زكريا ورسب سائر الأقلام (٥)، وإنما جعل الله هذا الخبر إعجازًا لنبينا -﵇- (٦)؛ لأنَّ هذا النوع من العلم لا يستفاد إلا بالقراءة والكتابة أو بمجالسة أهل العلم أو بوحي من عند الله، وقد عدم منه الوجهان الأولان، فتعين الثالث.
_________________
(١) = عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. اهـ. ولذا قال ﵊ فيما رواه علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا: "خير نساء الجنة مريم بنت عمران". [أخرجه البخاري (٣٤٣٢)؛ ومسلم (٢٤٣٠)؛ والترمذي (٣٨٧٧) وغيرهم]. [تفسير الطبري (٥/ ٣٩٣)؛ الكشاف (١/ ٤٢٩)].
(٢) في الأصل: (الرجل).
(٣) رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر.
(٤) في "ب": (ومنهم).
(٥) روي ذلك عن ابن عباس وقتادة، وفيه: وكان زكريا زوج أختها فكفلها زكريا. [أخرجه الطبري (٥/ ٤٥٤)؛ وابن أبي حاتم (٢/ ٦٥٠)].
(٦) الذي يظهر أن الأقلام كانت من الخشب وليست من الحديد، وهو الذي تدل عليه رواية الربيع بن أنس، ولم أجد أحدًا ذكر أن عصيَّهم كانت من الحديد. [الطبري (٥/ ٣٤٨)؛ ابن أبي حاتم (٢/ ٦٥٠)].
(٧) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
﴿بِكَلِمَةٍ﴾ روح، والروح جوهر لطيف مَسموع بسمع ما فعله الله من غير شيء وأودع كلامه الذي قاله وتكلم به فهو من كلام الله كالنفس من كلام خلقه، ومزية الروح على الريح كمزية النفس على التراب والحياة تركب هذين الجوهرين. وإنما سمي (مسيحًا) لأنّ زكريا مسحه بالدهن ودعا له بالبركة أو (١) لأنه تمسّح بصنع يحيى بن زكريا من ماء الأردن أو لمساحه الأرض بسياحته فيها أو لأنه كان يمسح التراب فينام عليه بلا فراش ولا بساط أو لأنه كان يمسح الأكمه والأبرص فيبرآن (٢) بإذن الله تعالى، أو كان أمسح القدمين غير أخمصهما (٣). ﴿وَجِيهًا﴾ الوجيه ذو القدرة والجاه ﴿الْمُقَرَّبِينَ﴾ المخصوصين بإمامة الأولياء والخطاب والتوفي من غير موت والتجلي.
﴿وَيُكَلِّمُ﴾ صفة، أي: ومكلمًا في المهد، أي: في حالة الرضاعة حيث قال: إني عبد الله، ﴿وَكَهْلًا﴾ نصب على الحال. والفائدة أنه ولد لثمانية أشهر والعادة جارية أن المولود لثمانية أشهر لا يعيش، وقيل: الفائدة أنه رفع وهو شاب فيكلم الناس كهلًا حين ينزل، والكهل الذي تم شبابه وقارب الشيخوخة وحدّ ذلك بثلاث وثلاثين سنة. واكتهل النبت إذا تم طوله (٤).
_________________
(١) في الأصل: (ولأنه).
(٢) في الأصل و"ي": (فيبرأ).
(٣) اختلف أهل اللغة في سبب تسمية المسيح بهذا الاسم، فقال أبو بكر الأنباري: سمي عيسى مسيحًا لسياحته في الأرض. وقال أبو العباس ثعلب: سمي مسيحًا لأنه كان يمسح الأرض أي: يقطعها، والقولان متقاربان في المعنى. وروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه سمي بذلك لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ. وذكر الأزهري في تهذيبه أنه سمي بذلك لأنه كان أمسحَ الرِّجْل ليس لرجله أخمص، وذكر قولًا آخر أنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن. [المحكم لابن سيده (٣/ ٢١٨)؛ تهذيب اللغة (٤/ ٣٤٧)؛ اللسان (مسح- ٣/ ٤٣١)].
(٤) الكهولة هي إحدى المراحل التي يمر بها الإنسان، فما دام هو في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولد فهو وليد، وما دام يرضع فهو رضيع، فإذا بلغ الفطام فهو فطيم، وإذا لم يرضع فهو محوش، فإذا دَبَّ فهو دارج، فإذا سقطت رواضعه فهو ثغور، فإذا نبتت =
[ ٢ / ٤٨٦ ]
﴿بَشَرٌ﴾ إنسان، روي أن زكريا زوّجها من يوسف بن داود النجار، فلما (١) صارت إليه وجدها حبلى قبل أن يباشرها فكف عنها، وكان رجلًا صالحًا فكره أن يغشى عليها وائتمن أن يسرحها خفية، فتزايا له ملك في النوم وبشره بأمر عيسى حقيقة ففرح وسكن إلى أن ولدت، ثم حملها وابنها إلى ناصرة خوفًا من آجاب الملك، وقيل: من هوادش الملك (٢).
﴿وَرَسُولًا﴾ عطف على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ (٣)، ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أي: قائلًا إني قد جئتكم، ويحتمل أنه أراد به (٤) الرسالة؛ لأنّ الرسالة في معنى القول والخلق ها هنا بمعنى (٥) التأليف والتصوير دون التكوين (٦)، ﴿الطِّينِ﴾
_________________
(١) = بعد إسقاطه فمثغور، فإذا جاوز العشر فمترعرع وناشىء، فإذا لم يبلغ الحلم فيافع ومراهق، فإذا احتلم فهو حَزَوُّر، والغلام يطلق عليه في جميع أحواله، فإذا اخضرَّ شاربه فهو بأقل، فإذا صار ذا لحية ففتيّ وشارخ، فهذا كملت لحيته فهو مُتَجَمِّع، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شاب، ومن الأربعين إلى الستين كهل، أي دون الشيخوخة، فعيسى -﵇- يكلِّم الناس في المهد كتكليمه لهم كهلًا، وبهذا قال قتادة والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير. ويقال للمرأة: كهلة. [الطبري (٥/ ٤١٢)؛ ابن أبي حاتم (٢/ ٦٥٢)؛ الدر المصون (٣/ ١٨٠)].
(٢) في "ب": (فلما وصلت صارت).
(٣) هذه القصة من قبيل الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب كما مر بنا، كما أنني لم أعثر عليها في كتب التفاسير التي بين يدي، وقد تكرر من المؤلف الجرجاني نقله العديد من القصص والأخبار التي لم نعثر لها على أصل في كتب المصادر والمراجع.
(٤) وأجاز الزمخشري وابن عطية وغيرهما أن يعرب "رسولًا" حالًا كأنه عطف على "يعلمه" بالمعنى. وقيل إن "رسولًا" مفعول به لفعل محذوف التقدير: ويجعله رسولًا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحَشر: ٩] أي: واعتقدوا الإيمان. وقول الشاعر [وهو منسوب لذي الرمة]: علفتها تِبْنًا وماءً باردًا حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها أي: وسقيتها ماءً باردًا، وهذا اختيار النحاس في إعرابه. [الدر المصون (٣/ ١٨٦)؛ إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس (١/ ٣٣٤)].
(٥) في "ب": (ويحتمل أنه أرادا الرسالة).
(٦) في "ب": (هاهنا حتى التأليف).
(٧) الأصل أن صفة الخلق ينفرد بها الخالق ﷾، ولكن أراد المولى -﷿- أن تكون معجزة لنبينا عيسى -﵇- فينفخ في الطير الذي كوَّنه من هذا الطين فيكون طيرًا =
[ ٢ / ٤٨٧ ]
التراب المؤلف بتأليف دون الحجر، ﴿كَهَيْئَةِ﴾ أي: مثل هيئة، والهيئة كيفية البنية، يقال: هاء ويهاء وهيئة (١)، و(النفخ) تعجل النفس وغيره، والهاء عائدة إلى المثال أو الطين. (الإبراء) إزاحة (٢) الضرر من مرض أو دين، و﴿الْأَكْمَهَ﴾ الذي ولد أعمى، ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ الذي به برص وهو داء تبيضُّ منه البشرة، وأما بياض يد موسى نفى الله عنها الداء (٣) حيث قال: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] و(الادخار) افتعال من الدخر، فالدخيرة ما تعد لنا في الحال من متاع ونحوه، وكانوا يدَّعون معرفة الله تعالى فقال: إن كنتم تعرفون الله ففي هذا آية لكم لأن من صفة المعروف جل ذكره أن لا يفعل الإعجاز دعوة إلا لنبي مختار مخير.
﴿وَمُصَدِّقًا﴾ معطوف على قوله: ﴿بِآيَةٍ﴾ أو مقترنًا أو معجزًا بآية من ربكم، وهو حال للمجيء، و(أحل لكم) معطوف على مصدقًا، أي: لأصدق ولأحل وهو لحوم الإبل والثروب وبعض الطيور والحيتان. عن سعيد بن جبير وقتادة ووهب (٤)، وهذا يدلّ أنّ الله أحل لهم طيبات حرم الله على اليهود، ولم يحل لهم الظلم والعدوان والكفر، والأب في كلام عيسى -﵇- (٥) هو الفاعل لأنّ الرجال تكنى بأفعالهم؛ كني النبي -﵇- (٦) أبا القاسم لقسمه بين الناس رزق الله تعالى، وكني علي أبا تراب لاضطجاعه على التراب مرة (٧)،
_________________
(١) = بإذن الله كما يدلُّ عليه ظاهر الآية. فأصل التكوين هو من عند الله ولكن الله أسند فعله إلى نبينا عيسى -﵇- لتظهر المعجزة على يديه.
(٢) (هاء ويهاء وهيئة) ليست في "ب".
(٣) في "ب" بدل (إزاحة): (إزالة).
(٤) (عنها الداء) من "أ".
(٥) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٥/ ٣٤١) بسند حسن، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٥٧). والثروب جمع ثَرْب وتجمع قلة على أثْرُب، وجمع الجمع على أثارب، ومعناه: الشحم الرقيق الذي يغشِّي الكرش والأمعاء. [لسان العرب (١/ ٢٣٤) "ثرب"]. [المحكم (١٠/ ١٤٢)؛ النهاية (١/ ٢٠٨)].
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) قصته عند البخاري (٦٢٠٤، ٣٧٠٣).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وكني أنس أبا حمزة لأنه كان يجتنى بقلة فسمى (١) حمزة، ويقال للأرض: أم لأنها مبتدأ الخلق، وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩] أي: مآله، ويقال: ابن كذا، أي: مبلغ زمان بقائه فسمي ابنًا من غير ولادة.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ الإحساس من النفس كالعقل من الروح، وهو مستعمل في معنى الرؤية والسمع والعلم (٢)، قوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]، وقال - ﷺ - (٣) لرجل: "متى أحسست أم ملدم؟ "، يعني: الحمى (٤).
وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ على وجه الحث والإغراء ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؟، ويقال (٥): (الذود إلى الذود إبل)، وقيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ في السبيل، أي: مرضاته. وقيل: من أنصاري إلى الله، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] (٦).
_________________
(١) في الأصل: (نقله تسرى) ولا معنى له.
(٢) من فَسَّر الإحساس في هذه الآية بالوجد كابن جرير في تفسيره، وغيره لا ينافي ما ذكره المؤلف لأنهما بمعنى واحد، وقد يطلق "الحِسّ" على العطف والرقة، ومنه قول الكميت: هل مَنْ بكى الدارَ راجٍ أَنْ تَحِسَّ له أو يُبْكِيَ الدَّارَ ماءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ ويكون الإحساس بالإدراك ببعض الحواس الخمس وهي: الذوق والشم واللمس والسمع والبصر. وقال الفراء: إذا قلت: حَسَسْت، بغير ألف فهي في معنى الإفناء والقتل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٢]. [تفسير الطبري (٥/ ٤٣٥)؛ معاني القرآن للفراء (١/ ٢١٦)؛ شعر الكميت بن زيد الأسدي (٢/ ١٢)].
(٣) في الأصل و"أ": (-﵇-)، وفي "ي": (عليه)، والمثبت من "ب".
(٤) رواه الإمام أحمد (٢/ ٣٦٦)؛ وأبو يعلى في المسند (٦٥٥٦)، والحديث ضعيف من هذا الوجه.
(٥) (ويقال) ليست في الأصل.
(٦) أي أن "إلى" بمعنى اللام كما يدلُّ عليه ظاهر الآية، ولذا قدر أبو علي الفارسي قوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [يُونس: ٣٥] أي: للحق.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾ قال ابن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم (١)، وكانوا يصطادون السمك، وكان أفضلهم شمعون الصفا، فقال لهم: تصحبونني فتصطادوا الناس فآمنوا به. وعن الضحاك أنهم كانوا قَصَّارين محوَّري الثياب (٢)، وعن عطاء أن مريم أسلمته إلى كبير القصّارين ليتعلم الحرفة، فتعلم عنده أيامًا، ثم عرض لهذا (٣) الأستاذ بسفر مدة عشرة أيام فدفع أثوبة (٤) الناس إلى عيسى -﵇-، وأمره بأن يصنع كل ثوب منها بلون آخر وأن يغسل بعضها فجعل جميعها في جبّ واحد. قال لها: تكوني (٥) بإذن الله كما أريد، فلما رجع الأستاذ طالبه بالأثوبة، فأشار إلى جب واحد ففزع الأستاذ وضاق ذرعًا، وقال: أيها الصبي أفسدت أثوبة الناس، قال -﵇- (٦): قم وانظر، فجعل الأستاذ يخرج الأثوبة بعضها مغسولًا وبعضها مصبوغًا بألوان مختلفة من صبغ واحد، فعلم أنه من فعل الله فآمن هو وأصحابه بعيسى -﵇- (٧)، فهم الحواريون، [ثم لقب هذا اللقب كل ناصر لنبي، حتى قال النبي -﵇- (٨): "لكل نبي حواري وحواري طلبة والزبير (٩) "] (١٠)، وقيل: الحواري المتجرد
_________________
(١) = وذهب سفيان الثوري وغيره إلى أن "إلى" بمعنى مع. أي: من أنصاري مع الله. وردّه الزجاج وقال: ليس بشيء لأن "إلى" للغاية و"مع" تضم الشيء إلى الشيء. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٤١٦)؛ تفسير ابن كثير (١/ ٤٤٩)؛ الدر المصون (٣/ ٢٠٨)].
(٢) علَّقه البخاري ووصله ابن جرير (٣/ ٢٨٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٥٦٨). ورواه الطبري (٥/ ٤٤٢) عن سعيد بن جبير.
(٣) رواه ابن أبي حاتم (٣٥٦٩). والحَوَر عند العرب شدة البياض، ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين: أحور، وللمرأة: حوراء.
(٤) في الأصل: (لهذا).
(٥) في الأصل و"أ": (لثوبة).
(٦) في الأصل: (كوني).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) (السلام) ليست في "ي".
(٩) (السلام) ليست في "ي".
(١٠) صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لكلِّ نبيٍّ حواريَّ، وحواريَّ الزبير" أخرجه البخاري (٢٨٤٧)، ومسلم (٢٤١٥) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -، وليس فيه ذكر طلحة كما ذكر المؤلف.
(١١) ما بين []، ليست في الأصل.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
للنصرة المتمحض في الموالاة. وقال الأزهري (١): هم (٢) خُلْصَان الأنبياء (٣). وتأويله: الذين أخلصوا ونُقُّوا عن كل عيب (٤)، ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أولياؤه ﴿وَاشْهَدْ﴾ وإنما طلبوا منه ذلك لتحقيق الموالاة وتبركًا ليتأكد حالهم بها.
﴿فَاكْتُبْنَا﴾ أي فاكتب أسماءنا مع أسماء المؤمنين (٥)، وقيل: المراد بالشاهدين: الشهداء (٦).
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ عامل بالظرف، والمكر إيصال الشرّ في السرّ، فمكرهم ما احتالوا في قتل عيسى وفي صلبه، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون (٧)، وإنما قيل: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك
_________________
(١) في جميع النسخ: (الزهري)، وهو خطأ.
(٢) في الأصل: (نعم)، وهو خطأ.
(٣) ذكره عن الأزهري النووي في شرح مسلم (٢/ ٢٨)، وابن الأثير في "غريب الحديث" (١/ ٤٥٨). وذكره ابن منظور في "لسان العرب" (٤/ ٢٢٠) عن الزجاج. وذكره القرطبي في تفسيره (٦/ ٣٦٤) دون أن يعزوه لأحد.
(٤) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٥/ ٢٢٨) ونقله عن الزجاج وقال: أصحاب النبي - ﷺ - حواريون. وقال أبو عبيد: إن أصل هذا كان بَدْؤُهُ من الحواريين أصحاب عيسى -﵇- سمُّوا بذلك لأنهم كانوا يغسلون الثياب يحوِّرونها أي يبيضونها، ومنه امرأة حوارية إذا كانت بيضاء. قال ثعلب عن ابن الأعرابي: الحواريون: الأنصار، وهم خاصة أصحابه. قال ابن كثير (١/ ٤٤٩): والصحيح أن الحواري الناصر كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال: "إن لكلِّ نبيٍّ حواريًا وحواريَّ الزبير".
(٥) قاله ابن جرير في تفسيره (٥/ ٤٤٥)، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عِمرَان: ٥٣] قال: مع أمة محمَّد - ﷺ -. قال ابن كثير: إسناده جيد. [تفسير ابن كثير (١/ ٤٤٩)؛ ابن أبي حاتم (٣٥٧٧)؛ الطبراني في الكبير (١١٧٣٢)].
(٦) لم أجد أحدًا من المفسرين ذكر أو تبنى هذا القول، بل ذكر الرازي في تفسيره سبعة أقوال ليس في واحد منها ما ذكره المؤلف، فلا أدري على من اعتمد في هذا القول.
(٧) في "ب": (لايشعر).
[ ٢ / ٤٩١ ]
إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين (١).
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل: أمات الله عيسى ثلاث ساعات (٢) ثم أحياه ورفعه من غير صلب ولا قتل وأُلقي (٣) مثاله على غيره (٤)، وقيل: متوفيك: قابضك، وقال الفراء: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها: إني رافعك ومطهرك من الذين كفروا (٥)، أي: في الحال، ومتوفيك: أي (٦) بعد الزوال، وقال السدي (٧): المصلوب رئيس من رؤساء اليهود دخل ليخرج عيسى -﵇- (٨) من بيته فألقى الله مثاله عليه ورفعه -﵇- (٨)، وقيل: المصلوب هو الموكل الذي كان عليه رقيبًا، وقيل: المصلوب الذي ارتدّ من الحواريين وشقي بعيسى -﵇- ودلّ اليهود عليه، وقيل: إنّه أخبر برفعه فاتخذ ضيافة لأصحابه وأطعمهم ثم أتى بماء فتطهروا به، ثم طلب منهم أن يسألوا الله تعالى تبقيته فيما بينهم وخرج من عندهم ثم اطلع عليهم فوجدهم هجوعًا فأعاد الماء إليهم وأيقظهم، وطلب منهم أن يتطهروا ثانيًا
_________________
(١) ذكر الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان" (١/ ٣٤٢) أن الله لم يبين في هذه الآية مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النِّساء: ١٥٧] وبيَّن أن مكر الله بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨،١٥٧]. وصفة المكر لا تثبت إلى الله إلا مضافة، فلا يوصف الله -﷿- بالماكر لأنها صفة ذميمة يتنزه عنها المخلوق فضلًا عن الخالق، ولكن يوصف الله -﷿- بها مضافة فيقال: ماكر بالكافرين.
(٢) في "ب": (مرات) بدل (ساعات).
(٣) في "ب": (وألقى الله).
(٤) روي ذلك عن وهب بن منبّه اليماني. أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٤٥٠) وسنده ضعيف.
(٥) معاني القرآن للفراء (١/ ٢١٩).
(٦) في "ب": (إلي).
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٥٤) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ [النساء: ١٥٧] وأخرجه البغوي في تفسيره (٢/ ٤٥).
(٨) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ويسألوا الله تبقيته فيما بينهم، فتطهروا وتشمروا للصلاة والدعاء، وخرج عيسى -﵇- ثم التفت إليهم فوجدهم سامدين نائمين، فأعاد الماء إليهم وأمرهم أن يتطهروا وقال: سبحان (١) الله أما عهدت إليكم منشورًا منه (٢)، وتطهروا وقصدوا للصلاة والدعاء فخروا نائمين، فعند ذلك أيقن عيسى -﵇- (٣) بأنه لا محالة مرفوع، وقال: مَنْ الذي يفديني بنفسه ويكون معي في الجنة؟ فاختار ذلك شمعون، فألقى الله تعالى مثاله -﵇- (٣) ورفع عيسى -﵇- (٤) (٥).
وروي أن مريم جاءت بالليل تحت الصليب مع طائفة من الحواريين يبكون وينوحون (٦) فأظهر الله تعالى لهم عيسى حيًا غير مصلوب حتى كلمهم وبشرهم بسلامة نفسه وبأنّه راجع إلى الدنيا، ووجه أولئك الحواريين إلى البلاد وأوصى إلى كل واحد وصيته (٧).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [اليهود والنصارى، أما اليهود] (٨) فلدعوتهم صلب عيسى -﵇- (٩) وغير ذلك، [وأما النصارى فلتسليمهم دعوى اليهود وبغير ذلك.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة] (١٠) إلى ما سبق و﴿نَتْلُوهُ﴾ خبر له والباقي خبر ثانٍ،
_________________
(١) في الأصل: (سبحانك).
(٢) العبارة في الأصل مضطربة، والمثبت من "ي" "أ"، وفي "ب" سقطت (إليكم).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) أخرج هذه الرواية الطبري في تفسيره (٧/ ٦٥٣) عن وهب بن منبه مطولة بأكثر مما ذكره المؤلف، وأخرجها أيضًا في تاريخه (١/ ٦٠١)، وذكرها ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٠١) وقال: سياق غريب جدًا.
(٥) (السلام ورفع عيسى -﵇-) ليست في "ب".
(٦) في الأصل: (وينوخون).
(٧) انظر أخبار عيسى - ﷺ - ورفعه في كتاب "قصص الأنبياء" للحافظ ابن كثير ص ٥٦٠ - ٥٦٧.
(٨) ما بين []، ليست في "أ".
(٩) (-﵇-) من "ب".
(١٠) ما بين []، ليس في "ب".
[ ٢ / ٤٩٣ ]
أو ﴿ذَلِكَ﴾ (١) معنى الذي، و﴿نَتْلُوهُ﴾ (٢) صلة له والخبر قوله ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾، ﴿الْآيَاتِ﴾ (٣) آيات الله ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الذي يفيد الحكمة، قيل: إنّ (٤) وقد نجران قالوا لرسول الله -﵇- (٥): إنك سبيت صاحبنا سميته عبدًا، فقال -﵇- (٥): "ليست العبودية بعار على أخي"، قالوا: أرنا عبدًا مثله وجد بغير أب، فضرب الله تعالى هذا المثل (٦).
وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية، شبهه بآدم في الوجود من غير أب فقط كما شبه الهلال بالعرجون والكفار بالأنعام، و﴿آدَمَ﴾ معرفة (٧)، ﴿خَلَقَهُ﴾ كلام مستأنف ليس بصفة ولا حال، فيكون تقديره فصار تكون
_________________
(١) في الأصل و"ي": (وذلك).
(٢) قوله: "ذلك نتلوه" لها عدة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أن يكون "ذلك" مبتدأ و"نتلوه" خبر. و"من الآيات" حال أو خبر بعد خبر. الوجه الثاني: أن يكون "ذلك" منصوبًا بفعل مقدر يفسره ما بعده فتكون المسألة من باب الاشتغال، و"من الآيات" حال أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو من الآيات. الوجه الثالث: أن يكون "ذلك" خبرأ لمبتدأ محذوف، التقدير: الأمر ذلك و"نتلوه" حال من اسم الإشارة. الوجه الرابع: أن يكون "ذلك" موصولًا بمعنى الذي و"نتلوه" صلة وعائد، وهو مبتدأ خبره الجار بعده، التقدير: الذي نتلوه عليك كائن من الآيات، أي: المعجزات الدالة على نبوتك، وجوَّز ذلك الزجاج والزمخشري، وهو مذهب الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون ذلك. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٤٢٧)؛ الكشاف (١/ ٤٣٣)؛ الدر المصون (٣/ ٢١٦)].
(٣) (الآيات) ليست في "ب".
(٤) (إن) ليست في "ب".
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) رواه الطبري في التفسير (٥/ ٤٦٠) عن ابن عباس - ﵄ -، وكذا رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣٦٠٦).
(٧) وهو اسم أعجمي غير مشتق على وزن فاعل، ومنع من الصرف هنا للعلمية والعجمى. وهذا أرجح الأقوال، وذهب ابن سيده إلى أنه مشتق وأنه سمي بذلك لأنه خلق من أدمة الأرض، وقال بعضهم: لأُدْمَةٍ جعلها الله فيه، وهو معرفة كما قال المؤلف. [المحكم (٩/ ٣٩٠)].
[ ٢ / ٤٩٤ ]
شيئًا بعد شيء على التدريج وكأنه لم يكن حيًا دفعة واحدة، وذلك سنة الله في خلق الأشياء (١) للتمكين من الاعتبار (٢)، وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كُنْ﴾، ثم ابتدا فقال: ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: يكون (٣) كل مأمور بأمر.
فلما نزلت ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ دعا -﵇- (٤) وقد نجران إلى المباهلة وخرج بنفسه متيقنًا بما أوحى إليه ربه، معه علي وفاطمة والحسن والحسين، ولم يخرج وقد نجران وتكعكعوا عن ذلك لما كان فيهم من التشكيك والظن، فقال -﵇- (٤): "لو خرجوا للمباهلة لاضطرم (٥) الوادي عليهم نارًا"، وجعل آله تحت كسائه ثم دعا فقال: "اللَّهم هؤلاء آلي والِ مَنْ والاهم وانصر مَنْ نصرهم واخذل من خذلهم" ورجع مستجابًا له بفضل مِنَ الله ورحمته، والتزم وقد نجران الجزية وصالحوا على الفيء حلة وثلاثين درعًا عادية من حديد (٦).
﴿تَعَالَوْا﴾ هلموا، والتعالي إلى الشيء التقارب منه على سبيل العلو حقيقة وعلى غيره (٧) مجازًا، والتعالي عن الشيء: التباعد منه على سبيل
_________________
(١) في "ب": (الشيء).
(٢) الذي يظهر- والله أعلم- أن جملة "خلقه من تراب" بيان عن أمره على وجه التفسير عن المثل الذي ضربه وكيف كان. وهذا اختيار ابن جرير الطبري. [الطبري (٥/ ٤٦٣)].
(٣) (يكون) من "أ".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في الأصل: (لا اضطرم).
(٦) حديث المباهلة مع وفد نجران وقع عند البخاري (٧/ ٩٦٥ - ك المغازي، باب قصة أهل نجران)؛ ومسلم (٢٤٢٠ - ك فضائل الصحابة، باب فضل أبي عبيدة) يختلف تمامًا عن اللفظ الذي ذكره المؤلف وهو عن حذيفة - ﵁ - قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله - ﷺ - يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنَّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، فقال: "لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين". فاستشرف له أصحاب رسول الله - ﷺ - فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام قال رسول الله - ﷺ -: "هذا أمين هذه الأمة".
(٧) في "ب": (على غير).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
العلو والرفعة حقيقة لا مجاز له، و(الابتهال) المبالغة في الدعاء بالشر، ويقال: عليه بَهْلَةُ الله، أي: لعنته (١).
﴿الْقَصَصُ﴾ الأخبار، والاسم منه قصة والجمع منه قصص وإنه في معنى التلاوة، وقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: اتبعي أثره.
وفي فحوى قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تهديد للمتولِّين فإنهم مفسدون.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطاب لوفد نجران، عن الحسن والسدي وابن زيد (٢): واليهود (٣)، عن قتادة والربيع وابن جريج (٤): ولأهل الكتابين (٥) في الظاهر، ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ المقالة التي هي قاعدة الدين والأمر هو التوحيد ثم ابتدعت اليهود فادعت اتخاذ الولد كاتخاذ الولي والخليل والبيت فلم يعلموا أن ما ادعوه يقتضي المشابهة أولًا وهو شرك بخلاف اتخاذ الولي والخليل (٦)؛ لأنه يقتضي إرادة الخير بخلاف اتخاذ البيت لأنه يقتضي اتخاذ متعبد للعبادة (٧). وابتدعت النصارى فزعمت أن الله تعالى هو الروح تزوج بمريم وهي النفس فتولد منها المسيح وهو العلم، وزعم بعضهم أن المسيح
_________________
(١) أصل الابتهال: الاجتهاد في الدعاء، وإخلاصه لله ﷿، قاله ابن سيده. وهي افتعال من البُهْلَة. وخُصَّ في هذه الآية بالملاعنة بين خصمين يوقع أحدهما بالآخر اللعنة إن كان كاذبًا كما يدلُّ عليه ظاهر الآية. ثم تُجُوِّزَ فيه فاستعمل في الاجتهاد في الدعاء المطلق، قاله الزمخشري. [الكشاف (١/ ٤٣٤)].
(٢) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٥/ ٤٧٥) إلا الحسن فلم أجد من ذكره عنه.
(٣) في "ي" "أ" والأصل: (واليهود).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٣٦) عن مجاهد قال: اليهود. وأما ما ذكره المؤلف عن قتادة والربغ وابن جريج فأخرجه الطبري عنهم في تفسيره (٥/ ٤٧٤)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٣٦٢٨).
(٥) في الأصل: (والأهل).
(٦) في الأصل: (والمثيل).
(٧) في "أ" "ب" "ي": (للعباد).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
عينه جل في العالم، ولم يعلموا أن الله ﷾ متعال تقدس (١) عن الازدواج والانفصال والتغير والانتقال تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
﴿سَوَاءٍ﴾ عدل (٢) وكذا سوًى وسوى. وقيل: سواء مصدر أقيم مقام الصفة ومعناه كلمة مستوية (٣)، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ (٤) تفسير الكلمة ويدل عليها ﴿اشْهَدُوا﴾ يقتضي التمحيص في مخالفة الخصم، تقول لخصمك: اشهد عليّ بما أقول وحدث به عني (٥) من شئت. و(محاجتهم في أمر إبراهيم -﵇- (٦) قد سبق في سورة "البقرة"؛ وإنما دلَّ نزول الكتابين بعده على أنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا لأنه لم يكن فيهما (٧) ذلك، ولو كان على أحدهما لذكر كما ذكر في القرآن أنه كان مسلمًا ووصفه فيهما (٨) بالطاعة والانقياد ولا محالة وهو الإِسلام، وكانوا يزعمون أن اليهودي الذي لزم السبت والنصراني الذي لزم الصليب ولم يكن هذان (٩) في عصر إبراهيم -﵇- (٦). وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ على معنى اللوم والتسفيه.
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ والمراد بمحاجتهم فيما لهم به علم زعمهم ذلك بعد التبديل والتحريف على قراءة قنبل، ومحاجتهم المشركين قبل أن
_________________
(١) في الأصل: (تقدير).
(٢) وهي قراءة عبد الله بن مسعود حيث قرأ ﴿إلي كلمة عدل﴾ وهي قراءة شاذة وربما هي تفسير لا قراءة. [البحر المحيط (٢/ ٤٨٣)؛ الشواذ ص ٢١؛ الدر المصون (٣/ ٢٣٢)].
(٣) الأشهر استعمال "سواء" بمعنى اسم الفاعل، أي: مستوٍ. وبذلك فسَّرها ابن عباس فقال: إلى كلمة مستوية. [الطبري (٥/ ٤٧٧)؛ البحر المحيط (٢/ ٤٨٣)؛ الدر المصون (٣/ ٢٣٣)].
(٤) في "ب": (أن لا نعبد).
(٥) (عني) ليست في "ب".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في الأصل: (فيهم).
(٨) في الأصل: (فيها).
(٩) في الأصل و"ب": (هذا).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
غيروا وبدلوا أن جعلنا آلهًا، ومحاجتهم المشركين بعد التحريف بما لم يحرفوا ولم يبدلوا، ومحاجتهم عامة المشركين فيما لم ينزل الله في القرآن من الشرائع التي بعثت غير منسوخة (١).
﴿أَوْلَى (٢) النَّاسِ﴾ أقربهم (٣) به، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في عصره لأنهم كانوا أمته، وهذا النبي -﵇- (٤)؛ لأنه كان دعوته والمصلي إلى قبلته والآخذ في الحج بسنته (٥). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لموافقتهم (٦) إياه بالإيمان والاستسلام لأمر الله طائعين وهم الأنبياء -﵈ - كلهم وكل عبد مؤمن في السماء والأرض.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ نزلت في مثل ما نزل قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٧) و(الإضلال) ها هنا بالخدع.
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بأن الله قادر على ما يشاء ولا ينبئكم بمثل هذه الآيات أو تشهدون بخروج النبي -﵇- (٤) وتشاهدون الآيات وقت بدوها.
_________________
(١) الأظهر في معنى الآية أن محاجَّتهم فيما لهم به علم من أمر دينهم الذي وجدوه في كتبهم مما أتت به رسلهم. وأما محاجتهم فيما ليس لهم به علم أي فيما لا علم لهم به من أمر إبراهيم ودينه ولم يجدوه في كتب الله ولا أتت به أنبياء الله، وهذا اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٤٨٤).
(٢) في الأصل: (أو إلى).
(٣) في الأصل: (أقربها).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) (بسنته) ليست في "أ".
(٦) في الأصل: (لوافقتم).
(٧) وسبب النزول هو ما رواه ابن عباس - ﵄ - قال: نزلت في نفر من اليهود، قالوا للمسلمين بعد وقعة أُحُد: ألم تروا إلى ما اْصابكم؟ لو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم. قال الحافظ ابن حجر: هذا لعله من تفسير الكلبي، والذي ذكره ابن إسحاق أقوى سندًا منه. ولفظه عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان حُيَي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد اليهود للعرب حسدًا إذ خَصَّهم الله تعالى برسوله، وكانا جاهدين في ردِّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ﴾ [البقرة: ١٠٩]. [أسباب النزول للواحدي ص ٣٥؛ العجاب في بيان الأسباب لابن حجر ص ١٦٩].
[ ٢ / ٤٩٨ ]
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قيل: إن اليهود أرادوا تشكيك المؤمنين بهذه (١) الحيلة ليشتبه (٢) الأمر على المؤمنين فيرتدوا بارتدادهم ويشكوا بتشكيكهم، وقيل: أرادوا التقية ورد المؤمنين عن أنفسهم بإظهار الإيمان بما لا (٣) يوافق شرائعهم كاستقبال القبلة الأولى ونحوه، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أوله، وإنما خصوا آخر النهار بالكفر لأن النبي -﵇- (٤) تحول إلى الكعبة في الظهر أو العصر فخص بخاص ويتخذ خاصته.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ نازلة عند قتادة والسدي (٥) وغيرهما في تنويع أهل الكتاب وذم قوم منهم لا يوفون بعهودهم مع العرب قاطبة، وكذلك سائر الأمم من غير أهل الكتاب ويرون الخيانة حلالًا ويحتجون بأنه ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: لا حكم ولا حجة علينا في كتابنا في أخذ أموال الأميين، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في إباحة نقض العهود وتحليل الغدر والخيانة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله أمر بالوفاء والأمانة على الإطلاق ولم ينزل في تركهما إباحة إذ هو باقٍ على أصل الحظر ومظنة (٦) العقل، ولذلك لا يجوز في الإِسلام لمن دخل دار الحرب بأمان أن يسرق أو يخون، وعن مجاهد والحسن (٧) أنّها في قوم من اليهود عاملوا المشركين، (لمقت الله) (٨) اليهود حقوقهم وقالوا: إنكم بدّلتم دينكم و﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ (٩) سَبِيلٌ﴾ في منع حق من بدل دينه (١٠). و(الدينار) اسم
_________________
(١) في الأصل: (بتلك).
(٢) في "ب": (وليشتبه).
(٣) (لا) ليست في "ب" "ي".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٥/ ٥٠٩)؛ وابن أبي حاتم (٣٧٠٩).
(٦) في "ب": (قضية).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣٧٠٥)، ونقله السيوطي في الدر المنثور عنه (٣/ ٦٢٩).
(٨) هذه العبارة لم أفهم معناها.
(٩) في "ب" "ي" بدل الأميين (في كتابنا)، وفي "أ" (فراغ).
(١٠) هذا الأثر لم أجده عن الحسن ومجاهد ولم أجده بهذا اللفظ، وأقرب شيء وجدته ما =
[ ٢ / ٤٩٩ ]
المضروب من الذهب للمعاملة (١) و(الدوام) امتداد الحال، وفي صفات الله صفة بنفي حدوث الحال.
وفي قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ تأليف استمالة لقلوب المؤمنين بالعهد بل إضراب عن الكلام الأول، و﴿مَنْ أَوْفَى﴾ مبتدأ وهو شرط (٢)، ﴿وَاتَّقَى﴾ زيادة في الشرط، جوابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ وإنما (٣) لم يقل: فإن الله يحبه لنظم الآي ولم يقل: يحب الموفين بالعهود والمتقين؛ لأن الوفاء بعض التقى فهو داخل فيه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ نزلت في كنانة بن أبي الحقيق وأبي (٤) رافع وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب عن عكرمة (٥)، وفي الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وكتبوا بأيديهم وزعموا أنه (٦) من التوراة عن الحسن (٧). وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس وخصمه حين
_________________
(١) = أخرجه الطبري (٦/ ٥٢٣) عن سنيد من طريق ابن جريج، قال: تبايع اليهود ورجال في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عِمرَان: ٧٥] يعني اليهود. وهو عند مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ١٧٩) قريبًا منه.
(٢) أصل "الدينار" دِنَّار - بنونين- فاستثقل توالي مثلين فأبدلوا أولهما حرف علة تخفيفًا لكثرة دوره في لسانهم، ويدلُّ على ذلك رده إلى النونين تكسيرًا وتصغيرًا في قولهم: دنانير ودنينير، ومثله قيراط. والدينار مُعَرَّب وهو أربعة وعشرون قيراطًا، كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلة، فالمجموع اثنان وسبعون شعيرة. [المعرَّب للجواليقي ص ١٨٧؛ الكشف (١/ ٣٤٩)؛ الدر المصون (٣/ ٢٦١)].
(٣) هذا ما اختاره الزجاج وغيره أن جملة "من أوفى " مستأنفة. و"من" شرطية ويجوز أن تكون "من" موصولة كما قال السمين الحلبي. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٤٣٤)؛ الدر المصون (٣/ ٢٦٩)].
(٤) في "ب": (إنما) بدون الواو.
(٥) في "ب": (وابن) وهو خطأ.
(٦) أخرجه الطبري (٥/ ٥١٦) عن عكرمة، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٨٢.
(٧) في "ب": (أنها).
(٨) عن الحسن لم أجده.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
اختصما إلى النبي - ﷺ - في بئر (١)؛ عن ابن جريج (٢)، وفيمن نفق سلعة بيمين فاجرة (٣)، عن الشعبي (٤). وروى الكلبي: أنها نزلت في امرئ القيس بن عابس (٥) الكندي وعبدان، وقيل: عيدان (٦) بالياء ابن أشوع الحضرمي اختصما في أرض كانت في يدي امرئ القيس ولا بينة لعيدان. وقد همّ امرؤ القيس أن يحلف فأنزل الله الآية، فنكل وأقر فأنزل الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧] وقيل: أخصم (٧) امرؤ القيس ربيعة بن عبدان (٨)، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يناجيهم مناجاة أوليائه ولا
_________________
(١) من قال أنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصمه استدلَّ بحديث ابن مسعود مرفوعًا: قال سول الله - ﷺ -: "من حلف على يمينٍ هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقيَ الله وهو عليه غضبان" فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ، فجحدني، فقدَّمْتُهُ إلى النبي - ﷺ - فقال لي رسول الله - ﷺ -: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قلتُ: لا. فقال لليهودي: "احْلِفْ" قلت: يا رسول الله إذنْ يحلف فيذهب مالي، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية. [أخرجه البخاري (٢٤١٦)؛ ومسلم (١٣٨)؛ وأحمد (٦/ ٨١)؛ وأبو داود (٣٢٤٣) وغيرهم].
(٢) رواية ابن جريج عند الطبري (٦/ ٥٣١) وأصلها في البخاري (٥/ ٣٣) الفتح، ومسلم (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، وأحمد (١/ ٣٧٩١).
(٣) يشير بذلك إلى حديث عمران بن حصين - ﵁ - كان يقول: من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال أخيه، فليتبوَّأ مقعده من النار، فقال له قائل: شيء سمعتَه من رسول الله - ﷺ -؟ قال لهم: "إنكم لتجدون ذلك، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية. [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٢٠)؛ والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٦)؛ وأبو داود (٣٢٤٢) وغيرهم].
(٤) لم أجده عن الشعبي.
(٥) في جميع النسخ (عياش)، وهو خطأ.
(٦) الصحيح (عيدان).
(٧) في جميع النسخ (خصم)، والمثبت من "ب".
(٨) وسبب النزول هذا -أعني من قال أنها نزلت في امرئ القيس والحضرمي- أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (١٧٧١٨)؛ والنسائي في الكبرى (٥٩٩٦)؛ والطبراني في الكبير (١٧/ ١٠٨)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٥٤) عن عدي بن عميرة.
[ ٢ / ٥٠١ ]
يخصهم بالخطاب، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ لا يقبل إليهم بالرحمة، بل يخذلهم و(١) يعرض عنهم بلا كيفية.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ نزلت في اليهود حيث قدروا ما شاؤوا في التنزيل مضمرًا متأولين، ثم أظهروه وتلفظوا به وزعموا أنه من التنزيل أيضًا (٢) وكذلك فعلت النصارى، و(الليّ): التحريف (٣)، وتلوَّت الحية إذا تثنت، ولؤى الغريم ليًا إذا ماطل وأخلف الموعد (٤)، (الألسنة) جمع لسان وهو آلة النطق.
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ نزلت في وفد نجران وأحبار المدينة حيث تناظروا ثم أقبلوا على النبي - ﷺ - (٥) فقالت اليهود: ما تريد منا إلا ما أراد عيسى من هؤلاء فاتخذوه ربًا، وقالت النصارى: ما تريد منّا إلا أن نتخذك ربًا كما اتخذ هؤلاء عزيرًا، ربًا فكذّب الله الطائفتين وأنزل ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ (٦) وسعًا أو حكمًا، ويقول: نصب عطف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ (٧)، ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ من
_________________
(١) في "ب": (أو).
(٢) رواه الطبري (٥/ ٥٢٢) عن ابن عباس وقتادة.
(٣) في النسخ (في التحريف)، والمثبت من "ي".
(٤) أصلُ اللَّيِّ: الفتل والقلب من قول القائل: لوى فلان يدَ فلان إذا فتلها وقلبَها، ومنه قول الشاعر [وينسب لفرعان بن الأعرف أبو منازل]: تَغَمَّدَ حقي ظالمًا، ولوى يدي لوى يَدَهُ الله الذي هُوَ غَالِبُهْ ثم استعمل في الرأس فقالوا: لوى رأسه أي أمال وأعرض، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥]، ثم استعمل في اللسان كما في هذه الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] أي يحرفونها ويزيدون، هكذا رواه البخاري عن ابن عباس -﵄-. [المحكم (١٠/ ٤٥٣)؛ اللسان (لوي ١٢/ ٣٧٠)؛ الطبري (٥/ ٥٢٢)؛ ابن كثير (١/ ٤٦٢)].
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) أخرجه ابن هشام في السيرة (٣/ ٩١)؛ وابن جرير (٥/ ٥٢٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٧٥٦)؛ وابن المنذر (٢/ ٤٦/ در)؛ والبيهقي في الدلائل.
(٧) وقرأ ابن كثير في رواية شبل بن عباد وأبو عمرو في رواية محبوب (يقولُ) بالرفع، وخرجوها على القطع والاستئناف، لكن القراءة المشهورة هي النصب. [البحر (٢/ ٥٠٦)؛ المحرر (٣/ ١٣٧)].
[ ٢ / ٥٠٢ ]
التعليم، والرباني منسوب إلى الربان، [وهو المدبّر القائم بالمصالح، ولم يجىء فعلان من فعل بكسر العين إلا هذا، وقيل: هو منسوب إلى الرب] (١)، والألف والنون زائدتان كما يقال: لحياني ورقباني، ويجوز أن ينسب إلى الله على سبيل التخصيص كما يقال: علم الإلهي وهو مثل الإضافة (٢)، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ﴾ إثبات للحال وليس بإخبار عن ماض، (والدرس) كالنسخ والمحو، ودرس العلم حفظه ونقله من الكتاب إلى القلب (٣) مجازًا.
﴿أَيَأْمُرُكُمْ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، ويحتمل أن (إذ) (٤) للمستقبل من الزمان كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة: ١١٦] فتقديره: إذا هو يأمركم بالكفر بعد أن تسلموا بأمره على معنى الإحالة.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أضاف إليهم لأنه أخذ الميثاق لأجلهم أو أخذ ميثاق الأمم دون الأنبياء ولقد صرح ابن مسعود وقرأ: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ حتى ظن مجاهد أن قراءة ابن مسعود هو لفظ القرآن وأن ما انعقد الإجماع من سهو الكاتب وليس كما ظن مجاهد؛ ولأنّ هذا اللفظ يحتمل ما يحتمله لفظ ابن مسعود ولا يتعدى دخول الأنبياء مع الأمم في حكم الميثاق كدخولهم معهم في حكم
_________________
(١) ما بين [] من "ب" "ي".
(٢) الربانيون: جمع رباني، وفي معناه قولان: القول الأول: أنه منسوب إلى الرَّب، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة كما يقال في رقباني لغليظ الرقبة، وشعراني لكثير الشعر، ولحياني لكثير اللحية، وهذا المعنى أشار إليه سيبويه. والقول الثاني: أنه منسوب إلى رَبَّان، والربَّان هو المعلم للخير ومن يسوس الناس ويعرِّفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالَّتان على زيادة الوصف، ولذلك لما مات عبد الله بن عباس - ﵄ - قال محمَّد بن علي بن أبي طالب المعروف بمحمد ابن الحنفية: "مات اليوم رَبَّانيُّ هذه الأمة". [الكتاب (٢/ ٨٩)؛ الدر المصون (٣/ ٢٧٥)].
(٣) (القلب) ليست في الأصل.
(٤) في الأصل و"أ": (إذا)، وهو خطأ.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
التكليف يدل عليه قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) فنصره من لم يدرك نبيًا والوصية بنصره ونصره من أدرك موالاته واتباعه (٢). ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ استقرار و(أخذ الإصر) قبوله، ويحتمل أن الخطاب للأنبياء والربانيين، وأن أخذ الإصر: توثيقه وإحكامه و(اشهدوا)، أي: ليشهد بعضكم على بعض، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ على المجاز (٣)، وإنما جاز ذلك لأنه وصف نفسه بالشاهدة ووصفهم بالشهادة (٤).
وقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ خاصة في الأمم دون الأنبياء ﵈، ولا يبعد أن تكون عامة؛ لأن الوعيد لمن المعلوم منه أنه موجبه والذي قضى له بالعصمة عن موجبه سواء، فإذا جاز أحدهما على سبيل التحريف والزيادة والتأديب والتهذيب فكذلك يدل الآخر عليه (٥)، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ والكلام في إسلام الكثرة (٦) كالكلام في قنوته (٧) و(الطوع) (٨) قريب من الرضا وهو ضد الكره.
_________________
(١) في الأصل و"أ" (أخذ الله من النبيين).
(٢) الخطاب في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ [آل عمران: ٨١] الآية، إلى أهل الكتاب يذكِّرهم الله به أنه أخذ الميثاق على الأنبياء وهو طاعته ﷾ والتزام أمره، وهذا ما قرره الطبري في تفسيره وغيره من المفسرين، وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ - بمعناه. [الطبري (٥/ ٥٣٦)].
(٣) في الأصل: (المحاذة).
(٤) لا ينبغي حمل شهِادة الله -﷿- لهم على المجاز، بل الأصل حملها على الحقيقة، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النِّساء: ١٦٦]، وقال أيضًا: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. والشواهد على ذلك كثيرة في إثبات صفة الشهادة لله.
(٥) الخطاب في هذه الآية -والله أعلم- لنبينا محمَّد - ﷺ - تسلية له فيمن أعرض عن دعوته ودعوة الرسل من قبله، وبهذا فَسَّرَ الآية علي بن أبي طالب - ﵁ - فيما أخرجه الطبري عنه (٥/ ٥٤٧).
(٦) في جميع النسخ: (الكاف).
(٧) في "أ" "ب" "ي": (دبونه).
(٨) في "أ": (والتطوع).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ نزلت في عشرة رهط كفروا بعد إسلامهم ولحقوا بمكة وهي (١) دار الحرب يومئذٍ ثم تاب بعضهم فيستثني الله التائبين (٢) وهي ناسخة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] في رواية علي بن أبي (٣) طلحة عن ابن عباس (٤)، ويصح الجمع بينهما على ما سبق.
﴿كَيْفَ﴾ استفهام بمعنى البيان لموضع التعجب، وقيل: استفهام بمعنى الإنكار والإحالة لأن اجتماع حالتي (٥) الكفر والإِسلام محال، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ هداية التوفيق حالة إصرارهم وعتوِّهم، ولكن إذا شاء هدايتهم سبّب أسبابًا يتضحُ بها (٦) فساد ما هم فيه فيندمون ثم يلهمهم ويهديهم إلى معرفته.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ التائب الذي استثناه من جملة العشرة هو الحرث بن سويد بن الصامت وهي (٧) عامة في كل تائب (٨).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قيل: لما بلغ أصحاب الحارث خبره
_________________
(١) في الأصل و"أ": (وبني)، وهو خطأ.
(٢) ذكره ابن حجر في العجاب (٢/ ٧١٣ - ٧١٤) عن ابن الكلبي.
(٣) (أبي) ليست في جميع النسخ ولا بدَّ منها.
(٤) رواه الطبري في التفسير (٢/ ٤٥)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٦٣٥). وذكره ابن الجوزي في ناسخه ص ١٣٠.
(٥) في الأصل: (حالي).
(٦) في الأصل: (لها)، وفي "ب": (بها فؤاد).
(٧) في الأصل: (وبني).
(٨) ونص الحديث الذي رواه مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي - ﷺ - منه، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه فأنزل الله -﷿- فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ [آل عمران:٨٦ - ٨٩] قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك والله ما عَلِمتُ لصدوق، وإنَ رسول الله - ﷺ - لأصدق منك، وإنَ الله عزو جل لأصدق الثلاثةِ، قال: فرجع الحارث فأسلم، فحسن إسلامه. [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٥٨)؛ وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٢٥)؛ والواحدي في أسباب النزول ص ٨٣].
[ ٢ / ٥٠٥ ]
قالوا: نقيم بمكة ونتربص محمدًا ريب المنون فإنْ بدا لنا (١) أن نرجع إلى قومنا أيقنا بقوله كما فعل الحارث، فأنزل الله الآية، وإنما نفى قبول توبتهم لأنهم قصدوا توبة على تردد ونفاق وازديادهم الكفر حملهم وظنهم أنهم قادرون على التوبة خداعًا، فالكفر يتزايد بتزايد الاعتقاد الفاسد، والإيمان يتزايد بتزايد (٢) الاعتقاد الصحيح في الآيات الناسخة، ولما كمل الدين صار النقصان في أصل الإيمان وحقيقته كفرًا من جميع الوجوه على أي تأويل لأن تزايد الاعتقاد بعد إنقطاع محال.
وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ دلالة أن التوبة مقبولة قبل الموت، والتي نفي قولها، هي توبة نفاق وتردد، أو توبة عند معاينة الباس وانقطاع الأحكام الدنيوية (٣)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ في معنى الشرط وتشبيه لإيهامه ولذلك أجاب بالفاء.
و﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ على سبيل التقدير والتفخيم دون التحقيق، وإنما خص ذلك لأنه مما يتعاظمه الناس في معاملاتهم وعاداتهم (٤) ومبادلاتهم.
قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾، قال الكلبي: منسوخة بآية الزكاة وليس كذلك لأنه لا تنافي بينهما إذ الزكاة إنفاق من بعض المحبوب، والبر ها هنا الجنة، عن السدي (٥)، وعن عطاء: أشرف مراتب التقوى (٦)، وقيل: البر الخير.
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا﴾ نزلت ردًّا على اليهود حيث أنكروا النسخ
_________________
(١) في "ي" "أ": (بدلنا).
(٢) (والإيمان يتزايد بتزايد) ليست في "ب".
(٣) في جميع النسخ (الديناوية)، والمثبت من "أ".
(٤) (وعاداتهم) ليست في "ب".
(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٥٧٣)؛ وابن أبي حاتم (٣٨٠٩)، وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وعمرو بن ميمون. أخرجه الطبري عنهما (٥/ ٥٧٣)؛ وابن أبي شيبة (١٣/ ٤٢٤).
(٦) رواه ابن أبي حاتم (٣٨١٠) عن مقاتل بن حيان قال: التقوى.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وادعوا أن المحظورات كلها لم تزل (١) كذلك من لدن آدم إلى يومنا هذا، وزعموا أن موسى لم يأت بتحريم حادث ولا تحليل إلا فيما اختلفت العقول فيه، فكذَّبهم الله وأخبر أن الكليات كلها كانت حلًّا (٢) لبني إسرائيل إلا ما حرمها إسرائيل نذرًا، ثم حرم عليهم بعض الطيبات عقوبة لهم، وكانوا كلما أذنبوا ذنبًا عظيمًا حرم عليهم رزق طيب أو سلط عليهم الطاعون. والقصة في نذر إسرائيل أنه اشتكى عرق النسا فنذر إن شفاه الله لا يأكل لحوم الإبل وألبانها لوخامتهما وإضرارهما عند ملازمتهما، وكان من أحبّ الطعام إليه (٣)، ووجه القربة فيه أنه مخالفة لهوى النفس الأمارة بالسوء (٤) وقهر لها، ووجه جوازه من ذات نفسه أن الأنبياء -﵈- كانوا يجتهدون بإذن الله تعالى، يدل عليه حكم داود وسليمان -﵈- في الحرث وكان حكم سليمان بفهم لا محالة وحكم داود مما يسوغ الاجتهاد في مقابلته لمثله، وكذلك قبل نبينا -﵇- الفداء بالمشاورة (٥) والاجتهاد ولم يقتل أسارى بدر، وفيه نزل (٦): ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية
_________________
(١) وهو ما أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٧٨)؛ والبغوي (٦٨١٢)؛ وذكره القرطبي (٤/ ١٣٤)؛ وابن كثير في تفسيره (٢/ ٦٢) عن السدي قال: قالت اليهود: إنما نحرم ما حرم إسرائيل على نفسه، وإنما حرَّم إسرائيل العروق، كان يأخذه عِرق النَّسَا، كان يأخذه بالليل، ويتركه بالنهار، فحلف لئِن عافاه الله منه لا يأكل عرقًا أبدًا، فحرمه الله عليهم، ثم قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
(٢) في "ب": (كاهلًا).
(٣) العجاب (٢/ ٧١٤ - ٧١٦).
(٤) في "ب": (بالسواء).
(٥) في الأصل: (المشاورة).
(٦) صحَّ عن ابن عباس - ﵄ - في نزول هذه الآية قال: كانت الغنائم قبل أن يبعث النبي - ﷺ - في الأمم إذا أصابوا مغنمًا جعلوه للقربان، وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلًا أو كثيرًا، حُرِّمَ ذلك على كل نبي وعلى أمته فكانوا لا يأكلون منه، ولا يَغُلُّون منه، ولا يأخذون منه قليلًا ولا كثيرًا إلا عذبهم الله عليه، وكان الله حرَّمه عليهم تحريمًا شديدًا فلم يُحِلَّهُ لنبي إلا لمحمد - ﷺ - ". وكان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال، فذلك قوله يوم بدر في أخذ الفداء من الأسارى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية. =
[ ٢ / ٥٠٧ ]
وأذن للمخلفين في غزوة تبوك باجتهاده حتى نزل (١): ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وافتتح الصوم بشهادة الواحد (٢) على سبيل التحري والاجتهاد. وإنما توقف وانتظر الوحي في أحكام لم يكن للاجتهاد إليها سبيل، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] لا ينفي الاجتهاد لأن الاجتهاد ليس بهوى، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] خاص في القرآن وما أوحي إليه من علم الغيب والأحكام دون ما بينه على سبيل المشاورة والاجتهاد والتحري (٣)، ثم لا يجوز في مقابلة اجتهاد النبي --﵇-- (٤) اجتهاد إلا (٥) بتمكينه؛ لأن اجتهاده كالنص من حيث تقدير الله كما لو حكم بعض الصحابة حكمًا بمشهد النبي -﵇- (٤) ولم ينكر ذلك.
﴿حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: حلالًا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم، فلم يأتوا بالتوراة خوف الفضيحة بتأويلهم الفاسد.
﴿افْتَرَى﴾ افتعال من الفري المختلق (٦) وهو القطع وكأن المختلق يقطع شيئًا من موهومه الباطل فيتكلم به، وذلك إشارة إلى الإتيان بالتوراة أو تحريم إسرائيل.
﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: أخبر بالحق عن كيفية ابتداء التحريم والتحليل، ﴿فَاتَّبِعُوا﴾ استحلوا لحوم الإبل وألبانها فإنه ملة إبراهيم لأنه سبق نذر
_________________
(١) = [أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧٧)؛ وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٠٤) إلى ابن مردويه].
(٢) ذكر ذلك الطبري في تفسيره فقال: هذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتب به نبيَّه - ﷺ - في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. وبنحو ذلك روي عن مجاهد وقتادة، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٧٧).
(٣) في "ب": (القوم).
(٤) في "أ" " ب" "ي": (والنجوى).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) في الأصل و"أ": (لا).
(٧) (المختلق) من "أ"، وفي "ب": (من الفري وهو القطع).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
إسرائيل (١) لا محالة. ﴿حَنِيفًا﴾ نصب على القطع (٢)، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ثناء عليه.
واتصال قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ بما قبلها من حيث اتباع ملة إبراهيم، ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ ضرب متعبدًا لهم، مكة هي (٣) الكعبة، و(بكة) هي مكة لأن الباء قريبة من الميم في المخرج، يقال: سبَد وسمد، وقيل: لأن الناس يتباكون يتراحمون فيها أيام الموسم، ويقال: بكة كأنها تبكُّ أعناق الجبابرة لاتضاعهم فيها (٤) (٥)، و(المبارك) الذي بورك فيه أو عليه، وضده المشؤوم. ﴿وَهُدًى﴾ سببًا من أسباب الهدى فبقعة الكعبة مُتَخَيَّم آدم، فيما يروى أن الله تعالى أنزل عليه خيمة من خيام الجنة ليطوف حولها كما (٦) (يطوف الملائكة (٧) حول البيت (٨) المعمور في السماء الرابعة وقد) (٩) طاف حولها (١٠) سفينة
_________________
(١) في "ب": (إبراهيم)، وهو خطأ.
(٢) تقدم الكلام على قوله "حنيفا" والأوجه الإعرابية فيه في سورة "البقرة" في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥].
(٣) في النسخ: (ببكة بني)، وهو خطأ.
(٤) ذكره ابن جرير في تفسيره وابن سيده في المحكم، وأنشد قول الراجز [وهو منسوب لعامان بن كعب]: إذا الشريبُ أخذتْهُ أكَّهْ فَخَلِّهِ حتى يَبُكَّ بَكَّهْ وأما قول الجرجاني أن مكة هي الكعبة وبكة هي مكة، فهذا عكس ما ذكره عامة أهل اللغة ومنهم الزجاج - نقله عنه الأزهري في تهذيب اللغة - أن بكة موضع البيت وسائر ما حوله مكة. والإجماع أن مكة وبكة الموضع الذي يحجُّ الناس إليه وهي البلدة. والذي يظهر أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف، وهو الذي رجحه ابن جرير ورواه عن أبي مالك الغفاري ومجاهد وقتادة وغيرهم. [ابن جرير (٥/ ٥٩٤)؛ المحكم لابن سيده (٦/ ٦٧٠)؛ تهذيب اللغة (٩/ ٤٦١)؛ جمهرة اللغة ص ٥٨].
(٥) في "أ": (لاتضاعهم فيه).
(٦) (كما) ليست في "أ".
(٧) (الملائكة) ليست في "ب".
(٨) في "ي": (بيت).
(٩) ما بين () ليس في "أ".
(١٠) (وقد طاف حولها) ليست في "ب" "أ".
[ ٢ / ٥٠٩ ]
نوح -﵇-، وحج كثير من الأنبياء، وقد دخل خبر وقد عاد في حيّز التواتر، وتواترت الأخبار ببناء إبراهيم البيت العتيق وقد نزل فيه القرآن.
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ من جملة الآيات البينات لأنه حكم ثبت كضرورة في الجاهلية والإسلام، في المثل: (آمن من حمام مكة وآمن من ظبي بالحرم) (١)، وقال ابن عباس: لو وجدت قاتل أبي في الحرم (٢) لما هجته (٣)، وعن ابن عمر مثله (٤)، وعن ابن الزبير: إنما يستنزل سعيد مولى معاوية (٥) وجماعة من أصحابه كانوا تحصنوا بالطائفة فأدخلهم الحرم (٦) ثم استفتى ابن عباس فيهم فلم يرخص له في شيء، وقال: هلا (٧) قبل أن أدخلتهم الحرم؛ فأخرجهم (٨) ابن الزبير من الحرم ثم صلبهم (٩). ولسنا نرى الإخراج، ولكن لا يطعم الجاني ولا يسقى ولا يجالس حتى يضطر إلى الخروج فيخرج فيتبع فيقام عليه الحد (١٠).
وأما ما دون القتل وما فعل في الحرم يقام فيه وفرض الحج على الفور خلافًا لمحمد، (استطاع السبيل) وجود الزاد والراحلة والسلامة من العوائق،
_________________
(١) في الأصل: (بالحرام).
(٢) المثبت من "أ"، وفي البقية: (الحرام).
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٦٠٣)؛ وعبد الرزاق في مصنفه (٩٢٢٥)؛ وذكره الأزرقي في أخبار مكة (١/ ٣٦٨).
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٦٠٤)؛ وعبد الرزاق في مصنفه (٩٢٢٩)؛ والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٣٦٩) بلفظ: "لو وجدتُ قاتل عمر في الحرم ما هجته".
(٥) في الأصل: (سعيد أموال).
(٦) في الأصل: (الحرام).
(٧) في "ب": (لا).
(٨) في الأصل: (فأخرجهم من قبل ابن الزبير).
(٩) روي ذلك عن طاوس، قال: "عابَ ابن عباس على ابن الزبير في رجل أخذ في الحل ثم أدخله الحرم ثم أخرجه إلى الحل فقتله". [أخرجه ابن المنذر (٧٤١) ونقله عنه السيوطي في الدر (٣/ ٦٨٣)، وهذه قريبة من القصة التي ذكرها المؤلف].
(١٠) وهذا قول ابن عباس - ﵄ -، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٦٠٤)؛ وعبد بن حميد ذكره السيوطي في الدر (٦٨٤٣).
[ ٢ / ٥١٠ ]
والعمى عائق عند أبي حنيفة، ومستطيع الإحجاج كمستطيع (١) الحج حين المرض والحبس فيما تواترت فيها الأخبار، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: امتنع التزام هذا الفرض وقبوله، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط إذ الكافر داخل في جملة العالمين.
وإنما قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ للإعراض عن خطابهم وإنما وقع الإنكار على وجه السؤال للتعجيز (٢) عن إقامة العذر كقوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ﴾ أعظم توبيخ وتهديد.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ نزلت في اليهود كانوا يغرون بين الأنصار من الأوس والخزرج بتذكير ما بينهم من الوقائع لينسخلوا من الدين بالضغائن والعصبية، عن زيد بن أسلم (٣)، وفي اليهود والنصارى جميعًا وإنكارهم نعت نبينا -﵇- (٤) عن الحسن (٥)، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ تبغون لها، كقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]، والهاء عائدة إلى السبيل، والسبيل يذكر ويؤنث. و(العِوج) - بكسر العين-: الزيغ في الرأي، والعَوج - بالفتح-: الميل فيما يكون منتصبًا (٦)، ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ بما في كتابكم،
_________________
(١) في "أ" والأصل: (مستطيع).
(٢) في الأصل: (للتعجب).
(٣) رواية زيد بن أسلم أخرجها الطبري في تفسيره (٥/ ٦٢٧)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٣٨٧٨)؛ وعزاه السيوطي في الدر (٢/ ٥٧) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ ولفظه عن زيد بن أسلم قال: مَرَّ شأسُ بن قيس وكان شيخًا عَسَا -أي كبر سِنُّهُ- في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضِّغنِ على المسلمين، شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأوس والخزرج في مجلسٍ قد جمعهم يتحدثون فيه " إلى آخر سبب النزول هذا، وقد سردها الطبري بطولها.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) رواه عن الحسن ابن جرير في تفسيره (٥/ ٦٣٠)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧١٧).
(٦) في نصب "عوجًا" وجهان: الأول: منصوب على أنه مفعول به، هذا إذا كان "تبغون" بمعنى تطلبون - قاله الزجاج والطبري. والثاني: أنه حال من فاعل "يبغونها"، هذا إذا كان "تبغون" بمعنى تتعدون، والمعنى تبغون عليها أو فيها -قال الزجاج: كأنه قال: تبغونها ضالين. [معاني القرآن (١/ ٤٥٧)، الطبري (٥/ ٦٢٦)؛ الدر المصون (٣/ ٣٢٦)].
[ ٢ / ٥١١ ]
وقيل: أنتم عقلاء، كقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: حاضر بالعقل والهمة (١). ﴿فَرِيقًا﴾ للتبعيض والتنويع لأن بعض الذين أوتوا الكتاب (٢) آمنوا ولمٍ يغيروا فما (٣) كانت طاعتهم كفرًا، وقيل: عني به جميع اليهود وذكر فريقًا بمعنى أحد على التأكيد. (الاعتصام): الامتناع من قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإنما بعد الكفر بعد الإيمان لمعنيين:
أحدهما: استماع الوحي.
والثاني: كونه -﵇- (٤) بين أظهر المؤمنين، فالمعنى الأول باقٍ لعامة المؤمنين المستمعين، والثاني أيضًا كالباقي لمن يلاقي رسول الله صلّى (٥) الله عليه وسلم (٦) بالروح في المنام أو يحيي سنة ويكثر الصلاة عليه ويزور قبره ثم أحال المستعيذ بإثبات الهداية إلى الصراط المستقيم في حق المعتصمين باللهِ على الإطلاق لأنهم بمشاهدة الله تمجدوا بنور الوحدانية وعطلوا عن الرسوم القابلة للآفات فهم ممتنعون عن الغير والحوادث. ﴿بِاللَّهِ﴾ قيل: تقوى الله حق (٧) تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى (٨)، وإنما يكون هذا بتلاشي النفس في مشاهدته وأن لا
_________________
(١) في الأصل و"ي": (الهمة) بدون واو.
(٢) (أوتوا الكتاب) ليست في "ب".
(٣) في الأصل و"ي": (ولم يغيرو إنما)، وهو خطأ.
(٤) في "ب": (عليه كونه السلام)، وهو خطأ.
(٥) في النسخ (رسول الله -﵇-)، والمثبت من "ب".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في "ب" "ي": (تقوى إسحاق تقاته)، وهو خطأ.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٥٣)؛ وابن المبارك في الزهد (٢٢)؛ وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٣٨)؛ والطبري في التفسير (٤/ ٢٨)؛ والطبراني في الكبير (٨٥٠١)؛ والحاكم (٢/ ٣٢٣) وعزاه في الدر (٢/ ٥٩) لعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس في الناسخ وابن مردويه.
[ ٢ / ٥١٢ ]
يشارك في حول ولا قوة لا ينازع في اختيار بعزم أو خاطر، وقيل: تقوى الله حق تقاته محافظة أحكام الشرع، فالأول في المعتصمين بالله والثاني المعتصمين بحبل الله، وعن قتادة والسدي وابن زيد: أن هذه الآية منسوخة (١) بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ نزلت في الأوس والخزرج وتذكيرهم الضغائن واقتتال الطائفتين. قال ابن إسحاق: كانت العداوة قائمة بينهم مائة وعشرين سنة، فأزالها الله تعالى بجمعهم على الإسلام (٢)، وقال الحسن: نزلت في جميع القبائل وما كان بينهم من الطوايل فرفعها الله بالإِسلام، و(الحبل) العهد وعهد الله القرآن والإِسلام، ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أمر بلزوم الجماعة والائتلاف على الطاعة؛ لأن ضد التفرق واحد وهو الإجماع، والنهي عن الشيء الذي له ضد واحد أمر بضده، و(التأليف): التوفيق (٣) وإزالة التنافر، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ حرف أخدود وقبر، وهذا على وجه المثل لمن قرب من الهلاك، ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ أنجاكم من الحفرة والنار، وإنما أخبر عنهما وأعرض عن شفا لأن المقصود فيها.
﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام أمر وأصلها كسر، سُكنا لصيرورة الواو من نفس
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩١١) عن سعيد بن جبير وقال: وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التفسير، وروي عند أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنها نسختها أخرجه عنهم الطبري (٥/ ٦٤٢). وذهب ابن عباس - ﵄ - أنها محكمة غير منسوخة، وأن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهد في الله حق جهاده. ومثله روي عن طاوس. أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٥/ ٦٤١).
(٢) ذكر في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس - ﵄ - قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ [آل عِمرَان: ١٠١] الآية. [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٦٣٦)؛ والطبراني في الكبير (١٢٦٦٦)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٣٨٩٨)].
(٣) في "ب": (التوفيق) بدون واو.
[ ٢ / ٥١٣ ]
الكلمة (١)، و(من) للتبعيض (٢) والأمر فرض على الكفاية إذا قام به البعض وحصل المعروف وزال المنكر سقط الفرض عن الباقين، وقيل: (من) لتخصيص المخاطبين وهي مؤكدة كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا (٣) الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ اليهود والنصارى تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الديانة بالمنازعة في الأصول وترك الاقتصار على الكلمة السواء التي ارتضاها الله وكان صدر الأمة عليها. ﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف والمظروف، ﴿الْعَذَابَ﴾ العظيم. و(ابيضاض الوجوه): إسفارها ونضارتها لفراغ القلب وبرد العيش، واسوداد الوجوه: إظلامها بالقتر والذلة، وذلك إذا تزايدت الحسرات وغلا الدم وصار الإنسان كالمخنوق، ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ يقال لهم: أكفرتم وهو في شأن المرتدين عن الإسلام ويجوز في أهل الكتاب لأنهم كانوا مؤمنين بما عندهم من نعت نبينا -﵇- (٤) إلى أن غيّروا وبدلوا ويحتمل في الكافة لأن (٥) كل مولود يولد على الفطرة، والذوق إحساس طبيعته بالمس يستعمل في المطعوم والمشروب حقيقة وفي الثواب والعقاب استعارة (٦)، قال الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال أبو سفيان لحمزة: ذق عقق.
_________________
(١) قرأ العامة "ولتكن" بسكون اللام، وهي قراءة المصحف المشهورة، وقرأ الحسن والزهري والسلمي بكسرها وهو الأصل كما ذكر الجرجاني. [البحر (٣/ ٢٠)].
(٢) في "ب": (للتبعيض والفرض والأمر).
(٣) في "ب": (واجتنبوا).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب": (إن) بدون لام.
(٦) الاستعارة في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٦] حيث شبهه بالمر مما يؤكل، ثم حذف المشبه به وأبقى شيئًا من لوازمه وهو الذوق، ولا يخفى ما فيه من الشعور بالمرارة، وذلك على طريق الاستعارة التبعية المكنية. [إعراب القرآن وبيانه/ محيي الدين الدرويش" (٢/ ١٧)].
[ ٢ / ٥١٤ ]
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ أي: لا يشاء أن يعاملهم على غير قضية حكمته (١) كإخلاف الوعد وكنقض الثواب من غير نسخ والزيادة في العقاب من غير إنذار، ﴿يُرِيدُ﴾ يحبّ، ومعناه: لا يحب منهم (٢) الظلم فيما بينهم، فاتصالها بما قبلها من حيث ذكر الثواب والعقاب أو من حيث ذكر الوعد والوعيد.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ اتصالها بما قبلها (٣) لأن الإساءة (٤) إلى الملوك على الإطلاق لا يكون ظلمًا ما لم يخالف الحكمة (٥) يدل عليه إحداث الآلام الدنياوية في الحيوان ابتداءً من غير خبر، وعلى المعنى الثاني من حيث ذكر الوعد والوعيد، فأعقب ذكر الملك والاستيلاء ليكون الوعد والوعيد أمكن في قلوب المخاطبين.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ نتظم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢] إلى قوله (٦): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عِمرَان: ١٠٥] وما بينهم عارض، وزعم الكلبي: أنه عني بالخطاب ابن مسعود وسالمًا وحذيفة ومعاذ (٧)، وقال -﵇-: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٨).
_________________
(١) في الأصل: (حكمة).
(٢) في الأصل: (منه)، وفي "ب": (بينهم).
(٣) (بماقبلها) ليست في "أ".
(٤) في "ب": (الإشارة).
(٥) في "ب" "ي": (للحكمة).
(٦) (إلى قوله) ليست في "ب".
(٧) روي أيضًا عن عكرمة قال: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل. [أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٦٧٢)؛ وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٣) إلى ابن المنذر].
(٨) الحديث رواه الترمذي (٣٠٠١)؛ وابن ماجه (٤٢٨٧)؛ والنسائي في الكبرى (١١٤٣١)؛ والإمام أحمد (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧؛ ٣/ ٥٥٣)؛ وفي الفضائل (١٧١٠)؛ وعبد بن حميد (٤٠٩، ٤١١)؛ وابن المبارك في الزهد (٣٨٢)؛ وفي المسند (٦٠١)؛ والدارمي (٢٧٦٠)؛ والروياني (٩٢١، ٩٢٤، ٩٣٧)؛ والطبراني في الكبير (١٩/ ٤١٩ - ٤٢٧)؛ وفي الأوسط (١٤١٥، ٦٤٠٢)؛ والبيهقي (٩/ ٥). =
[ ٢ / ٥١٥ ]
﴿كُنْتُمْ﴾ أي: أنتم، و(كان) زائدة إلا أنه للتأكيد (١)، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (٢)، وقيل: تكونتم ووجدتم، وقيل: كنتم في اللوح المحفوظ، ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أبرزت وأظهرت من الغيب بتركيب الأرواح والأجساد، وقيل: أخرجت من الكفر إلى الإسلام، ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: أنتم خير الناس للناس وأظهر لتدعوا الناس أو ليراها الناس، والآية دالة على صحة الإجماع، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان الإيمان الموجب للنعمة الأبدية مع الأنبياء والصديقين والشهداء خيرًا من الكفر المقتضي متاعًا قليلًا من الرشى ومواريث الكفار، ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ عبد الله بن سلام وأمثاله، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ الكافرون.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر أهل الكتاب والحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإخبار عن صرف ضررهم، ﴿إِلَّا أَذًى﴾ لن يبلغ ضررهم لكم إلا مقدار ما تتأذون به من القول المكروه ونقض العناء في استئصالهم، وإما أن يهزموكم أو يقاوموكم أو يستزلوكم
_________________
(١) = ورواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٣٤) ومن طريقه الطبري (١/ ٢٦٥؛ ٤/ ٤٥؛ ٢٤/ ١٠٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٩٦٧)؛ والرافعي في تاريخ قزوين (٢/ ٢٦٢)؛ وابن عساكر (١/ ١١٥؛ ١٣/ ٨٢؛ ٥٤/ ٢٦١)؛ والدقاق في حديثه (٢٦٥).
(٢) في "كان " ستة أوجه إعرابية: الأول: أنها ناقصة على بابها. الوجه الثاني: أنها بمعنى "صِرْتُم"، ومجيء "كان" بمعنى صار كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: بتيهاءَ قَفْر والمَطِيُّ كأنها قطا الحَزنِ قد كانت فِراخًا بيوضُهَا الوجه الثالث: أنها تامة بمعنى وُجِدْتُم. الوجه الرابع: أنها زائدة، وهذا ما ذهب إليه الجرجاني، والتقدير: أنتم خيرُ أمة، وهذا بعيد جدًا، وقد نقل ابن مالك الاتفاق على أنها لا تزاد. الوجه الخامس: أنها على بابها، والمراد: كنتم في علم الله، أو كنتم في اللوح المحفوظ. الوجه السادس: أن هذه الجملة متصلة بقوله: "ففي رحمة الله". [شرح الكافية الشافية (١/ ٤١١)؛ الكشاف (١/ ٤٤)؛ البحر (٣/ ٢٨)؛ الدر المصون (٣/ ٣٤٨)].
(٣) الآية ليست في "ب".
[ ٢ / ٥١٦ ]
فلا (١). ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يستقبلوكم بأدبارهم؛ حالة إدبارهم منهزمين، وهو (٢) مجزوم لأنه جواب الشرط، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ كلام مستأنف لأنه من قضيّة الكفر قاتلوا أو لم يقاتلوا الآن قضية القتال. وحكم الآية معجزة فضلًا عن النظم والمعنى لأن الله أنجز وعده وكبت يهود (٣) المدينة وبني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ويهود خيبر. وكان الإخبار قد سبق به الإنجيل من الله يعني ما نطق به كتابه من المنع عن قتلهم (٤) وسبيهم عند بذلهم الجزية.
﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ عهود المسلمين وذممهم مؤتمرين بعهد الله وعهود النصارى والمجوس وعبدة الأوثان لهم (٥)، فإن اليهود لا عزّة لهم ولا منعة حيث كانوا إلا بعهد وذمة، وذلك الثاني بدل عن ذلك الأول، و(العصيان): الاعتداء مع الكفر والقتل في معنى واحد، وقيل: إن العقوبة على كفرهم (٦) وقتلهم وكفرهم وقتلهم بشؤم عصيانهم واعتدائهم على سبيل التدريج.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ كالاستثناء في الحكم لأنه خصّ الذم العام المتقدم (٧)، والضمير في (ليسوا) أهل الكتاب سواء مستوين على الصفة المذمومة المقدمة بين اختلافهم ومن خالف الصفة المذمومة المتقدمة منهم ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
_________________
(١) ذكر ابن جرير الطبري أن هذا الاستثناء منقطع وأنه مخالف معنى ما قبله. كما قيل: ما اشتكى شيئًا إلا خيرًا، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعًا، وذهب غيره كالسمين الحلبي إلى أنه يجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، وهو استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل: لن يضروكم ضررًا البتة إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمةِ سوءٍ ونحوها. [الطبري (٥/ ١١١)؛ الدر المصون (٣/ ٣٥١)].
(٢) في الأصل: (فهو) بالفاء.
(٣) في الأصل: (اليهود).
(٤) في "ب": (قبلتهم)، وهو خطأ.
(٥) في الأصل: (لم).
(٦) في الأصل: (عماكفهم).
(٧) ولذا يحسن الوقوف على "سواء" لأنه وقف تام. و"سواء" في الأصل مصدر فلذلك وُحِّد، وتقدم الكلام عليه في سورة "البقرة" آية (٦)، والمعنى أن الله قسَّم أهل الكتاب قسمين وهما لا يستويان: أهل الإيمان وهمِ قِلَّة، وأهل الفسق والكفر وهم الكثرة، كما قال تعالى عنهم: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠].
[ ٢ / ٥١٧ ]
﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ ﴿قَائِمَةٌ﴾ مستقيمة عادلة (١) عن الحسن وابن جريج، وقيل: ﴿قَائِمَةٌ﴾ في الصلاة، ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته.
﴿وَيُسَارِعُونَ﴾ يسابقون ويبادرون إلى القرب والطاعات، وضد السرعة: البطء، وضد العجلة: الأناة.
﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ لن (٢) يجحدوا خيرهم كقوله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] بالكفر يعدى بغير يا، قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] (٣) المعنى أن من كسب خيرًا لم يحرم جزاءه ولم يظلم بإخلاف الوعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خصهم لأن التقدير من عذاب الله وبأسه وعذابه على الإطلاق عليهم دون غيرهم، أو لأن أولاد المؤمنين وأموالهم بنفقاتهم من حيث الكفار والدعاء والشفاعة.
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في أبي سفيان يوم بدر على عداوة رسول الله - ﷺ - (٤)، وقال مقاتل: نزلت في نفقة اليهود على رؤسائهم (٥)، وهي (٦) عامة فيهما وفي كل معصية، ﴿صِرٌّ﴾ برد. نهى -﵇- عن أكل ما قتله الصر من الجراد (٧)، والصر ما يضاعف فيه البرد، وقيل: الصر: النار
_________________
(١) روي ذلك عن مجاهد: رواه ابن أبي حاتم (١٢٢٣/ حكمت)؛ وابن جرير (٥/ ٦٩٣)؛ وعبد بن حميد (٢/ ٦٥/ در)؛ تفسير مجاهد ص ٢٥٨. أما عن الحسن وابن جريج فلم أجده.
(٢) في الأصل و"ي": (أن).
(٣) في "ب" والأصل: (جزاء لمن كفر).
(٤) (- ﷺ -) من "ب".
(٥) لم أجد سببي النزول هذين فيما بين يدي من مصادر التفسير.
(٦) في الأصل: (وبني)، وهو خطأ.
(٧) الحديث بهذا اللفظ لم أجد له أصلًا في كتب الحديث التي بين يدي، وهو- فيما يظهر- مخالف لحديث جواز أكل الميتة من الجراد، وهو الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٩٧)؛ وعبد بن حميد في المنتخب (٢/ ٨٩)؛ وابن ماجه (٣٣١٤)؛ والحاكم (١/ ٢٥٤) عن ابن عمر مرفوعًا: "أحلَّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال". والحديث صحَّحه الألباني -﵀- في السلسلة الصحيحة (٣/ ١١١/ ١١١٨).
[ ٢ / ٥١٨ ]
ذات الالتهاب، وإنما شبه نفقتهم بهذا الريح لأنها وضعت شرفهم وهدمت مجدهم وأورثتهم العار في الدنيا والآخرة كما أهلكت الريح الحرث، ﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بمعصية الله لا حصدوا زرعهم ولا نالوا ثواب المعصية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في قوم أضافوا اليهود والمنافقين لمودة (١) كانت بينهم في الجاهلية (٢). عن ابن عباس: قدم أبو موسى [على عمر الفاروق وذكر من شأن كاتب نصراني فأنكر عمر ذلك وتلا هذه الآية، قال أبو موسى] (٣) له دينه ولي كنانته، قال عمر: لا أرفعهم وقد وضعهم الله، ولا أُقرِّبهم وقد أبعدهم الله تعالى، (بطانة) الرجل خاصته من أصحابه الذين يستبطن أمره، ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ من دون المؤمنين المخلصين، ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾ لا يقصرون في أمركم. قال الأزهري: الإلو يكون جهدًا أو يكون بتقصير أو يكون استطاعة (٤)، ﴿خَبَالًا﴾، فسادًا (٥)، ﴿وَدُّوا﴾ حبّوا وتمنوا
_________________
(١) في "ب": (لمود).
(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٧٠٩)؛ وابن إسحاق (٣٠/ ٩٥، ٩٦)؛ وابن أبي حاتم (١٢٧٣/ حكمت)؛ وعزاه في الدر (٢/ ٦٦) لابن المنذر، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٨٨.
(٣) ما بين [] سقطت من الأصل.
(٤) انظر تهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٤٣٤). والأَلْوُ بزنة "الغَزْو"، ومعناه التقصير، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: سَعَى بعدهم قومٌ لكي يُدْرِكوهُمُ فلم يفعلوا ولم يُلِيموا ولم يَأُلُوا وقال امرؤ القيس: وما المرءُ ما دَامَتْ حُشَاشةُ نفسِهِ بمُدْرِكِ أطرافِ الخطوب ولا آلِ يقال: آلى يؤلي، فأبدلت الهمزة الثانية ألفًا. قال الراغب: أَلَوْتُ فلانًا أي: أوليتُه تقصيرًا، فقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عِمرَان: ١١٨] أي: لا يقصرون في طلب الخبال، بمعنى: إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالًا. [المفردات للراغب ص ١٨؛ ديوان زهير ص ١١٤؛ البحر (٣/ ٣٣)؛ ديوان امرئ القيس ص ١٨؛ الطبري (٥/ ٧٠٨)].
(٥) يطلق الخبل على الفساد، ومنه قوله ﵊: "من أصيب بقتل أو خَبْلٍ =
[ ٢ / ٥١٩ ]
عنتكم و﴿الْبَغْضَاءُ﴾ حالة شدة (١) الغضب. قال الفراء (٢): هو مصدر، (أفواه): جمع فوه كأمواه (٣) وموه، ولم يستعملوه إلا مضافًا لعدم استقلاله، وفوهة الشعب فمه. والفوهة: الكلمة، وما بدا (٤) بأفواههم: اللي بألسنتهم، والتبغيض: تعريضًا وتصريحًا، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ اشتهاء القتل والسبي.
﴿أُولَاءِ﴾ وقعت الإشارة إلى اسم يكنى تقدمت هاء التنبيه على الاسم المكنى، تقول: ها أنا ذا، وها هو ذا، وإنما عادت هاء التنبيه بعد الاسم المكنى ها أنا ذا وها هو هذا، أو هأنت هذا، والمراد بمحبة المؤمنين للكفار: عطف الرحم والشفقة الطبيعية دون اعتقاد المحبة كقوله (٥): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. و(العض) من الإنسان كالكدم من البعير، و(الأنامل) جمع أنملة وهي طرف الإِصبع (٦) في المحسوس وما يقع به ابتداء القبض في المعقول، وإنما فعلوا لما ذاقوا من الغيظ، وكذلك يفعل الإنسان إذا ضاق من تأسف، ﴿الْغَيْظِ﴾ الحزن الذي يسجى، قال الله (٧) تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ تقريع من جهة النبي -﵇- كقولك: اخسأ، مقابلة كقولهم السام عليكم أو الموت مع (٨) الغيظ حقيقة حكمًا من الله أن لا يموتوا إلا مع الغيظ وإن طال عمرهم.
_________________
(١) = فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، " الحديث رواه أبو داود (٤/ ٦٣٦)؛ وابن ماجه (٢٦٢٣)؛ وأحمد في المسند (١٦٣٧٥)؛ وغيرهم من حديث أبي شريح الخزاعي - ومعنى الخبل: فساد الأعضاء.
(٢) في "ب": (الشدة).
(٣) معاني القرآن (١/ ٢٣١).
(٤) في الأصل: (كاسواه).
(٥) في "ب": (وبدا).
(٦) في الأصل: (كقولك)، وهو خطأ.
(٧) في "ب": الأصابيع.
(٨) (الله) ليست في الأصل.
(٩) (مع) ليست في الأصل.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تحزنهم، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ عن مخالطتهم، والكيد: إلطاف الحيلة في مكروه، فكيد الله: إلطاف حيلة أوليائه في مكروه من يخالفهم.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ من أول السورة إلى هذه الآية كفصل واحد، وهذه الآية مبتدأ (١) فصل آخر (٢) واتصالها بالفصل الأول من حيث ذكر المتن، والأحوال الموجودة فيما بين المؤمنين والكفار، قال ابن عباس وعلي وعائشة وقتادة والسدي والربيع: نزلت في حرب بدر سنة ثلاث (٣)، وقال الحسن ومجاهد ومقاتل: في حرب الأحزاب وهي الخندق سنة أربع (٤)، ﴿وَإِذْ﴾ ظرف العامل فيه (٥) قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ لأنه بدل على زمان، ويحتمل مضمرًا وهو: كفيناكم ونصرناكم (٦)، (الغدو): البروز في وجه النهار والرواح بالمساء، قال مقاتل: غدا -﵇- على راحلته، وقال مجاهد: على رجليه (٧)، (تبوئة المكان): تهيئته، و(اتخاذه مقاعد): مجالس.
_________________
(١) في "ب" "ي": (مبتداة).
(٢) في الأصل و"ي": (آخره).
(٣) رواه الطبري (٦/ ٦ - ٧)؛ وابن أبي حاتم (١٣١٣/ حكمت) عن ابن عباس قال: يوم أحد. وروي ذلك عن قتادة والربيع والسدي وابن إسحاق، وذكر الطبري وغيره سبب نزول آخر وهو أنها نزلت يوم الأحزاب. وأما ما ذكره المؤلف الجرجاني فلعله وهم منه، فلم أجد من ذكر أنها نزلت يوم بدر مع أن قتاله ﵊ يوم بدر كان في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، كما رواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٩٣) وهو مما يؤكد وهم المؤلف.
(٤) رواه الطبري (٦/ ٨)؛ وابن أبي حاتم (١٣١٧) عن الحسن قال: يوم الأحزاب، ورواه عن مجاهد أيضًا (٤/ ٧٢). وقد رجح الطبري القول الأول.
(٥) في الأصل و"أ": (قيد)، وهو خطأ.
(٦) الأنسب أن يكون العامل المضمر في "إذْ" هو اذكر، أي: اذكر إذْ غدوت فينتصب انتصاب المفعول به لا على الظرف، وهذا ما اختاره السمين الحلبي في تفسيره. [الدر المصون (٣/ ٣٧٨)].
(٧) رواه الطبري (٤/ ٦٩)؛ وابن أبي حاتم (١٣١١/ حكمت)؛ وابن المنذر (٨٦٣)؛ وعبد بن حميد (٢/ ٦٧ / در).
[ ٢ / ٥٢١ ]
﴿طَائِفَتَانِ﴾: بنو سلمة وبنو حارثة أشار عليهم عبد الله بن أبي بن سلول (١) بالانصراف إلى المدينة والمقام بها (٢)، و(إذ) بدل عن (إذ) الأولى (٣) لاتخاذ وقتهما كقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠].
﴿هَمَّتْ﴾ كادت على سبيل الاستعارة (٤) كقوله له: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، و(الفشل): الجبن، وروي عن بعضهم قال: ما يسرنا أنا لم نهم لأن الله أعقب قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ وفيه أعظم رجاء، وفي جزء عبد الله: و﴿الله وليهم﴾ (٥) كما في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله: ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩]، بدر اسم رجل غفاري من بطن يقال لهم (٦) بنو النار سميت بدر (٧) باسمه (٨)، وكانت غزوة بدر
_________________
(١) في "ب" "ي": (أبي بن سلول)، وهو خطأ.
(٢) روي ذلك عن جابر قال: هم بنو حارثة وبنو سلمة، رواه ابن أبي حاتم (١٣٢٠ - ١٣٢٦/ حكمت)؛ وابن جرير (٤/ ٧٠ - ٧٣) عن ابن عباس ومجاهد والشعبي والربيع وقتادة وسعيد بن أبي هلال.
(٣) أي "إذ همت" بدل من "إذ غدوت" فيكون العامل فيه نفس العامل في المبدل منه. ويجوز أن تكون "إذ همت" ظرفًا لي "غدوت"، وجوَّزَ أبو البقاء العكبري أن يكون الناصب لي "إذ همت" و"عليم". وقيل: العامل فيه: إما "سميع" وإما "عليم" على سبيل التنازع، وهو اختيار الزمخشري. [البحر (٣/ ٤٦)؛ الإملاء (١/ ١٤٨)؛ الكشاف (١/ ٤٦٠)؛ الدر المصون (٣/ ٣٨١)].
(٤) الأصل أن الهَمَّ هو: العزم، وقيل: هو دونه، وقرينة السياق تحدد ذلك. وأنَّ أول ما يمرُّ بقلب الإنسان يسمَّى خاطرًا، فإذا قويَ سميَ حديث نفس، فهذا قويَ سميَ همًّا، فإذا قويَ سميَ عزمًا، ثمَّ بعده إمَّا قول أو فعل. وبعضهم يعبِّر عن الهمِّ بالإرادة وهو ما ذهب إليه المؤلِّف.
(٥) قراءة ابن مسعود ذكرها الطبري محمَّد بن جرير في التفسير (٦/ ١٦)؛ والفراء في معاني القرآن (١/ ٢٣٣).
(٦) في الأصل: (لم).
(٧) في النسخ كلمة تختلف عن (بدر) ولكنها قريبة منها.
(٨) هذا ما نقله الطبري في تفسيره عن الواقدي قال -أي الواقدي-: ذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري، فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: ماؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قط يقال له: بدر. وما هو من بلاد جهينة، إنما هي بلاد غفار. قال الواقدي: =
[ ٢ / ٥٢٢ ]
في شهر رمضان سنة اثنين وكان لواء رسول الله - ﷺ - (١) يومئذٍ (٢) أبيض معٍ مصعب بن عمير وراية سوداء مع علي (٣)، وكانت قريش (أخرجت عباسًا وعقيلًا مكرهين مع أنفسهم وكان عباس من مطمعي) (٤) قريش يومئذٍ، فلما التقت الفئتان أهب الله ريح النصر لأوليائه وشاهت وجوه الكفار وكان كما قال الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] الآية، قتل حمزة: شيبة بن ربيعة (٥) والأسود بن عبد الأسود المخزومي، وقتل علي: العاص بن سعيد والوليد بن عقبة وعامر بن عبد الله ونوفل بن خويلد وعبد الله بن حميد، وقتل عمر: خالد بن العاص بن هشام، وقتل الزبير: عبيدة بن سعيد بن العاص، وقتل عبيدة بن الحارث: عتبة بن ربيعة، وضرب عمرو بن الجموح رجل أبي جهل ووقف عليه ابن مسعود وارتقى ظهره واحتزَّ رأسه، وقتل عمار: عليّ بن أمية بن خلف (٦).
عن سعيد بن جبير: أن النبي -﵇- قتل يومئذِ ثلاثة صبرًا: عقبة ابن أبي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، وطعيمة بن عدي، وأسر العباس وعقيل ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فالتجأ عباس إلى مثل قولهما (٧): ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]، فقال النبي -﵇- (٨): "الله أعلم بإسلامك فإن كان حقًا فهو يجزيك وأما ظاهر أمرك فكان علينا" وأمره أن يفدي نفسه وابني أخيه، فقال: ما لي شيء ولا تترك
_________________
(١) = هذا المعروف عندنا. وذهب الشعبي إلى أنه سمي بذلك لأنه كان ماءً لرجل من جهينة يقال له: بدر. [الطبري (٦/ ١٧)؛ طبقات ابن سعد (٢/ ٢٧)؛ فتح الباري (٢/ ٢٧)].
(٢) (وسلم) من "ب" "أ".
(٣) (يومئذ) ليست في "ب".
(٤) في "ب": (قريش)، وهو خطأ.
(٥) ما بين () سقطت من "ب".
(٦) سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٤ - ٢١٥).
(٧) سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٦).
(٨) في الأصل: (قولهما).
(٩) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
عمك يسأل الناس في كفه، قال -﵇-: "أين المال الذي وضعته عند أم الفضل بمكة وأوصيت منه لعبد الله كذا وللفضل كذا"! "، فقال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد غيري وغيرها وإني لأعلم أنك رسول الله، فأسلم (١) وأدى فداء نفسه ماية أوقية وفدى كل واحد من ابني أخيه بأربعين أوقية، وأمر عقيلًا فأسلم ولم يسلم نوفل إلى أيام الخندق، وفائدة فداء عباس كون إسلامهم على سبيل الاختيار دون الاضطرار وقطع ألسنة الطاعنين المنافقين.
﴿أَذِلَّةٌ﴾ جمع ذليل وهو قليل الشوكة والمنعة بالسلاح والعدد (٢)، ودفع (٣) الحاجة إمداد الجيش لزيادة فيهم بالعدد والعدة (٤).
والقصة فيه أن فريقًا من المؤمنين كرهوا الخروج على ما سنذكره في "الأنفال" فقال -﵇-: "هذا بوحي من عند الله" فأجابوه بالسمع والطاعة.
﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قال ابن عباس: إن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر (٥)، قيل: هي عدة ليوم أحد على شريطة الصبر فلم يصبروا ولم يكن هذا الإمداد، وقيل: لما وعد النبي -﵇- بثلاثة آلاف بإذن الله
_________________
(١) (فأسلم) ليست في "ب".
(٢) الأظهر أنهم أذلة بسبب قلة العدد لأنهم كانوا ثلاثمائة نفس وبضعة عشر، وعدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف، وهذا الذي رجحه الطبري في تفسيره ونقله عن قتادة والحسن والربيع. [الطبري (٦/ ١٨)].
(٣) في الأ صل: (وودفع).
(٤) في "أ": (العدد).
(٥) رواه الطبري في التاريخ (٢/ ٣٦)؛ وفي التفسير (٦/ ٢٥)؛ وابن إسحاق (٣/ ١٨٢)؛ والطبراني في الأوسط (٩١٢٥)؛ وذكره ابن كثير (١/ ٤٠٣)؛ والقرطبي (٤/ ١٩٤) عن ابن عباس.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وأجابوه بالسمع والطاعة زاد الله في تلك العدة وهذا أصح (١)؛ لأنه قال: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ أي على وجههم وحالهم دون وقت آخر، قيل: كانت جملة الملائكة يومئذٍ ثمانية آلاف لأن (بل) يثبت الثاني يدفع الأول في اللفظ ولا يثبتهما معًا، وقال في "الأنفال": ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وذلك يكون ألفين وألفان مع ثلاثة آلاف خمسة آلاف، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال ابن عباس والحسَن وقتادة ومجاهد والضحاك أنها الصوف في نواصي الخيل وأذنابها (٢)، وعن ابن عباس: عمايم بيض كانوا يتدلون بين أكتافهم، وقيل: كانت عمايم صفر مثل عمامة الزبير يومئذٍ (٣)، وقال مجاهد: كانت أذناب خيلهم محزوزة (٤)، وقيل: كانوا على خيل بُلق (٥)، فالجمع بين الأقاويل ممكن ما خلا لون العمايم فإنها تخيلت لقوم بلون ولقوم بلون.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾: الإمداد، وقيل: الوعد المشروط. وإن عظمت
_________________
(١) وهو اختيار الطبري لأن النبي - ﷺ - قال للمؤمنين: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٤] فوعدهم بثلائة آلاف ثم وعدهم بعدها بخمسة آلاف إن صبروا واتقوا الله. [الطبري (٦/ ٢٨)؛ ابن كثير (١/ ٤٩١)].
(٢) رواه الطبري (٦/ ٣٦)؛ وابن أبي حاتم (٤١١٢) عن ابن عباس؛ ورواه ابن أبي حاتم (١٣٧٠) عن مجاهد قال: محذفة أعرافها معلمة نواصيها بالصوف والعهن، ورواه (١٣٧٢) عن مجاهد قال: معلمين مجززة أذناب خيولهم عليها العهن والصوف. ورواه ابن أبي شيبة (٣٢٧٢١)؛ والطبري (٦/ ٣٤)؛ وابن المنذر في التفسير (٨٩٣، ٨٩٤) عن قتادة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في الفضائل (١٢٦٨، ١٢٦٩؛ ٣/ ٧٥٤)؛ وعبد الرزاق في التفسير وابن أبي شيبة (٢٤٧٥٣، ٣٢٧٢٤، ٣٦٧٠٣)؛ والطبري في التفسير (٤/ ٨٣)؛ وابن أبي حاتم (١٣٧٤)؛ والطبراني في الكبير (٥١٨)؛ وابن المنذر في التفسير (٨٩٦)، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥١٣)؛ وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٨٢)؛ وابن عساكر (١٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه الطبري (٦/ ٣٥) عن الربيع، وأخرجه أيضًا عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر (٢/ ٧٠) إلى عبد بن حميد، وقد روي من غير هذا الوجه عن غير قتادة والربيع.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
بهذا الإمداد شوكتكم وكثرت عدتكم وسكنت روعتكم، ﴿وَمَا (١) النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من حكم الله وتقديره، وهذا دليل أن العبد محتاج إلى الله تعالى في جميع أحواله.
(القطع): إبطال التأليف بالجز، و(الطرف) حدف الشخص، و(الكبت) القهر، والمكبوت: الحزين، والكبت والكبد بمعنى، كما يقال: سبد رأسه وسبت؛ أي: حلقه، و(الانقلاب): الانصراف، و(الخيبة): انقطاع الأمل، ولا بدّ لحروف المعاني من أفعال يتصل بها إلى الأسماء، فالتقدير (٢): وأنهم أذلة ليقطع أو منزلين ليقطع أو مسومين ليقطع (٣)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿لِيَقْطَعَ﴾: ليقتل طائفة منهم وينقصهم، وإنما استعمل في النقص قطع الطرف دون الوسط (٤) لأن قطع الوسط يأتي على الكل.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ نزلت حين لعن -﵇- أبا سفيان (٥) بن حرب والحارث بن هشام وصفوان بن أمية، فتاب الله عليهم وأسلموا وحسن إسلام بعضهم أو كلهم (٦)، وقيل: نزلت في قنوته على عُصية وذكران حين قتلوا سبعين رجلًا ببئر معونة من أصحاب الصفة (٧)، قال
_________________
(١) (وما) ليست في "أ".
(٢) (فالتقدير) ليست في "ب".
(٣) في "ب" "ي" "أ" كلمة (أو) بعد ليقطع.
(٤) في "ب": (القسط).
(٥) في "ب": (أبو سفيان)، وهو خطأ.
(٦) لم يرد "ولعن أبو سفيان" إلا في رواية عند الترمذي (٣٠٠٤)، وهذه الرواية منكرة، وقد ثبت عند أحمد وغيره دون ذكر أبي سفيان، ورواية الإمام أحمد صححها أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥٩٩٧)، وعن ابن عمر - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يدعو على أربعة، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٨] قال: وقد هداهم الله للإسلام. أخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٨)؛ وأحمد (٥٨١٢)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (١٣٩٢).
(٧) ذكره الحافظ في العجاب (٢/ ٧٥١ - ٧٥٢) وهو في صحيح البخاري (٨/ ٢٢٦)؛ ومسلم (١/ ٤٦٦).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ابنِ مسعود: كاد - ﷺ - (١) أن يدعو (٢) على المنهزمين يوم أحد، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بعدها (٣).
وعن ابن عباس وأنس والحسَن وقتادة والربيع: أنه -﵇- أراد أن يدعو (٢) على الكفار أجمعين يوم أحد لما شجوا رأسه وكسروا رباعيته فأنزل (٤)، وقيل: أنها نزلت في النهي عن المثل والعقوبات، كانت هند أعطت قلادتها يوم أحد لوحشي قاتل حمزة واتخذت قلادة من الآذان والأنوف وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فحرمها الله عليها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
وعن سعيد بن المسيب أن عبد الله بن جحش قال قبل أحد: اللَّهم إن لاقينا هؤلاء غدًا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ويمثلوا بي فيقول لي (٥) يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؛ فأقول: فيك فيك، فلما كان يوم أحد قبض الله الكفار ففعلوا به ما تمناه فمر به من سمع مقالته، فقال: أما هذا فقد أعطاه الله في نفسه ما سأله في الدنيا، وهو يعطيه ما سأله في الآخرة، ولما بلغ الأمر هذا المبلغ همّ -﵇- (٦) أن يعمهم بالدعاء، وأن ينال منهم ضعف ما نالوا، فأنزل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ [النحل: ١٢٦] الآية.
﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ الشأن والألف والسلام للمعهود وهو في معنى قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٦] وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]،
_________________
(١) المثبت من "ب" وفي البقية: (-﵇-).
(٢) في "ب": (يدعوا)، وهو خطأ.
(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي في التفسير (٢/ ١٤٧) عن الكلبي، وذكره الحافظ في العجاب (٢/ ٧٥٢) عن الثعلبي.
(٤) في الأصل: (في)، وهي خطأ.
(٥) لم أجد أن النبي - ﷺ - أراد الدعاء على الكفار جميعًا، لكن المشهور عنه في هذه الحادثة عندما شُجَّ رأسه قال: "كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم .. " أرواه البخاري (٧/ ٣٦٥)؛ ومسلم (٣/ ١٤١٧)].
(٦) (السلام) في "ي".
[ ٢ / ٥٢٧ ]
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) معطوف على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ويحتمل أنه في معنى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقيل: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني إلا أن يتوب عليهم، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، فعلى هذا معناه: ليس لك أن تحكم على أعيانهم بجنة ولا نار حتمًا إلى أن يظهر الله أمره ويميز الخبيث من الطيب.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يدل أن إطلاق الملك يوجب نفاذ المشيئة واتجاه العذاب على حكم المشيئة.
واتصال آية الربا بما تقدم من حيث ذكر المتن لأنها توجب الشكر والانقياد، وإنما بدأ بالربا لأنه كان من شرائع الجاهلية فنهى المسلمين عنه، ليدخلوا في السلم كافة ولا يتشبهوا بالكفار، (والأضعاف أقلها ثلاثة) (٢) والأضعاف المضاعفة (٣) أقلها ستة (٤)، وإنما ذكر لقبحه في المعاملة.
_________________
(١) في قوله: "أو يتوب" أربعة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه معطوف على الأفعال المنصوبة قبله، والتقدير: ليقطعَ أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٨] جملة اعتراضية بين المتعاطفين، وإلى هذا ذهب الفراء والزجاج وغيرهما. الوجه الثاني: أَنَّ "أو" بمعنى حتى. وعلى هذا يكون الكلام متصلًا بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عِمرَان: ١٢٨]، وإلى هذا ذهب ابن الأنباري، وأنشد قول امرئ القيس: فقلتُ له لاتبكِ عينك إنما نحاولُ ملكًا أونموتَ فنعذرا الوجه الثالث: أنه منصوب بإضمار "أَنْ" عطفًا على قوله "الأمر"، والتقدير: ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم أو تعذيبهم شيء، فهو كقول الشاعر [ينسب لميسون بنت بحدل]: لَلُبْسُ عباءَةٍ وتَقَرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ الوجه الرابع: وقد ذكره المؤلف وهو أن "أو" بمعنى: إلَّا أنْ، والتقدير كما ذكره المؤلف، وهذا الوجه ذكره السمين الحلبي في تفسيره وذكره قبله الفراء وابن الأنباري. [معاني القرآن للفراء (١/ ٢٣٤)؛ معاني القرآن للزجاج (١/ ٤٨٠)؛ الدر المصون (٣/ ٣٩)؛ الكتاب (١/ ٤٢٦)].
(٢) ما بين () ليست في "أ".
(٣) في الأصل و"ي" "ب": (للمضاعفة).
(٤) الأصل أن "أضعاف" جمع قلة، لكن قصد به هنا الكثرة ولذا أتبعه بقوله "مضاعفة" =
[ ٢ / ٥٢٨ ]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إنما ذكر الرسول ليعلم أن أوامره شريعة واجبة وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير الله ذلك بتبقيته إعجازه، وقد تواترت الأخبار أنه -﵇- (١) قال: "أوتيت الكتاب ومثله مرتين" (٢).
وذكر أولي الأمر في النساء ليعلم أنه يترك الاجتهاد لاجتهادهم وأن لهم إقامة الجمعة والعيد والفيء والحدود، وإن وقع التنازع (٣) في شيء رجحوا إلى كتاب الله وسنة رسوله.
﴿وَسَارِعُوا﴾ المسارعة إلى الجنة وهي مسابقة بعض الناس بعضًا أو مسابقتهم انقضاء الأجل إلى عمل يوجب الجنة، فقيل: إنه التوبة، وقيل: الغزو، وقيل: الهجرة، وقيل: الوقوف على قضية الأمر والنهي، وقيل: الجمعة والجماعات. وعن سعيد بن جبير: الطاعة (٤)، وعن أنس بن مالك: التكبيرة الأولى (٥)، وعن عثمان: الإخلاص في العمل، وعن علي: الفرائض.
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾ أي: كعرض السماوات، وإنما حذف لعدم الإيهام
_________________
(١) = وهي مصدر في موضع الحال كما قال أبو البقاء. والضعف مثل قدرين متساويين، وقيل مثل الشيء في المقدار، ويقال: ضعف الشيء: مثله ثلاث مرات، إلا أنه إذا قيل "ضعفان" فقد يطلق على الاثنين المثلين في القدر من حيث إنَّ كل واحد يضعف الآخر. [الإملاء (١/ ١٤٩)؛ البحر المحيط (٢/ ٢٥٢)؛ الدر المصون (٣/ ٥١٢)].
(٢) (السلام) في "ي".
(٣) رواه أبو داود (٤٦٠٤)؛ والإمام أحمد (٤/ ١٣٠)؛ والطبراني في الشاميين (١٠٦١)؛ والمروزي في السنة (٤٠٣،٢٤٤)؛ والخطيب في الكفاية (١/ ٨٠)؛ وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٩ - ١٥٠) بلفظ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه " الحديث عن المقدام بن معدي كرب وسنده صحيح.
(٤) في الأصل: (الشارع).
(٥) رواه ابن أبي حاتم (١٤٢١/ حكمت) قال: سارعوا بالأعمال الصالحة.
(٦) رواه ابن المنذر (٩٢١) عن أنس قال: التكبيرة الأولى، وذكره القرطبي (١٧/ ٢٠٦) عن مكحول.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
كقوله -﵇-: "الضبع نعجة (١) سمينة" (٢)، وذكر العرض دليل على الطول أنه زائد والطول لا يدل على العرض، قيل: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب، فقال: أرأيت قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ الآية، فقال عمر لأصحاب محمَّد -﵇-: أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السماوات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؛ قال؛ حيث شاء الله، (وقال عمر: والنار حيث شاء الله) (٣)، فقال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين، إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت (٤).
و﴿السَّرَّاءِ﴾ حالة السرور والنعمة، و(كظم الشيء) حبسه عن الظهور والخروج. يقال: كظم البعير على جرّتِه إذا ردّها في حلقه، وكظم فلان القربة. والكظام لوح عريض يسد به فم النهر، وهو مستعمل في الغضب والحزن إذا لم يظهرهما الإنسان.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآيتان تدلان (٥) أن الله تعالى أحب أن يعبد بابتداء الخير والرجوع إلى الخير بعد الشر. وفي الحديث: "إن الله (٦) تعالى يحب العبد المفتن التواب" (٧)، (والفاحشة: الكبيرة، وظلم الأنفس:
_________________
(١) في "ب": (نعجة عظيمة).
(٢) ذكره ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣١٢) عن عكرمة.
(٣) ما بين () ليست في "أ".
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٥٥) عن طارق بن شهاب أن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض: أين النار؛ قال: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار؛ فقالوا: اللهم نزعت مثله من التوراة. وكذا رواه ابن المنذر (٩١٨، ٩١٩)، وعزاه في الدر (٢/ ٧٢) لعبد بن حميد، وروي عن ابن عباس - ﵄ - مثله، أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٥٦).
(٥) في "ب": (تدل على).
(٦) (الله) من "ب" "أ".
(٧) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند (١/ ٨٠ - ١٠٣)؛ وفي زوائد الفضائل (١١٩١)؛ والحارث في مسنده (١٠٧٦ - بغية)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٢٢)؛ وأبو يعلى (٤٨٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٧٨ - ١٧٩)؛ والحديث ضعيف جدًا وهو إلى الوضع أقرب.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
الصغاير. وقيل) (١): الفاحشة: ما يعدو، وظلم النفس: ما لا يعدو، ويحتمل قلبُ هذا، ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ بقلوبهم عند ألوان دامت عليهم بعد الغفلة، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾ استفهام بمعنى التقرير (٢)، ﴿الذُّنُوبَ﴾ الجرائم التي تكون آثامًا دون ما يمكن الناس مغفرته.
واختلف في أرجى آية، قيل: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، وقيل هذه الآية.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ لم يعزموا المقام على ما فعلوا بترك نية الإقلاع عنها والتوبة منها، وقال عطاء: إذا أذنب أحدكم فليسرع إلى الرجوع يغفر الله له، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ عالمين أنه معصية، فأما إذا اشتبه عليهم مما يسوغ فيه الاجتهاد فلا عليهم، وقيل: وهم يعلمون أن الله يقدر أن يجعل الذنوب مغفورة، ﴿الْعَامِلِينَ﴾ عاملو الخصال المذكورة من الخيرات.
﴿سُنَنٌ﴾ واحدها سُنّة: وهو ما وضع من رسم (٣) ومثال في السيرة،
_________________
(١) ما بين () ليست في "أ".
(٢) الأظهر أن الاستفهام هنا بمعنى النفي أي: ما يغفر الذنوب إلا الله، وهو اختيار الزجاج والسمين الحلبي وابن كثير وغيرهم، ولا مانع من الثاني، وجوَّز ابن جرير الوجهين. [ابن كثير (١/ ٤٩٨)؛ معاني القرآن (١/ ٤٦٩)؛ الدر المصون (٣/ ٣٩٧)؛ ابن جرير (٦/ ٦٥)].
(٣) أي أن "سُنَة" بمعنى الطريقة، ومنه: سنة الأنبياء -﵇- أي: طريقتهم، ومنه قول خالد الهذلي: فلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا فأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يسيرها وقال المفضل الضبي: السُّنَّة: الأمة، وهو قول ابن جرير، ومنه قول الشاعر: ما عاينَ الناسُ من فضلٍ كفضلكم ولا رُئِيْ مثله في سائر السننِ وقال الخليل: سَنَّ الشيء بمعنى صَوَّرَهُ. ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. [الطبري (٦/ ٧٠)؛ ديوان الهذليين (١/ ٥٧)؛ الخصائص (٢/ ٢١٢)؛ البحر (٣/ ٥٦)].
[ ٢ / ٥٣١ ]
قال الحسَن وابن إسحاق: سنن الله تعالى في المكذبين (١)، وقال الزجاج: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ سنن وطرايق، هذا إشارة إلى التنبيه على السنن الخالية، وقيل: إلى النظر المأمور به.
(الوهن): الضعف (٢)، وإنما جاز النهي عنه لأن الإنسان ربما اكتسبه بالجبن والتخوف (٣) وتمكن الأهوال من القلب، و(العلو): الرفعة والسمو مكانًا أو مكانة، وأراد ها هنا (٤) المكانة والغلبة، ومنه كان فضيلة هذه الأمة علي بني إسرائيل حيث قال لموسى -﵇- وجنده: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨].
وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ متصل بالنهي، وقيل: بالخبر.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ نزلت في تسلية المؤمنين مما أصابهم يوم أحد، وشاور رسول الله يومئذٍ أصحابه في الخروج إلى العدو، وقال: "إني رأيتني لبست درعًا فأولتها المدينة" (٥) فأشار عليه ابن أبي بن سلول (٦) أن لا يخرج، وأشار عليه رجال من المسلمين أن يخرج، فلبس درعًا وخرج في ألف رجل، وانخذل ابن أبي بن سلول (٦) بثلث الناس غيظًا أن لم يقبل قوله (٧)، واتبعه عمرو بن حزام. (ولما وصل) (٨) رسول الله - ﷺ - (٩) إلى الشعب من
_________________
(١) في الأصل و"ب": (الكذابين).
(٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عِمرَان: ١٣٩].
(٣) في الأصل و"ب": (التخويف).
(٤) في الأصل: (هنا).
(٥) رواه الإمام أحمد (١/ ٢٧١؛ ٣/ ٣٥١)؛ والحاكم (٢/ ١٤١)؛ والبيهقي (٧/ ٤١) عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه النسائي في الكبرى (٧٦٤٧)؛ وابن سعد (٢/ ٤٥)؛ والدارمي (٢١٥٩) عن جابر مرفوعًا، والحديث صحيح ثابت.
(٦) في الأصل: (ابن أبي سلول)، وهو خطأ.
(٧) سيرة ابن هشام (٣/ ١١).
(٨) بدل () بياض في الأصل.
(٩) (- ﷺ -) من "ب".
[ ٢ / ٥٣٢ ]
أحد (١) أمَّر عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن عوف (٢) على خمسين رجلًا من الرماة وأوصاهم أن لا تبرحوا أكانت الحرب لنا أو علينا كيلا تأتينا الخيل من ورائنا، وظاهر بين درعين وجعل ظهره إلى أحد، وتهيأ للقتال (٣).
ودفع سيفًا إلى أبي دجانة ضمن أن يأخذه بحقه، وتعمم بعمامة حمراء وتبختر بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقال: "إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموضع" (٤)، وقاتل أبو دجانة يومئذٍ قتالًا (٥) شديدًا موفيًا عهده (٦)، وحميت الرب فقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش (٧) فخلفه سعد بن أبي طلحة، فرمى سعد بن أبي وقاص فقتله (٨) فخلفه شافع، فرماه عاصم بن ثابت الأنصاري وقتله، فخلفه الحكم بن الأخنس، ثم عبد الله بن حميد وأبو حذيفة بن حميد وأبو أمية بن حذيفة (٩)، وأسر أبو عزة الجمحي الشاعر بعد ما من عليه رسول الله - ﷺ - (١٠) يوم بدر فجيء به إلى رسول الله - ﷺ - (١٠) فضرب عنقه وقال: "لا تمسح خديك بين الصفا والمروة، وتقول: خدعت محمدًا مرتين" (١١) وصدق الله وعده عبده وانهزم الكفار، فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٢] الآية.
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٣/ ١٣).
(٢) في "ب": (عمرو بن حزام بن عوف)، وهو خطأ.
(٣) سيرة ابن هشام (١٣٣)؛ تاريخ الطبري (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)؛ دلائل النبوة للبيهقي (٢٢٧٣).
(٤) أخرجه الطبري في التاريخ (٢/ ٥١١)؛ والبيهقي في الدلائل (٢٣٣٣ - ٢٣٤) بسند منقطع. ورواه الطبراني في الكبير (٦٥٠٨) بسند فيه مجهول. وخبر أبي دجانة ذكره ابن حبان في الثقات (١/ ٢٢٥).
(٥) في "ب"ي": (قتلًا).
(٦) سيرة ابنِ هشام (٣/ ١٨).
(٧) سيرة ابن هشام (٣/ ٢٢ - ٢٣)، وعنه ابن كثير في التاريخ (٤/ ٢٢).
(٨) سيرة ابن هشام (٣/ ٢٣).
(٩) ذكر بعض هؤلاء ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢٣٣).
(١٠) (- ﷺ -) من "ب".
(١١) سيرة ابن هشام، وذكره الشافعي في الأم (٤/ ٢٣٩)، وعنه البيهقي في السنن (٩/ ٦٥)؛ وفي الدلائل (٣/ ٢٨١). وانظر تاريخ الطبري (٢/ ٥٣٦)، وكذا ابن كثير (٤/ ٥٩).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
فلما نظر أصحاب المركز إلى القوم قد انكشفوا أقبلوا يريدون النهب والغنائم وخلوا ظهور المسلمين عارية، فأتوا من ورائهم وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، يقال: إنه كان إبليس (١)، وصار المسلمون ثلاثة أثلاث: ثلث قتلى، وثلث جرحى، وثلث منهزمون. وكان حمزة يقاتل رجلًا من الكفار فتعرض وحشي وطعنه بحربة في أنثييه فقتله (٢)، ثم خلصوا إلى رسول الله - ﷺ - (٣) فقذفوه بالحجارة فأدمي وجهه وأصيبت رباعيته، وكان زياد بن السكن الأنصاري ممن شرى نفسه لرسول الله - ﷺ - (٤) وفداه بنفسه، وترس أبو دجانة دون رسول الله يقع في ظهره النبل. وقصد عبد الله بن قمئة الليثي قتل رسول الله فدرأ عنه مصعب بن عمير فقتل مصعبًا (٥) وهو يرى أنه رسول الله - ﷺ - (٦)، ورجع إلى أبي سفيان مبشرًا بقتل رسول الله - ﷺ - (٦)، وأقبل أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة وغيرهما من المهاجرين فوجدهم واقفين متحيرين، فقال: ما بالكم؟ قالوا: قتل رسول الله - ﷺ -، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا إكرامًا (٧) على ما مات عليه (٨) نبيكم، ثم انحاز إلى القوم فقاتل حتى قتل (٩)، وأول من عرف رسول الله (١٠) بعد هذا كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت
_________________
(١) قاله ابن هشام. انظر: السيرة (٣/ ٢٨).
(٢) سيرة ابن هشام (٣/ ١٩ - ٢٠)؛ وانظر خبر قتل حمزة عند البخاري (٤٠٧٢) باب قتل حمزة - ﵁ -.
(٣) (وسلم) من "ب".
(٤) (- ﷺ -) من "ب".
(٥) سيرة ابن هشام (٣/ ٢٢)؛ والطبري في تاريخه (٢/ ٥١٦)؛ والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٨)، وذكره المؤرخ ابن كثير في تاريخه (٤/ ٢٢).
(٦) (- ﷺ -) من "ب".
(٧) (إكرامًا) من "ب"، وفي البقية (كرامًا).
(٨) (عليه) ليست من "ب".
(٩) ذكره ابن إسحاق كما في السيرة لابن هشام (٣/ ٣٧)، وعنه الطبري في التاريخ (٢/ ٥١٧)؛ وفي التفسير (٤/ ١١٢ - ١١٣)؛ والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٤٥)؛ وابن حبان في الثقات (١/ ٢٢٨)؛ وابن كثير في التاريخ أيضًا (٤/ ٣٩).
(١٠) في "ب": (رسول الله أنه).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليَّ أن اسكت (١).
ثم نهض المسلمون إلى رسول الله يقيم نحو الشعب، ونادى أبو سفيان حين أراد الرجوع بأعلى صوته: اُعلُ (٢) هُبَل فوق ذروة الجبل، يوم بيوم: يوم أحد بيوم بدر، فأمر رسول الله - ﷺ - (٣) عمر بن الخطاب أن يجيبه، فقال: الله أَعْلَى وأَجَل، لا سواء قتلانا في الجنة يتنعمون وقتلاكم في النار يعذبون، فلما سمع أبو سفيان ذلك، فقال: هلمَّ يا عمر أنشدك الله هل قتلنا محمدًا؟ قال: كلا، وإنه ليسمع كلامك، فقال: والله إنك عندي أصدق من عبد الله بن قمئة الليثي زعم أنه قتله (٤). وكان -﵇- يقول يومئذٍ لسعد: "ارم فداك أبي وأمي" (٥).
وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنتيه فردَّها رسول الله إلى مكانها فعادت (٦) كأحسن ما كانت (٧).
ولما انصرف رسول الله - ﷺ - (٨) تبعه أبي (٩) بن خلف يقول: لا نجوت إن
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٣/ ٣٨)، وفيه: "أن أنصت".
(٢) في الأصل و"ي": (اعلي).
(٣) (- ﷺ -) من "ب".
(٤) انظر شماتة أبي سفيان عند ابن هشام (٣/ ٥٠) وأصلها في الصحيح عند البخاري (٣٠٣٤، ٣٩٨٦، ٤٠٤٣).
(٥) رواه البخاري (٢٩٠٥، ٤٠٥٥، ٤٠٥٦، ٤٠٥٧، ٤٠٥٨، ٣٨١٢، ٣٧٢٥)؛ ومسلم (٢٤١١).
(٦) بدل (فعادت) بياض في الأصل.
(٧) رواه أبو يعلى (١٥٤٩)؛ وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٩١)؛ وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٨٣)؛ والطبراني في الكبير (١٩/ ٨/ ١٢)؛ وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٣٧)؛ وفي الدلائل (٢/ ٤٨٤/ ٤١٧)؛ وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٣٧١)؛ والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٥٣) من طرق عن قتادة بن النعمان مرفوعًا، والحديث حسن كما نصَّ عليه بعض أهل العلم بهذا الشأن.
(٨) (ﷺ -) من "ب".
(٩) في الأصل و"ب": (بن أبي بن خلف)، وهو خطأ.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
نجوت، فقالى بعضهم: ألا يعطف عليه رجل؟ فقال -﵇- (١): "دعوه" حتى إذا دنا تناول حربة من الحارث بن الصمة ثم عطف عليه وأشار بها إلى عنقه فخدش خدشة، وقد هراء عن فرسه يقول: قتلني محمَّد! وأحاطت به قريش تقول: ما بك بأمر، وهو يقول: بلى، فإن محمدًا كان توعدني أن يقتلني، فلو بزق علي بعد مقالته تلك لقتلني، فكان كما قال ولم يبلغ مكة (٢).
ولما انتهى رسول الله - ﷺ - (٣) فم الشعب استقبلته فاطمة معها قربة من ماء وغسلت الدم عن وجهه، ثم جيء بعلي وعليه نيف وستون جراحة من طعنة ورمية وضربة، فجعل رسول الله يمسحها بإذن الله - ﷺ - (٢) فتلتئم بإذن الله كأن لم تكن، وجيء حمزة وسائر الشهداء فصلى عليهم رسول الله حتى كبر سبعين تكبيرة (٤)، فلما فرغ رسول الله من صلاته مال نساء المدينة يبكين موتاهن، قال: "أما حمزة لا بواكي عليه (٥) "، له. فبكت نساء المدينة حمزة أولًا، ثم بكين قتلاهن (٦) (٧) وصار ذلك عادة لهن إلى يومنا هذا.
(مداولة الأيام): صرفها وإدارتها (٨)، ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ عطف على المعنى
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) سيرة ابن هشام (٣/ ٣٨ - ٣٩). وذكره الطبري في تاريخه (٢/ ٥١٨)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٣٩ - ٤٠) عن ابن إسحاق.
(٣) (- ﷺ -) (من "ب".
(٤) سيرة ابن هشام (٥٥٣)؛ وعنه ابن كثير في تاريخه (٤/ ٤٥).
(٥) (عليه) من الأصل.
(٦) في الأصل و"ي": (قتلهن).
(٧) رواه الإمام أحمد (٢/ ٤٠، ٨٤)؛ وابن ماجه (١٥٩١)؛ وابن أبي شيبة (١٢١٢٧، ٣٦٧٥٤)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٩٣)؛ وأبو يعلى (٣٥٧٦، ٣٦١٠)؛ وابن سعد (٣/ ١٧)؛ والطبراني في الكبير (٢٩٤٤)؛ والحاكم (١/ ٥٣٧؛ ٣/ ٢١٥، ٢١٧)، وعنه البيهقي في سننه الكبير (٤/ ٧٠)، والحديث صحيح ثابت.
(٨) أصل المداولة: المناوبة على الشيء والمعاودة وتعهد الشيء مرة بعد أخرى، ومنه قوله الشاعر: يرد المياهَ فلا يزالُ مداولًا في الناسِ بين تمثُّلٍ وسَمَاعِ [شواهد الكشاف (٤/ ٣٩)؛ الإملاء (١/ ١٥٠)].
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وكأنه (١) قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ فلأنه مس القوم قرح مثله، وليعلم، وقيل: فيه إضمار وتقديره نداولها بين الناس لضروب من المصلحة، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾، وقيل: أول القصة ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٢] ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ عطف عليه (٢)، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يجيبكم بالشهادة، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لم يدلهم عليهم (٣) لمحبتهم (٤)، ولكن بهذه المعاني.
والتمحيص والمَحْق كلاهما إذهاب الشيء، إلا أن المراد بتمحيص المؤمنين تمحيص ذنوبهم وما في قلوبهم من الغلّ والعيوب، ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ سلب عزيمتهم وشوكتهم وإزهاق أرواحهم بالعقوبة لهم في ثاني الحال أو بالمداولة.
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ نزلت في قوم لم يشهدوا بدرًا فلما شاهدوا الموت في أصحابهم يوم أحد (٥) فهزموا (٦) ولم يقدموا لما تمنوا؛ عن الحسن ومجاهد وقتادة والربيع (٧)، وهي وجه العتاب وإنما تمنوا ذلك
_________________
(١) في الأصل: (فكأنه).
(٢) ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلق هذه اللام وعطفها وجهين: أحدهما: أن اللام صلة لفعل مضمر يدلُّ عليه أول الكلام، والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا نداولها. والوجه الثاني: أن العامل فيه و"نداولها"، ويكون التقدير: نداولها بين الناس لنظهر أمرهم وليبين أعمالهم وليعلم الله الذين آمنوا. فلما ظهر معنى اللام المضمرة في "ليظهر" و"ليبين" جرت مجرى الظاهرة فجاز العطف عليها. وجوَّز أبو البقاء أن تكون الواو زائدة فلا عطف. [معاني القرآن (١/ ١٢٥)؛ الإملاء (١/ ١٥٠)؛ الكشاف (١/ ٤٦٦)].
(٣) في الأصل: (عليه).
(٤) ما ذكره المؤلف هو تأويل لصفة المحبة وصرفها عن حقيقتها على غرار مذهب الأشاعرة الذي سار عليه الجرجاني، والذي ندين الله به هو إئبات المحبة لله لأن نفي محبته للظالمين دليل على إثباتها للمؤمنين محبة تليق بجلال الله وعظمته.
(٥) في الأصل و"ي": (يواحد).
(٦) في الأصل: (فروا).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٣٩/ حكمت) عن ابن عباس، قال ابن أبي حاتم: =
[ ٢ / ٥٣٧ ]
لأنهم كانوا متيقنين لمحاربة الكفار وقتلهم بعض المسلمين، فلم يقع تمنيهم لغلبة الكفار ولكنه لما رجوه من أن يكون ذلك البعض، واختلف في رؤية الإعراض، فمن جوز أراد به رؤية العينين، ومن لم يجوز فهي رؤية (١) القلب.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ نزلت في المنهزمين يوم أحد وفي المتشككين في أمرهم إذ سمعوا: ألا إن محمدًا قد قتل (٢)، فأخبرهم الله تعالى أن محمدًا ليس إلا رسولًا وأنه قد خلت من قبله الرسل موتًا وقتلًا، أي هو سائر إلى ما صاروا إليه وأنكر عليهم الانقلاب على أعقابهم إن مات أو قتل، وألف الاستفهام داخلة على الشرط لفظًا وعلى الجزاء معنى؛ لأن الجزاء كلام مستقل بنفسه لقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أي: فهم الخالدون إنْ مت (٣) (٤)، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ تهديد ووعيد كما في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ [آل عِمرَان: ٩٧] والمراد بالشاكرين المضادون للمنقلبين المرتدين لخليفة رسول الله أبي بكر الصديق وأصحابه (٥) وأمثاله.
_________________
(١) = وروي عن الحسن ومقاتل ومجاهد والسدي ومحمد بن كعب وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك. ورواه الطبراني (٦/ ٩٤)؛ والفريابي كما في العجاب (٢/ ٧٦١) عن مجاهد. ورواه الطبراني أيضًا (٤/ ١٠٩) وعبد بن حميد كما في العجاب أيضًا (٢/ ٧٦٢) عن قتادة، ورواه الطبري (٦/ ٩٥) عن الحسن والسدي والربيع.
(٢) في الأصل: (رواية)، وهو خطأ.
(٣) أخرجه ابن جرير (٦/ ٩٩) عن قتادة والربيع، وهناك أسباب أخرى في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وأسانيدها كلها ضعيفة.
(٤) في الأصل و"أ": (وإن مت).
(٥) الهمزة هنا للاستفهام الإنكاري، والفاء للعطف، ورتبتها التقديم لأنها حرف عطف. وإنما قدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام. وقال أبو البقاء: الهمزة عند سيبويه في موضعها، والفاء تدل على تعلق الشرط بما قبله. اهـ. وزعم يونس أن هذه الهمزة في مثل هذا التركيب داخلة على جواب الشرط أي أنها بهذا التركيب في غير موضعها. [الكشاف (١/ ٤٦٨)؛ الإملاء (١/ ١٥١)].
(٦) (وأصحابه) من الأصل فقط.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ها هنا قدر الله، وفي الآية تشجيع للمؤمنين، كتب ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ مؤقتًا، ومثله يجيء للتأكيد كقوله: ﴿وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١]، ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، و﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨]، و﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النبأ: ٣٦] (١).
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ الغنيمة، والذكر و﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ المغفرة والأجر (٢). والمرافى بالشاكرين مريدو ثواب الآخرة، وإنما كرر وعد جزائهم للتأكيد، وقيل: لما يجمع لهم من ثواب (٣) الدارين.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في معنى كم (٤)، والقتل واقع على النبي وعلى الربيين معه في قراءة من قرأ بغير ألف، والوهن منفي عن الباقين كذلك على قراءته، كقول الرجل: هزمنا بنو فلان وقتلونا، أي: قتلوا أصحابنا، والربيّون جمع ربية وهي الجماعة، وقيل: العربي والرباني الرجل المنسوب إلى الرب (٥)،
_________________
(١) أي كما في قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦]، و﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٤]، و﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النَّمل: ٨٨]، و﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسرَاء: ٢٨]، و﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النَّبْأ: ٣٦].
(٢) المثبت من "ي"، وفي بقية النسخ: (وثواب المغفرة الآخرة المغفرة).
(٣) في الأصل: (الثواب).
(٤) قوله "كأَيِّنْ" مركبة من كاف التشبيه ومن "أي"، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من "كم" الخبرية، ومثلها في التركيب وإفهام التكثير: "كذا" في قولهم: له عدي كذا درهمًا. والأصل كاف التشبيه و"ذا" الذي هو اسم إشارة، فلما ركِّبَا حدث فيهما معنى التكثير، و"كأين" من حقها أن يوقف عليها بغير نون لأن التنوين يحذف وقفًا، إلا أن الصحابة كتبتها "كأين" بثبوت النون، فمن ثم وقفَ عليها جمهور القرَّاء بالنون اتباعًا لرسم المصحف، ووقف أبو عمرو وغيره من القراء عليها فقالوا "كأي" من غير نون على القياس. [الكشف (١/ ٣٥٧)؛ البحر (٧٢٣)؛ الحجة (٢/ ٢٤٠)].
(٥) قوله "رِبِّيون" قرأ الجمهور بكسر الراء، وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبو رجاء وعطاء بضمِّها، وقراءة أخرى لابن عباس بفتح الراء فيما رواه قتادة عنه، قال الزجاج: قراءة الضم بمعنى الجماعات الكثيرة. [القرطبي (٢/ ١٧٥)؛ الكشاف (١/ ٤٢٤)؛ بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٣٠٦)؛ المحتسب لابن جني (١/ ٢٧٢)].
[ ٢ / ٥٣٩ ]
﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ أي: بعقولهم وآرائهم، ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من الشدائد والمصائب، ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بقلوبهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ما خضعوا وما تضرعوا ولكن صبروا، ﴿قَوْلَهُمْ﴾ نصب لأنه خبر (ما). و(الذنوب): هي الآثام، و(الإسراف): مجاوزة الحد والتمادي والانهماك، والسرف: ضد القصد.
وقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية تحريض للمؤمنين أن يقتدوا بأولئك الماضين لينالوا ما نالوا، وإنما قال (١): ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ للتأكيد وإزالة الإيهام؛ فإن من المثوبة ما ليس فيه. قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ [المائدة: ٦٠]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يدل أنهم كانوا بهذه الخصال محسنين.
لما حذر الله المؤمنين الانقلاب على أعقابهم إن مات رسوله -﵇- أو قتل، ذكر السبب الداعي إلى ذلك ليحذروه وهو طاعة الكفار.
﴿بَلِ اللَّهُ﴾ (بل) للإضراب عن الأول والإقبال على الثاني، أي: بل الله هو أهل لأن يطاع لا الذين كفروا.
﴿سَنُلْقِي﴾ قيل: لما انصرف أبو سفيان عن أحد، قال: أين الموعد؟ فأمر النبي -﵇- أن يقول: بدر الصغرى فرجع على ذلك، فلما كان وقت ذلك ألقى الله في قلوب الكفار الرعب فلم يحضروا (٢) وأرسلوا نعيم بن مسعود الثقفي يخوف المسلمين لئلا يخرجوا (٣) وفي ذلك أنزل الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٣]، و﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف، ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ الباء للمسبب، ﴿بِاللَّهِ﴾ الباء بمعنى مع ﴿بِهِ﴾ أي بعبادته وإشراكه، والسلطان الحجة والبرهان، قال الله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحمن: ٣٣]، وقال: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥] وكل معبود دون الله لم ينزل الله به سلطانًا قط، و(المثوى) موضع اللبث والثوي.
_________________
(١) (وإنما قال) ليست في "ب"، وفي "أ": (وإنما قالوا).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١٩/ حكمت)؛ والطبري في التفسير (٦/ ١٢٧) عن ابن عباس - ﵁ - وعن السدي.
(٣) كما أخرجه مقاتل في تفسيره (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) أنزل الله تثبيتًا للمؤمنين وحسمًا للخواطر الفاسدة، وبين الله أنه (٢) صدق وعده بالتمكين من أصحاب الألوية وأتى غرة الجمحي وأمثاله ورد الكفار أجمعين يوم أحد من أول الالتقاء إلى أن عصت الرماة بتركهم المركز بعد ما أراهم الله ما يحبون من النصرة والظفر، وتنازعوا واختلفوا فيما بينهم وفشلوا بما سمعوا من الإرجاف أن محمدًا قد قتل، ثم صرفهم بعد ذلك عن الكفار بما كسبوا وأدالهم منهم ليمتحنهم بالقتل والشدائد عقوبة لتركهم المركز، وإنما عفا عنهم كما عفا عن بني إسرائيل بعد الموت وقتل الأنفس، ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾: تهلكونهم بمشيئته وأمره، يقال: البرد محسة للبيت، وقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الآية، قيل: عارض، وقيل: بيان لحالهم عند تركهم المركز، فإن بعض ترك الغنيمة وبعضهم للجهاد ومباشرة القتال والقتل.
والمراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ وقت صرفهم وابتلائهم، والإصعاد هو الذهاب في الصعود وهو الارتقاء، وقيل: الإصعاد الإبعاد في الأرض، وقيل: أن تذهب على وجهك ولا تميل (٣)، ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ لا تثنون ولا تعرّجون (٤) في إخوتكم أي من ورائكم، تقول: إليَّ عباد الله، إليّ يا أهل سورة البقرة وآل عِمرَان، ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: غمًا غم فالأول الهزيمة، والثاني ما ذكره ابن جريج أن أبا سفيان لما (٥) توسط الشعب وقف فظن المسلمون أنه سوف يميل عليهم فأنساهم ذلك الغم الأول (٦)، وقيل:
_________________
(١) (ولقد صدقكم الله) بياض في الأصل.
(٢) في الأصل (بأنه)، وفي "أ" ليست موجودة.
(٣) قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٣] وذلك حين انهزموا عن عدوهم، وأخذوا في الوادي هاربين، ويدلُّ لذلك قراءة أُبَيَ: ﴿إذ تصعدون في الوادي﴾ والنبي ﵊ يدعوهم: "يا لعباد الله، يا لعباد الله". [الطبري في تفسيره (٦/ ١٤٦)؛ عن قتادة والربيع].
(٤) في الأصل: (تعوجون).
(٥) في الأصل: (فما).
(٦) رواه ابن جرير (٦/ ١٥٦)؛ وابن المنذر (١٠٨٠)، ورواه مقاتل في تفسيره (١/ ١٩٨ - ١٩٩)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٤٣٥٠)؛ أن الهم الأول الهزيمة وما فاتهم =
[ ٢ / ٥٤١ ]
غمكم مكان ما غمتم نيته ليترك إجابته، ﴿لِكَيْلَا﴾ أي: إنما أثابكم غمًا لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنائم ولا ما أصابكم من العناء والمشقة والجراح، قيل: هذا الغم الثاني الذي أنساكم الغم الأول مخافة الاستئصال، والغم: حزن كأنه يغشى القلب ويستره لما يشغله عن كل شيء.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ والقصة أن أبا سفيان لما وعدهم الرجوع تهيأ المسلمون للقتال وطارت قلوب المنافقين فأنزل الله أمنه على المسلمين حتى غشيهم النعاس وامتازوا عن المنافقين، وذلك أدل دليل على وجود الأمن وزوال الخوف، ولذلك قال -﵇-: "النعاس في الحرب من الرحمن وفي الصلاة من الشيطان" (١)، روى أنس عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا (٢)، ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ شغلتهم أنفسهم عن كل شيء حتى لم يهتموا إلا لأنفسهم، و﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ هو الباطل، ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٣) ثم بين ظنهم فقالوا: يقولون أي في أنفسهم ﴿هَل لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على وجه الإنكار، أي: ما لنا من الخير والظفر والفلاح من شيء في متابعة هذا الرجل وفي هذه الحروب (٤)، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ﴾
_________________
(١) = من الغنائم، فأشرف عليهم خالد بن الوليد من الشعب في الجبل، فلما عاينوه أنساهم ما كانوا فيه من الغم الأول.
(٢) رواه الطبري (٤/ ١٤١؛ ٩/ ١٩٣)؛ وابن أبي حاتم (٤٣٦٠)؛ وابن المنذر (١٠٨٢) وعزاه في الدر (٢/ ٨٨) لعبد بن حميد.
(٣) رواه البخاري (٤٥٦٢).
(٤) المثبت من الأصل، وفي بقية النسخ (ظن أهل الجاهلية).
(٥) اختلف في الاستفهام في هذه الآية هل هو على ما ذكره الجرجاني أنه استفهام إنكاري بمعنى النفي فيكون كما قدره المؤلف: ما لنا من الخير من شيء، وما ذهب إليه المؤلف هو الذي ذهب إليه قتادة وابن جريج، لكن يضعف هذا القول -كما قال السمين الحلبي- بقوله تعالى بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٤] فإن من نفى عن نفسه شيئًا لا يُجَاب بأنْ يُثْبِتَ لغيره لأنه مقرٌّ بذلك. وقيل: إن الاستفهام هذا على حقيقته. [الإملاء (١/ ١٥٥)؛ الدر المصون (٣/ ٤٤٩)].
[ ٢ / ٥٤٢ ]
استدلالهم الفاسد واعتبارهم الباطل، فبين الله تعالى أن المعلوم المقدر كائن لا محالة، وذلك وحده لا يدلس على حق وباطل إذ هو علم في جميع الحيوان، كتب وقدر وقضى، والمضجع موضع الإضجاع، والمراد بالمضاجع (١) ها هنا المصارع.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ نزلت في المنهزمين يوم أحد منهم من انهزم ساعة ومنهم من رجع إلى المدينة ومنهم من خرج إلى جلعب (٢) جبل بالمدينة فلم يرجع إلا (٣) بعد ثلاث (٤)، ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بأن خوفهم أن يقتلوهم، قيل: التوبة الإقلاع عن الذنوب والمظالم، وإنما توصل إلى تخويفهم بشؤم تركهم المركز فعفا الله عنهم أجمعين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في المؤمنين تحذيرًا أن يكونوا كالمنافقين وإنما قال: ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ ولم يقل: إذ ضربوا؛ لأن المراد هو الإخبار عن عادتهم في الحال والماضي والمستقبل دون الإخبار عن فعلة واحدة فيما مضى، و﴿غُزًّى﴾ جمع غازي كركع وسجد جمع راكع وساجد، والغزو: الخروج إلى القتال، ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ لام العاقبة، وإنما يصير ذلك حسرة في قلوبهم لافتضاحهم في الدنيا وخسرانهم في الآخرة والله هو المحيي والمميت في الحقيقة لأن هذه الأسباب الموهمة للموت.
واللام في قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب (لئن) خير لكم وذلك لأن القتيل والميت محتاجان إلى المغفرة ورحمة من الله مستغنيان من حطام الدنيا فما يحتاجان إليه أبدًا، هو ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ مما يستغنيان عنه.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ بشرى للعارفين وتطييع للمحسنين وتنبيه للمذنبين وتقريع للكافرين.
_________________
(١) في الأصل: (المضاجع).
(٢) في المخطوطات كلمات قريبة من هذه الكلمة.
(٣) في الأصل: (لا).
(٤) رواه عبد بن حميد كما في العجاب (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣)؛ والطبري في تفسيره (٦/ ١٧٢)؛ وابن المنذر (١٠٩٥).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ (ما) صلة عند الكوفيين وقائم مقام شيء عند البصريين (١)، والرحمة كالبدل والبيان، و(اللين): ضد الخشونة والفظاظة، ورجل لين الجانب إذا كان رقيقًا سهل المأخذ، و(الفظ) في الأصل ما في الكرش من الفرث، ورجل فظ سيء العشرة والخلق، وإنما زاد غلظ القلب في الوصف للتأكيد؛ لأن من الناس من يكون رقيق القلب سريع الرضا حسن المرجع سيء الخلق والعشرة، و(الانفضاض): التفرق والانتشار، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ يقتضي إباحة العفو، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على الوجوب، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ على الندب والإباحة، والمعنى فيه استمالة قلوب القوم بالإصغاء إليهم وبإشراكهم في إمضاء الأمر، ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ (٢) فرض لازم لا يسع تركه.
في قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ بيان المعنى الموجب للتوكل وخذلانك صاحبك وتركك (٣) إياه إلى قدر نفسه بلا إعانة ولا توفيق إرادة منك هوانه يقال: طيبة خذول إذا قعدت عن تعهد ولدها وقالت الأشعرية الخذلان نسخ قدرة الخير بقدرة الشر.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ نزلت في يوم بدر فقدوا قطيفة حمراء فاتهم بعض المنافقين أو الجهال رسول الله. و(الغلول): الخيانة، وأصله من انغلال الماء بين الأشجار (٤)، وتواترت الأخبار في تعظيم شأن غلول الغزاة في الغنيمة.
_________________
(١) في "ما" وجهان إعرابيان: أحدهما: أنها زائدة للتوكيد. والوجه الثاني: أنها غير مزيدة، بل هي نكرة. إما نكرة موصوفة، والتقدير: فبشيء رحمةٍ. وإما غير موصوفة فتكون "رحمة" بدلًا منها، وهذا محكي عن ابن كيسان، ونقله أبو البقاء عن الأخفش، وقال الزجاج: "ما" هذه صلة فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين. [المشكل (١/ ١٦٥)؛ الإملاء (١/ ١٥٥)؛ معاني القرآن (١/ ٤٩٧)].
(٢) في "ب": (وتوكل).
(٣) في المخطوطات: (وكونك) (وكفلك)، ولا معنى لها.
(٤) رواه الترمذي (٣٠٠٩)؛ وأبو داود (٣٩٧١)؛ وأبو يعلى (٢٤٣٨، ٢٦٥١)؛ وابن أبي حاتم (١٧٦٠/ حكمت)؛ وابن المنذر (١١٢٥)؛ والواحدي في أسباب النزول ص ٧٥٩؛ والطبراني في الكبير (١٢٠٢٨، ١٢٠٢٩)؛ والطبري في التفسير (٤/ ١٥٤ - ١٥٥)؛ وابن عدي في الكامل (٣/ ٧٢).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
(اتباع رضوان الله): اتباع ما يرضاه من الأفعال كالأمانة، والذي باء بسخط من الله هو الغال ونحوه، و(السخط): إرادة الخذلان والشر.
معنى ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ إن المتبعين رضوان الله والذين باؤوا [بغضب من الله] (١) بمسخط منه ليسوا في درجة واحدة ولكنهم ذوو درجات ومدارج، وأما أهل الجنة فأمرهم معروف وقد قال -﵇-: "إن أهل الجنة ليتراؤون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" (٢)، وأما أهل النار فإن لهم دركات لا محالة بعضها أسفل من بعض، ولا تكون بعضها أسفل إلا وبعضها أعلى، فالأعلى درجة بمقابله الأسفل.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر المتن في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٩] ووجه المنة ها هنا أنه لو كان من غير العرب لمنعتهم النخوة العربية عن الإيمان به، ولما فهموا كلامه ولا نالوا به شرفًا ومجدًا، فأرسل إليهم رسولًا من أنفسهم عرفوه وامتحنوه وسمّوه أمينًا قبل دعوته ليزيدهم أسباب الإيمان، وإن أجرينا على العموم فهو من أنفسنا لأنه آدمي مثلنا من ذرية نوح تمكننا متابعته في هديه وسمته ولا تنفر عنه طباعنا ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ ما كانوا إلا في ضلالة كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] واللام مكان الاستثناء (٣)، وقيل:
_________________
(١) ما بين [] من "ب".
(٢) رواه الترمذي (٣٦٠٨)؛ وابن ماجه (٩٦)؛ والإمام أحمد (٣/ ٢٦ - ٢٧، ٧٢، ٩٣، ٩٨)؛ وفي الفضائل (١٦٢، ١٦٤، ١٦٦) وابنه في زوائد الفضائل (١٦٨، ٢١٢، ٥٦٨، ٥٦٩، ٦٤٦، ٦٥٠، ٦٦٧)؛ وعبد بن حميد (٨٨٧)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٤١٦)؛ وابن الجعد (٢٠١١، ٢٠٢٨)؛ والطبراني في الكبير (٢٠٦٥) والأوسط (٧٣٤٠)؛ والإسماعيلي في المعجم (٢/ ٦٠٢ - ٦٠٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٠).
(٣) قوله: اللام مكان الاستثناء. هذا إذا جعلنا إنْ: بمعنى النفي، فيكون التقدير: ما نظنك إلا من الكاذبين. إلا أن الزمخشري ومكيًا جعلاها مخففة وقدرا لها اسمًا محذوفًا، والتقدير: وإن الشأن ، وذهب سيبويه إلى أنها مخففة واسمها مضمر، والتقدير: وإنهم كانوا. =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
المبالغة، أي: يرشدهم وإن كانوا غير راشدين لنوع تأكيد، و﴿لَمَّا﴾ استفهام بمعنى الإنكار (١) وهو داخل على الفعل العامل في (لما) أعني قوله: قلتم، والواو للعطف على مضمر، فكأنه قال: أعصيتم أمر نبيكم وقلتم: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ عارض وهو كالوصف لهذه المصيبة المذكورة والمراد بمثليها ما أصابوا يوم بدر (٢)، ووجه النهار من يوم أحد إلى أن صرفهم الله عنهم بما كسبوا، ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي: هو من عند أنفسهم بتركهم المركز، وعن قتادة: بخروجهم من المدينة وكان من رأيه -﵇- (٣) أن يتحصن بالمدينة، وبذلك عبروا رؤياه (٤) وأشار إليه (٥) ابن أبي بن سلول، وعن علي: بأخذهم الفداء يوم بدر ولو قتلوا الأسارى لما بقيت للكفار شوكة، وقد عاتبهم الله على أخذ الفداء يومئذٍ حيث قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] (٦) وفيه بعد وغموض.
_________________
(١) = واعترضه السمين الحلبي على أنَّ "إنْ" المخففة إنما تعمل في الظاهر على غير الأفصح، ولا عمل لها في المضمر، ولا يُقَدَّر لها اسم محذوف البتَّة. [الكشاف (١/ ٤٧٧)؛ الدر المصون (٣/ ٤٧٢)].
(٢) الاستفهام الذي بمعنى الإنكار هو الهمزة وليست "لما"، أَمَّا "لمَّا" فهي ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشرط مبني في محل نصب متعلق بالجواب "قلتم"، وهذا قول الزمخشري. و"لما" بمعنى حين هو مذهب الفارسي. [الإيضاح ص ٣١٩؛ الكشاف (١/ ٤٧٧)؛ المحرر (٣/ ٢٢٨)؛ إعراب القرآن لمحمود صافي (٢/ ٣٦٣)].
(٣) أي أنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مِثْلَي ما أصابوا منكم يوم أحد. وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ -، رواه عنه الطبري في تفسيره (٦/ ٢١٨)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٧٥).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) أخرجه ابن جرير (٦/ ٢١٦)؛ وعبد بن حميد كما في الدر (٢/ ٩٤)، والرؤيا التي رآها في النوم -﵇- أن يقرًا تُنْحَر، فتأولها قَتْلًا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار انفصم فكان قتلُ عمِّه حمزة قُتِلَ يومئذٍ وكان يقال أسد الله، ورأى أن كبشًا أَغْبَرَ قُتِلَ فتأوله كبش الكتيبة عثمان بن أبي طلحة أصيب يومئذٍ وكان معه لواء المشركين.
(٦) (إليه) ليست في الأصل.
(٧) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٣٠، ٣٢)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٨٤)، وعزاه السيوطي في "لباب النقول" ص ٦٠ لابن أبي حاتم عن ابن عباس.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بمشيئته وتقديره، والفاء لكونه مشبهًا بجواب الشرط؛ لأن (ما) مناسب للشرط (١).
﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ خالفوا ظاهر أمرهم، أراد (٢) ابن (٣) أبي بن سلول وأصحابه (٤) حين انخذلوا، وإنما سمي المنافق منافقًا تشبيهًا لليربوع وذلك أن له حجرين يقال لأحدهما: القاصَعاء والآخر النافقاء، فإذا طلب من أحدهما خرج من الآخر، وقيل: اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق (٥) التراب فإذا أراد به ريب رفع التراب برأسه فخرج، والنفق السرب، ونفق الشيء: إذا دخل في السرب، وتنفقته: إذا استخرجته (٦)، ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ قاتلوا دفعًا عن حريمكم إن لم يقاتلوا حسبه، وقيل: كثّروا الجيش بخيلكم إن لم تقاتلوا لأن تكثير الجيش يؤثر في قلوب الأعداء (٧)، ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ أي:
_________________
(١) أي أن "ما" في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عِمرَان: ١٦٦] يمكن أن تكون شرطية، والفاء في قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٦٦] واقعة في جواب الشرط. ويجوز أن تكون "ما" موصولة بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء، و"فبإذن الله" هو الخبر، وهو على إضمارٍ تقديره: فهو بإذن الله، ودخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، فهو كقولك: الذي يأتيني فله درهم. [المحرر (٣/ ٢٩٠)؛ الدر المصون (٣/ ٤٧٥)].
(٢) في الأصل (أو)، وهو خطأ.
(٣) في الأصل: (دين).
(٤) ذكره الطبري في تفسيره (٦/ ٢٢٢) عن الزهريّ وابن حبان وعاصم بن عمرو والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم، وذكره ابن هام في سيرته (٢/ ٦٤).
(٥) في الأصل: (أراق).
(٦) قال أبو عبيد: سمي المنافق منافقًا للنَفَقِ وهو السرب في الأرض. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وهو مأخوذ -كما قال المؤلف- من النافقاء وهو جحر الضب واليربوع، وهو موضع من جحره، فإذا أُتي من قِبَل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، وهكذا وصف به المنافق على أنه يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه - كما قاله أهل اللغة. [العين (٤/ ٣١٤)؛ مقاييس اللغة (٢/ ٢٠٢)؛ المحكم (٦/ ٤٤٧)؛ لسان العرب "نفق" (١٤/ ٢٤٥)].
(٧) رواه ابن المنذر (١١٦١) عن الضحاك قال: كونوا سوادًا أو كثروا. وقد أخرجه (١١٦٠) عن ابن عباس وعند ابن جريج (١١٦٢).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
لا يكون اليوم قتال، ولو (١) علمنا أن اليوم قتال لكنا معكم، وإنما جعلهم يومئذٍ إلى الكفر أقرب؛ لأن المراد ظاهرهم، كانوا قبل ذلك إلى الإيمان أقرب بما يظهرون من موالاة المؤمنين فصاروا يومئذٍ إلى الكفر أقرب لإظهارهم العداوة والخذلان، ولو كان باطنهم مرادًا لكانوا يومئذٍ وقبله وبعده سواء في كونهم كفارًا على الحقيقة عند الله.
﴿الَّذِينَ﴾ نصب بدل عن الأول (٢) لإخوانهم في النسبة وبني أعمامهم، وقيل: إخوانهم في النفاق، الذين قاتلوا رياءً لا جهادًا فقتلوا، و(القعود): الجلوس، ومجازه التخلف عن السعي في الأمور، ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ ادفعوا الموت المكتوب عليكم ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنهم لو قعدوا لصرفوا القتل المكتوب عليهم عن أنفسهم.
﴿أَحْيَاءٌ﴾ رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: بل هم أحياء، وقال
_________________
(١) في "ب": (وإن).
(٢) ما ذكره المؤلف من أن "الذين" بدل من "الذين نافقوا" الأولى، وهو اختيار ابن جرير في تفسيره. والوجه الثاني في النصب هو النصب على الذم، والتقدير: أذم الذين قالوا. والوجه الثالث في النصب: أنه صفة لهم. أما من ذهب أنها في محل رفع فمن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون مرفوعًا لخبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. والوجه الثاني في الرفع: أنه بدل من واو"يكتمون". والوجه الثالث: أنه مبتدأ والخبر قوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ [آل عِمرَان: ١٦٨] ولا بد من حذف عائد تقديره: قل لهم فادرؤوا. وهناك من جعلها في محل جر من وجهين: الوجه الأول: أنها بدل من الضمير في "بأفواههم". والوجه الثاني: أنها بدل من الضمير في "قلوبهم" كقول الفرزدق: على حالةٍ لو أَنَّ في القومِ حاتمًا على جوده لضنَّ بالماءِ حاتمِ بجرِّ حاتم على أنه بدل من الهاء في "جوده". [ابن جرير الطبري (٦/ ٢٢٤)؛ البحر (٣/ ١١١)؛ إعراب القرآن/ محيي الدين الدرويش (٢/ ١٠٤)؛ الدر المصون (٣/ ٤٧٩)].
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الزجاج: لو كان منصوبًا على تقدير أحسبهم أحياء لكان جائزًا (١) وليس كذلك لأن الأمر من الحسبان غير جائز.
و(الفرح): السرور، والفرِح ذو الفرح كالورع والوجِل، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: كما يفرحون بأحوال أنفسهم فكذلك يفرحون بما يبشرهم الله به من الوعد لإخوانهم ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ نعت للمؤمنين، واستجابتهم حين ندبهم رسول الله - ﷺ - (٢) إلى قتال (٣) قريش ببدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة عليها بطن منهم، وقيل: إن قريشًا لما رجعوا من أحد وكانوا (٤) بالروحاء قال بعضهم لبعض: بئسما صنعتم لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، فبلغ ذلك النبي -﵇- فندب المؤمنين إلى الخروج إليهم فأجابوه بالسمع والطاعة، ولما بلغ ذلك قريشًا مضوا ولم يرجعوا (٥).
﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ القائل نعيم بن مسعود الأشجعي وحده (٦)
_________________
(١) ذكره الزجاج في معاني القرآن (١/ ٤٨٨)، والرفع في قوله "أحياءٌ" هي قراءة الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿أحياءً﴾ بالنصب، وقراءة النصب كما قال أبو البقاء العكبري تُخَرَّج على وجهين: الأول: أن تكون عطفًا على "أمواتًا". والوجه الثاني -وهو الذي ذهب إليه الزمخشري-: أن تكون منصوبًا بإضمار فعل تقديره: بل أحسبهم أحياءً، وهو الوجه الذي ذكره الجرجاني. [الإملاء (١/ ١٥٧)؛ الكشاف (١/ ٤٧٩)].
(٢) (- ﷺ -) من "ب".
(٣) في الأصل: (القتال).
(٤) في "ب": (وكان).
(٥) ورد في صحيح البخاري (٧/ ٣٧٣)؛ ومسلم (٤/ ١٨٨٠) أن عائشة - ﵂ - قالت لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لمَّا أصاب رسول الله - ﷺ - ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: "من يذهب في إثْرِهِم؟ " فانْتُدِبَ منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
(٦) الأظهر كما ذكر ابن جرير ورجحه في تفسيره أن "الناس" الأول هم قوم كان أبو سفيان قد سألهم أن يثبطوا رسول الله - ﷺ - وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه =
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وذلك لما أراد المدينة فأتاه أبو سفيان، وقال: إني واعدت محمدًا أن (١) نلتقي ببدر الصغرى وليس يتأتى في ذلك الآن، وأكره أن يخرج هو وأصحابه ولا نخرج نحن فيزيده ذلك جرأة (٢)، فثبِّطه عن الخروج ولك عشرة من الإبل، فقدم نعيم بن مسعود وخوَّف المؤمنين فلم يصغوا إليه (٣)، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: كافينا الله، أحسبك الشيء: إذا كفاك، وأحسبك فلان: إذا أعطاك حتى قلت: حسبي، و(الوكيل): الذي يوكل الأمر إليه.
﴿فَانْقَلَبُوا﴾ القصة فيه أنهم لما وفدوا بدر الصغرى سنة أربع من الهجرة أصابوا سوقًا وربحوا ربحًا كثيرًا وكسبوا أجرًا عظيمًا باستجابتهم (٤).
﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ﴾ قتال ولا شر. وعن عثمان قال: والله ربحت دينارًا بدينار.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ إشارة إليه كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] و﴿الشَّيْطَانُ﴾ كالبيان المشار (٥) إليه، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ لأن قوله: إنما ينجع في قلوب أوليائه من الكفار والمنافقين دون أولياء الله من المؤمنين، إذ المؤمن لا يخاف غير الله، وقيل: يخوف بأوليائه كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ نزلت في المنافقين، عن مجاهد وابن إسحاق، وقيل: في رؤساء اليهود (٦) والذين كتموا بعثة النبي -﵇- (٧) والنهي مصروف إلى
_________________
(١) = عن أُحد إلى حمراء الأسد. و"الناس" الثاني: هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأُحُد. [الطبري (٦/ ٢٤٤)].
(٢) في الأصل: (الآن).
(٣) في الأصل: (جمرات).
(٤) قصة نعيم بن مسعود أوردها مقاتل في تفسيره (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٧).
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٥٠)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٢٣) عن مجاهد ابن جريج مرسلًا.
(٦) في "ب" "ي" "أ": (المشارة).
(٧) أخرجه ابن جرير (٦/ ٢٥٨)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٤٥)؛ وابن المنذر (١٢٠٦)؛ وعبد بن حميد (٢/ ١٠٤) عن مجاهد قال: المنافقين. وقد فسَّره الحسن ومجاهد بالكفار. كما أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤٣، ٤٥٤٢).
(٨) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٥٥٠ ]
غير المنهي، كقولك (١): لأرينك ها هنا ولا يرينك أحد، والحزن لكفر الكافرين طاعة ما لم يجاوز الحد، فالنهي ها هنا عن مجاوزة الحد في الحزن دون الحزن القليل كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦].
و(مسارعتهم في الكفر): مسابقتهم فيما بينهم، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بيان لغير النبي - ﵇ -، إذ هو كان عالمًا بذلك، قيل: هذا البيان بإذن الله -﷿- كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] ثم بين موجب مسارعتهم في الكفر هو إرادته ﷾ أن لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل الرفع بإسناد الفعل إليه إذا قرأت بالياء، وفي محل النصب إذا قرأت بالتاء (٢)، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مفعول قائم مقام مفعولين إذا قرأت بالياء (٣) كقولك: لا يظنن زيد أنه منطلق، وهو المفعول
_________________
(١) في "ب": (كقوله).
(٢) قرأ الجمهور ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٧٨] بخطاب الغيبة وهو الياء، وقرأ حمزة بالتاء. وعلى هاتين القراءتين يتم تخريج إعراب "الذين كفروا"؛ فأما قراءة الجمهور فتكون "الذين كفروا" في محل رفع و"أنَّ" وما اتصل بها سادٌّ مَسَدَّ المفعولين عند سيبويه، ومسد أحدهما والآخر محذوف عند الأخفش. والوجه الثاني: يجوز أن يكون مسندًا إلى ضمير غائب يراد به النبي - ﷺ -، والتقدير: ولا يحسبنَّ النبيُّ - ﵇ -. فعلى هذا يكون "الذين كفروا" مفعولًا أول. وأما قراءة حمزة التي ذكرها الجرجاني بالتاء "تحسبنَّ مع أنها قراءة مشهورة بين القراء فإن النحاس نقل عن أبي حاتم وغيره تلحين هذه القراءة لكنها عند التحقيق ثابتة. فعلى هذا يمكن تخريجها على وجهين: الوجه الأول: أن يكون فاعل "تحسبن" ضمير النبي - ﷺ - و"الذين كفروا" مفعول أول و"إنما نملي لهم خير" مفعول ثانٍ. الوجه الثاني: أن يكون "إنما نملي لهم" بدل من "الذين كفروا"، وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء والزمخشري والزجاج وغيرهم. [معاني القرآن (١/ ٢٤٨)؛ الكشاف (١/ ٤٨٢)؛ الإملاء (١/ ١٥٩)؛ الدر المصون (٣/ ٤٩٦)].
(٣) وهو مذهب سيبويه كما تقدم.
[ ٢ / ٥٥١ ]
الثاني لفظًا إذا قرأت بالتاء (١)، كقولك: لا تظنن زيدًا أنه منطلق، وفي الحقيقة هو المفعول الثاني هو المفعول حقيقة فقط؛ لأنك تنهى عن ظن الانطلاق لا عن زيد نفسه، و(الإملاء): الإمهال.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلت في الفرق بين المخلصين والمنافقين؛ عن ابن جريج ومجاهد وابن إسحاق، وذلك أن القوم تمنوا أن يعطوا علامة يعرفون بها أحد الفريقين من الآخر (٢) ومعناه: ما الله بتارك للمؤمنين، اللام لام الجحد، وإنما تنصب لأنها في الحقيقة لام كي (٣) الذي أنتم عليه من حال الالتباس والاختلاط ﴿حَتَّى﴾ غاية لمحالِ الالتباس كقولك (٤): لست أدعك على ما أنت عليه حتى (٥) أعزك وأكرمك، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: لا يعطيكم ما تمنيتم من العلامة، ولكن الله يلهم ويعطي العلامة من اجتباه من رسله كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ﴾ [الجن: ٢٦] الآية، و(الاجتباء): الاختيار أصله من اجتبيت الماء إذا حصلته لنفسك.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ نزلت في اليهود بخلوا بإظهار نعت النبي - ﵇ - عن ابن عباس (٦)، وقيل: مانعي الزكاة (٧)، وقيل: في الذين امتنعوا
_________________
(١) ولا بد على هذا التخريج من حذف مضاف، إما من الأول، والتقدير: ولا تحسبنَّ شأنَ الذين كفروا، وإما من الثاني، والتقدير: أصحابَ أنَّ إملاءنا خير لهم.
(٢) أخرجه الطبري عنهم في تفسيره (٦/ ٢٦٣). رواه الثعلبي كما ذكره الحافظ في العجاب (٢/ ٧٩٩) والواحدي ص ١٢٧ عن أبي العالية.
(٣) أي اللام في قوله "ليذر" هي لام الجحود، وهي التي ينصب بعدها المضارع بإضمار "أن" وجوبًا ولا يجوز إظهارها. وأما قول الجرجاني أنها هي لام كي فهو بعيد - والله أعلم - لأن لام الجحود يشترط أن تسبق يكون منفي عكس لام كي.
(٤) في "ب": (كقوله).
(٥) في "ب": (على).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٧٥)؛ والطبري (٦/ ٢٧٠) عن ابن عباس، ونقله الثعلبي كما في العجاب (٢/ ٨٠٤)؛ والواحدي ص ١٢٧ - ١٢٨.
(٧) قال الواحدي ص ١٢٧ - ١٢٨: أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وقد روي ذلك عن السدي. أخرجه الطبري (٦/ ٢٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٧٧).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
عن الإنفاق في الجهاد (١)، و(البخل): الشح، وضده السخاوة، وفي الحديث: "إن البخل والجبن لا يجتمعان في قلب مومن" (٢)، ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي: يجعل ذلك طوقًا في أعناقهم، جاء في التفسير أنه يجعل شجاعًا أقرع فيطوق به البخيل الذي يمنع الواجبات (٣)، و(الميراث): اسم من ورث، كالميزان من وزن.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ نزلت في فنحاص بن عازور اليهودي من بني قينقاع، وذلك أن أبا بكر الصِّديق - ﵁ - قرأ ذات يوم ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فقال اليهودي على وجه الاستهزاء: لئن كنت صادقًا فإن الله إذًا لفقير (٤)، فلطم أبو بكر وجهه، فرفعٍ اليهودي ذلك إلى النبي - ﷺ -، وأنكر قول نفسه، فأنزل الله تصديقًا للصدِّيق وتقريعًا لليهودي (٥)، والآية تدل على أنه لا يجوز أن يوصف الله بما لا يليق به جدًا ولا هزلًا ولا على وجه التشنيع تعظيمًا له، ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ في نسخ أعمالهم، و(القتل) معطوف على ﴿مَا قَالُوا﴾ ونقول عند إدخالهم النار أو عند استصراخهم فيها: ﴿ذُوقُوا﴾ ﴿الْحَرِيقِ﴾: اسم من الإحراق.
_________________
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (٨/ ٢٣٠) في معرض ردِّه على قول الواحدي السابق.
(٢) جاء في الحديث: "لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد مؤمن". [رواه النسائي (٦/ ١٣)؛ وفي الكبرى (٤٣١٩)؛ والإمام أحمد (٢/ ٤٤١)؛ والبخاري في الأدب (٢٨١)؛ وهناد في الزهد (٤٦٧)؛ وابن أبي شيبة (٢٦٦٠٨)؛ والطيالسي (٢٤٦١)؛ ومحمد بن نصر في الصلاة (٤٥٩، ٤٦٠)؛ والطبراني في الأوسط (٥٨٧٨)؛ والبيهقي في السنن (١٦١٨)؛ وفي شعب الإيمان (١٠٨٢٨)]. وفي رواية لابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٦٦): "لا يجتمع الإيمان والبخل في قلب رجل مؤمن".
(٣) رواه البخاري (٣/ ٢٦٨، ٢٣٠ - الفتح).
(٤) في الأصل و"ي": (فقير).
(٥) رواه الطبري (٦/ ٢٧٨)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٨٩)؛ والطحاوي في مشكل الآثار (١٨٣٠) عن ابن عباس - ﵄ -، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٩٨، وحسَّنَهُ الحافظ في الفتح (٨/ ٢٣١).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى كناية قولهم وقتلهم، وإلى القول لهم: ﴿ذُوقُوا﴾ وإنما أسند الفعل إلى اليد لأن أكثر العمل إنما يكون بها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بأن الله، وإنما جعله سببًا لأن كناية قتل الأنبياء بغير حق عدل منه، ولو لم يكتب ذلك لكان ظلمًا على الأنبياء - تعالى الله عن ذلك - وإبدال المؤمنين عنهم قد أظلم والله ليس (١) بظلام للعبيد فبقوا في النار غير معذبين أو لأنه بتعذيبهم غير ظالم فلذلك يعذبهم، ولو كان تعذيبهم ظلمًا لما عذبهم، ثم وصف العبيد الذين تقدم ذكرهم.
و﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ تأويلًا لقوله - ﵇ - (٢): "من جاءكم بكلام ما أتيتكم به فلا تقبلوه" (٣) فأخطأوا في التأويل ولم يعلموا أن كل ما يقع به الإعجاز شيء واحد فتعلقوا بالصورة، وطالبوا بالكيفية الظاهرة جهلًا، وقيل: إنهم قالوا ذلك اختلاقًا وافتراءً لم يكن عندهم شيء مما يحتمل هذا المعنى بوجه من الوجوه، ألا ترى نقض الله تعالى عليهم علتهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي﴾ وقيل: إن في التوراة: من جاءكم يزعم أنه رسول بني فلان (٤) فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان (٥) تأكله نار منزلة من السماء حتى يأتيكم المسيح وخاتم النبيين فأظهروا بعضًا وكتموا بعضًا فكذبهم الله في ادعائهم التمسك بالعهد.
و(القربان): اسم لما نتقرّب به إلى الله تعالى من المال كالنهبان، وهو مخصوص بالنعم الأهلي في الأحكام، وكان بنو إسرائيل قبل أن
_________________
(١) (ليس) ليست في "أ".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) لم أجد لهذا الحديث أصلًا، ويغني عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: ٧] وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الأعراف: ٣] والآيات في ذلك كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا المعنى كثيرة، منها على سبيل المثال حديث عائشة في الصحيحين مرفوعًا: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
(٤) في "ب" "أ": (فلا).
(٥) في الأصل: (بفرقان)، وهو خطأ.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
يغير الله عليهم يذبحون القرابين ويضعونها (١) في بيت لا سقف له فينزل نار بها صوت فتأكلها إن كانت طيبة متقبلة، وكذلك قربان هابيل (٢). ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فيه (٣) تسلية للنبي - ﵇ -، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور، والزبور: كل كتاب ذي حكمة، وزبرت الكتاب إذا أحكمته (٤)، ﴿الْمُنِيرِ﴾ المبين.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ تسلية للنبي - ﵇ - أيضًا من حيث إن نعيم الدنيا وبؤسها لا تبقيان، وأن الناس إنما يوفون أجورهم يوم القيامة. فالاعتبار بالحالة الآخرة دون هذه، و(ما) (٥) في ﴿وَإِنَّمَا﴾ كافة إذ لو كانت بمعنى (الذي) لكان أجورهم بالرفع (٦) ولكان قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من الصلة، والصلة لا تنفك عن الموصول كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر: ١٨] و﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨]، و﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ [النحل: ٩٢]، و﴿أُجُورَكُمْ﴾ هو المفعول الثاني و﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف، و(الفوز) النجاة، وسمي المهمة مفازة على وجه التفاؤل، إلا كمتاع الغرور وإنما شبهها به لأنه يسرُّ عاجلًا ويسوء آجلًا وكذلك الدنيا، و﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ كل ما استمتعت به مغرًّا، والغرور قريب من الخداع.
_________________
(١) في الأصل: (ويضعون لها)، وهو خطأ.
(٢) أخرجه ابن المنذر (١٢٣٥) عن ابن جريج. وانظر العجاب (٢/ ٨٠٨ - ٨٠٩).
(٣) (فيه) من "ب".
(٤) قال الليث: كل كتاب فهو زَبُور، ومنه قول امرئ القيس: لمن طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فشجاني كخطٍّ زبورٍ في عسيب يَمَانِ وتجمع على "زُبُور" بضم الأول والثاني، وتجمع أيضًا على "زُبُر" بضم الأول والثاني. وقد غلب هذا الاسم على صحف داود - ﵇ -، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النِّساء: ١٦٣]. [تهذيب اللغة (١٣/ ١٩٦)؛ لسان العرب (زبر -٦/ ١١)].
(٥) (ما) ليست في "ب".
(٦) وهذا قول مكي - قاله في المشكل (١/ ١٧١) وعلل ذلك بأنه يلزم منه رفع "أجورَكم" ولم يقرأ به أحد لأنه يصير التقدير: "وإن الذي توفونه أجورُكم" كما إنك تفرق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء إذا جعلنا "ما" موصولة.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ نزلت في النبي - ﷺ - وأبي بكر الصديق - ﵁ - عن ابن عباس (١)، وهي عامة في الظاهر لأن المؤمنين ابتلوا بأموالهم وأنفسهم من وجوه كثيرة و(سمع الأذى) ما سمعوا من وصفهم الله (٢) بما لا يليق به، ووقيعتهم في النبي - ﵇ - وتضليلهم (٣) المؤمنين، و(الصبر) ههنا هو صبر النفس على مرّ القدر والتسليم لله تعالى والرضا بقضائه واحتمال الأذى فيه وتنتهوا عما نهى الله تعالى عن ذلك إشارة إلى كسب الصبر والاتقاء، و﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ عزيمتها، وهي الشروع (٤) فيها بالحزم وابتداؤها بالجد، وعن عطاء أنه حقيقة الإيمان.
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الهاء عائدة إلى الكتاب.
و﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ في جماعة من أهل خيبر أتوا النبي - ﵇ - وزعموا أنهم على دين إبراهيم يطلبون بذلك المحمدة فأنزل الله الآية وفضحهم، فما أتوه هو زعمهم وتلبيسهم، ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ ببعيد، والمفازة موضع الفوز.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث نفي فوز القوم من عذاب الله تعالى لاقتداره وسعة ملكه.
عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله - ﷺ - في طولها، فنام حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه وقرأ العشر الخواتم من سورة "آل عمران" (٥)، الخبر. عن ابن عباس قال: بعثني أبي (٦)
_________________
(١) أخرج ابن أبي حاتم في التفسير (٤٦١٧) عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب.
(٢) في "ب": (لله).
(٣) في الأصل: (وتقليلهم).
(٤) في الأصل: (الشرع).
(٥) رواه البخاري (١٨٣، ١١٩٨، ٤٥٧١)؛ ومسلم (٧٦٣).
(٦) في الأصل: (في).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
إلى رسول الله - ﷺ - أحفظ له صلاته، قال: فهبَّ رسول الله - ﷺ - من الليل فتعار ببصره إلى السِماء ثم تلا هؤلاء الآيات من سورة "آل عمران": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى انتهى إلى عشر منها.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ (١) عن عمران بن حصين، قال: سألت النبي - ﵇ - عن صلاة الرجل وهو قاعد، قال: "من صلّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد" (٢).
﴿وَعَلَى﴾ حرف وإنما عطفها على الاسم لأنها في معناه قيامًا وقعودًا ومضطجعين، والتفكير هو الاعتبار بتأليفها وتصويرها، ﴿بَاطِلًا﴾ نصب بنزع الخافضة (٣) أي: حرف الصفة، أي: لأمر أو حكم باطل هزل غير حق وجد، وقيل: الباطل ها هنا بمعنى المبطل، أي: ما كنت مبطلًا في فعلك، في الحديث: "نزلت هذه الآية: وبل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها" (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٧، ٨٥٩، ٦٩٩، ٤٥٦٩، ٦٣١٦، ٦٩٧، ٦٢١٥، ٧٤٥٢، ٥٩١٩)
(٢) رواه البخاري (٢٣٠/ ط. البغا).
(٣) في نصب "باطلًا" خمسة أوجه إعرابية: الأول: أنه نعت لمصدر محذوف، والتقدير: خلقًا باطلًا. الثاني: أنه حال من المفعول به، وهو "هذا". الثالث: أنه على إسقاط حرف خافض وهو الباء، والتقدير: ما خلقتهما بباطل بل بحق. الرابع: أنه مفعول من أجله. الخامس: أنه مفعول ثانٍ لـ "خلق"، هذا إذا كان خلق بمعنى جعل التي تتعدى لاثنين، والمعروف عند أهل العربية أنها إذا كانت بمعنى جعل تعدَّت لواحد فقط. وأقرب هذه الأوجه الخمسة هو الوجه الثاني، وهو أنه حال من "هذا". [الكتاب (١/ ١١٦)؛ الدر المصون (٣/ ٥٣٢)].
(٤) رواه ابن مردويه وعبد بن حميد، كما عند ابن كثير (١/ ٤٧٧)؛ وابن حبان (٦٢٠) في الصحيح، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ص ١٨٦.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
(الإخزاء): الإلجاء إلى الخزاية وهي الاستحياء أو الإيقاع في الخزي وهو الفضيحة، وههنا أقاويل أربعة:
أحدها: أنه لا يدخل المؤمنين النار وإن ارتكبوا الجرائم، بل يغفر لهم ويشفع فيهم لأنه تعالى لا يخزي النبي والذين آمنوا معه، أي: والمؤمنين. وهذا قول فيه مقال، وقال مقاتل: المراد بالإدخال ههنا التخليد (١).
وقيل: المراد بالإخزاء ههنا الإلجاء إلى الخزاية، وبقوله: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨] الآية الإيقاع في الخزي، فالله تعالى يلجىء بعض المؤمنين إلى الخزاية ولكنه لا يوقعه في الخزي.
وقيل: إن النار لا تعم عصاة المؤمنين فلا يكون داخلًا فيها وإن مسَّته، وإنما يتصل قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ بما تقدم لأن الحال يدل على أن من يدخله النار إنما دخله عقوبة لظلم حصل منه على نفسه أو غيره، وإنما قال: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ولم يقل: من ناصر لنظم رؤوس الآي أو مقابلة للظالمين و(المنادي): القرآن، عن قتادة ومحمد بن كعب القرظي (٢) كقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وعن ابن جريج وابن زيد أنه رسول الله - ﷺ - (٣)، لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ويحتمل أن يكون المراد بالسمع سمع القلب، وبالمنادي نذير الله في قلب كل مؤمن،
_________________
(١) وهو مروي عن أنس بن مالك - ﵁ - أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٣١٢)؛ وابن أبي حاتم في تفسيره (٤٦٦٠). وأقرب الأقوال وهو الذي رجحه ابن جرير هو قول جابر بن عبد الله - ﵁ -: إن من أُدخل النار فقد أُخزي بدخوله إياها وإن أُخْرِجَ منها.
(٢) رواه ابن أبي حاتم (٤٦٦٢)؛ والطبري (٦/ ٣١٤)؛ وابن المنذر (١٢٧٠)، وعزاه في الدر (٢/ ١١١) لعبد بن حميد والخطيب في المتفق والمفترق عند القرطبي. وقد روي عن ابن جريج وابن زيد قال: هو محمَّد - ﷺ -، ورجح الطبري تفسير محمَّد بن كعب القرظي.
(٣) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٦/ ٣١٥)؛ وابن أبي حاتم (٦٤٦٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١١) إلى ابن المنذر.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وليس فيها دلالة على نفي وجوب الإيمان قبل السماع لأن (١) الله أثنى على الذين سمعوا ولم يذكر (٢) غيرهم. والسلام بمعنى إلى (٣) كقوله: ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. وأوحي لها ﴿أَنْءَامِنُوا﴾ ترجمة للنداء، ﴿وَتَوَفَنَا﴾ موافقين للأبرار حاصلين في عدادهم كقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦].
﴿رَبَّنَا﴾ تكرار للنداء ﴿وَآتِنَا﴾ عطف على قوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾، ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ على ألسن رسلك أو على نصرة رسلك أو على اتباع رسلك، وهذا يدل على أن خير الآخرة إنما تستحق بوعد الله تعالى لا غير أو العبد لا يستحق ثوابًا إلا بوعد سيده.
والسبب في نزول قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لم يذكر النساء في شيء من الهجرة وأنا أول من هاجر من النساء (٤)، ﴿مِنْ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وقيل: هو بيان لجنس العاملين (٥)، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، والمراد به اتفاقهم في صفة
_________________
(١) في الأصل: (لأنه).
(٢) في الأصل و"ي": (يذكروا).
(٣) لكن الزمخشري يذهب إلى أنه لا حاجة إلى أن نجعل اللام بمعنى "إلى"، ذلك لأن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعًا في معنى اللام، فاللام في موضعها. [الكشاف (١/ ٤٨٩)].
(٤) رواه الترمذي (٣٠٢٣)؛ والحميدي في مسنده (٣٠١)؛ وسعيد بن منصور (٥٥٢)؛ والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩٤)؛ والطبري في التفسير (٥/ ٢١٤)؛ والحاكم (٢/ ٣٢٨) عن أم سلمة.
(٥) قوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] في "مِن" خمسة أوجه إعرابية، ذكر الجرجاني منها وجهين: الأول: أنها بدل من قوله "منكم"، قال أبو البقاء العكبري: وهو بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحد. والوجه الثاني: الذي ذكره الجرجاني أن "مِنْ" لبيان الجنس أي: جنس العامل، والتقدير: الذي هو ذكر أو أنثى. =
[ ٢ / ٥٥٩ ]
الإيمان كما نقول لفرق اليهود والنصارى والروافض والمعتزلة بعضكم من بعض، أي: يجمعكم أصل واحد من مقالة، وقريب منه قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ويحتمل نسبة الأرحام لأن الجميع ذرية رجل واحد ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ مجازه أوحشوا وعوملوا بالمكروه، و﴿ثَوَابًا﴾ نصب على المصدر، وقيل: على التفسير (١).
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ في معنى ولا يعجبك ولا تحسبن ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اختلافهم سالمين غانمين، ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ الأرض الموضع جمع بلدة.
﴿مَتَاعٌ﴾ أي: ذلك متاع قليل.
﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ وخافوا واتقوا سخطه، ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال،
_________________
(١) = الوجه الثالث: أنها زائدة لتقدم النفي في الكلام، وعلى هذا فيكون "من ذكر" بدلًا من نفس "عامل"، وهذا فيه نظر - كما قال السمين الحلبي - لأن البدل لا يزاد فيه "مِنْ". الوجه الرابع: أنها متعلقة بمحذوف لأنها حال من الضمير المستكن في "منكم". الوجه الخامس: أن يكون "من ذكر" صفة ثانية لـ "عامل" قصد بها التوضيح، فتتعلق بمحذوف كالتي قبلها. [الإملاء (١/ ١٦٣)؛ الكتاب (١/ ٣٩٣)؛ الدر المصون (٣/ ٥٣٩)].
(٢) في نصب "ثوابًا" تسعة أوجه إعرابية، ذكر الجرجاني منها وجهين: أنها منصوبة على المصدر أو على التفسير. الوجه الثالث: أن يكون حالًا من "جنات" أي مثابًا بها. والوجه الرابع: أنه حال من ضمير المفعول، أي: مثابين. الوجه الخامس: أنه حال من الضمير في "تجري" العائد على "جنات"، وخصص أبو البقاء كونه حالًا بجعله بمعنى الشيء المثاب به. الوجه السادس: أنه نصب بفعل محذوف، والتقدير: يعطيهم ثوابًا. الوجه السابع: أنه بدل من "جنات"، ويمكن أن يقال أنه جعل الثواب ظرفًا لهم مبالغةً. فهو كقوله تعالى: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]. الوجه الثامن: أنه نصب على التمييز وهو مذهب الفراء. الوجه التاسع: أنه منصوب على القطع، وهو مذهب الكسائي. [الإملاء (١/ ١٦٣)؛ معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥١)؛ الدر المصون (٣/ ٥٤٣)؛ إعراب القرآن محمود صافي (٢/ ٤٢٠)].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
و﴿نُزُلًا﴾ على التفسير (١) والنُّزل والنزُل بمعنى وهو الرزق يعده المنزل وهو المضيف، النزول: وهم الضيفان، ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ المتاع والقليل، وقيل: خير وليس بشر بخلاف ما عنده للفجار.
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، قال مجاهد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (٢)، وعن قتادة وابن جريج أن النبي - ﵇ - لما بلغه وفاة النجاشي صلّى عليه فعيرهم المشركون، وقالوا: صلّى على علج فأنزل الله (٣)، واتصال ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ بما قبله من حيث إن الجزاء بعد الحساب.
واتصال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما قبله من حيث أطمع الله المؤمنين فيما عنده، فلذلك دلَّهم على ما يعملون به الصبر على أي مكروه وعن آية شهوة، و(المصابرة) للعدو وعلى مكروه الحرب وحرها، و(المرابطة) مقاومة العدو بالثبات على مرّ الأمر، والظاهر من (الرباط) ارتباط الخيل
_________________
(١) في قوله "نزلًا" ستة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه منصوب على المصدر المؤكِّد لأن معنى "لهم جنات" نُنْزِلهم جناتِ نزلًا. الوجه الثاني: نصب بفعل مضمر، والتقدير: جعلها لهم نزلًا. الوجه الثالث: أنه منصوب على الحال من "جنات" لأنها تخصصت بالوصف. الوجه الرابع: أن يكون حالًا من الضمير في "فيها"، والتقدير: مُنَزَّلَةً، هذا إذا قلنا إن "نزلًا" مصدر بمعنى المفعول كما قاله أبو البقاء العكبري. الوجه الخامس: أنه حال من الضمير المستكن في "خالدين"، هذا إذا قلنا إنه جمع نازل كما قاله الفارسي في التذكرة. الوجه السادس - وهو قول الفراء -: أنه منصوب على التفسير أي التمييز وهو ما ذكره الجرجاني. [الكشاف (١/ ٤٩١)؛ الإملاء (١/ ١٦٤)؛ معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥١)؛ الدر المصون (٣/ ٥٤٧)].
(٢) أخرجه سنيد بن داود في تفسيره كما في العجاب (٢/ ٨٢٢)، وعنه الطبري (٦/ ٣٢٩) عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١٣) إلى ابن المنذر.
(٣) رواه الطبري (٦/ ٣٣٠)؛ والطبراني في الأوسط (٤٦٤٥)؛ وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٢٥) عن أبي سعيد الخدري، وقال الطبري: ذلك خبر في إسناده نظر، ولا يمنع أن تعم النجاشي ومن كان على شاكلته.
[ ٢ / ٥٦١ ]
ولكنه يستعمل في كل ما يلزم ويثبت، وفي الحديث: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١) (٢).
_________________
(١) في "ب" "أ": (فذلكم الرباط) ثلاث مرات.
(٢) رواه مسلم (٢٥١) عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.
[ ٢ / ٥٦٢ ]