مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة إلا اثنتين منها في قتلى (٢) بدر (٣) قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآيتين، وهي أربع وخمسون آية في عَدِّ أهل الحجاز (٤).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ استحباب الشيء اعتقاد محبته وإدخاله في عداد المحبوبات، والمراد به الاختيار والإيثار، ولذلك وقعت التعدية بـ"على".
﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ بعبارة قوم الرسول عامة مشاهدته ومخاطبته ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالإعجاز ما يترجمون عنه على سبيل التواتر ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي فبعد البيان وقيام الحجة يخذل الله من يشاء ليصرّ على الضلالة (٥) ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ليعترف بالحق.
﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ ترجمة للوحي الذي في فحوى الإرسال أو ترجمة
_________________
(١) هذا ذكره ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير كما في "الدر المنثور" (٨/ ٤٨٦).
(٢) في "أ": (قيل) وهو خطأ.
(٣) أما عن ابن عباس فقد ذكره النحاس في ناسخه (٥٣٧)، وأما عن قتادة فذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٤٣).
(٤) كما في "البيان في عدّ آي القرآن" (١٧١)، وأما عند الكوفي فـ (٥٢) آية، وفي الشامي (٥٥) آية، و(٥٠) آية في البصري.
(٥) في الأصل و"أ": (الدلالة).
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
الآيات أو القول (١) مضمر، ﴿قَوْمَكَ﴾ أي بني إسرائيل، ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الشبهات إلى اليقين، ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أيام إنجاء الله إياهم (٢).
﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ومجاوزته بهم البحر وآيات أصابت القرون الماضية بأنواع العذاب على سبيل الانتقام، وفائدة التذكير بهذه الأيام هو التنبيه على استحقاق الشكر والخوف.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ واذكروا حالة إيذانه إياكم (٣)، والتأذن والإيذان واحد، كالتعود والإيعاد.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ قائم مقام الجزاء (٤) في هذه الحياة فلا يضرونه شيئًا فإنه غير مفتقر إلى إيمانكم وحمدكم.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ حكاية عن موسى، وقيل: خطاب لهذه الأمة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الأمم المنقرضة في مشارق الأرض ومغاربها درست آثارهم وانقطعت أخبارهم، ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ عضوا أناملهم غيظًا (٥)، ويحتمل معنى التعجب على ما جرت به العادة في العامة كصك الوجه (٦)،
_________________
(١) في "أ": (للقول).
(٢) عامة المفسرين على أن "أيام الله" نِعَم الله عليهم، ورد ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وقد ورد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أُبي عن النبي - ﷺ - مرفوعًا، أخرجه الطبري (١٣/ ٥٩٨)، وعبد بن حميد (١٦٨)، وأحمد بن حنبل في المسند (٥/ ١٢٢)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٤) وغيرهم ولا يصح رفعه. وقال ابن كثير: وهو بالوقف أشبه. وما ذكره المؤلف من أن "أيام الله" أيام إنجاء الله إياهم من آل فرعون فهذه من النعم.
(٣) إيذانه إياكم أي إعلامه إياكم كما قاله الفراء، ومثله: أوعدني وتوعدني. [معاني القرآن (٢/ ٦٩)].
(٤) في الأصل و"ي": (الجر).
(٥) روي ذلك عن عبد الله بن مسعود أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٠٥ - ٦٠٦)، وعبد الرزاق (١/ ٣٤١)، والطبراني في الكبير (٩١١٩) وغيرهم، وهو الذي رجحه الطبري.
(٦) هي رواية عن ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٠٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٧٢) إلى ابن أبي حاتم.
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
ويحتمل معنى الأمر بالسكوت على سبيل الإشارة، ويحتمل معنى الامتناع عن الإقرار (١) على سبيل التشبيه، أي كأنهم (٢) أخذوا على أفواههم متناكبين عن الإيمان والإقرار (٣)، ويحتمل منعهم الرسل عن النطق على سبيل التشبيه، فكأنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل وأسكتوهم، ويحتمل معنى ردهم الشيء القريب.
﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي شيئًا أو كثيرًا أو الكل من ذنوبكم (٤)، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: صرف العذاب العاجل عنهم وتعميرهم إلى الموت المعهود، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ آية ملجئة التي توجب (٥) العلم مشاهدة.
﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ سلموا للإنصاف في الجدال بما استدركوا الغلط في سائر دعاويهم بإثبات المشيئة لله في تفضيل بعض البشر على بعض بالخصال الحميدة، لإفحامهم في الجدال لعجزهم عن إنكار المشاهدة.
﴿خَافَ مَقَامِي﴾ أي مقامه بين يدي يوم العرض الأكبر، ولقد صدق وعده لرسله، وللخائفين مقامه، والخائفين وعيده أولياء رسول الله والخلفاء والأئمة.
﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي الأنبياء -﵈- (٦) كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقول موسى: ﴿رَبَّنَا
_________________
(١) في الأصل و"أ": (الأفراد).
(٢) في "ب": (فكأنهم).
(٣) في الأصل و"أ": (الأفراد).
(٤) قال أبو عبيدة: "من" زائدة كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحَاقَّة: ٤٧] ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: جَزَيْتُك ضِعْفَ الحُبِّ لما شكوتِهِ وما إن جزاكِ الضِّعْفَ من أَحَدٍ قبلي [زاد المسير (٢/ ٥٠٧)].
(٥) في الأصل: (بوبت).
(٦) قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦١٦ - ٦١٧)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٤١)، واستفتاحهم هو استنصارهم على قومهم في دعوتهم إلى الحق.
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨]، وقول لوط: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٦]، وإليه ذهب مجاهد وقتادة، وعن ابن عباس ومقاتل: استفتاح الكفار (١) كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨] فأتنا به، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي هو على شفا حفرة منها (٢) ومآله إليها ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ممتزج من القيح والدم (٣)، ووصف الماء به لمعنيين: التشبيه أنه ماء أنتن وتكدّر بالإحماء (٤) والغلي، والعرب تسمي الماء الحار بالشمس صديدًا، أو الثاني اعتبار حقيقة العنصر، فإن اسم الماء يشتمل على جنس المياهات بهذا (٥) الاعتبار، ألا ترى سمّوا النطفة ماء.
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يتكلف الشرب قليلًا قليلًا جُرْعَة جرعَة. ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ يستوجبه المتجرع ولا يكاد يستمرئه للتضاد وعدم الإيجاد، ثم تقبله الطبيعة قهرًا لعجزها (٦) عن دفعه فيفسد المزاج (٧) ولا علاج، ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي يعرض له أسباب الموت من كل جهة وفي كل عضو وعرق ولا يموت (٨) لوجود الخلود في النار ذات الوقود، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾ سوى هذا العذاب، ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ (٩) أي هذا مثل الذين كفروا على سبيل ترجمة والفصل في الكتاب كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]،
_________________
(١) ذكر هذا القول ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٥٠٧).
(٢) من قوله: (أي هو) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) قاله مجاهد والضحاك. أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦١٩)، تفسير مجاهد (ص ٤١٠)، ومن طريقه البيهقيِ في البعث والنشور (٦٠٧).
(٤) في "أ": (بالأحجار).
(٥) في الأصل: (بهذه).
(٦) في الأصل: (لمعجزها).
(٧) في "أ": (الحجاز).
(٨) في الأصل: (تموت).
(٩) في الأصل: (مثل الذين كفروا).
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
وقيل: إنه مبتدأ وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ خبره (١) بإضمار أن (٢) أعمالهم الحسنة التي وقعت لا لوجه الله ﴿كَرَمَادٍ﴾ ما (٣) تفتت بالاحتراق (٤)، والمراد بالتشبيه حبوط الأعمال، وإنما يوصف اليوم بأنه ﴿عَاصِفٍ﴾ لأن اليوم يوصف بما يحدث فيه على سبيل المجاز، وقال الزاجر (٥):
يومين غيمين ويومًا شمسًا (٦)
يقال: يوم حار ويوم بارد، وإنما الحرارة والبرودة الجوهر (٧) في الحقيقة (٨) دون الأحوال والأيام (٩).
﴿جَدِيدٍ﴾ محدث وهو ضد القديم العتيق.
﴿بِعَزِيزٍ﴾ بصعب (١٠) ممتنع.
_________________
(١) ذكر هذا الوجه من الإعراب أبو البقاء العكبري. والوجه الثاني -وهو مذهب سيبويه-: أن يكون "مثل" مبتدأ محذوف الخبر. والوجه الثالث -ورجحه ابن عطية-: أن يكون "مثل" مبتدأ و"أعمالهم" مبتدأ ثانٍ و"كرماد" خبر المبتدأ الثاني. والثاني وخبره خبر المبتدأ الأول. والوجه الرابع -وهو مذهب الكسائي والفراء-: أن "مثل" مزيدة و"الذين" مبتدأ و"أعمالهم" مبتدأ ثانٍ و"كرماد" خبر. والوجه الخامس -وهو مذهب الزمخشري-: أن تكون "مثل" مبتدأ و"أعمالهم" بدل منه و"كرماد" خبر. [معاني القرآن للفراء (٢/ ٧٢)، المحرر (٨/ ٢٢١)، البحر (٥/ ٤١٥)، الكتاب (١/ ٧١)، الكشاف (٢/ ٣٧١)].
(٢) في الأصل: (بإضمارهم).
(٣) (ما) ليست في الأصل.
(٤) في الأصل: (بالإحراق).
(٥) في الأصل: (الراجن).
(٦) الرجز ذكره الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٢٣)، والفراء في معاني القرآن (٢/ ٧٣)، وفي خزانة الأدب (٥/ ٩٢) ولم ينسبوه إلى قائله، وعجز البيت: نجمين بالسعد ونجمًا نحسا
(٧) في الأصل: (الجواهر).
(٨) في الأصل: (الحقيقي).
(٩) في الأصل: (الأيام).
(١٠) في "أ": (فصعب).
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ اعترضوا على (١) الله للحساب ﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع كحرس (٢) وحارس ورصد وراصد، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾ يحتمل الإنكار على سبيل التعجيز والاستفهام والطلب على سبيل نفاد الجهل واعتقاد الكفر. وجوابهم بأن ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ يحتمل معنيين: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ في الدنيا إلى دين الإسلام ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ إليه وهذا على سبيل الاعتذار، والثاني: لو هدانا الله اليوم إلى محيص (٣) لهديناكم إليه، ولكنه لم يهدنا فنحن باقون في العذاب. عن أبي بن كعب (٤)، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] قال: يقومون ثلثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدوا، وأما المؤمنون فيهون عليهم كما يهون المكتوبة. عن خيثمة قال: كنا عند ابن عمر فقلنا: إن عبد الله بن مسعود - ﵄ -، قال: إن الرجل ليعرق حتى يسبح في عرقه يدفعه العرق حتى يلجمه، قال: وما ذلك إلا ما ترى الناس يفعل بهم، قال: فقال ابن عمر: هذا للكفار فما للمؤمنين؟ فقلنا: الله أعلم وما ندري، قال (٥): فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن حدثكم أول الحديث ولم يحدثكم آخره، إن للمؤمنين كراسي يجلسون عليها ويظل عليهم الغمام ويكون يوم القيامة عليهم كساعة من نهار أو أحد طرفيه (٦).
﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم وناصركم، ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ بمن أشركتموني به يعني الله، عن الفراء (٧). وقيل: بإشراككم إياي لم أعتقد في نفسي ما اعتقدتم في، وإنما يقيض الشيطان لهذا القول زيادة في التعيير واللوم والتقريع.
_________________
(١) (على) ليست في "ب".
(٢) في الأصل و"أ": (كحرص).
(٣) في الأصل و"أ": (محيض).
(٤) عن أبي بن كعب لم أجده وإنما هو عن محمَّد بن كعب القرظي عند الطبري (١٣/ ٦٢٧) لابن المنذر.
(٥) (قال) ليست في "ب".
(٦) وجدته عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو أن ابن مسعود، فذكره مختصرًا أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٦)، وله شواهد.
(٧) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٧٦).
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هذا مثل الإيمان (١)، وقيل: المراد بالشجرة الطيبة النخلة (٢)، وإنما شبه الإنسان من حيث يهلك بقطع رأسها، وإنما يحمل بالإلقاح.
وقال -﵇-: "أكرموا عمتكم النخلة" وروي أن النخلة خلقت من فضلة طينة آدم (٣)، وقيل: إن البعير خلق من تلك الفضلة أيضًا، وروي أنه -﵇- خرج على أصحابه وهم يذكرون الشجرة الطيبة فقال -﵇-: "ذلك المؤمن أصله في الأرض وفرعه في السماء" (٤).
﴿كُلَّ حِينٍ﴾ ستة أشهر.
_________________
(١) نقله الطبري عن ابن عباس والربيع بن أنس وهي شهادة أن لا إله إلا الله وهو أصل الإيمان، ورجحه الطبري. [تفسير الطبري (١٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥)].
(٢) روي ذلك عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: أُتي النبي - ﷺ - بقِناعِ بُسْرٍ فقال: "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة". قال: "هي النخلة" أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٣٨)، والنسائي في الكبرى (١١٢٦٢)، والترمذي (٣١١٩) وغيرهم. وقال العلامة الألباني -﵀-: صحيح موقوفًا. [صحيح سنن الترمذي (٢٤٩٤)].
(٣) الجملتان في حديث أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤٣٠)، وابن عدي (١/ ٣٣٠)، وابن حبان في الضعفاء (٣/ ٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣) عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا بلفظ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم " الحديث. والحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٨٤) وقال: لا يصح، مسرور منكر الحديث. وقال العقيلي: إنه غير محفوظ، وقال ابن عدي: منكر، وقال العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٤٢٨/٢٦٣): موضوع.
(٤) لم نجد شيئًا بهذا اللفظ، والجامع في ذلك حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن من الشجر شجرة لا يَسْقُط ورقها، وانها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ " قال عبد الله: فوقعَ الناسُ في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلةُ، فاستحييتُ ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النخلة" قال عبد الله: فذكرت ذلك لعمر، فقال: لأَنْ تكونَ قلتَ: هي النخلة أحبُّ إليَّ من كذا وكذا. أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب العلم ١/ ١٣٣)، ومسلم في صحيحه (صفات المنافقين ٢٨١١) وغيرهما.
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
وقيل: ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ كلمة الكفر ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (١) الحنظلة ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اقتلعت وسقطت ليس لها أصل ثابت في الأرض ولا في السماء، وهي تتلاشى عن قريب، فكذلك كلمة الكفر.
عن البراء عنه -﵇- في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال (٢): في القبر إذا قيل لك من ربُّك وما دينك ومن نبيك (٣)، وعن عمر في هذه الآية قال: قال -﵇-: "إذا دخل المؤمن قبره أتاه فتّانا القبر فأجلس في قبره وانه ليسمع خفق (٤) نعالهم إذا ولّوا مدبرين، فيقولان (٥) له: من ربك ما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمَّد -﵇-، فيقولان: ثبتك الله نم قرير العين"، وهو قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦). ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر بالتوحيد الثابت للحق ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين، وقيل: إذا أدخل (٧) المنافق أو الكافر (٨) قبره قالا له: من ربك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري،
_________________
(١) (كلمة الكفر كشجرة خبيثة) ليست في "ب".
(٢) في "ب": (قيل).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٥٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٧)، والبيهقي في عذاب القبر (ص ٥)، والآجري في الشريعة (٨٦٧)، والمروزي في زوائد الزهد (١٣٥٦). وورد مرفوعًا عن البراء بن عازب أيضًا بلفظ قال: ذكر النبي - ﷺ - المؤمن والكافر فقال: "إن المؤمن إذا سئل في قبره قال: ربي الله، فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٣٨٧١) وغيرهما.
(٤) في الأصل: (خنق).
(٥) في الأصل: (يقولان).
(٦) لم نجده بهذا اللفظ عن عمر بن الخطاب لكن ورد عنه بلفظ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "كيف أنت إذا كنت في أربعة أذرع في ذراعين، ورأيت منكرًا ونكيرًا؟ " قلت: يا رسول الله وما منكر ونكير؟ الحديث بطوله أخرجه البيهقي (١١٨)، وقال البيهقي: غريب بهذا الإسناد، وقال الذهبي في الميزان (٤/ ١٦٧): خبر منكر.
(٧) في "أ": (دخل).
(٨) في "ب": (الكافر أو المنافق).
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
فيقولان: لا دريت، ثم كما ينام المنهوش، ويضرب بمرزبة يسمعها من بين الخافقين إلا الجن والإنس، وهو قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ (١) المشركين ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يثبت الله الذين آمنوا على القول الثابت أو يثبت الله قلوب الذين اَمنوا بسبب قولهم الثابت، أو بتمكنهم من القول الثابت. عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كيف بك يا عمر لو جاءك فتَّانا القبر منكر ونكير ملكان أسودان أزرقان يبحتان الأرض ويطاف في شعورهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف" قال: يا رسول الله أمعي عقيلي وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: "نعم"، قال: إذًا أكفيهما بإذن الله، فقال -﵇-: "إن عمر موفق" (٢).
وفائدة السؤال في القبر ما علمه الله تعالى كفائدة أخذ الميثاق، وقيل: في حق المؤمن تتمة ابتلائه بتمحيص إقراره وتوفير ثوابه، أو لتجليته على الملائكة أنه غير معرض عن الله ولا ناس إياه ولو عظمت بلواه، وفي حق الكافر تتمة ابتلائه لقطع أعذاره وتوكيد عقابه.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ نزلت في رؤساء بني أمية وبني المغيرة يوم بدر (٣)، ﴿وَأَحَلُّوا﴾ حملوهم على الحلول وهو النزول و﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاك.
﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من دار (٤) البوار.
_________________
(١) تفاصيل ذلك في حديث البراء بن عازب مرفوعًا حين ذكر رسول الله - ﷺ - الكافر قال: "فتعاد روحه في جسده"، قال: "فيأتبه ملكان شديدا الانتهار فيجلسانه فينتهرانه، فيقولان له: من ربك " الحديث بمثل ما ذكره المؤلف أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٦٥)، والطيالسي (٧٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥٦)، والبيهقي في عذاب القبر (ص ٢٧).
(٢) البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (١١٧)، وابن أبي داود في "البعث" (٧).
(٣) أخرجه البخاري في تاريخه (٨/ ٣٧٣)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٦٦٩) عن عمر بن الخطاب - ﵁ - موقوفًا.
(٤) وفيه وجه ثان وهو أن تكون "جهنم" عطف بيان لـ"دار البوار"، وعلى هذين الوجهين فالإحلال يقع في الآخرة، وفيه وجه ثالث: أن ينتصب "جهنم" على الاشتغال بفعل مقدر، وعلى هذا فالإحلال يقع في الدنيا. [الدر المصون (٧/ ١٠٢)].
[ ٣ / ١٠٤١ ]
﴿لَا بَيْعٌ﴾ كسب الخير ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ شفاعة (١).
﴿دَائِبَيْنِ﴾ ملازمين للعادة.
﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قيل: بعض مقدار من المسؤول، وقيل: كل المسؤول مبذول للجماعة وإن تفاوت منه آحادها بالتخصيص، (الإحصاء) الطاقة، وقيل: إدراك العدد، ﴿الْإِنْسَانَ﴾ المخذول عن التوفيق الإلهامي الروحاني الموكول إلى الهيمان الإنعامي النفساني.
أهل الحجاز يقولون: (جنبني) فلان شره بالتخفيف، وأهل نجد جنّبني وأجنبني بالتشديد والألف.
﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ﴾ إن كان المراد بها الأرواح الخبيثة من الشياطين فإسناد الإضلال إليهن كإسناده إلى الناس، وإن كان المراد بها الصور المصورة، فإسناد الفعل إليهن كإسناده إلى الدراهم والدنانير، يُقال: أهلك الناس الدرهم والدينار (٢)، ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ في الإعراض عن الأصنام والطواغيت ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فيما دون الشرك عن مقاتل بن حيان (٣) ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر للمشركين ويرحمهم إذا تابوا (٤)، عن الكلبي: ويحتمل أن إبراهيم -﵇- ذكر المغفرة والرحمة (٥) تنزيهًا لله -﷿- عن أن يأخذه ومن تبعه (٦) بذنب من
_________________
(١) قوله: "خلال" مأخوذة من المُخَالَّة، وهو مصدر من قول القائل: خاللت فلانًا فأنا أُخالله مخالةً وخلالًا، ومنه قول امرئ القيس: صرفتُ الهوى عَنْهُنَّ من خشية الرَّدى ولستُ بمقليِّ الخِلاَلِ ولا قالِ ومعنى الخلة هي الصداقة والمصاحبة، فمعنى الآية أن يوم القيامة لا يقبل فيه مخالة خليل، فيصفح عَمَّن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالَّته بل هناك العدل والقسط فلا تقبل شفاعة خليل. [الطبري (١٣/ ٦٨٠)، ديوان امرئ القيس (ص٣٥)، زاد المسير (٤/ ٥١٤)].
(٢) في "أ" "ب": (الدنانير).
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٦٥).
(٤) أورد ابن الجوزي قريبًا منه عن السدي.
(٥) في "ب": (الرحمة والمغفرات).
(٦) في "ب": (معه).
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
عصاه، ويحتمل أنه يعرض على قضية استخارة العقل قبل التوفيق السماعي مغفرة الكفار كما كان يستغفر لأبيه حتى علم أنه عدو لله فتبرأ منه.
﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ بعضًا من ذريتي ﴿أَفْئِدَةً﴾ واحدها فؤاد ﴿تَهْوِي﴾ تميل وتسرع.
﴿يَقُومُ (١) الْحِسَابُ﴾ كما يقال: قام السوق والحرب والصلاة، ﴿تَشْخَصُ﴾ ترتفع عن مواضعها وتحيط الدهش.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي وهو حالة سيلانهم (٢) عند الحشر ﴿هَوَاءٌ﴾ خالية عن الخواطر دهشًا واشتغالًا بالمشاهدات.
﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ معطوف على ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من الأمم (٣) الماضية الذين تسكن ديارهم وتشاهد آثارهم وتسمع أخبارهم ﴿لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أمثال القرآن.
﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ أراد المعاني المستفخمة العظيمة من (٤) الشرائع والسنن وقواعد الدين.
﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي مخلفًا وعده رسُله، وإنما قدم الوعد على الرسل لأنه أَلْيَق بالأخلاف والكلام يستقل به دون المفعول الثاني.
﴿يَوْمَ﴾ (٥) نصب لوقوع الانتقام فيه (٦) ﴿تُبَدَّلُ﴾ يقلب ظهرها بطنها وترفع الجبال عنها وتسطح من المشرق إلى المغرب ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ تغير
_________________
(١) في الأصل: (بيوم).
(٢) في الأصل و"ب": (لسيلانهم).
(٣) في الأصل: (الإثم).
(٤) (من) من "ب" "ي".
(٥) اختلف النحاة في نصب "يوم" فقيل: هو منصوب بـ"انتقام"، وقيل: هو منصوب بـ"اذكر"، وقيل: هو بدل من "يوم يأتيهم"، وقيل: هو منصوب بـ"مخلف"، ومنع هذا الوجه أبو البقاء العكبري. [الكشاف (٢/ ٣٨٤)، الإملاء (٢/ ٧١)، الدر المصون (٧/ ١٢٩)].
(٦) (فيه) من "أ" "ي".
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
هيئاتها بخسف الشمس والقمر وتناثر الكواكب والانفطار، وقرأت عائشة هذه الآية فقالت: يا رسول الله أين يكون الناس؟ قال: "على الصراط" (١).
﴿الْأَصْفَادِ﴾ جمع صفد وهو الغل والقيد.
﴿قَطِرَانٍ﴾ (٢) الجيران ما تطلى به الإبل، (السربال) يشتمل على القميص والجنة والدرع (٣) ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بدل عن قوله: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أو ليوم (٤) يجزي الله، وقيل: التعليل التفريق في الأصفاد هذه إشارة إلى القرار.
﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ نهاية لهم في الوعظ.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٧٣٦)، والإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٣٤)، والدارمي (٢/ ٣٢٨)، وأصله في صحيح مسلم (٢٧٩١).
(٢) (قطران) ليست في الأصل.
(٣) ذكره الطبري في تفسيره (١٣/ ٧٤٢). قال الزجاج: وإنما جعل لهم القطران؛ لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود. والقطران كما قال ابن عباس هو النحاس المذاب وهو أحد الأقوال في معنى القطران. [الطبري (١٣/ ٧٤٢)، زاد المسير (٢/ ٥٢١)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ١٧٠)].
(٤) في الأصل: (كيوم).
[ ٣ / ١٠٤٤ ]