مكية (١)، وهي ثلاث وسبعون آية (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن زُر قال: قال رسول الله - ﷺ - لأُبي بن كعب: "كأيِّن تعدُّ الأحزاب؟ " قلت: اثنين وسبعين أو ثلاثًا وسبعين (٣) قال: "فإنها تعدل سورة البقرة كانت فيها آية الرجم" قلت: وما آية الرجم؟ فقال: " (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله والله عزيز حكيم) " (٤).
وعن عائشة قالت: كانت سورة "الأحزاب" تعد على عهد رسول الله (٥) مائتي آية فإذا كتب المصحف لم تقدر منها إلا على ما هي الآن (٦)، قال أبو بكر الأنباري: اللفظ المذكور في آية الرجم يرجمه
_________________
(١) هذا خطأ بالاتفاق ولعله وهم فالسورة معروفة أنها مدنية.
(٢) بالاتفاق، انظر: "البيان في عدّ آي القرآن" لأبي عمرو الداني (٢٠٨).
(٣) (أو ثلاثًا وسبعين) ليست في "أ".
(٤) عبد الرزاق في "المصنف" (١٣٣٦٣)، والطيالسي (٥٤٢)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٥/ ١٣٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٥٠)، وابن حبان (٤٤٢٨، ٤٤٢٩)، والحاكم (٢/ ٤١٥) (٤/ ٣٥٩) وفي سنده ضعف والبعض يحسنه.
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) أبو عبيد في "فضائل القرآن" (١٩٠). وعزاه السيوطي في الدر (١١/ ٧١٨) لأبي بكر ابن الأنباري في المصاحف إلى ابن مردويه.
[ ٣ / ١٣٩٥ ]
بالتنزيل لأن التنزيل معجز وهذا غير معجز، قال - ﵁ -: فلا يبعد أن يكون اللفظ لفظ القرآن بعينه لكنه لما نسخت تلاوته نسخ (١) إعجازه.
ذكر الكلبي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا عرار السلمي قدموا على رسول الله (٢) المدينة في الموادعة التي كانت بينهم فنزلوا على ابن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس، فتكلموا فيما بينهم، فلما أجمعوا أمرهم أتوا رسول الله فعرضوا أشياء كرهها منهم، فهمَّ بهم رسول الله والمسلمون أن يقتلوهم فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٣) في إحالة مجاز القوم، وذلك لنقلهم أحكام الحقائق إلى المجاز كمن يسمي إنسانًا شهابًا ثم يعتقده أنه نار فيرفع إليه فتيله مستوقدًا، ويعتقد أن الشهاب الحقيقي إنسان ويأمره وينهاه، واتصالها من حيث ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ فإن النفل كان من صنيعهم.
وسئل ابن عباس عن (٤) هذه الآية قال: قام نبي الله -﵇- (٥) يومًا يصلِّي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلُّون معه: ألا ترى له قلبين قلبًا معكم وقلبًا معهم، وأنزل بمعنى قوله (٦)، وقال ابن جريج: هو رجل من بني فهر كان يقول: إن لي قلبين أعقل بأحدهما ما يعقل محمَّد بقلبه وكذب (٧)، زاد الكلبي بيان اسم الرجل معمر بن أسد (٨)، قال: وتلقاه أبو سفيان بن حرب يوم بدر وهو معلق إحدى نعليه والأخرى في رجليه فقال: يا أبا معمر ما فعل الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما
_________________
(١) في الأصل: (نسخت).
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٦/ ٣٦٤).
(٤) في "ب": (في).
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٦) عزاه السيوطي (١١/ ٧٢٠) لابن مردويه.
(٧) قريبًا منه في زاد المسير (٦/ ٣٤٧).
(٨) ذكره ابن الجوزي عن الفراء.
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
جميعًا في رجلي، فعرفوا يومئذ جميعًا أنه قلب واحد ولو كان له قلبان لما نسي نعله في يده من شدة الخوف (١)، وهذا التأويل يروى عن مجاهد (٢) وابن بريدة وغيرهما.
ويحتمل نفي اجتماع عقيدتين مختلفتين في قلب واحد على سبيل الإنكار على المنافقين الذين كانوا يقولون لرسول الله بوجه والكفار بوجه. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ سنذكر أحكامها في سورة "المجادلة" ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ فسنذكر في قصة زيد. و(الأدعياء): جمع دعي وهذا الذي يدعيه على سبيل الاتخاذ والاتحاد وسبيل الافتراء والإلحاد.
عن سالم بن أبي الجعد لما نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لم يعرف لسالم أب، فقال: "سالم من الصالحين" (٣)، وعن ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمَّد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤).
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى (٥) بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ في تشريف رسول الله - ﷺ - (٦) المجاوزة به من رتبته إلى رتبة الولاية، وكان أولى بنا لكونه في غاية الاتحاد بروح (٧) الله، وكون الشهادة به شطر الإيمان، و(أزواجه أمهاتنا) لأن الأمومة غاية مراتب الحرمة والتعظيم في حق النساء ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ اللوح المحفوظ مستورًا مكتوبًا في كتاب الوصية على سبيل اعتبار غالب أحوال الوصية.
_________________
(١) ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٤٧).
(٢) ابن جرير (١٩/ ٨).
(٣) ذكره ابن عساكر في تاريخه (٢٥/ ٣٢٠، ٣٢١) عن سالم مولى أبي حذيفة. وقريبًا منه عند ابن أبي حاتم كما في الدر (١١/ ٧٢٦).
(٤) البخاري (٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥).
(٥) في "أ": (النبي -﵇- بالمؤمنين).
(٦) (- ﷺ -) من الأصل و"ب".
(٧) (بروح) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ عن قتادة: كان النبي -﵇- (١) آخرًا وبدئ (٢) به أولًا (٣).
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ﴾ تبليغهم وتأديتهم الصدق لوجه الله.
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ عن مجاهد قال: كانت الصَّبَا تكبُّ القدور على أفواهها وتقطع الفسطاط حتى أظعنتهم (٤)، وعنه -﵇- (٥) قال: "نُصِرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدبور" (٦).
قال الأمير - ﵁ -: كانت هذه الوقعة سنة خمس في غزوة الأحزاب وهي غزوة الخندق، وكان سببها أن النبي -﵇- (٧) لما أجلى بني النضير ساروا إلى خيبر ورأسهم أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، فخرج حُيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وأبو عمار اليهودي في بضعة عشر رجلًا إلى مكة فدعوا قريشًا إلى حرب رسول الله - ﷺ - ودعوة سائر القبائل كذلك، فسارت قريش وأتباعها في (٨) أربعة آلاف قائدهم أبو سفيان وفيهم ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير، وسارت غطفان وفزارة في ألف يقودهم عتبة بن حصين الفزاري، وسارت سليم في تسعمائة يقودهم أبو الأعور السلمي، وسارت بنو أسد في عدد كثير يقودهم طلحة بن خويلد، وسارت أشجع في أربعمائة يقودهم مسعر بن دحيلة، وأقبلت يهود في عدد كثير، فلما انتهوا إلى المدينة استغاثوا ببني قريظة
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "أ": (- ﷺ -).
(٢) (آخرًا) في "أ": (فراغ).
(٣) هذا يروى مرفوعًا بلفظ: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث" رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (١١/ ٧٣٦)، وأبو نعيم في الدلائل (٣) وهو ضعيف، ينظر: السلسلة الضعيفة (٦٦١).
(٤) ابن جرير (١٩/ ٢٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٨٥٨، ٨٦٥).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) (في) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
فأغاثوهم (١) وصاروا معهم إلى أن فرق الله بينهم وعسكر رسول الله -﵇- (٢) خارج المدينة نحوهم يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة.
ثم شاور أصحابه بإذن الله، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق فأعجب المسلمين رأيه، فجعل رسول الله - ﷺ - سلعًا (٣) خلفه وخندق بين يديه مقدار ما كان عورة، وكان سائر المدينة كالحصن من جهة البنيان، وأرسل النسوان والصبيان (٤) إلى الآطام، وعن البراء بن عازب: كان النبي عليه الصلاة (٥) والسلام ينقل معهم التراب يوم الخندق وهو يقول: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" (٦)، ويقول:
"والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلَّينا
فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام (٧) إن لاقينا
إن الأُلى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا" (٨)
ورفع بها (٩) صوته بـ "أبينا".
وقتل علي - ﵁ - عمرو بن ود وقد أعطاه رسول الله - ﷺ - (١٠) سيفه فقتله، وقتل الزبير نوفل بن عبد الله المخزومي، ورمى (١١) صبار بن العرقة سعد بن معاذ فقطع أكحله ولم يمت حتى حكم حكمه في بني قريظة بإذن الله -﷿-، ثم سأل الله الشهادة فانفجرت الجراحة.
_________________
(١) (فأغاثوهم) ليست في الأصل.
(٢) في "أ": (- ﷺ -).
(٣) بدل (سلعًا) فراغ في "ب".
(٤) في "ب": (والصبيان والنسوان).
(٥) (الصلاة) ليست في "ب".
(٦) البخاري (٢/ ٥٦٨)، ومسلم (١٨٠٤) من حديث أنس بن مالك.
(٧) (الأقدام) ليست في الأصل.
(٨) البخاري (٤/ ١٥٠٦)، ومسلم (١٨٠٣).
(٩) (بها) ليست في "ب".
(١٠) (أنه) ليست في "ب".
(١١) (ورمى) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
وجاء نعيم بن مسعود الأشجعي فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله (١): "إن استطعت أن تخذل عنا الناس فافعل" فأتى نعيم بن مسعود بني قريظة؛ فأشار عليهم أن لا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهائن تستوثقون بهم، فصوَّبوا رأيه، ثم أتى أبا سفيان فأعلمه أن قريظة قد عزمت على أن تأخذ رهائن منكم تسلمهم إلى محمَّد -﵇- (٢)، وحذرهم أن يدفعوا إليهم الرهائن، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فوقع بين القوم وأيس بعضهم من بعض، وأرسل الله ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وقطعت أطناب فساطيطهم وأظلم الجو عليهم بقسطل سد الأفق، فكان الرجل لا يهتدي إلى رحله فارتحلوا منهزمين.
وكان من دعاء رسول الله - ﷺ - يومئذ: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم أهل الأحزاب" (٣) وكان المشركون قد شغلوا رسول الله عليه الصلاة (٤) والسلام يومئذ عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كشفهم الله تعالى، فأمر ﵊ بلالًا فأذن وأقام الظهر (٥) وأقام لكل صلاة بعدها فقضاهن على الترتيب.
ورجع إلى المدينة وقد استخلف عليها عبد الله بن أم مكتوم، وكان زيد بن حارثة يومئذ يحمل لواءه الأعظم لواء المهاجرين، وكان سعد بن عبادة صاحب لواء الأنصار، وكان حسان بن ثابت قد التجأ إلى حصن مع جماعة من النساء فيهن صفية بنت عبد المطلب، فقصده عشرة من اليهود يرمون وصفية تقول: دونك يا أبا الوليد وهو يأبى ولا يتجاسر عليهم، فدنا أحدهم من الباب يريدون أن يدخل، وأيست صفية وسائر النساء من حسان
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) (السلام) ليست في "أ".
(٣) البخاري (٣/ ١٠٧٢)، ومسلم (١٧٤٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) في "ب" "أ: (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (وأقام الظهر) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٤٠٠ ]
فاحتجزت صفية بثوبها ونزلت إليه، فهذه غزوة الخندق على سبيل الاختصار (١).
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال الكلبي (٢): هذه في مجيء أبي الأعور السلمي منِ أسفل الوادي واعترض إلى أبي سفيان من قبل الخندق ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ عبارتان عن شدة الخوف، و(الحناجر) جمع حنجرة وهي رأس الفلصمة.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال الكلبي: هو رجل واحد معتب بن قشير، وإنما قال ذلك حين أخبرهم بفتح فارس وملك الروم (٣).
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ في المتخلفين عن العسكر والزاحفين إلى الحصن والمشيرين على أصحابهم بذلك يريدون به خذلان رسول الله (٤)، فكانوا يعتذرون إلى رسول الله بأن بيوتنا عورتنا (٥) ﴿عَوْرَةٌ﴾ نخاف عليهم السرق، وهم كاذبون فيما يقولون. ﴿يَثْرِبَ﴾ اسم المدينة في الجاهلية سماها رسول الله "طيبة" فكانوا يلحدون إلى الاسم الأول لنفاقهم وبغضهم رسول الله (٤) (٦).
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه الغزوة (غزوة الخندق) في كل من تفسير ابن كثير (٢/ ٣١٧)، تفسير البغوي (٢/ ٢٥٤)، وابن كثير (٣/ ٤٧٣)، تفسير القرطبي (٢/ ٤٣٥)، صحيح البخاري (٤/ ١٥٠٩)، صحيح مسلم (٣/ ١٣٦٢) وغيرها من المصادر.
(٢) نقل قول الكلبي الرازي في التفسير الكبير (٢١/ ١٧٥)، وذكره القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٤٤).
(٣) الذي قال ذلك ليس واحدًا وإنما هم جملة من المنافقين كما رواه الثعلبي عن ابن عباس - ﵄ -، بل انضم إليهم اليهود في هذا الزعم، ذكر ذلك ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب (٢/ ٦٧٥).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (عورتنا) ليست في "ب".
(٦) ذكر الحافظ ابن حجر في كراهة تسمية المدينة يثرب كما في فتح الباري (٤/ ٨٧)، وذكر حديث البراء بن عازب مرفوعًا عند الإمام أحمد في مسنده: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة". كما ذكر حديث أبي أيوب مرفوعًا رواه عمر بن شبة ولفظه: نهى رسول الله - ﷺ - أن يقال للمدينة يثرب. قيل: وسبب هذه الكراهة لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح -قاله ابن حجر-.
[ ٣ / ١٤٠١ ]
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾ أي المدينة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أطرافها ونواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أي طلبوا الكفر ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي لو أتوا الفتنة لما أمهلهم الله إلا قليلًا، ويحتمل أنهم أتوها ولم يلبثوا بها لأتوها (١) وبالثبات على الإيمان إلا قليلًا عاهدوا الله من قبل، يعني بيعة العقبة قبل الهجرة فعقد عليهم ذلك العقد العباس بن عبد المطلب لرسول الله (٢) بإذن الله تعالى.
﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ المثبطين، والعائق الصارف عن القصد (٣) ﴿هَلُمَّ﴾ كلمة دعوة، قيل: أصلها هل الاستفهام (٤) والأمر من أم يؤم.
﴿أَشِحَّةً﴾ الظاهر أنه الشح يمنع الموالاة والنصر. وذكر الكلبي أنه يمنعهم النفقة عن إخوانهم الذين كانوا في المعسكر ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في مماليقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ للدهش والحيرة ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ سلخوكم نقول سلقته بالسوط وسلقت اللحم عن العظم ومنه السلاق، وهو يقشر جلد اللسان، ولكنه مستعار في الجهر بالقول السيء ورفع الصوت، ومنه خطيب سلاق. وفي الحديث: "ليس منا من سلق أو حلق" (٥) وفي الحديث: "لعن الله السالقة" (٦) ﴿حِدَادٍ﴾ جمع حديد وهو ذو الحدَّة.
_________________
(١) (بها لأتوها) ليست في "ب" "ي".
(٢) في "ب": (لرسول الله - ﷺ -).
(٣) قاله الجوهري في تهذيب اللغة (٣/ ١٨)، إذا أردت أمرًا فصرفك عنه صارف تقول: عاق يعوق عوقًا، والتعويق ترييث الناس عن الخير.
(٤) "هَلُمَّ" قال في اللسان (١٢/ ٦١٧) بمعنى أقبل، وهذه الكلمة تركيبية من "ها" التي للتنبيه ومن "لم" ولكنها قد تستعمل استعمال الكلمة المفردة البسيطة. قال الزجاج: زعم سيبويه أن هلم "ها" ضمت إليها "لم" وجعلتا كالكلمة الواحدة، وأكثر اللغات أن يقال هلم للواحد والاثنين والجماعة وبذلك نزل القرآن: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] قاله سيبويه: وهي لغة أهل الحجاز، وما ذكره المؤلف من أنها بمعنى الاستفهام وأنها بمعنى هل فقد ذكره ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (٦/ ٦٠ هلم) وقال: أصلها هل أؤم كلام من يريد إتيان الطعام.
(٥) أحمد (٤/ ٤١١، ٤١٦)، وإسحاق بن راهويه (٢٣١٨، ٢٣١٩)، وابن حبان (٣١٥١) والحديث ضعيف والبعض يحسنه.
(٦) ابن حبان (٣١٥٢)، والحديث صحيح. وانظر: غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٤٩٣)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٩١).
[ ٣ / ١٤٠٢ ]
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ في الذين صدوا عن القتال ولم يصدقوا المؤمنين في انهزام الأحزاب ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ مرة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾ هؤلاء المنافقون أن يكونوا متميزين عنكم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ﴾ يستميلون الناس ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ كالأحاديث.
﴿أُسْوَةٌ﴾ قدوة، و(التأسي): الاقتداء.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأن النبي -﵇- (١) كان قد أخبرهم قبل (٢) مجيء الأحزاب بسبع أو تسع أنهم يجيئون.
عن أنس بن مالك أن عمه النضر بن أنس غاب عن قتال بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله (٣) المشركين؛ لئن الله أشهدني قتالًا للمشركين ليرين الله كيف أصنع. فلما كان يوم الأحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه، ثم تقدم فلقيه سعد فقال: يا أخي ما فعلت فأنا معك، قال: فلم أستطع أن أصنع ما صنع فوُجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، قال: فكنا نقول فيه وفي أصحابه نزلت قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (٤).
وعن عائشة في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله يوم أحد أصيب فقال رسول الله: "أوجب طلحة الجنة" (٥).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (قبل) فراغ في "أ".
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) مسلم (١٩٠٣)، وأبو عوانة (٣/ ١٧٦). عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده.
(٥) هذا الحديث مركب من حديثين: الأول عن عائشة وفيه ذكر أن طلحة ممن قضى نحبه. رواه الحاكم (٢/ ٤١٥، ٤١٦) (٣/ ٣٧٦)، وفي سنده إسحاق متروك. =
[ ٣ / ١٤٠٣ ]
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٥] الأول أظهر لأن الآية تليها ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عائدة إلى أول القصة على سبيل رد عجز الكلام على صدره.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ نزلت في غزوة بني قريظة، والسبب في ذلك أن النبي -﵇- لما علم بقدوم الأحزاب أرسل إليهم سعد بن معاذ الأنصاري وخوات بن جبير يستنصرهم على الأحزاب، على قضية الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، فأبوا أن ينصروه ونقضوا العهد وشتموا الرسول والمرسل وأظهروا حقدهم وتعصبهم لبني النضير الذين كان رسول الله (١) أجلاهم إلى الشام قبل ذلك بسنتين، فلما نزل المشركون بساحتهم استنصرهم حيي بن أخطب وكان من بني النضير، وامتنعوا (٢) منه بعض الامتناع ثم أجابوه وضمنوا إعانته على شريطة أن يدخل معهم الحصن إن كانت الدبرة عليهم، ثم تخلفت اليهود عن المشركين لمكان السبت، وغضب أبو سفيان بن حرب فلم ينتظرهم فهزم الله الأحزاب بما ذكرنا ودخل حيي بن أخطب الحصن مع بني قريظة.
ورجع رسول الله إلى المدينة فجعل يغسل رأسه مما لقي يوم الخندق، فقالت عائشة: يا رسول الله إني لأرى دحية الكلبي (٣) عند
_________________
(١) = ورواه أبو يعلى (٤٨٩٨)، وأبو نعيم (١/ ٨٨) وفي سنده صالح بن موسى متروك. وقد ثبت من غير حديث عائشة كحديث معاوية وطلحة وله شواهد كثيرة. الثاني قوله: "أوجب طلحة" فرواه الترمذي (١٦٩٢)، وأحمد (١/ ١٦٥) وهو حديث حسن عن عبد الله بن الزبير.
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) في "ب" "ي": (فامتنعوا).
(٤) هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي كان من كبار الصحابة شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد وبقي إلى خلافة معاوية، وهو الذي بعثه النبي - ﷺ - إلى قيصر رسولًا في الهدنة وذلك في سنة ستة من الهجرة، فآمن به قيصر وأبت بطارقته أن تؤمن، فأخبر بذلك دحية رسول الله - ﷺ - فقال: "ثبت الله ملكه" في حديث طويل، وهو - أي دحية - =
[ ٣ / ١٤٠٤ ]
المنبر، فنظر -﵇- (١) فإذا هو جبريل -﵇- فخرج إليه يمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبريل: والله يا محمَّد ما وضع أهل السماء أسلحتهم وقد وضعتم أسلحتكم! اخرج إلى بني قريظة. فقال النبي -﵇- (١): "كيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟ " قال: اخرج إليهم والله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم.
فنادى رسول الله في الناس يأمرهم بالخروج إلى بني قريظة، وخرج هو بنفسه على مقدمته علي بن أبي طالب، وعلى الميمنة زيد بن حارثة، وعلى الميسرة ثابت بن أثرم الأنصاري، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري.
فلما انتهى إليهم استنزلهم فقال: "انزلوا على حكم الله ورسوله يا إخوة القردة" فنزل أسد وأسيد وثعلبة بنو سعية بن عمرو مسلمين مؤمنين وامتنع الباقون عن النزول، فأرسل رسول الله -﵇- (٢) أبا لبابة بن المنذر وقال: "قل لحلفائك ينزلون على حكم الله ورسوله" فأشار إليهم أبو لبابة ووضع يده على حلقه ينذرهم بالذبح إن نزلوا، وقالوا: لا ننزل، فقال رسول الله: "يا أبا لبابة خنت الله ورسوله" قال: نعم يا رسول الله.
وندم على صنيعه فارتبط على سارية من سواري المسجد بضع عشرة ليلة حتى نزلت توبته، فلبثوا خمسًا وعشرين ليلة ثم استنزلهم على حكم سعد بن معاذ فنزلوا وكان سعد بن معاذ حكمًا؛ فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم ونسائهم وقسموا أموالهم وقتل سراتهم، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلًا، وقيل: أربعمائة وخمسين. وجيء بحيي بن أخطب وعليه مقطعة حمراء فشقها على نفسه مخافة أن يسبى، فأمر رسول الله (٣) بضرب عنقه.
_________________
(١) = الذي كان جبريل يأتي النبي - ﷺ - في صورته، سكن آخر عمره في دمشق وكان منزله بقرية المزة. [الإصابة (٢/ ٣٨٤)، الاستيعاب (٢/ ٤٦١)، تاريخ دمشق (١٧/ ٢٠١)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (-﵇-) ليست في "ي" "أ"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٣ / ١٤٠٥ ]
وكانت الخيل في هذه الغزوة في عسكر رسول الله ستة وثلاثين فرسًا (١).
وروي في بعض التاريخ أن النبي -﵇- (٢) اصطفى من السبي ريحانة بنت عمرو بن قنافة (٣) وليس بمعروف، وكان يحمل رايته علي بن أبي طالب، وكانت امرأة من قريظة ألقت رحى من فوق الحصن فقتلت جُلاد بن سويد، فأمر رسول الله بقتل تلك المرأة فقتلت (٤)، ونهى في هذه الغزوة أن يفرق بين الأم وولدها، وبين الأختين إذا كانتا صغيرتين، وبلغ عدد السبي تسعمائة.
﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جمع صيصية، وهي كل ما يقع به الامتناع والتحصن، وصياصي البقر قرونها، وصيصيتا الديك شوكتاه. وفي حديث أبي هريرة: "أصحاب الدجال شواربهم كالصياصي" (٥).
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ مزارعهم وبساتينهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ بيوتهم وخزائنهم. وذكر الكلبي أن الأرض التي لم تطؤوها خيبر أي سيورثكم، ويحتمل أن الآية نزلت بعد فتح (٦) خيبر، وأراد بالأرض ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] لم يوجفوا خيلًا ولا ركبًا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ جابر بن عبد الله قال: مكث رسول الله (٧)
_________________
(١) هذه روايهَ ابن إسحاق كما ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام، وله شواهد.
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٥)، والإصابة (٧/ ٦٥٨) وهي ريحانة بنت شمعون بن زيد بن عمرو بن قنافة، صحابية.
(٤) ابن سعد في الطبقات (٣/ ٥٣٠).
(٥) هذا الحديث ذكره أهل اللغة كصاحب لسان العرب في مادة (صيص). وكذلك ذكره ابن الأثير في النهاية (٣/ ١٤٠)، وابن الجوزي في غريب الحديث (١/ ٦١٢).
(٦) (فتح) ليست في الأصل.
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٣ / ١٤٠٦ ]
يومًا (١) في بيته لم يخرج، فحضر الناس في المسجد ينتظرونه، فجاء أبو بكر وعمر -﵄- وقالوا: لو أن أبا بكر استأذن على رسول الله (٢) فاستأذن أبو بكر فردّ، ثم استأذن عمر فرد، فجلسا مع الناس ساعة فقال القوم لأبي بكر: استأذن، فاستأذن (٣) فأذن له (٤)، ثم استأذن عمر فدخلا على رسول الله ونساؤه كلهن حوله وهو ناكس رأسه، ثم رفع رأسه فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد وقد سألتني النفقة والكسوة فقمت إليها فوجأت رقبتها، قال: فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ثم قال: "والله ما حبسني عنكم منذ اليوم إلا من تسألني النفقة والكسوة".
فقام أبو بكر إلى عائشة فضربها، فأمسكه رسول الله، وقام عمر إلى حفصة فقال: والله لا تسألين بعد هذا اليوم شيئًا، ثم خرج رسول الله (٢) فصلى ثم نزل التخيير فبدأ بعائشة فقال: "يا عائشة إني عارض عليك أمرًا فلا تعجلي حتى يأتيك أبوك وأمك فتسأليهما" فلما عرض (٥) عليها قالت (٦): "إني أستشير فيك أبي وأمي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأحرج عليك أن تخبر أحدًا من نسائك ممن تحب أن تفارقني ماذا قلت"، فقال رسول الله (٢): "معاذ الله من ذلك إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا ولا متعنتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا فلا تسألني امرأة إلا أني أخبرتها أنك اخترت الله ورسوله والدار الآخرة" فعرض عليهن فقلن ما قالت عائشة فأخبرهن ما قالت فقلن: ونحن اخترنا الله ورسوله والدار الآخرة (٧).
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ أزواجه وبناته وسائر الهاشميات، والخطاب قد
_________________
(١) (يومًا) ليست في "ب".
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) (فاستأذن) ليست في "أ".
(٤) (له) من "ي"، (فأذن) ليست في "أ".
(٥) في "ب": (أعرض).
(٦) في "ب": (قال).
(٧) مسلم (١٤٧٨).
[ ٣ / ١٤٠٧ ]
تناولهن جميعًا ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ لأن المحنة على قدر النعمة بدليل اختلاف المحصن وغير المحصن في حكم الزنا.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ فلا تلنّ الكلام ولا تلطفن الصوت ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ لا نفخ فيه ولاريبة.
عن ابن عباس قال: الجاهلية الأولى كانت بين إدريس ونوح ﵈ وكانت ألف سنة (١)، وقيل: إن الجاهلية الأولى كانت في أيام نمرود (٢).
وعن عمر بن سلمة ربيب النبي -﵇- (٣) قال: لما نزلت ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كان في بيت أم سلمة فدعا فاطمة والحسن والحسين فجللها بكساء وعلي خلف ظهره ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا " قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: "إنك على مكانك وأنت على خير" (٤)، وفي بعض الروايات قالت أم سلمة: ألست من أهل بيتك يا رسول الله؟ قال: "بلى" فأدخلها معهم في كسائه (٥)، ولكن الرواية الأولى أشهر فإن لم يدخلها فلاستغنائها بظاهر الكتاب فلتطمئن (٦) قلبها أو كونها متأخرة في تزوجه (٧) عن نزول الآية.
وعن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله تذكر الرجال في كل شيء ولا تذكرنا فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (٨)، وإنما أحبت
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٨٠).
(٢) الذي ورد أنه في زمن إبراهيم كما عند ابن سعد (٨/ ١٩٩، ٢٠٠).
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٤) الترمذي (٣٢٠٥)، وابن جرير (١٩/ ١٠٦)، والطبراني في الكبير (٨٢٩٥) وهو صحيح.
(٥) أحمد (٦/ ٢٩٨) وفي سنده شهر بن حوشب ضعيف.
(٦) في الأصل و"ب": (فلتطهر).
(٧) في "أ": (تزوجها).
(٨) أحمد (٦/ ٣٠١، ٣٠٥)، والنسائي في الكبرى (١١٤٠٥)، وابن جرير (١٩/ ١١١)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٦٣/ ٥٥٤)، والحديث صحيح.
[ ٣ / ١٤٠٨ ]
أم سلمة إفراد النساء بالذكر على سبيل الإتباع والإجمال ليتشرفن بذلك ويتبركن لأن ظاهر الخطاب لا يتناولهن، فإن طريقة العرب مشهورة أنهم إذا جمعوا بين مذكر ومؤنث وعاقل وغير عاقل ومفرد ومضاف أن يغلبوا المذكر والعاقل والمفرد.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ نزلت في شأن زينب (١) بنت جحش بن رياب بن يعمر ابن ضمرة بن مرة بن كثير بن غثم (٢) بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس من مضر الأسدية، وأمها أميمة (٣) بنت عبد المطلب عمة رسول الله، توفيت زينب في زمن عمر بن الخطاب فسترت على جنازته بنعش، وهي أول من سترت بنعش، فشيع الجنازة عمر - ﵁ - فلما رأى النعش استحسن ذلك وقال: نعم جنا الطبيعة. وكان السبب في ذلك أن النبي -﵇- (٤) أمرها أن تتزوج بمولاه زيد بن حارثة بن شراحبيل بعد وفاة أم أيمن مولاة رسول الله (٥) وأم أسامة بن زيد، وزيد هذا الذي ابتلاه الله تعالى بنفي نسبته عن رسول الله (٥) بعد ثبوته، وابتلاه الله بمراجعة رسوله (٦) إياه وامرأته على ما سنذكره، وكان راضيًا عن الله تعالى مطمئنًا بقلبه على الإيمان، فعوضه الله من مجاز النسبة والمرأة الغائبة ذكرًا مخلدًا، وهو أن صرح باسمه ووصفه بالجميل في كتابه المعجز وهو حي مكلف يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهذه رتبة كانت مختصة برسول الله (٧)، قبل ذلك لم ينلها حمزة وعباس وعلي ولا أبو بكر وعمر وعثمان ولا فاطمة والحسن والحسين ولا خديجة وعائشة وحفصة.
_________________
(١) ابن جرير (١٩/ ١١٢، ١١٣).
(٢) في الأصل: (عثمة).
(٣) في "ب": (أمية).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) في "ب": (رسول الله).
(٧) في "ب": (برسول الله - ﷺ -).
[ ٣ / ١٤٠٩ ]
وسئل الزهري: مَن أول من أسلم؟ قال: من النساء خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة.
وعن سليمان بنيسار قال: أول من أسلم زيد بن حارثة (١).
روي أن حارثة (٢) تزوج إلى طي بامرأة من بني نبهان، فأولدها جبلة وزيدًا وأسماء، فتوفيت أمهم وبقوا في حجر جدهم لأمهم، وأراد أبوهم حملهم فأبى عليه جدهم، ثم تراضوا على أن حمل جبلة وأسامة وترك زيدًا عند جده، فجاءت خيل من تهامة فاغارت على طي فسبت زيدًا وجاؤوا به إلى سوق عكاظ، فرآه النبي - ﷺ - (٣) من قبل أن يبعث فقال لخديجة: "يا خديجة رأيت في السوق غلامًا صفته كيت وكيت- يصف عقلًا وأدبًا وجمالًا (٤) - لو أن لي مالًا لاشتريته" فأمرت خديجة ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النبي -﵇- (٥):"يا خديجة هذا الغلام بطيبة من نفسك" فقالت: يا محمد إني رأيت غلامًا رضيًا وأحب أن أتبناه وأخاف أن تبيعه أو تهبه فقال: "يا موفقة ما أردت إلا أن أتبناه" فقالت له (٦): خذه يا محمد، فرباه وتبناه وكان يقال له زيد بن محمد، فجاء رجل من الحي فرأى زيدًا فعرفه فقال: ألست زيد بن حارثة؟ قال: لا، أنا زيد بن محمد، قال: بلى أنت زيد بن حارثة نسبة أبيك وعميك وإخوتك كيت وكيت، وقد أتعبوا الأبدان وأنفقوا الأموال في سبيلك فقال:
ألكني إلى قومي وإن كنت نائيًا وإني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الآرض نص الأباعر
_________________
(١) ابن سعد (٣/ ٤٤).
(٢) من قوله (وعن سليمان) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (النبي - ﷺ -).
(٤) في "ب": (وجمالًا وأدبًا).
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" بدله (- ﷺ -).
(٦) في الأصل بدل (له): (خديجة).
[ ٣ / ١٤١٠ ]
فإني بحمد الله في خير أسرة خيار معد كابر بعد كابر
وإني مولى للنبي محمد حويت به سهم الفريع المفاخر
فمضى الرجل وأخبر حارثة، ولحارثة في ذلك شعر يقول:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحيٌّ يرجى أم أتي دونه الأجل
فوالله ما أدري وإني لسائل أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فياليت شعري هل لك الدهر رجعة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا ولا أسأم التطواف إذ تسأم الإبل
وإن هبت الأرياح هيجن ذكره فيا طول أحزاني عليه ويا وجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ويعرض ذكراه إذا عسعس الطفل
حياتي أو تأتي عليَّ منيتي وكل امرئ فان وإن غره الأمل
ثم إن حارثة أقبل مكة وأخواه وولده وبعض عشيرته فإذا النبي -﵇- (١) في فناء الكعبة في نفر من أصحابه وزيد فيهم، فلما نظروا إليه عرفوه وعرفهم فقالوا: يا زيد، فلم يجبهم انتظارًا منه لرأي رسول الله -﵇- (١)، فقال له رسول الله: "من هؤلاء يا زيد؟ " فقال: يا رسول الله هذا أبي وهذان عمَّاي وهذا أخي وهؤلاء عشيرتي، فقال له: "قم يا زيد فسلِّم عليهم"، وسلَّم عليهم وسلَّموا عليه (٢) فقال (٣): امض معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله بدلًا ولا أؤثر عليه أحدًا، قالوا: يا محمد إنا معطوك بهذا الغلام ديات فسم ما شئت فإنا حاملوها إليك، فقال: "أسألكم (٤) أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني خاتم أنبيائه" فأبوا وتلكؤوا (٥) وتلجلجوا وقالوا: نعطي ما عرضنا عليك يا محمد قال: "ها هي (٦) خصلة
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" بدله (- ﷺ -).
(٢) في "ب": (وسلموا عليه وسلم عليهم).
(٣) في "ب": (فقالوا له).
(٤) في الأصل: (ما أسألكم).
(٥) (وملكًا) ليست في "ب": (فراغ).
(٦) في "ب": (قال ها ههنا).
[ ٣ / ١٤١١ ]
غير هذه" قال: "قد جعلت الأمر إليه إن شاء فليرحل" قالوا: يا محمد ما بقي قضيت ما عليك (١)، يا زيد فانطلق معنا، قال: هيهات هيهات ما أريد برسول الله بدلًا ولا أؤثر عليه أحدًا، قال أبوه: يا نبي الله أما إني أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله، فآمن حارثة وأبى الباقون ورجعوا إلى البرية، والحديث مختصر (٢).
وعن أبي عمرو الشيباني أن جبلة بن حارثة قال: قدمت على رسول الله (٣) فقلت له: يا رسول الله أبعث معي أخي زيدًا قال: "هوذا فإن انطلق معك لم أمنعه" قال زيد: يا رسول الله والله لا أختار عليك أحدًا، قال جبلة بن حارثة: فرأيت رأي أخي أفضل (٤).
وعن عمر أنه فرض لأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمائة وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف فقال عبد الله لأبيه: لم فضلت أسامة عليَّ فوالله ما سبقني إلى مشهد، قال: لأنَّ زيدًا كان أحب إلى رسول الله من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله (٥) منك فآثرت حبّ رسول الله على حبي (٦).
وعن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - (٧) بعث بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمرته فقال: "إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ وإن هذا من أحب الناس إلى بعده".
_________________
(١) (ماعليك) ليست في "ب".
(٢) رواه تمام في فوائده (١٢٠٠)، وابن عساكر في تاريخه (١٠/ ١٣٧) (١٩/ ٥٣٠).
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) الترمذي (٣٨١٥)، والطبراني في الكبير (٢١٩٢)، والحاكم (٣/ ٢٣٧)، والحديث حسن.
(٥) قوله (من أبيك) إلى هنا ليست في "ب".
(٦) الترمذي (٣٨١٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٨٧٨)، والحاكم (٣/ ٦٤٥) والأثر فيه ضعف.
(٧) (- ﷺ -) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٤١٢ ]
فلما كان زيد من رسول الله - ﷺ - (١) بهذه المنزلة أحب إكرامه وتشريفه بأن تزوج منه بنت عمته فترفعت المرأة عن ذلك فأنزل الله هذه الآية فسلمت لحكم الله ورسوله وتزوجت يزيد بن حارثة (٢).
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ إنعام الله توفيقه للإيمان وإنعام رسول الله هو عتقه وتزويجه ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ من كلام رسول الله له ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾. والسبب في نزولها أن المرأة مكثت عند زيد ما شاء الله، ثم إن رسول الله أتى بيت زيد ذات يوم وهو غائب عن بيته فوقع بصره على المرأة وهي قائمة في درع وخمار، فألقى الله حبَّها في قلبه، فأعرض عنها مدبرًا وهو يقول: "سبحان الله مقلب القلوب" فلما سمعت المرأة تلك اللفظة علمت بما (٣) ابتلي به رسول الله، فجلست متسترة ولم تكلم رسول الله (٤).
ورجع رسول الله إلى بيته ورجع زيد إلى بيته (٥) فأخبرته المرأة بالقصة فلم يثبت زيد أن جاء إلى رسول الله وهو يشكو زينب بأنها متكبرة ذات نخوة ما تطيعه في أمر ولا تبر قسمه وإنه يريد أن يطلقها (٦)، فزجره النبي -﵇- تمسكًا بالنصيحة الشرعية وفي قلبه ما في قلبه، فأظهر الله ذلك عليه (٧).
وعن عائشة - ﵂ - قالت (٨): لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم
_________________
(١) (- ﷺ -) ليست في "ب".
(٢) مسلم (٢٤٢٦).
(٣) في الأصل، "ي": (ما).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (ورجع زيد إلى بيته) ليست في الأصل.
(٦) في الأصل: (وأن زيد أن يطلقها).
(٧) ابن سعد (٨/ ١٠١، ١٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٣، ٢٤) وهو ضعيف غير ثابت سندًا ومعنى.
(٨) في الأصل: (قال).
[ ٣ / ١٤١٣ ]
هذه الآية (١)، فلما نزلت الآية أذن النبي -﵇- (٢) لزيد (٣) في طلاقها وفي أن خطبها بعد ذلك لرسول الله (٤)، فرجع زيد وأخبر المرأة بأنه شكا منها إلى رسول الله (٤) فاستأذن في طلاقها فأذن له في ذلك ثم قال لها: جزاك الله خيرًا إن كنت لتطيعيني وتبرين قسمي، فبكت المرأة، ثم أخبرها بأنه وكيل من جهة رسول الله في أن يخطبها له فضحكت. ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي استوفى حاجته من النظر والمفاكهة والملاعبة إلى ما وراء ذلك من المسيس (٥) وغيرها. و(الوطر): الإرب والحاجة.
وعن الشعبي أن زينب بنت جحش قالت للنبي -﵇- (٦): إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن؛ إحداهن أن جدي وجدك واحد، والثاني أن الله تعالى زوجنيك من السماء، والثالث أن السفير جبريل -﵇- (٧) (٨).
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ يبين أن فعل النبي -﵇- كان فعلًا ظاهرًا يدل على جوازه لأمته ما لم تقم دلالة لتخصيص فيها فرض الله له وفي استباحة ما خصه الله بالإباحة له مما يراه الناس محظورًا عليه بعقولهم أو بأوهامهم.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر أي سنَّ الله فيك سنته ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي كان قضاؤه مقدرًا.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ في محل الخفض بدلًا من ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾.
_________________
(١) إلى هنا أخرجه الترمذي (٣٢٠٨)، وابن جرير (١٩/ ١١٧)، والحديث صحيح.
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" بدلها: (- ﷺ -).
(٣) (لزيد) ليست في "ب".
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) في "ب": (المس).
(٦) في "ب": (للنبي - ﷺ -).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) الطبري (١٩/ ١١٨، ١١٩)
[ ٣ / ١٤١٤ ]
﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي من رجال الدنيا، فإن الله استأثر بنبيه أطفالًا لم يبلغوا مبلغ الرجال.
وقال الشعبي: ما كان ليعيش فيكم له ولد ذكر (١)، وتسمية الفاطمية حي رسول الله على المجاز كقوله -﵇- (٢) لأغيلمة [بني عبد المطلب] (٣) ليلة الجمع بالمزدلفة حين قدم ضَعَفة أهله: "أبني لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس" (٤).
﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ عن عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله" (٥).
وعن أنس قال: قال رسول الله -﵇- (٦): "ذكر الله علم الإيمان وبراءة من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النار" يحتمل الوحي فرقًا للنبي -﵇- (٧)، ويحتمل التوفيق.
﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ واترك مراعاة جانبهم والتودد إليهم باحتمال مشقتهم، وإنما أمره بذلك لأن النبي -﵇- (٦) ما كان يحتمل أذاهم إلا لوجه الله تعالى.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ فيه دليل على أن جواز الجمع بين الحقيقة في لفظ إذا تجانسا ولم يتنافيا؛ لأن قوله: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ حقيقة في حق
_________________
(١) الترمذي (٣٢١٠).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) ما بين [] من الأصول.
(٤) النسائي (٥/ ٢٧٠)، والحميدي في مسنده (٤٦٥)، والحديث صحيح.
(٥) الترمذي (٣٣٧٥)، وأحمد (٤/ ١٨٨)، وابن حبان (٨١٤)، والحديث صحيح.
(٦) (السلام) ليست "ي" وبدلها (- ﷺ -).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٤١٥ ]
أزواجه وفي غيرهن إذ هو في معنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فأما (١) أزواجه اللواتي آتاهن أجورهن فخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب توفيت قبل الهجرة، وسودة بنت زمعة من مهاجري الحبشة تزوجها بمكة وطلقها بالمدينة فسألته لوجه الله أن يراجعها بمكة وهي بها، بالمدينة، وحفصة بنت عمر تزوج بها بالمدينة بعد موت خنيس بن حذافة، وكان رسول الله أرسله إلى كسرى، وزينب بنت خزيمة من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة توفيت قبل رسول الله وكانت تدعى أم المساكين، وزينب بنت جحش الأسدية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان الأموية، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية أم الفضل التي هي أم الخلفاء - ﵃ -، وصفية بنت حيي النضيرية أعتقها ثم تزوج بها، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
فهؤلاء إحدى عشرة (٢) امرأة أمهات المؤمنين توفيت اثنتان قبله ومات عن تسع منهن، وروي أنه -﵇- (٣) تزوج بحمنة بنت ذي اللجية من بني بكر بن كلاب (٤) فدخل بها ليلة فطلقها، وتزوج بأميمة بنت النعمان الكندية (٥) فقالت ملكة تحت (٦) سوقة فلم يطأها وطلقها، وتزوج بامرأة فلما دخل عليها وبسط يده إليها قالت: أعوذ بالله منك، فقال -﵇- (٣): "لقد عذت بمعاذ" فطلقها (٧)، وأما ما ملكت يمينه من السراري فمارية القبطية أم إبراهيم (٨) احتجبت بعد نزول آية الحجاب،
_________________
(١) ١ () من قوله (في غيرهن) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) في "ب": (عشرة).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) لم نجد اسمها فيمن ذكر أنهن وهبن أنفسهن للنبي - ﷺ -.
(٥) قصتها في البخاري في كتاب النكاح، وذكرها ابن حجر في الإصابة (٧/ ٥١٥).
(٦) في "ب": (تحت حكم سوقه).
(٧) نفس الرواية السابقة في البخاري.
(٨) هي مارية القبطية أم إبراهيم كانت جارية للنبي - ﷺ -، بعث بها المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبي - ﷺ - في سنة سبع من الهجرة وأختها سيرين وألف مثقال ذهبًا وعشرين ثوبًا لينًا وبغلته الدلول وحماره عفيرًا، بعث ذلك كله مع حاطب بن أبي بلتعة، =
[ ٣ / ١٤١٦ ]
وريحانة بنت شمعون القرظية (١) قيل: إنها احتجبت بعد نزول آية الحجاب.
﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ (الإفاءة) في اللغة: الرد، إنما سميت الغنيمة فيئًا لأن النعمة يستحقها المؤمنون فكأن الكفار اغتصبوها أو جميع ما في الأرض للمؤمنين في عصر آدم -﵇- (٢) ونبيه، فما يغنمه المسلمون فكأنهم يرتجعونه ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ فضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت المقداد، وأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت الربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٣)، وأم هانئ فاختة بنت أبي طالب وعمانة بنت أبي طالب لا نعرف لهما زوجًا، وأم حبيب بنت عباس من أم الفضل، وآمنة وصفية ابنتا عباس من أمهات الأولاد لا نعرف أزواج بنات عباس، وأم أبيها بنت حمزة لا نعرف زوجها، وهند بنت المقدام بن عبد المطلب كانت (٤) تحت عبد الله بن أبي مسروح أخي بني سعد بن بكر بن هوازن، وبنات لأبي لهب، وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب، لم يتزوج رسول الله بواحدة منهن (٥) من هؤلاء فيما مضى ولا فيما استقبل من عمره.
_________________
(١) =فعرض حاطب على مارية الإسلام فاسلمت وأسلمت أختها. وهي أم إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -. [الإصابة (٨/ ١١١)، البداية والنهاية (٥/ ٣٣٠)].
(٢) ريحانة بنت شمعون القرظية، وقيل: النضرية. كان رسول الله - ﷺ - سباها فابت إلا اليهودية فوجد رسول الله في نفسه، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: هذا ثعلبة يبشرني بإسلام ريحانة، فبشَّره وعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك، فتركها. [البداية والنهاية (٥/ ٣٢٨)، الإصابة (٧/ ٦٥٨)].
(٣) (-﵇-) ليست في "ي" "ب".
(٤) (كانت تحت) إلى هنا ليست في "أ".
(٥) في "ي" "أ": (كان).
(٦) (منهن) ليست في "أ" "ي".
[ ٣ / ١٤١٧ ]
وأما بنات عماته فغير مسميات في المعارف والتاريخ ما خلا زينب ابنة جحش فإنها ابنة عمة رسول الله -﵇- (١)، وأما بنات خاله فغير مسميات لا نعرف لوالدة رسول الله (٢) ولا لمرضعته أخ من الأم ولكن بني زهرة أخوال رسول الله (٢) على طريق الإجمال لمكان آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وبنو سعد بن بكر بن هوازن أخواله لمكان مرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، وأما بنات خالاته فغير مسميات ولا نعرف أختًا لوالدة رسول الله -﵇- (٣) ولا لمرضعته، ولكن الزهريات والسعديات خالاته على طريق الإجمال لمكان آمنة وحليمة (٤).
وظاهر من قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وصف لبنات الخالات، وروى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي﴾ الآية، فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر كنت من الطلقاء، فالظاهر من قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ أنه عام في جميع المؤمنات مهاجرات وغير مهاجرات، وقال ابن عباس: نهي رسول الله عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ منصوبة بمضمر؛ أي جعلنا هذه خالصة أو هذه الفريضة خالصة لك، والتخصيص هو عدم العوض لأن (٥) الواهبة معطوفة على ذوات (٦) الأجور، والمعطوف عليه في الظاهر، يدل عليه ما روي أن خولة بنت حكيم (٧) وهبت نفسها للنبي -﵇- (٨) وكانت من المهاجرات الأُول، قالت عائشة:
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وبدله في "ب": (- ﷺ -).
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) (-﵇-) ليست في "ي" "أ"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٤) في "ب": (حليمة وآمنة).
(٥) (لأن) ليست في الأصل.
(٦) في الأصل: (ثلاث).
(٧) خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، كانت ممن وهب نفسها للنبي - ﷺ - فأرجأها، وكانت تخدم النبي - ﷺ -، وتزوجها عثمان بن مظعون فمات عنها فكانت تصوم النهار وتقوم الليل.
(٨) (-﵇-) ليست في "ي" "أ"، وفي "ب" بدلها (- ﷺ -).
[ ٣ / ١٤١٨ ]
كنت إذا ذكرت أستحيي امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر وكانت من أغير الناس، وفيها نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: يا رسول الله إن ربك ليسارع في هواك (١).
وعن ابن عباس قال: ألقى الله في قلب أم شريك بنت جابر الإسلام فأسلمت وهي بمكة، وهي إحدى نساء قريش، ثم إحدى بني عامر بن لؤي، وكانت تحت أبي العكبر الأزدي، فأسلمت وجعلت تدخل على نساء قريش سرًا تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها فقالوا (٢): لولا قومك لفعلنا بك ولفعلنا ولكن سنردك إليهم، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء من وطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني ولا يسقونني قالت: فما أتت عليَّ ثلاث وما في الأرض شيء أسمعه قالت: فنزلوا وكانوا إذا نزلوا منزلًا أوثقوني في الشمس ثم استظلوا، فهم فيها حتى يرتحلوا، قالت: فبينا هم قد نزلوا منزلًا وأوثقوني في الشمس أتاني شيء برد على صدري، فتناولته فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلًا، قالت: فصنع بي ذلك مرارًا، ثم تركت فشربت منه حتى رويت ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي فاستيقظوا فإذا هم بأثر الماء ورأوا فيَّ حسنة الهيئة فقالوا: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه حتى رويت، قلت: ما فعلت ولكنه من الأمر كذا وكذا، قالوا: إن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها (٣) كما تركوها فاسلموا عند ذلك.
قال: فأقبلت إلى النبي -﵇- (٤) ووهبت نفسها للنبي -﵇- (٥) بغير
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٦٤٤)، من حديث عائشة والطحاوي في مشكل الآثار (١٥/ ٣٣٦/ ٦٠٦٣).
(٢) في الأصل: (وقالوا).
(٣) (وجدوها) مكررة في الأصل.
(٤) (السلام) ليست في "ي" وبدلها (- ﷺ -).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٤١٩ ]
مهر فقبلها ودخل بها فرأى أنها قد علتها كبرة فطلقها، وفي قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ دليل على أن لفظة الهيئة من ألفاظ النكاح.
والظاهر من قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إرجاء الواهبات أنفسهن ليبقين موقوفات غير مقبولات ولا مردودات.
وذكر الحدادي في تاريخه أن النبي -﵇- (١) أرجى سودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وميمونة وآوى عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة (٢)، فالإرجاء على هذا القول الإخراج من القسمة والثوبة من غير طلاق فإن كان كذلك لم يكن إلا برضاهن على سبيل المصالحة كما في قصة سودة بنت زمعة ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ إيواءها ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في إيوائها و﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي الإيواء بعد الإرجاء أقرب من مسرتهن كلهن تأكيد للضمير المكتسي بقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ دون الضمير في قوله: ﴿آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ في تحريم ذوات المهور في المستقبل من غير الأصناف المذكررة دون الواهبات أنفسهن وما تملكه بيمينه في باقي عمره إن رزقه الله تعالى، ولم يبلغنا أنه قبل نفس واهبة أو ملك سريته ملك اليمين بعد هذه الآية ما كان فعل شيئًا من ذلك.
وفائدة الآية استعمالها وفائدتها اعتقادها.
وعن مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد (٣) ما سمى لك من يهودية لكون الذمية في رتبة المؤمنين أو تحريم عسيلته على أهل النار فإن أبا طيبة شرب دمه وحرمت عليه النار.
_________________
(١) (السلام) ليست "ي".
(٢) ابن سعد (٨/ ١٩٦)، وابن جرير (١٩/ ١٤٠، ١٤١).
(٣) (أي من بعد) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
وعن عائشة قالت: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء (١)، فقد فهمت من الآية تحريم الحرائر بعد التسع، ثم شاهدت من سنته ما استدليت به على نسخ الآية بالسنة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول الله (٢) فدخل بأهله وصنعت -أي أم سلمة (٣) - حيسًا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله (٢) فقل له: وجهت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، قال: فذهبت به إلى رسول الله (٢) فقلت: إن أمّي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل، فقال: "ضعه" ثم قال: "اذهب فادع فلانًا وفلانًا ومن لقيت" وسمّى رجالًا، فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت لأنس: كم عددهم كانوا؟ قال: زهاء ثلثمائة.
قال (٤): فقال رسول الله: " [يا أنس هات بالتور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله - ﷺ -: "ليتخلف] (٥) عشرة عشرة وليأكل كل (٦) إنسان مما يليه" قال (٧): فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم قال: قال: "يا أنس ارفع" قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت.
قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ورسول الله (٨)
_________________
(١) الترمذي (٣٢١٦)، والنسائي في الكبرى (٣٢٠٤، ٣٢٠٥)، وابن سعد (٨/ ١٩٤)، وعبد الرزاق (١٤٠٠١)، والحديث صحيح.
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) في "أ": (أم سليم).
(٤) (قال) ليست في "ب".
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
(٦) (كل) من "ب".
(٧) (قال) ليست في "ب" "أ".
(٨) في "ب": (بيت رسول الله - ﷺ - جالس)، وفي "أ": (بيت رسول الله جالس).
[ ٣ / ١٤٢١ ]
جالس (١) وزوجته مولية وجهها إلى الحائط (٢)، فثقلوا على رسول الله (٣)، فخرج رسول الله (٣) فسلَّم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله (٣) قد رجع ظنوا أنهم ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله (٣) حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج علي، وأنزلت عليه هذه الآية، فخرج رسول الله وقرأها على الناس، قال أنس: أنا [حدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي - ﷺ - (٤).
﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ في محل الخفض معطوفًا على قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ وعن عائشة قالت: كنت آكل أنا ورسول الله - ﷺ - (٥) حيسًا في قعب، فمرَّ عمر فدعاه رسول الله - ﷺ - (٦) فأكل معنا، فأصابت إصبعه إصبعي فقال: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب (٧).
وعن الشعبي: أن نبي (٨) الله -﵇- (٩) تزوج قتيلة بنت قيس (١٠) ومات عنها، ثم تزوجها عكرمة بن أبي جهل، فأراد أبو بكر أن يقتله فقال له عمر: إن النبي -﵇- لم يحجبها ولم يقسم لها (١١) ولم يدخل بها،
_________________
(١) في "أ": (جالس حين).
(٢) فراغ في كل النسخ.
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) مسلم (١٤٢٨).
(٥) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٦) (- ﷺ -) ليست في "أ" "ي".
(٧) النسائي في الكبرى (١١٤١٩)، والطبراني في الأوسط (٢٩٤٧)، والحديث صحيح.
(٨) في "ب": (رسول).
(٩) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها: (صلى الله عليك وسلم).
(١٠) (قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس، ذكر تفاصيل قصتها ابن سعد في "الطبقات"، وأن أخاها الأشعث عرضها على النبي -﵇- فوافق على ذلك، فسافر إلى حضرموت ليأتي بها فبلغه في الطريق وفاة النبي --﵇- فارتدَّ هو معها عن الإسلام وهي ممن وهبت نفسها للنبي - ﷺ -. [طبقات ابن سعد (٨/ ١٤٧)].
(١١) (يقسم لها) ليست في "أ" "ي".
[ ٣ / ١٤٢٢ ]
وارتدَّت مع أخيها عن الإسلام وبرئت من الله ورسوله، فلم يزل به حتى تركه (١).
وما روي عن طلحة في عائشة لا نراه إلا فرية بعض روافض أهل الكوفة، أخذ الكلبي منهم ثم تابعه عليه مقاتل ثم أخذه الفراء من تفاسيرهما (٢).
وكل تحريم ثبت بالنسب يثبت بالرضاع لقوله -﵇- (٣): "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٤) ولما روي عن عائشة قالت: جاء عمي من الرضاعة بعد ما ضرب علينا الحجاب، فقلت: والله لا آذن لك حتى يأتي رسول الله (٥) فاستأذنه، فجاء رسول الله فقلت: جاء عمي من الرضاعة فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك قال: "فليلج عليك عمك" قالت: قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال -﵇-: "إنه عمك فليلج عليك" (٦).
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ -﵇- (٣). عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى (٧) آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٨).
_________________
(١) الحاكم في مستدركه (٤/ ٤٠).
(٢) يقصد هنا رواية الشيعة ما رواه عبد الرزاق (٢/ ١٢٢)، وعزاه السيوطي في الدر (١٢/ ١١٢) لعبد بن حميد وابن المنذر عن طلحة بن عبيد الله: لما قبض النبي - ﷺ - تزوجت عائشة فنزلت الآية ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وما رواه ابن أبي حاتم كما عند ابن كثير إن الذي زعم ذلك هو طلحة. وأحسن المؤلف إذ قال: إن هذه من افتراءات الشيعة على أمهات المؤمنين.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) البخاري (٢/ ٩٣٥)، ومسلم (١٤٤٤).
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) البخاري (٥/ ٢٠٠٧)، ومسلم (١٤٤٥).
(٧) (إبراهيم وعلى) ليست في "أ".
(٨) الحديث دون ذكر الآية في الصحيحين. أما مع الآية فرواه ابن أبي حاتم كما عند ابن كثير، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٢٥ - ١٣١) (٢٧١، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٨، ٢٧٩).
[ ٣ / ١٤٢٣ ]
وعن ابن عباس عنه -﵇- (١) قال: "من قال: جزى الله عنا محمدًا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبًا ألف صباح" (٢)، وقال (٣) -﵇-: "من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي فقد خطىء طريق الجنة" (٤).
﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ إيذاء الله على سبيل المجاز كخداع الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية، قيل: كانت الحرائر والإماء يخرجن من بيوتهن في زيٍّ واحد، وكان السفهاء يتعرضون للحرائر والنظر إلى وجوههن كما يتعرضون للإماء لا يميزون بينهن فيتأذى الحرائر بذلك، فأنزل (٥). ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الإزار.
﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المولدون للأقوال المضطربة التي لا قرار لها ولا حقيقة، و(أرجف الناس في الشيء): إذا خاضوا فيه واضطربوا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا قليلين، أو إلا زمانًا قليلًا.
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ فعلى قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ نصب على الحال أو البدل، وعلى قوله (إلا زمانًا قليلًا) نصب على الذم والشتم كقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، وفي الآية دليل على جواز قتل المنافق إذا ظهر نفاقه ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أنبياء الله الذين ينصرهم على من آذاهم، وقيل: الذين خلوا من قبل بني قريظة والنضير.
﴿يَسْأَلُكَ (٦) النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ كان الناس يكثرون السؤال عن الساعة متى هي، فلذلك كثر الجواب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ لم يذكر سبب نزول
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) الطبراني في الكبير (١١٥٠٩)، وفي الأوسط (٥٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٦)، والحديث ضعيف جدًا بسبب هانئ بن المتوكل.
(٣) (وقال) من "ب".
(٤) ابن ماجه (٩٠٨)، والبيهقي في الشعب (١٥٧٣، ١٥٧٤) والحديث صحيح.
(٥) ابن جرير (١٩/ ١٨٣).
(٦) في "أ": (يسألونك) وهو خطأ.
[ ٣ / ١٤٢٤ ]
الآية، والظاهر أن سبب نزولها قول السفهاء: تزوج رسول الله بامرأة ابنه، أو قول المنافقين: هو ذو قلبين في جوفه، أو كراهة من كره الحجاب، وأما الذين آذوا موسى -﵇- (١) فهم الذين اتهموه بقتل هارون -﵇- (١) فأراهم الله هارون مضطجعًا على سرير من أسرة الجنة انشق عنه قبره ثم عاد إلى مكانه (٢)، وقيل: اتهموه بالطمع في مال قارون فخسف الله به وبداره الأرض، وعن أبي هريرة عنه -﵇-: "إن موسى -﵇- كان حييًا ما يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، قالوا: ما تستر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدْرة وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا موسى يومًا وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذه من بني إسرائيل، فرأوه أحسن الناس خلقًا وأبرأه مما كانوا يقولون قال: وقام الحجر فأخذ ثوبه ولبسه" (٣) الذين آذوه هم الذين اتهموه في التوراة وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].
﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ لا خلل فيه لصدقه ومتانته، وأصدق الأقوال قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ تبديل سيئاتنا حسنات أو قبوله صالح أعمالنا بعد الشهادتين.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إن كان المراد أهلوها وسكانها العقلاء من الملائكة والجن فالعرض على سبيل التخيير، و(الإباء والإشفاق) على سبيل الاجتهاد، وإن كان المراد سائر الحيوان فالغرض ابتلاء طبائعها، والإباء والإشفاق على سبيل الكراهة الطبيعية، وإن كان
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ابن جرير (١٩/ ١٤٩)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير، والحاكم (٢/ ٥٧٩) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية.
(٣) البخاري (٢٧٨).
[ ٣ / ١٤٢٥ ]
المراد بأعيانها التي هي جماد فالعرض على سبيل (١) الإصرار والاضطرار والإباء والإشفاق كذلك.
فائدة العرض الأول بيان اجتهاد، وفائدة (٢) العرض الثاني بيان التفاوت بين طبائع لا يحملها الحرص على المخاطرة وطبائع يحملها الحرص عليها (٣)، وفائدة العرض الثالث تفخيم الأمر، والظاهر من الأمانة في هذه الأقوال كلها أنها الذمة الصحيحة التي يتعلق بها الحقوق، والظاهر من حملها اعتداء الإنسان وصحة ذمته أنها فضيلة لا يرضى بعدمها البتة، فأول ما ثبت ذمة الإنسان اعتزال الشجرة لم يتضرع إلى الله ليحول بينه وبينها، ثم ثبت في ذمته رعاية (٤) امرأته لم (٥) يتضرع إلى الله ليكفيه أمرها، فأكل من الشجرة وقصَّر في رعاية المرأة حتى أكلت من الشجرة، فسرى شؤم المعصية إلى الكمنى في صلبه ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾.
وعن ابن عباس قال: الأمانة المعترض على العباد عرض ذلك على السموات والأرض والجبال، فقلن: ما هي؟ قيل: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا (٦) وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يعني آدم -﵇- (٧)، وقال قتادة في قوله: ﴿ظَلُومًا﴾ أي لنفسه ﴿جَهُولًا﴾ بما حمل (٨) أي جهولًا بثقل ماحمل.
قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ السبب العرض أو الحمل أو كينونة الإنسان ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
_________________
(١) في الأصل: (سائر).
(٢) في الأصل: (بيان).
(٣) (المخاطرة) إلى هنا ليست في "أ". في الأصل: (دعائه).
(٤) (لم) ليست في "ب".
(٥) (فأبين أن يحملنها) ليست في الأصل و"ي".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في الأصل: (جهل).
(٨) (الله) من الأصل.
[ ٣ / ١٤٢٦ ]
وعن أبي حاتم السختياني أنه لام قسم سقطت نونها فانكسرت.
وعن أبي بن كعب عنه -﵇- (١): "من قرأ سورة الأحزاب وعلمه أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من العذاب والجواز على الصراط" (٢).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) كما مرّ ذكره إن هذا حديث موضوع غير ثابت.
[ ٣ / ١٤٢٧ ]
دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر
تَأليِف
عَبد القَاهِر بن عَبد الرّحمن الجرجَاني
المتوفى (٤٧١ هـ)
تَحقِيق
وَليد بِن أحمَد بْن صَالِح الحُسَيْن
إيَاد عَبد اللَطيفْ القَيْسيْ
مِنْ سُورَة سّبَأ إِلي سُورَة النَّاس
المجلَّد الرابَّع
[ ٤ / ١٤٢٨ ]