مكية (١). وعن ابن عباس وقتادة إلا آية نزلت في عبد الله بن سلام وهي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] (٢)، وهي أربع وئلاثون آية في غير عدد أهل الكوفة (٣).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
التقدير في قوله (٤): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرونيه ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ مصدر كالسباحة والشجاعة.
سئل رسول الله -﵇- (٥) عن الخط قال: "علّمه نبي فمن وافق علمه علم" (٦)، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: فحدثت به ابن عباس فقال: هو أثارة من علم (٧).
﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي ما أنا أول رسول على سنة الأولين،
_________________
(١) نقل ذلك عن ابن عباس وابن الزبير كما في "الدر المنثور" (١٣/ ٣١٠) عن ابن مردويه.
(٢) ورد عن قتادة عند ابن عساكر (٢٩/ ١٣٠، ١٣١).
(٣) في الكوفي (٣٥) آية، انظر "البيان" (٢٢٧).
(٤) (التقدير في قوله) من "ب" "ي".
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -) بدل (-﵇-).
(٦) أحمد (٢/ ٣٩٤) وسنده صحيح.
(٧) ذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٣) عن عطاء مرسلًا.
[ ٤ / ١٥٣٥ ]
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ في الذين شكوا إلى رسول الله (١) أذى المشركين، والقصة في ذلك أن النبي -﵇- (٢) كان قد (٣) رأى في منامه أنه سيهاجر إلى أرض ذات نخل، فقصّ رؤياه على أصحابه ثم مضى زمان ولم يهاجر فاستعجلوه فقال: "إنما قصصت عليكم رؤيا رأيتها ولم أقصّ عليكم وحيًا لست أدري هل يؤذن لي في الهجرة أم لا"، هكذا ذكر الكلبي وغيره (٤).
وفحوى الخطاب أنه متوجه إلى المشركين في معنى قوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] الآية.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ وهو عبد الله بن سلام (٥) شهد على مثل القرآن وهو التوراة أنها ناطقة برسالة رسول الله (٦)، وشهد أن القرآن من عند الله على مثل ما شهد به رسول الله (٧)، وإنما دخلت شهادته في حيز التواتر وهو رجل واحد لأسباب مجتمعة:
أحدها: ما نطقت به أحبار اليهود وعلماء النصارى والكهّان برسالة رسول الله قبل مبعثه.
والثاني: اعتراف عامة أحبار اليهود بأن عبد الله بن سلام أفضلهم علمًا وأصدقهم حديثًا فكانوا صدقوه في شهادته هذه.
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -) بدل (-﵇-).
(٣) (كان قد) ليست في "ب".
(٤) نقلها عن الكلبي عن ابن عباس القرطبي في تفسيره (١٦/ ١٨٦)، وابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٤/ ١٠٤)] وسنده ضعيف جدًا وعلته الكلبي فهو متهم، وذكره الواحدي في أسباب النزول (٧٤٤) والفراء في معانيه (٣/ ٥٠).
(٥) الترمذي (٣٢٥٦، ٣٨٠٣)، وابن جرير (٢١/ ١٢٧).
(٦) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٤ / ١٥٣٦ ]
والثالث: مخافة غيره عند قراءته بعث نبينا -﵇- (١) وآية الرجم من التوراة في المصحف.
والرابع: كونه غير دافع ضررًا عاجلًا عن نفسه وغير جارّ منفعة إلى نفسه بشهادته هذه إلا ابتغاء وجه الله.
والخامس: استقامته على شهادته في تقلُّب أحواله، وقيل: إن شهادته لم تكن حجة ولم توجب علمًا إلا بعد تزكية الله إياه بالقرآن المعجز.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا (٢)﴾ قال الكلبي (٣): نزلت في اليهود حيث قال لهم عبد الله بن سلام: لمَ لا تؤمنون بهذا النبي؟ فقالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ رعاة الشاة. وقال الفراء: نزلت في بني عامر وغطفان وأشجع حيث قالوا هذا في مزينة وغفار وجهينة (٤).
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ قال الكلبي: نزلت في أبي بكر الصدِّيق - ﵁ - (٥).
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ﴾ قال الكلبي: نزلت الآيتان في عبد الرحمن بن أبي بكر حالة كفره وهو بمكة يومئذ (٦) ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أبعث من قبري.
﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ قال الأزهري: الأحقاف رمال مستطيلة بناحية شجر (٧). وقال ابن عرفة: يقال للرمل العظيم المستدير حقف.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (آمنوا) ليست في "ب".
(٣) "زاد المسير" لابن الجوزي (٧/ ٣٧٤) ولم يعزه لأحد.
(٤) ذكره الفراء في معانيه (٣/ ٥١).
(٥) ابن عساكر في تاريخه (٣٠/ ٣٣٨).
(٦) هذا الأثر أنكرته عائشة. وقال ابن كثير: في صحته نظر. وقال ابن حجر في الفتح (٨/ ٥٧٧): لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسنادًا وأولى بالقبول. وعند الطبري (٢١/ ١٤٤) عن ابن عباس قال: هذا ابن لأبي بكر - ﵁ - ولم يذكر اسمه.
(٧) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٤/ ٦٨ - حقف) وقال: الأحقاف رمال بظاهر بلاد اليمن كانت عاد تنزل بها، ولهذا قيل للرمل إذا كان منحنيًا: حقف.
[ ٤ / ١٥٣٧ ]
وعن علي - ﵁ - قال: خير واديين في الناس وادي مكة ووادي نزل به آدم -﵇- (١) بالهند، وشر واديين في الناس وادي الأحقاف ووادي بحضرموت يدعى بدهوت يلقى فيه أرواح الكفار، وخير بئر في الناس زمزم، وشر بئر (٢) في الناس ملهوث وهو في (٣) ذلك الوادي (٤).
وعن عائشة قالت: كان النبي -﵇- (١) إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا مطرف سري عنه، فقلت له، قال: "وما أدري لعله كما قال -﷿-: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٥).
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ عن كعب الأحبار قال: لما انصرف رسول الله من الطائف انصرف النفر السبعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم حسّا ومسّا وشاصر وناصر والأردينان والأحقب جاؤوا قومهم منذرين فخرجوا وافدين على رسول الله وهم ثلثمائة، فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب وسلّم على رسول الله (٦) فقال: إن قومنا قد حفروا الحجون [يلقونك فواعده رسول الله - ﷺ - لساعة من الليل الحجون (٧)] (٨).
وعن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله -﵇- (٩) ليلة صرف إليه النفر من الجن إذ جاءه عفريت من الجن بشعلة من نار يريد بها رسول الله (٦)، فقال له جبريل -﵇- (١٠): "ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن طفيت شعلته وانكبّ لنحره؟ " قال: "قل أعوذ بوجه الله الكريم
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (عبد).
(٣) (في) من "أ" "ي".
(٤) عبد الرزاق في مصنفه (٩١١٨) إلى قوله (أرواح الكفار).
(٥) البخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩).
(٦) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٧) أبو نعيم في "الدلائل" (٢٦١).
(٨) ما بين []، ليست في الأصل.
(٩) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(١٠) (-﵇-) ليست في "ب".
[ ٤ / ١٥٣٨ ]
وكلمة الله التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما نزل من السماء ومن شر ما يعرج ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" فطفيت شعلته وانكبّ لنحره ولم يعي ولم يكل (١).
﴿بَلَاغٌ﴾ أي هذا بلاغ ﴿يُهْلَكُ﴾ يموت على سبيل الإهانة والعذاب.
_________________
(١) النسائي في الكبرى (١٠٧٩٣).
[ ٤ / ١٥٣٩ ]