مكية، وعن ابن عباس وقتادة (١) إلا خمس آيات نزلت بالمدينة من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وهي مائتان وست آيات مدني كوفي وخمس بصري (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿المص (١)﴾ قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأفصِل (٣)، ويحتمل أن يكون الصاد إشارة إلى الفصل أي إلى هذا الفصل (٤).
﴿كِتَابٌ﴾ فإنّ السور (٥) فصول لا محالة، ويحتمل إشارة إلى الصدق؛
_________________
(١) قول قتادة رواه ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" (٦/ ٣١٠). وأما عن ابن عباس فلم أجده ولكن ورد عنه أنها نزلت في مكة عند ابن الضريس (٣٣)، والنحاس في ناسخه (٤٤٥)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٣، ١٤٤). وذكر القرطبي (٧/ ١٦٠) أنها مكية إلا ثمان آيات وهي من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعَراف: ١٦٣ - ١٧١].
(٢) انظر: "البيان في عدِّ آي القرآن" (١٥٥).
(٣) ابن جرير (١٠/ ٥٢)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٤٣٧) وليس فيه (ابن عباس) ولفظه: (أنا لله أفعل)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٦٧)، وابن النجار في "تاريخ بغداد" (١٧/ ٣، ٤) ولفظه: (أنا لله أفضل)، وكذا روي عن سعيد بن جبير كما رواه الطبري (١٠/ ٥٢).
(٤) تقدم الكلام على الحروف المقطعة في سورة البقرة بما يغني عن إعادته.
(٥) في "أ": (السورة).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
أي أن الله أعلم أو أصدق أو (١) الرسول صادق أو الوحي صدق (٢) ﴿حَرَجٌ﴾ شك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي (٣) أي لا تشكن في ظهوره وانتشاره، أو في نفسه وعينه، وقال الفراء والزجاج: المراد بالحرج (٤) الخوف (٥)؛ أي لا تخافن من عجزك عن القيام به، فإنّك موفق لتبليغه، أو من ردّهم وإنكارهم فإنك منصور عليهم، والضمير في ﴿مِنْهُ (٦)﴾ عائد إلى الإنذار على سبيل التقديم والتأخير ﴿وَذِكْرَى﴾ عطف على (كتاب).
﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ الفاء بمعنى الواو كقولك: أعطيتني فأحتسب إلى، وقيل: المراد بالإِهلاك خشية الإهلاك، وبمجيء البأس إمضاء الحكم وإتمامه فلذلك عقب، وفي قوله ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ واو مضمرة (٧) للحال أي: وهم قائلون، والقيلولة: النوم والاستراحة في نصف النهار، يقول (٨): قلت أقيل قائلة وقيلولة.
﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ قولهم وكلامهم الذي يكررونه ويتخذونه عادة كما
_________________
(١) في "ب": (و) بدل (أو).
(٢) في "ب": (كذب).
(٣) أما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (١٠/ ٥٤)، وأما عن مجاهد فرواه ابن جرير (١٠/ ٥٤)، وأما عن قتادة فرواه ابن جرير (١٠/ ٥٤)، وأما عن السدي فرواه ابن جرير (١٠/ ٥٤).
(٤) (المراد بالحرج) ليست في "أ".
(٥) الذي ورد عن الفراء أن الحرج بمعنى الشك والضيق كما في معاني القرآن (١/ ٣٧٠)، وأما الزجاج فقال -كما في معاني القرآن (٢/ ٣١٥) -: معنى الحرج: الضيق والخوف.
(٦) في الأصل: (منهم) وهو خطأ.
(٧) هكذا قال الفراء كما في "معاني القرآن" (١/ ٣٧٢)، والتقدير يكون -أو وهم قائلون- فاستثقلوا نسقًا على نسق. وخالف في ذلك الزجاج فقال: لا يحتاج إلى إضمار الواو بل تكون "أو" بمعنى الواو ولا يحتاج إلى إضمار الواو "معاني القرآن" (٢/ ٣١٧). والجملة كما قال المؤلف في محل نصب نسقًا على الحال. و"أو" هنا للتنويع أي: أتاهم بأسنا تارةً ليلًا كقوم لوط وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب.
(٨) في "ب": (يقال).
[ ٢ / ٧٤٤ ]
في قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] وإنما ذكر دعواهم ليعلموا أن عاقبة أمرهم (١) الندامة والاعتراف.
﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ (٢) عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦]، وأما المرسلون فيقولون: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب.
(الغيبة): الزوال عن مكان، و(الموازاة) و(الوزن) تسوية الحساب ومقابلة الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة كوزن الشَّعر عن قتادة ومجاهد والضحاك والأعمش (٣)، وفي الحديث: "إن العبد المؤمن يؤتى بتسع وتسعين سجلًا، كل واحد منها مدّ البصر، فيها خطاياه وذنوبه، فتوضع (٤) في كفّة الميزان، ثم يخرج له بطاقة من تحت العرش بمقدار الأنملة فيها شهادة ألا إله إلا الله فتوضع (٥) في كفة أخرى، فيقول: يا رب ما تزن هذه البطاقة مع هذه الصحف؟! فطاشت الصحف ورجحت البطاقة"، فيه دليل على أن الموزون هو الدواوين ونسخ الأعمال، هكذا روي عن ابن عمرو (٦)، من فحوى ظاهر قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣] أن الأعمال تعاد وتقلب جواهر للوزن، وقوله -﵇-: "ترى الرجل (٧) الطويل العظيم الأكول الشروب لا يزن عند الله يوم القيامة بجناح بعوضة" (٨) يدل على وزن أجسام العاملين،
_________________
(١) في "ي" "أ": (الأمر).
(٢) في "أ": (فيعمي).
(٣) أما عن مجاهد فرواه ابن جرير (١٠/ ٦٨، ٦٩، ٧٣)، وابن أبي حاتم (٨٢٢٣، ٨٢٢٦، ٨٢٢٨). وأما عن الضحاك والأعمش فلم نجده.
(٤) في الأصل "أ": (ويوضع).
(٥) في الأصل و"ي": (ويوضع).
(٦) هذا الحديث يسمى حديث البطاقة وقد ألف أبو القاسم حمزة الكتاني المتوفى (٣٥٧ هـ) جزءًا فيه وهو مطبوع، والحديث رواه الترمذي (٩٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣)، وعبد بن حميد (٣٣٩)، وابن حبان (٢٢٥)، والطبراني في الأوسط (٤٧٢٥)، والحاكم (١٩٣٧)، والحديث صحيح.
(٧) في "ي" لا يوجد (السلام)، وفي "أ" سقطت كلمة (الرجل).
(٨) البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥)، واللفظ لمسلم.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
ولا تنافي بين هذه الأقاويل لإمكان الجمع بين أن يحاسب العبد ثم يوزن بدواوينه ثم يوزن أعماله ثم يوزن نفسه كما يبتلى في الدنيا مرة بعد مرة وكذلك في القبر والقيامة ﴿الْحَقُّ﴾ العدل.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ بالخير ﴿مَوَازِينُهُ﴾ جمع الميزان، إنما يوزن (١) كل جنس من عمله على حدة فيصير الميزان موازين في حقه، وأما لاعتبار طريقة العرب أنهم يجمعون الشيء بأجزائه.
﴿مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة وهي ما يعاش به من القوت، والعيش امتداد الحياة.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني خلق الطينة ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ (٢)﴾ يعني تصوير النفس الجامعة لصور (٣) الناس وهو نفس آدم -﵇-، وقيل: ثم لترادف الأخبار دون الأشياء (٤) المخبر عنها، والتصوير إمالة الأشكال.
قال الله (٥): ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ حبسك ﴿أَلَّا (٦) تَسْجُدَ﴾ أي عن أن تسجد، ويحتمل: ما حملك (٧) على أن لا تسجد ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي لم يسجد، وقيل: لم يكن من جنس الساجدين لأنه أدخل في جملة المخاطبين على (٨) طريق التتبع (٩) لكونه دخيلًا ملحقًا.
قال: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ من وجه الزجر إلى المستنقعات من السواحل والجزائر، وعن مقاتل: من الجنة، وعن مجاهد: من السماء، وعن
_________________
(١) (إنما يوزن) ليست في "أ"، وفي "ي": (أما الوزن).
(٢) في الأصل: (ولقد خلقناكم).
(٣) في الأصل: (جامعة لصورة).
(٤) في الأصل: (الأبناء) وهو خطأ.
(٥) في الأصل: (له).
(٦) (لا) ليس في الأصل "أ".
(٧) في "أ": (حمله).
(٨) في الأصل: (في).
(٩) في الأصل و"ب": (الشبع).
[ ٢ / ٧٤٦ ]
أبي روق (١): من صورته لأنه مسخ لافتخاره بنفسه، وليس لأحد أن يتكبر في مواضع الملائكة ولا في سلطان غيره وفعل غيره.
﴿قَالَ أَنْظِرْنِي﴾ أجِّلني وأمهلني، قال على وجه المكايدة (٢) وإرادة (٣) لتأخير العقوبة، فأمهله الله تعالى استدراجًا ليزداد إثمًا فيزداد عقوبة (٤)، وقيل: ظن اللعين أنه إن أمهل إلى ذلك الوقت أمهل عن الإماتة وسلم عن ذوق الموت من حيث إنه يوم حياة لا يوم موت، فألبسه الله تعالى وأبهم الإنطاق، وقيل: أجابه إثابة له على (٥) عبادته المتقدمة لئلا يبقى له في الآخرة إلا النار.
قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ فبإغوائك إياي، والباء للقسم والسبب أو المقارنة (٦) و(الإغواء) الإضلال عن ابن عباس (٧) ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ جواب قسم ومعناه إعراضه عن شرائع الإسلام وسبيل الحق ليوسوس ويصد ويزل ويضل، قال الله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] أي في كل مرصد.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآخرة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الدنيا ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ الدين ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ الشهوات (٨) ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ظنًا منه
_________________
(١) القرطبي (٧/ ١٥٥).
(٢) في "أ": (الكايدة) دون ميم.
(٣) في الأصل "ب": (وأراد).
(٤) في الأصل (ليزداد مثله فيزداد عقوبة)، وفي "ب" "أ": (ليزدادوا ويزداد عقوبة)، وفي "أ": (ليزداد إثمًا فيزداد عقوبة).
(٥) في "أ": (الإنابة له وهي ..).
(٦) ذهب الزمخشري إلى أن الباء للسببية، وجوز أبو بكر بن الأنباري أن تكون للسببية وللقسم [الكشاف (٢/ ٦٩)] وإذا قلنا أنها سببية تكون ظرفًا مستقرًا واقعًا موقع الحال من فاعل "لأقعدن"، والتقدير: لأقعدن لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي.
(٧) ابن جرير (١٠/ ٩١)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (١٠٠٢).
(٨) صح عن ابن عباس - ﵄ - عكس ما ذكره المؤلف فقال ابن عباس: (من بين أيديهم) من الدنيا (ومن خلفهم) من الآخرة (وعن أيمانهم) من قبل حسناتهم (وعن شمائلهم) من قبل سيئاتهم. أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٩٧)، ووافق ابن عباس على ذلك =
[ ٢ / ٧٤٧ ]
() (١) التي جعلها الله تعالى من موهومه وخلقه لها وسيرها عليه (٢).
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾ يحتمل على سبيل التكرار (٣) ويحتمل خروج عن معنى آخر ﴿مَذْءُومًا﴾ معيوبًا ﴿مَدْحُورًا﴾ مطرودًا (٤) مبعدًا ﴿لَمَنْ (٥) تَبِعَكَ﴾ والله لمن تبعك وجوابه ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ (٦).
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ صوت لهما، ووسوس إليه أي ألقى إليه صوتًا خفيًا، واللام (٧) في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ لام كي (٨)، واختلفوا في مواراة ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ قيل: كانت بالحلي والحلل فطارت عنهما بالمعصية، وعن وهب (٩) أنها كانت بنور يغشى العيون ويمنع عن الإدراك (١٠) فلما عصيا ذهب النور (١١)، وذكر
_________________
(١) = إبراهيم النخعي والحكم والسدي وابن جريج أخرجه عنهم الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم (٨٢٤٤ - ٨٢٥١ - ٨٢٥٦)، وأما ما ذكره المؤلف فهو مروي عن قتادة أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٩٨) وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠٩٠).
(٢) كلمة غير واضحة في جميع النسخ.
(٣) في "ب": (ويسد لها عليه)، وفي الأصل: (وسيرها له).
(٤) (التكرار) ليست في "أ".
(٥) في الأصل و"ي": (مطردًا).
(٦) من قوله (يحتمل) إلى قوله (لمن) ليست في "ب".
(٧) يجوز أن تكون اللام موطئة لقسم محذوف كما ذكره المؤلف ويجوز أن تكون اللام للابتداء و(مَنْ) موصولة و(تبعك) صلتها وهي في محل رفع بالابتداء و(لأملأن) جواب قسم محذوف وذلك القسم المحذوف وجوابه في محل رفع خبر لهذا المبتدأ. والتقدير: للذي تبعك منهم والله لأملأن جهنم منكم. [الدر المصون (٥/ ٢٧٣)].
(٨) في "أ": (واللازم).
(٩) وقيل: إنها لام العلة على أصلها إذا كان الشيطان يعلم ذلك بالإلهام أو بالنظر، وهذا ما رجحه السمين الحلبي في تفسيره، وقيل: اللام للصيرورة والعاقبة وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة. [الدر المصون (٥/ ٢٧٦)].
(١٠) في "ب": (ابن وهب) وهو خطأ لأن الأثر عن وهب بن منبه.
(١١) في "أ": (الاستدراك).
(١٢) ابن جرير (١٠/ ١١٤)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٠٦).
[ ٢ / ٧٤٨ ]
القتبي أنها كانت بجهلهما ﴿سَوْآتُهُمَا﴾ فلما أكلا من شجرة العلم علما أنهما عريانان فتواريا في الأشجار أن يكونا كراهة أن يكونا عند البصريين ولئلا يكونا عند الكوفيين (١).
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أقسم وحلف لهما باسم الله تعالى، والنصح ضد الخيانة.
﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ قربهما من قوله "فتدلى" عن أبي الهيثم، وقيل: جرأهما من الدال والدالة فصيرت إحدى اللامات ياء، وقيل: دلاهما (٢) من الجنة إلى الأرض ﴿وَطَفِقَا﴾ أخذا في الفعل ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يضمان ويجمعان أطباق، طاق على طاق، ومنه خصف النعل، روي أن الأشجار كلها امتنعت ولم يمكنهما من أخذ الورق إلا شجرة التين (٣)، وفي الآية دلالة على وجوب (٤) الفعل بالعقل، قيل: لما خاطب الله تعالى آدم بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ قال: بلى يا رب، ولكني لم أعلم أن أحدًا يحلف بك كاذبًا (٥).
_________________
(١) أي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ [الأعرَاف: ٢٠] فيقدره البصريون -إلا كراهة أن لا تكونا - ويقدره الكوفيون - إلا أن تكونا - والأظهر قول البصريين لأن إضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف وهو اختيار سيبويه والزمخشري.
(٢) في الأصل و"ي": (لا بما).
(٣) اختلف أهل التفسير في الشجرة فقيل: الكرم: وهو مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس والسدي. الحنطة: وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفي وأبي مالك ومحارب بن دثار وعبد الرحمن بن أبي ليلى. النخلة: وهو مروي عن أبي مالك. التينة: عن مجاهد عند ابن أبي حاتم (٣٧٩)، وهو مروي عن قتادة وابن جريج وهو مروي عن ابن أبي حاتم بدون سند. هذه الأقوال ذكرها ابن كثير في "قصص الأنبياء" (١٩) ثم عقب بعدها: (وهذا الخلاف قريب، وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها، ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن) اهـ. وانظر هذه الأقوال في: الطبري وابن أبي حاتم والقرطبي.
(٤) في "ب": (وجود).
(٥) ابن أبي حاتم (٨٣١٠) عن السدي، وهو مما نُقل عن بني إسرائيل.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ لما اعترفا بقبح أفعالهما وتعرضا للمغفرة واعتقدا الخسران لم يغفر الله (١) لهما وسكتا عن الاحتجاج بالمشيئة، والتقدير استوجبا المغفرة في حكم الله تعالى.
﴿قَالَ فِيهَا﴾ أي في الأرض (٢) ﴿تَحْيَوْنَ﴾.
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ لما ذكر الله تعالى قصة آدم -﵇- كيف بدت سوأته وكيف طفق يخصف عليه من ورق الجنة ذكر فتنة الجسمية على نبيه في ورق (٣) اللباس ليشكروه على ذلك وليستنوا بسُنّة أبيهم في ستر العورة، وإنما (٤) قال ﴿أَنْزَلْنَا﴾ لأن تركيب (٥) النبات والحيوان من الأصول الأربعة فالثلاثة منها منزلة في المشاهدة والحرارة والماء والريح أو المكان التقدير والكتابة في اللوح المحفوظ وذلك في السماوات كانت الأعيان في الأرض نظيره (٦)، قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] أو لمكان الإلهام بالنسج والاكتساء، والإلهام يجيء مجيء الروح وذلك من فوق أو لتفخيم شأن الإعطاء ولذلك سُميت يد المعطي اليد العليا ويد السائل اليد السفلى، (اللباس) كالمئزر الثخين و(الريش) هو لباس الرفاهية والتجمل، ومنه سمي الحدث الرايش رايشًا وهو من ملوك حمير (٧) ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الريش لأن الإنسان يتعفف به ليحسب غنيًا، وقيل: ما يستر مواضع الشهوة
_________________
(١) (الله) من "أ" "ي".
(٢) في الأصل (بالأرض).
(٣) في "ب": (رزق).
(٤) في "ب": (وإنما قال إنما أنزلنا ..).
(٥) في "أ": (أنزلنا لتركيب).
(٦) إسناد الإنزال إلى اللباس إِما لأن أنزل بمعنى خلق كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزُّمَر: ٦]، وأما ما ذكره المؤلف مما يسميه أهل العلم التدريج وذلك أنه ينزل أسبابه كالماء الذي هو سبب النبات.
(٧) ذكره الزمخشري في "الفائق" (٢/ ٦٠) وقال: (الحارث الحميري الرائش لأنه أول من غزر فراش الناس بالغنائم).
[ ٢ / ٧٥٠ ]
سوى السوأة (١)، وقيل: ثياب (٢) التواضع كالصوف والفرو (٣)، وقيل: الحياء الذي هو من الفطرة (٤)، وعن ابن عباس: العمل الصالح، وعنه: السمت الحسن (٥)، وعن قتادة والسدي: الإيمان (٦)، وعن الكلبي: العفاف والتوحيد، وعن زيد بن علي: الدرع وسائر ما يتقى به في الحرب، وعن عروة بن الزبير: قول الرجل حسبنا الله ونعم الوكيل، والخطاب في قوله ﴿ذَلِكَ﴾ راجع إلى النبي -﵇- بدليل ضمير الجماعة في قوله ﴿لَعَلَّهُمْ﴾.
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا﴾ للحال (٧) ومستقبل بمعنى الماضي وإبليس لم يفعل ولكن أسند الفعل إليه لحصوله بسببه كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ (٨)﴾ [إبراهيم: ٣٦] و(النزع) كالسلخ، و(قبيله) حزبه وجماعته، من (٩) في قوله ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ يقتضي كونهم مستترين عنا بشيء ولو لم يتستروا لرأيناهم (١٠)، قال -﵇-: "من احتاج إلى كشف عورته (١١) فقال: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله كان سترًا بينه وبين الجن" (١٢). ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ قيضناهم قرناء.
_________________
(١) هذا مروي عن ابن زيد عند ابن أبي حاتم (٨٣٤٠).
(٢) في الأصل "أ": (ثواب).
(٣) ذكره القرطبي (٧/ ١٨٥) بلفظ: (وقيل).
(٤) وهذا مروي عن (معبد الجهني) عند ابن جرير (١٠/ ١٢٠، ١٢١، ١٢٥، ١٢٦)، وابن أبي حاتم (٨٣٣٩).
(٥) أما العمل الصالح فذكره ابن جرير (١٠/ ١٢٥)، والقرطبي (٧/ ١٨٤) عن ابن عباس، وأما عن السمت الحسن فذكره ابن جرير (١٠/ ١٢٦)، وكذلك القرطبي (٧/ ١٨٤).
(٦) ابن جرير (١٠/ ١٢٥، ١٣١) عن قتادة والسدي.
(٧) في "ي" "أ": (أو).
(٨) (من الناس) ليست في "ي" "ب".
(٩) (من) ليست في "ي" "ب".
(١٠) في الأصل: (أولم يتستروا واوا لرأيناهم).
(١١) في "أ": (احتاج كشف إلى عورته).
(١٢) لعله يقصد الحديث الذي رواه الترمذي (٦٠٦) وغيره بلفظ: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله".
[ ٢ / ٧٥١ ]
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ وهو تعريهم عند الطواف (١) وقيل: هو عام ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ على وجه الاحتجاج إذا ناظرهم مؤمن وبين لهم قبحها، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ دليل أنها موجودة قبل الشريعة وهو ما جُبل الطبائع على ردها وذمها كالظلم والكذب والغدر والتحنث ونحوها، ولم يوجبها الله تعالى في كتاب ولا لسان نبي ولا ندب إليها ولا أباح.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ فيه دليل أن القسط موجود قبل الشريعة وإلا لما صح الأمر به، وهو العدلى الذي يتعادلى به العقلاء ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي أخلصوا عزائمكم ونياتكم وليَكن كل واحد منكم ذا (٢) وجه واحد ولا يكون ذا وجهين منافقًا مرائيًا ولا يكون معرضًا ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ في كل متعبد ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ تشبيه العود بالبدء (٣) من حيث التقليب والتركيب والإحياء والإنطاق، وعن ابن عباس (٤) أن التشبيه لكونهم حفاة عراة غُرلًا بهمًا، وإنما لم يقل: "يعيدكم" لاعتبار نظم رؤوس الآي عند الكوفيين ولاعتبار سائر الأفعال المسندة إليهم عند الباقين.
﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ أي ثبت وظهر وتحقق بقولى، حقت الخيانة على فلان أي ظهرت وإنما قال: ﴿هَدَى﴾ ولم يقل أضل؛ لأن الله متصف بالهداية من جميع الوجوه غير متصف بالإضلال من جميع الوجوه.
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمر بستر العورة عند الطواف والصلاة عن ابن عباس وعطاء ومجاهد (٥)، ويجوز أن يكون حكم الترجيل والتطيّب ولبس الجدد
_________________
(١) هذا ورد عن ابن عباس عند ابن جرير (١٠/ ١٣٧)، وابن أبي حاتم (٨٣٥٧).
(٢) في الأصل "ب": (إذا).
(٣) في "أ": (بالمبداء).
(٤) قريبًا منه عند ابن أبي حاتم (٨٣٦٨).
(٥) أما عن ابن عباس فآثار كثيرة بهذا المعنى عند ابن جرير (١٠/ ١٥١، ١٥٢)، وابن أبي حاتم (٨٣٧٧، ٨٣٧٨)، وأما عن عطاء فعند عبد بن حميد وأبي الشيخ كما في الدر المنثور (٦/ ٣٦٣)، وأما عن مجاهد فعند ابن جرير وابن أبي حاتم كما في المذكور سالفًا.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
والألبسة الحسنة في الجُمَع والأعياد مأخوذًا منها على وجه الاستحباب، وكان المشركون قد سول لهَم الشيطان أن لا يطوفوا في ثياب يبتذلون فيها ويقولوا: لا نطوف (١) في ثوب عصينا الله فيه، فالغني منهم قد أعدّ لطوافه ثوبًا والمتوسط كان يكتري والفقير كان يطوف عريانًا، وربما لا يكرون للمرأة الحسناء ثوبًا لتطوف (٢) عريانة فينظروا إلى عورتها حتى طافت واحدة وقالت:
اليوم يبدو (٣) بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله (٤)
فبيّن الله أنه من تسويل الشيطان، وأنه فاحشة كحكم البحيرة والسائبة، فأمر بستر العورة واستحلال لحوم حرموها واستباحة ألبان حظروا عنها، ونهى عن مجاوزة الحدّ المعتاد في الأكل والشرب واللبس حتى يصير شهرة في الناس.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ما كان الكفار يحرمونه على أنفسهم مما (٥) سبق ذكره (٦) وكانت الحمس إذا أحرمت لم يتدسم بلحم ولا سمن ولا أقط فنفى الله تعالى أن يكون ذلك حكمه (٧).
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ أحكامهم وشرائعهم المبتدعة ﴿وَالْإِثْمَ﴾ ما اعترفوا بأنه منكر، وقيل: هو الخمر. قال الشاعر (٨):
شربت الإثم حتى ضلّ عقلي كذاك (٩) الإثم يذهبُ بالعقول
_________________
(١) في "أ" والأصل: (نطرف).
(٢) من قوله (والمتوسط) إلى قوله (ثوبًا) ليست في "أ". وبدلها (ثوبًا فتطوف).
(٣) العبارة في المخطوطات مضطربة وأثبته من المصادر.
(٤) هذا ذكره مسلم في صحيحه (٣٠٢٨) وغيره.
(٥) في "أ" "ي": (ما).
(٦) في سورة "البقرة" مما تقدم ذكره.
(٧) في الأصل: (حكم).
(٨) البيت من الوافر وهو بلا نسبة في لسان العرب (٦/ ١٢) "إثم"، وتهذيب اللغة (١٥/ ١٦١)، وتاج العروس "إثم"، وفي البحر (٢/ ١٥٧)، والدر المصون (١/ ٤٧٩) وغيرهم.
(٩) المثبت من "ب": (كذاك) وفي البقية (كذلك)، والمصادر توافق "ب".
[ ٢ / ٧٥٣ ]
﴿وَالْبَغْيَ﴾ استطالة بعضهم على بعض (١)، ولم يدخل في جملة الفواحش لأنهم لم يكونوا
يستبيحونه، ولمْ يدخل في الإثم؛ لأنهم كانوا يفتخرون به، فلا (٢) يقطعون الحكم بأنه منكر، وقيل: الإثم والفواحش دخلا في الفواحش (٣) وإنما خصهما لتعظيم شأنهما، وإنما وصف البغي ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لأن ظاهر الجهاد يتصور بغيًا وهو بالحق لمكان الدعوة إلى الإسلام بإذن الله تعالى -﷿- ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا ﴿مَا﴾ (٤) وأي شيء فإن الله ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أن تكذبوا على الله بأن تجعلوا الفواحش من أحكامه (٥).
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أجل الموت، وعن مقاتل: أجل العذاب والإهلاك، هي خاصة على هذا القول اتصال الآية بما قبلها من حيث التهديد والإنذار بمجيء الآجل (٦) ودفعه لكي يبادروه إلى ما فيه الفلاح والنجاة، و"الاستقدام" المتقدم (٧) إلى الآجل عند دنوه و"الاستئخار" التأخر والتباعد عنه وهو غير ممكن.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ العهد المأخوذ على آدم وبنيه وهو عطف على قوله ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] وفصل ستر العورة وغيره كالعارض في الكلام.
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما وعدوا من خير أو شر عن
_________________
(١) هكذا قاله الفراء كما في: معانى القرآن (١/ ٣٧٨).
(٢) في "أ": (ولا).
(٣) في "أ" تكررت (دخلا في الفواحش).
(٤) (ما) ليست في "أ".
(٥) (من أحكامه) ليست في الأصل.
(٦) في الأصل (بحجة الأجل) وفي "ب": (بمجيء العذاب).
(٧) في الأصل و"أ": (التقديم).
[ ٢ / ٧٥٤ ]
ابن عباس (١)، فإن كان المراد به في الدنيا فجرت الغاية في موضعه، وإن كان المراد به في الآخرة فهو عارض، وعن الربيع وابن زيد: نصيبهم العمر والرزق (٢)، وعن مجاهد: أعمال لم يعملوها بعد لا شك أنهم يعملونه (٣)؛ أي على قضية العلم والمشيئة والتقدير ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ الملائكة ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ قيل: عن الدنيا إلى الآخرة، وقيل: عن عرصة القيامة إلى النار.
قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي في عدادهم، والأخوة بين الاثنين في الدين أو من حيث اجتماعهما في النار ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ أي تداركوا وتلاحقوا ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ سَنّوا لنا السنن (٤) وأسّسُوا قاعدة الضلال ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مضاعفًا، قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ عذاب مضاعف، قيل: هم الأولون دون الآخرين ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) ذلك لتجادلوا الآخرين فتكون مجادلتهم نوع مشقة وحزن وعذاب، وقيل: هم الأولون والآخرون لأن لكل أمة استئناف الضلالة وتأويل الفاسدة والرضا بأن تكون بدعتها سنة لمن بعدها.
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ مجادلته منهم عن القول الأول (٦) ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ ليس لكم عذر تتفضلون به علينا فإنكم دخلتم في الضلالة مختارين كما دخلنا من غير إكراه وإجبار، وكلامهم هذا اتباع لقوله ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ على القول الثاني.
_________________
(١) ابن جرير (١٠/ ١٧١)، وابن أبي حاتم (٨٤٣٨).
(٢) أما عن الربيع بن أنس فرواه ابن جرير (١٠/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم (٨٤٥٠، ٨٤٥١)، وأما عن ابن زيد فلم نجده.
(٣) الذي ورد عن مجاهد لفظ (ما سبق من الكتاب) عند ابن جرير (١٠/ ١٦٩)، وابن أبي حاتم (٨٤٣٧).
(٤) في الأصل: (السين).
(٥) في الأصل: (وإنما لا تعملوا)، وفي "أ" "ي": (وإنما لا تعلمون).
(٦) (عن القول الأول) ليست في "ب".
[ ٢ / ٧٥٥ ]
﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لا ترفع أرواحهم إلى عليين ولا أعمالهم إذ ليس لهم كلام طيّب ولا عمل صالح، وقيل: لا يبارك عليهم فإن البركات تنزل من السماء، وقيل: لا يرحمون ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ وهو من الإبل كالرجل من الناس ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ثقبة الإبرة وخرقها، وفي مصحف ابن عباس: ﴿الْجَمَلُ﴾ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة (١)، وفي مصحف ابن مسعود ﴿في سم المخيط﴾ (٢)؛ وهو كالإزار والمئزر، وولوج الجمل في سم الخياط غير متصور إلا بتقليب أحدهما وتعسر التركيب وحينئذ لا يبقى الاسم وهي غاية الإياس كقول الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القلب كاللّبن الحليب (٣)
﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ جمع غاشية.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وفائدة العارض بين المبتدأ والخبر هو الأمن من التكليف بما فوق الطاقة من الأعمال الصالحات ووقوف الثواب (٤) عليه.
﴿مِنْ غِلٍّ﴾ تفسير لما في صدورهم، والغل الدخلة والضغن والحقد، والمراد بالهداية ما وعد الله المؤمنين بقوله ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الحديد: ١٢] وقيل: الوحي الكتاب لأن الإيمان قبل الدعوة لا يوجب الجنة وإن كان في نفسه مسقطًا للعقاب، والمراد بالرسل: الذين يدخلونهم الجنة
_________________
(١) سعيد بن منصور (٩٤٩ - تفسير)، وأبو عبيد (١٧٢)، وابن جرير (١٠/ ١٩١، ١٩٢)، وعزاه في "الدر المنثور" إضافة للمذكور (٦/ ٣٩١) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في "المصاحف" وأبو الشيخ.
(٢) انظر: "زاد المسير" (٣/ ١٩٨)، الألوسي "روح المعاني" (٨/ ١١٩).
(٣) هذا البيت ذكره جمع دون نسبة لأحد، ذكره الفقهاء والمفسرون كما في المغني (٨/ ٥٠٩)، والفرج بعد الشدة للتنوخي (١/ ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٨٩)، والألوسي في روح المعاني (٩/ ٥)، والماوردي في تفسيره (٢/ ٢٨)، والسمين الحلبي في الدر المصون (٥/ ٣٢٠).
(٤) في الأصل "أ": (الثوب).
[ ٢ / ٧٥٦ ]
يومئذ ﴿وَنُودُوا﴾ أي ناداهم الله أو نادتهم الملائكة أو أصحاب الأعراف عند رفعهم أصواتهم بالتحميد (١).
﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ المراد بالوعد في حق أهل النار الوعيد، وإنما وقعت العبارة عنه بالوعد لازدواج (٢) الكلام كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] ويحتمل أن المراد بالوعد في حق الفريقين جميعًا هو البعث بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨] وفائدة السؤال التقريع والتنكيل ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أعلم معلم وهو جبريل عن ابن عباس (٣) ﴿أَنْ﴾ أي بأن ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ ثم وصف الظالمين في الحياة الدنيا.
﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي بين الجنة والنار ﴿حِجَابٌ﴾ حاجز وحائل وهو السّور الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وهو العذاب، وأعراف الرمال أشرفها، واحد الأعراف عُرف ومنه عرف الديك ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ الذين (٤) استوت حسناتهم وسيئاتهم عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة (٥)، وسئل -﵇- عنهم فقال: "هم الذين قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم" (٦)
_________________
(١) لم يبين الله -﷿- من الذي يناديهم ولذا جاء في صحيح مسلم (٤/ ٢١٨٢) عن أبي هريرة مرفوعًا قال -﵇-: "ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا" فذلك قوله -﷿-: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
(٢) في "ب": (لأن ازدواج).
(٣) ذكر الألوسي في "روح المعاني " (٨/ ١٢٣) عن ابن عباس أنه صاحب الصور (يعني إسرافيل). وقيل: مالك خازن النار، وقيل: ملك من الملائكة (أي جبرائيل).
(٤) في "ب" "ي": (الداين).
(٥) أما عن ابن عباس فرواه ابن أبي حاتم (٨٥٠١). وأما عن ابن مسعود فرواه ابن جرير (١٠/ ٢١٣، ٢١٤). وأما عن حذيفة فعزاه إليه النحاس في "معاني القرآن" (٣/ ٣٩).
(٦) هذا الحديث رواه سعيد بن منصور (٩٥٤ - تفسير)، وابن جرير (١٠/ ٢١٨)، وابن أبي حاتم (٨٤٩٨)، وابن الأنباري في "الأضداد" (٣٦٩)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٢٥٢)، وعن عبد الرحمن المزني، وهو حديث ضعيف فيه أبو معشر نجيح ضعيف. =
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وعن مجاهد: الذين رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر (١)، وروي عن ابن عباس: ولد الزنا (٢)، وقيل: أطفال المشركين (٣)، والضمير في قوله ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أصحاب الأعراف، وقال علي (٤) - ﵁ -: نحن الأعراف يعني بني هاشم نعرف كلًّا بسيماهم، كان الضمير على ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ ويجوز إطلاق أصحاب الجنة قبل الدخول فيها.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أبصار أهل الأعراف وأصحاب الجنة على قضية تأويل علي ﴿تِلْقَاءَ﴾ الشيء تجاهه ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا﴾ على قضية الروايات يدلس أن أصحاب الأعراف مرجون لأمر الله تعالى، ويخافون دخول النار، وعلى تأويل علي قال أصحاب الجنة عند المرور على الصراط، قبل دخول الجنة.
﴿رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ مثل أبي جهل والوليد وشيبة وعتبة يقول لهم أصحاب الأعراف على وجه اللوم والتقريع: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ مثل بلال وصهيب وسلمان (٥) والمقداد وغيرهم كانت قريش تستبعد وتنكر دخولهم الجنة ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ لا تنالهم رحمة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قيل لأصحاب الجنة على سبيل الرضا بدخولهم عند دخولهم وهو شبيه بالدعاء، كما تقول للآكل: كل هنيئًا، وللشارب: أسقاك الله، وقيل
_________________
(١) = ورواه الطبراني في الأوسط (٣٠٥٣)، وفي الصغير (١/ ٢٣٨، ٢٣٩) عن أبي سعيد الخدري وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف. وعن مالك الهلالي رواه الحارث بن أبي أسامة كما في "المطالب العالية" (٣٩٨٥)، وابن جرير (١٠/ ٢١٨) وفيه الواقدي. قال ابن كثير: (والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصاراها أن تكون موقوفة).
(٢) ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٠٤) ذلك وعزاه لعبد الوهاب بن مجاهد عن إبراهيم.
(٣) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٠٥).
(٤) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٠٦) عن المنجوفي في تفسيره.
(٥) ذكر الألوسي في "روح المعاني" (٨/ ١٢٣) عن الرافضة قريبًا منه.
(٦) في "أ": (سليمان).
[ ٢ / ٧٥٨ ]
القول: مضمر وتقديره: قيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بشفاعته. وقال ابن عباس: "أصحاب الأعراف قوم ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحيوان جانباه قصب الذهب مكلّل بالدرّ فيغتسلون فيه ويخرجون وفي نحورهم شامة فيعودون فيغتسلون فيزدادون بياضًا وحسنًا، فيقال لهم: تمنوا، فيتمنون ما شاؤوا فيقال لهم: لكم سبعون ضعفًا، فهم مساكين أهل الجنة" (١) وعلى قضية تأويل عليّ هذا القول قول أصحاب الأعراف لأصحاب الجنة قبل دخول الجنة.
﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الأشربة والطعام، وإنما استعمل الإفاضة على الجميع وإن كان فيه ما لا يتصور إفاضته على سبيل الإشباع كقوله: ﴿أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقال الشافعي (٢):
إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيونا
وإنما لم يقولوا لا نفيض لأن فيه شمة بخل، ولكنهم ذكروا وجه المنع وعلته ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ من كلام الله مَسوق على قوله ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ في أول الفصل وكانوا أي ﴿وَمَا كَانُوا﴾.
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ أي (٣) آتيناهم، فصلناه عالمينَ به وبمعانيه ومجازه فصلناه على غير جهل ولا على جهل ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ يجوز أن
_________________
(١) هذه الرواية ذكرها هناد في "الزهد" (٢٠٠)، وابن جرير (١٠/ ٢١٥)، وابن أبي حاتم (٨٥٠٢). وهو مروي عن عبد الله بن الحارث رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٢٩)، وهناد في "الزهد" (١٩٨)، وابن جرير (١٠/ ٢١٦).
(٢) هذا البيت لعل الشافعي ذكره على وجه الاستشهاد وإلا فهو للراعي النميري وهو في ديوانه ص ٢٦٩، وهو مشهور عنه. انظر: شرح شواهد المغني (٢/ ٧٧٥)، والخصائص لابن جني (٢/ ٤٣٢)، ولسان العرب (٢/ ٢٧٨)، ومغني اللبيب (١/ ٣٥٧)، وهمع الهوامع (١/ ٢٢٢)، وشرح شذور الذهب، ص ٣١٣، وتذكرة النحاة ص ٦١٧، والنهاية لابن الأثير (٢/ ٥٨٣) وغيرهم.
(٣) (أي) من "أ" "ي".
[ ٢ / ٧٥٩ ]
يكون مفعولًا له من فعل المجيء وأن يكون حالًا للضمير في ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ (١).
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ المراد بالتأويل مآل ما يشابه من الوعيد
وعاقبته وبيانه كقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠]. ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ فيه (٢) معنى الطلب والإرادة ومثله قوله (٣): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ويحتمل أنه استفهام بمعنى النفي كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [فاطر: ٣].
﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ جواب الاستفهام بالفاء ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ أو هل نرد، وإنما صيروا أنفسهم لكونها رهينة بما كسبت.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ فصل في دلائل الربوبية ترتب على فصل الوعد والوعيد ليكون أنجع (٤) في القلوب وكذلك هو في أول سورة "البقرة" و﴿السَّمَاوَاتِ﴾ إنما لم يجمع سماء لأن الهمزة في واحداتها (٥) غير أصلية وهي واو قلبت همؤة لوقوفها طرفًا بعد ألف زائدة ﴿سِتَّةِ﴾ اسم عدد الثلاث مرتين أصله سدسَة والمراد به الأيام العقباوية كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا يدل عليه ما يروى من خلق آدم -﵇- ودخوله في الجنة وخروجه منها وبكائه على خطيئته وقبول توبته، كل ذلك في آخر يوم الجمعة، وقيل: والجمعة الثانية يوم القيامة. والحكمة في الخلق على المهلة مع كونه مقدورًا في أقل من لحظة وهو التنبيه على حسن الوقار.
_________________
(١) الجمهور على نصب (هدىً ورحمةً) وفيه وجهان كما ذكر المؤلف: الوجه الأول: أنه مفعول من أجله والتقدير: فصلناه لأجل الهداية والرحمة. والوجه الثاني: أنه حال إما من كتاب وجاز ذلك لتخصصه بالوصف وإما من مفعول (فصلناه).
(٢) (فيه) ليست في "أ".
(٣) في "ب": (كقوله).
(٤) في الأصل و"ب": (فيكون الجمع).
(٥) في الأصل و"ب": (وحدتها).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يدل أن العرش (١) لم يكن مستوى عليه في هذه الأيام الستة مع كونه موجودأ من قبل لقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وهذا الكلام يفيد كون العرش آية على الربوبية يوجبُ العلم بمن شاهده من غير استدلال فإن العيون تتجه إليه عند رؤيةِ من تعالى عن الجهات (٢)، وأن الأسماع تصغي إليه عند استماع كلام من تعالى عن المخارج واللهات، وهو سرير كما شاء الله فوق السموات السبع وهو سقف الفردوس فيما يروى (٣)، ولقد سأل إسرافيل -﵇- الرفيع عن عرش ربّ العزة قال: سألت اللوح (٤) عن عرش ربّ العزة قال: سألت القلم عن عرش ربّ العزة قال: إن للعرش ثلثمائة (٥) وستين ألف قائمة (٦) كل قائمة من قوائمه مثل الدنيا ستين ألف مرة، تحت كل قائمة ستون (٧) ألف مدينة في كل مدينة ستون ألف صحراء في كل صحراء ستون ألف عالم مثل الثقلين الإنس والجن ستين (٨) ألف مرة لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم ولا إبليس، ألهمهم الله أن يستغفروا لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ويحبهم (٩)، ومصداق هذا الحديث قوله:
_________________
(١) (يدل أن العرش) من "ب" "ي".
(٢) تقدم الكلام عن الجهة في سورة "البقرة"، وأن مذهب أهل السنة والجماعة عدم الخوض في ذلك ابتداءً وعند التنزل مع الخصم يستفهم عن ذلك فإن أريد بالجهة ما يفتقر إليه الخالق ويحتاج إليه فهذا منتفٍ عن الله لأن الله هو الغني ولا يفتقر إلى شيء من خلقه. وان أريد بالجهة عكس ذلك فلا مانع من إثباته إلى الله. انظر تفصيل ذلك عند قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].
(٣) ورد ذلك في حديث رواه البخاري (٢٦٣٧)، وأن العرش يطلق على سرير الملك، هذا لغةً.
(٤) في "ب": (الروح).
(٥) (قال: إن للعرش ثلاثمائة) ليست في "أ".
(٦) في الأصل (قامة).
(٧) (ستون) ليست في الأصل.
(٨) (ستين) ليست في "ب".
(٩) هذا حديث موضوع ذكره ابن النجار كما في "الوافي في الوفيات" وحكم عليه الصفدي بالكذب، وانظر: القتبي في "تذكرة الموضوعات" (٤٢).
[ ٢ / ٧٦١ ]
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ﴾ يكسو (١) ظلمة الليل نور النهار ويسترها به، والنور هو المشبه باللباس لأنه عارض طارئ والظلمة هي (٢) الأصل ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ صفة النهار على سبيل التشبيه أيضًا كأنه طالب الليل مسرعًا في أثره والطلب لا محالة قبل التغشية فهو الإصباح وهو طلوع الشمس، و(التسخير) تصريف الشيء لا (٣) على اختياره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الفعل والقول ليس للخلق بأمر (٤) ولا الأمر بخلق.
﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الهاء عائدة إلى الأرض، وإصلاحها وضع الميزان فيها وإنزال الكتاب إلى أهلها، و(الخوف) من قضية الهيبة و(الطمع) من قضية حسن الظن بالله، فالله تعالى عزيز لا يوازيه عزيز، كريم لا يضاهيه كريم ليس يعرفه من لا يهابه خائفًا ولا يحسن الظن به راجيًا، كما لا يعرف السرور من لا يرضاه ولا يعرف الحزن من لا يكرهه، وإنما قال ﴿قَرِيبٌ﴾ لاعتبار المعنى وهو الفعل.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ منتشرة في الآفاق فإن كانت فاعلة فإنها تنشر السحاب بإذن الله وبشارتها أداؤها حروف الكلم إلى الاستماع بإذن الله، ويحتمل أنها إيهام ما جرت به العادة في العلم من الحوادث السارة والضارة تتبع الرياح المختلفة ﴿أَقَلَّتْ﴾ استقلت وحملت، و(السحاب) اسم جنس واحدتها سحابة، و(الثقال) جمع الثقيل كالغلاظ جمع الغليظ، وإنما وصف السحاب الثقال على اعتبار الجمع وهو لغة
_________________
(١) في الأصل (يكسر).
(٢) في "ب" "ي": (هو).
(٣) في "أ": (تصريف الشمس على).
(٤) في "ب": (الخلق بالأمر).
[ ٢ / ٧٦٢ ]
تميم ومثله قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿سُقْنَاهُ﴾ الهاء عائدة إلى السحاب وهو لغة قريش ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بلفظ الواحد أن كل جمع لا فرق بينه وبين واحدته إلا بالهاء ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي بالسحاب وبسببه أو بذلك البلد وفيه ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ كما أخرجنا النبات، قيل: إن الأرض تمطر بها كالمني أربعين صباحًا بعد الهمدة وهي الرقدة أربعين سنة فيما بين النفختين فينبت الموتى بإذن الله تعالى كما نبتوا في الأرحام (١) بإذنه تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الأرض السهل المنبت الذي طبيعته كريمة ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ هي السبخة ونحوها ﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ لا يخرج نباته إلا عسرًا قليل الخير، وهذا تنبيه على صفة المؤمن الكريم والكافر اللئيم.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ذكر جماعة من أهل العلم بالإنساب والتواريخ أن آدم -﵇- (٢) لما قارب أجله أوحى الله إليه يأمره باستخلاف شيت -﵇- (٢) على ذريته، فقام فيهم خطيبًا بلغته فقال: الحمد لله الذي (٣) خلقني بيده ونفخ فيّ من روحه وأسجد لي ملائكته وعلّمني أسماءه وأسكنني جنته، فمضت مشيئته في معصيتي له وإخراجي من جوارِه، فله الحمد على إقالته عثرتي ورحمته ضعفي وتوبته عليّ ومغفرته لي ومعونته إياي على محاربتي عدوي إبليس وله المنّ في ذلك والطول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الباقي بعد فنائي وانقراض عمري. عليكم يا بنيَّ بطاعة الله والإنابة إلى أمر الله والرضا بقضاء الله ﵎ تنالوا بذلك رضوان الله وتأمنوا به سخطه (٤) واجتنبوا طاعة النساء فبئس الشركاء هنّ ولا بدَّ منهن.
_________________
(١) هذا يروى عن أبي هريرة وابن عباس كما عند البغوي في تفسيره (١/ ٢٣٨)، وعزاه القرطبي في تفسيره (١٧/ ٥٥) لعلي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (لذي) ليست في الأصل "أ".
(٤) في "ب" بدل (سخطه): (غضبه).
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ثم أخبرهم بعذاب نازل بعد ألف سنة من وفاته وبعد ألفي سنة، وما يتبين في بعض الروايات وكلاهما ممكن لأن بعد الشيء لا يقتضي الاقتران به يجوز الاتصال والانفصال. وأمرهم (١) باحتفاظ جسده إلى أن ينجلي العذاب ثم يدفنوه إلى الأرض المقدسة. وبشر من يتولى حفظ التابوت في (٢) الأرض المقدسة بطول العمر وإرجائه إلى يوم القيامة. واستخلف عليهم شيت -﵇- وودعهم وفرغ من خطبته ومرض من يومه، وسمّى لشيت مكانًا أرسله إليه لعله يلقى الروح الأمين -﵇- (٣) فيستهديه شيئًا من ثمار الجنة، فمضى شيت إلى ثمّ فإذا هو بجبريل -﵇- (٣) ينعى إليه أباه ويعزيه ويخبر بأنهم نزلوا للصلاة عليه، فرجع معهم وغسل أباه وحنطه وكفنه بتعليم جبريل -﵇- (٣). ثم قدم جبريل شيت ليصلي على أبيه وقام جبريل مع الملائكة خلفه.
ثم إن شيتًا أودع أباه تابوتًا (٤) من الساج وتولى الأمر وهو ابن ثلثمائة سنة وتوفي وهو ابن ثمان ماية سنة (٥) واستخلف على قومه قينين فتولى الأمر بعد أبيه وهو ابن خمسمائة سنة وحاربَ الجنّ وأثخن فيهم القتل وتوفي وهو ابن سبعمائة سنة، فمن وفاة آدم إلى وفاة قينين على هذا الحساب سبعمائة سنة، فكأنه كان قد ولد يوم وفاة آدم (٦)، والله أعلم أهذه السنون شمسية أم قمرية أم كان الناس يحسبون في ذلك الزمان مدة مسير
_________________
(١) في "ب ": (وأمره).
(٢) في الأصل و"أ": (إلى).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (تابوتًا) كتبت في الأصل خطأ.
(٥) (سنة) ليست في "ي" "أ".
(٦) لم أجد هذه الرواية بعينها ولكن هناك روايات عن وفاة آدم عند ابن كثير في "قصص الأنبياء" (٦٠) عن محمد بن إسحاق. وكذلك هناك رواية عند عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، وبعضه عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٤٥٩)، وكلها أسانيد ضعيفة غير ثابتة. ومعروف في كتب السير والتواريخ أن آدم عهد إلى ابنه شيث وأن شيتًا عهد إلى ابنه أنوش وهذا عهد إلى قينين، وهي من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذّب.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
الشمس في البروج الشامية سنة كاملة على حدتها ومسيرها في البروج اليمانية كذلك كحساب طائفة من اليهود، ويحتمل أن حسابهم كان على حساب سائر النجوم السيّارة سوى النيرين (١).
وهذه تواريخ قد فسدت باختلاف العبارات والعادات، فمن المخبرين من يذكر مدة ما بين ولادة الأول إلى ولادة الثاني ومنهم من يذكر مدة ما بين وفاة ذلك إلى ولادة هذا، ومنهم من يذكر ما بين خروج ذلك إلى خروج هذا، ومنهم من يذكر من وقت فلان إلى وقت فلان، لا يقف على مراده من الوقت. ومنهم من يترجم فيغلط في الترجمة ومنهم من يستدل على الحوادث الماضية بأمارات (٢) نجومية من اجتماعها واقترابها، فيقتضي بأن تلك الحادثة كانت عند تلك الإمارات ويقطع الحكم ثم يستخرج الحساب على هذه القضية، ومنهم من يتعَمَّد الكذب. فالواجب أن لا يعتمد على شيء من ذلك ما لم يكن ثابتًا بالتواتر والإعجاز.
ثم قام بالأمر بعد قينين ابنه مهلاييل وقام في الناس خطيبًا بلغته وقال: الحمدُ لله الذي علا في سنائه وتلألأ في نهائه وتعظم في كبريائه ونفذ أمره في أرضه وسمائه، أحمده على ما ساق إلينا من نعمته وأفضل علينا من كرامته، أيها الناس عليكم بطاعة ربكم الذي بيده نواصيكم وإليه منقلبكم ومثواكم، اجتنبوا سخطه وتمسكوا بدينه تنالوا بذلك رحمته وتأمنوا به من عذابه ولا قوة إلا بالله (٣).
وامتلأت أرض الحجاز ويمامة في أيامه من الناس ووقع بينهم
_________________
(١) هما الشمس والقمر.
(٢) في الأصل (من أمارات)، وفي "ب": (لأمارات).
(٣) لم أجد هذه الخطبة، وقد ذكر أهل السير أن مهلاييل ملك الأقاليم السبعة وأنه بني مدينة بابل وقهر إبليس وجنوده وشردهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها، انظر: قصص الأنبياء لابن كثير (٦٢).
[ ٢ / ٧٦٥ ]
التباغي والتحاسد ففرقهم خمس فرق: أسكن (١) أولاد شيت بالعراق وسيّر الفِرَق الأربع (٢) إلى مهبّ الرياح الأربع وأمّر عليهم زعموا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا وهم رجال صالحون، فلما درج مهلاييل ودرجوا من بعده، اتخذ الناس تماثيل على صورهم يسكنون إلى رؤيتها. ثم طال الزمان وانتشأت الذرية على ذلك فاعتادت وعبدت التماثيل وبقي الناس فوضى لم يملكوا أحدًا ولم يجمعوا أمرهم.
وكان مهلاييل قد ولد له اليارد (٣) ولليارد لأخنوخ وهو إدريس النبي (٤) -﵇- (٥)، ولم يبلغنا كمية بقاء مهلاييل واليارد في الدنيا ولا سمعنا في ولد أخنوخ -﵇-، قالوا وولد أخنوخ متوشالخ على رأس ثلثمائة سنة من عمره فلما بلغ ثلثمائة وخمسًا وستين رفعه الله مكانًا عليًا، وكيفية قصته تأتي في موضعها إن شاء الله.
وولد لمتوشالخ لمك (٦) وللمك نوح -﵇- (٥) فأرسله الله إلى قومه وهو ابن مائتين وخمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا بعد الدعوة أو مع ما مضى قبل الدعوة، وعاش ثلاثة قرون فيهم فلم يجبه إلا ثمانون شخصًا من رجل وامرأة، كان الرجل من الكفار يحمل ولده إلى نوح -﵇- (٥) فيريه إياه ويقول: يا بني لا يفتننك هذا الشيخ المجنون عن دينك ودين آبائك (٧)، فلما ضاق ذرعًا دعا على قومه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فاستجاب الله دعاءه وأمره بغرس الشجر شجر
_________________
(١) المثبت من "ب" فقط وفي غيره (أمسك).
(٢) في "ب": (الرابع).
(٣) ذكر الطبري (١/ ١٠٣): (فولد مهلائيل يرد وهو اليارد) وقد جاءت المصادر مرة باسمه (اليارد) ومرة (اليرد).
(٤) (النبي) ليست في "ب".
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) وفي بعض المصادر (لامك).
(٧) ابن عساكر في تاريخه (٦٢/ ٢٤٣ - ٢٤٥) من طريق إسحاق بن بشر وهو صاحب كتاب "المبتدأ" ذاهب الحديث كما وصف الذهبي.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
الساج، فعلم نوح -﵇- أن في الأمر مهلة فأمر بغرس الأشجار (١) عشر سنين وأدركت القطع بعد أربعين سنة (٢)، ثم أمر الله بقطعها واتخاذ السفينة منها، وألهمه كيفيتها فعمل السفينة على خلقة البط وجعل لها رأسًا كرأس الديك وذنبًا كذنب الطاووس، وصيرها أربعة أطباق: طبقًا له ولأصحابه، وطبقًا للبهائم والوحوش، وطبقًا للسباع، وطبقًا كالسقف في بعض الروايات لئلا يصل المطر إليهم من نحو السماء، وقيرها داخلًا وخارجًا وسدّها بالمسامير، وفرغ من ذلك، فبينا امرأته وابنته تخبز (٣) إذ فار التنور بالماء وفجرت الأرض عيونًا فبادَرَت إلى أبيها تخبره فنادى نوح في أصحابه فاجتمعوا إليه ودخلوا السفينة، وحشر الله إليهم حيوان الأرض فأخذ من كل جنس زوجين وامتنع الحمار عن الدخول فزجره نوح وقال: ادخل يا شيطان فدخل إبليس معه، فلما أبصره نوح -﵇- قال: من أدخلك؟ قال: أنت وليس لك علي سلطان فإني من المنظرين، ودعا نوح ابنه يام (٤) فلم يجبه ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
واختلف الناس في عوج بن عنق (٥) قال بعضهم: لم تغمره الماء ولم تدركه دعوة نوح؛ لأنه لم يكن ديّارًا، أي صاحب دار، وقال بعضهم: شذّ عن عموم الدعوة واختصت الدعوة بالباقين، ويحتمل أنه كان من أصحاب السفينة ثم كفر بعد ذلك يهود وسائر الأنبياء، وقيل: إنه من ذرية آدم بن سام ولد بعد الطوفان فكانت أبواب السماء مفتحة ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] والأرض متفجرة بالماء أربعين يومًا.
_________________
(١) في "ب": (الساج).
(٢) في كتب السير والتفاسير يذكر بعضها أنه زرعها مدة عشرين سنة والبعض أربعين سنة، ثم انتظره أربعين سنة.
(٣) المثبت من "ب"، وفي البقية (فبينا امرأته تخبز).
(٤) ويسميه بعض المؤرخين (كنعان).
(٥) قصة عوج بن عنق من حكايات بني إسرائيل وقد كذبها جمع من المفسرين والمؤرخين، وهم ذكروا أنّ عوجًا كان ظالمًا طاغيًا، فكيف يهلك ابن نوح ويبقى عوج، هذا ما ردّ به ابن كثير في قصص الأنبياء (٨٦ - ٨٧) ثم قال: (وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عنق إلا اختلاقًا من بعض زنادقتهم وفجّارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء) اهـ.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ثم قال: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] بعد سبعة وخمسين يومًا، وقيل: بعد مائة وخمسين يومًا، وقيل: بعد ستة أشهر، وقال وهب: وإنما استقرت لعشر خلون من رجب، وقيل: إنه خرج من السفينة لعشر خلون من المحرم، والجودي من جبال (١) الجزيرة فابتنى نوح -﵇- (٢) هناك (٣) مذبحًا لله تعالى وقرب قربانًا وأثنى الله تعالى على قربانه ربح الراحة وبارك عليه وعلى بنيه. وابتنى نوح هناك قرية الثمانين قالوا: وغرس ما كان حمل في السفينة من الفواكه وافتقد الكرم وكان إبليس قد استرقه فردّه على شرط أن يكون ثلثاه له.
وزعموا أن أصحاب السفينة لم يعقبوا إلا ثلاثة منهم سام وحام ويافث بنو نوح -﵇- (٤)، ومن الناس من أنكر هذا القول وقال: لو كان كذلك لقال الله تعالى في سورة بني إسرائيل ذرية نوحٍ ولما قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] ويدل على هذا المعنى أيضًا قوله ﷾: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] ويحتمل أن المراد بمن معه بنوه ونساؤهم دون غيرهم، وأرباب الملك كلهم في الأقاليم كلها ما خلا الهنود والمانوية، مقرون معترفون بالطوفان، ودلّتهم الدلائل النجومية على كونه أيضًا قبل إسكندر بألفي سنة وسبعمائة واثنين وتسعين سنة، وقالت النصارى: قبل إسكندر بألفي سنة وتسعمائة وستة وخمسين سنة، وقالت اليهود: قبل إسكندر بألف سنة وسبعمائة واثنتين وتسعين سنة، فتاريخ النصارى أقرب إلى القبول وهو يتقدم على تاريخ المنجمة بمائة وأربع وستين، وكذلك على تاريخ مولد باسديو الهند بتقدم على تاريخ الهند بألف كاملة ومائتي سنة، وإنما اخترنا تاريخ النصارى لأنهم أعرف بإسكندر،
_________________
(١) في الأصل و"أ": (الجبال).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (هناك) ليست في "ب".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٧٦٨ ]
وأضبط للحساب على مذهب اليونانية وعهدهم بالوحي السماوي أقرب من اليهود، وكتابهم أقل تحريفًا وتبديلًا؛ ولأن الطوفان ينبغي أن يكون متقدمًا على مولد باسديو الهند لا محالة فإن الهند تهندت وتبلبلت الألسن والله أعلم بالحقيقة.
قالوا: وعاش نوح -﵇- (١) بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة ثم استخلفَ سام على ولده وتوفاه الله تعالى إلى (٢) رضوانه. وندب سام أصحاب السفينة إلى حمل تابوت آدم (٣) -﵇- (٤) إلى الأرض المقدسة بعد ما كثر الناس، وعاد إلى الأرض بهجتها وأُنسها، فانتدب الخضر -﵇- وحمله إلى بيت المقدس ودفنهُ هناك، فهو حي إلى اليوم، وهو صاحب موسى عليهما (٥) السلام، وهو من أولاد قابيل زعموا، وقيل: الخضر صاحب موسى بلبا (٦) بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، وقيل: هو من ذرية قوم آمنوا بإبراهيم -﵇- (٤)، وهاجروا معه إلى الشام، والله أعلم بالحقيقة.
قالوا: وولي الأمر سام بعد أبيه مائتي سنة كان يشتو بأرض جرعة (٧) ويصيف بالموصل، وقيل ممره على شط دجلة من الجانب الشرقي فسمي بسامراه وهو يدعى اليوم سَامِره وسرّ من رآه، ثم توفي سام واستخلف على ولده وسائر الناس ابنه أرفخشد، قيل: وهو الذي يسميه العجم إيران، فعمر أرض العراق عمارة تامة واختصها لنفسه وبقي ثلاثمائة سنة ثم توفي
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (إلى) ليست في الأصل "أ".
(٣) (آدم) ليست في "أ".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب": (عليه).
(٦) في الأصل و"ي": (بيا).
(٧) هو موضع قرب الكوفة فيه سهول ورمل، وإليه يضاف يوم الجرعة المذكور في كتاب مسلم، وهو يوم خرج فيه أهل الكوفة إلى سعيد بن العاص [معجم البلدان (٢/ ١٢٧)].
[ ٢ / ٧٦٩ ]
واستخلف ابنه شالخ (١)، فولي شالخ الإمرة بحسن السيرة والعدل مائتي سنة، ثم توفي واستخلف ابن أخيه جم بن نوجهان بن أرفخشد، قالوا: وفي أيامه تبلبلت الألسن، هذه (٢) قصة نوحٍ بفاتحتها وخاتمتها على الإجمال والإيجاز، وقيل: إن الطوفان كان مختصًا بأرض العراق والجزيرة والحجاز، والمراد بالأرض في قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] هذه البلاد دون غيرها من البلدان (٣).
﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ أي لم يعرض في هذا المعنى كما يقال ما بي داء، وما بي آفة، ونصحته ونصحت له (٤)، بمعنى أعلم من الله من أمرهِ وحكمهِ.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ ألف استفهام دخلت على واو العطف، والتقدير: أكفرتم وعجبتم، والعجب استبعاد وجه جواز الشيء وإمكانه على سبيل اعتبار العادة، وإنما توجه عليهم الإنكار لمعنيين: يخطيء آدم وشيت وإدريس -﵈- من قبل، ولأن إجراء العادة على سننها غير واجب على الله ﷾.
_________________
(١) في كل النسخ (سالح) والمثبت من "أ".
(٢) في "ب": (قالوا: هذه) وفي الأصل "أ": (الألسن قصة).
(٣) ظاهر الآية أن نوحًا طلب إهلاك من على الأرض جميعًا، وليس من عادة الأنبياء أن يدعوا على قومهم بالهلاك بل يصبروا عليهم، والجواب على ذلك هو أن نوحًا لم يدع على قومه إلا بعد أن تحدوه وشى منهم. أما تحديهم له ففي قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود: ٣٢]، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ٩، ١٠]. وأما يأسه منهم ففي قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وأما الذرية فقال الله عنهم: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] وليس بعد صبر الألف سنة إلا خمسين عامًا من صبر، بعد كل ذلك توجه إلى الله بالدعاء عليهم. وأما قول الله تعالى لنبينا محمد - ﷺ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] عندما دعا على قومه فهذا في علم الله أنه سيؤمن من قومه ممن دعا عليهم من المشركين ولذا آمن وأسلم من كفار قريش وبعض أعيانهم عدد ليس بالقليل.
(٤) في الأصل "أ": (آية).
[ ٢ / ٧٧٠ ]
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ إن كان عوج من المكذبين فهذا عموم بمعنى الخصوص وإلا فهو عام (١) و"عم" على وزن فعل من عمي يعمى نقول هو (٢) عمٍ وهما عميان وهم عمون.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ذكر جماعة من أهل العلم بأن (٣) الأنساب والتواريخ أن جم بن نوجهان علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا فتنافرت القلوب وتبلبلت الألسن فخرج أولاد يافث إلى مهب الصبا والشمال وتفرقوا في تلك الديار وملكهم وزعموا فراسياب لن ياسر بن بوذاب بن الترك بن يافث حتى استولى عليه وعليهم غانم بن غلوان أخو (٤) الضحاك بن علوان بن عمليق بن عاد (٥) بأمر عمهما شديد بن عمليق بن عاد. ولما زال سلطان عاد عن ديار المشرق قام بملك أولاد يافث زعموا فراسياب بن ياسر بن بوذاب بن الترك بن يافث فكرَّ بجنوده إلى العراق واستولى عليها سنتين، وقيل منوشهر بن كنعان بن نمرود وكنعان هو المسمى أبزج ونمرود هو المسمى فريدون، وامتد ملك فراسياب على العراق إلى أن خرج عليه تراب بن بوذ كاب بن منوشهر مفترضًا أيام الشتاء وتفرق عسكره من أولاد يافث خلف أموالهم المواشي فانحاز فراسياب من العراق إلى ديار الهياطلة ثم التقت الفتيان بعد ذلك في أرض خراسان وأصاب فراسياب منهم غريب فلم يحظ فؤاده وانصرف أولاد يافث إلى ديارهم ومات تراب فجأة بعد ذلك بشهر.
وأما أولاد حام إذ تبلبلت الألسن فقد خرجوا إلى مهب الديور والجنوب فتفرقوا في تلك الديار واستولى (٦) على المغاربة منهم الوليد بن
_________________
(١) في الأصل و"أ": (علم).
(٢) في الأصل و"أ": (هما).
(٣) (بأن) ليست في "ب".
(٤) في الأصل و"أ": (ابن).
(٥) في الأصل و"أ": (بن عاد بن).
(٦) في الأصل و"أ": (ويستوى).
[ ٢ / ٧٧١ ]
الريان بن عاد بأمر ابن عمه شديد بن عمليق بن عاد، واستولى على المشارق منهم غانم بن علوان الذي كان قد استولى على أولاد يافث وقيل كان فور ملك الهند الذي قتله إسكندر من ذريته.
وخرج من بابل من ولاية جم أولاد آدم بن سام بعد خروج أولاد يافث وحام ومر سبعة إخوة عاد وثمود وصنجار وطسم وجديس وجاسم ووبار فكان عاد يمشي أمام ذريته (برغر) (١) فسار حتى نزل بأرض اليمن وثمود يمشي أمام قومه (برغر) (١) فسار حتى نزل بالبحر بين الحجاز والشام، وكان طسم يمشي أمام قومه (برغر) (١) فسار حتى نزل ببلاد عمان والبحرين، ونزل جديس بأرض اليمامة ووجه بعض ولده إلى هجر (٢) ونزل صنجار بتهامة والحجاز ونزل جاسم مع صنجار وتفرق ولده (٣) فيما بين الحرم إلى سفوان، وسار وبار إلى ما وراء رمل عالج فنزل هناك ومسخت أولاده فهؤلاء (٤) العمالقة كلهم يسمون الجبابرة العادية ينسبون إلى العم الأكبر.
ولما خرج هؤلاء (٥) تحركت قلوب الباقين فخرج من بابل في يوم بابل (٦) في يوم واحد خراسان بن عسادة بن سام وفارس بن الأسور بن سام بن نوح والروم بن اليفر بن سام ورامين بن نارح بن سام وهيكل بن عالم بن سام وساروا إلى أن نزلوا ديارهم، فلما مات عاد باليمن استخلف عمليقًا ثم مات عمليق وقام بالأمر سديد بن عمليق، فحشد (٧) الجنود وملك الملوك وأرسل ابني أخيه ضحاكًا وغانمًا ابني علوان بن عمليق إلى بني سام ويافث كل واحد في عشرة آلاف من الجبابرة فقتل الضحاك جم
_________________
(١) في كل النسخ بياض والمثبت من "أ".
(٢) في "أ" والأصل: (أصحابه ولك إلى يعجز).
(٣) في النسخ (ولك) والمثبت من "ب".
(٤) في الأصل و"أ": (فماوه).
(٥) (هؤلاء) ليست في "ب".
(٦) (في يوم بابل) ليست في "أ".
(٧) في "ب" "ي": (فجند).
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الملك وأخذ شيئًا من بطنه واسترطه وأرسل شديد ابن عمه الوليد بن الريان بن عاد إلى بني حام على ما سبق وقعد هو على سرير الملك باليمن فكان ملك الملوك. ولما مات هو خلفه شداد بن شديد من تحت يد هؤلاء الملوك الثلاثة فقهروا العباد وخربوا البلاد وامتد سلطانهم ألف سنة يجبى خراج الأرض كله إلى شداد باليمن وأمر شداد مائة قهرمان تحت يد كل واحد منهم ألف من الأعوان ليبنوا له جنة في بعض أقضية اليمن إلى الشام أطيبها طيبة ونسيمًا، فبنوا مدينة عظيمة من الذهب مفصصة بالدر والياقوت وبنى عرف أساطينها المها والجزع والفيروزج وأجرى فيها من المياه العذبة وجعل الأنهار مطلية بالذهب والفضة وجعل نزالها المسك (١) والجاري وصاغ من الذهب استبحارًا على حافات الأنهار، وعلق في أغصانها المنصوص كأنها مثمرة بها، قيل: من حين ابتدى له النبأ إلى ثمانمئة وخمسمائة سنة فبعث الله إليه هود بن خالد بن الخلود بن عيص بن عمليق ابن عاد يدعوه إلى العبادة والتوحيد فاستكبر عن الإيمان وخرج من حضرموت متوجهًا إلى جنة لينزلها في ثلاثين ألف رجل (٢) من أهل بيته وعشيرته الأقربين واثني عشر ألف رجل من العبد والخيول، فلما بقي بينه وبين جنته مسيرة يوم أرسل الله عليه وعلى من معه وعلى قهارمته وأعوانه لهذه الجنة صيحة من السماء فخروا جميعًا هامدين، وغيب تلك الجنة عن أعين الناس حتى دخلها عبد الله ابن قلابة في زمن معاوية كان قد خرج مع أصحابه في طلب الإبل وضل الطريق وانفرد عن أصحابه في بعض الأقضية فإذا هو بتلك المدينة فدخلها وأخذ فيها حاجته (٣) وخرج متوجهًا إلى معاوية ليخبره فأخفاه معاوية واستحضر كعبًا وسأله عن حال مدينة (٤) على وجه الأرض من صفتها (٥) كذا وكذا، فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين
_________________
(١) في الأصل و"أ": (المبك).
(٢) من (والتوحيد) إلى قوله (ألف رجل) ليس في "ب".
(٣) في الأصل و"أ": (حاجة).
(٤) في الأصل و"أ": (المدينة).
(٥) في الأصل و"أ": (من صفته).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
جنة شداد وسيدخلها رجل من العرب صفته كذا وكذا، فالتفت فإذا هو بعبد الله بن قلابة فقال: هو هذا فدخلها أو سيدخلها، فعجب معاوية من ذلك ووجه مع الرجل سرية ليدلهم على تلك المدينة فلم يهتدوا وحيل (١) بينهم وبينها (٢).
وكان من قصة الضحاك في العراق أن سام الناس سوء العذاب وأراد منهم الكفر والشرك فهرب منه لام بن عابر (٣) أخو قحطان حتى انتهوا إلى باب المعادن بأرض الروم فاستوطنه وبنى قبّة من رصاص وجعل فيه قبر نفسه وأوصى بنيه أن يدفنوه وسدوا الباب بالرصاص، ففعلوالأولما أهلك الله شداد بن شديد حُبس المطر وقحط الناس في الشرق والغرب وتضعضع أمر الجبابرة العادية وخرج أولاد يافث على غانم بن علوان وخرج أولاد أرفخشد على الضحاك بن علوان وزال سلطان عاد عن أقطار الأرض فلم يبقوا ظاهرين إلا في ديار اليمن على جهد وضرّ لهلاك مواشيهم وزروعهم ومع ذلك هم متحيزون مستكبرون عن الإيمان بهود -﵇- (٤) إلا أنهم يعظمون الحرم، فوفدوا (٥) إلى الحرم وفودًا للاستشفاء أحدهم مريد بن سعد بن عفير والثاني قيل ابن عمر وقيل ابن عمرو والثالث لقمان بن هزال وقيل لقمان بن عاد والرابع لقيم بن هزال والخامس جلهمة بن فلان، فمروا على معاوية بن بكر وهو من عاد أيضًا كان قد التجأ إلى الحرم واعتزل قومه فأضافهم شهرًا ثم خرجوا إلى بيت الله، فأما مريد بن سعد كان مؤمنًا يكتم إيمانه فشكا قومه ودعا عليهم بالهلاك، وأما لقمان فخص دعوته وخلا بعض الشعاب
_________________
(١) المثبت من "ي" وفي البقية (وأحيل).
(٢) قصة عبد الله بن قلابة ذكرها ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٥١) عن الثعلبي ثم قال: فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، وقال: هي مختلقة. وحكم الحافظ ابن حجر على هذا الخبر بالوضع.
(٣) في "ب": (عامر).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في الأصل و"أ": (فودوا).
[ ٢ / ٧٧٤ ]
ووقف سائر الوفود قبالة موضع البيت فبدت لهم ثلاث سحائب (١) بيضاء وحمراء وسوداء ونودوا تخيروا واحدة منهن واختاروا السوداء فسيقت نحو اليمن فلما رآها القوم تباشروا بالغيث فخرج منها ريح صرصر، فلما أحسوا بالريح تنادوا وصاحوا وكان لهم رئيس يسمى خلجان فذهب مع سبعين رجلًا من أشراف قومه مستقبل الريح وهبت عليهم مثل شرار النار (٢) فكانت (٣) تصيب هودًا والذين معه بردًا وسلامًا والريح تقلع الصخور العظام من رؤوس الجبال فتطير بها في الهواء ثم ترضخهم بها فتذوب أجسادهم وعظامهم.
وكان ابتداء الريح يوم الأربعاء فلم يبق إلى الأربعاء (٤) الآخر غير الخلّجان فأقبل إليه هود -﵇- أخذ بعضادتي الفج ورأسه مع قلة الحبل وقال: أيها الغاثي المتمرد والجبار ارجع عن غيّك فإنما هو يومك، قال: فهل ربك محيي أصحابي إن آمنت؟ قال: لا يحييهم ولكن يبارك في الباقين، قال: أفيقيدني؟ قال: إن الله لا يقيد أهل معصيته من أهل طاعته، قال الخلجان: فلنا أسوة بمن هلك ولا أحب أن أظهر استكانة لربك.
وعن ابن سلام أن الرمل بالأحقاف كانت صخورًا فصارت بتلك الريح رملأوتلا قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢] قال ابن عباس: أرسل الله عليهم من الريح مقدار خاتم ولو أرسل أكثر لأهلك الأرض كلها (٥)، والريح ريح دبور وخلت ديار اليمن عن الأهل إلى أن سيّر نمرود إليها قحطان بن عابر أخا لام وفالغ ابنا عابر
_________________
(١) المثبت من الأصل، وفي البقية (صحائب) بالصاد.
(٢) في "أ": (الناس).
(٣) في "ي" "أ": (وكانت) بالواو.
(٤) في "ب": (الأربع).
(٥) ورد مرفوعًا من حديث رواه الإمام الترمذي (٣٢٧٣، ٣٢٧٤)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٧)، وابن ماجه (٢٨١٦)، وأحمد (٢٥/ ٣٠٤ - ٣٠٦) وسنده صحيح.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
فتزوج امرأة من العماليق فولدت له يعرب وجرهم وغيرهما، فعاد أخوال ولد قحطان أخوال ولد إسماعيل -﵇- (١)، وتحول هود -﵇- (١) إلى حضرموت بعد هلاك قومه ثم هاجر إلى مكة وتوفي فيها -﵇- (١) بالأحقاف من شجر قبر يقال هو قبر هود -﵇- (١).
وبقي في الأرض من عاد بقايا إلى أن حاربهم يوشع بن نون بالشام وخيرهم في الحزم وكان فرعون منهم من أولاد الوليد بن الريان.
﴿نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ أي أهل لأن تأمنوني ولا تتهموني، وقيل: أمين عند الله في دينه، وقيل: أمين عندكم قبل الدعوة.
(الآلاء) النعماء واحدها إلى وإلى (٢).
وقوله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ يدل على أن الدعوة (٣) كانت مؤخرة إلى أن مات الآباء على الكفر وانتساب الذرية عليه.
﴿قَدْ وَقَعَ﴾ وجب ﴿أَسْمَاءٍ﴾ مسميات التي لحقوها ونصبوها آلهة وأربابًا من عند أنفسهم، وفي الآية دلالة أن الاسم الحقيقي ذو معنى وإلا لما تبرأ الله تعالى من تسميتها بالأسماء والأعلام والحروف المصطلحة الجارية مجرى الألقاب.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ عن ابن عباس (٤): أن يهلك ثمود، كان في ملك نمرود بن كنعان بن جم بعد ما ظهر إبراهيم وذلك بعد مهلك عاد بعد خمسمائة (٥) عام، وقصتهم فيما يروى أنهم حذوا حذو عاد في التمرد
_________________
(١) (السلام) ليست في "ب".
(٢) الآلاء النِّعَم واحدتها إِليٌ، وأَلْيٌ وأَلْو، وأَلىّ وإِلىّ، وفي الحديث: "مجامرهم الألوَّة "، ومنه قول النابغة: هم الملوك وأبناءُ الملوكِ لهم فَضْلٌ على الناس في الآلاءِ والنِّعَمِ [تهذيب اللغة (١٥/ ٤٣٠)].
(٣) من قوله (الآلاء) إلى قوله (الدعوة) ليست في "ب".
(٤) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٤٤٥) لابن المنذر.
(٥) في الأصل "أ": (حماية).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
والطغيان والإشراك بالله فبعث الله تعالى إليهم صالحًا وهو ابن أربعين سنة فكان يدعوهم إلى دين الله يقف عليهم في مجالسهم (١) ويهجم عليهم في أعيادهم ويذكرهم آلاء الله ونعماءه إلى أن شمط فلم يقبلوا منه وشكوه إلى رئيس عشيرته ليسلم لهم اغتياله أو يهاجره وينابذه ويكون معهم في معاداته فلم يفعل، وأنهم خرجوا ذات يوم إلى (٢) عيد لهم على سفح جبل لهم قالوا لصالح -﵇- (٣): إن أحببت (٤) أن نؤمن بك فأخرج لنا من هذه الصخرة الصماء (٥) ناقة كرماء ذات عرف وناصية، فاستحيا صالح أن يسأل الله تعالى ما يتمنونه حتى أجابه عزمة من الله تعالى وأذن له في السؤال فسأل واستجيب له وتزجرت الصخرة كما تزجر الناقة وتمخضت كما تمخض وخرجت (٦) منها ناقة من أحسن ما يكون أملاها النفس فأقبلت نحوهم حتى إذا أذنت منهم بركت ووضعت سقبًا مثلها ثم نهضت إلى الراعي وتبعها سقبها.
فلما رأوا ذلك آمنوا بصالح -﵇- يومهم وفي اليوم الثاني أصبحوا كافرين لما عظم عليهم من ترك عادتهم، وقالوا: لا نترك آلهتنا لهذه الناقة، فقال لهم صالح -﵇-: أما إذ نكصتم على أعقابكم فإياكم أن تمسوها بسوء فيأخذكم بعذاب أليم، وقسّم الشرب بينهما قالوا: لك يا صالح ذلك علينا، ومكثت الناقة ما شاء الله تستوعب الماء يوم شربها ثم ترجع وضرعها يسيل لبنًا وهم يستقبلونها بالمحالب والأواني فيأخذون حاجتهم من لبنها إلى أن تعشق عذار ومصرع صدوق وعنيزة (٧) فأتياهما ذات يوم فقدمتا إليهما طعامًا
_________________
(١) في "ب": (منازلهم).
(٢) في "ب": (على).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في الأصل و"أ": (أحييت).
(٥) في "ب": (الصحراء).
(٦) في "ب" وخرج.
(٧) ذكر الحافظ ابن كثير أن امرأين من ثمود اسم إحداهما صدوق ابنة المحيا كانت ذات حسب ومال دعت ابن عم لها يقال له: مصرع وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، واسم الأخرى عنيزة بنت غنيم عرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة له أي بناتها شاء، فانتدب هذان الشابان لعقرها [البداية والنهاية (١/ ١٣٥)].
[ ٢ / ٧٧٧ ]
كثيرًا وخمرًا عتيقًا فطلبتا الماء ليمزجا الخمر به فأتتاهما بلبن الناقة وقالتا: لا ماء لنا اليوم فإنه لشرب الناقة، قالا: فما لنا إن عقرناها لتسبغ لكم الشرب، قالتا: أنفسنا فتسطا (١) لذلك فسوَّل لهما الشيطان والنفس ذلك وشربا من ذلك الخمر حتى سكرا فخرجا إلى الناقة واتبعهما سبعة من السفهاء فاستقبلوها وهي تصدر عن الماء، فبدا أقدار وضرب عرقوبها بسيف وثنى مصرع فضرب عرقوبها الآخر ثم لم يزالوا يرمونها حتى وجبت وصاحت برغاءٍ شديد نحو سقبها فرجع السقب إلى صخرة مرتفعة ورغى إلى السماء فأقبلوا نحوه يرمونه بسهم حتى سقط، وتسامعت ثمود لذلك فخرج منهم قيام بأيديهم السكاكين واقتسموا لحومهما.
وبلغ ذلك صالح -﵇- فأقبل نحوها باكيًا حزينًا حيران يقول: يا قوم عقرتم عن (٢) ناقة الله التي أخرجها لكم آية وحجة عليكم فتوقعوا العذاب فقد أضلكم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: تتلون وجوهكم ثلاثة أيام أظنها (٣) يومًا دبار وهو الأربعاء ويوم مونس وهو الخميس والعروبة وهي الجمعة ثم يُصبحكم العذاب يوم شياد وهو السبت، فكان كما قال.
وهاجر صالح إلى مكة وقبره بها في المسجد الحرام بين زمزم والمقام على ما يروى، ولم ينزل ديار ثمود أحد إلى اليوم فهي موحشة وبئرها معطلة وفي بيوتهم المنقورة في الجبال عظام كعظام الفيلة والجمال إذا أرادت العرب أن تجتاز تلك الديار رفعت الزاد والماء وسدت أفواه الإبل لئلا ترتعي من حشيش ذلك الوادي.
﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ "ذه" إشارة إلى المؤنث وهي في الأصل ذي، فأبدلت الياء هاء ثم زيدت بالإشباع الهاء عند الحركة، (الناقة) الأنثى من الإبل.
﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ وكانت قد استولت على الناس كلهم فلما
_________________
(١) في الأصل و"أ": (المشا).
(٢) (عن) ليست في "ي" "ب".
(٣) في الأصل و"أ": (ظنها).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
درجوا انفردت ثمود في تلك النواحي بالعدد والشوكة، و(السهل) ضد الحزن من الأرض و(القصر) كالحصن النحت أخذ وجه الحجر والخشبة ونحوهما، وهذا تنبيه على تسوية سقوفها وجدرانها إن شاء الله أو لأنها كانت على وجه الأرض كالبيوت المبنيّة ولم تكن الأرض كالأخاديد.
(عقروا) قتلوا البعير ﴿وَعَتَوْا﴾ تردوا وطغوا.
﴿الرَّجْفَةُ﴾ الحركة الشديدة وهي الزلزلة في أرضهم والرعدة في أبدانهم عند الصيحة، و(الجثوم) للناس والطير كالبروك للبعير والربوض للغنم.
﴿لَا تُحِبُّونَ﴾ خطاب لجنس الكفرة ماضيهم وتاليهم أخبر عن عاداتهم.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أ﴾ وأرسلنا لوطًا لأن هذه الأقاصيص كلها منسوقة (١) على قوله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وقوم لوط -﵇- هم سدوم وأدوما وعمورا وصعودا وصابورا يرجعون في النسب إلى بعض أولاد حام أو من وقع في تلك الديار من العمالقة إن شاء الله، وهم أجهل خلق الله وأخبث الناس كانوا كالأنعام بل هم أضل ولهم أحكام وسير عجيبة لا تطرد على قضية وحي إلهي ولا عقل منطقي ولا دعاء صالح ولا شهوة (٢) طبيعية، منها ما زعموا أن غريبًا دخل مدينتهم فرماه أحدهم ببندقة فشجه ثم تعلق يطالبه بدرهم، قال الغريب: رميتني فشججتني ثم تطالبني بدرهم؟ قال: نعم، هذا حكم الملك، وشهد له رجال منهم فقال الغريب: حتى أرى الملك فجره إليه فاحتال الغريب ليحصل ثلاث بنادق قبل أن أدخل على الملك، فلما أدخل عليه رماه بهن وشجه فلم يجد بدًا من أن يعطيه ثلاثة دراهم إمضاء لحكمه، فأخذ الغريب الدراهم الثلاث (٣) ودفع منها واحدًا إلى خصمه، وأضمر الملك له حقدًا وحاول عليه سبيلًا ليقتله فاستضافه (٤) على أجناس اللحمان، فلما جلس الغريب على المائدة وبدأ بالسمك
_________________
(١) في الأصل و"أ": (منصوقة).
(٢) في الأصل و"أ": (شهوى).
(٣) في "ب" "ي": (الثلاثة).
(٤) في الأصل و"أ": (فستضافه).
[ ٢ / ٧٧٩ ]
فارتفعت الأصوات بوجوب القتل عليه وأن له قبل القتل حاجة مقضية، فقال الغريب: حاجتي أيها الملك أن تنادي في البلدان: من شهد على غريب يأكل السمك كانت عقوبته كذا وكذا، فنودي بذلك. ثم عقد الملك مجلس القضاء واستحضر هذا الرجل ليقتله واستشهد الناس عليه فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله (١).
ومن خصالهم المذمومة الملاعبة والمراودة برمي البنادق والتضارط في الأندية وإبداء السوأة والتفل بالبزاق في الوجوه واللواطة، وسبب ذلك أنهم كانوا أبخل الناس على ثمارهم وكانت ثمارهم كثيرة وقحط ما حولهم من البلدان. فكانت الغرباء يأتون ديارهم ويصيبون من ثمارهم وذلك يشق عليهم فيستقبلونهم بالشتم والضرب والمحتاجون لا ينزجرون، فتصور إبليس لشقي منهم في صورة صبي وضيء مشتهى وتسور حائط بستانه ليأخذ شيئًا من ثمارهم (٢) فقصده ليضربه فعرض عليه إبليس (٣) نفسه ووسوس إليه حتى أوقعه، ثم دلّ الملعون أصحابه عليه واستفاض الفاحشة فيهم وتعودوا ذلك (٤).
﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾ ذلك يدلّ أنها لم تكن قبلهم و(قبل) يدل على مبالغتهم فيها ولا يدل على ابتداعهم إياها (٥) ولم يبين الله فيها أحدًا ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ﴾ للتفسير والتأكيد النفي (٦) ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ لتبيين الجنس وإنما لم يقل من الناس لتعظيم الأمر باللفظ الأعم.
_________________
(١) قريبًا منه عن ابن عساكر (٥٠/ ٣١٢، ٣١٣) من طريق إسحاق بن بشر وهو ضعيف لا يعتد به.
(٢) في "ب" "ي": (ثماره).
(٣) (إبليس) ليست في "ب".
(٤) قريبًا منه عن ابن عساكر (٥٠/ ٣١٣) من طريق إسحاق بن بشر.
(٥) في "ب": (ابتداعهم فيها).
(٦) "مِنْ" الأولى لتأكيد الاستغراق والثانية للتبعيض. [الدر المصون (٥/ ٣٧١)].
[ ٢ / ٧٨٠ ]
﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ يدل على تعليق الحكم بالجنس فإنه لا تفيد في هذا الموضع إباحة ولا رخصة ولا شبه والشهوة داعية النفس وأراد لما فيها من اللذة ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي من دون أن تأتوا النساء، أراد صرف الشهوة عن وجهها والاقتصار عليها ﴿بَلْ أَنْتُمْ﴾ استفهام (١) إنكم ما صرفتم شهوتكم إلى الرجال دون النساء على سبيل الإلجاء والاضطرار بل أنتم محرفون فيه باختياركم وقدرتكم وقيل: جواب كلامهم نحن نريد بذلك حفظ الأموال وحفظ العيال فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ في هذه الفعلة وفي سائر الخصال.
﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ لوطًا وابنته زعورا وربثا وقيل: زبّة وعروبة، وقيل: لوط وابنته والملائكة المرسلين، وقيل: كانوا ثلاثة عشر نفسًا مع لوط وابنته والرابع عشر امرأته ولذلك قالوا لإبراهيم لا تهلك قرية فيها أربعة عشر مؤمنًا يتطهرون يتجنبون عن القاذورات، وكان ذلك عيبًا عندهم كالختان عند الهنود (٢) والاستنجاء عند المشركين والاتزار في الحمام عند أصحاب داود الأصفهاني.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ وروي أن الملائكة لما نزلوا جاء على هيئة الضيفان فمضت امرأته إلى قومها تخبرهم بحاجتها إلى الطعام فتسارعوا إليه، وفزع لوط -﵇- فبشره جبريل بأنهم مرسلون لإهلاكهم، فقال مستعجلًا: وما يمنعكم إذا قالوا ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] وأخرج جبريل -﵇- ريشة من جناحيه فاختطف أبصارهم فرجعوا عميًا يقولون: جاءنا لوط بسحره، ولما حسن عليهم الليل مشى لوط -﵇- إلى رجل منهم كان يذب عنه ويحسن جواره فنذره بالهلاك ودعاه ليخرج معه فلم يلتفت إلى قوله وأصرّ
_________________
(١) الذي يظهر أن "بل" هنا للإضراب الانتقالي وهو الانتقال من قصة إلى قصة، وقيل: الإضراب عن شيء محذوف قدره أبو البقاء العكبري - ما عدلتم بل أنتم - وقال الكرماني: "بل" رد لجواب زعموا أن يكون لهم عذرًا والتقدير: لا عذر لكم بل [الإملاء (١/ ٢٧٩)].
(٢) في الأصل و"أ": (اليهود) وهو خطأ فإن اليهود يختنون.
[ ٢ / ٧٨١ ]
على كفره. وخرج (١) لوط وقت الصبح مع أهله وخرجت معه امرأته، فلما سمعت الهزة التفتت فمسخها الله حجرًا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ من الباقين في العذاب، وهاجر لوط إلى حضرة إبراهيم -﵇- (٢) فآواه وشاطره بماله ولم يزل معه إلى أن توفاه الله تعالى.
﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ أراد الرجم بالحجارة من سجيل، قيل: أن اقتلع جبريل تلك القريات، وقيل: بعد ما اقتلعها وقلبها وجعل عاليها سافلها وكأن تلك الحجارة كانت من تربة تلك الأرض نصحت في الهواء حرارة الشمس أو بما شاء الله، وكان جبريل -﵇- (٢) رفعهما فيما يروى إلى غاية سمعت ملائكة السماء نبح كلابهم وصياح ديكهم من غير أن ينصب (٣) لهم كوز (٤) أو تزلزل بهم مكان ثم قلبها من ثم وتبعتهم (٥) الحجارة إلى أن (٦) رسخوا في الأرض واستولت على تلك الناحية عيون فتنة من ماء أسود، وكل من كان منهم في سفر (٧) أصابه حجر (٨) فقتله ﴿فَانْظُرْ﴾ أي تفكر واعتبر (المجرم) الذي يأتي الجريمة وهي الجريرة والجناية.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ قيل: اسم شعيب بالعربية يثرون وبالعبرية شعيب، وهو ابن شمعون بن عيف ابن ثابت بن إبراهيم (٩) وأمّه من أولاد لوط، وقيل: هو ابن ميكيل وأم ميليك ابنة لوط، وقيل (١٠): إن مدين بن
_________________
(١) في "ب" "ي": (فخرج).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب": (أنصب).
(٤) في الأصل و"ب" "أ": (عوذًا) بالذال.
(٥) في الأصل "أ": (وتبعهم).
(٦) في الأصل "أ": (إذ).
(٧) في الأصل "أ": (بأسفر).
(٨) في الأصل "أ": (سخر).
(٩) في كل المصادر (مدين بن إبراهيم) بعد (ثابت) أو (ثابت) أو (نويب). ولم أجد اسم (شمعون) في نسب شعيب في المصادر.
(١٠) قاله الطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٠)، وفي تاريخه (١/ ٣٠٩).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
إبراهيم -﵇- (١) كان قد تزوج [وبنا بنت لوط وهو وذريته من ذرية لوط وعن محمد بن إسحاق أنه شعيب بن] (٢) يثرون والله أعلم أرسله الله إلى مدين وهم بنو مديان بن إبراهيم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: التقدير إلى أهل مدين فإن مدين اسم البلدة (٣) مشتق اسمها من اسم مديان كما سميت (٤) مصر مصرًا باسم مصر بن قيط بن كنعان بن حام، قيل: أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة سمى الله تعالى بلدهم أيكة لالتفاف شجرها وإحداق الغياض بها، يدل عليه دعوته القوم في الموضعين جميعًا إلى إيفاء الكيل والوزن. وقيل: أصحاب مدين غير أصحاب الأيكة لكن كانت إحدى البلدتين قريبة من الأخرى وكان قد تواطأ أهلها على بخس الكيل والوزن، ألا ترى وصف الله تعالى بأخوة أصحاب مدين لأنه كان من قبيلتهم ولم يصفه بأخوة أصحاب الأيكة لأنه لم يكن من قبيلتهم. وقال القتبي: إن شعيبًا لم يكن من ولد إبراهيم -﵇-، ولكنه من نسل رهط آمنوا بإبراهيم وهاجروا معه إلى الشام والله أعلم، وأجمعوا أنه كان عربيًا ولم يذكروا إلى من يرجع، وكان مكفوفًا وكان أفصح الناس في زمانه وأبينهم لما يريد، وكان النبي -﵇- يسمي شعيبًا -﵇- خطيب الأنبياء.
﴿جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ أي ما ثبت في العقول من دلائل التوحيد وحسن الاتصاف وقبح الخيانة أو ما وصَل إليهم من سبيل التواتر من أخبار عاد ونمرود والمؤتفكات أو ما أكرم الله به شعيبًا من الفصاحة المعجزة والأخبار من المشاهدات مع كونه أعمى، والعصا التي كانت
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ما بين [] ليست في الأصل و"أ".
(٣) قاله الفراء وأنشد: رهبانُ مدينَ والذين عهدتهم يبكون من حذرِ العذابِ قعودا لو يسمعون كما سمعتُ كلامها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسجودا ولا بد من حذف المضاف كما قال المؤلف، والتقدير: وإلى أهل مدين، ولذا أعاد الضمير في قوله "أخاهم" على الأهل.
(٤) (سميت) ليست في الأصل "أ".
[ ٢ / ٧٨٣ ]
لموسى -﵇- (١) وكان شعيب قد أعطاها إياه أو شيء لم يبلغنا خبره ﴿الْكَيْلَ﴾ تقدير الشيء بالظروف ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ ما يقدر به ثقلًا أشياءهم وأموالهم وحقوقهم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الخيانة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنصافكم الناس خير لكم بعد أن تؤمنوا، ويحتمل أنهم يدعون الإيمان ببعض الأنبياء كادعاء أهل الكتاب.
وكانوا يعترضون لمن قصد شعيبًا -﵇- ويخوفونه بالقتل والأذى إن آمن به فنهاهم عن ذلك وقال ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ الآية، وعن السدي أنهم كانوا يقطعون الطريق (٢) ﴿وَتَصُدُّونَ﴾ معطوف على ﴿تُوعِدُونَ﴾ ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالعدد، وتعليق الصبر بإيمان البعض دون البعض يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنكم إن اختلفتم في أمري فانتظروا حكم الله ولا يحملنكم ذلك على الاقتتال.
والثاني: أن المؤمنين لما استضعفوا ورأوا بسطة الكفار كادوا يرتدون على أدبارهم فقال (٣) إن كنتم آمنتم وكفر غيركم فاشطروا حكم الله في العاجلة.
والثالث: أن المؤمنين منهم شكوا إليه فعزّاهم وأمرهم بالصبر إلى أن يأتي الفرج من عند الله.
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ و﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]
و﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] و﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] كله على سبيل المجاز واعتبار التسمية واللفظ دون المعنى تعالى الله أن يجانس شيئًا (٤) من خلقه علوًا كبيرًا.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٧١٦).
(٣) في "ب": (وقال).
(٤) (شيئًا) ليست في "ب".
[ ٢ / ٧٨٤ ]
﴿لَتَعُودُنَّ﴾ يحتمل ثلاثة معان:
أحدها: أن شعيبًا وقومه كانوا على ملة واحدة من الإيمان والتوحيد، فلما أبدعوا بدعًا نبأ الله شعيبًا وأحدث له ما شاء من أمره، وأمره بدعوة قومه كما أمر عيسى بدعوة اليهود، فلذلك دعوا شعيبًا إلى العود.
والثاني: أن ملتهم كانت كفرًا ولم يكن شعيب في ملتهم قط ولكن أدخلوه في حكم سائر المخاطبين من قومه المؤمنين على سبيل المجاز.
والثالث: أنهم ادعوا الكفر عليه وموافقته إياهم من قبل ظنًا منهم أو وقاحة وبهتانًا كما قالت قريش صبأ محمد أي: كان على ديننا. فقال شعيب -﵇-: أتكلفوننا العود ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ينبئهم على أن العودة لا تصح مع الإكراه.
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ يحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: أن الإيمان والتوحيد كان ملتهم ولكن الله تعالى نسخ الأمر بالتخفيف فقال شعيب: لو عدت إلى الأمر بعد ما عما الله لكنت مفتريًا على الله.
والثاني: أجاب عن قومه المؤمنين وأدخل نفسه فيهم على المجاز.
والثالث: عني نجاة قبل الابتلاء كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] وذلك قبل أن تمسهم النار ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: حالة نسخ الشرائع أو حالة التقية في الأصل ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بحكمك الحق حذف الاسم وأقيم الصلة مقامه.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ لمؤمنيهم قيل: أهلك الله أصحاب مدين بالرجفة وأصحاب الأيكة بالظلمة، وقيل: البلدة واحدة، جمع الله عليهم بين حرارة الظلمة وبين الرجفة كما جمع على ثمود بين الرجفة والصيحة.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ وخبره ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ (١) ويحتمل أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل عن الضمير في (أصبحوا)، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي لم ينزلوا أو لم يقيموا أو لم يعيشوا أو لم يكونوا فيها (٢).
﴿فَتَوَلَّى﴾ أعرض عن دعوتهم عند معاينتهم البأس أو عند هلاكهم، وخاطبهم بهذا الخطاب فأسمعهم تعالى ذلك كما أسمع ثمود كلام صالح بعد هلاكهم، وأصحاب القليب كلام نبينا -﵇- (٣)، وهذا دليل على جواز عذاب القبر ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن (٤) على سبيل النفي والإنكار.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ لما ذكر الله تعالى بعض الأنبياء على التفصيل ذكرهم على سبيل الإجمال ليعمّهم بالإخبار عنهم وليزيد وعظًا وعبرة، والآية مختصة بالذين كذبوا الأنبياء والحال تدل عليه ﴿لَعَلَّهُمْ [يَضَّرَّعُونَ﴾ أي جعلنا البأساء والضراء من دواعي التضرع والإذعان في الظاهر المعقول دون المعلوم] (٥) والمقدور.
_________________
(١) قاله الزمخشري وقال: في هذا الابتداء معنى الاختصاص - يعني الحصر - وقيل أن الخبر هو نفس الموصول الثاني وخبره فإن الموصول الثاني مبتدأ والجملة من قوله ﴿كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] في محل رفع خبر له وهو وخبره خبر الأول وتكون ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] إما اعتراض وإما حال من فاعل "كذبوا". [الكشاف (٢/ ٩٧)].
(٢) ورد عن ابن عباس - ﵄ - وقتادة في قوله ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]: كأن لم يعيشوا فيها. أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٢٦)، وابن أبي حاتم (٢٠٥٣).
(٣) أصحاب القليب هم صناديد كفار قريش عندما أمر النبي - ﷺ - يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا منهم فقذفوا في قليب بدر، وعندما أراد النبي ﵊ أن يغادر المكان وقف على شفة البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم:، يا فلان بن فلان وبا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدَ ربكم حقًا؟! فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: يا رسول الله، ما تكلم من أجسادٍ لا أرواح لها؟! فقال رسول الله - ﵁ -: "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" والحديث أخرجه البخاري في صحيحه [(٧/ ٣٠٠)، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل - الفتح].
(٤) قاله ابن عباس - ﵄ - أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٢٧).
(٥) ما بين [] من "ب" "ي".
[ ٢ / ٧٨٦ ]
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ (١)﴾ فائدة التبديل شيئان؛ أحدهما: فتنة الامتحان بالحالتين لئلا يبقى لهم عذر.
والثاني: فتنة اللبس والخذلان ليظن الجاهل المخذول أن صُروف الدهر وتقلب الأيام عادة ولا يتضمن معنى الدعوة والإنذار ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي إلى أن كثروا (٢) ونموا.
﴿بَرَكَاتٍ﴾ أبواب البركات، والبركة النماء والسعة وكثرة الخير، وأبوابها مصادرها التي تتولد منها كالأمطار النافعة والرياح لوقتها.
﴿أَفَأَمِنَ﴾ الفاء لتعقيب أمنهم الإنذار والاستفهام على سبيل اللوم والتقريع.
﴿أَوَأَمِنَ﴾ قيل على الاستفهام وقيل على التخيير، من أمن مكر الله كان معتقدًا لعجز في صفاته تعالى ودخول فعله تحت الحظر والإباحة أو نفي سبيله على عباده من حيث ذنبهم وتقصيرهم، وكل هذه الثلاثة كفر ولذلك توجه الإنكار على من أمن مكر الله تعالى.
الذين ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ هم الموجودون وقت الإنكار والإنذار ﴿وَنَطْبَعُ﴾ كلام مستأنف، وقيل: معطوف على قوله ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ كقوله ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] فنذر الذين لا يسمعون الشيء النافع إن شاء الله وإنما قال ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ ولم يقل لا يفقهون للمبالغة في النفي، فإن الإنسان ربما يسمع ولا يفقه وإما أن يفقه ولا يسمعه، ويحتمل أن المراد به نفي الاستماع.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ في الحالة الثاثية بما عدّوه كذبًا في الحالة الأولى لترجح اختيارهم الفعل الكفر على الإسلام في قلوبهم وآرائهم بخذلان الله تعالى ﴿بِمَا كَذَّبُوا﴾ بالسبب وليست بالتي يتعدى الإيمان بها
_________________
(١) (الحسنة) زيادة من "ب".
(٢) وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وإبراهيم والسدي والضحاك، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٣٠) وكذلك كل شيء كثر فإنه يقال فيه: قد عفا، ومنه قول الشاعر: ولكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منها بأَسْوُقِ عافياتِ الشَّحْمِ كومِ
[ ٢ / ٧٨٧ ]
فتقديره إذًا: فما كانوا ليصيروا مؤمنين بسبب تكذيبهم له (١) وأمره (٢)، والآية مختصة بالمصرّين على الكفر دون الذين تداركهم الله برحمته.
﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ من محافظة عهد، وقال ابن مسعود: من إيمان.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ لما شدّد فرعون علي بني إسرائيل الأمر وكاد يفنيهم لذبحه المواليد أبى الله أن ينشأ موسى إلا (٣) في حجره فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وكان فرعون قد تبنّاه فلما شب موسى -﵇- حمله حُب إقامة القسط وإدحاض الجور وموالاة العشيرة على أن وكز القبطي فقضى عليه.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] لمداومته على الجدال وملازمته الخصومة، فلما أن ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ [القصص: ١٩] قال الغوي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وشنّع عليه لجهله وحمقه، واستفاض الخبر في المدينة فجاء خربيل النجار وكان من قوم فرعون إلا أنه قدرت له السعادة ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] فخرج منها خائفًا يترقب، ولما توجه تلقاء مدين ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فأكرمه الله بصحبة شعيب -﵇- وبمصاهرته، وكان شعيب قد عمر بمدين مع المؤمنين من قومه إلى ذلك الزمان بعد هلاك الكافرين من قومه، وكانت هذه القصة (٤) قبل هلاك الكافرين والله أعلم. ثم رجع من عند شعيب بعد عشر سنين وقيل بعد ثنتي عشرة سنة مع أهله واتفقت له في الطريق أسباب النبوة بإذن الله تعالى ونودي من الشجرة ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا
_________________
(١) وهكذا قدره الأخفش حكاه عنه أبو جعفر النحاس في إعرابه (٢/ ٦٢٧).
(٢) في "ب": (تكذيبهم أمره)، وفي "ي": (تكذيبهم له أوامره).
(٣) (إلا) ليست في "ب".
(٤) (وكانت هذه القصة) ليست في "أ".
[ ٢ / ٧٨٨ ]
﴿يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه:١٤ - ١٦] وشاهد من عصاه ويمينه ما شاهد وأرسله إلى فرعون وغفرت له خطيئته في قتل القبطي الكافر قبل إباحته، وألهم وأمر أن يستشفع في الرسالة فاستشفع وأجيب إلى ذلك وشفع بهارون -﵇- (١) وهارون بمصر، فرد موسى أهله إلى شعيب وتجرّد للرسالة متوكلًا على الله مطمئنًا على وعده ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] فلما انتهى إلى مصر وجد أباه قد توفي ووجد أمه في الأحياء وكذلك أخاه وأخته، فنزل كهيئة الضيف فقدموا إليه طبيخًا من خلّ وعدس بلحم ثم تفرس فيه هارون على المائدة فعرفه وتباشروا به، وبشر موسى أخاه بالرسالة فقال: سمعًا وطاعة، وأصبحا على باب فرعون من ساعتهما فأذن لهما بالدخول، وقيل: بقيا على بابه سنتين حتى انتهى أمرهما إليه واستحضرهما وكان من قصتهما معه ما سنذكره.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ اليد والعصا وانحلال اللسان وغير ذلك، وكانت العقدة وقعت في لسانه من جهة وإنما أخذ بلحية فرعون وهو رضيع فهمّ فرعون بقتله متخوفًا أنه عدوه الذي سيهلكه، فتشفعت امرأته وقالت: طفل لا يميز فامتحنه فرعون بطبقين طبق من ياقوت وطبق من جمرة (٢) فكاد موسى يلتقط ياقوتة لما جبله الله عليه من حسن الاختيار، ولو فعل ذلك لعلم فرعون علمه، فلبس الله الأمر على فرعون فقرب يد موسى إلى جمرة والتقطها ووضعها في فيه على عادة الصبيان فانزوى طرف لسانه إلى أن أحلَّه الله إكرامًا له وآية على صدق دعواه ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي كفروا وكذبوا وذهبوا بها غير المذهب فقالوا: هي سحر.
﴿حَقِيقٌ﴾ واجب، وقيل: جريء ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي خلّ سبيلهم وأمسك عن قتلهم واستعبادهم.
﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ إنما قال هذا إنكارًا للدعوة ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ولم يرد بهذا السؤال استرشادًا واستبانة.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (جمر).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الحيّة اسم جنس ما ينساب على بطنه، والله شبّه الحية المنقلبة من عصا موسى بالثعبان في عظم خبثها والجان في سرعة انسيابها، وقيل: إن عصاه انقلبت مرة ليلة البعث عند الشجرة ومرة عند فرعون في داره ومرة يوم الزينة بين يديه في عرصَاته على أعين الناس في مقابلة السحرة، فاختلفت الأوصاف لاختلاف الأحوال.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ كان لون موسى إلى السمرة ما هو وكان عليه مدرعة صوف فضربه فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها إليهم بيضاء دريّة يغلب ضوؤها ضوء الشمس ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي فحيث مضى لأجل الناظرين.
﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ أشراف قومه وخاصته الذين كانوا سفراء بينه وبين العامة سمعوا هذه المقامة ثم خرجوا من عنده وقالوا للعامة تبليغًا عن فرعون، فالله تعالى ذكر مقالتهم ههنا ومقالته لهم في سورة "الشعراء".
قال الملأ للعامة تبليغًا عن فرعون ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾ استأمرهم لاستمالتهم ولاجتماع الكلمة لئلا ينكر عليه بعضهم فعله فيقع بينهم التجادل بالتجادل ويتمكن بنو إسرائيل من قهرهم وإعجازهم.
﴿أَرْجِهْ﴾ الإرجاء التأخير والإمهال، وإنما أشاروا عليه بذلك إما للتثبت والاستبانة وإما للهُدنة وخوف المعاجلة وإما لصرف الله إياهم عن هذا الجواب الجاد كي يتم مقدوره في السحرة وفيهم.
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ قيل: إن فرعون كان عنده رجلان مجوسيان ساحران من أهل نينوى، وكان قد دفع (١) إليهما رجالًا من قومه يعلمانهم السحر فمهر في ذلك منهم سبعون رجلًا وبلغوا النهاية، وكان فرعون قد شحت بهم مدائنه (٢) حوالي مصر ورتبهم فيها وأجرى عليهم الجرايات
_________________
(١) في الأصل "أ": (وقع).
(٢) في "ب": (مدينة).
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وليزينوا أمره إلى العامة بالتمويهات، فحضروا عنده لما استحضرهم واستشرطوه لئن غلبوه ليعطيهم الأموال وإنما استشرطوه بمشهد الناس لما علموا من خبثه أنه لا يعرف لهم حقوقهم من غير ضمان، وعن عكرمة أنهم كانوا ثلاثة وسبعين، وعن ابن إسحاق أنهم كانوا خمسة عشر ألف رجل، قال نعم وأجابهم إلى سؤالهم ووعد لهم التقريب (١) ورفعه الإقرار لشدة الاضطرار وخوف الفضيحة.
﴿إِمَّا﴾ للشك والتخيير ولم يعقب كلامًا مستقلًا بنفسه بخلاف "أو"، واعلم أن ﴿إِمَّا﴾ ربما وُصلت بالفعلين بـ "أن" كهاهنا وقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] وربما وصلت بالفعلين بغير "أن" كقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فإن وصلت بـ "أن" حل الفعلان محل المصدر وكان فيهما معنى الأمر على سبيل التخيير، وإن وصلت بغير أن كانا خبرين (٢) والواجب من الخبرين أحدهما لا بعينهِ وفائدة الآخر الإيهام واللبس، والتقدير ههنا: إما إلقاء منك وإما تسليم لنا لنُلقي، وإنما خيروا موسى لجرأتهم ولاستواء (٣) الأمرين عندهم ولقصدهم قطع عذر موسى -﵇- من كل وجه.
﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ سلم لهم الابتداء ليتمكنوا من سحرهم على طمأنينة وجراءة عقل فيكون إبطاله بعد إتمامه أدل على الحق وأوقع في القلوب، ولو ابتدأ موسى لما تمكنوا من سحرهم دهشًا وحيرة ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرهبوهم واستدعوا رهبتهم، وإنما وصف سحرهم بالعظم لأنهم حرّكوا الحِبال والعصيّ في الرمضاء بالحيل، شبهوا الجماد بالحيوان لفعل أنفسهم في مقابلة الإعجاز من غير استعانةٍ بالأرواح الخبيثة من الشياطين مستبدين فكان يصغر بجنبه كل سحر.
_________________
(١) في "ب" "ي": (التقريب).
(٢) انظر تفصيل ذلك في: تفسير الطبري (١٠/ ٣٥٥)، ومعاني القرآن للفراء (١/ ٣٨٩)، والدر المصون (٥/ ٤١٥).
(٣) في "أ ": (ولاستهزاء).
[ ٢ / ٧٩١ ]
﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: فألقاها فإذا هي تلقف، وإنما قيل على لفظ الاستقبال لأنها تلقفت شيئًا بعد شيء (١)، قال الكلبي: عظمت عصا موسى حتى كادت تسد الأفق وفتحت فاها سبعين ذراعًا وأقبلت على فرعون فطوقت رقبته بذنبها ثم فتحت فاها لتبتلعه فاستعاذ فرعون بموسى فصاح موسى وأخذها فإذا هي عصا كما كانت، وعن السدي أنّ (٢) فرعون هرب منها وأحدث، وقيل: ابتلعت الصخور العظام وكانت نار تخرج من فيها (٣).
﴿فَوَقَعَ﴾ أي وجب ولزم وثبت مشاهدة وعيانًا.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ أي ألجئوا من غير اختيارهم (٤) وذلك لعلمهم أن ما أتى به موسى -﵇- شيء إلهي ليس من حيلة الجن والإنس بانفراد ولا مشاركة، فإن تقليب الأعيان والإيجاد والإفناء من فعل الله تعالى وإنما علموا ذلك لتناهيهم في علمهم، ولو كان مبتدئًا لتوهموا أنه أسحر منهم ولهذا يحمد التناهي في كل علم ولو كان باطلًا، ومن سنة الله تعالى أن يجعل آيات أنبيائه أشياء تلتبس بالغالب من دعاوي أهل العصر لتكون الحجة اللازمة، فبعث موسى -﵇- في عصر التمويهات وعيسى -﵇- في زمن الطبّ، ومحمد - ﷺ - (٥) في عصر الفصاحة والكهانة.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ يحتمل إلجاء كالسجود ويحتمل اختيارًا.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ لما رجعت العصا كهيئتها رجع إلى فرعون
_________________
(١) في "ب": (موسى).
(٢) (أن) من "ب".
(٣) وكل هذه الروايات هي إسرائيليات وفيها مبالغات غير مقبولة ولا شك أن ما كان بأمر الله فإنه ممكن وأعظم من ذلك لكن ظاهر الآية أنها ابتلعت ما يأفكون به من سحرهم وهي الحبال والعصي فلم تبق منه شيئًا، وهذا تفسير ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم وهو ما تدل عليه الآية.
(٤) في الأصل (أجسادهم).
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
قدرته (١) وعاد إلى عادته الخبيثة من الكفر والطغيان وأنكر على السحرة إيمانهم بغير إذنه، يري العالم أنهم (٢) حيث لم ينظروا إذنه (٣) ويريهم أنهم كانوا قد واطؤوا موسى -﵇- في السرّ من قبل وأن دعوتهم واحدة، وهدّد السحرة بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم أتبعه التصريح بالوعيد، فقال: لأقطعن أيديكم لعلهم يخافونه، وإنما اجترأ على السحرة لما شاهد من عجزهم، أو لأنه علم أنهم لا يسحرونه بعد إيمانهم، أو لأنه كان يعلم من قبل أنهم مموّهون.
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ في مجادلتهم فرعون دلالة على أن قدرتهم رجعت إليهم فآمنوا اختيارًا بعد ما سجدوا اضطرارًا، وإنما علموا أنهم صائرون إلى الله تعالى لما ألقى الله في قلوبهم من الإلهام.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ﴾ الأشراف ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لما شاهدوا الآيات ورأوا إيمان السحرة وسمعوا مقالة خربيل النجار خافوا الانتشار من رعاياهم فأنكروا على فرعون تركه موسى وقومه مطلقين سالمين فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي ويخلعك نصب عطفًا على التفسير وفي مصحف أُبي ﴿وقد تركوك وآلهتك﴾ (٤) أصنامك التي نصبتها ليتقرب الأقاصي بها إليها يدل عليه قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقرأ ابن عباس ﴿وإلاهتك﴾ (٥) يعني عبادتك، فقال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ سنستمر فيهم على عادتنا قتل البنين وترك البنات، ولم يتجاسر على أكثر (٦) من ذلك لما يتخوف من تحريك الساكن في تغيير العادة ﴿قَاهِرُونَ﴾ متسلطون عليهم.
_________________
(١) في الأصل و"أ": (نذرته).
(٢) في الأصل و"أ": (بياض).
(٣) في الأصل و"أ": (إذن).
(٤) ذكره الفراء في معاني القرآن (١/ ٣٩١)، والكرماني في شواذ القراءات ص ١٩٢، وذكر أنها قراءة ابن مسعود أيضًا.
(٥) أبو عبيد (١٧٢)، وابن جرير (١/ ١٢٢) (١٠/ ٣٦٨، ٣٦٩)، وابن أبي حاتم (٨٨١٩، ٨٨٢٠)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٠٢) للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في "المصاحف" وأبو الشيخ.
(٦) في الأصل "أ": (أكفر).
[ ٢ / ٧٩٣ ]
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ على الائتمار بأوامره واصبروا على أذى فرعون وقومه ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا﴾ تنبيه منه إياهم على التسليم والرضا بالقدر ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ عاقبة الخير دون الشر ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بشارة وحث على التقوى.
﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾ عن وهب أن فرعون صنّف بني إسرائيل أصنافًا، فأما ذوو (١) القوة منهم فيحملون إليه السواري من الجبال وهم يتولون قلعها ونحتها ونقلها، وأما من دونهم في القوة فينقلون إليه الحجارة والتراب للبناء، وأما الضعفة منهم فيضربون اللبن ويطبخون الآجر، ومن لم يستطع من ذلك شيئًا كانت على رأسه ضريبة يؤديها كل يوم قبل أن تغرب الشمس فإن غربت قبل أن يؤديها غلّت (٢) يداه إلى عنقه شهرًا، فضجروا لذلك وضاقوا به ذرعًا وشكوا إلى موسى فصرح لهم البشارة بإذن الله تعالى (٣) ليطمئنوا إليها ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، وقيل: الأرض المقدسة لأن بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ما هربوا من فرعون وليس بسديد.
﴿بِالسِّنِينَ﴾ القحوط، قال -﵇-: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (٤).
﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى﴾ التطير التشاؤم بالمقدر الموهوم من الشيء (٥)
_________________
(١) في الأصل و"ب": (ذو) بواو واحدة.
(٢) في الأصل: (شلت).
(٣) (تعالى) ليست في "ي" "ب".
(٤) البخاري (١٠٠٦)، ومسلم (٦٧٥) وغيرهما.
(٥) الطيرة من الشرك المنافي للتوحيد لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، أي أن بني إسرائيل إذا أصابتهم السيئة من النبلاء أو القحط تطيروا بموسى ومن معه وقالوا: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم، ولذا رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] فما أصابهم هو بسبب كفرهم وتكذيبهم، وقد أخبر -﵇- أن الطيرة من الشرك فروى ابن مسعود مرفوعًا: الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. انظر تفصيل ذلك في: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، ص ٣٤٨.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
﴿طَائِرُهُمْ﴾ حظهم المقدر من خير أو شر، وكأنه سمي الطائر لسرعة وجوده ومجيئه كما يقال: طارت الكلمة والصبح المستطير.
﴿مَهْمَا﴾ حرف شرط ولا بد من أن يكون كله أو بعضه اسمًا موصولًا، وهي حرف على صيغة تلك، وقيل: أصلها ماما (١) الأولى للشرط والثانية للتأكيد دخلت على الأولى، وقيل: حرفان، مه للزجر وما للشرط (٢).
﴿الطُّوفَانَ﴾ جمع واحدتها طوفانة كالرمان والحصبان، وقيل: مصدر كالرجحان والخسران، وقال ابن عباس: الطوفان أمر من الله تعالى طاف بهم ثم قرأ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) [القلم: ١٩]، وقال عطاء ومجاهد: أنه الموت الذريع (٤)، وقال وهب: هو الطاعون بلغة اليمن (٥)، وعن
_________________
(١) في "ب": (أصله)، وفي "ي": (ما) واحدة.
(٢) أولًا: من حيث الإعراب، فجمهور النحاة على أنها اسم شرط يجزم فعلين كـ"إنْ" إلا أنها اسم لا حرف بدليل عود الضمير عليها ولا يعود الضمير على حرف كقوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ﴾ [الأعراف: ١٣٢]. ثانيًا: من حيث التركيب، اختلف النحويون هل هي بسيطة أو مركبة؟ فقيل: هي مركبة من ماما فكررت "ما" الشرطية توكيدًا فاستثقل توالي لفظين فأبدلت ألف "ما" الأولى هاء، وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي وأتباعه من أهل البصرة: زيدت "ما" على "ما" الشرطية كما تزاد على "إِنْ" في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] فعُمِل العمل المذكور للثقل الحاصل. والاحتمال الذي ذكره المؤلف وهو أنها مركبة من مَهْ التي هي اسم فعل بمعنى الزجر و"ما" الشرطية هو قول الكسائي، وقيل: هي مركبة من مَهْ بمعنى اكفف ومَنْ الشرطية بدليل قول الشاعر: أماويَّ مَهْ مَنْ يستمعْ في صديقه أقاويل هذا الناس ماويَّ يَنْدَمِ فأبدلت نون "مَنْ" ألفًا. وذكر مكي هي مركبة مِنْ مَنْ وما، فأبدلت نون مَنْ هاءً وذلك لمؤاخاة "مَنْ" "ما" في أشياء. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٠٨)، شرح الجمل لابن عصفور (٢/ ١٩٥)، الدر المصون (٥/ ٤٣١)، الكتاب (١/ ٤٣٣)، المشكل (١/ ٣٢٧)].
(٣) ابن جرير (١٠/ ٣٨١)، وابن أبي حاتم (٨٨٥٨).
(٤) أما عن عطاء فرواه ابن جرير (١٠/ ٣٨٠). وأما عن مجاهد فعند ابن جرير أيضًا (١٠/ ٣٧٩) وروي مرفوعًا عن عائشة بسند ضعيف، وقيل: بل موضوع. انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٤٥٨).
(٥) ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٧٩٥ ]
أبي قلابة: الجدري (١)، وعن الكلبي (٢): المطر الدائم من السماء من سبت إلى سبت لم يروا فيه شمسًا ولا قمرًا ولم يقدر أحد أن يخرج إلى ضيعته فكادت مصر تكون بحرًا واحدًا فاستغاثوا إلى موسى -﵇- ووعدوا له تسريح بني إسرائيل، فدعا الله ليصرف ذلك عنهم فصرف وأنبت الأرض في أثره من الزروع والثمار والعنب ما لم يروه قط، فقالوا: كان المطر خيرًا لنا ولم نشعر به، فرجعوا إلى تعذيب بني إسرائيل، فابتلاهم الله بالجراد وهو الذي ركبتاه من فوق الظهر يحل أكله من غير ذبح، فصار عليهم كالسحاب فأكل عامة زروعهم وثمارهم فاستغاثوا إلى موسى -﵇- ووعدوا له تخلية بني إسرائيل فصرف الله الجراد عنهم بالريح فرجعوا إلى إيذاء بني إسرائيل وقهرهم، فأرسل عليهم (القمل) قال الكلبي وإحدى الروايتين عن ابن عباس: الدَّبى (٣)، وهي صغار الجراد لا أجنحة لها، فغشيت وجه الأرض وأكلت ما أفضلت الجراد فلم تترك في مصر عُودة خضرة ولا حبّة فاستغاثوا إلى موسى -﵇- (٤) فأهلكها الله بالحرّ (٥)، وعن ابن عباس وابن جبير: القمل دويبة (٦) تأكل الحنطة والحبوب (٧) تخرج منها، قال الأمهر (٨): كأنها السوس (٩)، وعن عطاء أنها دابة لها سن تأكل شعور النساء (١٠)، وقيل:
_________________
(١) لم نجده.
(٢) ورد ذلك عن ابن عباس وغيره، أخرجه ابن أبي حاتم (٨٨٥٧)، وأخرجه أبو الشيخ كما قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٠٨).
(٣) ابن جرير (١٠/ ٨٣)، وابن أبي حاتم (٨٨٦٩، ٨٨٧٠).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب" "ي": (بالجر) بالجيم.
(٦) (دويبة) ليست في الأصل، وفي "أ": (دويبة لا).
(٧) أما عن ابن عباس فأخرجه الطبري (١٠/ ٨٣) بلفظ: القُمَّل الدَّبَى، وأما عن سعيد فرواه ابن جرير (١٠/ ٣٨٣).
(٨) في "ب": (الأمير).
(٩) عزاه البغوي لسعيد بن المسيب (١/ ٣٦٩)، وعزاه ابن الجوزي (٣/ ٢٤٩) لابن عباس.
(١٠) زاد المسير (٣/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
هي الحكة، وقال الأحمر: واحدة القمل قملة (١)، وقال الفراء: لا واحد لها.
ثم عادوا إلى عادتهم الخبيثة فابتلاهم الله بالضفادع خرجت إليهم من البحر وزاحمتهم في مجالسهم ومضاجعهم، كان الرجل يستيقظ فيجد على سريره ذراعًا من الضفادع بعضها فوق بعض، و(الضفدع) الذي صوته النقيق، فشكوا إلى موسى فأمات الله الضفادع وقال لموسى -﵇- (٢): خلينا بني إسرائيل فاذهب بهم حيث شئت مجردين ولا تذهب بأموالهم ومواثيقهم، قال موسى -﵇-: أمرني الله أن أخرج بهم وبأموالهم ولا أخلف لهم بقرة ولا حمارًا (٣) ولا فضة ولا ذهبًا، قالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فابتلاهم الله بإحالة مياههم دمًا فكانت عيونهم وأنهارهم دمًا وأنهار بني إسرائيل صافية عذبة، فاستقوا من أنهار بني إسرائيل فصار الماء في أوانيهم دمًا، فركب فرعون إلى أنهارهم وأمر أناسًا من قومه ليخوضوا في أنهار بني إسرائيل ويكرعوا في الماء فإذا الماء تنقلب في أفواههم دمًا، فكلف أناسًا من بني إسرائيل ليسقوا أناسًا من قومه بأفواههم، فكان الماء إذا خرج من فم الإسرائيلي إلى فم القبطي صار دمًا.
ومات الأبكار من كل شيء فعجز فرعون وحلف بأيمانه لموسى (٤): ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فدعا موسى فصرف الله ذلك عنهم فلم يزد فرعون إلا تمردًا وعنادًا، وكانت المهلة بين كل عذابين شهرين شهرين، وقيل: شهرًا واحدًا وقيل أسبوعًا، ﴿عَهِدَ﴾ العهد الشريطة.
﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ﴾ أي على سبيل التمثيل والإرجاء على سبيل العفو، و(النكث) هو نقص العهد.
_________________
(١) القُمَّل هو غير القَمْل الذي يكون في شعر الرأس بسبب تعفن الجلد لوسخه ودسومته، بل هو نوع من الحمنان وهي من الحشرات التي تمتص دم الإنسان. [التحرير والتنوير (٩/ ٦٩)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب": (حارًا).
(٤) (لموسى) ليست في الأصل و"أ".
[ ٢ / ٧٩٧ ]
﴿الْيَمِّ﴾ البحر، وقيل: اسم البحر إساف (١) خاصة، ولما تم معلوم الله تعالى من فرعون وقومه في مجادلة موسى -﵇- أوحى إلى موسى ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣] وكان الميعاد ساحل البحر، وتأهب موسى للخروج وكان لا يتفق له ذلك، فشاور قومه فذكروا وصية من جهة يوسف -﵇- وهو أن يخرجوا بتابوته إذا خرجوا، فطلبوا من يدلهم فلم يجدوا إلا عجوزًا قبطية دلتهم عليه على شريطة أن يخرج بها موسى -﵇- مع نفسه ويدخل الجنة معها، فضمن موسى -﵇- لها ذلك فدلتهم على صخرة مضمرة في قعر الوادي فاستخرجوه. ثم استعاروا من حليّ قوم فرعون يستدرجونهم بها وخرجوا ليلة الأحد التاسع من المحرم وكانت علامتهم لطخ الأبواب بدماء الذبائح، من انتهى إلى باب أخيه ورأى تلك العلامة تيقن بخروجه ولم ينتظره، فلما اجتمعوا بالبرية اعترضهم موسى -﵇- فكانوا ستمائة ألف وعشرين ألف فارس مقاتل سوى الرجالة والنساء والمشائخ والصبيان، وجعل موسى هارون -﵇- (٢) على مقدمتهم وأمره بأن يقودهم إلى البحر فإنه ميعاد جبريل -﵇- (٢) وكان هو في ساقتهم يسوق سبطًا سبطًا.
وانتبه قوم فرعون وقت السحر فلم يحسّوا بأصوات بني إسرائيل فقصدوهم فوجدوهم قد خرجوا فأخبروا فرعون بذلك، فأراد فرعون أن يتغافل عنهم قالوا: كيف وقد استعاروا أموالنا وحلينا وذهبوا بها؟! فحملهم ذلك على أن خرجوا في أثر بني إسرائيل غداة يوم الأحد، وقيل: غداة يوم الاثنين والزمان زمان الصيف، وكان هامان على مقدمتهم في ألف ألف فارس فلحقوهم وقت الهاجرة ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٣] قيل: وكان موسى مأمورًا بأن يخاطب البحر ويكنّيه بأبي خالد، قالوا: وكان جبريل على روكه تلقاه فرعون على
_________________
(١) المراد به بحر القُلزُم، المسمى في التوراة "بحر سوف" وهو البحر الأحمر [التحرير والتنوير (٩/ ٧٥)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٧٩٨ ]
حصان فتقدم جبريل بين يدي فرعون والروكة كأنها تستودق (١) فَصَال عليها الحصان ولم يستطع فرعون أن يمسكه حتى اقتحم البحر ولم يلتطم (٢) فظن العسكر أن البحر إنما انفلق بأمر فرعون فاتبعوه كلهم، فلما خرجت بنو إسرائيل ودخل فرعون مع قومه كلهم في البحر أتم الله مقدوره فيه.
﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ أرض فرعون ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (٣) أي بالخصب، وقيل الأرض المقدسة، وقيل: كلتاهما (٤) و(الكلمة الحسنى) العِدَة الجميلة (٥) وإنما قال ﴿عَلَى﴾ لأنها نعمة. ﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أهلكنا، وفائدة إهلاك قصورهم وعروشهم هو آثارهم ليعتبر به غيرهم لقوله ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا (٦)﴾ [النمل: ٥٢] أو لأنها كانت لا تصلح للمسلمين فهدموها ونقضوها وبنوا أبنية إسلامية، وكان نبينا -﵇- (٧) يأمر بهدم الأطام (٨) بالمدينة (٩).
_________________
(١) الروكة: قال ابن الأعرابيِ هو صوت الصدى. وقوله: (تستودق) من الودق وهو المطر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]. [عمدة القاري (١٩/ ١٠٥)، تاج العروس (٢٧/ ١٨٠)].
(٢) في الأصل و"أ": (يلتضم).
(٣) (باركنا فيها) ليست في "ب".
(٤) في الأصل و"أ": (كفاهما).
(٥) الكلمة الحسنى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٣٧] هي التي بيَّنها وفصَّلها الله في سورة "القصص"، الآيتان: ٥ - ٦، في قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٥، ٦]. وهذا اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٠٦)، وابن كثير (٢/ ٣٠٦)، والشنقيطي في تفسيره أضواء البيان (٢/ ٣٣١)، ولذا صح عن مجاهد أن الكلمة الحسنى: "هي ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض ما ورثهم منها" أخرجه الطبري (١٠/ ٤٠٦).
(٦) (بما ظلموا) ليست في "ب".
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) في الأصل (الإلهام)، وفي "أ": (الإلحام).
(٩) لم نجد لهذا الحديث أصلًا فيما بين أيدينا من المصادر بل كانت الآطام موجودة حتى بعد وفاة النبي -﵇- لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - حيث قال: "حين توفي النبي - ﷺ - حزنوا عليه حتى كاد بعضهم يوسوس وكنت منهم، فبينا أنا جالس في ظل أطم من الآطام مر علي عمر - ﵁ - ". وذكر الحديث بطوله أخرجه أحمد =
[ ٢ / ٧٩٩ ]
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ﴾ أي وقفوا واطلعوا وانتهوا إليهم وهم قوم من العمالقة من عشيرة فرعون وقيل: من قبط وهم قوم فرعون ورعيته، وقيل: هم قوم من بني لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ بن شحب بن يعرب بن قحطان كانوا نزولًا على ساحل البحر يعبدون الأصنام، فلما عاينت بنو إسرائيل وكانوا قد عاينوا قوم فرعون نصب آلهة يتقربون بها إلى فرعون توهموا جوازه في أهل التوحيد تقربًا إلى الله ولم يعلموا أنه شرك، فحملتهم محاكاة على أن قالوا لموسى -﵇- ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وهذه القصة قبل إيراث الأرض.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ مهلك (١)، والتبار الهلاك ﴿مَا كَانُوا﴾ أي ما هم يعملون.
وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ﴾ إنكار منه عليهم وتذكيرهم نعم الله.
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ قيل أن موسى -﵇- كان وعد قومه أن يرجع إليهم بعد ثلاثين ولم يعلم أن الله تعالى يزيده في الميقات عشرة، فلما لم يرجع إليهم على رأس ثلاثين، قيل: أنه كان أخبرهم بأنه قد زيد في ميقاته الثلاثين عشرة لكنهم عدوا عشرين يومًا وعشرين ليلة أربعين.
وفائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نفي إيهام أن يكون التتمة بالعشرة، ومن جملة الثلاثين، وكان بين الميقات وبين غرق فرعون عشرة أشهر لأنه غرق (٢) يوم عاشوراء وكان الميقات شهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة و(الميقات) مفعال من الوقت.
قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال بعض أهل الزيغ: سأل عن
_________________
(١) = في مسنده (١/ ٦)، وآطام المدينة هي أبنيتها المرتفعة كالحصون، وتجمع أيضًا على أطوم والواحدة أطمة مثل أكَمَة، وفي حديث بلال أنه كان يؤذن على أُطْمٍ من آطام المدينة. [النهاية لابن الأثير (١/ ٥٤)، لسان العرب (١/ ١٦٠) أطم].
(٢) وهذا قول السدي أخرجه عنه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤١٢)، وعن ابن عباس - ﵄ -: متبر: خسران. أخرجه الطبري أيضًا (١٠/ ٤١٢).
(٣) (غرق) ليست في "ب".
[ ٢ / ٨٠٠ ]
قومه حيث قالوا: أرنا الله جهرة وهذه أفسد؛ لأنه قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولم يقل أرنا ننظر ولا أرهم ينظرون وإنما قال ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ ولما ابتلي بالصعق.
وقال بعضهم: سأل رؤية الآيات وهذا باطل لمخالفته ظاهر الآيات وفحواها، ومشاهدته الآيات، والقول الصحيح أن موسى -﵇- كان عارفًا به متيقنًا بأنه ﷻ يُرى ولكن خفي عليه أمر نفسه أنها لا تحتمل معاينة صانعها في التركيب الدنيوي فاستزلته سكرة الاشتياق عن محافظة آداب (١) العبودية حتى جاوز (٢) حد تقليب الوجه والتعريض إلى النطق والتصريح فابتلي بـ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وشغل بالنظر إلى الجبل على شريطة أن التركيب الدنيوي من الجبل إن احتمل المعاينة احتملها موسى -﵇- (٣) وأنى للجبل ذلك، ثم رفع عن الجبل شيء من حجاب الآنية المتكونة فأشرق بنور الآنية المتكونة وتلاشى لجلالة بمرأى من موسى -﵇- وهو المقصود فصار الروح من موسى مختطفًا مغلوبًا كالسراج في الشمس.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ بإذن الله سبح لله، وتاب إليه عن سؤال ما لا ينال بالسؤال وكان أول المؤمنين يتقطع الجبال لتجلي ذي الجلال، يروى أن الجبل تقطع قطعًا فصارت قطعة منهن هباء منثورًا وطارت أربع قطع في الهواء فوضعن بمكة، وطارت أربع فوقعن بالمدينة، وروي أن المياه كلها عذبت تلك الساعة وظهرت المعادن والكنوز وزال الشوك عن الشجر وخمدت النيران وسقطت الأصنام، ويروى أن ملائكة السماء نزلوا من السماء بإذن الله تعالى وكانوا يقولون له: أطلبت رؤية ربّ العزة يا ابن النساء الحيّض؟! وأرسل الله على الجبل الضباب والصواعق والظلمات فأرعدت فرائص موسى وهم يقولون: اصبر لما سألت (٤) فإنما رأيت قليلًا
_________________
(١) في الأصل و"أ": (أواب).
(٢) في الأصل: (يجاوز).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "ب": (طلبت).
[ ٢ / ٨٠١ ]
من كثير، ثم كان التجلي بعد هذه المقدمات (١) (٢). والمراد بـ (الصعق) الموت عند قتادة (٣) والغشي عند غيره (٤)، وقيل: ورجع موسى متبرقعًا ببرقع ومكث كذلك أربعين صباحًا لئلا يخطف نور وجهه بالأبصار.
﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي على أهل عصرك ﴿وَبِكَلَامِي﴾ ما أسمعه من كلامه من غير وساطة سفير.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ وفي الحديث: "إن الله تعالى كتب التوراة بيده وخلق آدم بيده وخلق جنة الفردوس وغرس شجرة طوبى بيده فقال لسائر المرادات كوني فكانت" (٥) و﴿الْأَلْوَاحِ﴾ قال الكلبي: كانت من زبرجدة خضر أو ياقوتة حمراء طولها عشرة أذرع (٦)، وعن وهب: من
_________________
(١) هذه القصة والأخبار الطويلة من قبيل الإسرائيليات، وروى قريبًا منها مطولًا ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن إسحاق وعلق على ذلك ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٦٩) فقال: وقد ذكر محمَّد بن جرير في تفسيره ههنا أثرًا طويلًا فيه غرائب وعجائب عن محمَّد بن إسحاق وكأنه تلقاه من الإسرائيليات. اهـ، وهو عند البغوي في تفسيره (٣/ ٢٧٦)، والثعلبي في عرائس المجالس ص ١٧٩، وما ذكره المؤلف أطول غرائبًا وأكثر عجائبًا.
(٢) في الأصل "أ": (المقات).
(٣) ابن أبي حاتم (٨٩٤٧)، وعزاه في الدر (٦/ ٥٦٣) لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.
(٤) عن ابن عباس كما عند ابن جرير (١٠/ ٤٢٧)، وابن أبي حاتم (٨٩٣٧، ٨٩٤١).
(٥) ذكره السيوطي في الدر (٦/ ٥٦٧) عن ابن عمر بلاغًا عند الطبراني في "السُّنّة"، وورد عن حكيم بن جابر قال: "أُخبرتُ أن الله ﵎ لم يمس من خلقه بيده شيئًا إلا ثلاثة أشياء؛ غرس الجنة بيده وجعل ترابها الورد والزعفران وجبالها المسك، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة لموسى بيده". أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٩٦)، وعبد بن حميد وابن المنذر كما قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٦٦).
(٦) ورد ذلك عن ابن جريج قال: "أُخْبِرْتُ أن الألواح من زبرجد" أخرجه أبو الشيخ كما قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٦٥)، وورد مرفوعًا قال ﵊: "الألواح التي أُنزلتْ على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثنَيْ عشر ذراعًا" أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩٥٨)، وأبو الشيخ وابن مردويه كما قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٦٥).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
صخرة صماء لينها الله تعالى لموسى -﵇- (١) فقطعها بيده وشقفها بأصابعه، وعن الحسن: من خشبة نزلت من السماء. وذكر الزجاج والفراء (٢) أنها كانت لوحين، ويجوز أن يعبر عن الاثنين بلفظ الجماعة كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وعن ابن جريج أن الله تعالى كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور (٣) ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي علمًا وخبرًا من كل شيء إما مجملًا وإما مفسَّرًا ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الحلال والحرام والحسن والقبح والمباح والمكره ﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ بحسنها لأن الله تعالى قد بين فيه الخير والشر والحسن والقبيح فالأحسن هو الحسن، وقيل: بأحسنها بحسنِهَا لأن الله تعالى قد بين (٤) أي أحسن قصصها وسيرها وتعبدهم الله بذلك دون ما دونه من الحسَن ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ منازل آل فرعون (٥) ووعدهم الله أن يردهم إليها ويريهم إياها، وقيل: ما أراهم الله من منازل قوم لوط وأمثالهم ليعتبروا.
﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ تقديره: تكبروا أي كانوا يتكبرون لاقتضاء أن تكون الجريمة مقدمة على الجرائم، ويحتمل أن الآية منزلة على موسى -﵇- (٦)، والمراد بهؤلاء السامري وقارون والذين قالوا لموسى اجعل لنا إلهًا، ويحتمل أنها مبتدأة الإنزال على نبينا -﵇- (٦) والمراد بهؤلاء اليهود.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ قيل إن هارون قال لقومه: معكم حلي آل فرعون
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٣٩٤)، ومعاني القرآن للزجاج (٢/ ٣٧٥)، ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التّحْريم: ٤] وهما قلبان.
(٣) قريبًا منه عن مجاهد عند ابن المنذر كما في الدر (٦/ ٥٦٦).
(٤) من (بحسنها) إلى هنا ليس في "ب" "ي".
(٥) الذي يظهر - والله أعلم - أن "دار الفاسقين" هي مصيرهم ومنازلهم في الآخرة، وهو الذي روي عن مجاهد وقتادة والذي يدل عليه سياق الآية حيث كان قبلها أمر من الله لموسى وقومه بالعمل بما في التوراة، فأولى الأمور بحكمة الله أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيعه وفرط في العمل به، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٤٢).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وهي لا تحل لكم فادفنوها في موضع من الأرض، واحتال السامري حتى جعل في تلك الحفرة (١) قالب عجل، فلما ألقوا الحلي فيها وواروها بالتراب أوقد السامري عليها النار فصارت عجلًا منه شبه خوار بالطلسم، وقيل إنه كان رأى فرس جبريل -﵇- (٢) لا يضع حافره على الأرض (٣) إلا اخضرّ بإذن الله تعالى، فأخذ من موقع حافره كفًا من التراب ويقول: ليكونن لهذا شأن، وذلك بإلهام من الله قال الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨] فلما أخرج العجل ألقى التراب في فيه فصار الجسد لحمًا ودمًا ذا روح له خوار، وقيل: لم يحصل الخوار من حيلته ولكن الله ابتلاهم به ليمدهم في طغيانهم عقوبة لسوء اختيارهم، وخوار البقرة كرغاء الإبل وثغاء الضأن ويعار الماعز وفي قراءة علي: ﴿له جؤار﴾ بالجيم وهو الصوت (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤].
﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي ندموا، هذه لفظة موضوعة للندامة (الأسيف) الممتلئ غضبًا (٥)، وقيل إن الألواح تكسرت إلا سدسها، (برأس أخيه) بلحيته، وقيل: قبض على ناصيته، وقيل: أخذ برأسه كما يأخذ المصارع، وهذه الفعلة يحتمل أن تكون جائزة من موسى -﵇- لأنه كان متبوعًا وهارون تابعًا وإن كانا نبيين، ويحتمل أن يكون زلّة ولكن الله لم يؤاخذه بها لزوال التمالك ولأنها كانت في ذاته، وفي الآية دلالة أن صبر الخليفة على جنايات قومه والتغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة كمنابزته ومضاجرته
_________________
(١) في "ب": (الحمرة).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب" "ي": (موضع).
(٤) قوله تعالى: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعرَاف: ١٤٨] قراءة علي - ﵁ -: ﴿له جؤار﴾ بالجيم والهمزة ذكرها ابن خانويه في شواذه ص ٤٦، وفي البحر (٤/ ٣٩٢)، والسمين الحلبي في الدر المصون (٥/ ٤٦٠)، وهي قراءة ابن مسعود أيضًا ذكرها الكرماني في شواذ القراءات ص ١٩٤، وكلاهما - خوار وجؤار - بمعنى واحد وهو صوت البقرة خاصة وقد يستعار للبعير، والخور الضعف.
(٥) في "ب": (غيظًا).
[ ٢ / ٨٠٤ ]
إياهم، ولذلك يصبر خلفاء نبينا -﵇- (١) من آل عباس على قبائح هذه الأمة وافتراق أهوائها.
و(الشماتة) سرور العدو بما يسوء عدوه، و(الإشمات) إنالة العدو ذلك.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ لأخذه برأس أخيه ﴿وَلِأَخِي﴾ لما ظنّ به من التقصير. وقيل: الاستغفار عبادة وإن لم تكن الزلة معلومة ﴿رَحْمَتِكَ﴾ جنتك.
وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية دلالة على نسخ الوعيد لأنه تعالى عفا عنهم وجعل القتل توبة لهم (٢).
﴿عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾ هي ما تاب عنها أصحاب الصوامع وأمثالهم من التهتك والمجون، وقيل: التوبة والإيمان واحد جمع بين اللفظين للتأكيد، وقيل: التوبة ترك اعتقاد الكفر والإيمان ابتداء اعتقاد (٣) الإسلام وهما شيئان لا محالة ﴿سَكَتَ﴾ سكن ومنه السكنة، والسكوت الكف عن النطق.
﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ أي أعيد له ما تكسر في لوحين، وقيل: أخذ الباقي وكانت فيه كفاية لأن الأحكام كانت فيه وإنما ذهب الأخبار والأمثال والمواعظ ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ لأمر وعيده يخافون، وقيل: اختار (٤)
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أي عندما قال لهم موسى في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البَقَرَة: ٥٤] فكان قتل بعضهم بعضًا استجابة منهم لأمر الله فلا ينالهم غضب من ربهم لأن الله تاب عليهم، وهكذا جمع ابن جرير بين الآيتين، وعامة المفسرين على هذا التوجيه. [ابن جرير الطبري (١٠/ ٤٦٢)].
(٣) من قوله: (الكفر) إلى هنا ليست في "ب".
(٤) في "ب" "ي": (اختيار).
[ ٢ / ٨٠٥ ]
موسى -﵇- (١) من قومه (٢) ستين شيخًا لم يجد من الشيوخ المرضيين غيرهم فأمر الله بإذنه أن يختار من كل سبط شابين فاختار فأصبحوا شيوخًا ثم أراد موسى أن يخلف منهم اثنين ويذهب بالسبعين فتشاجروا في ذلك فقال موسى: من قعد منكم كان له أجر من انطلق معي فقعد يوشع بن نون وكالوب وذهب موسى إلى الجبل، فلما انتهى إلى سفحه تركهم هناك وصعد موسى الجبل وكلمه الله تكليمًا وشاهد ما شاهد ثم رجع إليهم كالشمس الطالعة، فقالوا: نحب أن نسمع كلام الله كما سمعته، فأسمعهم الله كلامه (٣) فقالوا: نحب أن نرى الله جهرة كما رأيته، قال: إني لم أر الله جهرة، ولم تسكن قلوبهم إلى قوله فأخذتهم الرجفة، فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنك قادر على ما تشاء ولك السبيل والحجة، ثم قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ كما قالت الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وقال نبينا -﵇-: "أتعذبهم وأنا فيهم أتعذبهم وهم يستغفرون؟ " وإنما علم موسى -﵇- فعل السفهاء بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] ثم أثنى عليه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي ما هي إلا ابتلاؤك
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) اختار: تتعدى بنفسها وتتعدى بحرف الجر ويجوز حذف حرف الجر كما في هذه الآية ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعرَاف: ١٥٥]. ومن الحذف قول الشاعر (وينسب للراعي النميري): اخترتُكَ الناسَ إِذْ رَثَّتْ خلائِقُهُمْ واعتلَّ مَنْ كانَ يُرْجَى عندهُ السُّؤلُ مع أن الحذف مقصور على السماع وحصره النحاة في ألفاظ محددة كاختار وأمر واستغفر. ولذا قال الفراء: التقدير اختار موسى من قومه. وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذ طرحت "مِنْ" لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم وخير من القوم، فلما جازت الإضافة مكان "مِنْ" ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلًا واخترت منكم رجلًا. ومنه قول الشاعر: فقلت له اخترها قلوصًا سمينة ونابًا علينا مثل نابك في الحيا [ديوان الراعي ص ١٩٢، الكتاب (١/ ١٨)، ابنيعيش ٥/ ١٢٣، معاني القرآن للفراء (١/ ٣٩٥)، الطبري (١٠/ ٤٧٣)].
(٣) من قوله: (فقالوا) إلى قوله: (كلامه) ليست في "ب".
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وامتحانك فإنه لا طير إلا طيرك ولا إله غيرك ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أي بها وبغيرها.
﴿وَاكْتُبْ﴾ وأوجب ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ تبنا إليك (١)، وقال ابن عرفة (٢): مكنا إلى أمرك، ومنه الهوادة قيل: من هذا اللفظ اشتقاق لقب اليهود، وقيل: بل اللفظة من لقبهم. ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ أي يسع كل شيء إن شئت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالآلاء والنعماء ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي الحسنة في الدارين والرحمة أو الآخرة نفسها للمذكورين خالصة يوم القيامة ﴿بِآيَاتِنَا﴾ كلها.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ يحتمل أنها نزلت على موسى -﵇- ويحتمل أنها نزلت على نبينا -﵇- (٣) مستأنفة ليقطع دعاوي (٤) اليهود والنصارى عن الإيمان بالآيات، وإنما وصف بالأمّي لأنه لم يكن يتلو قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه (٥)، ولأنه كان من أم القرى ولأنه لم يكن من (٦) نسل أهل الكتاب ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ دليل أن اسم
_________________
(١) قاله ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وقتادة ومجاهد والسدي رواه عنهم جميعًا الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٨٠)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٥٤٠)، وابن أبي حاتم (٩٠٤١).
(٢) نقله بمعناه عن الحسن بن عرفة الأزهري في تهذيب اللغة (٦/ ٣٩١ - هاد) وقد تقدم الكلام على معنى هذه الكلمة في سورة "البقرة" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البَقَرَة: ٦٢].
(٣) روي عن ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن جبير أنها نزلت في أمة محمَّد - ﷺ - وأنها هي المعنية بذلك، ولذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال: قال موسى -﵇-: ليتني خلقت من أمة محمَّد، أخرج ذلك كله الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٨٩) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٣١) إلى أبى الشيخ.
(٤) في "ب": (دوي).
(٥) الأصل أن كلمة أُمَّي نسبة إلى الأم لأن الكتابة قبل الإسلام في الجاهلية كانت في الرجال دون النساء حتى نسب من لا يكتب إلى أُمَّه دون أبيه، والمعروف المستفيض من كلام العرب أن الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. هذا ما ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ١٥٣).
(٦) في "أ": (ولأنه كان نسْل).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
الشيء لا يغاير الأمر وما كلفهم الله من الأحكام الثقيلة والأغلال فألزمهم من الضيق والحرج عقوبة لجرائمهم لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أمثال ورقة وبحيرا الراهب ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أمثال عبد الله بن سلام والقسيسين والرهبان والذين اتبعوا ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أمثال كعب الأحبار إلى يوم القيامة.
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أمة منقرضة (١) في سالف الزمان، تقديره: ومن الأمة ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ثم قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقيل: الأمة الهادية قوم استقاموا على شرائع التوراة قبل نسخها بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقيل: المراد بها عبد الله بن سلام وأصحابه الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وقيل: المراد بها قوم وقعوا بأرض وراء الصين رآهم نبينا -﵇- (٢) ليلة المعراج ودعاهم إلى الإسلام وتحويل السبت إلى الجمعة على سنة الإسلام فأجابوه وآمنوا به، وقيل: هؤلاء القوم على شريعة التوراة بعد، وهم معذورون لأنهم لم يروا نبينا -﵇- (٢) ولم يسمعوا القرآن ولم يبلغهم خبر الإسلام على سبيل الاستفاضة فإن جهة الوصول إليهم جهة واحدة وهي وادٍ من رمل جارٍ يخسف بمن اجتازه (٣) إلا يوم السبت، ولا يستنكر أن يكونوا قد غيروا وبدلوا في أيامنا وكانوا كما وصفهم الله تعالى حالة نزول الآية ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون من يصل إليهم من كفار نواحيهم ويهدون صبيانهم بالقول الحق والأمر الحق ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فيما بينهم.
﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرت.
﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ وفائدة السؤال التقرير عن القرية عما أصاب أهلها إذ
_________________
(١) في "ب": (متفرقة).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب" "ي": (يجتازه).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
اعتدوا في أمر السبت ﴿حِيتَانُهُمْ﴾ جمع حوت كغيلان جمع غول، والحوت السمكة، ﴿شُرَّعًا﴾ قال أبو عبيدة معمر: شوارع في الماء بادية، قال الليث حسان: شوارع رافعة رؤوسها ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ لا يفعلون السبت، والسبت (١) مصدر، وكذلك يحتمل معنيين: التشبيه بالإتيان أي لا تأتيهم شرعًا والثاني أن يبتدىء كما أخبرناك ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ﴾ قيل: الأمة السائلة المبالغون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا هذه المقابلة بمسمع من المعتدين لتأكيد الزجر، وقيل: هم المداهنون، وقيل: هم المعتدون أنفسهم سألوا على وجه الاستهزاء.
﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ الآية كالبدل عن الآية الأولى ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ كالبيان للعذاب البئيس.
﴿تَأَذَّنَ﴾ وأذن بمعنى كتوعّد وأوعد، وعن الزجاج (٢): معناه تألَّى ربك و(المبعوثون) هم المسلطون عليهم من كافر ومسلم، وفي فحوى الآية بشارة لنا بالاستيلاء على الدجال وأتباعه ودلالة على بقاء بقية من هؤلاء الأرجاس إلى انتهاء الدنيا مقهورين مسخرين.
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ فرقناهم في أيام بخت نصر وبعده ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ الوصف ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يتوبون.
_________________
(١) يجوز أن يكون لفظ سبت مصدر سبت إذا قطع العمل بقرينة ظاهر قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعرَاف: ١٦٣] فإنه مضارع سبت فيتطابق المثبت والمنفي، ويجوز أن يكون لفظ "سبتهم" بمعنى الاسم العلم لليوم المعروف من أيام الأسبوع، وإضافته إلى ضميرهم اختصاصه بهم بكونهم يهود، وإضافة الاسم إلى الضمير معروف في كلام العرب ومنه قول أحد الطائيين: عَلاَ زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يَمَانِ
(٢) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٣٨٧) ومثله تَعَلَّمْ واعْلَمْ بمعنى، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: تَعَلَّمْ أَنَّ شَرَّ الناسِ حيٌّ ينادي في شعارهمُ يسار [ديوان زهير، ص ٣٠٠].
[ ٢ / ٨٠٩ ]
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نزلت في يهود (١) عصر الوحي ومن يجانسهم (٢)، وقيل: نزلت في الجائرين من فقهاء الأمة وقضاتها، (الخلف) بسُكون اللام (٣): العقب السوء ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أي وجدوه عن آبائهم ومقدميهم ﴿يَأْخُذُونَ﴾ على إظهار ما في الكتاب وكتمانه منافع هذا الزمان ﴿الْأَدْنَى﴾ رشوة ﴿سَيُغْفَرُ﴾ أي يغفر لنا أخذ هذه الرشوة الواحدة وهم مصرّون وفي عزمهم أنه يأتيهم عرض مثله يأخذونه، وهذا القول منهم كفر وافتراء على الله وتأتًّ عليه لأن الله تعالى لم يعد ولم يوجب لمصرًّ على الصغيرة مغفرة فكيف لمصرًّ على الكبيرة ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ قيل: مستأنف والواو لعطف جملة على جملة (٤) كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] أي وجدك يتيمًا وضالًا وعائلًا فآوى وهدى وأغنى.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ عطف على (الذين) في الآية المتقدمة ويجوز أن
_________________
(١) المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال: الأول: ما ذكره المؤلف أن المراد بهم اليهود وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ - ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ١٦٥). الثاني: المراد بهم النصارى. والثالث: المراد بهم الخلف من أمة محمَّد - ﷺ -، والقولان الأخيران عن مجاهد. ورجح الطبري أنه لم يبين الله -﷿- من هم لكن سياق الآيات تدل على أنهم اليهود. [(الطبري (١٠/ ٥٣٥)].
(٢) في "ب": (يجالسهم).
(٣) يقال: خَلَفُ صِدْقٍ، وَخَلْفُ سوءٍ، وأكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها، قاله الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٣٤).
(٤) اختلف المفسرون والنحويون في الجملة المعطوف عليها فذهب الزمخشري إلى أن جملة "درسوا" معطوفة على قوله: "ألم يؤخذ" لأنه تقرير فكأنه قيل: أُخِذَ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا. والوجه الثاني: أنه معطوف على "ورثوا" وتكون جملة "ألم يؤخذ" معترضة بين الجملتين، وهذا الوجه ذهب إليه الطبري في تفسيره وتبعه أبو البقاء. والوجه الثالث: أنه على إضمار "قد" والتقدير: وقد درسوا فيكون منصوبًا على الحال نسقًا على الجملة الشرطية، قاله السمين الحلبي في تفسيره. [الطبري (١٠/ ٥٤٠)، الكشاف (٢/ ١٢٨)، الإملاء (١/ ٢٨٨)، الدر المصون (٥/ ٥٠٥)].
[ ٢ / ٨١٠ ]
يكون مبتدأ وخبره نوفيهم أجورهم مضمرًا بدليل المضمر وقيل خبره ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ على اعتبار أن الذين يمسكون بالكتاب والمصلحين شيء واحد (١).
﴿نَتَقْنَا﴾ النتق رفع المظل على ما تحته، في حديث: "على البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها" (٢)، ومنه نتق السقاء وهو أن يرفعه فينفضه، ومنه المرأة الناتق وهي كثيرة (٣) الولد لأنها كالمظلة على أولادها، وفي حديث: "عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواهًا وأنتق أرحامًا" (٤).
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: جمعهم يومئذ جميعًا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم أزواجًا في صورهم ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن يقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئًا فإني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا بأنك إلهنا وربنا (٥) لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لو سويت بين عبادك، فقال: إني أحِبُّ أن أُشكر، ورأى فيهم
_________________
(١) ويكون الرابط في هذه الجملة محذوفًا، والتقدير: "المصلحين منهم" وهذا على قواعد جمهور البصريين كما قاله السمين الحلبي، وأما على قواعد الكوفيين فإنهم يجعلون الرابط هو "أل" وهي تقوم مقام الضمير، ويرى أبو البقاء أن الرابط هو العموم في "المصلحين". [الإملاء (١/ ٢٨٨)، الدر المصون (٥/ ٥٠٩)].
(٢) ذكره ابن الأثير في غريب الحديث (٥/ ١٢) مادة (نتق).
(٣) المثبت من "ب"، وفي البقية (كبيرة).
(٤) ابن ماجه (١٨٦١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٤٧)، وتمام في فوائده (٦٩٦)، والبيهقي (٧/ ٨١)، والحديث ضعفه البوصيري في زوائده، وحسنه الشيخ الألباني ﵀.
(٥) في "ب": (مولانا).
[ ٢ / ٨١١ ]
الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصّوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة وهو الذي يقول الله -﷿-: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية، وهو الذي يقول ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وفي ذلك [قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النّجم: ٥٦] أي أخذ عليه الميثاق مع النذر الأولى، وفي ذلك] (١) و﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ وفي ذلك قال: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] فكان في علمه يوم أمروا به من يكذب ومن يصدق به، قال: فكان روح عيسى -﵇- (٢) من تلك الأرواح التي أخذ الله عليها العهد والميثاق من زمان آدم -﵇- (٢) فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت (٣) من أهلها مكانًا شرقيًا فحملته أي فحملت (٤) الذي خاطبها وهو روح عيسى -﵇- دخل في فيها (٥)، وروي في إخراج الذرية من صلب آدم -﵇- أمثال الذر روايات كثيرة عن ابن عباس (٦)، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السنة قالوا: أخرج ذلك اليوم أولاد صلبه من صلبه أولاد أولاده من أولاده وأولاد أولادهم من أولادهم وكذلك إلى انقطاع النسل، وكانوا أقل وأصغر وأخفى من الذر لا محالة فإن الذر مركب من أجزاء كثيرة فلا شك أنهم كانوا أصغر وأخفى حين كانوا كمني، إلا أن الله تعالى أتاهم بعد الإخراج
_________________
(١) ما بين []، من "ب" "ي".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في الأصل و"أ": (انتهزت).
(٤) (أي فحملت) من "ب" "ي".
(٥) حديث أُبَي بن كعب أخرجه الفريابي في القدر ص ٥٢، وابن جرير في التفسير (١٠/ ٥٥٧، ٥٥٨)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٦)، وابن مندة في "الرد على الجهمية" (٣٠، ٣٣)، واللالكائي في "شرح السنة" (٩٩١)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٧٨٥)، وابن عساكر (٧/ ٣٩٦)، وسنده ضعيف لا يصح، وما بين [] ليس في الحديث.
(٦) النسائي في الكبرى (١١١٩١)، وابن جرير في التفسير (٨/ ٥٥٠)، والحاكم (٢/ ٥٤٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٤١) مرفوعًا ورجح أكثر أهل العلم وقفه، وانظر: ابن كثير (٣/ ٥٠١، ٥٠٢)، والنسائي.
[ ٢ / ٨١٢ ]
كما شاء فجعلهم أرواحًا كما قال أُبي، وأمثال الذر كما قال ابن عباس فأسمعهم وبصّرهم وأنطقهم بمشهد أبيهم آدم -﵇-، قال: وفائدة ذلك أحد أشياء أربعة: إما تطييب قلب آدم -﵇- وتسليته بشبه عذر من الناكتين، وإما تذكر الأنبياء والصدّيقين ذلك الميثاق في مدة أعمارهم كالمستيقظ يذكر ما رأى فيذكره بعينه وصورته، أو تذكر غيرهم كالسكران إن (١) فعل شيئًا في سكره ثم يتخيله فيتفكر فيه وليس يبعد أن يكون توهم (٢) الناسخ من جريء هذا الميثاق، وأما ما نذكره من هبة آدم -﵇- (٣) من داود -﵇- (٤) سنين من عمره ويجوز ذلك وأما المعنى لم يطلعنا الله عليه.
وقيل: المراد بالإخراج إخراج المواليد في كل عصر وقرن، و(الميثاق): الإلهام في قلوب ذوي العقول قبل اختيارهم الكفر أو الكتاب السماوي، والأخبار المتواترة والمأخوذ به ما هو موافق لظاهر الكتاب وعليه الجمهور ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم وهو عطف البيان ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ أي أشهد بعضهم على بعض ﴿شَهِدْنَا﴾ من كلامهم تقديره لأن لا يقولوا أي لردّ قولهم هذا وللبغي اتجاهه من أي وجه.
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ لما كان أخذ هذا الميثاق مما يذكره الأنبياء والصديقون ويتخيله الشهداء والصالحون ويعترف به العَوام والمقلدون مع ما نبّه الله عليه كافة الناس في القرآن المعجز لم يصح دعوى المنكرين بأنهم كانوا مجيبين من جهة آبائهم الأولين.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ نزلت في بَلْعَام بن باعور (٥) كان
_________________
(١) (إن) ليست في "ب" "ي".
(٢) في الأصل و"أ": (قودهم).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) ورد عن ابن مسعود - ﵁ - في هذه الآية قال: نزلت في بلعم بن أَبَر. أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٦٧)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٣)، وابن أبي حاتم (١٦١٦)، والطبراني (٩٠٦٤)، وورد عن ابن عباس - ﵄ - قال: نزلت في بَلْعَم بن باعرا رجل من =
[ ٢ / ٨١٣ ]
في مدينة الجبارين وكان من ذرية لوط -﵇- وكان يعرف اسم الله الأعظم فدعا به علي بني إسرائيل فحُبسوا في التيه أربعين سنة، فدعا موسى -﵇- (١) بإذن الله تعالى بإنزاع (٢) الاسم الأعظم (٣) عنه. ويروى أنه كان في زمن يوشع -﵇- لما حاصر يوشع هذه المدينة طلب بالق من بلعام أن يدعو عليهم وكان يعرفه أنه مجاب الدعوة فلم يفعل بلعام وقال: هؤلاء أولياء ربي (٤) لا أدعو عليهم، فرشا بالق امرأته بأموال كثيرة ولولو وحلي فاستزلته امرأته فركب أتانًا له وخرج إلى صومعته ليدعو علي بني إسرائيل فلم تسر تحته (٥) الأتان، فنزل عنها وتوجه إلى صومعته (٦) راجلًا، فاستقبله ملك من الملائكة وأخذ عليه الطريق فخر ساجدًا ودعا الله تعالى لتخليته فانكشف عنه الملك. فلما انتهى إلى الصومعة وتهيّأ للدعاء نسَّاه الله ذلك الاسم وصار كافرًا بعزمه على الدعاء لنصرة الكافرين على المؤمنين، فلما نسي الاسم غضب وسخط على ربه ورجع إلى بالق وعلمه حيلة وهي أن يسرح إلى بني إسرائيل جواري حسانًا ليزنوا بهن يخذلهم الله تعالى.
وعن مجاهد والمعتمر بن سليمان عن أبيه أن بلعام كان نبيًا (٧) وهذا محمول على أنه كان نبيًا عند نفسه أو عند الناس ويشبه (٨) الأنبياء
_________________
(١) = مدينة الجبارين وكذا روي عن مجاهد، أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٦٨)، وانظر تفاصيل القصة عند الطبري (١٠/ ٥٧٦).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب": (بنزع).
(٤) الأعظم ليست في "ب".
(٥) في الأصل و"أ": (وهي).
(٦) في "أ": (تحت).
(٧) من قوله: (ليدعو) إلى قوله: (صومعته) ليست في "ب".
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٧٤)، وابن أبي حاتم (١٦١٨) لكن من ذهب إلى أن بلعم كان نبيًا بعيد جدًا وغير صحيح لأن الله تعالى لا يمكن أن يختار لنبوته من علم أنه يخرج من طاعته بل يتحول إلى الكفر، ولذا خَطَّأَ ابن كثير هذا القول كما في تفسيره (٣/ ٥٠٩).
(٩) في "ب": (أو لشبه).
[ ٢ / ٨١٤ ]
لاطلاعه (١) على شيء من الغيب على سبيل التبع والاتفاق كالشهداء لا على سبيل التخصيص والاجتباء كالأنبياء.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب (٢) أن الآية نزلت في أميّة بن الصلت كان قد قرأ الكتب ووجد فيها نبيًا يبعث من العرب فطمع أن يكون هو ذلك، وكان مع ذلك ماهرًا خبيثًا يقول بلسانه غير ما يفعله بأركانه، فلما بعث نبينا -﵇- كذّب به حسدًا ولم يؤمن ومات كافرًا، وفيه قال -﵇-: "هو رجل آمن بلسانه وكفر قلبه" (٣).
وقيل: نزل في واهب من صيفيّ (٤) كان يلبس المسوح وتنسك في الجاهلية ثم عادى نبينا -﵇- وذهب إلى قيصر مستمّدًا فأهلكه الله في الطريق.
وقيل: نزلت على وجه المثل في كل يهودي ونصراني (٥).
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ لحقه، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته، وقال الفراء: تبعه وأتبعه بمعنى كلحقه وألحقه (٦).
﴿لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي تشرفناه بالآيات وعصمناه عن صفة الإخلاد إلى
_________________
(١) في الأصل "أ": (لإطاعة).
(٢) أما عن عبد الله بن عمرو رواه النسائي في الكبرى (١١١٩٢)، وابن جرير (١٠/ ٥٧٠)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٦، ١٦٢٠)، وهو في الطبراني كما في المجمع (٧/ ٢٥). وأما عن سعيد بن المسيب فهو عند ابن عساكر (٩/ ٢٨٢).
(٣) رواه ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٧)، وابن عساكر (٩/ ٢٧٢)، وعزاه البعض لأبي بكر بن الأنباري في "المصاحف" وسنده متفق على ضعفه.
(٤) ابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٦)، وابن عساكر (٩/ ٢٦٥). فقط أن الآية نزلت في صيفي، أما التفاصيل الأخرى فلم نجدها.
(٥) ابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٨).
(٦) الجمهور على قراءة "أَتْبَعَهُ" رباعيًا، وعلى هذه الحال يكون إما متعديًا لواحد فيكون بمعنى أدركه ولحقه وإما أن يكون متعديًا لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع ويكون المفعول الثاني محذوفًا والتقدير: أتبعه الشيطان خطواته بمعنى جعله تابعًا لها. [البحر (٤/ ٤٢٣)، الدر المصون (٥/ ٥١٥)].
[ ٢ / ٨١٥ ]
الأرض واتباع الهوى، ولكنه لم يشأ عصمته فأخلد إلى الأرض، والإخلاد إلى الأرض هو لزوم المكان والتثبط والبقاء ﴿الْكَلْبِ﴾ سباع و(اللهث) إخراج اللسان إذا أخرج الكلب لسانه من حَرًّ وعطش لم يمسكه بزجر ولا تخلية، كذلك المنسلخ من الآيات لم ينزجر عن كفره بإنذار ولا تخلية والحَمْلُ على الشيء قصده على وجه الطرد وكأنه أخذ من أخذ من حمل السلاح عليه.
﴿سَاءَ﴾ بئسَ و﴿الْقَوْمُ﴾ مرتفع (١) و﴿مَثَلًا﴾ نصب على التفسير (٢).
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ لهداية التوفيق للاهتداء و(الإضلال) الخذلان واتصالها بما قبلها من حيث ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾.
﴿ذَرَأْنَا﴾ أي شئنا بذارهم ومصيرهم واللام لام الغرض (٣) كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الآية، قوله -﵇-: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (٤) يدل عليه أن الله تعالى كان عند ذرء الشقي عالمًا بمصيره لا محالة فلو لم يشأ مصيره لما ذرأه، ألا ترى أن الحكيم لا يغشى النساء إذا لم يرد النسل ولم يتمتع بالشهوات إذا لم يرد السمن
_________________
(١) قال الأخفش: مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ نقله النحاس عنه في إعرابه (٢/ ٦٥٢).
(٢) أي أنه تمييز مفسَّر ويكون فاعل "ساءَ" مضمرًا يفسره ما بعده فيكون التقدير: ساء المثل مثلًا. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر والجحدري ﴿ساء مثلُ القوم﴾. [شواذ القراءات ص ١٩٩، البحر (٤/ ٤٢٣)].
(٣) أي اللام في قوله "لجهنم" يقول إنها لام الغرض ولا أدري ماذا يعني بلام الغرض فلعله يريد بها لام العلة وهو أحد الوجهين في اللام ذكره السمين الحلبي في تفسيره، والوجه الثاني أنها لام العاقبة والصيرورة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذّاريَات: ٥٦] ومنه قول الشاعر: ألا كل مولودٍ فللموت يُوْلَدُ ولستُ أرى حَيًّا لِحَيًّ يُخَلَّدُ [البحر (٤/ ٤٢٧)، زاد المسير (٢/ ١٧١)، الدر المصون (٥/ ٥٢١)].
(٤) الحديث أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص ٤٠ - ٤٤، وذكره الزبيدي في كتابه إتحاف السادة المتقين (٦/ ٤٠٤).
[ ٢ / ٨١٦ ]
وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ليس بمناقض لهذه الآية لأن العبادة ليست بمضادة لجهنم ولاحتماله أوجهًا سبعة؛ أحدها: التسخير لقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] الآية، والثاني: إظهار الخضوع لا القيام بالأوامر، والثالث: العبودية وهي الكينونة لا العبادة، والرابع: حالة الطفولة قد خلقوا على الفطرة، والخامس: الاقتضاء والاستحقاق كقول الوالدة لولدها: ما ولدتك إلا لتكبر فتحسن إلى، والسادس: العموم بمعنى الخصوص فيصرف إلى السعادة، والسابع: كون اللام في قوله ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لام العاقبة والمآل وذلك عند معاينة البأس فلو كان يحتمل وجهًا واحدًا لا يصح دعوى التناقض كيف وقد احتمل الأوجه.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر الكفار وهم ملحدون ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ التسميات التي تكلم الله بها و﴿الْحُسْنَى﴾ تأنيث الأحسن ﴿الَّذِينَ (١) يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الذين اشتقوا لأصنامهم أسماء من أسماء الله -﷿- كاللات من الله والعزى من العزيز، والذين أنكروا إطلاق تسميتين على مسمى واحد فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠] ويدخل في جملة هؤلاء الذين قالوا أسماء الله مخلوقة والذين أطلقوا على الله اسم الجسم والذين فرقوا بين الأسماء المشتقة من صفات الذات وبين الأسماء المشتقة من صفات الفعل ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] هم أهل السنة والجماعة، وتفسير السنة أن يسلكوا طريق السلف في كراهة الكلام والجدال في الدين والتعسف في تأويل متشابهات كلام رب العالمين وحديث رسوله خاتم النبيين بأن يجتهدوا في الفروع بالبحث عن الناسخ والمنسوخ والظاهر القريب والخفي البعيد وأن يميزوا الصحيح من السقيم والمتواتر من الآحاد والمتعارف المعتاد بين الناس وبين النادر والشاذّ وأن يتحروا الأشبه فالأشبه ويجتنبوا إهمال الحوادث كما يجتنبوا مخالفة الأصول الشرعية. وتفسير الجماعة الالتجاء إلى الكلمة السواء عند اقتتال
_________________
(١) (الذين) ليست في "ب".
[ ٢ / ٨١٧ ]
المقتتلين، وهذه الآية حجة في صحة الإجماع لأن الله تعالى زكاهم وعدلهم في أحكامهم.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أنكروها سرًا وجهرًا وأنكروها سرًا مع الإقرار بها جهرًا وأنكروا ظاهرها المعروف أو تفسيرها المجمع عليه أو سرها المكتوم لتعسف في التأويل من غير حجة ودليل ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قال الخليل (١): سنطوي عمرهم في اغترار منهم، وقال الضحاك: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة، وقال القتبي: هو أن يدنيهم (٢) من بأسه قليلًا، واستدراج الشيء تحصيله على المهلة والتدريج.
﴿كَيْدِي﴾ مكري ﴿مَتِينٌ﴾ قوي شديد وثيق ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ قيل: صعد النبي -﵇- ذات ليلة الصفا فلم يزل يدعو قريشًا فَخْذًا فخذًا حتى أصبح فقال أناس منهم: أصبح الرجل مجنونًا فأنزل الله (٣)، والمراد بالاستفهام أحد شيئين: إما الحث والإغراء وإما التقرير والإثبات، أي تفكروا وعملوا ثم أنكروا وجحدوا ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ الصاحب الذي بينك وبينه شأن من خلاف ووفاق.
﴿وَمَا﴾ للنفي و﴿مِنْ﴾ لتأكيد النفي و(الجنة) و(الجنون) لكلّة البصر وكلوله ينظر بنظر القلب إن شاء الله ولذلك عم المخلوقات كلها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى﴾ في محل النصب معطوفًا على قوله ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ومحل الخفض معطوفًا على قوله ﴿مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ وفائدة النظر في المخلوقات الاستدلال بها على صانعها ﴿بَعْدَهُ﴾ بعد الحديث أو بعد تمام الأجل.
_________________
(١) نقله ابن الجوزي عن الخليل كما في تفسيره: زاد المسير (٢/ ١٧٣).
(٢) في "ب": (بدينه).
(٣) روي ذلك عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله - ﷺ - فذكر القصة بكاملها. أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٠٢)، وابن أبي حاتم (١٦٢٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٤٩) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وهو مروي عن الحسن كما ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ١٧٤).
[ ٢ / ٨١٨ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ لا يتوصل مخلوق إلى علم أوانها (١) حقيقة، إن واحدًا من المخلوقين لو توصل إليه من جهة الوحي أو الأمارات المتقدمة وتعينت له الساعة بكمية الأيام والساعات والدقائق نكِّرت بكمية الأعداد والأنفاس والأصوات واللحظات والخطرات، كيف وهي ممكنة في كل لحظة غير واجبة ﴿أَيَّانَ﴾ سؤال عن الوقت تليها الاسم تارة والفعل أخرى وهي مركبة من أي أوان ﴿مُرْسَاهَا﴾ مواضع إرسائها و(الإرساء) الثبوت والقيام ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ لا يظهرها لوقتها غيره ﴿ثَقُلَتْ﴾ أي عظم واستصعب وقوعها أو علمها على أهل السموات والأرض، وفائدة الكتمان استواء الأولين والآخرين في الإنذار بالساعة وعظم شأن المباغتة والمفاجأة ﴿حَفِيٌّ﴾ مبالغ في البر والسؤال، يقال: استحفى السؤال وأحفى في السؤال، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧] لا يعلمون أن علمها خاصة ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ فيظنون أنهم يقفون عليها بالبحث عنها.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث نفي علم الساعة، عن ابن عباس أن قريشًا قالت لرسول الله: لا يخبرك ربك بالسعر لتشتري الطعام في الرخص بالخصب والجدب لتنتقل من الخصب إلى الجدب قبل أن تجدب الأرض فأنزل الله الآية (٢)، ﴿مِنَ الْخَيْرِ﴾ من جوائح النفس، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨].
﴿السُّوءُ﴾ ما يسوء النفس من المصائب الدنيوية. ظاهر قوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم -﵇- و﴿زَوْجَهَا﴾ حواء، هكذا ذكر الكلبي (٣) وغيره قالوا: لما حبلت حواء جاءها إبليس فتصور بصورة مجهولة متسمتًا بالحرث
_________________
(١) في الأصل و"أ": (أو ألفًا).
(٢) ذكره ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس - ﵄ -[زاد المسير (٢/ ١٧٦)].
(٣) الترمذي (٣٠٧٧)، والطبراني في الكبير (٦٨٩٥)، وابن جرير (١٠/ ٦٢٣)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣١)، والحاكم (٢/ ٥٤٥)، والحديث طعن فيه ابن كثير (٣/ ٥٢٩) بثلاث علل ورجّح أنه من قول أهل الكتاب وأن الآية نزلت في بني إسرائيل وليس آدم وحواء - ﵈ -.
[ ٢ / ٨١٩ ]
وأوهمها أنها تلد بهيمة أو تلد من فيها أو منخريها أو تلد ولدًا لا يعيش، فذكرت ذلك لآدم فأشفقا من ذلك ودعوا الله ﷾، وزعم إبليس أنه عبد صالح مجاب الدعوة ومنّاهما أنهما إن سميا الولد باسمه ووهباه منه دعا الله لهما، فشرطا ذلك فولدت حواء غلامًا صالحًا فسمَّياه عبد الحارث كما يقول الصديق للصديق: ولدي هذا عبدك على وجه الإكرام، ولم يعلما مراد إبليس من ذلك ولا عرفاه، فأعظم الله تعالى شأن تلك التسمية وأعظم الإنكار عليها بمكان نبوة آدم -﵇- ورفعة رتبته ولعلمه ﷾ بإبليس وبما يريد من تأسيس قاعدة الشرك والإفك وليس يبعد هذه الزلة والأكل من الشجرة في حالةٍ واحدة بغرور واحدٍ لما يروى أن قابيل ولد في الجنة ويدل عليه ضمير الجمع في قوله ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] والولادة متصور في الجنة كما يتصور خلق حواء فيها من ضلع آدم، وقيل: قوله ﴿صَالِحًا﴾ يرجع إلى الجنس.
﴿جَعَلَا﴾ يرجع إلى التوأمين فإن حواء كانت تلد في كل بطن توأمين ذكرًا وأنثى فهما اللذان جعلا له شركاء لآدم. ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: الإشراك فعل الذرية وإنما أسند إلى الأبوين مجازًا، وقيل: النفس الواحدة غير آدم من الآباء فإنهم آحاد إلى نوح -﵇- (١) والروح غير حواء من الأمهات لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١].
وقيل: الخطاب متوجه إلى العرب من أولاد عدنان خاصة وأن المراد بالنفس واحد من آبائهم.
﴿تَغَشَّاهَا﴾ غشيها ﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾ أي النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي قامت وقعدت من غير مشقة ﴿أَثْقَلَتْ﴾ صارت ثقيلة بالحمل ﴿صَالِحًا﴾ بشرًا سويًا أو بشرًا يولد من موضع الولادة أو ولدًا يعيش ﴿شُرَكَاءَ﴾ مصدر يراد به الاسم (٢)
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) إذا كانت "شركاء" بضم الشين وفتح الراء من غير تنوين فهي قراءة الجمهور ومفردها شريك، =
[ ٢ / ٨٢٠ ]
والمراد من الجمع الواحد أي كقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩].
﴿مَا﴾ ما يرجع إلى الجماد من الأصنام ﴿وَهُمْ﴾ راجع إلى الذين صور على مثالهم من طواغيت الإنس والجن أو إلى أصنام على ما يعتقدون فيها من الحياة والعقل.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ الآية غاية في نفي الخير عن هذه المعبودات من حيث أن اتباع الهوى عند الدعاء مقدور لعابديها غير مقدور لها فهي أوضع رتبة من عابديها، والصامت ضدّ الناطق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ سادتهم المعبودون من جملة الملائكة والأنبياء والطواغيت وأن المماثلة بالعبودية ويحتمل أنهم الأصنام ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي كعباد ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ المستجدي بدعاء مستجاب وأنى لهم من جهة معبوديهم فإن استجابة الدعاء قضاء الحاجة أو الجزاء عليه ولا يقدر عليها إلا الله.
﴿يَبْطِشُونَ﴾ البطش الأخذ والمراد بهذه الأشياء نفي الأفعال دون الأعضاء كما تقول لضعيف: ألك بدن يحتمل هذا الثقل ومعدة تحتمل هذا الطعام، وهذه الآية غاية في نفي الخير عنهم أيضًا من حيث أنهم أوضع من عابديهم، فإن كانت الآيات في الأصنام المنحوتة والمنصوبة فبعضها على اعتبار كونها جمادًا أو بعضها على اعتبار اعتقاد المشركين أو على سبيل التشبيه، وإن كانت بعضها في الأصنام وبعضها في الملائكة والأنبياء أو الطواغيت فذلك اعتبار أوهام المخاطبين وعقولهم كأن بعضهم لا يعرف إلا ما يشاهد وبعضهم متوهم وراء المشاهدات أزواجًا وأنفسًا فعمهم بالإنكار بهذه الآيات بعضها في بعض.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي﴾ فأمر رسول الله - ﷺ - أن يقول هذا القول
_________________
(١) = فالشرك مصدر ولا بد من حذف مضاف أي: ذوي شرك بمعنى إشراك فهو في الحقيقة اسم مصدر، وأما قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم ﴿شِرْكًا﴾ بكسر الشين وتسكين الراء وتنوين الكاف ويكون التقدير كما قال الأخفش ومكي وأبو البقاء: جَعَلا لغيره شِرْكًا. [الإملاء (١/ ٣٩٠)، الحجة ص ٣٠٤، البحر (٤/ ٤٤٠)، الدر المصون (٥/ ٥٣٥)].
[ ٢ / ٨٢١ ]
﴿وَتَرَاهُمْ﴾ خطاب للنبي -﵇- (١) والضمير عائد إلى الأصنام، وقيل: إلى المخاطبين.
﴿الْعَفْوَ﴾ الصفح والمنازلة وذلك قبل آية السيف أو بعد ما يظهرون من أنفسهم الإيمان أو خاصة في الذراري والنسوان، وعن ابن عباس (٢): العفو الزكاة والعرف المعروف كله، وقيل: إنه كلمة الإخلاص وكذلك قوله ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١] هم الأنبياء الذين أرسلوا بكلمة لا إله إلا الله.
(النزغ) الهمز والوسوسة والأذى والإغراء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مبتدأ جملة ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ خبره ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ لمفاجأة الإبصار حالة التذكير والتذكير ذكر الله، و(الإبصار) إبصار الخير والشر على سبيل التمييز بعد إمدادهم.
﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ ولا يكفون بأنفسهم أيضًا عن الغي.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ كانت قريش إذا سكت رسول الله أيامًا ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ ألفاظًا حسنة فتقولتها يطالبون بالآيات على ظن أنه ربما انقطع فأنزل الله.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ عن أبي هريرة وابن المسيب أنها نزلت في الصلاة (٣)، وعن مجاهد أن النبي -﵇- (١) كان يقرأ في الصلاة فسمع
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (١٠/ ٦٤١)، وابن أبي حاتم (١٦٣٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٥٤) إلى ابن المنذر، وهكذا روي أيضًا عن السدي والضحاك.
(٣) أما عن أبي هريرة فرواه ابن جرير (١٠/ ٦٦٠)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٥)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (٢٧٩). وأما عن سعيد بن المسيب فرواه ابن جرير (١٠/ ٦٦٠) والبيهقي في القراءة خلف الإمام، ص ٢٦٩، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٣٠).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
قراءة فتى من الأنصار فأنزل الله (١)، وعن أبي هريرة عنه -﵇- أنه قال: "إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به " (٢) الخبر، وعن جابر مرفوعًا: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٣)، وعن مجاهد أنها نزلت في الخطبة (٤)، ويجوز أنها نزلت فيهما، والإنصات سكوت في استماع.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أي راقب بالقلب دون الجهر في القول إبانه بالتسبيح والتهليل والقراءة في الصلاة ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل وهو ما بين العصر إلى المغرب (٥).
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الذين علمهم به علم المشاهدة من غير اجتهادٍ وكسب، وهم الملائكة والأنبياء والصديقون والشهداء، والفائدة عن الأخبار وعن حالهم هو التطميع لمن اقتدى بهم أن يلحقهم في رتبتهم بإذن الله تعالى.
_________________
(١) ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٦)، والبيهقي (٢/ ١٥٥).
(٢) أبو داود (٦٠٤)، والنسائي (٩٢٠، ٩٢١)، وابن ماجه (٨٤٦)، والحديث صحيح.
(٣) ابن ماجه (٨٥٠)، والحديث حسنه الشيخ الألباني ﵀.
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري (٦٦٤٨٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٩٧٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٨).
(٥) قاله ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٦٩)، ونقله ابن الجوزي عن أبي عبيدة: [زاد المسير (٢/ ١٨٤)]، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: لعمري لأنْتَ البيتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ وأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأَصَائِلِ
[ ٢ / ٨٢٣ ]