مكية (١)، وهي مائة وإحدى عشرة آية في عدد أهل الكوفة (٢)، والله أعلم.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ مضى في أول "النحل".
﴿مُحْدَثٍ﴾ حديث (٣) ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ وكان استماعهم على سبيل التعنت والإنكار لا التثبت والاعتبار ﴿وَهُمْ﴾ الواو للحال.
﴿لَاهِيَةً﴾ نصب على الحال (٤) ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محل الرفع (٥)،
_________________
(١) انظر: "البيان في عدِّ آي القرآن" (١٨٧).
(٢) في "البيان في عدِّ آي القرآن" (١٨٧) أن هذا عد البقية أما عدّ أهل الكوفة فهو مائة واثنتي عشرة آية.
(٣) في "أ": (حدث).
(٤) أي أنها حال ثانية فتكون الحالان مترادفتين كما قاله الزمخشري، فقوله: "وهم يلعبون" هي الحال الأولى، و"لاهية قلوبهم" الحال الثانية، وفيه تقديم الحال غير الصريحة على الحال الصريحة. [الكشاف (٢/ ٥٦٢)].
(٥) محل الرفع في "الذين ظلموا" بأن تكون بدلًا من واو "أَسَرُّوا"، وعزاه ابن عطية لسيبويه. والوجه الثاني للرفع: بأن تكون فاعلا والواو علامة جمع دلت على جمع الفاعل وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة. =
[ ٣ / ١٢١١ ]
والتقدير فيه كما في قوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] في "المائدة" ﴿هَلْ هَذَا﴾ بيان نجواهم ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ إنكار بعضهم على بعض مخافة أن ينجع الكلام في قلوبهم.
في قوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ تنبيه على إدراك سرّهم ونجواهم أن يقولوا ما لا يرضاه في الابتداء للإضراب عن الكلام الأول والإقبال على الثاني وهو من جهة الله، و﴿بَلْ﴾ الثاني إنما هو حكايته قول الكفار، وإنما قالوا على سبيل استدراك الغلط والتردد في الحكم وقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ لتوهمهم أن تلك الآيات كانت ملجئة ضرورية، فأخبر الله تعالى أن الجحود في مقابلة تلك الآيات كان محكيًا كالجحود في مقابلة آيات رسل الله.
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي﴾ في إنكارهم أن يكون الرسول بشرًا مثلهم.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧] وقوله: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وفي قوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ الآية تهديد للكافرين وبشارة للمؤمنين، وقد صدق الله لنبينا وعده فنصر (١) عبده وهزم الأحزاب وحده وأنجاه مع صاحبه ثاني اثنين إذ هما في الغار وأهلك صناديد قريش.
بعد ذلك روي أنه -﵇- (٢) قبل فتح خيبر وفدك وقبل استقرار أمره
_________________
(١) = والوجه الثالث للرفع: بأن تكون "الذين" مبتدأ و"أسروا" جملة خبرية قُدِّمَتْ على المبتدأ وُيعْزَى هذا القول للكسائي. والوجه الرابع للرفع: أن تكون "الذين" مرفوعة بفعل مقدر التقدير: يقول الذين، واختاره النحاس. [الكتاب (١/ ٢٣٦)، البحر (٦/ ٢٩٦)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٣٦٦)].
(٢) في "أ" "ي": (فيصير).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢١٢ ]
انتخب من وجوه العرب الذين أسلموا سبعة نفر؛ منهم حاطب بن أبي بلتعة، وشجاع بن وهب الأسدي، وسليك بن عامر العامريّ، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن أمية الضمري، ودحية بن خليفة الكلبي، وحذافة السهمي (١) وقال لهم: "إني مرسلكم إلى ملوك الأرض فأنتم مني بمنزلة الحواريين من عيسى -﵇- (٢) " ثم أرسل حاطبًا إلى المقوقس ملك القبط، وبعث شجاعًا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام من (٣) تحت يد قيصر، وأرسل سليكًا إلى هودة بن خليفة ملك تهامة، وأرسل العلاء إلى المنذر بن امرئ القيس ملك البحرين، وبعث عمروًا إلى النجاشي ملك الحبشة، وبعث دحية إلى قيصر ثم إلى ملك عُمان، وأرسل حذافة إلى كسرى أبرويز الجبار ملك الفرس.
وكانت نسخ كتبه -﵇- (٤) إلى هؤلاء متقاربة، وكان المنافقون يتعجبون منه ويقولون: كيف يكاتب الملوك قاطبة ويستشهر سيوفهم على نفسه ولم يثبت له قدم بعد.
فأما المقوقس ملك القبط فأحسن الإجابة وأهدى إليه هدايا فاخرة من الكسوة والجواري والغلمان والمراكب، ويقال: إنه أسعد بالإيمان والإِسلام، وأما ملوك الشام وتهامة والبحرين وعُمان فاستحوذ عليهم الشيطان وزين لهم العصيان، وأما النجاشي فشهد الشهادتين وخطب لرسول الله (٥) أم حبيبة بنت أبي سفيان بوكالة من جهته -﵇- (٤)، وردّ إليه جعفر بن أبي طالب عزيزًا مكرمًا مع سائر المهاجرين إليه في الهجرة الأولى فرجعوا شاكرين، وأرسل ابنه في عشرين نقيبًا من خواصه فغرقت بهم السفينة في البحر، ثم إنه مات على الشهادة وصلَّى عليه رسول الله.
_________________
(١) (وحذافة السهمي) ليست في الأصل.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (من) ليست في "أ".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب" لرسول الله - ﷺ -.
[ ٣ / ١٢١٣ ]
وأما قيصر فذكر الزهريّ أنه بلغه كتاب رسول الله من جهة عظيم حنوي وذلك أن دحية دفعه إليه ليوصله إلى قيصر ففتح الكتاب فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد رسول الله إلى عظيم الروم، سلام على من أَتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله الأجر (١) مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين وأهل الكتاب" ارتفعت عنده الأصوات وكثر اللغط وقاموا عن مجلسهم، ثم دعا هرقل عظماءهم (٢) وهم بعد ذلك وقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد أخو الأبد وأن يثبت لكم ملككم، قال: فحاصوا حيصة الحمر (٣) الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فقال هرقل: عليّ بهم، فرجعوا إليه فألان لهم القول وألطف لهم وقال: إنما اختبرت شدتكم على دينكم فقد رأيت الذي أحببت فسجدوا له ورضوا عنه، قيل: لما بلغ رسول الله خبره قال: "ضنّ الخبيث بملكه".
أما كسرى فذكر أنه لما بلغه الكتاب أمر أن يُفتح ويُقرأ عليه فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من أَتبع الهدى وآمن بالله واليوم الآخر وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك إلى الله، فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس والسلام". فلما قرئ عليه الكتاب ورم أنفه وامتلأ غيظًا فأطرق على سريره مختنقًا يخنقه منتفخة أوداجه يرصد فتنة في جماليقه ساعة طويلة، ثم رفع رأسه وقال: ليس هذا بأول عبد اجترأ على ربه وسيده، وإنما قال هذه المقالة لاستيلائه على اليمن دار مملكة (٤) العرب، ولسجود النعمان بن المنذر ملك الحيرة بين يديه، ولاعتقاده أنه ملك الملوك والأقاليم كلها وأنه أخذ مكان الأرض،
_________________
(١) في "ب": (أجرك).
(٢) في الأصل و"أ": (عضماء).
(٣) في "ب": (حمر).
(٤) في "أ" "ي": (مملكته).
[ ٣ / ١٢١٤ ]
فاغترّ بسلطانه وعلوه وأصر على طغيانه واغترَّ، وأمر كاتبه بأن يكتب إلى مرزبان اليمن، والمرزبان بلغتهم الوالي واسمه باذان مهربيداد؛ أن عبدًا لي بالحجاز اسمه محمَّد كتب إليّ يأمرني أن أترك ديني وأتبع دينه، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إليه رجلين جلدين ممن معك ليأتيانا به مربوطًا مشدودًا، فإن أبى فليأتنا في رأسه. وأمران يكتب إلى رسول الله أن اشخص إلينا لننظر في (١) أمرك.
فرجع حذافة إلى رسول الله (٢) وأخبره بالقصة، وذكر أنه أمر بالكتاب وكان من أديم أن يمزق ويرقع به دلو البئر فقال -﵇-: "إنما مزق ملكه".
ثم إن باذان لما بلغه كتاب صاحبه بعث إلى النبي -﵇- (٣) شخصين من قواده وكانا رجلين عاقلين اسم أحدهما بابويه واسم الآخر خورخسرة وأمرهما أن يحذراه سطوة ملك الملوك لئلا يشغل بالممانعة (٤). فأتيا رسول الله وأَدَّيَا الرسالة فأمر -﵇- بإنزال الرسولين وإكرامهما ثم دعاهما بالغد وقال: "إن ربى قتل ربكما الليلة" فسألاه (٥) شرح القصة فقال: "قد سلط الله عليه ابنْه شيرويه فقتله" وذلك لسبع ساعات مضت من الليل، وقيل: وكانت تلك الليلة (٦) ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى. قال: فدهشا وسقط في أيديهما ثم قال لهما رسول الله (٧): "انصرفا إلى باذان فاعلماه هذا وقولا له: إن أسلمت قررنك على ولايتك" وخلع على بابويه بردةً فاخرة وأعطى خورخسرة مِنْطقة أهداها إليه المقوقس، فرجعا إليه وأخبرا باذان بالقصة، وقال بابويه: ما
_________________
(١) (في) ليست في "ب"أ".
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في الأصل: (بالمرافقة).
(٥) في الأصل: (فسألا).
(٦) (الليلة) ليست في "أ".
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٣ / ١٢١٥ ]
هبت شيئًا من الخلق هيبة هذا الرجل، فلم يثبت باذان إلا قليلًا أن بلغه كتاب شيرويه يخبره بالخبر ويوعز (١) إليه أن لا يتعرض لرسول الله إلى أن يأتيه مال (٢) جديد.
وكما كاتب رسول الله هؤلاء الملوك كاتب ملوك الهند والصين.
﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال مجاهد: حديثكم (٣)، وقيل: تذكيركم وذكراكم (٤)، وقيل: صيرورتكم مذكورين في الغابرين، فإنه لولا القرآن لم يذكروا بخير ولا شر في الأمم في أقطار الأرض وبهذا فسر بشرفكم.
﴿قَصَمْنَا﴾ أهلكنا، و(القصم): أن ينكسر الشيء فيبين، ومنه يقال: انقصمت الثنية.
﴿يَرْكُضُونَ﴾ يعدون ويسيرون هربًا. وليس هذا بوصف قرية واحدة لقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ولكن ابن عباس ذكر خبرًا موافقًا لهذا الوصف.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إن قرية من قرى اليمن يقال له حَضُورًا أرسل إليهم فكذبوه ثم قتلوه، فسلّط الله بُخْتُنضَر عبدًا من عباده ومعه جنود (٥) فقيل له (٦): اغزُ أرضًا يقال لها عربايا (٧) -يعني العرب الذين ليست لبيوتهم أبواب ولا أغلاق- فلا تدع في أرضهم شيئًا ممن (٨) له روح من طير وسبع ولا غيره إلا قتلته. فغزاهم بالجنود،
_________________
(١) في الأصل و"ي": (ويوزع).
(٢) في "ب" "ي": (مثال).
(٣) عزاه صاحب "الدر المنثور" (١٠/ ٢٧٢) لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) في "ب" "ي": (وذكيركم).
(٥) في "ب": (ومع جنوده)، وفي "ي": (ومع جنود).
(٦) (له) ليست في الأصل.
(٧) في "أ!: (كربايا).
(٨) (ممن) ليست في "أ"، وفي "ب": (ومن).
[ ٣ / ١٢١٦ ]
فلما بلغهم مسير بختنصر وأصحابه خرجوا إليه فكتبوا له الكتائب، فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى حوّلوه عن منزله، ثم كتب الكتائب فأتوهم من بين أيديهم ومن خلفهم فهزمهم الله، وأتبعهم بختنصر بالجنود ليقتلهم فمروا على دورهم منهزمين وفيها أهلوهم وذراريهم فلم يلووا على شيء من أمرهم، فردتهم الملائكة إلى دورهم فرجعوا إليها، ودخل عليهم بختنصر وأصحابه فجعلوا يقتلونهم وهم يقولون: يا لثارات فلان يا لثارات فلان ولا يسمون النبي الذي قتلوه، فلما رأوا أن الصواب لا يسكت عنهم وهم يقتلونهم عرفوا أن الله هو سلطهم عليهم بقتلهم النبي الذي بعثه إليهم فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بقتل النبي.
يقول الله -﷿- (١): ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾ يعني الكلمة ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ فلم يبق منهم عين تطرف ولا من ذكر وأنثى ولا صغير ولا كبير ولا دابة ولا طير. وذكر شيخنا أن اسم هذا النبي وْيغَمْ وذكر ابن الخُرداد أن اسمه شعيب بن مهدم (٢) بن أبي مهدم بن حضور، قال: وحضور بأن من حمير قال: فلما قتلوه أوحى الله تعالى إلى نبي اسمه برخيا من سبط يهود ابن يعقوب -﵇- أن أثبت بختنصر فمره أن يغزو العرب الذي لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، فتقتل مقاتلتهم وتستبح أموالهم، فأقبل (٣) برخي ابن حمران إلى بابل فأخبر بختنصر الخبر، فتوجه لذلك فأنزل من يلق مستأمنًا الأبيات، ثم أتاهم بختنصر وهتف بهم هاتف (٤):
سيغلب قوم غالبوا الله جهرةً وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذلك يضل الله من كان قلبه مريضًا ومن وإلى النفاق والحسدا
_________________
(١) قريبًا منه عن ابن وهب عند ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (١٠/ ٢٧٥).
(٢) ذكر شعيب بن مهدم في "فتح القدير" (٥٧٣٣)، وتاريخ ابن خلدون (٢/ ٣٥٦). وذكر في بعض المصادر (شعيب بن ذي مهدم).
(٣) من قوله (برخيا) إلى هنا ليست في "ب".
(٤) في "أ" "ب" كتب بعد كلمة (هاتف): (شعر).
[ ٣ / ١٢١٧ ]
وهربوا يركضون فحصروا أجمعين، وقوله: ﴿حَصِيدًا﴾ أي شيئًا حصيدًا، والخمود الخمود والانطفاء (١).
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾ اتصالها من حيث ذكر الوبال ينافي العبث والخبال.
﴿أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ قال ابن عباس: ولدًا بلغة حضرموت، وقيل: صاحبة (٢)، ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ يعني الملأ الأعلى وهم الذين لا يستكبرون عن عبادته، وإنما وصفهم بأنهم عنده لائتمارهم (٣) بأمره واتخاذهم ذكره ودوام مراقبتهم إياه مخلصين له الدين، قاهرين بإذنه الملحدين، بخلاف الأرواح الخبيثة الملابسة للأصنام والطواغيت، يدلُّ عليه قوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]. ووجه الإنكار على اليهود والنصارى والمجوس ظاهر وعلي بني مليح من حيث إنهم كانوا يسمون الملائكة ويصفون الشياطين فكان قولهم في الحقيقة عائدًا إلى الشياطين دون الملائكة.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيهلكه، والدمغ إصابة الدماغ، ووصف على رسول الله فقال: دامغ جيشات الأباطيل (٤).
﴿يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يسخرون وهو الإعياء والانقطاع.
﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ لا يضعفون ولا يملون.
﴿أَمِ﴾ بمعنى ألف الاستفهام (٥) ﴿يُنْشِرُونَ﴾ يخلقون، وهذه قريبة من
_________________
(١) الخمود هو خمود النار إذا طُفِئَت كما قاله ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري عنه في تفسيره (١٦/ ٢٣٧).
(٢) ورد عن الحسن وقتادة أن ذلك لغة أهل اليمن، وانظر: الدر المنثور (١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
(٣) في "ب": (لا يتماره).
(٤) ذكر ابن كثير هذا الوصف من قول علي بن أبي طالب، وكذا ابن عساكر كما في مختصره (١/ ٣٠٨).
(٥) هذه "أم" المنقطعة يقدرها بعض النحويين بـ "بل" التي للإضراب الانتقالي، وبالهمزة التي معناها الإنكار.
[ ٣ / ١٢١٨ ]
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] الآية، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ دليل على صحة قياس العكس على وحدانية الله تعالى.
وقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ دليل على أنه لا علة لفعل (١) الله تعالى وأنه غير داخل (٢) تحت حكم ولا مفضٍ إلى ظلم أي شيء فعل لعلمه الغيوب وسعة العيوب.
﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ أي الوحي المنزل بالإذن واتخاذ الشركاء في نحو قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الحج: ٧١]. ﴿هَذَا﴾ يعني القرآن ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين واليهود والنصارى وعيسى والخضر وإلياس ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ من الرسل الماضين وأتباعهم الذين قصهم الله تعالى في القرآن.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إخبار عن عامة الرسل على طريق الإجمال.
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ غاية الإخبات والإنصات وترك الافتيات.
﴿لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أي من ارتضاه الله أن يشفعوا له هم الذين خلقهم الله، لذلك فإنه يقول -﷿- مخبرًا عنهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] ﴿مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ من مهابته (٣) ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ﴾ الآية، فائدة الوعيد تفخيم الأمر وتعظيم الشأن، وقد ذكرنا أن الوعيد إيجاب حكم معلق بشرط موهوم، وعن الضحاك (٤) وغيره: أن إبليس كان فيهم فارتكب الشرط المشروط فوجب عليه الحد.
﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ يمسك المطر والنبات، و(الرتَق) بفتح التاء: الانغلاق
_________________
(١) في "ب": (لقول).
(٢) (داخل) ليست في "أ" "ب".
(٣) في "ب" "ي": (مهايته).
(٤) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٢٨٤).
[ ٣ / ١٢١٩ ]
والانطباق، ومنه المرأة الرتقاء (١)، و(الرتْق) بسكون التاء: متعد، ومنه يقال: فاتق راتق، وعن أبي صالح الحنفي أن السموات كن واحدة والأرضين كن واحدة في ابتداء الخلق ثم جعل الله كل واحدة منهم سبعة أطباق (٢). ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قال الكلبي: كل شيء حي أنبتته الأرض، وقال الكلبي أيضًا: بقاء النبات وحياته هي من الماء، وقال أبو العالية: المراد بالماء النطفة، والخلق (٣) قتادة والضحاك، وهو ظاهر الآية (٤).
﴿فِجَاجًا﴾ جمع فجّ، والفج: الفرجة من جبلين، وتفاجت الناقة: إذا فرجت رجليها للتبول والحلب.
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ قال الكلبي والفراء: الفلك موج مكفوف (٥)، وقال أبو عبيد الهروي: الفلك في اللغة موج البحر إذا جاء وذهب واضطرب (٦)، وهذا يقتضي أن الفلك ذلك واحد وكل يسبحون فيه، وقيل: الفلك الشيء المسندير ومنه سميت القطعة المستديرة من الأرض فلكًا، وهذا يحتمل ما ذكرنا ويحتمل أن كل واحد في ذلك على حدة وكل يسبحون، وهذا قول المنجمة والفلاسفة، وزعموا أن الأفلاك الدائرة
_________________
(١) الرَّتْقُ في اللغة: الانضمام، ارْتَتَقَ حَلْقُهُ أي انضم، وامرأة رتقاء أي مُنْسَدَّة الفرج فلا يمكن جماعها، والفتق: فصل ذلك المرتتق. ومعنى الآية كما قال ابن عباس: كانتا ملتصقتين ففتقهما الله فرفع السماوات ووضع الأرض وفتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. [الطبري (١٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، اللسان (رتق)، البحر (٦/ ٣٠٩)].
(٢) أبو الشيخ في "العظمة" (٥٤٣)، وعزاه السيوطي كذلك لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢٦)، ونقله عنه ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ١٨٩).
(٤) الذي عن قتادة أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٢٦٠)، ولفظه: كل شيء حي خلق من الماء.
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (١١/ ٢٥١) دون نسبة لأحد، وهو عند الفراء في معانيه (٢/ ٢٠١).
(٦) غريب الحديث (٤/ ٩٧).
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
بالنجوم سبعة وأنها لطيفة لا تشاهد ولكن يستدل عليها بالكواكب السيارة، ومع كل فلك من هذه الأفلاك سوى فلك الشمس ذلك آخر مائل عن ذلك الشمس هي علة عدم الكسوف في كل شهر، وعلة رجوع الخمسة عن سيرها المستقيم (١) تجاه ذلك البروج، وفي ذلك الحق المعصومي "بفصول الفرغاني من مقالة أبي الريحان" (٢) أما على التحقيق والتحصيل إذا أتيا الحكم بالتفصيل، فإن ما يجري من الكواكب يقطع البروج في المسارب هي النجوم الثاقبات الثابتة والشمس أيضًا معها (٣) مسامتها هذه، فأما الخمسة السيارة والقمر المدار فإنها تجري على أقطاب من قطبي (٤) البروج في اقتراب وميلها، أما الشيخص القمر منه فميل واحد من القدر، وما يختص الخمسة المذكورة مختلف ألوانها تعيي من استفرغ فيها جهده إلا أنها من حركات.
قال - ﵁ -: وهذا اعتراف منه بالعجز عن إدراك كيفية حركات النجوم كلها في أفلاكها، وفوق هذه (٥) الأفلاك السبعة فلكان آخران أحدهما فلك البروج والكواكب الثابتة وهو لطيف لا يشاهد ولكن يستدل عليه بالكواكب الثابتة (٦)، زعموا أن هذه الكواكب الثابتة تزول عن مواضعها وأن هذا الفلك يدور دور هذه السبعة من نحو المغرب إلى المشرق (٧)، إلا أن سيره بطيء لا يقطع في مائة سنة إلا جزءًا واحدًا من ثلثمائة وستين جزءًا في رأي بطليموس، وقال أصحاب الأرصاد: لا يقطع في ستة وستين سنة إلا جزءًا واحدًا من ثلثمائة وستين جزءًا من أجزاء الفلك الأعظم، والآخر
_________________
(١) في "ب": (الخمسة) بدل (المستقيم).
(٢) يشير إلى كتاب في الفلك ألّفه الفلكي المعروف أبو الريحان محمَّد بن أحمد البيروني الخوارزمي المتوفى بعد سنة ٤٣٠ هـ وله كتاب "تهذيب فصول الفرغاني".
(٣) في الأصل و"أ": (مها).
(٤) في "أ" "ب": (قطع).
(٥) في الأصل: (وفوق هذا يسبحون الأفلاك).
(٦) (الثابتة) ليست في الأصل.
(٧) في الأصل: (المشرق إلى المغرب).
[ ٣ / ١٢٢١ ]
فلك الأقطاب وهو كالصد للفلك الأعظم المستقيم المحوط المكور لسائر الأفلاك من نحو المشرق إلى المغرب، وهذا الفلك الأعظم لطيف لا يشاهد ولكن يستدل عليه بالمجرة أو تسيير الطوالع والغوارب من نحو المشرق إلى المغرب على أدبارها.
ثم اختلفوا فيما بينهم فزعم بعضهم أن الأفلاك السبعة في السموات السبع التي أخبر الله تعالى عنهنّ أنه سواهنَّ سبع سموات، وأن ذلك البروج هو الكرسي، وأن ذلك الأعظم هو العرش، وزعم آخرون أن هذه الأفلاك التسعة بين السماء والأرض، وأن السموات فوق هذه الأفلاك التسعة، وأن هذه الأفلاك التسعة لم تكن حاجزة بيننا وبين السماء [ولا ساترة إياها للطافتها ولكن تسمى سماء كما يسمى السحاب سماء والمطر سماء] (١) والسقف سماء.
واختلفوا في ماهية هذه الأفلاك فزعم أفلاطون وأصحابه أن السماء متركبة من الطبائع الأربع، وزعم قوم منهم أن السماء نار، وزعم قوم أنها مركب من نار وريح، يعنون كلهم بالسماء الفلك، وزعم أرسطاطاليس وأصحابه أن السماء جرم خامس ليس من الطبائع الأربع فإنها لو كانت نارًا أو ريحًا لعلت، ولو كانت أرضًا أو ماء لهبطت (٢)، وأجمعوا أنها متناهية محدودة والله أعلم بالحقيقة، ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يجرون ويطردون.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أراد مادة التنفيس وهي نسمة كالنسيم، وهي خلاصة الجسد ومركب الروح ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ كقوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦] أراد حيوانات السماء والأرض، واختلفوا في حيوانات الجنة والنار قيل: خلقهما الله تعالى للبقاء فلا يتناولهما حكم الفناء، وقيل: لا بد لهم من سبات أو وفاة قبل يوم ﴿آلِهَتَكُمْ﴾ بالذم والعيب والسوء والشتم.
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وهم يكفرون كفرهم: إنكارهم تسمية الرحمن
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) في الأصل: (هبطت).
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
وأنه هو الذي يذكر آلهتهم بالسوء، ويحتمل أنها في معنى قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨١].
﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ من طين إنما غير للتجنيس اللفظي، وقيل: هو مجاز كما يقال: خلق فلان من الرفق والحكمة وفلان من الخرق والطيش، وهذه حروف مؤخرة بما بعدها في التقدير مقدمة في التلاوة ﴿تَأْتِيهِمْ﴾ عائدة إلى الآيات في قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾.
﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ يحفظكم ويحرسكم (١) ﴿بَلْ﴾ للإضراب.
﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون، من قولك: صحبك الله أي حفظك، وقال المازني: هو من الإصحاب وهو المنع (٢).
﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أراد أحد أشياء ثلاثة (٣): إما التنبيه على قساوة القلب باعتياد الكفر والإنكار فإن طول العمر على عادة واحدة مما يؤكد العادة، وإما التنبيه على بلوغهم نهاية الأجل فإن الشيء إذا طال بلغ نهايته، وإذا بلغ نهايته انقضى ﴿نَفْحَةٌ﴾ فورة من الخير والشر، ونفح الريح بردها، ونفح العرق إذا نعر، ونفحت: أراد أن الجارية بالمسك وفلان نفاح بالخير.
﴿الْقِسْطَ﴾ صفة الموازين (٤) ﴿خَرْدَلٍ﴾ حبّ في حجم بزر قطونا في غاية الحرافة يتغرغر به من في دماغه فضل رطوبة.
_________________
(١) قاله الطبري في تفسيره (١٦/ ٢٧٨)، وهو قول ابن عباس - ﵄ - وقتادة، ومنه قول ابن هرمة: إنَّ سُلَيْمَى واللهُ يكلؤها ضَنَّتْ بشيء ما كان يَرْزَؤُهَا [ديوان ابن هرمة (ص ٥٥)].
(٢) الإصحاب بمعنى المنع مروي عن ابن عباس - ﵄ - ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ١٩٢).
(٣) في الأصل: (أراد حد شيئًا ثلاثمائة).
(٤) يرد إشكال هنا وهو أن الصفة تتبع الموصوف في الإفراد والجمع، فلماذا أفرد النعت هنا والمنعوت جمعًا. فالجواب أنه في الأصل مصدر والمصدر يُوَحَّد مطلقًا كما يجوز في "القسط" أن تكون مفعولًا لأجله وإن كان معرفًا بأل، ومنه قول الشاعر: لا أَقْعُدُ الجُبْنَ عن الهيجاءِ ولو تَوالَتْ زُمَرُ الأعداءِ
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
والمراد به القلم على ما يتعارفه الناس مؤنسًا ونورًا للمتقين من أنبياء بني إسرائيل ومن سلك منها حظهم، وكان دانيال الحكيم -﵇- (١) منهم. عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: ضرّى بختنصر أسدين وألقاهما في جب وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجا، فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب فأوحى الله [إلى أرميا -﵇- (١) أن اتخذ طعامًا وشرابًا لدانيال، فقال: يا رب أنا بالأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله] (٢) إليه أن اتخذ ما أمرنا فإنا سنرسل إليك من يحملك ويحمل ما أعددت، ففعل فأرسل الله إليه من حمله وحمل ما أخذ حتى وقف على رأس الجب فقال دانيال: من هذا؟ قال: أرميا، قال: ما جاء بك؟ قال: أرسلني إليك ربك -﷿-، قال: وقد ذكرني؟ قال: نعم، قال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، [والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانًا، والحمد لله الذي يجزي (٣) بالصبر نجاة، والحمد لله الذي يكشف ضرّنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا] (٤)، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا (٥).
﴿إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ من قبل موسى وهارون، وقيل: أراد تقديم الرشد على النبوة والرسالة.
﴿التَّمَاثِيلُ﴾ جمع، واحدها تمثيل (٦) وتمثال، فالأول مصدر والثاني الصنم، ومثاله التمساح. عكرمة عن ابن عباس قال: كان آزر يصنع أصنامًا يبيعها يطبع عليها بطابعه، فكل صنم يوجد ليس عليه طابع آزر روي أنه
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ما بين [] كرر في "ب" مرتين.
(٣) (يجزي) تكررت مرتين في "أ".
(٤) ما بين [] سقط من "ب".
(٥) ذكره ابن كثير في "قصص الأنبياء" من طريق ابن أبي الدنيا (٤٩٥).
(٦) (جمع واحدها تمثيل) ليست في "أ".
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
خلاف لما أمر به الملك وقبل عليه، فكان آزر يبعث بها فيطاف بها في الأسواق والقرى التي حولهم فيبيعون ويرجعون إليه بالأثمان، ويبعث إبراهيم فينادي بأعلى صوته: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ ويضرب رؤوسها بقراعة معه ويقول: يا لك غرورًا، ثم يأتي بها إلى النهر فينكس رؤوسها فيقول: ألا تشترين؟ ما رأيت كاليوم أمرًا أعجب! يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يدري من عبده أو كفر به، فيقول بعضهم ممن يسمع إبراهيم يقول هذا: أرأيت آزر وهو ثقة الملك على هذه الأصنام كيف يبعث بها مع هذا المجنون يقول ما يقول من إظهار عيبها! فبعضهم يقولون: مجنون، وبعضهم يقولون: ضعيف، وبعضهم يقولون: هو صاحب نمرود، قال: وبلغ نمرود كل ما يقول واسمه وحسب له ميلاده فإذا هو يكون في الشهر الذي عرف والذي (١) ذبح عليه الولدان وقد ذبح أكثر من ألف من الولدان، قال: فنظر إبراهيم -﵇-: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٨ - ٩٠] والسقيم عندهم المطعون، وعرف أنهم يهربون من الطاعون خوفًا من العدوى، فخرجوا من عنده هاربين.
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ عن الواقدي عن أشياخه قال: كان آلهتهم العظمى عشرة من نحاس على سرر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد أعينها أحمر لها لهب كلهب النار لكل واحد منها عينان تتوقدان في الظلمة وسائره ملبس بصفائح الذهب مكلل بالياقوت، فلما دخل عليها إبراهيم -﵇- وجد عندها طعامًا كثيرًا قد وضعوه وشرابًا من خمر فأقبل عليهم ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أي بيمينه التي حلف بها ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾، ويقال: بيمينه أي بيده، وجعل يقول: ألا تأكلون؟ ألا تشربون؟ وهراق ذلك الطعام وجعل يكسرها بفأس، ثم عمد إلى أعظم العشرة الأصنام يقال له براح فعلق الفأس عليه وتركه والفأس معلقة عليه، وكان فعل إبراهيم هذا بهم وافق عيدًا لهم يخرجون إليه يقيمون (٢) فيه ثلاثًا يعكفون، فلما
_________________
(١) في "ب": ( والشهر الذي ذبح).
(٢) (يخرجون إليه يقيمون) تكررت في "ب" مرتين.
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
رجعوا إلى مدينتهم، وكانوا إذا دخلوا من مغيب أو خرجوا إلى مغيب سفر لم يدخل أحد بيته حتى يسجد لها، وإذا خرجوا لم يخرجوا حتى يسجدوا لها، وإذا نزل بأحدهم أمر ذهب إليها.
﴿جُذَاذًا﴾ قطعًا ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ (١) الضمير راجع إلى الأصنام، وقيل: إلى الناس (٢).
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ قال: لما رجعوا من عيدهم بدؤوا بها قبل بيوتهم فرأوا ما فعل بها فقال نمرود: من فعل هذا؟ قال رجل من خزان آلهتهم سمع إبراهيم عند خروجهم يقول: لأكيدن أصنامكم: سمعت ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ يقول ذلك، فأخبر الملك، فدعا إبراهيم فقال له: أرأيت إلهك هذا الذي تعبده وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته وعظمته وربوبيته التي تعظم بها على غيره ما هي صفها لي، قال إبراهيم -﵇- (٣): إن ربي يحيي ويميت، قال نمرود: فأنا أحيي وأميت ثم ذكرنا في الحديث.
﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي جهارًا نهارًا ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ على إقراره، وقيل: يشهدون على الإنكار عليه (٤) ويرتدعون (٥) عن الإقدام على مثل صنيعه.
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - "لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: أختي" قال: لهذا
_________________
(١) في الأصل: (كبيرهم).
(٢) الأظهر أن الضمير عائد على الأصنام لأنهم موطن الذكر في هذه الآية، ولذا قال ابن عباس في هذه الآية: إلا عظيمًا لهم عظيم آلهتهم. أخرجه الطبري عنه في تفسيره (١٦/ ٢٩٦).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (عليه) ليست في "ب".
(٥) في الأصل: (فيرتدعون).
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
النوع من الكذب رتبة الصدق، قال -﵇- (١): "لا كذب في اثنتين: في إصلاح ذات البين، وفي حديث الرجل لامرأته وحديث المرأة لزوجها" (٢).
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ صرفوا بالخذلان على أدبارهم فانصرفوا عن تلاومهم إلى جدال إبراهيم -﵇-، والمنكوس: المعكوس. ﴿مَا هَؤُلَاءِ﴾ الحجر كقوله: ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود: ٧٩] ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ عن الواقدي عن شيوخه قالوا: أمر نمرود بإبراهيم إلى السجن أولًا فجلس سبع سنين، وجعل إبراهيم يدعو أهل السجن إلى الله وعبادته حتى فشا أمره وأحبّه قوم على دينه ولم يدخلوا معه، فجاء السجان إلى الملك فقال: إن الملك كان قد غضب على قوم في حبسه خالفوه فكانوا يطلبون رضاه ويأتي الملك، فدخل إبراهيم السجن (٣) فدعاهم إلى عبادة إلهه، فقد رأيتهم قد ركنوا إلى قوله وأحبوه فأنا أخاف أن يتبعوا دينه ويتركوا دين الملك، ما يرى في السجن صنمًا إلا كسره حتى هانت عليهم موجدة الملك قالوا: ما نبالي (٤) لو قتلنا على هذا الدين، فبلغ نمرود من ذلك ما شق عليه واغتاظ غيظًا شديدًا.
وعن عكرمة عن ابن عباس: قال (٥) نمرود لإبراهيم -﵇-: يا إبراهيم (٦) آية قتلة أقتلك وقد صنعت بآلهتنا ما صنعت؟ قال: فقال رجل من الأعراب وهم أكراد الجبل (٧): حرّقوه بالنار، قال نمرود: أصبت (٨) ما في نفسي، ما رأيت كلمة أشفى لما أجد من كلمتك.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) مسلم (٢٣٧١).
(٣) في الأصل: (إبراهيم إلى السجن).
(٤) في "ب": (ما بالنا).
(٥) (قال) كررت في "ب".
(٦) (السلام يا إبراهيم) ليست في "أ"، (السلام) ليست في "ي".
(٧) ذكره الطبري في تاريخه (١/ ١٤٦)، وفي تفسيره (١٦/ ٣٠٥).
(٨) (أصبت) تكررت إلا في الأصل.
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
وعن جابر قال: سمعت الهرمزان يحدث في عهد عمر - ﵁ - قال: لما أرادوا أن يحرقوا إبراهيم -﵇- (١) جعلوا له حيزًا خمسين في خمسين وطوله ستين (٢) ذراعًا وعرضه عشرة أذرع وله أساس في الأرض عشرون ذراعًا، ثم نادى منادٍ بعزيمة الملك على أهل مملكته أن يحملوا أجزل الحطب فيلقوه في الحيز (٣)، فطرحوا فيه جزل الحطب خمس عشرة (٤) ليلة فلم يبق أحد إلا ألقى الحطب، فلما ساوى الحطب رأس الحيز وجُعل له بابان من حديد باب يدخل فيه وباب يخرج منه لحمل الحطب، فلما بني كذلك والبابان مسدودان أذاب عليهما النحاس وأوقد النار في الحطب حتى غشي اللهب المدينة وأظلم عليهم الدخان فصار كالسحاب، وسمع للنار مثل وقع الحديد على الحديد وارتفع في السماء لهبًا (٥).
فلما أرادوا يلقونه فيها صاحت السماء والأرض وما بينهما إلا الثقلين: ربنا ليس في أرضك هذه الواسعة سهلها وجبلها وبرها وبحرها أحد يعبدك غيره يُحرق بالنار، فأذن لنا في نصره، فقال ﵎: إن دعَا أحدًا منكم فأغيثوه فإني قد أذنت لكم في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا وليّه خلوا بيني وبينه (٦)، وأقبل إبراهيم -﵇- (٧) على الدعاء يقول: ربّ أنت واحد في السماء وأنا واحد في الأرض، قال: فأوحى الله -﷿- إلى النار أن كوني بردًا وسلامًا، فكانت (٨) كما قال الله تعالى.
فمكث في النار سبعة أيام وبعث الله إليه ملك الظل في صورة إبراهيم
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (ستون).
(٣) في "أ": (الحيرة).
(٤) في "أ": (الحطيب خمسة عشر).
(٥) في "ب": (لهيبا).
(٦) ذكره الطبري في تاريخه (١/ ١٤٦).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) (فكانت) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه، ثم إن عدو الله ركب مركبًا له فمرّ بالنار وقد خبت وقد احترقت الجدر وذاب النحاس والحديد وصار الوقد والبناء رمادًا وأعاصير، وكانت الوطاويط يعني الخطاطيف يومئذ تطفئ عن إبراهيم النار، وكانت الأوزاغ تنتفخ عليه وتلهب عليه، قال أصحاب الملك: ما بقي شيء قد أراحنا الله من عدونا وأهلكه بأسوأ قتلة وشفي الملك منه وشفانا منه، وصارت النار رمادًا، فأنغض نمرود برأسه وقال: إني رأيت في المنام كأنما هذا الحيز وخرج إبراهيم من النار سليمًا (١) يحمد لم يُكلم وأنا طلبناه فلم تقدر لها (٢) عليه، فانظروا فإنه سيخرج منها سليمًا لم يُكْلم، قال أصحابه: أين ذهب الملك إن الحلم ليصدق ويكذب وأظن ذلك بكذب، قال نمرود: فابنوا لي صرحًا على أشرف النار فانظر في قعرها، ففعلوا فأشرف عليها ورأى إبراهيم -﵇- (٣) جالسًا، ورأى رجلًا مثله على صورته بروح إبراهيم -﵇- (٣) فناداه نمرود: يا إبراهيم الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار هل يستطيع أن يخرجك؟ قال إبراهيم: نعم، فخرج إبراهيم فاجتمع الناس فقالوا: من الرجل الذي كان معك؟ قال: ملك الظل، وهو الذي أيدني ربي به (٤) وأوحى الله إلى النار فقال: يا نار كوني بردًا وسلامًا فكانت عليّ كما قال.
ثم خرج إبراهيم إلى أمه حتى قعد إلى جنبها وهي في المجمع، فأقبلت سارة بنت هارون وكانت أول من آمن بإبراهيم حتى جلست إلى جنبه إيمانًا به وتعجبًا لما صرف عنه وقالت: يا إبراهيم إني آمنت بالذي جعل النار عليك بردًا وسلامًا، فقال لها إبراهيم: احذري القتل على نفسك، قالت: وكيف أخاف شيئًا وقد آمنت بربّ إبراهيم، إن الذي منع إبراهيم فما تزين لقادر على أن يمنعني، قال: وقال نمرود لأصحابه: قد أخبرتكم بالرؤيا التي رأيت مع ما كنا نجد في النجوم من ذكر إبراهيم
_________________
(١) في "ب": (سليمًا من النار).
(٢) (لها) ليست في "ي" "أ".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "أ": (به ربي).
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
وخلافة ما نعبُد أنه سيظهر، وكانت حول إبراهيم -﵇- (١) حين خرج من النار جماعة من الناس لا يحصى عددهم فهم يأتمرون به ليجددوا له عذابًا آخر، فأرسل الله تعالى ريحًا عاصفًا فنسف رماد تلك النار عن وجه الأرض ثم ذرته في وجوههم فخرجوا هاربين مولِّين، وأرسل نمرود إلى إبراهيم -﵇- (١): إني مقرب (٢) إلى ربك قربانًا لما رأيت (٣) من قدرته، ولما صرف عنك مما أردناه بك وصنعنا بك من أشد أصناف العذاب وأهوال القتل فاذبح له أربعة آلاف بقرة، فقال إبراهيم: إذًا لا يقبل منك شيئًا ما كنت على دينك، قال نمرود: يا إبراهيم لا تطيب نفسي بفراق ملكي، ولو أن قومي تركوا ملكي في يدي لاتبعتك ولكن قومي يأبون وأنا أضنّ بملكي، ولك علي أن لا تؤذى ولا تهان، فلم يهجه يومئذ ولم يتعرض له.
وعن سفيان بن عيينة قال: لما وضع إبراهيم في المنجنيق جاءه جبريل -﵇- فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا ليست لي حاجة إلا إلى الله تعالى (٤)، فأوحى الله إلى النار: لئن نلت من إبراهيم أكثر من حلّ وثاقه لأعذبنك عذابًا لا أعذبه أحدًا من خلقي.
قال: (البرد) خلاف الحر ويذكر ويراد به العافية والراحة، كقولهم في الدعاء: "اللهم أذقنا برد عفوك" (٥) قال: لو قال للنار كوني بردًا ولم يقل سلامًا لجمدت وأجمدت إبراهيمٍ -﵇- (٦)، ولو لم يقل ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لبطلت النار في الدنيا ولم تحرق شيئًا (٧) بعد ذلك.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (تقرب).
(٣) في "ب": (رأت).
(٤) هذا ورد عن السلف كما عند ابن جرير (١٦/ ٣٠٨).
(٥) ورد هذا في دعاء لعلي بن أبي طالب - ﵁ -، كما في البداية والنهاية (١/ ٣٣٢).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) هذا ورد عن ابن عباس وعلي - ﵄ -، كما عند أحمد في الزهد (٧٩)، وابن جرير (١٦/ ٣٠٧). وانظر: الدر المنثور (١٠/ ٣٠٩).
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ خسارتهم بقاؤهم في الضلالة وزوال ملكهم عند إنقضاء آجالهم إلى بدل سوء. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن إبراهيم لما خرج من النار سالمًا قال عمه هارون أبو لوط: إنما لم تحرقه النار لعبادتي إياها فحفظته فيَّ. ابنوا له أتونًا وأهلكوه بالدخان فإنّ الدخان (١) لا وفاء له ولا حفاظ، فبنوا أتونًا وأوقدوا فيه نارًا وأدخلوا فيه إبراهيم ولوطًا وسارة، فخرجت عنق من النار وأصابت لحية هارون فاحترقت بها وفتح الله طريقًا لإبراهيم ولوط وسارة فخرجوا سالمين.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ خصه لأن ولادته كانت بعد شيخوخة إبراهيم ويأس سارة فكانت آية من آيات الله تعالى، وخصَّ يعقوب لمكان نبوته وكونه إسرائيل الله ﴿نَافِلَةً﴾ عطية زائدة.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ نعمتنا (٢)، وهو مواساة إبراهيم إياه في الدنيا والجنة في العقبى.
﴿وَنُوحًا﴾ نصب بفعل مضمر، أي: ونجينا نوحًا (٣) ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ شدة الحزن، وانتصاب داود بفعل مضمر (٤).
و﴿نَفَشَتْ﴾ انتشرت السائمة وأرتعت بالليل من غير راعٍ، والألف واللام في ﴿الْقَوْمِ﴾ للتعريف لأن القصة معروفة عند أهل الكتاب، أو للتعريض عن الإضافة أي قومهما ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ أي على حكمهم ﴿شَاهِدِينَ﴾ مطلعين، والضمير عائد إلى داود وسليمان وقومهما.
_________________
(١) في "ب": (بالدخان لا وفاء).
(٢) في الأصل: (في نعمتنا).
(٣) ويجوز أن ينصب "نوحًا" عطفًا على "لوطًا" فيكون مشتركًا معه في عامله الذي هو "آتينا" المفسرة بـ "آتيناه" الظاهر، وكذلك داود وسليمان. [الدر المصون (٧/ ١٨٣)].
(٤) انتصاب "داود" عطفًا على "نوحًا". والتقدير: آتينا داود وسليمان حكمًا وعلمًا إذ يحكمان
[ ٣ / ١٢٣١ ]
وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ دليل على أنهما علمًا باجتهاد الرأي لا بالنص، وللنبي أن يجتهد في حادثة علم أصولها بالوحي، والهاء عائد إلى القصة. وعن ابن عباس قال: إن غنم قوم وقعت في كرم قوم ليلًا حين (١) خرج عنها قيده ليلًا (٢) فأفسدتها فاختصموا [إلى] (٣) داود ابن إيشا النبي (٤) -﵇- فَقَوَّمَ داود الغنم والكرم فكانت القيمتان سواء فدفع الغنم إلى صاحب الكرم بما أفسدت ولم يكن حمل الكرم كله، قال: فخرجوا (٥) من عند داود -﵇- (٦) فمروا على سليمان فقال: بم قضى بينكم الملك؟ [فأخبروه فقال: نعم ما قضى به وغير هذا كان أوفق بالفريقين جميعًا، فرجع أصحاب الغنم إلى داود -﵇-] (٧) فأخبروه بما قال سليمان، فأرسل داود إلى سليمان فقال: كيف رأيت قضائي من هؤلاء؟ قال: نِعْمَ ما قضيت، قال: عزمت عليك بحق النبوة وبحق الملك وبحق الوالد على والده إلا ما أخبرتني، فقال سليمان: غير هذا كان أوفق (٨) بالفريقين جميعًا، قال: ما هو؟ قال: يأخذ أهل الكرم الغنم بما أفسدت كرمهم فينتفعون بألبانها وسمنها وأصوافها ونسلها، ويعمل أهل الغنم لأهل الكرم في كرمهم حتى تعود كهيئة يوم أفسدت، فقال داود -﵇-: نعم ما قضيت، فقضى داود بينهم بذلك، فقوموا بعد ذلك الكرم وقوموا ما أصاب أهل الكرم من الغنم فوجدوه مثل ثمن الكرم فقضى به داود -﵇- (٩) (١٠).
_________________
(١) (ليلًا حين) ليست في "ب" وفيه (قوم خرجت).
(٢) (ليلًا) من "ب" فقط.
(٣) (إلى) منا ليستقيم المعنى.
(٤) (النبي) ليست في الأصل.
(٥) في الأصل: (فإن خرجوا).
(٦) (السلام) من "ب".
(٧) ما بين [] ليست في "ب"، (والسلام) ليست في "ي".
(٨) في []: (أو في).
(٩) (السلام) ليست في "ي لأ.
(١٠) بهذا السياق لم نجده، ولكن ورد مختصرًا عن ابن عباس عند ابن جرير (١٦/ ٣٢٢، ٣٢٣).
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
وحكم سليمان -﵇- (١) وهو ابن إحدى عشرة سنة. قول سليمان: غير هذا كان أوفق دليل على جواز مشاركة النبي والإمام في الاجتهاد لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقول داود -﵇-: عزمت عليك، دليل على وجوب طلب "الإحسان ما أمكن، ولهذا رجع أبو حنيفة من قول إلى قول، وفي قضائه بقضاء سليمان دليل أنه كان على سبيل الفتوى ولم يبرم قضاه، أو كان من شريعته فسخ الاجتهاد، أو (٢) أوحى الله إليه أن الحق ما قاله سليمان فصار فسخ اجتهاد بالنص، والحكم في شريعتنا على ما روى أبو هريرة عنه -﵇- (١): "العجماء جبار والمعدن جبار" وفي بعض الروايات: "جرح العجماء جبار" (٣) فيستعمل الخبرين العام على عمومه والخاص على خصوصه.
﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ دليل على حسن حكم داود وإن كان حكم سليمان أحسن منه، وإن أقاويل المجتهدين كلها دين الله تعالى ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ ﴿وَالطَّيْرَ﴾ لمحاولة داود كان خلاف العادة فتميز لأولي الألباب بإذن الله تعالى.
﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ ما يلبس كالمركوب ما يركب والسَّحُور ما يتسحر به، يعني الدرع من الحديد.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ كانت ريحه -﵇- (٤) ﴿تَجْرِي﴾ مدة رخاء ومدة عاصفة علي مقدار المراد مصلحة الحال، وذكروا في قوله ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] كان يقتل بأصطخر فارس ثم يروح إلى كابل ثم يرجع إلى بلاده، قالوا: وكان والي خراسان يومئذ كسرى بن ساوش ابن كيقابوس تزحزح لسليمان عن مملكة العراق وفارس حتى انتهى إلى بلخ،
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (أو) ليست في الأصل.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة، كتاب الديات (٣/ ١٤٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب جرح العجماء (٣/ ١٣٣٤).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
فنزلها ثم غاب غيبته واستخلف بهراسف، وروي أن سليمان -﵇- (١) حج البيت على سريره تحمله الريح.
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ﴾ إلى قعر الماء لاستخراج اللؤلؤ والياقوت ونحوهما ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ من المحاريب والتماثيل والطواحين والحمامات، وقد عملوا السيوف المعجونة السليمانية وبنوا له تدمر بالشام، ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي حابسين في طاعته وسلطانه أو عاصمين من عاجل العقوبة والهلاك، ويحتمل أن الضمير عائد إلى داود وسليمان وأوليائهما.
وذكر أبو الحسن أحمد بن محمَّد البلخي (٢): أن أيوب وابن أموص بن رزاح بن عيص ابن إسحاق (٣) وامرأته رحمة بنت إفراييم بن يوسف (٤) وكان بالبثنية وهي أرض من ديار الشام بين دمشق ورمكة، فلبث في قومه سبع سنين يدعوهم إلى الله فلم يجبه إلا ثلاثة نفر، وكان كثير المال والولد مباركًا عليه فيهما يملك ألف رأس ثور للحراثة، مع كل رأس ثور أتان تحمل آلات الحراثة، خلف كل أتان جحشان وثلاثة، والفدادون كلهم كانوا عبيدًا له، وكان ملك من الغنم ألف ألف وكانت الرعاة عبيدًا له، وكانت أولاده عشرة من الذكور وسبعة من الإناث، وكان أعبدَ خلق الله وأشكر خلق الله في زمانه فحسده إبليس، واعتقد أن سبب عبادته وشكره هي النعمة الظاهرة فلو انتزعت منه لكفر بالله -﷿-، وأحب الله أن يبتلي عبده باستلاب النعمة الظاهرة ليحليه في حلية (٥) البؤس والفقر كما حلاه في حلية الثروة والغنى ليظهر فساد اعتقاد عدوه، فسلطه الله على أمواله وأهله حتى أهلك الحرث والنسل شيئًا بعد شيء، ثم سلطه الله على جسده
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) لم نعثر على ترجمته.
(٣) ذكره الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٨١).
(٤) ذكرها أكثر المفسرين بهذا الاسم.
(٥) (في حلية) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
فمسه ونفخ فيه، فمن شؤمه انتفخ جسد أيوب -﵇- وخرج منه الجدري، ثم تدودت قروحه بعد ذلك من داخل وخارج ولم يسلم منه إلا قلبه ولسانه ودماغه.
ولبث في ذلك النبلاء سبع سنين، وكل ذلك من جهة إبليس بإذن الله تعالى وتخليته، وأيوب -﵇- في كل ذلك صابر شاكر بإذن الله تعالى ولطفه وحسْن توفيقه، وكان لم يبق معه أحد من أصحابه وحَوْلَهُ إلا امرأته كانت تطوف على أبواب الناس وتسأل فبعضهم ينهرها وبعضهم يتصدّق عليها فتجيء وتنفق عليه، فتراءى لها إبليس لعنه الله في صورة آدمي شاب صبيح مليح وقال لها: أيتها المرأة أنت امرأة من أولاد الأنبياء فما بالك تحت رجل من الأشقياء قد قلاه الله وابتلاه؟ قالت: بل هو نبي الله وصنعته، لست بمؤثرة عليه أحدًا أبدًا، ثم جاءت فذكرت ذلك لأيوب، فقال أيوب: إنما ذلك الشيطان فلا تكلميه ولا تجيبيه بشيء، ثم تراءى لها بعد ذلك وكلمها مثل كلامه (١) الأول وأجابته بمثل جوابها الأول، وأخبرت بذلك أيوب فقال: إنما ذلك الشيطان فلا تكلميه ولا تجيبيه بشيء (٢). ثم تراءى لها بعد ذلك وكلمها وأجابته كذلك وأخبرت بذلك أيوب فقال: أما قلت لك مرة بعد مرة أنه الشيطان لا تكلميه ولا تجيبيه، وحلف بالله تعالى أن يضربها (٣) مائة جلدة إنْ شفاه الله تعالى (٤).
وعن ابن عباس قال: قال أيوب -﵇- (٥): كان الركض برجلي أشد علي من النبلاء الذي كنت فيه، فأتاه جبريل -﵇- وقال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا
_________________
(١) في الأصل و"ب": (بمثل كلامه).
(٢) (بشيء) ليست في "أ".
(٣) (يضربها) ليست في "أ".
(٤) أخرج هذه القصة الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٥٤) عن وهب بن منبه، وأشار إليها القرطبي في تفسيره (١١/ ٣٥٤) وهي من قبيل الإسرائيليات.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢] ففعل ففجرت له عين فاغتسل منها فَصَحَّ جسده، ثم قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ ففعل ففجرت له عين فشرب فالتأم ما في جوفه وبرئ قدمه (١).
قوله: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ يقول: برأنا ما به من وجع شديد في جسده ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ فكانت امرأته ولدت له سبع بنين وسبع بنات فنشروا له ما كانوا قد ماتوا في ذلك النبلاء ومثلهم معهم، فـ (ضعفهم معهم) ولدت امرأته سبع بنين وسبع بنات (٢) ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي عظة للمتقين، وهذه الرجعة ليست بأعجب من رجعة عزير وعاميل (٣) والسبعين والألوف. وعن أبي حذيفة - ﵁ - قال: رد الله على أيوب أهله وولده من صلبه (٤) ومثل أمور ولده.
و(ذو الكفل) نبي من بني إسرائيل بعثه الله تعالى إلى ملك يقال له كنعان فدعاه إلى الإيمان وكفل له بالجنة وكتب له معه كتاب ذكر حق على الله، وآمن الملك وأوصى بأنْ يدرج ذلك الكتاب معه في طي أكفانه، ففعلوا ودفنوا الملك فرد الكتاب إلى ذي الكفل، وقيل له: إن الله يُقرئك السلام وقد وفي للملك ما كتب في ذمتك.
وذكر الكلبي أنَّ إلياس -﵇- (٥) كان (٦) في أربعمائة من الأنبياء فقتل الملك منهم ثلثمائة نبي فكفل ذو الكفل في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٦٤) عن الحسن مطولًا كما ذكره ابن عباس - ﵄ -.
(٢) من قال إن المراد بقوله "ومثلهم معهم" أنهم النسل هو الحسن البصري، أخرجه عنه الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٦٧). وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما دعا أيوب استجاب له، وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، رَدَّ إليه أهله ومثله معهم. أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٦٦).
(٣) في الأصل و"أ": (وحاميل).
(٤) لم نجده عن أبي حذيفة بهذا اللفظ لكن يغني عنه رواية ابن عباس آنفة الذكر.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) (كان) مكررة في "ب".
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
يطعمهم ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، فسمي "ذو الكفل" لكفالته طعامهم وشرابهم حتى أفلتوا.
وذكر الحدادي: أن اسم ذي الكفل عايوذا وكان نبيًا عند الحسن ورجلًا صالحًا كفل لنبي عبادته عند قتادة (١).
وذا النون قال النبي -﵇-: "لما بدا ليونس -﵇- أن يدعو الله -﷿- بالكلمات حين نادى وهو في بطن الحوت فقال: اللهم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأقبلت الدعوة تحت العرش فقال (٢) الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من مكان غريب فقال: ما تعرفون ذلك عبدي يونس الذي لم يزل يرفع عملًا متقبلًا ودعوة مجابة قالوا: يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه مِنَ النبلاء؟! فأمرت الحوت فطرحته بالعراء" (٣).
وعن سعد قال: قال النبي -﵇- (٤): "من دعا بدعاء يونس استجيب له" قال: يريد: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٥) عن ابن عباس قال: بعث عيسى -﵇- (٤) يحيى بن زكريا -﵇- (٤) في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، فكان فيما يعلمونهم أن ينهوهم عن نكاح بنت (٦) الأخت، وكان لملكهم (٧) ابنة أخت تعجبه وكان يريد أن يتزوجها وكان لها كل يوم
_________________
(١) الذي روي عن قتادة في قوله: "وذا الكفل" قال: قال أبو موسى الأشعري: لم يكن ذو الكفل نبيًا، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي فكفل بصلاته، فلذلك سمي ذا الكفل. أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٧٣).
(٢) في "أ": (فقالت).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" (ص ١٢)، وابن جرير في تفسيره (٦٢٨١١٩، ٦٢٩)، وابن أبي حاتم كما في "البداية والنهاية" (٢/ ٢٢، ٢٣).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣٨٦).
(٦) في "ب": (ابنة).
(٧) في الأصل: (يملكهم).
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
حاجة تقضيها، فلما بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح ابنة الأخت وقالت لها: إذا دخلت على الملك فقال: لك حاجة؟ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا [فلما دخلت عليه فسألها حاجتها فقالت: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا] (١).
فقال: سليني سوى هذا، قالت: ما أسألك إلا هذا، فلما أبت عليه دعا بطشت ودعا به فذبحه، فذرت قطرة من دمه على الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك منهم حتى يسكن، فقتل عليه منهم سبعين ألفًا.
وعن شهر بن حوشب قال: لما قتله رفع رأسه فجعلته في طشت من ذهب فأهدته إلى أمها، فجعل الرأس يتكلم في الطشت أنها لا تحل له ولا يحل لها ثلاث مرات، فلما رأت الرأس قالت: اليوم قرت عيني وأمنت على ملكي، فلبست درعًا من حرير وخمارًا من حرير وملحفة من حرير (٢) ثم صعدت قصرًا لها، وكانت لها كلاب تضربها بلحوم الناس فجعلت تمشي على قصرها فبعث الله تعالى عليها ريحًا عاصفًا فلفها في ثيابها فألقتها إلى كلابها فجعلن ينهشنها وهي تنظر، وكان آخر ما أكلن منها عينها (٣).
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ عورتها ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ قيل: إن جبريل -﵇- (٤) نفخ في جيبها (٥)، وقيل: في كمها، وقيل: في ذيلها، وفي "التحريم": ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: ١٢] هاهنا راجع إلى العورة وهناك إلى لفظ الفرج، وقيل: التأنيث راجع إلى الولادة والتذكير إلى الولد.
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) (حرير) ليست في الأصل.
(٣) ذكره ابن عساكر في تاريخه (٦٤/ ٢٠٨)، وشهر بن حوشب ضعيف عند عامة أهل الحديث.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) وهذا الذي رجحه الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٩١) وقال معناه: فنفخنا في حبيب درعها من روحنا.
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً﴾ وهما اثنان لأن كرامة مريم كانت معجزة ولدها كقوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١].
والقول مضمر في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني قوم عيسى -﵇-.
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: إن الله تعالى لما رفع عيسى ابن مريم -﵇-، وزعمت اليهود أنهم قتلوه وصلبوه وشك فيه كثير ممن اتبعه إلا نفر من الحواريين وأربعة من تلامذته والخمسة النفر ويهود ابن يعقوب، فإنهم لم يشكوا أن الله تعالى رفعه، وكان -﵇- (١) قد أوصى إلى تلامذته أن يخرجوا دعاة إلى الله تعالى وسمى لكل رجل بلدة وقال: إذا أتى الرجل منكم (٢) البلدة التي سميت له (٣) فليقل: إني رسول المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته، وأن آية كل رجل منكم أن ينطق الله لسانه بلغة القوم الذين أرسل إليهم، فلما رفعه الله إليه خرج كل رجل إلى البلدة التي سُميت له داعيًا إلى توحيد الله وعبادته، وأقام بقية الحواريين والتلامذة على منهاج عيسى -﵇- وشريعته حتى مات خيارهم من أولئك الرسل وغيرهم من الحواريين والتلامذة ومات أهل الدين والورع منهم، وبقي أتباع الحواريين وتلامذة التلامذة فاختلفوا وتنازعوا الرئاسة فيما بينهم وابتدع كل رجل منهم بدعة ضلال فضلوا وأضلوا.
(كفران السعي) تركه بلا ثواب، كما أن كفران النعمة تركها بلا ثناء ﴿أَنَّهُمْ﴾ إلينا (٤) ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ كالترجمة للتحريم إذا التحريم في معنى القول كقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (منكم) من "ي" "ب".
(٣) (له) من "ي" "ب".
(٤) (إلينا) من "ب".
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
والتحريم قد يكون تحريم إلجاء، وقد يكون تحريم ابتلاء، والرجوع قد يكون توبة كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] وقد يكون موتًا كقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] وقد يكون رجعة إلى الدنيا كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. فإن كان تحريم إلجاء فجائز مع رجوع التوبة كانوا محرومين مخذولين عن التوفيق للتوبة [ومجازة مع رجوع الموت كان حرامًا عليهم في قضائنا وتقديرنا أن يخلدوا ولا يموتوا كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا] (١) تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ومجازه مع الرجوع إلى الدنيا كان (٢) حرامًا على القوى التي أهلكناها أن لا يرجعوا إلى الدنيا [كان حرامًا على القرى التي أهلكنا أن لا يرجعوا إلى الدنيا] (٣) أي سيرجعون وهذا باطل لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] الآية، والثاني: أن يكون ترجمة للتحريم، أما التحريم في معنى القول أي تحريمنا عليهم هو أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، وإن كان تحريم ابتلاء مجازه مع تحريم رجوع التوبة. كان حرامًا على القرى التي أهلكناها أن يضروا ولا يتوبوا، ومع رجوع الموت لم يمنعني الكلام إلى الدنيا لم يمنعني الكلام أيضًا.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ يعني ردمهم. عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله (٤) من نوم مخمرًا وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله -يرددها ثلاث مرات- ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" (٥) وعقد عشرًا، قالت زينب: قلت: يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (٦) ويحمل الفتح والظفر بغنائمهم وأموالهم إذا هلكوا كقولنا: فتحنا الهند
_________________
(١) ما بين [] سقطت في "ب".
(٢) (كان) من "ب" "ي".
(٣) ما بين [] من "أ".
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (مثل هذه) ليست في "ب".
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه" كتاب الفتن (٧٠٥٩)، ومسلم (٢٨٨٠).
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
والسند وسنفتح قسطنطينية بإذن الله (١) ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ مرتفع من الأرض (٢) ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾ كناية عن الأبصار، في محل الرفع بالابتداء، وخبرها ﴿شَاخِصَةٌ﴾ أبصار الذين كفروا بيان لها كقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]، وقيل: عائدة إلى الحالة والخصلة.
﴿حَصَبُ﴾ ما يرمى، نقول: حصبته (٣) بكذا، قال قتادة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حطب جهنم (٤)، وقال: هو بالحبشة.
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ يعني الشياطين والأصنام، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] مخصصة لما قبلها، وقيل: رد على المحتج بعمومها، وقيل: ناقلة للعموم عن المجاز إلى الحقيقة.
وعن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - (٥) أتى قريشًا وهم في المسجد مجتمعون وثلثمائة وستون صنمًا مصفوفة في الحجر كل قوم بحيالهم فقال: "إنكم وما تعبدون من دون الله من هذه الأصنام في النار" ثم انصرف عنهم، فشقَّ ذلك عليهم مشقة شديدة وأتاهم عبد الله بن الزِّبَعْري السهمي وكان شاعرًا فقال: ما لي أراكم بحال لم أركم عليها قبل؟ فقالوا: إن محمدًا يزعم أنَّا وما نعبد في النار، فقال: أنا والذي جعلها بيته أن لو كنت هاهنا لخاصمته، قالوا: فهل لك أن نرسل إليه؟ فبعثوا إليه فأتاهم، فقال له عبد الله بن الزِّبَعري: أرأيت يا محمَّد ما قلت لقومك آنفًا خاص أم عام؟
_________________
(١) (الله) ليست في "ب".
(٢) روي بمعناه عن ابن عباس - ﵄ - قال: من كل شرف يقبلون. والشرف: المرتفع من الأرض. أخرجه الطبري عنه في تفسيره (١٦/ ٤٠٧).
(٣) في الأصل و"أ": (حصبة).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤١٢)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٣٩) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٥) (وسلم) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٤١ ]
قال: "بل عام لمن عبد من دون الله فهو وما يعبد في النار"، قال: أرأيت عيسى ابن مريم هذه النصارى تعبده، فعيسى والنصارى في النار، وهذا عزير يعبده اليهود فعزير واليهود في النار، وهذا حي من العرب يقال لهم بنو مُليح يعبدون الملائكة فالملائكة وهي في النار، وما آلهتنا خير من هؤلاء، قال: فسكت ولم يجبهم، قال ابن الزِّبَعْرِي: خصمتك ورب الكعبة. وضج أصحابه وضحكوا فقال الحارث بن قيس: حسبك يا محمَّد أي والذي جعلها بيته، فنزل قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٧، ٥٨] يقول: هم أجدل قوم بالباطل ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨] بالباطل.
ونزل في عيسى وعزير والملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ فقالوا: فهلا قلت هذا إذ سألناك ولكنك تذكرت إذ خلوت.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الموت لأنهم مستعدون له والدنيا سجنهم، وقال الكلبي: الإطباق على النار بعد خروج المؤمنين منها وذبح الموت بين الجنة والنار في صورة كبش أملح.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ ندرجها ﴿السِّجِلِّ﴾ الصك يطوى، وقيل: السجل أوراق الكاتب، وعن أبي الجوزاء قال: السجل كاتب للنبي -﵇- (١).
_________________
(١) ورد عن ابن عباس عند ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٦٢)، وابن عساكر (٤/ ٣٣٢). وورد من طريق أبي الجوزاء عند أبي داود (٢٩٣٥)، والنسائي في الكبرى (١١٣٣٥)، وابن جرير (١٦/ ٤٢٤)، والطبراني في الكبير (١٢٧٩٠)، والبيهقي في السنن (١٠/ ١٢٦)، وابن عساكر (٤/ ٣٣٢) وسنده ضعيف لا يصح، بل قال ابن كثير: لا يصح، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه. وهو مروي عن ابن عمر عند أبي نعيم في "معرفة الصحابة" (٣٧٠٠)، والخطيب في تاريخه (٨/ ١٧٥)، وابن عساكر في تاريخه (٤/ ٣٣٢)، وقال ابن كثير أيضًا: هذا منكر جدًا من حديث نافع عن ابن عمر ولا يصح أصلًا.
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
وذكر أبو عبيد الهروي أنه اسم ملك من الملائكة (١). وعن ابن عباس قال: قام رسول الله - ﷺ - (٢) بالموعظة فقال: "أيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى عراة غرلًا" ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية، قال: "أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وأنه سيؤتى برجال من أمتي ويؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] فيقال: هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (٣).
وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ الجنة ﴿فِي الزَّبُورِ﴾ زبور داود -﵇- (٤) (٥) ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ التسبيح والتهليل والوعظ، ويحتمل أن المراد بالذكر التوراة، وبالزبور كتاب داود، ويحتمل أن المراد بالذكر اللوح المحفوظ والزبور كتاب يعلمه الله.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ كونه رحمة لنا شيء لا يخفى، ولكفار قريش فمن حيث قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ولأهل الذمة فإيجابه حمايتهم والذب عنهم ولأهل العرب وأئمة الضلال فمن حيث تحقيقه عنهم يمحو لنفسهم السيئة لولا هؤلاء (٦)، ودعوته (٧) تتضاعف عليهم (٨) أوزارهم بإضلالهم الناس كافة.
_________________
(١) هذا مروي عن ابن عمركما عند ابن جرير (١٦/ ٤٢٣).
(٢) رواه البخاري (٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠)، ومسلم (٢٨٦٠).
(٣) (وسلم) في "ب".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) رواه الشعبي كما عند ابن جرير (١٦/ ٤٣٣، ٤٣٤). أما ابن عباس فقد ورد عنه تفسيره بالكتب، وفسره بالقرآن.
(٦) (لولا هؤلاء) من الأصل.
(٧) في "ب" "ي": (ودعوته).
(٨) في "ب": (عليه).
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أخبرتكم بخبر يقع لكم به علم إن تفكرتم ثم وقع به علمي وعلم من آمن بي ﴿أَقَرِيبٌ﴾ أقرب ما يتصور أو نعبد دونه لعلمه الضمير عائد إلى كتمان الموعود وتأخيره.
أراد بقوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ استنجاز الوعد كقوله: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] وقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] عن أبيّ، عنه -﵇- (١): "من قرأ سُورَةُ الأنبياء حاسبه الله حسابًا يسيرًا وصافحه وسلَّم عليه كل نبي اسمه فيها" (٢).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) حديث أُبي هذا الطويل والذي ذكر فيه فضائل سور القرآن كلها وثواب تاليها وبعض المفسرين يقسمون الحديث في فضائل كل سُورَةُ كما فعل أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره وتبعه الواحدي، وكذا فعل أبو بكر بن أبي داود، وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال: إنه حديث محال مصنوع بلا شك. أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٨٨)، وقال: هذا الحديث غير محفوظ، وأقره السيوطي في اللآلئ (١/ ٢٢٧)، وابن عراق في التنزيه (١/ ٢٨٥)، والشوكاني في الفوائد (ص ٢٩٦).
[ ٣ / ١٢٤٤ ]