مكية عند ابن عباس وعطاء إلا (١) ثلاث آيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] أنزلت بالمدينة أو بين مكة والمدينة (٢)، وعند ابن المبارك والكلبي عن ابن عباس هذه مدنيات وآيتان (٣) ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، و﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ [الأنعام: ٢١]، وعن الحسن ثلاث آيات نزلت بالمدينة ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] نزلت في ثابت بن قيس (٤)، وعن أبي أنها مكيّة كلها نزلت جملة (٥) واحدة، شيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد (٦).
_________________
(١) (إلا) ليست في "أ".
(٢) أما عن ابن عباس فرواه النحاس في "ناسخه" (٤١٥)، وذكره عنه أبو عمرو الداني في "البيان" (١٥١)، وأما عن عطاء فذكره الداني في البيان (١٥١)، وعطاء هو ابن السائب.
(٣) ذكره الداني في البيان (١٥١)، وأما عن ابن المبارك فلم أجده، وأما عن الكلبي فذكره ابن عطية في المحرر (٦/ ١)، والألوسي في "روح المعاني" (٧/ ٩٨).
(٤) ذكره القرطبي في تفسيره (٦/ ٣٨٢).
(٥) في "ب" "ي": (نزلت جملة بسم الله الرحمن الرحيم واحدة).
(٦) عن أبي ورد مرفوعًا عند أبي الشيخ كما في "الدر المنثور" (٦/ ٨،٧) وله شواهد عن أنس رواها الطبراني في الأوسط (٦٤٤٧)، والبيهقي في الشعب (٢٤٣٣)، وفي السنن الصغرى (١٠٠٧)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (١٨٧) وسنده ضعيف. وعن ابن عمر رواه الطبراني في الصغير (٢٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٤٤) وسنده ضعيف جدًا. =
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وهي ماية وسَبع (١) وستون آية حجازي (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ هما صفتان للسماوات والأرضِ، والتقدير: جعلهن [مظلمة ومنيرة كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] وإنما قدم الظلمات لأنها هي المخلوقات أولًا] (٤) فيما يروى عن ابن عباس (٥)، وقيل: لكونها مجموعة كالسماوات، ثم بعد هذه النعم كلها والدلائل بأسرها طفق هؤلاء الكافرون بربهم يشركون ويجعلون لله عديلًا وشريكًا. وعن النضر بن شميل أن الباء بمعنى عن (٦)، أي: عن ربهم يعرضون ويحرفون.
ثم خاطب جميع بني آدم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ والمراد به خلقه آدم من
_________________
(١) = وعن جابر رواه الحاكم (٢/ ٣١٤، ٣١٥)، والبيهقي في الشعب (٢٤٣١)، وسنده تالف حتى قال الذهبي: وأظن هذا موضوعًا. وعن ابن عباس كما عند ابن الضريس (٢٠١)، وأبو عبيد في الفضائل (٦٩). وعن أسماء بنت يزيد عند الطبراني في الكبير (٢٤/ ١٧٨)، وله لفظ آخر عنها في الخلعيات، هكذا ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦). ومجموع هذه الآثار تشعر أن لنزولها جملة واحدة أصل في السنة وإن كانت الروايات ضعيفة، والله أعلم.
(٢) (وسبع) ليست في "أ".
(٣) عدها المدنيون والمكيون كذلك، وأما الكوفيون فعدوها (١٦٥) آية، وأما البصريون والشاميون فعدّوها (١٦٦) آية. وانظر: "البيان في عدِّ آي القرآن" لأبي عمرو الداني (١٥١).
(٤) (بسم الله الرحمن الرحيم) ليست في "ب" "ي".
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
(٦) يروى عن قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور، رواه ابن جرير (٩/ ١٤٥)، وابن أبي حاتم (٧٠٧٩، ٧٠٨٣).
(٧) نقله عن النَّضر ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢)، والقاسمي في تفسيره (٤/ ٣١٦).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
الطين المبلول (١) بالماء المهيج للروح (٢) المولد حرارة بالهيجان، والدليل على أن أصل الخلقة من الطين هو الرجوع إلى الطين عند فسخ البنية، والأجل المقضي أجل الدنيا والأجل المسمى أجل الآخرة (٣)، وقيل: الأجل المقضي أجل اليقظة إلى النوم والأجل المسمى أجل الحياة إلى الموت (٤) وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقيل: الأجلان واحدة، والتقدير: ثم قضى أجلًا وذلك (أجل مسمى عنده)، وقيل: الأجل المقضي ما جعله من قضيته الطبيعية، والأجل المسمى عنده ما لا يتوصل إلى علمه من الحوادث. (الامتراء) من المرية وهي الشك.
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ مختصة بمن أصرّ على الكفر من قريش.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ التكذيب من توابع الإعراض، وإثبات (٥) العذاب من توابع التكذيب، فلذلك دخلت الفاء، ﴿أَنْبَاءُ﴾ الأخبار العظيمة وهي العذاب كما يقال في التهديد سيبلغك الخبر، و﴿مَا كَانُوا بِهِ﴾: ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
(القَرْن) مدة من الزمان مختلف في مقداره وحقيقته مدة استقامة بقاء العالم غالبًا على رسم واحد مشتق من اقتران أهل العصر واجتماعهم، والمراد بالقرن أهله، (التمكين) كالتسليط، يقال: مكنته ومكنت له، ﴿السَّمَاءَ﴾ المطر (٦)، و(المدرار) من الدر على وزن مفعال
_________________
(١) في "أ": (من الطين والماء المبلول المهيج).
(٢) في "أ" "ب": (بالروح).
(٣) هذا مروي عن ابن عباس كما عند ابن جرير (٩/ ١٥١)، وابن أبي حاتم (٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧١٠٠)، والحاكم (٢/ ٣١٥).
(٤) هذا مروي عن ابن عباس كذلك كما عند ابن جرير (٩/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم (٧٠٩٣، ٧٠٩٧) قال ابن كثير: وهذا قول غريب.
(٥) في "أ" "ي" "ب": (وإتيان).
(٦) يطلق السماء ويراد به المطر ومنه الحديث الذي رواه أبو داود (٤/ ٢٢٧)، ومالك في الموطأ (١/ ١٩٢) "في أثر سماء كانت من الليل" ومنه قول الشاعر وينسب لمعاوية بن مالك: إذا نزل السماءُ بأرض قومٍ رعيناه وإن كانوا غضابا
[ ٢ / ٧٠٥ ]
لا يؤنث، تقول (١): رجل مذكار ومئناث وامرأة مذكار ومئناث (٢)، ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ من تحت مساكنهم (أهلكناهم) بالخسف والمسخ والطاعون، ونقل الدول والولايات دون الموت الذي لا بدّ منه، و(الإنشاء): الابتداء.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ مختصة بكفار قريش (٣) الذين قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ١٩٠]، و(القرطاس) الصحيفة من أي شيء كان، وإنما قال: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ لتأكيد العلم الضروري فإن الرؤية يقع فيها على طريق المشاهدة [التخيل ولا يقع لحاسة المس، وقال: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ طالبوا رسول الله بآية توجب العلم الضروري] (٤) دون الاستدلال والاجتهاد، فبيَّن الله أن ذلك يوجب الإهلاك ورفع الإمهال.
ولو جعلنا الرسول ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ﴾ في صورة البشر ولجعلنا الأمر ملتبسًا للامتحان والابتلاء وترجية الثواب والعقاب.
_________________
(١) في الأصل: (نقول) بالنون.
(٢) قوله: ﴿مِدْرَارًا﴾ [الأنعَام: ٦] هو للمبالغة على وزن مفعال، قال مقاتل: ﴿مِدْرَارًا﴾ متتابعًا مرة بعد أخرى ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وهو كقولهم: امرأة مِذْكار، إذا كانت كثيرة الولادة للذكور ومئناث إذا كانت كثيرة الولادة للإناث، وأصله من "دَرِّ اللبن" وهو كثرة وروده على الحالب، ومنه قولهم: "لا دَرُّ دَرُّه" في الدعاء عليه بقلة الخير. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٢٢٩)، تفسير الرازي (١٢/ ١٣٢)، الدر المصون (٤/ ٥٤٢)].
(٣) يدل على ذلك سبب النزول وإن كان في سنده ضعف عن ابن إسحاق، قال: دعا رسول الله - ﷺ - قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبي بن خلف بن وهب، والعاص بن وائل بن هشام الذي يقول له: لو جعل يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعَام: ٧]. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧١٢٠)، وذكره البغوي في تفسيره معلقًا عن الكلبي ومقاتل (٣/ ١٢٩).
(٤) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
﴿فَحَاقَ﴾ قال الأزهري (١): الحيقُ: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، ﴿مَا كَانُوا﴾ أي: وبال، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من الأقوال والأفعال.
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لم يقدروا أن يطلقوا إضافة الملك إلى آلهتهم وكرهوا التسليم للسائل -﵇- فأمر الله أن يأتي بجواب سؤال بعينه وفائدة الإفحام، ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ضمن ووعَد الرحمة والإمهال (٢) بعد الدعوة إن شاء الله، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أي: والله ليجمعنكم، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ مبتدأ في معنى الشرط، ولذلك أجاب بالفاء (٣).
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اقتصار على أحد طرفي الكلام كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] والمراد بالسكون وجود الشيء في حيثيته، والمراد بهما الليل والنهار (٤) حالة القرار والتقلب، والجوهر في هاتين الحالتين السماء فما فوقها والأرض فما تحتها.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ جواب كلام الكفار في معنى الدعوة (٥) إلى الشرك، ﴿فَاطِرِ﴾ نعت لله، و(الفطر): الخلق، وقيل: الفتق بعد الرتق، قال: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ﴾ لاستحقاق الطاعة بالإطعام، ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ لنفي الحاجة، ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ في زمانه، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ نهي على قوله: قل، لا على قوله: أن أكون.
_________________
(١) هذا القول ذكره الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٢٣١)، وذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٥/ ١٢٦ - حاق).
(٢) في "أ": (الأمثال) وهو خطأ.
(٣) هذا أحد الأوجه في إعراب: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ [الأنعَام: ١٢] وهو قول الزجاج، والوجه الثاني: أنه منصوب بإضمار "أذم" وقدره الزمخشري بأريد، والوجه الثالث: أنه مجرور على أنه نعت للمكذبين، والوجه الرابع: أنه منصوب على البدل من ضمير المخاطب وإليه ذهب الأخفش. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٢٥٥)، الكشاف (٢/ ٨)، المحرر (٦/ ١٤)، الدرر المصون (٤/ ٥٥١)].
(٤) (الليل والنهار) من الأصل.
(٥) (الدعوة) ليست في "أ".
[ ٢ / ٧٠٧ ]
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ مسك الشيء بالشيء إمساكه إياه، والكشف نقيض التغطية.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ القهر: التسخير وصرف الشيء عن طبيعته، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ﴾ فائدة السؤال الإفحام ولتفخيم الأمر في نفوس المخاطبين، وفي الآية دلالة على جواز إطلاق اسم الشيء على الله وإنما لم يقل شهيد لي ولهم (١)؛ لأن الشهادة لم تكن لهم، وإنما لم يقل: عليَّ وعليكم؛ لأن الشهادة لم تكن عليه، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ دلالة أن الناس كلهم مخاطبون بالقرآن على شرط العقل والسماع، ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ استفهام بمعنى التقريع واللوم، والسؤال بأئن للتقريع.
﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ وهذه الفتنة أشد فتنة تصيبهم لجهلهم بعد الخسار والتجائهم إلى الإنكار والجحد بين يدي الجبار في دار القرار عند معاينة النار.
﴿انْظُرْ﴾ أمر تعجيب، ﴿وَضَلَّ﴾ غاب وفات، و﴿مَا كَانُوا﴾ هي دعاويهم الكاذبة في الدنيا.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ قيل: إن أبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحرث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية وأُبي ابني خلف استمعوا إلى رسول الله - ﷺ - (٢) ثم قالوا للنضر: أتعرف ما هذا؟ قال: لا، إلا أني أراه يحرك لسانه (٣)، ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كنان وهو الستر، ﴿وَقْرًا﴾ نقلًا والمراد به الخذلان، و﴿الَّذِينَ﴾ و﴿حَتَّى﴾ غاية لاستماعهم، أي: غايته الجدال والإنكار دون الإقبال والإقرار، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ واحدتها أسطورة، وقيل: أسطارة، وقيل: لا واحد لها، وهي ما سطره الأولون وكتبوه في كتبهم من الأسماء والأباطيل.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ والمراد بالنهي ذب أبي طالب عن النبي -﵇- (٤)،
_________________
(١) في "أ" "ب": (ولكن)، وفي "ي": (ولكم).
(٢) (- ﷺ -) من "ب".
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٨) من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وكذا القرطبي (٦/ ٤٠٥).
(٤) في "ب": (- ﷺ -).
[ ٢ / ٧٠٨ ]
رواية عن ابن عباس (١)، و(النأي) تباعده عن القرآن وموجباته، أخبر الله عن تناقض أمره وعجب فعله، إلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وابن زيد والحسن، وروي عن ابن عباس (٢): المراد بالنهي صدّهم وتنفيرهم الناس عن الإسلام (٣)، والنأي تباعدهم بأنفسهم، والنأي البعد (٤).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ حبسوا، وجواب لو محذوف.
﴿بَلْ﴾ ردّ لحقيقة تمنيهم بما اضطرهم إلى ذلك وهو ظهور ما كتموه وجحدوه من الشرك وغيره بشهادة (٥) سمعهم وأبصارهم وجلودهم وأيديهم وأرجلهم (٦). ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ إخبار عن غاية الموهوم والمتصور (٧) من حالهم المعلقة بشرط الإعادة ولا إعادة.
﴿إِنْ هِيَ﴾ كناية (٨) عن الحياة.
_________________
(١) ذكر ذلك عن ابن عباس عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٠٦)، وسعيد بن منصور (٨٧٤)، وابن جرير (٩/ ٢٠٣، ٢٠٤)، وابن أبي حاتم (٧١٩٩، ٧٢٠٦)، والطبراني في الكبير (١٢٦٨٢)، والحاكم (٢/ ٣١٥)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٤٠).
(٢) أما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (٩/ ٢٠١)، وابن أبي حاتم (٧٢٠٠، ٧٢٠٧). وأما عن مجاهد فرواه ابن جرير (٩/ ٢٠٢)، وابن أبي حاتم (٧٢٠٢). وأما عن قتادة فرواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٠٥)، وابن جرير (٩/ ٢٠٢)، وابن أبي حاتم (٧٢٠٣).
(٣) من قوله: (ابن عباس) إلى هنا: ليست في "ب".
(٤) قوله تعالى: "ينهون" و"ينأون" بينهما -كما قال البلاغيون- تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف، فـ"ينهون" انفردت بالهاء، و"ينأون" بالهمزة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] وقوله -﵇-: "الخيل معقود في نواصيها الخير". رواه البخاري (٦/ ٥٤ - كتاب الجهاد). والنأي هو البعد ومنه قول ذي الرمة: إذا غيَّرَ النأيُ المُحِبَّين لم يزل رَسِيْسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يبرحُ [البحر (٤/ ١٠٠)، ديوان ذي الرمة (٢/ ١٩٢)، الخزانة (٤/ ٧٥)].
(٥) في الأصل: (وغير الشهادة).
(٦) (وأرجلهم) ليست في "أ".
(٧) في الأصل: (والمتصور).
(٨) في الأصل: (بني كنانة) وهو خطأ.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ على سؤال ربهم، وهذا إشارة إلى البعث وأمور الآخرة حتى غاية التكذيب.
﴿بَغْتَةً﴾ فجأة وهو وقوع عن الموهوم. نداء الحسرة مجاز كنداء الويل والتمني، (التفريط): العجز والتضييع ﴿فِيهَا﴾ في الآيات، ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ جمع وزر، وهو الثقل المثقل للظهر، وقد وزر إذا أكمل الثقل فهو وازر ﴿وَمَا﴾ نكرة صلة، وقيل: تقدير اسم نكرة.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: الحياة المقصورة على الاشتغال بالمنافع العاجلة لا حياة من يكسب الآخرة بإذن الله، و(اللهو) أشد من اللعب وهو ما يلهيك عما يعينك، تقول: لهوت إذا لعبت ولهيت إذا غفلت، وإنما خصّ بأن الآخرة للمتقين خير من الدنيا لأن الأطفال والمجانين تبع للمتقين غير منفردين بالحكم حتى.
﴿أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ غاية الصبر والأيد الإصابة بالمكروه من قول أو فعل، ومما لا يبدل قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ [الصافات: ١٧٢،١٧١] وفيه تسلية للنبي -﵇- (١).
﴿كَبُرَ عَلَيْكَ﴾ عظم عليك (٢)، ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: شأن كفرهم، وهذا شرط وجوابه إن استطعت مع جزاء مضمر، أي فافعل (٣)، ﴿نَفَقًا﴾ سربًا (٤)، ﴿سُلَّمًا﴾ مرقاة، وفي هذا تعجيز للنبي -﵇-، وفي البأس إحدى الراحتين، أي: ليس بيدك شيء من الآيات الملجئة المضطرة فإنما أنت رحمة، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تنبيه على أنه شاء أن لا يجمعهم، وإنما نبه على
_________________
(١) في "ب": (للنبي صلى الله وسلم)، وفي "ي": (للنبي عليه).
(٢) (عظم عليك) ليس في "ب".
(٣) قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ [الأنعَام: ٣٥] هذا شرط، جوابه الفاء الداخلة على الشرط الثاني، وجواب الثاني محذوف تقديره: فإن استطعت أن تبتغي فافعل، ثم جُعِلَ الشرط الثاني وجوابه جوابًا للشرط الأول. [الدر المصون (٤/ ٦٠٧)].
(٤) في الأصل: (نفقًا في).
[ ٢ / ٧١٠ ]
تسلية النبي -﵇-، و(الجهل) أن تتكلف إيجاد ما علم (١) أن الله تعالى لم يشأه.
﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ هم الموفقون لاستماع الحق، والواو للاستئناف، ﴿وَالْمَوْتَى﴾ الكفار، شبههم بالموتى (٢) لعدم روح الإيمان، وذكر المبعث للتهديد.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ﴾ أخبر عن اقتراحهم أنه ملجئه وأنها مقدورة له ولكن ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وجه الحكمة في الإمهال إلى تتمة الآجال، وإيمان لمن قدر من النساء والرجال.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث التنبيه على كمال القدرة، و(جناح الطير) بمكان الأيدي وذكر الجناحين للتأكيد كقوله: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]، ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٧٧] والمماثلة بالحاجة إلى الصانع بالدلالة على حدوث ذواتها وبالشهادة لله بالوحدانية عن السدي، وبالتسبيح لله عن عطاء، وبأنها أصناف مصنفة تعرف بأسمائها عن مجاهد.
﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ ما ضيعنا وقصرنا، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يحتاج إلى علمه إلا ذكرناه مفسرًا أو مجملًا، وقيل: الكتاب: اللوح المحفوظ أو القضاء الذي قضاه الله على خلقه، و(الحشر) الموت عن علي وابن عباس (٣)، وقيل: الحشر البعث لاقتصاص بعضها من بعض، عن أبي هريرة عنه -﵇- قال: "تقتص الشاة الجماء من القرناء" (٤)، وقيل: إن الله يجازيها حقيقة المجازاة على مقدار ما ألمها من قبح الأفعال (٥) وحسنها، ثم
_________________
(١) في الأصل: (ما على الله أن الله).
(٢) في الأصل: (شبههم بالكفار الموتى).
(٣) أما عن علي فلم نجده. وأما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (٩/ ٢٣٤)، وابن أبي حاتم (٧٢٦٠).
(٤) مسلم (٤/ ١٩٩٧).
(٥) في الأصل: (الأنعام) وهو خطأ.
[ ٢ / ٧١١ ]
اختلفوا في حال الحيوانات، قيل: تصير ترابًا بعد الاقتصاص (١)، وقيل: ما تستأنس به الإنس أدخل الجنة ينتفع بها أهلها وسائرها يجعل كافورًا ومسكًا في الجنة، وقيل: يعوض هذه الحيوانات آلامها الدنياوية عوضًا متناهيًا، وقيل: عوضًا غير متناه، فكل هذا الحكم على الله تعالى لا يثبت إلا بالوحي أو بالأخبار المتواترة.
﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ سؤال إفحام (٢)، و﴿السَّاعَةُ﴾ اسم من أسماء القيامة كالآزفة، وهي اسم الجزء من أربعة وعشرين من الملوين واسم لكل مدة قريبة.
﴿بَلْ﴾ للإثبات بعد النفي، وإنما يدعون الله ويستجدونه إلى كشف ما أصابهم لما في صلة المخلوق من الفزع إلى الخالق عند الضرورة.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ أخذ الله إياهم بالبأساء كأخذه (٣) آل فرعون بالطوفان وأخواته، وأخذ أهل نينوى (٤) لما عاينوا من البأس.
﴿تَضَرَّعُوا﴾ إلى الأنبياء -﵇- (٥) وهم لم يفعلوا إلا الفزع إلى الخالق
_________________
(١) ورد ذلك عن عدة من السلف مثل أبي هريرة ومجاهد وعكرمة وغيرهم، ولفظ أبي هريرة قال: "يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم، والدواب، الطير، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ أن يأخذ للجَمَّاءِ من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا، فلذلك يقول الكافر: ﴿لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النّبَإِ: ٤٠] " أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٠٦)، والطبري (٩/ ٢٣٥)، وابن أبي حاتم (٧٢٦٢).
(٢) وهو سؤال بمعنى الإخبار بمعنى: أخبروني. ويجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام "قل" وتحذف الهمزة تخفيفًا وهي قراءة ورش وهو تسهيل مُطرد. [الكشف (١/ ٤٣١)، البحر (٤/ ١٢٥)].
(٣) في الأصل: (بأقباسًا كأخذ)، وفي "أ": (بالناس كأخذه).
(٤) يقصد قوم نبي الله يونس -﵇-.
(٥) هذا التفسير غير سليم فيما يظهر، فإنما يقصد بالتضرع لله واللجوء إليه ويكون تقدير الكلام: فَهَلاَّ إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المُكَذِّبَة رسلها الذين لم يتضرعوا عندما أخذناهم بالبأساء والضراء تضرعوا فاستكانوا لربهم وخضعوا لطاعته فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهذا اختيار وتقدير ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٧١٢ ]
صلة، وأما فرعون وقومه فإنهم كانوا يخادعون موسى -﵇- (١) ولا يتضرعون حقيقة، والمراد بالحث المستقبلون، وإن كان اللفظ في الماضين.
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ وهذا فتح على سبيل الاستدراج كقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] وإنما لم يفعل ذلك بهم على وجه المكر والعقوبة ليزدادوا إثمًا (٢)، (المبلس) الحزين، والإبلاس الاكتئاب (٣).
﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ آخرهم، وقيل: أصلهم (٤)، ذكر ﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ عبارة عن الاستئصال (٥)، وذكر الحمد نصرة المؤمنين بدلالة فحوى الكلام يدلس على أنه جواب الشرط وليس بمبتدأ، والهاء عائدة إلى المأخوذ أو الإحساس وإنما ذكرهم بمثل هذا الاقتضاء للطاعة والعبادة فصرف الآيات عن وجوهها إلى جهات مختلفة وعبارات شتى.
﴿يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون (٦).
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ في الآية دلالة أن الأنبياء أتوا بعد الإعجاز من الآيات هي البشارة والإنذار دون الإتيان بالآيات الملجئة إذ ذاك إهلاك (٧)،
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (إثمًا) ليست في الأصل.
(٣) قاله مجاهد: أخرجه عنه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٤٨) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) في الأصل: (أعلهم).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٠) عن ابن زيد، ودابر الشيء آخره، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: فأهلكوا بعذابٍ حَصَّ دابرهم فما استطاعوا له صرفًا ولا انتصروا [ديوان أمية (ص٦٣)].
(٦) قاله مجاهد وقتادة رواه عنهما الطبري في تفسيره (٩/ ٢٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٣١١).
(٧) في الأصل و"ب": (هلاك).
[ ٢ / ٧١٣ ]
والإهلاك إلى الله تعالى ودون الإتيان بكل ما يقترفه، الإثم إذ ذاك شيء لا نهاية له، ووجود (١) ما لا نهاية له محال.
﴿خَزَائِنُ﴾ جمع خزينة، والخزينة الأموال المخزونة المستورة عن أعيُن الناس، والخزانة بكسر الخاء الموضع المخزون، والصناعة: الخازن بفتح الخاء المصدر، وأراد هاهنا غوامض مقدوراته ونعمه المستورة، ﴿الْغَيْبَ﴾ ما لم يطلعه الله عليه ولم يخبره عنه، وفي الآية أربع خصال من الأدب بترك الصلف وترك الكبر وحسم التهم والشبه ووضع سنَّة يستنُّ بها من بعد، ﴿الْأَعْمَى﴾ الكافر الجاهل ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمن العالم (٢).
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ﴾ نزلت في شأن المؤمنين (٣) ﴿بِهِ﴾ بالقرآن والوحي، ﴿يَخَافُونَ﴾ يعلمون، قاله الحسن (٤). وإنما خصّ المؤمنين لانتفاعهم به كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾ [يس: ١١].
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ نزلت في الموالي والفقراء مثل عمار وبلال وصهيب وخباب وسالم وابن مسعود. كان أبو جهل قال: يا محمد، لو طردت هؤلاء لأتاك أشراف قومك (٥)، وعن السدي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن قالا: يا محمد، تأتيك وفود العرب ونحن نستحي أن
_________________
(١) في "أ": (فوجود).
(٢) قاله ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٦)، ورواه عن قتادة.
(٣) روي ذلك عن ابن مسعود، رواه أحمد (٧/ ٩٢)، وابن جرير (٩/ ٢٥٨، ٢٥٩)، وابن أبي حاتم (٧٣٤٢)، والطبراني في الكبير (١٠٥٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٤٦) وسنده حسن ولفظه: (مرّ الملأ من قريش على النبي - ﷺ - وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعَام: ٥٣]؟! أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعَام: ٥١] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الأنعَام: ٥٨].
(٤) انظر تفسير القرطبي (٣/ ٤٣١).
(٥) لم أجده عن أبي جهل، ولكن ذكر في بعض الروايات جمع من كبار كفار قريش كعتبة وشيبة ابني ربيعة، ومطعم بن عدي وغيرهم. أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٦٣) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٣) إلى ابن المنذر.
[ ٢ / ٧١٤ ]
نجلس معك وعندك هؤلاء فاطردهم عنك إذا حضرنا واجلس معهم إذا صرفنا، فهمَّ النبي -﵇- بالإجابة وأظهر شيئًا من ذلك فطلبا منه كتابًا وعهدًا فدعى (١) عليًا ليكتب لهم الكتاب فأنزل الله، فألقى الصحيفة من يده وعانق هؤلاء الفقراء (٢)، والطرد في معنى التنفير والحشر، ﴿يَدْعُونَ﴾ يعبدون لا يريدون بعبادتهم (٣) إلا وجه الله وجوابه (٤)، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي (٥) العارض بين النهي وجوابه وذلك قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليس عليك إحصاء أحوالهم وبواطنهم وحفظهما، ولا عليهم إحصاء أحوالك وبواطنك وحفظها فتجد بذلك (٦) عليهم سبيلًا، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ وإنما السبب الجامع بينك وبينهم اتصال البلاغ بالقبول فقط وقد بلغت وقبلوا فلا سبيل لك عليهم في طردهم.
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، ﴿أَلَيْسَ﴾ ابتداء كلام من الله على وجه الإثبات فإنه دخل على المنفي.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ﴾ نزلت في شأن من تقدم ذكرهم، وعنه -﵇- كان إذا رآهم يبدأهم بالسلام ويقول: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" (٧)، ﴿كَتَبَ﴾ وعد (٨) وأوجب حكمه، ﴿الرَّحْمَةَ﴾ وكذلك الواو للاستئناف (٩) والإشارة إلى ما تقدم.
_________________
(١) في الأصل: (فطلبا).
(٢) ابن ماجه (٤١٢٧)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٢٠٧، ٢٠٨)، وابن جرير في (٩/ ٢٥٩ - ٢٦١)، وابن أبي حاتم (٧٣٣١، ٧٣٤٦)، والطبراني في الكبير (٣٦٩٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٤٤)، والبيهقي في الدلائل (١/ ٣٥٢، ٣٥٣) وسنده صحيح ثابت.
(٣) بعبادتهم ليست في الأصل.
(٤) في جميع النسخ: (جوابه فتكون )، والمثبت من الأصل.
(٥) قاله النحاس في إعرابه (٢/ ٥٤٨)، والزجاج في معاني القرآن (٢/ ٢٥٢).
(٦) في الأصل: (وتجد عليهم سبيلًا).
(٧) روي هذا عن الحسن وعكرمة كما عند ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٤٨).
(٨) (وعد) ليست في الأصل، وكتب في الأصل: (كتب واو وأوجب ..).
(٩) أي: الواو التي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعَام: ٥٤].
[ ٢ / ٧١٥ ]
﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ والواو للعطف على مضمر تقديره لتفصل الآيات، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ أو ليتوقف عليها وليستبين (١)، الإجرام ارتكاب الجريمة، والجريمة الجناية.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ أي: إن اتبعت أهواءكم، أكد جزاء الشرط.
﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بصيرة (٢) واستبانة من أمري، ﴿مَا عِنْدِي﴾ نفي، الذي ﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآيات الملجئة ونزول العذاب، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ لا يرفع الاجتهاد وفي الشريعة لأنه من أحكام الله تعالى.
وفي قوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ دلالة أن النبي -﵇- كان يريد نزول العذاب بهم بعدما ضاق بهم ذرعًا لكن لم يكن بيده، ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: بمن يثبت على كفره فيحق عليه العذاب وبمقدار استحقاقه.
﴿مَفَاتِحُ﴾ خزائن واحدها مفتح وآلة الفتح مفتاح، وجمعها مفاتيح بالياء، وعن مجاهد أن البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء (٣)، والعلم علمه الأشياء على التفصيل والسقوط انحدار في الهواء (٤)، ﴿وَرَقَةٍ﴾ واحدة ورق الشجر، ﴿لَا يَعْلَمُهَا﴾ علم تقلبها في الهواء كم مرة، ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ و(الرطب): الماء والريح، و(اليابس): النار والتراب، وقيل: الرطب ما ينمى، [والظاهر الرطب ما فيه بلة] (٥)، واليابس ما فيه جفاف،
_________________
(١) التقدير الذي قدره الكوفيون في هذه الآية هو: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ -لنبيِّن لكم- وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعَام: ٥٥]. قال أبو جعفر النحاس: وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه. والسبيل تُذَكَّر وتؤنث؛ فتذكيرها على لغة نجد وتميم ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ [الأعرَاف: ١٤٦] الآية. ولغة الحجاز التأنيث ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقول الشاعر وينسب إلى جرير: خَلِّ السبيل لمَنْ يبني المنار بها وابْرُزْ بِبَرْزَةَ حيث اضطرك القَدَرُ [إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٥٥١)، الدر المصون (٤/ ٦٥٥)، ديوان جرير (ص٢١١)].
(٢) (بصيرة) ليست في الأصل.
(٣) الطبري (١٨/ ٥١٠).
(٤) في "أ" "ب": (الهوى).
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٢ / ٧١٦ ]
وفي الآية دلالة أن العالم كله معلوم مضبوط داخل في الإحصاء محدود ذو نهاية، و(الكتاب): اللوح.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ وفاة النوم قبض من غير سلب وقطع وإبطال خلقه، بخلاف وفاة الموت، ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ يوقظكم في النهار، و(القضاء) يحتمل أن يكون فعل الله تعالى على وجه الإلجاء، ويحتمل أفعال المخاطبين على سبيل الانطباع.
﴿حَفَظَةً﴾ جمع حافظ، وهم الملائكة يحفظون الأعمال والأنفاس، ﴿أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: وقت الموت وأوانه، ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أعوان ملك الموت، وقال الزجاج (١): هم هؤلاء الحفظة.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى حكمه من السؤال والحساب وغير ذلك.
﴿تَضَرُّعًا﴾ التضرع التذلل وإظهار الخشوع، ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ حكاية الدعاء.
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ الآية مختصة بالدواهي ينجون منها، والحال بدل كرب وغم، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ بعد النجاة تثبتون على ترككم ثم تتركونه وزال عنكم بزوال القدرة ثم عاد بعودها.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم ذوي أهواء مختلفة، وشيعة الرجل خاصته وقبيلته، قال الحسن: المراد بالخطاب أهل الصلاة (٢)، وقيل: هم وغيرهم، وعنه -﵇-: "أنه استعاذ من عذاب تحت وفوق لأمته فأستجيب له فيهم، ولم يجب إلى أن لا يلبسوا شيعًا" (٣)، وقال -﵇-: "إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع إلى يوم القيامة" (٤).
_________________
(١) معاني القرآن (٢/ ٢٥٨).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٠٨) لكن بلفظ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعَام: ٦٥] قال: هذه للمسلمين.
(٣) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري (٤٦٢٨، ٧٣١٣، ٧٦٠٤) عن جابر بن عبد الله.
(٤) رواه الترمذي (٢٢٠٢)، وأبو داود (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، والإمام أحمد (٥/ ٢٨٤)، عن ثوبان - ﵁ -، ورواه الإمام أحمد (٤/ ١٢٣) عن شداد، والحديث صحيح.
[ ٢ / ٧١٧ ]
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: القرآن أو الخبر والتصديق، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ في تقدير (١) الحال لأنه جملة (٢)، ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: أمركم غير موكول إليّ.
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ لكل صدق موقع ووقت يحق فيه لا يتصور تأخيره وتقديمه.
﴿فَلَا تَقْعُدْ﴾ للمسامرة والتحدث دون الدعوة والإنذار، ﴿الذِّكْرَى﴾ ما يرفع النسيان.
وفي قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ دلالة أن المؤمنين دخلوا في النهي بالآية المتقدمة والظاهر من هذه الآية أن المقعود لم يكن منهيًا عنه لنفسه ولكن بمعنى (٣) الاحتياط، ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ النهي عظة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ عن مثل خوضهم.
﴿وَذَرِ﴾ أي: كف يدك عنهم إن كانت الآية منسوخة ونابذ إنْ لم تكن منسوخة، ﴿تُبْسَلَ﴾ ترتهن، ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي: أيّ عدل الحميم الحار.
﴿أَنَدْعُو﴾ استفهام بمعنى النفي، ﴿وَنُرَدُّ﴾ أي: يردنا أحد على أعقابنا والله هادينا، ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ دعته إلى أهوائها، وقيل: زينت له متابعة هوى نفسه، ﴿حَيْرَانَ﴾ في الأرض والحيرة الدهش، قيل: التشبيه وقع بعبد الرحمن بن أبي بكر كان كافرًا وكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام (٤)، ﴿ائْتِنَا﴾ حكايته الدعاء، وفي مصحف عبد الله ﴿بينًا﴾ (٥)، أي: دعاء بينًا.
_________________
(١) في "أ": (تقدم).
(٢) هذا أحد الوجهين في إعراب الجملة، والوجه الثاني أنها استئنافية وهو اختيار السمين الحلبي. [الدر المصون (٤/ ٦٧٣)].
(٣) في الأصل: (المعنى).
(٤) هذا ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٦٧)، عن ابن عباس عن أبي صالح، وانظر: القرطبي (٧/ ١٨).
(٥) ابن جرير (٩/ ٣٣٢)، وانظر: "مختصر الشواذ" لابن خالويه (٤٤).
[ ٢ / ٧١٨ ]
﴿بِالْحَقِّ (١)﴾ بالفعل الحق غير الباطل، وهذه متصلة بما قبلها (٢) بعدها ﴿الصُّورِ﴾ (٣) القرن، وقيل: شيء كهيئة القرن والبوق ينفخ فيه إسرافيل لنداء الخلق، وقيل: جمع (٤) صورة وهي الجسد، والنفخ نفخ الأرواح يوم البعث.
﴿آزَرَ﴾ لقب تارخ (٥) وهو كالذم والشتم بلغتهم بدل من قوله أبيه، (الأصنام) جمع صنم وهو التمثال كانوا يصوّرون على صور ملوكهم، وعلى صورة النجوم السيّارة بزعمهم.
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ نذكر من قصته أو كما أريناك (٦) أو على سبيل المجاز له؛ أي: كما ذم الإشراك كذلك أريناه دلائل التوحيد، ولفظه للمستقبل ومعناه للماضي، ويجوز مع عدم الإبهام، و(الملكوت) صيغة مبالغة من الملك، وقيل: المراد به نجوم السماء والأرض والجبال والبحار، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] عن السدي ومجاهد (٧) أنه فتحت له أبواب السماوات والأرض حتى نظر إلى العرش وإلى ما تحت الثرى، قال السدي: ورأى مكانه في الجنة (٨)، ﴿وَلِيَكُونَ﴾ ليقف أو ليشاهده.
_________________
(١) (الحق) ليست في "أ".
(٢) (بما قبلها) ليست في الأصل.
(٣) في "ي" والأصل: (صور).
(٤) في الأصل: (قادح).
(٥) هو (تارح) أو (تارخ) بالخاء والحاء، بالعربية بالحاء وعند أهل الكتاب بالخاء، وقد كتب العلامة أحمد شاكر في تحقيقه لكتاب "المعرب" للجواليقي بحثًا بذلك ص٤٠٧ - ٤١٣. وقد ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره (٧٤٩٥) عن ابن عباس أن اسم (آزر) (تارح).
(٦) في "أ": (أرينا).
(٧) أما عن السدي فرواه سعيد بن منصور (٨٣٣)، وابن أبي حاتم (٧٥٠٢). وأما عن مجاهد فرواه ابن أبي حاتم (٧٥٠١، ٧٥٠٣)، وتفسير مجاهد (٣٢٤) (هو لآدم بن أبي إياس). ورواه مختصرًا البيهقي في الأسماء والصفات (٦١٣).
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٥٠٢)، وسعيد بن منصور في سننه (٨٨٣).
[ ٢ / ٧١٩ ]
وجملة قصة (١) إبراهيم ببابل أن نمرود بن كنعان بن حام (٢) وهو فريدون بلغة العجم لما استرد الملك من الضحاك العادي واجتمع معه عشيرته كلهم وهم بنو أرمخشد تكلف على النجوم وأعجبه ذلك فاعتقده، ثم سوَّلت له نفسه دعوى الربوبية فادعاها واصطنع لنفسه سبعة نفر من عشيرته سماهم الكوهيارين (٣) وفوض إلى كل واحد منهم أمرًا من أموره ورتب المراتب، فكان آزر بين الأصنام، ثم إن أمر إبراهيم -﵇- وفساد ملك نمرود بسببه كان شيئًا موهومًا مخوفًا من جهة علم نبوي كان قد بقي من نوح -﵇- أو من جهة رؤيا رآها إبراهيم: نمرود إله، أو من جهة ما وضع الله ذلك على ألسنة الكهنة والعامة على سبيل الإرجاف، وفي تقادير المنجمين، فأمر نمرود بقتل الصبيان وأمر بحبس النساء عن أزواجهن وجعل نساء حضرته في حصن حصين، ووكل آزر عليهن وهو شيخ أمين عنده، ولا مرد لقضاء الله، فكان من قضاء الله وقدره أن خرجت إليه امرأته ذات يوم من الحصن بطعام وقت الهاجرة، فإذا نظر إليها آزر لم يملك نفسه أن واقعها فأعلقها، ولما ظهر الحبل سُقط في يده وخاف على نفسه ووعدته امرأته أن تخبره بوضع الحمل الثقيل إن كان غلامًا، فلما وضعت إبراهيم -﵇- أشفقت عليه وأخفته في مفازة، وقالت لآزر: إني ولدت ولدًا ميتًا فدفنته، فصدقها، وكانت تأتيه فتجده يمصّ إبهامه، ولما بلغ سبع سنين أظهرته على آزر وقد ألقى الله -﷿- عليه محبته فلم يجد آزر من نفسه أن يسلمه للقتل، ثم ألهم الله -﷿- إبراهيم التوحيد وذم الأصنام فكان يدعو أباه وهو يزجره ويهدّده بالملك وبالقتل (٤) ويظن أنه يقول ذلك
_________________
(١) في "أ": (قضية).
(٢) اختلف المؤرخون في نسب النمرود ففريق منهم ينسبه إلى سام، ومنهم مفسرنا منهم ينسبه إلى حام، والبعض يسميه (النمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح). وآخرون يسمونه النمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح. والبعض يسميه (النمرود بن كنعان بن كوش بن سام)، والله أعلم بالصواب.
(٣) في "أ": (أكوهيارين).
(٤) في الأصل: (والقتل).
[ ٢ / ٧٢٠ ]
من عزّة وصبا حتى إذا كسر الأصنام وظهر (١) أمره، قال نمرود لآزر: ما الذي حملك على كفران نعمتي وكتمان أمر هذا الغلام؟ قال: أيها الملك لا تعجل فإنّي إنما فعلت ذلك نصيحة لك ونظرًا لرعيتك، فإنّك تُفني الرعية خوفًا من عدوك ولا تعرفه، وأنا ربيت هذا الغلام فظهر أنه عدوك فاقتله ثم استرح وأرح الناس، ثم كان من أمر إبراهيم -﵇- ما كان، وأمّا هذه القصة فقد اختلف فيها قيل: كانت في المفازة قبل (٢) أن لقي (٣) أباه وهو إذ ذاك ابن سبع سنين، وعن محمد بن إسحاق والكلبي (٤) أنه كان ابن خمس عشرة سنة، وقيل: كانت حين جادل النمرود وقد رأى زُهرة أولًا في آخر الشهر، فلما غاب طلع القمر ثم ضاءت القمر بضوء الصبح ثم طلعت الشمس (٥).
﴿جَنَّ﴾ أي: أظلم، و(الكوكب) النور المجتمع في السماء، ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: أهذا ربي؟ استفهام على وجه الإنكار (٦) كقول موسى -﵇-: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢] أو تلك نعمة؟ وقيل: هذا ربي بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] وقيل: استدراج
_________________
(١) في الأصل و"ب": (فظهر).
(٢) (كانت في المفازة قبل) ليست في "أ".
(٣) في جميع النسخ: (ألقى)، والمثبت من "ي".
(٤) ذكره الطبري (١/ ١٤٣) عن محمد بن إسحاق، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣٣١) بعد أن سرد هذه القصة: هو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها لا سيما إذا خالفت الحق.
(٥) (الشمس) ليست في الأصل.
(٦) حذف همزة الاستفهام في "هذا" سائغ في كلام العرب وهو مستعمل كثيرًا ومنه قول أبي خراش الهذلي: رفَوْني وقالوا يا خويلدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجُوهَ هُمُ هُمُ؟ أي: أهمُ همُ. وقول الأسود بنيعفر، وقيل أوس: لعَمْرُك ما أدري وإن كنت داريًا شعيثُ ابن سَهْم أم شُعَيْثُ ابنُ مُنْقَر؟ أي: أشعيث بن سهم؟ فحذف الألف ونظائر ذلك كثير في كلام العرب. [ديوان الهذليين (٣/ ١٢١٧)، الكتاب (٣/ ١٧٥)، الطبري (٩/ ٣٦٠)].
[ ٢ / ٧٢١ ]
القوم ليطمئنوا إليها بإظهار الموافقة فيرجعوا برجوعه، ومثله يتصور في الشرع كالتقية، وعن بعض الحواريين نحو هذا، وقيل: إنه قول نظن والذي من مقدمات اليقين ويترتب اليقين عليه معفو عنه، إذ هو من خير الخواطر، ولكن الظن المذموم هو الظن اللازم وبعد اليقين، ﴿رَبِّي﴾ خالقي وفاعلي، وقيل: مدبري وسيدي بإذن الخالق الفاعل القديم الأول، ﴿أَفَلَ﴾ غاب وإنما قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ لأن الأفول يدل على اضطراب التدبير أو يدل على حدوث ﴿الْقَمَرَ﴾ النجم المختص بالإمحاق وهو أحد النيرين.
﴿بَازِغًا﴾ طالعًا، وقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ يدل أنه كان يعرف الله تعالى على قضية العقل حق معرفته، ويعلم أن التوفيق منه ولا حول ولا قوة إلا به وإن كانت الشبه تخطر بباله فيتكلم (١) بها، ويدل أيضًا أن غير المهدي يكون ضالًّا كافرًا وإن لم تبلغه الدعوة.
﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ يدل على أنه لا يعرف الشمس وإلا لقال: هذه، ويدل على أن الكبرياء والعظمة من صفة الربوبية (٢) على الإجمال، ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ يدل على أن الله تعالى تفضل عليه وهداه وأزال عنه الشبه جزاءً لاجتهاده وإلا لما كان للشبه موضع.
﴿وَجَّهْتُ﴾ توجيه الوجه إلى الله هو الإقبال على مرضاته، ﴿حَنِيفًا﴾ نصب على الحال.
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ الواو للحال، ﴿وَلَا أَخَافُ﴾ كلام مستأنف جوابًا لتخويف سبق منهم، ﴿شَيْئًا﴾ أي: خوفًا يقضيه الله عليّ ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ الذكر الذي أذكركم (٣) به من الآيات.
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ﴾ استفهام دخل على شيئين بمعنى الإنكار خوف إبراهيم وأمن المخاطبين، ﴿أَنَّكُمْ﴾ أي: بأنكم أو لأنكم لما وقع الإفحام
_________________
(١) في الأصل: (فينظم) وهو خطأ.
(٢) من قوله: (لا يعرف) إلى هنا: ليست في "أ".
(٣) في الأصل: (إذا ذكركم).
[ ٢ / ٧٢٢ ]
بالسؤال أتى إبراهيم بالجواب لسؤاله على طريق البيان، خلط الإيمان بالظلم بالبدع والأهواء والفسق.
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى محاجته -﵇-.
نصب ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بوهبنا، ﴿وَنُوحًا﴾ بهدينا وكذلك سائر الأسماء، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ ذرية نوح، وإنما ذكر نوحًا وهؤلاء ليبين سنته تعالى مع كل محسن أوذي في سبيله قديمًا وحديثًا.
(إلياس) رجل من سبط يوشع بن نون (١) بعثه الله إلى بعلبك وملكهم أجاب، وامرأته أزبيل (٢) كان الملك إذا تغيب استخلفها على ملكه وكانت بنت ملك وكانت فتانة (٣) للأنبياء، هي التي قتلت زكريا ويحيى وغيرهما، وتزوجها سبعة من ملوك بني إسرائيل فلم يؤمن الملك هذا بإلياس ولا امرأته فسأل الله تعالى أن يؤخر مذاقه الموت ويرفعه إليه فاستجاب دعوته وألبسه ريشًا يطير مع الملائكة (٤).
(إسماعيل) ابن إبراهيم، وقيل: أشمويل بن هلقانا، ﴿وَالْيَسَعَ﴾ رجل صحب إلياس -﵇- وكان تلميذه، فلما رفع إلياس نبأه الله تعالى بمثل روح إلياس، و(لوط) هو ابن هاران ابن تارخ، وهاران أخو (٥) إبراهيم (٦)، وآمن لوط بعمه إبراهيم وهاجر معه، ثم بعثه الله تعالى إلى المؤتفكات ثم رجع إلى إبراهيم فكان معه إلى أن مضى لسبيله، وقيل: إن أبا لوط من مدينة سدوم
_________________
(١) اختلفوا في نسب نبي الله "إلياس" فذهب محمد بن إسحاق إلى أنه: إلياس بن تسبى بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ابن أخي موسى نبي الله، ونقل عن ابن مسعود - ﵁ - أنه هو إدريس -﵇-؛ كما أن إسرائيل هو يعقوب. أخرجه عن ابن مسعود عبد بن حميد في تفسيره كما في التغليق (٤/ ٩)، وابن أبي حاتم (٧٥٥٦)، والطبري في تفسيره (٩/ ٣٨٣).
(٢) انظر: الطبري (١/ ٢٧٣).
(٣) في "أ" "ب": (قتالة).
(٤) رواه الطبري (١/ ٢٧٤) من طريق محمد بن إسحاق.
(٥) من قوله: (نبأه الله) إلى هنا: سقط من "أ".
(٦) انظر تاريخ الطبري (١/ ١٤٨).
[ ٢ / ٧٢٣ ]
صاهر تارح وتزوج بابنته وهي أخت إبراهيم فولدت لوطًا، ثم إن لوطًا (١) آمن بخاله إبراهيم وهاجر معه من بابل ثم لحق بأهل بيته بمدينة سدوم وهي ما بين الأردن إلى تخوم أرض العرب، ثم كان من أمره ما كان.
(وهدينا) جماعة من آبائهم، ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ معطوف على (هدينا).
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ والهاء عائدة إلى (٢) الكتاب والحكم والنبوة أو إلى القصة و﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى كفار مكة وأمثالهم، ﴿وَكَّلْنَا﴾ قيّضنا وألزمنا، ﴿قَوْمًا﴾ أي: المؤمنين إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي أنهم أهل المدينة (٣)، وعن قتادة أيضًا أنهم الأنبياء الذين سبق ذكرهم (٤)، وعن أبي رجاء أنهم الملائكة (٥).
(الاقتداء): الائتمام (٦) والاستنان ولزمنا شرائع من قبلنا بهذه الآية، وقيل: وجب الاقتداء في الأصول دون الفروع و﴿هُوَ﴾ ضمير يعود إلى القرآن.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظموه حق تعظيمه وما عرفوا رتبة ذكره (٧) ووصفه، قيل: نزلت في مالك بن الصيف وكان رجلًا سمينًا، فقال رسول الله: "أما قرأت في التوراة أن الله تعالى يبغض الحبر السمين"، قال: قرأت، قال: "فأنت الحبر السمين" فغضب وقال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٨)، وعن ابن عباس وقتادة ومحمد بن كعب أن جماعة من
_________________
(١) (ثم إن لوطًا) ليست في "أ".
(٢) (إلى) ليست في "أ".
(٣) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٩/ ٣٨٨، ٣٨٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٥٧١ - ٧٥٧٤).
(٤) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢١٣)، وابن أبي حاتم (٧٥٧٢، ٧٥٧٦).
(٥) المقصود بأبي رجاء العطاردي التابعي المعروف، وأثره هذا رواه ابن أبي حاتم (٧٥٧٧).
(٦) في "أ": (الاهتمام).
(٧) في "أ": (رتبته ذكروه).
(٨) ابن جرير (٩/ ٣٩٣، ٣٩٤)، وابن أبي حاتم (٧٥٩٧).
[ ٢ / ٧٢٤ ]
اليهود قالوا لرسول الله: أنزل الله عليك كتابًا من السماء؟ قال: "نعم"، قالوا: إن الله لم ينزل كتابًا من السماء ينزل على بشر (١) (٢)، وقيل: نزلت في خطاب قريش ثم قرأها على مالك بن الصيف (٣)، ويحتمل أنها نزلت في خطاب اليهود وأن الجعل والإبداء والإخفاء خبر عن آبائهم الماضين.
﴿مُصَدِّقُ﴾ أي: ليصدق الذي بين يديه، و﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة لأن مكة فيها ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] وقيل: لأنها قبلة سائر القرى ومكانتها بإنذار أهلها، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يدل أن الكافر به كافر بالله وباليوم الآخر في الحقيقة فإن الإيمان لا يتبعض.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب والأسود العنسي (٤)، وعن عكرمة أنها في مسيلمة الكذاب وابن أبي سرح، وكان ابن أبي سرح كاتب الوحي (٥)، وربما كتب الغفور الرحيم مكان العزيز الحكيم والعزيز الحكيم مكان الغفور الرحيم، ولا ينكر عليه رسول الله لأن الكل قرآن بعضه في بعض (٦). وذلك من الله فتنة واستدراج لابن أبي سرح حتى نزل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] الآية، فجرى على لسانه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقال -﵇-: "اكتب ما جرى على لسانك" فكتب وكان ذلك سبب كفره فارتدّ ولحق بمكة، فقال: إن أنزل إلى محمد قرآن فقد أنزل إلى كذلك وإلا فقد أتيت بمثله، (افتراء) افتعال من الفري وهو القطع، والمفتري يقطع من موهومه شيئًا فيتقوله، ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ظنًا منه وغرورًا، وإسناد الإنزال إلى نفسه مجاز، كقولهم: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ
_________________
(١) من قوله: (وعن ابن عباس) إلى قوله: (على بشر)، ليست في "ب".
(٢) رواه عن محمد بن كعب القرظي ابن جرير (٩/ ٣٩٥).
(٣) هذا مروي عن مجاهد رواه ابن أبي حاتم (٧٥٩٢).
(٤) الذي عند ابن جرير (٩/ ٤٠٦) عن قتادة أنها نزلت في مسيلمة فقط، وكذا عند ابن أبي حاتم (٧٦٢٦).
(٥) في الأصل: (سرج كاتبًا لوحي)، وفي "أ": (السرح كتاب الوحي).
(٦) رواه ابن جرير (٩/ ٤٠٥)، وانظر كذا ابن أبي حاتم (٧٦٢٦).
[ ٢ / ٧٢٥ ]
عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ﴿غَمَرَاتِ﴾ جمع غمرة وهو ما يعلو الإنسان ويغطيه ويغمره، والمراد بغمرات الموت هو الظاهر، وقيل: عذاب الآخرة (١)، وتصديقه قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: يقولون موتوا، وقيل: تخلصوا إن استطعتم، ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن قبول الآيات والإيمان به.
﴿فُرَادَى﴾ جمع فريد كأسير وأسارى تنفرد الأجزاء ثم بأحكامها حتى يصير الواحد بالتأليف ألوفًا، ولذلك يجحدون بأنفسهم وليشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وكل ذلك لزوال القدرة والتلاشي والتفسخ مشاهدة أو حكمًا عند مشاهدة الله تعالى وعرضه وسؤاله، ﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أعطيناكم وملكناكم [وأنعمنا به عليكم] (٢)، ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ بطلت دعاويكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ﴾ الفلق الشق و﴿الْحَبِّ﴾ بذور النبات كلها، واحدها حبة، ﴿وَالنَّوَى﴾ عجم التمر وسائر الثمار واحدتها نواة، وكمون (٣) النبات في الحبة ككمون النطف في الأصلاب، ولا محالة أن التمكين أصل وهو إجراء المركز وسائر الأجزاء المتركبة (٤) النامية فهي بعد الظهور (٥) من الهواء (٦) والغذاء بالإحالة، والتقليب (٧) من صنع الله تعالى.
_________________
(١) الغمرات جمع غَمْرَة، وغمرة كل شيء كثرته، وأصله: الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، تقول: غمره الماء إذا ستره وغطاه، ومنه قول الشاعر وينسب إلى بشر بن أبي خازم: ولا ينجي من الغمرات إلا بَرَكاءُ القتالِ أو الفرارُ وتجمع على غُمَر كَعَمْرة وعُمَر. وقد فَسَّر ابن عباس - ﵁- ﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ بسكرات الموت. أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٠٩). [ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي (ص٧٩)، الدر المصون (٥/ ٤١)].
(٢) ما بين [] ليست في الأصل.
(٣) في الأصل: (ويكون). وفي "أ": (كون).
(٤) في الأصل: (المركبة).
(٥) في "أ": (ظهور).
(٦) في "أ" "ب": (الهوى).
(٧) في "أ": (والتقلب).
[ ٢ / ٧٢٦ ]
﴿الْإِصْبَاحِ﴾ اسم كالإعصار والإبهام وهو الصبح، يقال: أبين من فلق الصبح، وكأنّ فلقه شق كاذبه لصادقه، ونسخ بعض الظلام بالضوء على ما يشبه التحلل، ﴿سَكَنًا﴾ ما سكن إليه أو عليه أو فيه من جوهر أو حال، وقوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ مصدر، أي: الشمس والقمر آيتي حسبان أو سميا حسبانًا لاختلافهما في الفلك وتسييرهما في البروج، وذلك إشارة إلى الفعل، والتقدير: النجوم المعروفة في السماء من السيارة، والثانية دون المجهولة التي هي رجوم الشياطين، والنجم السماوي الكوكب سمي نجمًا لظهوره.
﴿لِتَهْتَدُوا﴾ بالنجوم أراد اهتداء المسافرين للأمكنة التي يمكن المرور فيها على الصواب، وفي البحر، ولاستقبال القبلة، ولمعرفة الرياح.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بفتح القاف موضع القرار والسكون وبكسره الساكن الثابت، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ موضع الوديعة والأمانة أو عين الأمانة والوديعة (١).
﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أصل كل نجم وشجر، ويجوز دخول الحيوان فيه، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ أي: من الماء، و(الخضر) نعت (٢) من خضر يخضر، ﴿نُخْرِجُ﴾ صفة للخضراء كلام مبتدأ فيه من النبات الحب المتراكب السنبل والطلع الكفري في رأس النخلة فيه الحمار، ﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قنو وهو العذق، ﴿دَانِيَةٌ﴾ متدانية (٣) قريب بعضها من بعض أو القريبة التناول، ولم يذكر غير دانية اقتصارًا، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ ما يتخذ منه الزيت، وإنما خصهما لكثرة فوائدهما،
_________________
(١) هذه الآية: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعَام: ٩٨] مثل قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هُود: ٦]. قال ابن عباس - ﵄ -: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحام، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت. أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٣٣)، وهكذا رواه الطبري أيضًا عن ابن مسعود -﵁-.
(٢) في الأصل: (يعني).
(٣) (متدانية) ليست في "أ".
[ ٢ / ٧٢٧ ]
أو لشهرتهما وإعجابهم بهما، وقال الزجاج (١): لأن الورق يشمل هاتين الشجرتين من أولهما إلى آخرهما، و(الينع) النضج (٢) والإدراك وأنها من النبات.
﴿الْجِنَّ﴾ بنو الجان، ونصب لأن الجعل يقتضي مفعولين (٣) وقطعوا وميزوا من جنس الأمة، ﴿لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ عن السدي (٤) و(الخرقة) القطعة. ﴿صَاحِبَةٌ﴾ أنثى قديمة مجانسة (٥) مفاعلة وإثباتها لا يتصور؛ لأن الأنوثة والذكورة من أسباب الحاجة؛ ولأن الجنسية دالة على الوضع. والمثال والأحداث والمفاعلة تحتاج إلى (٦) التقسيم فإذا لم تثبت هذه المقدمات كيف يترتب ثبوت الولد عليه.
_________________
(١) معاني القرآن (٢/ ٢٧٦).
(٢) قاله ابن عباس - ﵄ - وقتادة السدي والضحاك، رواه عنهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٥٢)، قال أبو عبيد في مجاز القرآن (١/ ٢٠٢)، في "ينعه" إذا فُتِحَت ياؤُه: هو جمع يانع كصَحْب وصاحب، ويرى بعض أهل الكوفة أنه مصدر من قولهم: ينع الثمر فهو يينعُ ينعًا، ويقال: أينعت الثمرة وينعت إذا احمرَّت، ومنه حديث الملاعنة: "إن ولدته أحمر مثل الينعة". أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣٣٥).
(٣) في نصب ﴿الْجِنَّ﴾ أربعة أوجه أعرابية: أظهرها: أنه مفعول أول و﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول ثانٍ مقدم ويكون الجعل بمعنى التصيير. والوجه الثاني: أن ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول أول، و﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثانٍ، و﴿الْجِنَّ﴾ بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾ أجاز ذلك الزمخشري وابن عطية والحوفي وأبو البقاء ومكي بن أبي طالب. والوجه الثالث: أن يكون ﴿شُرَكَاءَ﴾ هو المفعول الأول، و﴿الْجِنَّ﴾ هو المفعول الثاني، قاله الحوفي. الوجه الرابع: ذكره أبو البقاء وهو: أن يكون ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولين، و﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بمحذوف على أنه حال من ﴿شُرَكَاءَ﴾ واستبعده السمين الحلبي، وقال: إنه لا يصح من حيث المعنى. [الإملاء (١/ ٢٢٥)، معاني القرآن للفراء (١/ ٣٤٨)، وللزجاج (٢/ ٣٠٥)، الدر المصون (٥/ ٨٤)].
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٥٥)، وابن أبي حاتم (٧٧٢٠)].
(٥) في "أ" "ب": (مجالسة).
(٦) (تحتاج إلى) ليست في "أ"، و(إلى) ليست في "ي".
[ ٢ / ٧٢٨ ]
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ المدرك المنيل الحاصل مقدور مقهور محصور مقصور مهجوم عليه، تعالى الله عن الاتصاف بهذه المعاني، والموجود المعلوم المعقول المشاهد حق ثابت، تعالى عن نفي هذه الصفات علوًا كبيرًا، و(البصر) الإحساس باليقين أو العقل بالقلب، و(أولو الأبصار) ذوو العقول والآراء، و﴿اللَّطِيفُ﴾ نافذ العلم دقيق العمل، وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾ الذي ليس يكشف.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ (قل): مضمر في أول الآية، و(الحفيظ) في معنى الرقيب والوكيل.
﴿وَلَا تَسُبُّوا﴾ قالت قريش للنبي -﵇- وللمؤمنين: لتمسكن عن ذكر آلهتنا أو لنهجون آلهتكم، فنهى الله تعالى عن سب آلهتهم (١)، وتعبّد المؤمنين بترك سب (٢) الكفر، ولو شاء الله لأخرسهم وختم على أفواههم، والسبّ هو الشتم والوقيعة، و(العدو) من الاعتداء كقوله: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠].
﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾ جمع فؤاد وهو أول الأعضاء الرئيسية وهو مركز الحرارة الغريزة، ولحم فئيد: مشوي، والمفئيد السفود ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: جزاء لكفرهم (٣) بالنبي -﵇- أول مرة عند إنشقاق القمر والتحدي بالقرآن والرجوع من بيت المقدس، ويحتمل أن الوعيد عقباوي والتشبيه وقع لحالة الدنيا.
وفي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ الآية دالة أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهؤلاء الجاهلين القدرية.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال
_________________
(١) ابن جرير (٩/ ٤٨٠)، وابن أبي حاتم (٧٧٦٠).
(٢) في الأصل و"ي": (تسبب).
(٣) في الأصل: (كفرهم).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
النبي -﵇- لأبي ذر: "هل تعوّذت بالله من شياطين الإنس" (١)، وقال مالك بن دينار (٢): شياطين الإنس أشد عليَّ (٣) من شياطين الجن لأنه يذهب بالتعوذ وهذا لا يذهب (٤) (٥)، ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ الكلام الباطل الحلو (٦) والشيء المزخرف المموّه المزين، ﴿غُرُورًا﴾ نصب على المصدر أو لأنه مفعول له.
﴿وَلِتَصْغَى﴾ معطوف على مقدر، والصَّغْو والصِّغو الميل، يقال: صغى يصغي ويصغو وصغى، و(الاقتراف) الاكتساب الدني.
(قل) مضمر أفغير (٧)، وهذا جواب لهم حين أرادوا أن يتحاكموا إلى بعض الطواغيت. ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مؤمنو أهل الكتاب الذين يعرفون ويجحدون.
﴿وَإِنْ تُطِعْ﴾ مثل قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، ﴿يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون، فلان يتخرص، أي: يكذب (٨) وكأنه قول تخمين ومنه خرص التمر، وقيل: الخراصون من مكان أي على الاستفهام.
﴿فَكُلُوا﴾ ذهب قريش مذهب الفلاسفة وبعض النصارى والمجوس في استحلال الميتة وما كان مذهبهم من قبل قالوا: ما قتل الله خير وأطيب
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ١٧٨، ١٧٩)، والنسائي (٨/ ٢٧٥)، عن أبي ذر، وسنده ضعيف جدًا، وروي عن أبي أمامة عند أحمد (٥/ ٢٩٥) وسنده ضعيف كذلك.
(٢) في الأصل: (دينا) وهو خطأ.
(٣) (عليَّ) ليست في "أ".
(٤) (بالتعوذ وهذا لا يذهب) ليست في "أ".
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (٧/ ٦٨).
(٦) في "أ": (الخلود).
(٧) (أفغير) ليست في "ب".
(٨) في "ي": (تخرص أي تكذب)، وفي "أ": سقطت (أي بتكذيب).
[ ٢ / ٧٣٠ ]
مما قتلتم بسكاكينكم، ولم يعلموا (١) أن إزهاق الروح من فعل الله تعالى وليست مزيّة الذبيحة على الميتة من أجل القطع بالسكين ولكن لأجل أن الذبح بإذن الله وعلى اسم الله الآية، فأنزل الله الآية لئلا يخطر ببال بعض المؤمنين شيء من هذا.
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أي: وما يمنعكم عن استحلال ما أحل الله لكم بعد ما بين لكم الحرام في غير حال الضرورة وبين حال الضرورة أيضًا، ورفع (٢) الشبه كلها ولم يبق للاحتياط والتعذر موضع ما.
﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الميتة وما تعمد على ذبحه ترك اسم الله أو ذبح من ليس بأهل للتسمية، وأراد مجادلة من كره التذكية (٣) واستباح الميتة.
﴿نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ حمزة وأصحابه ومن مثله (٤)، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أبو جهل وأصحابه، روي أنَّ أبا جهل رمى رسول الله - ﷺ - (٥) بالفرث وهو يصلي وذلك قبل إسلام حمزة، فسمع حمزة ذلك فغضب لابن أخيه تعصبًا وأقبل على أبي جهل يضربه بقوسه وأبو جهل يتضرع ويعتذر بأنه سفَّه (٦) أحلامهم وعاب (٧) آلهتهم، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده
_________________
(١) في "أ": (ليعملوا).
(٢) في الأصل: (وارتفع).
(٣) المثبت من "أ"، وفي بقية النسخ (الذكية).
(٤) في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعَام: ١٢٢] هو عمر بن الخطاب، وقوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعَام: ١٢٢] هو أبو جهل بن هشام؛ رواه الضحاك. وقيل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ هو عمار بن ياسر، وقوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ هو أبو جهل بن هشام، روي ذلك عن عكرمة، أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٩/ ٥٣٤) ولم أجد من ذكر أنه حمزة -﵁ -.
(٥) (- ﷺ -) ليست في "أ" "ى".
(٦) في الأصل: (يسقه).
(٧) في الأصل: (وغاب) بالغين، وهو خطأ.
[ ٢ / ٧٣١ ]
ورسوله (١)، و(الإحياء) إحياء في الرحم، و(النور) نور الإيمان، وقيل: الإحياء بروح (٢) القرآن أو الإيمان (٣) والنور نور أحدهما، ﴿مَثَلُهُ﴾ أي: هو، وقيل: إن صفته في الظلمات لا يوصف إلا بها.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ﴾ وقيل: استئناف والتشبيه بما وقع الإخبار عنه، ﴿جَعَلْنَا﴾ قدَّرنا، ﴿أَكَابِرَ﴾ جمع أكبر كأفاضل، وقيل: جمع كبير كبعير وأباعر، الآية ردّ على القدرية.
﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ﴾ قيل: إن الوليد بن المغيرة كان يتعرض للنبوة ويترشح لها ويطمع فيها ويقول: لو كانت حقًا لكنت أحق بها، وكذلك أمية بن أبي الصلت كان يتوقعها فلما حرمها أصرّ على كفره ومات عليه، ونزلت الآية فيهما (٤) وفي أمثالهما كانوا يأنفون عن الاتباع ويريدون أن يحظوا بوحي سماوي من غير وساطة بشر، ﴿صَغَارٌ﴾ مذلة عند الله في حكم الله.
﴿يَشْرَحْ﴾ الشرح التفسح ومنه شرح اللحم، و(الضيق) (٥) ضد الوسع، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ أي: يتعسر عليه الإيمان كما يتعسر عليه الصعود ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ ويحتمل أن قلبه يرتفع إلى السماء عن موضعه من التضايق كقوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠].
﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ دار الله أضيف إليه تشريفًا (٦) لها وتنويهًا بذكرها كما قيل (٧) بيت الله وعبد الله وناقة الله، وقيل: دار السلامة من الآفات ويحتمل
_________________
(١) انظر: زاد المسير (٣/ ١١٦) وعزاه لابن عباس.
(٢) في "أ": (نور).
(٣) في الأصل: (والإيمان) بالواو.
(٤) المشهور أنه عن أبي جهل ولم أجده عن أمية، وأشار القرطبي (٧/ ٨٠) للوليد بن المغيرة.
(٥) من قوله: (مذلة عند) إلى هنا: ليست في "أ".
(٦) في "أ": (نشر) وهو خطأ.
(٧) في "أ" "ي": (قال).
[ ٢ / ٧٣٢ ]
أنها دار التحية بالسلام فالله تعالى يحيِّيهم، ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨] وتحيِّيهم الملائكة بالسلام ويحيِّي بعضهم بعضًا بالسلام.
﴿يَا مَعْشَرَ﴾ نقول: يا معشر، والمعشر الجماعة والخطاب للشياطين، ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أكثرتم الأتباع والقرناء، ﴿اسْتَمْتَعَ﴾ انتفع واستكان، وهذا عذر منهم وحجة للإشراك، يريدون أنهم استمتعوا بهم كما يستمتع (١) بعضنا بأهل الذمة وأسارى الكفار، وكما استمتع سليمان -﵇- بهم بإذن الله و﴿خَالِدِينَ﴾ حال للضمير في قوله: ﴿مَثْوَاكُمْ﴾ والمستثنى مدة الحساب في الموقف أو حالة خروجهم من النار مع الشرر، أو للاستهزاء بهم على ما سبق ذلك.
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي﴾ الآية ردّ على القدرية.
ظاهر قوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ يدل على أن الجن كانت فيهم الأنبياء وهكذا عن كعب وغيره مما صنفوا من أخبار الجن قبل خلق آدم -﵇- سَمّوا قريبًا من نيف وأربعين نبيًا أولهم دنخش ومنهم صاعوق بنياعق وغيره، وقيل: إنما قال لأن التكليف لجميعهم (٢) كأنهم جنس واحد، وقيل: هذا من باب قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما.
﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ شهادة الأيدي والأرجل.
﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب تقديره فعل ذلك، وقيل: رفع بالابتداء (٣)، ﴿بِظُلْمٍ﴾ ظلم أهل القرية أي لم يهلكهم بظلمهم وهم غافلون ولكن نبههم أولًا ونهاهم وأنذرهم، وقيل: أراد به ظلم منفي عن الله تعالى، وإنما صح
_________________
(١) في الأصل: (استمتتع).
(٢) في "أ": (جميعهم).
(٣) هذان وجهان، والوجه الثالث في إعرابها أنه خبر محذوف المبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك - قاله السمين الحلبي. [الدر المصون (٥/ ١٥٥)].
[ ٢ / ٧٣٣ ]
ذلك من حيث وعد الله تعالى أن لا يهلك أمة حتى يبعث في أمها رسولًا، فلو أخلف الله (١) الوعد لكان (٢) ظالمًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ تهديد بالإهلاك دون الوفاة (٣) المعهودة.
﴿اعْمَلُوا﴾ توبيخ وتهديد.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ كانوا يسيبون (٤) بعض أموالهم للضيفان ويقولون: هذا لله، ويسيبون (٥) للسدنة وعمارة بيت الأصنام ويقولون: هذا للأصنام وهذا كفر منهم، ثم أرادوا كفرًا أن نقصوا النصيب المسمى لله تعالى الذي هو الضيفان لجبر نصيب الأصنام عند الحوائج، وكانوا يفعلون هذا بتأويل فاسد، يقولون: الله غني وشركاؤنا فقراء، ولم يعلموا أن الغني لا يوجب بخس النصيب ولا يجوزه، فذمهم الله تعالى على فعلهم ورأيهم وليس كذلك تقديمنا ديون الناس على الزكوات والكفارات؛ لأن قضاء ديون الناس واجب بإيجاب الله تعالى كالزكوات والكفارات لأنه قضاء (٦) وقد تأكدت لتعين المستحق.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي: ليهلكوهم، والردى: الهلاك، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦].
المراد بالأنعام والحرث ما سبق ذكره.
﴿حِجْرٌ﴾ حرام ممنوع، قال الله تعالى: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ ما وضعوه من حكم السائبة والوصيلة والحام، والذين ﴿لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ هي التي جعلوها حتى كأنهم كانوا يتحرجون
_________________
(١) في جميع النسخ: (فلو أخلف الوعد)، والمثبت من الأصل.
(٢) في "أ": (كان).
(٣) في "أ": (الوفا).
(٤) في الأصل: (ليبيون).
(٥) في الأصل: (ليبيون).
(٦) (لأنه قضاء) من الأصل فقط.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
عن ذكر الله تعالى عند إيرادها الماء وعند حلبها وسوقها، وكانوا لا يحجون عليها كراهة التلبية عليها بأن في التلبية اسم الله تعالى، ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ سوف يجزيهم على وصفهم الباطل.
﴿قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ كل العرب (١) كان يستحل وأد البنات إلا بني كنانة فالتحريم هو التحريم على وجه الافتراء، وأما التحريم على قضية العقل فذلك (٢) خارج عن الذم.
﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما يعرش من النخيل والآس والعنب والعَرعر وما يشبهها (٣) و﴿مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدر (٤) على معنى سوف، والضمير عائد إلى أحدهما من النخل (٥) والزرع، ﴿كُلُوا﴾ إباحة ويجوز أن يكون على الوجوب ووقته عند سدّ الرمق، و(الحصد): القطع والاستئصال و(الحق): العشر الواجب فيما تخرجه الأرض فإن الزكاة نزلت بمكة. قال طاوس: ﴿حَقَّهُ﴾ زكاته (٦)، وقال محمد بن كعب: ما قلَّ منه أو كثر (٧)، وقال جابر بن زيد: هو الزكاة المفروضة (٨)، قال (٩): ولولا ذلك لما قال: ﴿وَلَا
_________________
(١) في "أ": (كالعرب).
(٢) في "أ": (ذلك).
(٣) أي: جعل لكم بساتين من العنب وغيرها. ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ أي: ممسوكات بما عملتم لها من الأعمدة. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ أي: متروكات على وجه الأرض. [الطبري (٩/ ٥٩٣)، تفسير القاسمي (٤/ ٥١٨)].
(٤) وقيل: حال مقارنة وذلك على حذف مضاف، أي: وثمر النخل وحَبَّ الزرع، و﴿أُكُلُهُ﴾ مرفوع بـ ﴿مُخْتَلِفًا﴾ [الأنعَام: ١٤١] لأنه اسم فاعل وشروط الإعمال موجودة. [الدر المصون (٥/ ١٨٨)].
(٥) من قوله: (والآس والعنب) إلى هنا: ليست في "أ".
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٥٩٦)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص٣٣٢)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٨٠).
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٦٠٧)، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص٤٢٤)، وانظر: البحر المحيط (٤/ ٢٣٧).
(٨) انظر: زاد المسير (٣/ ١٣٥)، والقرطبي (٧/ ٩٩، ١٠٠).
(٩) في "أ": (قالوا).
[ ٢ / ٧٣٥ ]
﴿تُسْرِفُوا﴾ وعن ابن عباس (١) أنه العشر ونصف العشر وهكذا عن ابن الحنفية (٢). وقال إبراهيم النخعي: في كل شيء أخرجت الأرض الصدقة (٣) والذين روى عنهم النسخ مطلقًا معارض بما ذكرنا، ومن روى عنهم أنه منسوخ بالزكاة فغير مأخوذ به لأنه لا تنافي بين العشر وبين حق آخر كان، ثم قد (٤) تواترت الروايات عن النبي -﵇-: "أنه أوجب العشر فيما سقت السماء والأنهار ونصف العشر فيما يسقى بعلًا (٥) وبالسواقي" من غير تفصيل وتخصيص وهو قضية ظاهر الآية وقضية القياس لأنه لا يتعلق بالحول فلا يتعلق بالنصاب، وروى ابن مسعود مرفوعًا: "لا يجتمع عشر وخراج في أرض واحدة" (٦)، ﴿حَمُولَةً﴾ ما يحتمل على ظهره (٧)، ﴿وَفَرْشًا﴾ صغار الإبل ما لا يحمل عليه من السوائم.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ اسم عدد الشفع الرابع والمراد بالثمانية الأزواج الذكور (٨) والإناث جميعًا، واسم الزوج يطلق على الواحد و﴿الضَّأْنِ﴾ جنس الكبش والنعجة، و﴿الْمَعْزِ﴾ جنس التيس والعنز وواحد الضأن ضانية وواحد المعز ماعز، والجدال وقع على سبيل المفاقهة، وذلك لأن الشيء
_________________
(١) سعيد بن منصور (٩٢٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٨٥، ١٨٦)، وابن أبي حاتم (٧٩٥٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٢٠)، والبيهقي في سننه (٤/ ١٣٢)، وقول ابن عباس بقصد نسخها العشر ونصف العشر.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٥٩٨)، وأخرجه يحيى بن آدم في الخراج (ص١٢١).
(٣) الذي رواه الطبري عن إبراهيم النخعي في هذه الآية، قال: هي منسوخة نسختها العشر ونصف العشر. [الطبري (٩/ ٦٠٩)].
(٤) (قد) ليست في الأصل.
(٥) رواه البخاري (١٤٨٣) من حديث ابن عمر مرفوعًا: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر".
(٦) رواه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٤) وقال البيهقي: حديث باطل وصله ورفعه، يحيى بن عنبسة متهم بالوضع، ويروى هذا عن إبراهيم من قوله وهو مذهب أبي حنيفة.
(٧) الحمولة: ما يحمل على ظهره من كبار الإبل، والفرش صغار الإبل التي لا يحمل عليها. وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ -، أخرجه عنه الطبري في تفسيره (٩/ ٦١٩) وأخرجه أيضًا عن ابن مسعود ومجاهد.
(٨) في الأصل: (الذكاة).
[ ٢ / ٧٣٦ ]
لا يحكم بتحريمه إلا لمعنيين، إما لمعنى لا يسد باب القياس ويطرد في جميع المعلومات أو أكثرها، وإما للتوقيف بالوحي، وتحريم هؤلاء الكفار لم تكن على شيء من هذين الأصلين لأن علة الذكورة وعلة (١) الأنوثة منكسر ولا يطرد في الجميع، وكذلك علة اشتمال (٢) الأرحام وهو التحافها واحتواؤها وعلة كون الولد بطنًا سابعًا أو عاشرًا أو علة كون الولد توأمين كانت سقيمة لسد باب القياس ولكونها مما لا يتوصل إليه إلا بالتوقيف فبطلت المعاني كلها ووقع الإفحام واتضح الالتزام.
﴿الْإِبِلِ﴾ اسم جنس يتناول الجمل والناقة، وفائدة تكرار النظم الأول صحة السؤال واستئناف الالتزام، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ مطالبة بالتوقيف الذي يكون بالوحي وفائدة المطالبة هو الإفحام فلم يجسروا على دعوى الوصية لخوفهم المطالبة بالبرهان فأفحموا عن الجواب وانقطعوا في الحال.
﴿لَا أَجِدُ﴾ إخبار عن الحال دون الاستقبال و(الميتة) اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، ووصف الدم بالمسفوح يفيد إباحة غيره كالكبد والطحال وما يتعلق باللحم والمخ، وذكر الخنزير بعد ذكر الميتة لئلا يظن ظان أنه يطهر بالذكاة بخلاف سائر السباع، ثم بين المعنى وقال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي: نجس مكروه مستقذر تعافه النفوس غالبًا وأن يكون ﴿فِسْقًا﴾ وسائر المحرمات فغير محرم بالكتاب ولكنه مسكوت عنه.
﴿ظُفُرٍ﴾ اسم عام، قال ابن عباس: أنه كل ذي حافر ما ليس بمنفرج الأصابع كالبعير والإوزة والبط (٣)، وعن القتبي (٤) أنه كل ذي حافر، وقيل:
_________________
(١) (الذكورة وعلة) ليست في الأصل.
(٢) في "ب": (اجتماع).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٠٣٣)، ونقله عنه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٤٤)، وانظر: زاد المسير (٣/ ١٤١).
(٤) ذكره عن ابن قتيبة ابن الجوزي (٣/ ١٤١).
[ ٢ / ٧٣٧ ]
كل ذي برثن، ﴿شُحُومَهُمَا﴾ جمع شحم وهو ما يذوب دهنًا، ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ ما اختلط باللحم من البياض وقيل: الإلية، و﴿الْحَوَايَا﴾ المباعر والمصارين، وهي معطوفة على المستثنى، وقيل: على المستثنى منه (١)، ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ ما على العظم من دسم.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يعني اليهود، وهم كانوا يأتون مكة تجارًا ويأتونها قاصدين رؤية النبي -﵇-، وقيل: كذبته قريش وكذب الرحمة هو التنبيه على الإمهال لئلا يغترّوا بسلامة الحال، وكذلك ذكر اليأس بعد الرحمة.
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ لما علموا أن النبي -﵇- يثبت القدر خيره وشره من الله وينفي وجود الشيء من غير مشيئة الله، توهموا أن كل ما شاء الله رضيه (٢) كما ظنت القدرية (٣) فاحتجوا بالمشيئة وحسبوها عذرًا فبين أن لو أثبتوا المشيئة لأثبتوها على أنفسهم لا لأنفسهم، كذلك تشبيه بقوله ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ [يونس: ٤١].
﴿الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ التي بلغت كل مبلغ في الصحة والبيان.
_________________
(١) ذهب الكسائي إلى أن ﴿الْحَوَايَا﴾ [الأنعَام: ١٤٦] في موضع رفع عطفًا على ﴿ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعَام: ١٤٦]، والوجه الثاني: أنها في محل نصب نسقًا على ﴿شُحُومَهُمَا﴾ أي: حرمنا الحوايا وشحومهما، والوجه الثالث: أن ﴿الْحَوَايَا﴾ في محل نصب عطفًا على المستثنى وهو ﴿مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ نقل هذا الوجه أبو البقاء العكبري. أما من حيث المعنى فالحوايا جمع واحدها حاوياء وحاوية وحَوِيَّة وهو كل ما تحويه البطن فاجتمع واستدار. [الطبري (٩/ ٦٤٣)، الإملاء (١/ ٢٦٤)، الدر المصون (٥/ ٢٠٥)].
(٢) في الأصل: (رضي به).
(٣) القدرية ثلاث فرق كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية. الفرقة الأولى: نفاة القدر وهم (القدرية المجوسية)، والفرقة الثانية: المعارضون به للشريعة الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعَام: ١٤٨] وهم "القدرية المشركية"، والفرقة الثالثة: المخاصمون به للرب ﷾ وهم أعداء الله وخصومه وهم "القدرية الإبليسية" وشيخهم إبليس وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الأعرَاف: ١٦] ولم يعترف بالذنب " اهـ. نقله عنه تلميذه ابن القيم في طريق الهجرتين (ص١٥١) في كلام مطوَّل.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
﴿هَلُمَّ﴾ تعال وأقبل (١)، وإذا قلت: هلم كذا فمعناه هاته يجري مجرى الحروف، ﴿شُهَدَاءَكُمُ﴾ أي: يأتوا بشهداء عدول من غير أنفسهم فإنهم مدعون، فلو قامت دعواهم مقام الشاهد لكان الشيء المشكوك فيه حجة لنفسه وهذا لا يكون إلا بالإعجاز، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.
﴿إِمْلَاقٍ﴾ إعدام وإعسار، و﴿الْفَوَاحِشَ﴾ جميع المعاصي، وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نكاح المحرمات والزنا، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ اتخاذ الأخدان، وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾ فعل الجوارح، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ فعل القلب، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ القصاص، قتله الولي وكذلك المرجوم.
﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾ بالجهر التي هي أحوط، والخصلة التي هي أحسن ﴿أَشُدَّهُ﴾ جمع شد (٢) وأشد الرجال ما بين خمس عشرة إلى ثمان عشرة سنة حتى أربعين سنة و﴿الْكَيْلَ﴾ اسم لوعاء مقدر يقدر به الحبوب، ورفع الجناح فيما يتعذر حفظه من الحبات والقراريط في الكيل والوزن، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ﴾ أي: شهدتم، (عهد الله) شرائع الإسلام، وقيل: اليمين المعقودة باسمه.
_________________
(١) "هَلُمَّ" اسم فعل أمر بمعنى أحضروا، وزعم سيبويه أنها "ها" ضمت إليها "لُمَّ" وجعلتا كالكلمة الواحدة، وفيها لغتان: لغة أهل الحجاز حيث تستعمل بصيغة واحدة سواء أسندت لمفرد أم مثنى أم مجموع أم مؤنث، وأما لغة تميم فتلحقها الضمائر كما تلحق سائر الأفعال فتقول: هلما وهلموا وهلمي. ولغة أهل الحجاز أكثر استعمالًا ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزَاب: ١٨]. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٣٠٣)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٥٩٠)، الدر المصون (٥/ ٢١١)].
(٢) أي: أنَّ الأَشُدَّ جمع شَدٍّ، كما الأَضُرُّ جمعُ ضَرٍّ، وكما الأَشُرُّ جمع شَرٍّ، والشَّدُّ: القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسِنِّه كما يطلق شَدُّ النهار على ارتفاعه وامتداده كقول عنترة: عهدي به شَدَّ النهارِ كأنَّما خُضِبَ اللَّبانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ [تفسير الطبري (٩/ ٦٦٣)، ديوان عنترة (ص١٢٧)].
[ ٢ / ٧٣٩ ]
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي لم تنسخ في شريعة (١) وهي أم الكتاب لأنها إمام التوراة والإنجيل والقرآن، من أخذ بها أوصلته إلى الجنة، وقال ابن مسعود - ﵁ -: "خط رسول الله خطًا" وقال: "وخط بجنبه الخطوط" (٢) الخبر وهو التمسك بالكتاب والسنة وطريق الفقهاء.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا﴾ يعني: أنزل هذه الآيات على موسى -﵇- أولًا ثم آتاه الكتاب، أو التراخي في الإخبار كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، ﴿عَلَى الَّذِي﴾ على من أحسن معناه تتميمًا على المحسن دينه أو ثوابه أو النعمة عليه.
﴿مُبَارَكٌ﴾ نعت الكتاب.
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ متصل، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: لأن تقولوا، وهذا خطاب لقريش وأمثالهم، ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ اليهود والنصارى.
﴿أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ من الطائفتين.
﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ دليل أن إتيان الرب صفة له لا يجوز حملها على إتيان الأمر إذ الشيء لا يعطف على نفسه (٣)، ﴿آيَاتِ﴾ الآيات الملجئة كخروج دابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وفتح سدّ
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٦٦٧) عن ابن عباس - ﵄ - قال: هن الآيات المحكمات قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [الأنعَام: ١٥١] الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٠٥٧)، والحاكم (٢/ ٢٨٨)، وسعيد بن منصور في سننه (٤٩٣ - تفسير).
(٢) أحمد (٧/ ٢٠٧، ٤٣٦)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨١٠٢)، والبزار (١٧١٨)، والحاكم (٢/ ٣١٨)، وسنده حسن كما قال العلامة الألباني ﵀ في كتابه "ظلال الجنة" (١/ ١٣).
(٣) هذا مما يستغرب فيه على المؤلف الذي يتبنى فيه مذهب الأشاعرة كما في آيات الصفات التي أَوَّلَهَا، وهنا نراه يخرج عن مذهب الأشاعرة ويقرر مذهب أهل السنة في إثبات الإتيان وأنه على حقيقته وأنها صفة للرب ﷾. وقد بين المؤلف أنه لا يمكن أن يكون الإتيان إتيان الأمر لأن الشيء لا يعطف على نفسه.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
يأجوج ومأجوج، ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا﴾ معطوف على قوله ﴿إِيمَانِهَا﴾ إذ هو فعل في الحقيقة، والمعنى لا ينفع إيمان كافر ولا عمل مؤمن بعد المعاينة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ يتناول اليهود وأرباب الأهواء والمصلين إلا المتمسكين بالكتاب والسنة، ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: لا يجمعك وإياهم شيء من أسباب الموالاة، ثم أرجأ أمرهم إلى الله على سبيل التهديد.
﴿أَمْثَالِهَا﴾ ثوابها والمماثلة نفع بالحسن وبكونها فرضية.
وإنما حسن عطف المحيا والممات على الصلاة والنسك لمعنيين؛ أحدهما: أن الإضافة إضافه ملك فكلها مملوك لله تعالى مخلوق له موجود بمشيئته وإنشائه وتسببه، والثاني: أراد بالمحيا ما يوجد في الحياة من نية صالحة وهمة محمودة، وما يوجد من التأهب للموت والاستعداد له. و(المحيا) يجوز أن يكون مصدرًا كالمركب والمشعر ويجوز أن يكون اسمًا كالملبس والمطعم.
﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ في عصره.
﴿خَلَائِفَ﴾ جمع خليفة، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: في المعيشة، وقيل: في العلم والسيرة، وإنما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ لأن المخاطب هو رسول الله يدل عليه ما قبله ﴿قُلْ﴾ ثم ذكر الأحكام. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ خارج عن ذلك الحكم صادر على أصل الخطاب والوصف بسريع العقاب لا يضاد الوصف بالحليم؛ لأن السرعة غير العجلة تدل عليه أن العجلة لا تدع الرجل أن يمهل من القلق والضجر، وأما السرعة فلا تمنعه من الإمهال ولكنه إذا ابتدأ بالأمر لم يبطئه شيء، والله أعلم.
***
[ ٢ / ٧٤١ ]