مدنية، نزلت بعد سورة "البقرة" (١) بالمدينة (٢)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا سبع آيات نزلت بمكة قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] (٣)، وقيل: نزلت آية واحدة بمكة وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] (٤) وهي ست وسبعون آية حجازي بصري.
_________________
(١) أجمعت كل التفاسير على مدنيتها، وقوله أنها نزلت بعد سورة "البقرة" هو مستنتج من أنها نزلت في معركة بدر، وقد ورد بأسانيد بعضها صحيح وحسن، ورواه أبو داود (٢٧٤٠)، والترمذي (٣٠٧٩)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٦)، وابن جرير (١١/ ١٥ - ١٦)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٥٠).
(٢) في "أ": (بالمدينة)، وفي البقية (بمدينة).
(٣) هذا القول ذكره القرطبي في تفسيره (٧/ ٣١٦) عن ابن عباس، وحكاه ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٣١٦) عن الماوردي. والآيات السبعة ذكر السيوطي في "تفسير الجلالين" (٢٢٦) أنها الآيات (٣٠ - ٣٦) من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾. وقد ورد عن ابن عباس عدة روايات أنها نزلت في مكة كما عند ابن جرير (١١/ ١٣٤، ١٣٥)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٦)، وأبو نعيم في الدلائل (١٥٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٦٨)، وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٠). أما عن قتادة فلم يرد نص صريح، ولكن هناك رواية عند عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٤٣)، وعزاه في الدر المنثور لعبد بن حميد (٧/ ٩٩ - ١٠٠). بينما نقل الثعالبي في "الجواهر الحسان" أن مجاهد كان يرى أنّ الآية (٣٠) فقط نزلت في مكة.
(٤) ذكر عن ابن عباس أنها نزلت في عمر يوم إسلامه كما عند البزار (٢٤٩٥ - كشف)، وهناك رواية أخرى عند الطبراني في الكبير (١٢٤٧٠)، وهو مروي عن سعيد بن جبير كما عند ابن أبي حاتم (٥/ ١٧٢٨)، ومروي عن سعيد بن المسيب عند أبي الشيخ كما في الدر المنثور (٧/ ١٩٢).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ نزلت في غزوة بدر (١) في شهر رمضان سنة اثنتين، وسبب غزوة بدر أن عيرًا لقريش قدم من الشام فيهم أبو سفيان وعمرو بن العاص، فأراد النبي -﵇- (٢) أن يخرج إليهم فيغير عليهم وهو يريد العير والله يريد النفير، فكان ما أراد الله. وذلك أن أبا سفيان سمع بخروج النبي -﵇- فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستنجدًا مستنفرًا، وكانت (٣) عاتكة بنت عبد المطلب (٤) قد رأت في المنام قبل مقدم
_________________
(١) لا خلاف أن آية الأنفال نزلت في غزوة بدر لكن اختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال: الأول: أن رسول الله - ﷺ - قال يوم بدر: "من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا"، فأما المشيخة، فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان، فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فإنا كنا لكم رداء، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ - فنزلت سورة الأنفال. روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - بسند حسن. أخرجه أبو داود (٢٧٣٧)، والنسائي في التفسير (٢١٧)، والبيهقي (٦/ ٢٩١)، والحاكم (٢/ ١٣١) وصححه ووافقه الذهبي. القول الثاني: أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفًا يوم بدر، فقال: يا رسول الله، هبه لي، فقال: "اذهب فاطرحه في القبض". فرجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله، فما جاوزت إلا قريبًا حتى نزلت آية الأنفال فقال رسول الله: "اذهب فخذ سيفك". أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٧٠)، وسعيد بن منصور (٢٦٨٩)، وأحمد (١/ ١٨٠)، وأخرجه مسلم مختصرًا (١٧٤٨) وغيرهم. والقول الثالث: أن الأنفال كانت خالصةً لرسول الله - ﷺ - ليس لأحد منها شيء فسألوه أن يعطيهم منها شيئًا فنزلت هذه الآية. روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وسنده فيه ضعف. أخرجه البيهقي (٦/ ٢٩٣)، والطبري (١٥٦٧٩) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ﵄ -.
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٣) في الأصل و"ي": (كان).
(٤) عاتكة بنت عبد المطلب بن هشام، عمة النبي - ﷺ - كانت زوج أبي أمية بن المغيرة والد أم سلمة زوج النبي - ﷺ -. قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف في إسلامها والأكثرون يأبون ذلك، وذكرها العقيلي في الصحابة وكذا ابن حجر في الإصابة، وذكر ابن إسحاق أنه لم يسلم من عمات النبي - ﷺ - إلا صفية، وذكر ابن فتحون في =
[ ٢ / ٨٢٦ ]
ضمضم أن رجلًا قدم على بعير له فوقف بالأبطح وقال: انفروا يا آل عدوًا إلى مصارعكم في ثلاث، ثم صعد أبا قبيس وصرخ ثلاثًا، ثم أخذ صخرة وأرسلها من رأس الجبل فأقبلت تهوي حتى إذا كانت في أسفله ارفضت فما بقيت دار من دور قريش إلا دخل فيها (١) بعضها. فقصَّت عاتكة رؤياها على أخيها العباس بن عبد المطلب وكانا يكتمان إيمانهما (٢) فقص العبّاس على الوليد بن عتبة وكان صديقًا له، فذكرها الوليد لأبيه وتحدث بها ففشا الحديث فيما بين الناس، قال العباس: غدوت إلى الكعبة لأطوف بها فإذا أبو جهل في نفر من قريش يتحدثون عن رؤيا عاتكة، ثم التفت إليّ فقال: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النبية؟ أما رضيتم يا بني عبد المطلب أن تنبأت رجالكم حتى تنبأت نساؤكم؟! سنتربص بكم هذه الثلاث فإن كان حقًّا فسيكون وإلا كتبنا عليكم كتابًا إنكم أكذب أهل (٣) بيت في العرب.
فلما كان يوم الثالث جاءهم ضمضم بن عمرو ووقف بعيره بالأبطح وقد حول رحله وشق قميصه وأجدع بعيره يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم أموالكم مع أبي سفيان قد عرض محمَّد وأصحابه، ولما سمع العبّاس هذا شمت بهم وطلب أبَا جهل فوجده في المسجد فتتبعه وناداه: كيف رؤيا عاتكة يا مصفرًّا استه؟! وقال أبو جهْل: دعنا عن هذا
_________________
(١) = ذيل الاستيعاب والدارقطني في كتاب الإخوة أن لها شعرًا تذكر فيه تصديقها بنبوة النبي - ﷺ -، وذكرها ابن مندة في الصحابة، وقال ابن سعد: أسلمت عاتكة بمكة وهاجرت إلى المدينة وهي صاحبة الرؤيا المشهورة في قصة بدر، ولم يجزم الذهبي بإسلامها فقال في التجريد: قيل أنها أسلمت. [الإصابة (١٣/ ٣٥)، البداية والنهاية (٣/ ٢٥٦)، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٨٥)].
(٢) في "أ": (دخلها بعضدها).
(٣) ذكر أهل السير أن عاتكة أسلمت وكتمت إيمانها، أما العباس - ﵁ - فذكروا أنه أسلم قبل الهجرة. انظر "سير أعلام النبلاء" (٢/ ٧٨)، وقصة رؤيا عاتكة ذكرها مفصلة ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٥٦)، وابن حجر في الإصابة (١٣/ ٣٥).
(٤) (أهل) ليست في "ب".
[ ٢ / ٨٢٧ ]
يا أبا الفضل وتأهب للنفير، ولم يجد العباس من الخروج معهم بدًّا إلى أن كان ما كان على ما سبق في "آل عمران" (١).
واختلفوا في الأنفال هاهنا قيل: إنها الغنائم كلها (٢)، وعن الحسن أنها ما كان يهم رسول الله - ﷺ - (٣) بقوله (٤): "من قتل قتيلًا فله سلبه" (٥) فتسَارع الشبان وبقي المشايخ تحت الرايات محدقين برسول الله فلما فرغوا من القتال قال (٦) الشبان: هذه الأموال تنفل لنا رسول الله، وقالت المشايخ: نحن كنا ردءًا لكم (٧) فأشركونا فيها، وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن دفعت المال إلى (٨) من نَفَلهم لم يبق لسائر الناس شيء (٩)، فانتزع الله الأمر (١٠) من أيديهم ورده إلى رسوله ليستأنف فيه حكمًا على ما يرى فيه من
_________________
(١) لم نجد هذه الرواية بنصها ولكن وردت روايات قريبة منها، من ذلك ما رواه البيهقي في الدلائل مطولًا (٣/ ١٠١ - ١١٩). وهي عند الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١)، وتقدم أن ابن كثير في البداية والنهاية ذكرها مطولة (٣/ ٢٥٦).
(٢) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -. أخرجه الطبري (١١/ ١٩) بل ورد مرفوعًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن الناس سألوا النبي - ﷺ - الغنائم يوم بدر فنزلت الآية. أخرجه الطبري أيضًا في تفسيره (١١/ ٢٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٥٩) إلى ابن مردويه.
(٣) (- ﷺ -) من "ب".
(٤) في الأصل و"ي": (لقوله).
(٥) الحديث صحيح أخرجه أبو داود (٢٧١٨)، والدارمي (٢/ ٢٢٩)، والإمام أحمد (٣/ ١١٤)، والحاكم وقال: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي ولفظه أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حنين: "من قتل رجلًا فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم، وصححه العلامة الألباني -﵀- في الإرواء (٥/ ٥١/ ١٢٢١).
(٦) في "أ" "ي": (قالت).
(٧) في الأصل: (رداءكم).
(٨) (إلى) ليست في الأصل.
(٩) أما عن الحسن فلم أجده وقد وردت في ذلك روايات متعددة منها عن ابن عباس عند أبي داود (٢٧٣٧ - ٢٧٣٩)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٧)، وابن جرير (١١/ ١٢، ١٣)، وابن حبان (٥٠٩٣)، والحديث صحيح.
(١٠) (الأمر) ليست في "أ".
[ ٢ / ٨٢٨ ]
المصلحة. وعن عطاء عن ابن عباس (١): المراد بالأنفال ما شذ عن الغنائم من عبد أو دابة، والآية منسوخة على الأقوال الثلاثة بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وقيل: الآية نزلت في الخمس يحكم فيه الإمام باجتهاده، وقيل: هي كل الغنائم قبل الإحراز، والآية غير منسوخة (٢) على هذين (٣) القولين، والتنفل في اللغة الزيادة من الخير قال:
إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل (٤)
والسؤال عن كيفية القسمة وكميتها. وفي مصحف عبد الله وأبي (٥)
﴿يسألونك الأنفال﴾ أي: يطلبونها منك وقد فهم الأمران (٦) جميعًا ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ حالتهم التي تجمعهم (٧).
_________________
(١) ورد عن عطاء عند ابن أبي شيبة (١٢/ ٤٢٦)، وابن جرير (١١/ ٧، ٩)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (٤٥٧، ٤٥٨). وأما عن ابن عباس فرواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٥٥)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤٢٧)، وابن جرير (١١/ ٨، ٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٥١)، والنحاس في ناسخه (٤٥٦، ٤٥٧).
(٢) من قوله: (على الأقوال) إلى قوله: (غير منسوخة) ليست في "أ".
(٣) الذين قالوا إنها منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال: ٤١] منهم مجاهد وعكرمة والسدي وابن جريج. وقال آخرون: هي محكمة وليست بمنسوخة منهم سعيد بن المسيب. [الطبري (١١/ ٢٤)].
(٤) البيت للبيد بن ربيعة وهو في ديوانه ص ١٧٤، وقد ذكره أكثر المفسرين، انظر الطبري (١١/ ١١)، والقرطبي (٧/ ٣١٦)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٣١٨)، وابن كثير (٢/ ٣٧٥)، والزمخشري في الكشاف (١/ ٤٤٤)، وانظر كذلك بعض الكتب العقدية مثل اللالكائي في "شرح أصول السنة" (٤/ ٧٠٥)، وابن بطة في "الإبانة" (٢/ ٢٨٩) في إثبات القدر لبعض أهل الجاهلية. وأوردها كذلك أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٦٩)، وابن عساكر في تاريخه (١٥/ ١٥٤).
(٥) أما قراءة ابن مسعود فقد ذكرها ابن جرير (١١/ ١٩)، وأما قراءة أبي بن كعب فذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٣١٨) وذكر أيضًا قراءة ابن مسعود - ﵁ -.
(٦) في "أ": (الأمران أن جميعًا).
(٧) قال الزجاج: معنى "ذات بينكم" حقيقة وصلكم. والبين: الوصل ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعَام: ٩٤] أي وصلكم. [زاد المسير (٢/ ١٨٨)، معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٠٠)].
[ ٢ / ٨٢٩ ]
٢٧
﴿وَجِلَتْ﴾ خافت وفزعت وهذه الحكمة هي الأولى، وأما الحكمة الثانية فالاطمئنان (١) والاستئناس، قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ على الإيمان المعهود من وجهين: أحدهما الأسباب والأدلة، والثاني الإيمان الحادث بالنازل الحادث.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ رد على الذين يشكون في إيمانهم ﴿حَقًّا﴾ نصب على التأكيد ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الحظ الجميل المحمود - يعني: في الآخرة إن شاء الله.
﴿كَمَا﴾ التشبيه لكون الأنفال لله أي هي لله، كما كان إخراجك من (٢) بيتك إلى الله وإن كرهه فريق من المؤمنين، وقيل: التشبيه لسؤالهم عن الأنفال واختلافهم فيها، أي: جادلوك فيها كما كرهوا الخروج فجادلوك فيه أوّل مرة، وإنما (٣) كان السبب في ذلك أن النبي -﵇- (٤) كان قد خرج إلى العير ووعدهم الله في الطريق أحد شيئين:
إما الظفر بأموال العير (٥) الذي خرج قاصدًا إليها.
وإما النصر عند الالتقاء، وكان الظفر بأموال العير أقرب وأسهل على ما قدّروه وأحبهم إليه من لقاء العدو؛ لأنهم لم يكونوا تأهبوا للقتال كل التأهب، فلما سمعوا أن أبا سفيان أخذ طريقًا آخر وأنهم ملاقو العدو لا محالة كرهوا ذلك، وقالوا لرسُول الله: أخرجتنا قاصدين إلى العير ولم تخبرنا بلقاء العدو حتمًا، وخافوا على أنفسهم خوفًا طبيعيًا، وإن كانوا معتقدين بأن (٦) الله منجز وعده ومسلطهم ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ لا محالة
_________________
(١) (فالاطمئنان) بياض في "أ".
(٢) (من) ليست في "ب" "ي".
(٣) في "أ": (فإنما).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) من قوله: (الذي خرج) إلى قوله: (بأموال العير) ليست في "أ".
(٦) في الأصل: (بإذن).
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ليذكروا (١) الله تعالى حالتهم (٢) تلك على وجه الملامة ليتكلفوا مخالفة الطبيعة في المسارعة إلى أمره ورسوله.
﴿فِي الْحَقِّ﴾ (٣) أي بالأمر الحق أو بالوعد الحق (٤)، وفي الحق بيان الجهاد من ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ أي بعد ما ظهر أنه أمر الله أو من بعد ما ظهر أنه أمر الله (٥)، أو من بعد ما ظهر أنه لهم لا عليهم، وإنما كان ظهر ذلك لهم بوعد (٦) الله، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ﴾ تشبيه لحالة خوفهم، أي: يجتنبون الموهوم كأنهم يحشرون، أي يشاهدون فيه الهلاك والموت لا محالة، وإن عطفت على جملة فعلية (٧) محله نصب بوقوع الذكر المقدر عليه.
قيل: إن النبي -﵇- لما كان ببعض الطريق بعث عدي بن أبي الزغباء عليًا على العير، ونزل جبريل -﵇- (٨) مخبرًا بنفر قريش ومبشرًا بالاستيلاء على إحدى الطائفتين: إما العير (٩)، وإما النفير، فأشاروا عليه بالعير فأعاد كلامه، فأشاروا عليه بالعير، وقالوا: إنما أخرجتنا للعير وليست معنا أهبة القتال، فأعاد عليهم كلامه فأشاروا عليه بالعير حتى قام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله انظر أمرك وامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلّف عنك رجل من الأنصار، ففرح النبي -﵇- (١٠) حتى عرف السرور في وجهه، وقال المقداد بن الأسود الكندي: إنا لا نقول كما قال
_________________
(١) في الأصل: (لذكروا).
(٢) في "ب": (حالهم).
(٣) الآية في كل النسخ "بالحق" وهو خطأ.
(٤) (الحق) ليست في "أ".
(٥) من قوله: (أو من) إلى قوله: (الله) ليست في "أ"، وفي "ب": (أنه) سقطت.
(٦) (لهم بوعد) ليست في "ب".
(٧) (فعلية) من الأصل فقط.
(٨) في "ب": (-﵇-)، وفي "ي": (السلام) سقطت.
(٩) في "أ": (الغير).
(١٠) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٨٣١ ]
بنو إسرائيل ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤] (١) ولكنا نقول: امض لأمر ربك (٢) فإنا بين يديك مقاتلون ما دامت عين منا تطرف (٣).
﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل عن ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. ﴿الشَّوْكَةِ﴾ البأس والشدة والحدة (٤)، فذات الشوكة هاهنا النفير و﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ العير (٥) لتغتنموا من غير قتالٍ، وأراد الله أن يسلطهم على ذات الشوكة ليقطع دابر الكافرين، روي أنهم (٦) لما ظفروا بالعدو وفرغوا مِن القتال والأنفال طمعوا في العير قالوا: يا رسول الله عليك بالعير، فقال العباس وهو أسير مشدود: لا ينبغي لك يا رسول الله، قال: ولم؟! قال: لأن الله وعَدَك إحدى الطائفتين، وقد أنجز (٧)، وهذا دليل على إيمان العباس وعقله وفطنته قبل ظهور إسلامه.
_________________
(١) في الأصل (وربك).
(٢) في "أ" الآية: ﴿فَاذْهَبْ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المَائدة: ٢٤].
(٣) ذكره ابن هشام في سيرته (١/ ٦١٥) عن ابن إسحاق ولنا على هذا الرواية هاتان الملاحظتان:
(٤) قول سعد بن معاذ ناقشه ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٨٨) أن سعد بن معاذ لم يشهد بدرًا وأنه قال ذلك في صلح الحديبية.
(٥) أن قائل هذا القول هو المقداد بن الأسود، ويؤيده ما ثبت في البخاري أن ابن مسعود قال: "شهدت لمقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه ". وهذه القصة رواها ابن جرير بطولها في تفسيره (١١/ ٤١)، وتاريخه (٢/ ٤٢٧).
(٦) ذات الشوكة: أي ذات السلاح ومنه قولهم: فلان شاكي السلاح، قال أبو عبيدة: الشوكة الحد يقال: ما أشد شوكة بني فلان، أي حدهم. وقال الأخفش: إنما أنَّثَ "ذات الشوكة" لأنه يعني به الطائفة. [الطبري (١١/ ٤٠)، زاد المسير (٢/ ١٩٠)].
(٧) المراد بالنفير: أبو سفيان بن حرب، والعير: المراد بها العير التي أقبلت من مكة متوجهة إلى الشام.
(٨) في "أ": (أنه).
(٩) الترمذي (٣٠٨٠)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٥٥)، والطبراني (١١٧٣٣)، والبيهقي في الاعتقاد (٢٦٣)، والحاكم (٢/ ٣٥٧)، وابن عساكر في تاريخه (٢٦/ ٢٩١ - ٢٩٢) والحديث ضعيف السند.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ إحقاق الحق: إثبات في المشاهدة لما ثبت في العقل، وإبطال الباطل: إزهاق في المشاهدة لما زهق في العقل.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ الاستغاثة طلب الغوث وهو عون الملهوف، و(الرادفة) (١) أن تتبع الشيء الشيء قال: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] واللام مفخمة و(الترادف) التتابع.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ قيل: إن الله تعالى ألقى عليهم النوم والأمن ليلتئذٍ حتى احتلم بعضهم ثم أصبحوا على غير ماء، فوسوس لهم الشيطان بأنهم لو كانوا على الحق لوجدوا مَاء يتطهرون به لصلاتهم، فأرسل الله عليهم مطرًا حتى اغتسلوا وشربوا (٢)، وكان الموضع تسوخ فيه الأقدام لكثرة الرمل فاشتد بذلك الوشي (٣) أيضًا فثبتت عليه أقدامهم، و(الربط على القلب): هو عقدها بالصبر الحائل بينه وبين الجزع والوجل والهلع والفشل ﴿بِهِ﴾ راجع إلى الماء وإلى الربط، و﴿الْأَقْدَامَ﴾ جمع قدم وهو من الرجل كالكف من اليد.
﴿فَثَبِّتُوا﴾ تثبيت الملائكة المؤمنين إنما كان على سبيل التشجيع دون القتال، وقيل: تثبيتهم إياهم مشاركتهم في القتال تشريفًا لهم، ولو شاء الله لأهلكهم بمَلَك (٤) واحد منهم ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ ما فوق الأعناق وهو الرأس، وقيل: فوق زيادة وصلة مثل (على) نقول: ضربت الشيء وضربت عليه بمعنى (٥)، و(العنق): الرقبة، وهو المتوسط بين الرأس والصدر
_________________
(١) في الأصل: (والرواقة).
(٢) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٥٨) لابن المنذر وأبي الشيخ عن ابن عباس.
(٣) في الأصل: (الشيء).
(٤) في الأصل: (بذلك).
(٥) قوله تعالى: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفَال: ١٢] إما أن تكون ﴿فَوْقَ﴾ باقية على ظرفيتها، أي فاضربوا الرؤوس كما ذكر المؤلف، وقال أبو عبيدة: إنها بمعنى (على) أي على الأعناق. وقال الأخفش: إنها زائدة بمعنى: اضربوا الأعناق. [المجاز لأبي عبيدة (١/ ٢٤٢)، معاني القرآن للأخفش (٢/ ٣١٩)].
[ ٢ / ٨٣٣ ]
﴿بَنَانٍ﴾ (١) أطراف من الأيدي والأرجل واحدتها بنانة، فإن كان الأمر للمؤمنين فالمراد ضربهم بالسيوف والمقارع، والمراد ببيان هذه المواضع إباحة القتل من كل وجه، وإنْ كان الأمر للملائكة، فالمراد بالضرب: ضربهم بما شاء الله من سلاح أو جناح على سبيل القتل (٢)، أو (٣) التسويم والرد والطرد، ذلك إشارة إلى الإمداد والإرداف أو الأمر بالقتل.
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ خطاب متوجه إلى الكفار من جهة الله تعالى أو من جهة الملائكة عند معاينة البأس، تقديره: ذلكم جزاؤكم ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أو ذوقوا ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ معطوف على ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
﴿زَحْفًا﴾ الزحف التقرب إلى الشيء قليلًا قليلًا، وأكثر استعماله فيما له أرجل كثيرة وهو مقدر هاهنا أقيم مقام الاسم، أي: زاحفين.
﴿مُتَحَرِّفًا﴾ مائلًا نصب على الحال (٤)، وتقديره: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ على أي حال كان ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، و(التحيز والانحياز): التنحي، وفيه معنى النقيض ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾ قال ابن عباس أنها الكتيبة العظمى في المعركة، وعن أبي سعيد الخدري أنهم لو تحيزوا إلى فئة في دار الإسلام لم يكونوا منهزمين (٥)، قال ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم
_________________
(١) (بنان) ليست في "أ".
(٢) في الأصل جاءت العبارة مضطربة، والمثبت من بقية النسخ.
(٣) في الأصل: (والتسويم) بدل (أو).
(٤) جَوَّز الزمخشري النصب على الحال وتكون "إلا" لغوًا. وجَوَّزَ أيضًا النصب على الاستثناء فيكون مستثنى من المُوَلَّين، والتقدير: ومن يولهم إلا رجلًا منهم متحرفًا أو متحيزًا. ورجح السمين الحلبي أن تكون استثناء من حال محذوفة، والتقدير: ومن يولهم ملتبسًا بأية حال إلا في حال كذا. [الكشاف (٢/ ١٤٩)، البحر (٤/ ٤٧٥)، الدر المصون (٥/ ٥٨٥)].
(٥) رواية ابن عباس وأبي سعيد الخدري - ﵃ - ذكرها ابن الجوزي في تفسيره (٢/ ١٩٥).
[ ٢ / ٨٣٤ ]
ففروا فلما رجعوا إلى المدينة استجبنوا من الناس، فسألوا رسول الله: أنحن الفرارون؟ قال: "بل أنتم العكارون وأنا فئتكم". قال ثعلب: العكارون العطافون (١)، ثم يحتمل أن الآية مجملة لا يمكن العمل بظاهرها، وتفسيره ﴿مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ويحتمل أنها كانت عامة يمكن العمل بظاهرها عند الإتيان على النفس، ثم خصّصها قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾، ثم نسخت تلك الآية بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦].
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ نفي هذه الأفعال عن فاعلها وإسنادها إلى الله من جهة وقوعها يومئذ معجزة إلهية خارجة عن طوق البشر والرسم الموضوع المعهود. روي أن النبي -﵇- (٢) أخذ كفًا (٣) من حصى الوادي يوم بدر ورمى به في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" (٤)، وروى الزهري عن ابن المسيب أنه -﵇- رمى يوم أحد أُبيَّ بن خلف (٥)، وعن عبد الرحمن بن جبير أنه -﵇- دعَا بقوس في محاربة اليهود فرمى عليها بسهم إلى الحصين فأصاب كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فقتله (٦)، ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ معطوف على مضمر تقديره: ليهلكهم ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي سمعتم حق أو صدق واعلموا أن الله، ويجوز أن
_________________
(١) قريبًا منه عند البخاري في "الأدب المفرد" (٩٧٢)، وأحمد (٢/ ٧٠، ٨٦، ١٠٠، ١١٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٥٣٩)، وابن سعد (٤/ ١٤٥)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٥٣٥، ٥٣٦)، وأبو داود (٢٦٤٧، ٥٢٢٣)، والترمذي (١٧١٦)، وابن ماجه (٣٧٠٤)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧١) والحديث فيه ضعف.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في الأصل: (أخذها).
(٤) الطبري (١١/ ٨٤، ٨٥)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٢)، والطبراني في الكبير (٣١٢٨) وغيرهم، وسنده حسن.
(٥) الطبري (١١/ ٨٧)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٣).
(٦) ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٣).
[ ٢ / ٨٣٥ ]
يكون ﴿ذَلِكُمْ﴾ في محل النصب بإضمار اعلموا الإيمان (١). و(التوهين): إحداث الوهْن والضعف.
كان المشركون (٢) عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهم انصر أحب الفئتين إليك، وكان أبو جهل يقول يوم بدر (٣): "اللَّهمَّ أقطعنا للرحم وأفسدنا للجماعة فأحنه اليوم" فنزلت ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر مجادلتهم في الخروج، والواو في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ للحال أي لا يتولوا عنه سامعين دعاءه إياكم، وأما (٥) من لم يسمع فهو معذور (٦).
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ﴾ نزلت في بني عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا اثنان وكان أكثرهم منافقين (٧)، وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١] (٨) أخبر أنهم لم يسمعوا سمع الانتفاع والاعتبار.
و﴿شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ الناس بدليل قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ
_________________
(١) يجوز أن يكون "ذلكم" مرفوعًا على الابتداء، والتقدير: ذلكم الأمر والخبر محذوف؛ قاله الحوفي، وذهب سيبويه إلى أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلكم. [الكتاب (١/ ٤٦٣)، الدر المصون (٥/ ٥٨٧)].
(٢) في "أ" بدل (كان المشركون): (كالمشركين).
(٣) (يوم بدر) ليست في "أ".
(٤) في "ب" "ي": اليوم ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية. وفي "أ": (اليوم فنزلت ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية).
(٥) في الأصل: (ولها).
(٦) في الأصل (موزون).
(٧) أحمد (٥/ ٤٣١)، والنسائي في الكبرى (١١٢٠١)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥٩)، وابن جرير (١١/ ٩١، ٩٣)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٥)، والحاكم (٢/ ٣٢٨)، والبيهقي (٣/ ٧٤) والحديث صحيح.
(٨) روي ذلك عن ابن عباس، أخرجه البخاري (٤٦٤٦)، وابن جرير (١١/ ١٠١)، وابن أبي حاتم (١٦٧٧)، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] جمعهم جمع العقلاء، ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ الذين لا يسمعون إلى الحق ولا ينطقون بالحق، والمراد بالذين ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ المخاذيل عن العمل بقضية العقل.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ يدل على تفاوت طبائع السعداء والأشقياء، وأن السعيد مجبول على خير طبيعي متقدم على الخير الكسبي مظهر عند التوفيق للكسب، ثم يثمر الاستقامة، وأن الشقي غير مجبول عليه فلم (١) يستقم وإن وفق للاستماع والاعتبار.
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إحياء القلوب للتفكر والاعتبار بروح الإلهام والقرآن وإحياء الشهداء للثواب قبل يوم البعث، و(الحائل) الحاجز وقوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: يملك قلبه فيقلبه كيف يشاء إن شاء جعله مشرقًا بنور الغيب وإن شاء جعله ميتًا محجوبًا.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ عامة ما يعم الفاسق والمداهن؛ عن ابن عباس (٢). والعصبيّة عن غيره قال ابن الزبير العوام (٣) ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ كالصفة للفتنة، وإنما دخلت النون المشددة بإضمار قسم: رأيت رجلًا والله لا يكون له نظير، يقيم القسم وجوابه مقام الصفة.
﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ عدد قليل أو شيء قليل ولو وصف آحاد الجماعة بالقلة
_________________
(١) في "ب" "ي": (فلا)، وفي "أ": غير موجودة.
(٢) الذي روي عن ابن عباس - ﵄ - في هذه الآية أنه قال: أمر الله المؤمنين ألاَّ يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١١٥)، وابن أبي حاتم (١٦٨٢).
(٣) لم نجدها عن ابن الزبير لكن ورد عن أبيه الزبير بن العوام في هذه الآية عن مُطَرَّف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ضيعتم الخليفة حتى قُتِل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير: إنا قَرَأْنَا على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفَال: ٢٥] ولم نكن نحسب أنَّا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت. أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٣١ - ٤٧)، والبزار (٩٧٦)، وابن عساكر (١٨/ ٤٠٥) وإسناده جيد.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
لقال إذ أنتم قليلون ﴿النَّاسُ﴾ كفار قريش؛ عن عكرمة وقتادة والكلبي (١)، وقيل: فارس والروم (٢)، ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أراد تبويئه المدينة مراغمًا ومهاجرًا لهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا﴾ نزلت في (٣) الغلول، وقيل: في أبي لبابة بن عبد المنذر (٤) حيث استشاره بنو قريظة في النزول عن الحصن على حكم رسول الله فقال لهم بلسانه: انزلوا وأشار بيده إلى الحَلق، أي إنْ نزلتم (٥) على حكمه، وإنما حمله على ذلك مال له (٦) كان عندهم في الحصن فخاف عليه النهب إن فتحوا (٧) الحصن، قال أبو لبابة: ما برحت
_________________
(١) رواه عن الثلاثة الطبري في تفسيره (١١/ ١١٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٥٨)، وابن أبي حاتم (١٦٨٢).
(٢) روي ذلك عن وهب بن مُنَبَّه. أخرجه عنه الطبري في تفسيره (١١/ ١١٩) ورجح الطبري أن المراد بالناس هم كفار قريش.
(٣) اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية فذكر المؤلف سببين: الأول: أنها نزلت في الغلول. والثاني: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر. وهذان السببان ذكرهما المؤلف. والثالث: ما قاله جابر بن عبد الله: أن جبريل -﵇- أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فقال النبي - ﷺ - لأصحابه: "اخرجوا إليه واكتموا" فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمدًا يريدكم فخذوا حذركم، فنزلت هذه الآية. الرابع: أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان - ﵁ - قاله المغيرة بن شعبة. أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٢٢). والخامس: أنها نزلت في قوم كانوا يسمعون الحديث من رسول الله - ﷺ - فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنزلت هذه الآية، قاله السدي. وأولى الأقوال كما قال الطبري أن يقال: إن الله نهى المؤمنين عن خيانته وخيانة رسوله وخيانة أمانته، وجائز أن تكون نزلت في أبي لبابة أو في غيره، ولا خبر عندنا بأي ذلك كان يجب التسليم له بصحته. [الطبري (١١/ ١٢٢)، زاد المسير (٢/ ٢٠٢)].
(٤) في "أ": (أمامة عند ابن المنذر).
(٥) في "ب": (أي أنزلتم).
(٦) في "ب": (ماله).
(٧) في الأصل: (اقتحموا).
[ ٢ / ٨٣٨ ]
قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، قيل: ولم يأكل أبو لبابة طعامًا ولا شرابًا سبعة أيام وخرّ مغشيًا عليه حتى بين الله توبته (١)، فائدة ذكر الأموال والأولاد التنبيه على أنها من دواعي الخيانة.
﴿فُرْقَانًا﴾ مخرجًا في الدنيا والآخرة عن ابن عباس ومجاهد والضحاك (٢).
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ اجتمعت جبابرة قريش في دار الندوة يدبرون في أمر رسول الله، ودخل معهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ نجدي، ثم قالوا فيما بينهم: "إنّ محمدًا ليس تمر الأيام والشهور إلا يزداد ويعظم شأنه وإنا نخشى أن نقاسي منه أكثر مما قاسينا إلى اليوم، فما الحيلة في تطفئة ناره وتجلية غباره، وقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيت وتسدوا عليه الباب وتخلوا كوة تطرحون إليه منها قوتًا يعيش به إلى أن يموت، فقال إبليس لعنه الله: بئس الرأي ما رأيت فإن أقاربه يتعصبون (٣) إذًا ويستنقذونه، قالوا جميعًا: صدق الشيخ النجدي، ثم قال أبو البختري بن هشام: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من أرضكم يذهبُ حيث يشاء، قال إبليس (٤): بئس الرأي ما رأيت، كأني به (٥) إذًا وقد كثر عليكم (٦) بعسكر لجب لينتقم منكم، قالوا جميعًا: صدق الشيخ النجدي، ثم قال الفاسق أبو جهل لعنه الله: لكني أرى أن يجتمع من كل بطن ورهط واحد ومعه سيفه، ثم نمشي جميعًا ونضربه ضربة رجل
_________________
(١) ابن جرير (١١/ ١٢١، ١٢٢)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٤)، سعيد بن منصور (٩٨٧ - تفسير) وهو مرسل.
(٢) أما عن ابن عباس فهو عند ابن جرير (١١/ ١٢٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٦). وأما عن مجاهد فعند الطبري (١١/ ١٢٩). وأما عن الضحاك فذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٣٤٦).
(٣) في الأصل: (افازته يتعصبون).
(٤) (إبليس) ليست في "ب" "ي".
(٥) (به) ليست في "ب".
(٦) في "ب": (وقد كربكم بعسكر).
[ ٢ / ٨٣٩ ]
واحد، وديناه إلى عشيرته ولا يقدرون على المطالبة بالقود فإنهم لا يقاومُون قريشًا بأجمعهم، قال إبليس: صدق هذا الشاب والرأي ما رآه، وأثنى عليه، فتفرقوا على ذلك وهبط جبريل -﵇- يخبر رسول الله - ﷺ - ويأذن له في الهجرة، فلما كان ليلة الاغتيال وثب عن (١) فراشه وخلّف عليًا مكانه وخرج من باب بيته وإذا هم وقوف مجتمعون فصرف الله أبصارهم عنه حتى أخذ التراب وحثى على رؤوسهم، ثم انطلق إلى أبي (٢) بكر فصحبه أبو بكر في الهجرة (٣) وكانا قد دبرا في ذلك من قبل فوفقهما الله تعالى لذلك فنزلت الآية (٤)، يذكر الله نعمته وإن كان هو ذاكرًا ليزداد شكرًا أو ليعتبر به المعتبرون.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ نزلت في المشركين الذين تحداهم رسول الله (٥) بمثل سورة من القرآن عامة وفي النضر بن الحارث بن كلدة كان يتحيز إلى الروم وفارس ويسمع أقاصيص رستم وإسفنديار فقال (٦): قد سمعنا القرآن ولو شئنا لقلنا مثله (٧)، وقد كذب الملعون وادّعى ما لا يقدر عليه وأصحابه، ولو قدروا لقالوا شيئًا مع طول المحاورة (٨) والمجاورة وكثرة التحدي، فإن ذلك لو قدروا عليه لكان أيسر في ردّ النبي -﵇- وأهون وأوحد وأمكن من القتال وبذل الأموال ومصادفة الرجال، ألا ترى أن طليحة الأسْدي ومسيلمة الكذاب كيف تكلفا وتوخيا المقابلة بما افتضحا به، حتى قال أبو بكر الصدَّيق لطليحة وأصحاب
_________________
(١) في "ب": (على).
(٢) في الأصل: (أبو).
(٣) في الأصل: (المفجرة).
(٤) قريبًا منه عند ابن هشام في السيرة (١/ ٤٨٠) عن ابن إسحاق، وابن جرير (١١/ ١٣٤، ١٣٥)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٦)، وأبو نعيم في الدلائل (١٥٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٦٨).
(٥) في "ب": (الله - ﷺ -).
(٦) في الأصل: (وقال).
(٧) ابن جرير (١١/ ١٤٣) عن سعيد بن جبير.
(٨) في "ب": (المجاوزة).
[ ٢ / ٨٤٠ ]
مسيلمة: ويْحَكم هذا الكلام لم يخرج من أل (١)، فاعترفوا له بالاغترار والخسران والإدبار.
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ نزلت في النضر بن الحارث أيضًا وأصحابه (٢)، فلم يمطر بالحجارة ولكن قتل صبرًا يوم بدر فذاق العذاب الأليم (٣)، قال أبو عبيدة: يقال في العذاب (أمطر) وفي الرحمة (مُطر) (٤).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ كأنهم لما دعوا بهذا الدعاء ولم يمطروا ولم ينزل بهم عذاب ازدادوا جرأة واتهام رسول الله - ﷺ -، وكان المؤمنون تعجبوا بتأخير العذاب بعد دعائهم هذا، فبين الله تعالى وجه تأخير العذاب عنهم فإن الله تعالى لم يعذب قومًا قط حتى خرج نبيهم من بينهم كانت هذه سنته في الأمم الخالية ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فهم الذين سبق علم الله فيهم أنهم سيؤمنون ويستغفرون؛ هكذا عن ابن عباس (٥) في بعض الروايات، وقال قتادة والسدي وابن زيد (٦): أنه على وجه الترغيب لهم في الإيمان والاستغفار.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية في إثبات العذاب وتحقيق نزوله بهم عند ارتفاع المعنيين. ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ أي: أي شيء لهم من الحجة والعذر أن لا يعذبهم بالاستئصال (٧) لتلك الحجة أو لذلك العذر، فما خبر عن
_________________
(١) قول الصديق ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/ ٣٢٦).
(٢) عزاه إليه القرطبي في تفسيره (٨/ ٢٨٥)، وقال: رواه ابن إسحاق ومقاتل، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ١٣) لمقاتل، وذكره ابن جرير (١١/ ١٤٥) عن عطاء.
(٣) وقيل: نزلت في أبي جهل وهو القائل بهذا؛ قاله أنس بن مالك. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٦٤٩)، ومسلم (٢٧٩٦)، والبغوي (٩٩٧) كلهم من حديث أنس بن مالك.
(٤) نقله عنه ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (٣٣٤)، والقرطبي (٧/ ٣٤٩).
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم (١٦٩٢)، والنحاس في ناسخه ص ٤٦٤، وذكره ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٣٥٠) عن ابن عباس.
(٦) وجدنا رواية السدي فقط رواها ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٩٢، ١٦٩٣).
(٧) في الأصل: (والعذر لا يعذبهم الله أن لا يعذبهما بالاستيصال).
[ ٢ / ٨٤١ ]
موجب العذاب فقال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يصدون المؤمنين عن الحج والعمرة غصبًا من غير أن يكون إليهم ولاية المسجد الحرام عند الله تعالى وفي حكمه، ثم أخبر الله عن أولياء المسجد الحرام فقال: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾.
﴿مُكَاءً﴾ صفيرًا ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقًا وتوليد الصدى، والصّدى (١): هو الصّوت المنعكس، كانت قريش تصفّر وتصفق وتعتقد أنها صلاة ودعاء وذلك من وسواس الشيطان لهم (٢) ليصدهم عن التسبيح والتهليل، قال حسّان:
إذا قام الملائكة اتبعتم صلاتكم التصفير والمكاء (٣)
فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وأخبر بقبح فعلهم وسوء رأيهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ خطاب لهم بلغهم (٤) يوم بدر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في المطعمين يوم بدر؛ عن الضحاك (٥)، وفي أبي سفيان حين استأجر ألفي رجل من الأحابيش (٦) من كنانة واستجاش من سائر العرب يوم أحد؛ عن قتادة (٧) ومجاهد وغيرهما.
_________________
(١) في الأصل: (والصد).
(٢) (لهم) ليست في الأصل و"أ".
(٣) ذكره نافع بن الأزرق في مسائله عن ابن عباس (٦٣)، وبيت حسان بن ثابت مذكور في لسان العرب (١٣/ ١٦٤ - مكا) صلاتهم التصدي والمكاءُ بهذا اللفظ.
(٤) في الأصل: (بلغتهم).
(٥) المشهور عن الضحاك أنها نزلت في أهل بدر كما عند ابن جرير (١١/ ١٧٤) وغيره. أما المطعمين وهم اثنا عشر رجلًا منهم أبو جهل وعتبة وشيبة وغيرهم كما عند البغوي (١/ ٣٥٥) عن الكلبي ومقاتل، ويروى كذلك عن ابن عباس كما في زاد المسير (٣/ ٣٥٥).
(٦) هم أحياء انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا، وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبل يسمى حبيشًا، انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣٣٠).
(٧) عزاه بصورة عامة لقتادة ومجاهد ابن كثير في تفسيره، ولكن رواية الأحابيش معروفة عن سعيد بن جبير كما عند ابن جرير (١١/ ١٧٠)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٩٧)، وابن عساكر (٢٣/ ٤٣٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٨٤) إلى ابن سعد وعبد بن حميد وأبي الشيخ.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ لام المفعول الثاني لـ "يحشرون" (١) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ لهذا ﴿الْخَبِيثَ﴾ جنس الكفار ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ جنسُ المؤمنين ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الخبيث ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ يضع بعضه على بعض ومنه السحاب المركوم.
﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الانتهاء عن العداوة ولا يصح ذلك إلا بالإِسلام ﴿سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ يوم بدر (٢) ويهددهم بمثله.
﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ كفر إن أجرينا على مشركي العرب ومحاربة الكفار (٣) وإن أجرينا على العُموم؛ لأن القتال ممتد إلى أن يستسلم أهل الشرق والغرب أجمعون أو تنتهي أيام الدنيا ﴿الدِّينُ﴾ التدين كله للتأكيد ﴿لِلَّهِ﴾ لوجه الله خالصًا.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإسلام والاستسلام ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ يواليكم وينصركم عليهم.
﴿وَاعْلَمُوا﴾ أي اعتقدوا وهو تكليف وليس بمجرد إعلام ولذلك علقه بشرط الإيمان ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ تفسير لقوله: (ما غنمتم) كقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ١٠].
وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يدل على قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾.
_________________
(١) أي أن اللام في "ليميز" متعلقة بيحشرون و"يميز" فيها قراءتان؛ الأولى: التخفيف وهي قراءة الجمهور، والثانية: التشديد وضم الياء وهي قراءة حمزة والكسائي. [السبعة ص ٣٠٦].
(٢) روي ذلك عن مجاهد والسدي. أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١١/ ١٧٧)، وابن أبي حاتم (١٧٠٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٨٥) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.
(٣) صح عن ابن عباس - ﵄ - في قوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال: حتى لا يكون شرك وكذا روي عن الحسن والسدي. أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١١/ ١٧٩)، وابن أبي حاتم (١٧٠١).
[ ٢ / ٨٤٣ ]
وروى سفيان الثوري عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب عند قوله (١): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة وسهم رسول الله كان ينفق مقدارًا على عياله ويصرف الباقي إلى حوائج المسلمين (٢)، وقد نقل عنه من طريق الاستفاضة قال: "ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (٣)، ثم سقط سهمُهُ بوفاته؛ لأن خلفاءه جعلوا لأنفسهم رزقًا دارًّا في بيت المال فاستغنوا عن هذا السّهم، ولو رأى الإمام أن يفرز هذا السهم ويجعله في بيت المال عدة للمسلمين لكان في سعة إن شاء الله، وليس في الآية ما يدل على أن ذوي القربى سوى القائمين؛ لأن الخطاب متوجه إليهم كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وفي قوله: ﴿قُلْ (٤) مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] لكن الدلالة قد قامت على أنهم فقراء بني هاشم كان -﵇- يعطيهم من الخمس مقدار الحاجة يقول لهم: "أليس في خمس الفيء ما يغنيكم عن غسالة أيدي الناس؟ "، ثم عندنا (٥) استحقاقه بالفقراء بعد موت النبي -﵇-، وعند الشافعي بمجرد القرابة واستحقاق اليتامى بالفقر بالإجماع (٦) والمساكين عام في الهاشميين وغيرهم وكذلك ابن السبيل، وفائدة تخصيص ذوي القربى التنبيه على أنهم في هذا المال (٧)
_________________
(١) (عند قوله) ليست في "ب".
(٢) عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٨٢)، وابن جرير (١١/ ١٨٧)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧٠٢)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤٣١)، وهو اختيار ابن جرير على أنه افتتاح كلام.
(٣) ابن أبي حاتم (٥/ ١٧٠٣)، والحديث عند أبي داود (٢٦٩٤)، والنسائي (٦/ ٦٢)، وأحمد (٢/ ١٨٤) والحديث حسن.
(٤) (قل) ليست في الأصل.
(٥) هذا دليل آخر على حنفية المؤلف.
(٦) في الأصل: (بإجماع).
(٧) في الأصل: (المجال)، وفي "أ": (المثال).
[ ٢ / ٨٤٤ ]
بخلاف ما هم في الزكوات (١) والصدقات أو تشريفهم على غيرهم (٢) كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وتخصيص اليتامى أن لا يوكلوا إلى (٣) أقاربهم الأغنياء لحق الحضانة أو التنبيه على تفقد المحتاجين.
﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ بدل عن قوله ﴿يَوْمَ الْتَقَى﴾ وذلك يدل على قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ (العدوة) جانب الوادي، قال النابغة:
في عدوتين أقام القوم بينهما والقوم بين محروم ومختوم (٤)
﴿الدُّنْيَا﴾ تأنيث الأدنى و﴿الْقُصْوَى﴾ تأنيث الأقصى أي الأبعد ﴿وَالرَّكْبُ﴾ العير في ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بالساحل ويحتمل أن الركب جماعة من ركبان إحدى الطائفتين اللتين التقتا (٥) ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لكراهتهم لقاء العدو ومجادلتهم في ذلك أو لرفع التقادير والتدابير على ما نشاهده ونجريه ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ ليمضي وليتم شأنًا كان مقدورًا محققًا مثبتًا في اللوح ﴿لِيَهْلِكَ﴾ ليموت من مات بعد استبانة ويعيش من عاش بعد استبانة، وذلك تتمة وعد الله تعالى بهلاك قريش في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وقال -﵇-: "والله لقد جئتكم
_________________
(١) في الأصل: (الزكاة).
(٢) في الأصل: (أو تشريفًا على قولهم).
(٣) (إلى) ليست في "أ".
(٤) في "أ": (فالقوم بين بحروم ومحتوم) وهو خطأ.
(٥) الأظهر من كلام المفسرين ومنهم ابن جرير أن (العدوة الدنيا) شفير الوادي الأدنى إلى المدينة وهم النبي ﵊ وأصحابه. و(هم بالعدوة القصوى) المشركون من كفار قريش على شفير الوادي الأقصى إلى مكة. و(الركب أسفل منكم) وهم أبو سفيان وأصحابه مقبلون من الشام تجارًا لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر النبي ﵊ بكفار قريش، ولا كفار قريش بمحمد وأصحابه حتى التقى على ماء بدر فاقتتلوا فغلبهم أصحاب رسول الله فأسروهم؛ هكذا قاله مجاهد وقتادة. أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٠٤)، وابن أبي حاتم (١٧٠٧).
[ ٢ / ٨٤٥ ]
بالذبح" (١) وقيل: ليكفر من كفر بعد اتضاح قيام الحجة عليه ويؤمن من آمن بعد اتضاح قيام الحجة له، فإن الحجة وإن كانت قائمة فلا شك أنها ازدادت يوم بدر بما ظهرت يومئذ وشاهد كثير من الطائفتين الملائكة يومئذ.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ بدل مما تقدم في محل النصب (٢)، والظاهر أنه -﵇- رأى رؤيا في المنام (٣) وعلم الرؤيا علم على طريق المثل والإشارة والانعكاس فلذلك يجوز التفاوت فيه ومعناه قلة شوكتهم أو قلة بقائهم في الدنيا. وقال الحسن البصري: رآهم النبي -﵇- (٤) قليلًا في اليقظة (٥) والمراد بالمنام العين، ﴿سَلَّمَ﴾ أي رزق السلامة.
﴿فَاثْبُتُوا﴾ أراد به المصابرة وترك الانهزام أو الوقوف والتكبير عند أول وهلة (٦)، أما الوقوف فلاجتماع الرأي والتكبير والاستنصار (٧) وتوهين الكفار.
_________________
(١) أحمد (٢/ ٢١٨)، وابن حبان (٦٥٦٧)، والبزار (٢٤٩٧)، والحديث حسن.
(٢) أي أن "إِذْ" في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ [الأنفَال: ٤٣] بدل من "إذ" التي قبلها في قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ ويجوز أن يكون الناصب لـ ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ هو فعل مضمر تقديره: اذكر.
(٣) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٥٩)، وابن جرير (١١/ ٢٠٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧٠٩) عن مجاهد، ورواه مرفوعًا ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٦٢٦ - ٦٢٧).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وبدله في "ب": (صلى الله عليه وسلام).
(٥) قول الحسن هذا ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٩٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٢١٤)، وقال الحافظ ابن كثير معلقًا على قول الحسن أنه رآهم في اليقظة قال: وهذا القول غريب. وقد صرح بالمنام هاهنا فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه. اهـ. ولذا فالرؤية رُؤية منام كما قاله ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وغيرهما. وليس المراد بالرؤية رؤية العين خلافًا لما ذهب إليه المؤلف الجرجاني -﵀-.
(٦) وفي هذا المعنى يقول ابن عباس - ﵄ - في هذه الآية: سَلَّم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم. ورجح الطبري قول ابن عباس. [الطبري (١١/ ٢١٠)].
(٧) في الأصل: (فللأشعار).
[ ٢ / ٨٤٦ ]
﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ في القتال وهو أن يخالفوا الإمام عند الفتنة فيتقدموا ويتأخروا بغير إذنه، وأن تتراحموا، أو يتجادلوا فيتخاذلوا ﴿رِيحُكُمْ﴾ ريح النصر قال -﵇- (١): "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" (٢) وقيل: الريح (٣) تزايد الأنفاس في الصدر عند الغضب بطول الاهتمام واحتباسُها قليلًا في الصدْرِ (٤)، وذلك يزيد في قوة الأعضاء، فإذا تنازعوا استوفوها في جهة التنازع ولم يبق للمطاعنة والمسابقة منها شيء.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ قيل: إن قريشًا لما بلغهم سلامة العير قال بعضهم ارجعوا فقد كفيتم، وقال أبو جهل وأمثاله: بل (٥) ننتهي إلى بدر فنطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف على رؤوسنا القينات لنفتخر به إلى آخر الأبد (٦)، فقلب الله عليهم أحوالهم وأطعم لحومهم (٧) السباع والنسور والديدان، وسقاهم مكان كؤوس الخمور كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، وأبدلهم من الفخر الخزي والعار وعذاب النار إلى أبد الآباد، ونهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرياء؛ لأن البطر هو الطغيان يحمل النفس على تمني المحال والقصد لما لا ينال حتى تقتحم الخسران والوبال، ورياء الناس يحمل النفس على ترك ما يعنيها من الأصلح والأوفق والأوجب والاشتغال بما لا يعنيها.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قيل: أراد سراقة بن مالك بن جُعْشُم كانت قريش حين خرجت تخاف من كنانة وبني بكر وكان سراقة شاعرًا مكينًا في
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) البخاري (٩٨٨)، ومسلم (٩٠٠).
(٣) في الأصل: (الذبح).
(٤) (واحتباسها قليلًا في الصدر) ليست في "أ".
(٥) (بل) ليست في الأصل.
(٦) هذا ورد عن عدد من الصحابة والتابعين، وانظر: الدر المنثور (٧/ ١٤٣ - ١٤٤).
(٧) في "أ": (لحوض)، وفي "ي": (لحمهم).
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الكنانة (١) فعرض لهم في الطريق وقال: إني جار لك من (٢) كنانة وإنهم سيتبعونكم وينصرونكم ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ﴾ الجمعان (٣) شاهد سراقة وتولى مدبرًا وكان قد شاهد مثله حين عرض للنبي -﵇- (٤) وأبي بكر الصدِّيق حين خرجا من مكة وهاجرا إلى المدينة، فقال له الحارث بن هشام: أفرارًا من غير قتال؟ فقال (٥): ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ (٦) وأكثر المفسرين على أن الشيطان هو إبليس لعنه الله تراءى لهم في صورة سراقة بن مالك أرسل إلى (٧) قريش أنكم تقولون خذلنا سراقة وانهزم عن الناس وإني والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، والجار والمجاور في الحقيقة إلا أنه صار اسمًا للخفير والمجير لأن الجيران كانوا يخفرون ويجيرون ﴿نَكَصَ﴾ رجع وانقلب و(العقب) مؤخر القدم.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ المعتقدون خلاف الإسلام ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك وتردد من جملة المنافقين كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويقولون: أغتر هؤلاء بدينهم فيظنون أنه حق سينصرون به ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ﴾ كلام مستأنف وجواب لو محذوف (٨).
و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أعوان ملك الموت و(الضرب) على الوجوه لزجر المتقدم وعلى الأدبار لطرد المتأخر كأنهم يسوقونهم سوق (٩) الخيل
_________________
(١) في الأصل: (الكفاية).
(٢) (من) ليست في "ب".
(٣) في الأصل: (الجماعة).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في الأصل: (قال).
(٦) أقرب ما وجدنا إلى هذه الرواية ما ذكره الواقدي في مغازيه (١/ ٧٠، ٧١)، والطبراني في الكبير (٤٥٥٠).
(٧) في الأصل: (لما).
(٨) أي جواب "لو" في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ﴾ محذوف للدلالة عليه تقديره: لرأيتَ أمرًا عظيمًا.
(٩) في الجميع: (يسرقونهم سرق) والمثبت من "ب".
[ ٢ / ٨٤٨ ]
ويمنعونهم عن الانتشار، ويحتمل أن الضرب على الوجوه للتعذيب لا بمعنى آخر، والضرب على الأبدان للسوق (١) والحشر (٢).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أو إلى تعقب المؤاخذة وترك المعاجلة.
﴿لَمْ يَكُ﴾ لم يكن، وإنما اختص الكون بالإخبار لاقتضائه الآنية العامة، وإنما سقطت النون لأنها تشبه حروف المدّ واللين في خفائها (٣) فجاز سقوطها بالجزم، والمراد بـ (النعمة) سوى نعمة التوفيق والشكر، وقيل: نعمة التوفيق داخلة فيه لأن الله لا يخذل ولا يمنع التوفيق إلا مع سوء الاختيار، لا يتقدم هذا على ذلك ولا ذاك على هذا ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ على أنفسهم من الشكر، فتغيير الشكر تبديله بالكفر، وقيل: ما بأنفسهم عند أنفسهم من النعمة، وتغييرهم إياها تسبيبهم لزوالها، والتغيير تبديل الكيفية في الحقيقة إلا أنه يستعمل في تبديل الأعيان مجازًا، كما يقال انقلب الترح فرحًا، والبكاء ضحكًا.
وإنما كرر التشبيه بدأب آل فرعون الحث على الاعتبار، وإنما عيّن فرعون وأهله بالغرق لأنه أشد استفاضة من أخبار عاد وثمود والذين من قبلهم.
﴿فَهُمْ﴾ الفاء لتعقيب امتناعهم في الحالة الثانية كفرهم في الحالة الأولى.
_________________
(١) في الأصل: (الأدبا)، وفي الجميع: (الأبدان للشوق) وكلاهما خطأ.
(٢) أي أن الملائكة حين تقبض أرواح الكفار فتنزعها عن أجسادهم تضرب الوجوه منهم والأدبار - وهي الأستاه - ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار، وكان ذلك يوم بدر، ولذا ورد في مراسيل الحسن قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشِّراكِ! قال: ما ذاك؟ قال: "ضرب الملائكة". [أخرجه الطبري في تفسيره مرسلًا عن الحسن (١١/ ٢٣٠)].
(٣) في "أ": (إخفائها).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ نزلت في بني قريظة نقضوا العهد مرة بعد أخرى (١) و(الذين) بدل عن الذين في الآية الأولى وهو إبدال البعض من الكل (٢) (شرد بهم) التشريد التفريق والتنكيل.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ الخوف العلم أو غلبة الظن ﴿خِيَانَةً﴾ مكر المعاهدين ﴿فَانْبِذْ﴾ العهد إليهم جهرًا ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ حال كقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] تقديره كائنًا أو كائنين على سواء في العداوة.
﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ للإعجاز معنيان أحدهما أن تفعل فعلًا يعجز عنه غيرك، والثاني أن تفسير إلى حال يعجز غيرك عن الاستيلاء عليك.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ به (٣) ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ عام في كل ما يتقوى به على الأعداء من سلاح وكراع، وعن عقبة بن عامر قال: قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ "الرمي (٤) لهو المؤمن في الخلاء (٥) وقوته عند اللقاء" (٦)، قال: ومات عقبة فأوصى بتسعين قوسًا كل قوس قرنها وسهامها في سبيل الله (٧)، قال: قرنها سيف، فقال: قرن الرجل إذا تقلد سيفه وتنكب قوسه، وعن عقبة قال: إن الله
_________________
(١) روي ذلك عن مجاهد قال: هم قريظة مالؤوا على محمَّد يوم الخندق أعداءه. أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٣٥)، وابن أبي حاتم (١٧١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٩١) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.
(٢) هذا أحد الأوجه في إعراب ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ﴾ [الأنفَال: ٥٦] والوجه الثاني: الرفع على الابتداء، والخبر قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفَال: ٥٧] ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط كما هو ظاهر كلام ابن عطية. [المحرر (٨/ ٩٢)].
(٣) (به) ليست في "ب".
(٤) (الرمي) ليست في الأصل و"ب".
(٥) (الخلاء) بدلها بياض في الأصل و"ب".
(٦) المعروف أن رسول الله - ﷺ - قال الآية، وقال: "ألا إن القوة الرمي" أخرجه مسلم (١٩١٧). وهناك رواية أخرى يقول: "إن كل لهو لهى به المؤمن باطل إلا في ثلاث: رمية الصيد بقوسه .. ".
(٧) الذي ذكر في ترجمة عقبة أنه ترك ثمانين قوسًا، وفي رواية بضع وستون أو بضع وسبعون، وانظر تاريخ ابن عساكر (٤٠/ ٥٠٢).
[ ٢ / ٨٥٠ ]
تعالى ليدخل الجنة بالسهم الواحد ثلاثة: صانعه الذي يحتسب بصنعه الخير، والرامي به والمهدي به، قال: وقال -﵇-: "ارموا واركبوا وإن ترموا خيرًا من أن تركبوا وكل شيء يلهُو به الرجل باطلًا إلا رمي الرجل بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق" (١) وعن عروة البارقي قال: قال -﵇-: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (٢) الأجر والمغنم. والمراد بـ (عدو الله (٣) وعدوهم) قوم واحد وهم الكفار كما في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وقيل: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ الكفار، و(عدوّنا) أهل البغي من المؤمنين ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ الجن، عن ابن عباس (٤)، وقيل: سوى بني قريظة (٥) والمعروفين من الأعداء.
﴿لِلسَّلْمِ﴾ (٦) إلى السلم ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ ضمير المسالمة أو الفعلة أو الخصلة، والآية غير منسوخة وقيام الدلالة على امتناع مشركي العرب لا يدل على أن الآية منسوخة في حق غيرهم.
﴿أَيَّدَكَ﴾ قواك ﴿بِنَصْرِهِ﴾ ما قدر الله من التأييد بغير سبب ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ما قدره من التأييد بسببهم.
_________________
(١) الترمذي (١٦٣٧)، وأبو داود (٢٥١٣)، وابن ماجه (٢٨١١)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٤١) (٩٤١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٩) (٥/ ٣٠٣) والحديث فيه ضعف.
(٢) البخاري (٢٨٤٩)، ومسلم (١٨٧١).
(٣) (الله) ليست في "ب".
(٤) يروى مرفوعًا عند ابن سعد (٧/ ٤٣٣)، والحارث بن أبي أسامة (٦٥٠ - زوائده)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧٢٣)، والطبراني (١٧/ ١٨٩) (٥٠٦). وقال ابن كثير: هو حديث منكر ولا يصح إسناده ومتنه. ويروى موقوفًا على سليمان بن موسى. أما عن ابن عباس فعزاه صاحب الدر (٧/ ١٨٦) لأبي الشيخ وابن مردويه.
(٥) هذا مروي عن مجاهد عند ابن جرير (١١/ ٢٤٨)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧٢٣).
(٦) وهناك قول ثالث في هذه الآية: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ [الأنفَال:٦٠] أنهم أهل فارس، قاله السدي. والقول الرابع: أنهم المنافقون، قاله ابن زيد. والقول الخامس: أنهم اليهود قاله مقاتل. روى ذلك الطبري في تفسيره (١١/ ٢٤٨) ورجح عدم التحديد في الآية والأصل العموم. [انظر: زاد المسير (٢/ ٢٢٢)].
[ ٢ / ٨٥١ ]
﴿وَأَلَّفَ﴾ والتأليف الجمع بين شيئين بتوفيق الطبيعة دون القهر، والمراد به ما ألف الله به قلوب أوليائه من معرفته والموالاة في ذاته (١) من غير رحم ولا عصبة ولا جوار ولا صحبة ولا اصطلاح (٢) زمان فهم كنفس واحدة تجسدت من جوهر طيب، ثم نطقت بروح الوحي معصومة من الفتن والبغضاء وأمراض الأهواء، وقيل: أراد التأليف بين الأوس والخزرج من بعد ما كانت بينهم عداوة قديمة (٣).
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل الخفضِ عطفًا على الضمير في ﴿حَسْبُكَ﴾ وقيل: الكاف في ﴿حَسْبُكَ﴾ في محل النصب، وقيل: إنه في محل الرفع عطفًا على اسم الله وتأويله حسبك (٤) تأييد الله بلا سبب وتأييد ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
ثم تعبّد الله المؤمنين بمصابرة عشرة أمثالهم ووعد لهم النصر عليها، ثم نسخ هذا بالمصابرة بمثليهم (٦)، ولم يبلغنا أنهم عملوا بهذا المنسوخ وغلبُوا على هذه الشريطة قبل نسخ الوجوب، وأما بعد نسخ الوجوب (٧) فقد بلغنا ذلك وأعظم منه.
_________________
(١) في "أ": (ذات).
(٢) في الأصل: (ولا عصبة والأجوار وصحبة والاسطلاح) وهوخطأ.
(٣) قاله ابن إسحاق والطبري وابن الجوزي وغيرهم. [تفسير الطبري (١١/ ٢٥٦)، زاد المسير (٢/ ٢٢٢)].
(٤) من قوله: (وقيل الكاف) إلى قوله: (وتأويله حسبك) ليست في "ب".
(٥) ما ذكره المؤلف أن "من اتبعك" في محل الخفض عطفًا على الضمير الكاف هو رأي الكوفيين كما نقله عنهم صاحب الإنصاف (٢/ ٤٦٣)، ولذا قدره الشعبي وابن زيد: حسب من اتبعك. وهناك قول آخر وهو ما ذهب إليه الزمخشري وهو أن الواو بمعنى مع وما بعده منصوب فهو كقولهم: "حسبك وزيداٌ درهمٌ" ولا تَجُرَّ لأن عطف الظاهر المجرور على المكنى ممتنع ومنه قول الشاعر: فحسبك والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ويكون التقدير في الآية: كفاكَ وكفى تُبَّاعَكَ المؤمنين اللهُ ناصرًا. [الكشاف (٢/ ١٦٧)، الدر المصون (٥/ ٦٣٢)].
(٦) في الجميع: (لمثيلهم) والمثبت من "ب".
(٧) (وأما بعد نسخ الوجوب) ليست في "أ".
[ ٢ / ٨٥٢ ]
﴿حَرِّضِ﴾ التحريض: الحث والإغراء، والعِشْر ظما من إظماء الإبل وهو لابتداء الماء تسعة أيام معشرون ظما؛ وإنما لم يقتصر على عدد واحد لئلا يتوهم أن الحكم أو الوعد مختص بالقليل دون الكثير أو الكثير دون القليل وليشترك (١) فيه الحاذق والجاهل.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ إخبار عن ما مضى من شأن الأنبياء نزل على سبيل الإنكار والعتاب، أي ما جاز لنبي قط أن يكون له أسرى يفتدون منه ﴿حَتَّى يُثْخِنَ﴾ إلى أن يثخن القتل في أعدائه، ويحتمل إلى أن يتمكن في الأرض التقتيل، وقد كان النبي (٢) -﵇- (٣) مَنّ على أساريه وأنعم عليهم بقبول الفداء قبل أن يثخن في أعدائه القتل، وكان ذلك بمشاورة بعض الصحابة فعاتبه الله على ذلك وأخبر عن غرض أصحابه في قبول الفداء.
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أن لا يعذب أهل بدر، عن مجاهد والحسن وقتادة (٤)، وقيل: أن يرزق الإسلام بعض الأسارى، وقيل: أن لا يؤاخذ الناس بالأوامر الشرعية السماعية قبل السماع، وقيل: أن تكون الغنائم حلالًا لأمة محمَّد -﵇- (٥)، وذلك أن الكتاب السابق ما تقدم على هذه الحادثة من الآيات النازلة من قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٣، ٤]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [لحشر: ٧]، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦] فالنبي -﵇- غير مخطئ مراد الله وما فيه المصلحة وما سيأذن له فيه ويجعله له (٦)
_________________
(١) في "أ": (لتشترك).
(٢) (النبي) ليست في "أ".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) وجدت هذا المعنى عن سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم (٥/ ١٧٣٥، ١٧٣٦). وقد ورد عن مجاهد عند ابن أبي حاتم كذلك (٥/ ١٧٣٥). وأما عن الحسن فعند البغوي (١/ ٣٧٧)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٣٨١)،
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" بدلًا من (﵇): (ﷺ).
(٦) (له) ليست في الأصل.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
شريعة، ولكنه عجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه (١) وحيُه وكان أصحابه غير مخطئين في طاعته ولكنهم لم ينتظروا الوحي وعجلوا بالإشارة عليه، ويحتمل أن الكتاب السابق قضاء الله وحكمه أن يغفر لنبيّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر (الغنم): الاستفادة وإصابة الخير، والخير المعلوم: الإيمان، والخير الموعود: الثواب، وهو على سبيل التفضيل على المأخوذ، وقال العباس عمّ النبي -﵇- (٢): أبدلني الله مكان عشرين أوقية من الذهب (٣) عشرين عبدًا كلهم يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها (٤) جميع أموال بكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي (٥) -﷿- هذا الذي أخلفه في نفسه (٦)، وأما الذي أخلف على ولده فلا يحصيه إلا الله -﷿- (٧).
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ نزلت في الذين عاهدوا النبي -﵇- (٨) أن لا يعودوا حربًا عليه إن أطلقهم وردهم إلى (٩) نياتهم ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ (١٠) وسلطك عليهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان -﵇- (٨) آخى بين المهاجرين والأنصار على
_________________
(١) في "أ": (يضي إليك).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (الذهب) ليست في "ب".
(٤) في الأصل (سابقًا) بدل من (لي بها).
(٥) هذه الرواية بهذا اللفظ ذكرها البغوي في تفسيره (١/ ٣٧٨)، والزمخشري في الكشاف (١/ ٤٦٨).
(٦) في "ب" نفسك.
(٧) أي أعطاهم دولة بني العباس وإليهم تنسب الدولة العباسية التي استمرت خمسمائة وأربعًا وعشرين سنة.
(٨) (السلام) ليست في "ي".
(٩) وهم العباس وأصحابه كما روي عن ابن عباس - ﵄ -، قال في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ [الأنفال: ٧١] يعني العباس وأصحابه في قولهم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا. أخرجه الطبري عنه (١١/ ٢٨٧).
(١٠) في الأصل: (مأنهم فاسكن مكنك) وهو خطأ.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
أن يرث بعضهم بعضًا، وقطع الموالاة بينهم وبين القاعدين من الهجرة للمقيمين في دار الحرب إلا (١) على سبيل النصرة في الدين على غير المعاهدين بقضيته هذه الآية، وفائدته ترغيبهم في الهجرة وزجرهم (٢) عن الإقامة في دار الحرب ثم نسخت بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٣)، ويحتمل أن تكون هذه الآية في الذين ليس لهم ذوو الأرحام من المؤمنين فلا تكون منسوخة.
وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية دليل أن الكفر كله واحد ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ يعني النصر الواجب المأمور به وحكم الموالاة وقطعها عليهم الله تعالى حكم المقيمين في دار الحرب بتخصيص المهاجرين وحكم الممتنعين عن النصرة بتخصيص الأنصار ترغيبهم بذلك في الهجرة والنصرة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ ألحق الله (٤) المهاجرين الآخرين بالمهماجرين الأولين من المهاجرين الآخرين العباس وابنا أخيه عقيل بن عبد المطلب ونوفل بن الحرث، وقد روي عنه -﵇- (٥) أنه قال للعباس: "ختم الله بك الهجرة، كما ختم فيَّ النبوة" (٦) فقوله: "لا هجرة بعد الفتح" (٧) على فتح بدر على هذه الرواية، ويحتمل أن هجرة بني هاشم ختمت بفتح بدر وهجرة سائر الناس ختمت بفتح مكة، وكما ألحق المهاجرين الآخرين بالأولين جعل أولي الأرحام بالميراث والموالاة من أصحاب العقود والمؤاخاة بعد ارتفاع الهجرة والمندوب إليها، والله أعلم.
_________________
(١) (إلا) ليست في "أ".
(٢) في "أ": (وزجره).
(٣) روي ذلك عن مجاهد أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٩٢)، وروي عن ابن عباس - ﵄ -، ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٢٢٩).
(٤) (الله) ليست في الأصل.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) الطبراني في الكبير (٥٨٢٨)، وأبو يعلى (٢٦٤٦)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٠١)، وابن حبان (١/ ١٢٨)، وابن عساكر في تاريخه (٢٦/ ٢٩٧) والحديث ضعيف جدًا فيه أبو مصعب إسماعيل بن قيس متروك.
(٧) البخاري (١٧٣٧)، ومسلم (١٣٥٣).
[ ٢ / ٨٥٥ ]