وهي مئتان وخمسٌ (١) وثمانون آية عند أهل المدينة (٢).
بسم الله الرحمن الرحيم. ربِّ يسَّر.
﴿الم (١)﴾: قال ابن عباس وعيهما: الألفُ: اللهُ، واللامُ: جبريل، والميم: محمَّد، أي: بعث اللهُ جبريلَ إلى محمدٍ بالقرآن. وعنه قال معناه: أنا اللهُ أعلم. وقيل: الألف من أنا، واللام: من لي، والميم من مني، أي: أنا الإله ولي الخلقُ والأمر، ومني النعمةُ والخير. وقيل: الألف: آلاء الله، واللامُ: لطفُهُ، والميمُ: مجدُهُ. فكأنه أقسم بآلائِهِ ولطفه ومجده. وقيل، معناه: أنا الله اللطيفُ المجيد (٣). وطريقةُ الاقتصار على حروف
_________________
(١) (خمس) ليست في "ن".
(٢) عند أهل المدينة ومكة والشام، أما في العد الكوفي فهو مائتان وست وثمانون آية، وهو المعتمد في المصاحف المطبوعة. [انظر البيان لأبي عمرو الداني ص ١٤]. وأما في العدّ البصري فهو مائتان وسبع وثمانون آية. وأما كلماتها فهي ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلّمة. وأما حروفها فهي خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف.
(٣) هذه الحروف المقطعة في أوأئل بعض السُّور ومنها سورة البقرة توقف في تفسيرها جمع من العلماء منهم الخلفاء الراشدون الأربعة - ﵃ -، ولم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه فسَّرها، لذا يحسن بنا أن نقول: "الله أعلم بمرادها". لكن ثبت عن بعض المفسرين لها من الصحابة والتابعين - ﵃ - أنهم فسَّروها واختلفوا في تفسيرها. وذكر المؤلف هنا قولين لابن عباس - ﵄ -، الأول: "الألف" الله، و"اللام" جبريل، و"الميم" محمد. وهذا القول نقله القرطبي في تفسيره (١/ ١٥٥) عن ابن عباس - ﵄ -، وينسب إلى الضحاك. أما القول الثاني الذي نقله المؤلف عن ابن عباس - ﵄ - وهو: أنا الله أعلم. =
[ ١ / ٩١ ]
الكلمة المشهورة معروف في لغة العرب، قال الشاعر (١):
نَادَوْهُمُ أنْ ألّجمُوا ألا تا قالوا جميعًا كلّهم: ألا فا
وقال آخر (٢):
بالخيرِ خيراتٍ وإن شرًا فا ولا أريدُ الشر إلا أن تا (٣)
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، أي: هذا القرآن، عن ابن عباس ومُجاهد (٤)
_________________
(١) = فقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٢)، والنحاس في "القطع" ص ١١١، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ١٦٧ وغيرهم، ولا يصح سنده إلى ابن عباس، وهو مرويٌّ عن ابن مسعود - ﵁ - وسعيد بن جبير - ﵀ -. وأما القولان الأخيران اللذان ذكرهما المؤلف فقد ذكرهما الماوردي في تفسيره "النكت والعيون" (١/ ٦٤) دون أن ينسبهما إلى أحد، وكذا تبعه في ذلك أبو السعود في تفسيره (١/ ٢١). وهناك أقوال كثيرة غير ما ذكره المؤلف، وأصح هذه الأقوال - والله أعلم - ما رجحه شيخنا محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - في تفسيره (١/ ٢١) أنها حروف هجائية ليس لها معنى إطلاقًا. وكأن الله - ﷿ - أراد أن يبيَّن للمشركين أن هذا القرآن الذي أعجزكم هو من هذه الحروف المقطعة، والله أعلم.
(٢) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (١/ ٦٢)، ولم يذكر قائله.
(٣) ذكر صاحب "لسان العرب" (١٣/ ١٤٩) مادة "معي" وعزاه لحكيم بن مُعيَّة التميمي، وأما ابن جني فقد ذكره في "سر الصناعة" (١/ ٩٤) ولم ينسبه لأحد.
(٤) ما ذكره المؤلف واستشهد به على الحروف المقطعة في أول السورة وأنه معروف في لغة العرب لا يُوافَق عليه وإن تبنَّاه بعض المفسَّرين، فإن هناك فرقًا بين الحروف المقطَّعة في أول السورة وبين ما استشهد به، ذلك لأن الحروف في الأبيات التي ذكرها ظاهرة من سياق الكلام، فقوله: "ألا تا" أي: ألا تركبوا، وقوله: "ألا فا" أي: ألا فاركبوا. وقوله في البيت الثاني: "وإن شرًا فا" أي: فَشَرًّا، وقوله: "إلا أن تا" أي: إلا أن تشاءَ. وهذا الأسلوب الذي في البيتين وغيرهما من الشواهد المماثلة لها نظيره ما يعرف بالترخيم في المنادى على حدِّ قول ابن مالك في ألفيَّته: ترخيمًا احذف آخر المنادى كيا سعا فيمن دعى سعادا إذًا الحذف- حذف بعض الحروف في الكلمة - سائغ في كلام العرب لكن لا يمكن أن نقيس عليها الحروف المقطَّعة في أوائل السور في القرآن لأنها ليست منحوتة من كلمة وليس ثمة سياق يحدِّد معناها، وهذا ما ذهب إليه القرطبي في تفسيره (١/ ٢١٦) وتبعه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٢) وغيرهما من المفسَّرين.
(٥) شيخ القُرَّاء والمفسَّرين أبو الحجَّاج مجاهد بن جبر المكي. أكثر الرواية عن ابن عباس - ﵁ -،=
[ ١ / ٩٢ ]
وعِكْرمة (١)، والسُّدَي (٢)، وابن جُرَيجٍ (٣)، ومحمد بن جرير الطبري (٤) (٥)،
_________________
(١) = وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، وقال: عرضتُ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، أَقِفُهُ عند كلَّ آية، أَسأله فيم نزلت، وكيف كانت. توفي - ﵀ - وهو ساجد سنة ثنتين ومائة. [انظر ترجمته في: تاريخ البخاري (٧/ ٤١١)؛ وحلية الأولياء (٣/ ٢٧٩)؛ وتاريخ ابن عساكر (١٦/ ١٢٥)؛ وتاريخ الإسلام (٤/ ١٩٠)؛ والبداية والنهاية (٩/ ٢٢٤)؛ والإصابة (٣/ ٨٣٦)؛ وشذرات الذهب (١/ ١٢٥)؛ والسير (٤/ ٤٤٩)].
(٢) هو العلامة الحافظ المفِّسر عكرمة مولى ابن عباس أبو عبد الله القرشي مولاهم، بربري الأصل، كان لحصين بن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس. قال يحيى بن معين: مات ابن عباس، وعكرمة عبدٌ لها يُعتق، فباعه علي بن عبدالله بن عباس فقيل له: تبيع علم أبيك؟ فاستردَّه. وقال عنه ابن عباس: ما حدَّثكم عني عكرمة فصدِّقوه، فإنه لم يكذب عليَّ. توفي سنة إحدى ومائة. [انظر ترجمته في: التاريخ الصغير للبخاري (١/ ٢٥٧)، وحلية الأولياء (٣/ ٣٢٦)؛ ووفيات الأعيان (٣/ ٢٦٥)؛ وميزان الاعتدال (٣/ ٩٣)؛ وتاريخ الإسلام (٣/ ٣٢٦)؛ والنجوم الزاهرة (١/ ١٦٣)؛ والسِّيَر (٥/ ١٢)].
(٣) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، إمام المفسِّرين أبو محمد السُّدَّي، أحد موالي قريش". توفي سنة سبع وعشرين ومائة. [انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٢٣)؛ والتاريخ الكبير (٣٦٠/ ١)؛ والجرح والتعديل (٢/ ١٨٤)؛ والسِّيَر (٥/ ٢٦٤)؛ وتاريخ الإسلام (٥/ ٤٣)؛ والنجوم الزاهرة (١/ ٣٠٨)؛ وطبقات المفسرين (١/ ١٠٩)].
(٤) الإمام العلامة الحافظ شيخ الحرم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي المكي، صاحب التصانيف المشهورة وأول من دَوَّنَ العلم بمكة - قاله الإمام أحمد بن حنبل - وروايته في الكتب الستة، وهو من المكثرين في رواية الحديث من الثقات الأئمة الأثبات. توفي سنة خمسين ومائة. [انظر ترجمته في: تاريخ البخاري (٥/ ٤٢٢)؛ وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٠)؛ والكامل في التاريخ (٥/ ٥٩٤)؛ ووفيات الأعيان (٣/ ١٦٣)؛ وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٩)؛ والعقد الثمين (٥/ ٥٠٨)؛ وطبقات المفسِّرين (١/ ٣٥٢)].
(٥) الإمام المفسِّر محمد بن جرير بن يزيد أبو جعفر الطبري نسبة إلى مدينة طبرستان. وُلد سنة أربع وعشرين ومائتين، وكتابه "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" من أهم وأعظم التفاسير على الإطلاق. وكان من كبار أئمة ألاجتهاد، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وله مواقف تدلُّ على زهده وورعه وسعة علمه. [انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٢/ ١٦٢)؛ وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠)؛ والبداية والنهاية (١١/ ١٤٥)؛ والسَّيَر (١٤/ ٢٦٧)؛ والوافي بالوفيات (٢/ ٨٤)؛ وطبقات الفسرين للداوودي (٢/ ١٠٦)].
(٦) أخرجه الطبري (١/ ٢٢٥)؛ وابن أبي حاتم (١/ ٥) عن سعيد بن جبير والسدي =
[ ١ / ٩٣ ]
وإنَّما سُمِّي القرآنُ كتابًا (١) لما جيء فيه من الأمر والنهي والقصصِ والمواعظِ والوعد والوعيد. وكل شيء جمعتَه فقد كتبتَه (٢).
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه. و(لا) مع ما بعدها جُعلا كشيء واحدٍ، فبُنيا على الفتحة كخمسةَ عَشرَ (٣)، و(لا) النفي تدخل على الاسم بمعنى "ليس" (٤)، وعلى الفعل الماضي بمعنى "لم"، وعلى المضارع بمعنى "ما".
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ رشدًا لهم. و﴿هُدًى﴾ مصدرٌ مثل التُّقى والسُّرى،
_________________
(١) = ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم عن الحسن، وانظر معاني القرآن لأبي عبيدة (١/ ٢٨)؛ ومعاني القرآن للزجاج (١/ ٢٩)؛ ومعاني القرآن للفراء (١/ ١٠)؛ والتبيان في إعراب القرآن للعكبري (١/ ١٥).
(٢) هذا هو القول الصحيح في المراد بالكتاب في هذه الآية أنه القرآن، وهو الذي رجحه ابن كثير وغيره خلافًا لمن قال أنه التوراة والإنجيل. وأما ما ذكره المؤلف من أنه سمي القرآن كتابًا لما جيء فيه من الأمر والنهي إلخ، فهو خلاف لما تدل عليه مادة "كتاب"، فكتاب على وزن فِعَال، وفِعَال تأتي بمعنى مفعول كغِراس بمعنى مغروس وقِتال بمعنى مقتول وكتاب بمعنى مكتوب، أي أنه - أعني القرآن - مكتوب عند الله ومكتوب بالصحف المكرمة ومكتوب في الصحف التي بين أيدينا. وهذا التوجيه ذكره شيخنا محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - في تفسيره (١/ ٢٥).
(٣) قول المؤلف: "كل شيء جمعته فقد كتبته" لا يوافق عليه، فقد يجمع الإنسان شيئًا مما كتبه غيره دون أن يساهم في تدوينه وكتابته.
(٤) قال السمين الحلبي في "الدر المصون" (١/ ٨٢): هذا القول فاسد - أي تركيبه معها كتركيب خمسة عشر- وهناك أقوِال أخرى في إعراب ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ منها أنه خبر عن ﴿ذَلِكَ﴾، وقيل: ﴿الْكِتَابُ﴾ خبرلـ ﴿ذَلِكَ﴾، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثانٍ، وقيل: جملة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محل نصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، و﴿لَا﴾ نافية للجنسِ ﴿رَيْبَ﴾ اسم "لا" ومتعلق الجار والمجرور "فيه" في محل رفع خبر. ويكون الوقف على ﴿رَيْبَ﴾ تامًا.
(٥) الدليل على مجيء "لا" النافية بمعنى "ليس" ما أنشده سيبويه لسعد بن مالك: مَنْ صَدَّ عن نيرانِهَا فأنا ابن قيسٍ لابراحُ وذهب البصريون إلى أن عمل "لا" عمل "ليس" هو خاص في النكرات، واستشهد بقول الصحابي الجليل سَوَاد بن قارب - ﵁ -: وكُن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ بمغننٍ فتيلًا عن سواد بن قاربِ [انظر: الكتاب (١/ ٢٨)؛ وإعراب القرآن لأبي جعفر النحاس (١/ ١٢٩)؛ وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٢٢٣)؛ وشرح الكافية الشافية لأبي عبد الله بن مالك (١/ ٤٤٠)].
[ ١ / ٩٤ ]
يتعدَّى إلى مفعولين بغير (١) حرف، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا (٢) الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ (٣) المتقين الذين يحذرون عن الشَّرك والكفر والفواحش بالتوحيد والإيمان والأعمال الصالحة (٤).
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يقرُّون ويُصدِّقون (٥) بالله تعالى بظهر الغيب قَبلَ المُشاهدة والإلجاء (٦)، لقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٧)، وقيل: الغيبُ: ما جاء به النبي من أخبار ما لم يُشَاهَد (٨)، ونقيضُ الإيمان: الإنكار. ونقيضُ الغيب: الشهادة. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إذا لم يعطِّلوها. والصلاة في اللغة: الدُّعاء (٩). وفي الشرعَ: اسم لعبادة معروفة تشتملُ على أفعالٍ وأركانٍ
_________________
(١) في "أ": (بلا).
(٢) أي أن المفعول الأول في "هديناهما" هو الهاء، والميم والألف حرفان دالاَّن على التثنية، و"الصراط" مفعول به ثان. وقول المؤلف يتعدَّى بغير حرف أي يتعدى بنفسه. [إعراب القرآن - محيي الدين الدرويش (٨/ ٣٠٢)].
(٣) سورة الصَّافات: ١١٨.
(٤) في "ي" كتب في الهامش: (واللام ﴿لِلْمتقِينَ﴾) متعلقة بمحذوف تقديره: هذا، أي كائن أو كائنًا نصب على الحال. ووزنه في الأصل مُفْتَعلون؛ لأنَّ أصله من (موتقيون) حذف اللام دون (علامه) الجمع؛ لأن علامة الجمع (دالة) على معنى إذا حُذِفت (لا يبقى) على ذلك دليل. فكان إبقاؤها أولى؛ لأنَّ أصله "مُفْتعون، ومُفتعين"). والكلام من "الإملاء" للعكبري (١/ ١١ - ١٢).
(٥) مجيء الإيمان بمعنى التصديق وارد في كتاب الله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدِّق لنا.
(٦) في "أ": (الالتجاء).
(٧) سورة ق: ٣٣.
(٨) وبه قال ابن عباس - ﵁ - بأن "الغيب" كل ما أمرت بالإيمان به مما غاب عن بصرك، كالملائكة والجنة والنار إلخ. [تفسير الطبري (١/ ٢٣٦)؛ والخازن (١/ ٢٩)؛ والدر المنثور (١/ ٢٥)].
(٩) ومنه قوله ﵊ فيما رواه مسلم في صحيحه (٢/ ١٠٥٤): "إذا دُعِيَ أحدكم فَلْيُجِبْ، فإن كان صائمًا فليُصَلِّ "، وقول الأعشى: لها حارسٌ لا يبرحُ الدَّهْرُ بَيْتَهَا وإن ذُبحَتْ صَلَّى عليها وَزَمْزَمَا [وأنظر: تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٦)؛ والقاموس الَمحيط (٤/ ٣٥٥)؛ ولسان العرب (١٩/ ١٩٨)؛ وتفسير الطبري (١/ ٢٤٢)].
[ ١ / ٩٥ ]
معهودةٍ مقترنة بشرائط (١). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: أعطيناهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾: يتصدَّقون، والمراد به الزكاةُ عند ابن عباس (٢). وقيل: جميعُ ما يُحمد (٣).
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: القرآن والسُّنَّة، لقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٥) (٦)، وقوله - ﵇ -: "أُوتيتُ القرِآنِ ومثله مرتين" (٧). ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ما أُتي به النبيون من قبلُ. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ أي: الحياة الآخرةِ ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾: يتَّقون، وضدُّ الإيقان:
_________________
(١) وَعَرَّفَهَا شيخنا محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - تعريفًا شرعيًا في كتابه "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (٢/ ٥) بأنها: التعبُّد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
(٢) الطبري (١/ ٢٤٣)؛ وابن أبي حاتم (١/ ٣٧)؛ وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٧) لابن إسحاق. وما ذهب إليه ابن عباس - ﵁ - من أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنها الزكاة هو المتعين- والله أعلم -، ذلك لأن الله قد قرن الزكاة بالصلاة، فهي قرينتها في العطف في ستة وعشرين موضعًا من كتاب الله، كما أنه لا يمنع من أن يشملها صدقة التطوع، فهو نوع من الإنفاق وإن لم يكن واجبًا، وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٢٤٩).
(٣) جاء في هامش "ي": (مِنْ) متعلقة ب ﴿يُنفِقُونَ﴾، والتقدير: وينفقون ما رزقناهم، فيكون الفعلُ قبل المفعول لما كان في قوله (يؤمنون) و(يقيمون)، وإنما أخر الفعل عن المفعول لتتوافق رؤوس الآي، و(ما) بمعنى: الذي. و(رزقنا) يتعدى إلى مفعولين، فحذف الثاني منهما هنا، وهو العائد على (ما) تقديره: رزقناهموه أو رزقناهم إياه. ويجوز أن تكون (ما) نكرة موصوفة بمعنى: شيء، أي: ومما رزقناهم، فيكون ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ في موضع جر صفة، لـ (ما). [انظر: العكبري "الإملاء" (١/ ١٢)].
(٤) النجم:٣.
(٥) وكتب في هامش النسخة "ي": (موضع) ﴿الَّذِينَ﴾ جُرَّ صفة للمتقِين، أو نصب بإضمار: أعني، أو رُفع بإضمار: هم، أو مبتدأ وخبر ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾. [انظر: العكبري "الإملاء" (١/ ١١)].
(٦) الحشر:٧.
(٧) الحديث رواه أبو داود (٤٥٩٤)، وأحمد (٤/ ١٣٠)؛ والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٨٣) عن المقداد بن معدي كرب مرفوعًا بلفظ:"ألا إني أُوتيتُ القرآن ومثله معه " الحديث، وصححه العلامة الألباني في "مشكاة المصابيح" (١/ ٥٧/ ١٦٣).
[ ١ / ٩٦ ]
الشك. ﴿أُولَئِكَ﴾: أهل هذه الصِّفة (١) ﴿عَلَى هُدًى (٢) مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المفلحون: النَّاجون السُّعداء الباقون في الجنة. قال ابنُ عباس - ﵄ -: "هُمُ الذين وجدوا ما طلبوا ونَجَوا من شرِّ ما منه هربوا" (٣). وقيل: المُفلِح: الظافرُ ببغيته المُنْجِحُ بطلبته. وقيل: كلُّ مَنْ أصاب خيرًا فهو مُفْلِح. وقيل: الفَلاَح: البقاء (٤)، أُخذ من القطع. وقيل: أصلُهُ للقطعِ، من قولهم: الحديدُ بالحديد يَفْلح (٥). ويقال للأَكَّار والمُكَارِي فَلاَّحًا ثَمَّ أُخِذ منه البقاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في شأن شَيْبَة وعُتْبَة ابني ربيعة والوليد بن
_________________
(١) أهل هذه الصفة هم مؤمنو أهل الكتاب، وهو مرويٌّ عن ابن عباس - ﵁ - وابن مسعود وأناس من الصحابة، واختاره ابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ وما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيِّه وآمن بي " الحديث. [تفسير ابن كثير (٦٠١١)].
(٢) كتب في هامش النسخة "ي": (فإن قيل: أصل (على) للاستعلاء والهدى لا يُستعلى عليه، فكيف يصح معناها ههنا؟ قيل: معنى الاستعلاء حاصل لأن منزلتهم علت باتَّباع الهدى، ويجوز أن يقول: لما كانت أفعالهم كلها على مقتضى الهدى كان تصرفهم بالهدى كتصرف الراكب بما يركب) اهـ. [انظر: العكبري (١/ ١٤)].
(٣) ابن أبي حاتم (١/ ٣٩)؛ والطبري في تفسيره (١/ ٢٥٦)، وحَسَّنَ إسناده الشيخ حكمت بشير في تفسيره "التفسير الصحيح" (١/ ١٠٣).
(٤) مجيء الفلاح بمعنى البقاء معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة: لو أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ أدركه مُلاَعِبُ الرَّمَاحِ وملاعب الرماح: هو عمه عامر بن مالك. وقول عبيد بن الأبرص: أَفْلِحْ بما شِئْتَ فقد يُبْلَغُ بالـ ـضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الأَرِيبُ [ديوان لبيد ٣٣٣؛ اللسان "لعب"؛ همع الهوامع (١/ ١٣٩)؛ شرح المعلقات للتبريزي ٥٤١؛ تفسير القرطبي (١/ ١٨٢)].
(٥) قوله "الحديد بالحديد يفلح" هو مَثَلٌ عربي، وورد في قول الشاعر: وقد عَلِمَتْ خَيْلُكَ أني الصَّحْصَحُ إن الحديدَ بالحديدِ يُفْلِحُ وقول بكر بن النطاح: لا تَبْعَثَنَّ إلى ربيعةَ غيرها إنَّ الحديدَ بغيرهِ لايُفْلِحُ [مجمع الأمثال (١/ ٨)؛ اللسان "فلح"].
[ ١ / ٩٧ ]
عتبه (١) الذين قتلهم يوم بدر حمزةُ (٢) وعليٌّ (٣) وعبيدةُ بن الحارث بن عبد المطلمب (٤) (٥). وقيل: نزلت في شأن سبعة نفرٍ من اليهود: كعب بن الأشرف وحُيَيّ وجُدَيّ ابني أخْطَب وسعية بن عمرو ومالك بن الصِّيف، وأبي لبابة بن المنذر (٦)
_________________
(١) شيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي هما من أعيان المشركين في الجاهلية، ودعا عليهما النبي ﵊ يوم بدر فقال: "اللهمّ عليك بعتبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بشيبة بن ربيعة" وذكر أناسًا .. فقتلا يوم بدر ومعهم الوليد بن عتبة. ثم ألقوا في قليب بدر. والحديث رواه البخاري ومسلم في عدة مواطن من كتابيهما.
(٢) حمزة بن عبد المطلب بن قصي بن كلاب، عم رسول الله - ﷺ - وأخوه من الرضاع، المعروف بأسد الله البدري الشهيد. وصحَّ عنه ﵊ أنه قال: "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". [أخرجه الحاكم (٣/ ١٩٥)]. وقتل - ﵀ - يوم أحد على يد وحشي بحربته. [طبقات ابن سعد (٣/ ١)؛ الاستيعاب (٣/ ٧٠)؛ أسد الغابة (٢/ ٥١)؛ الإصابة (٢/ ٢٨٥)].
(٣) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن، ابن عم النبي ﵊ وأول الناس إسلامًا. ولد قبل البعثة بعشر سنين. شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك. وزوَّجه النبي - ﵇ - ابنته فاطمة، وقال له النبي ﵊:، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى". وأخباره يطول ذكرها. [الإصابة (٧/ ٥٧)؛ معجم الصحابة للبغوي (٤/ ٣٥٤)؛ أسد الغابة (٣/ ٥٨٨)؛ الصحابة لأبي نعيم (١/ ٢٧٦)].
(٤) عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي. كان أحد السابقين الأولين، وهو أسنُّ من النبي - ﷺ - بعشر سنين. هاجر هو وأخواه الطفيل وحصين، وكان كبير المنزلة عند رسول الله - ﷺ -. جُرح يوم بدر ثم توفي من أثر الجرح في العشرة الأخيرة من رمضان سنة اثنتين من الهجرة. [الاستيعاب (٧/ ١١٤)؛ أسد الغابة (٣/ ٥٥٣)؛ الإصابة (٦/ ٣٦٩)؛ السير (١/ ٢٥٦)].
(٥) هذا القول نقله ابن حجر في "العجاب" (١/ ٢٢٩)؛ وعزاه لأبي حيان في تفسيره، وعزاه الجميع للضحاك.
(٦) أبو لبابة بن عبد المنذر، كان من الأوس وهو من بني عمرو بن عوف. أسلم فتأثر بالمنافقين فانضَمَّ إليهم، فنزلت فيه آيات منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة:٥١]، وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ ﴾ [الأعراف: ٢٧] حين بعثه رسول الله - ﷺ - إلى بني قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه: الذبح الذبح. وقيل أنه تاب إلى الله وقال: لا والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا =
[ ١ / ٩٨ ]
وأبي ياسر (١) ابن أخطب (٢). و﴿إنَّ﴾ حرف إثبات، وهي أداة القسم، واللام أختها، تقول: واللهِ إنَّ زيدًا لمنطلقٌ، وهي لا تدخل إلا في (٣) الأسماء.
والكفر في اللغة: السَّتر (٤). وفي الشرع: إنكار ما يجب الإيمان به (٥)،
_________________
(١) = حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام على ذلك حتى خَرَّ مغشيًا عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله هو الذي يحلني، فجاءه فحلَّه بيداه ثم قال أبو لبابة: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب وأن أنخلع من مالي. [الطبري (٨/ ٤١٣ - ٥٠٦؛١١/ ١٢١)؛ عبد الرزاق (١/ ٢٨٦)].
(٢) في كل السسخ: (ناصر) والتصحيح من المصادر.
(٣) الطبري (١/ ٢٥٠)؛ والواحدي في "أسباب النزول" (١٣)؛ وعزاه ابن حجر في "العجاب" (١/ ٢٢٩) للكلبي. ولا يصح في أسباب نزول هذه الآية شيء، والله أعلم.
(٤) (إلا في) ليست في "أ". وقول المؤلف: (لا تدخل "إن" إلا في الأسماء) أي أنه يمتنع دخولها على الأفعال، نكن إن خُففِّت "إنَّ" جاز الإعمال والإهمال، وجاز لها أن تباشر الأفعال. [انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ص ٧٧؛ الدر المصون للحلبي (١/ ١٠٥)؛ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (١/ ٢٣٦)].
(٥) ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر ويغطي بظلمته فلق النهار، ومنه قول ابن صُعَير المازني: فَتَذَكَّرَا ثَقلًا رثيدًا بَعْدَما أَلْقَتْ ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ وقول لبيد بن ربيعة: يعلو طريقة متنها متواترٌ في ليلةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غمامُها يعني: غطاها. [الطبري (١/ ٢٦٢)؛ المفضليات ص ١٣٠؛ اللسان "رثد - ذكو"؛ الدر المصون (١/ ١٠٦)].
(٦) والذي عوَّل عليه الشافعية أنه إنكار ما علم مجيء الرسول - ﷺ - به مما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام، وَيُعَرَّفُهُ أبو محمد بن حزم الظاهري بأنه صفة من جحد شيئًا مما أوجب الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه. كما عرَّفه العلامة محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره بأنه: إنكار ما دلَّت عليه الأدلة القاطعة وتناقلته جميع الشرائع الصحيحة الماضية حتى علمه البشر وتوجهت عقولهم إلى البحث عنه كوحدانية الله. وفي نظري أن هذه التعريفات الثلاث تجتمع في مصبِّ واحد من حيث المعنى وإن اختلفت في صياغة التعريف. [الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٤٥)؛ روح المعاني لأبي الفضل الآلوسي (١/ ٢٠٨)؛ التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٢٤٩)].
[ ١ / ٩٩ ]
بدليل أنَّ عليًا - كرَّم الله وجهه (١) - سمَّى أهل الشام مؤمنين في كتاب القضية (٢)، مع إنكارهم حقَّه وكفرانهم بعض نِعَمِ الله تعالى.
و﴿سَوَاءٌ﴾ مصدرٌ أقيم مقام الصفة (٣)، أي: يستوي عندهم إنذارُك إياهم وتركُكَ إنذارَهُم، كقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ (٥). والإنذار: إعلامٌ فيه تخويف (٦)، ويتعدى إلى مفعولين ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البتة إن أجرينا على الثلاثة، هان أجرينا على السبعة] (٧) لا يؤمنون في الحال؛ لأن بعضهم آمن من بعد، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ طبع الله على قلوبهم.
والختم والطبع: الاستيثاق من المختوم حتى لا يخرج منه شيء ولا يدخله شيء، من ذلك ختم الصُّرَّة والكتاب (٨).
_________________
(١) الأصل أن يقول: (﵁) إذ ليس هناك لفظة خاصة لبعض الصحابة دون بعض، مع وجود قاسم مشترك في نفس الصفة، إلا أن الروافض يحبُّون تمييز آل البيت ب (﵇) و(كرَّم الله وجهه)، وخصُّوا علي بن أبي طالب ب (كرَّم الله وجهه) على أنه لم يسجد لصنم، ومثل هذه الدعوى مرفوضة بحجة أن هناك جمعًا من الصحابة لم يسجدوا لصنم ولم يلقَّبوا بهذا اللقب.
(٢) الذي ورد عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه سأل عن سب أهل الشام أو لعنهم فرفض ذلك، وقد وردت عنه روايات في مدح أهل الشام عمومًا. [انظر فضائل الشام للربعي ص ٤٢].
(٣) وهو الذي ذهب إليه الزمخشري في تفسيره بأن ﴿سَوَاءٌ﴾ اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر، وارتفاعه على أنه خبر لـ"إن"، وجملة ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في موضع المرتفع به على الفاعلية. والتقدير: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه. اهـ. وذهب بعضهم إلى أنه اسم غير صفة، فالأصل فيه أنه لا يعمل، ويكون ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في موضع الابتداء، و﴿سَوَاءٌ﴾ خبرًا مقدمًا، ويكون التقدير: إنذارك وعدمه سواءٌ عليهم، والجملة خبر "إنَّ" [الكشاف (١/ ١٥١)؛ الدر المصون (١/ ١٠٥)].
(٤) الشُعراء: ١٣٦.
(٥) إبراهيم: ٢١.
(٦) الإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف. والاسم: النُّذُر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ أي: إنذاري. ففعيل بمعنى مفعل. [اللسان "نذر" (١٤/ ١٠١)؛ تفسير القرآن الكريم لشيخنا العلامة ابن عثيمين - ﵀ - (١/ ٣٦)].
(٧) ما بين [] سقطت من "ب".
(٨) وحاصل الختم هنا أنه لمَّا شَبَّهَ عدم نفوذ الحق في قلوبهم وعدم سماعهم بالختم عليها =
[ ١ / ١٠٠ ]
والقلوب: جمع قلب، وهي أول الأعضاء الرئيسة (١)، سُمِّي قلبًا لكثرة تقلُّبه بالخواطر والمعاني (٢).
﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ وأراد بالسمع: الأُذُن، وبالأبصار: العيون، إذ العرب تُسمي الشيء باسم الشيء إذا كان قريبًا منه. وإنما لم يقل على أسماعهم لأنَّ العربَ تكتفي من جمع المضاف بجمع المضاف إليه (٣).
_________________
(١) = استُعير لفظ الختم استعارة محسوسة لمعقول بجامع عقلي هو الاشتمال على منع القابل عَمَّا مِنْ شأنه أن يقبله، ثم استعمل لفظ المشبه به في المشبه واشتقَّ من الختم المجازي صيغة الماضي فهو ﴿خَتَمَ﴾ فتكون الاستعارة في ﴿خَتَمَ﴾ تصريحية تبعية فعلية، وفي ﴿غِشَاوَةٌ﴾ استعارة تصريحية أصلية. كما أن الخ ت م يكون علي القلوب والأسماع، وأن الغشاوة تكون على الأبصار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾. [مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٢٣٥)؛ وتفسير النسفي (١٤/ ١)؛ والكشاف (١/ ٢٦)؛ وأضواء البيان (١/ ١١٠)].
(٢) والقلب: مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط، قاله أبو منصور الأزهري، ويطلق القلب ويراد به العقل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: عقل. وتُجْمَع على قلوب وأَقْلُب، والقلب أخصّ من الفؤاد في الاستعمال، ومنه قول الشاعر [ينسب لوبرة بن جحذ]: ليتَ الغرابَ رَمَى حمَاطَةَ قلبهِ عَمْرٌو بأسهمِهِ التي لم تُلْغَبِ [تهذيب اللغة "قلب" (٩/ ١٧٢)؛ اللسان "قلب" (١١/ ٢٧١)].
(٣) قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله ﵊: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" أخرجه الترمذي (القدر باب ٧) والإمام أحمد (١٨٢/ ٤) وسنده صحيح. ومنه قول الشاعر: وما سمي الإنسان إلا لنسيِهِ ولا القلبُ إلا أنه يتقلَّبُ
(٤) أي أنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دلَّ على أنه يراد به إسماع الجماعة، ومنه قول الشاعر [ينسب لعلقمة الفحل]: بها جِيَفُ الحَسْرَى فأما عِظَامها فبيضٌ وأما جِلْدُهَا فصَلِيبُ يريد جلودها. وقول المُسَيَّب بن يزيد: لاتنْكِروا القتلَ وقد سُبينا في حَلْقِكُم عَظْمٌ وقد شجينا يريد: حلوقكم. =
[ ١ / ١٠١ ]
﴿غِشَاوَةٌ﴾ غطاء (١). وهذه الغشاوة تمنعُ رؤيةَ الاعتبار لا رؤيةَ الاختيار. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ إيذاءٌ مستمرٌّ ﴿عَظِيمٌ﴾ يعظم عليهم ويصغر عندهم بجنبه كلُّ عذابٍ، والمراد به: في الآخرة. وقيل: المراد به قتلهم وأسرهم يوم بدر (٢).
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ نزلت (٣) في المنافقين (٤): عبد الله بن أُبي بن سَلُول (٥) (٦)،
_________________
(١) = وقيل: إنما وَحَّدَ السمع لأنه مصدر يقع للقليل والكثير. [الطبري (١/ ٢٧١) تصير القرطبي (١/ ١٩٠)؛ إعراب القرآن للنحاس (١/ ١٣٦) ديوان علقمة الفحل ص٤٠].
(٢) أي: غطاءٌ على العين يمنعها من الرؤية. ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: هويتك إذ عيني عليها غشاوةٌ فلما انْجَلَتْ قطعت نفسي أَلُومُها وعلى قراءة من نصب "غشاوة" تكون منصوبة بفعل محذوف، والتقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، كما في آية سورة الجاثية، وهو كقول الشاعر: لمَّا حططتُ الرَّحْلَ عنها واردًا عَلَّفْتُهَا تبنًا وماءً باردا وقول الآخر: إذا ما الغانيات برزنَ يومًا وَزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا التقدير: علفتُها تبنًا وأسقيتها ماءً، وزججن الحواجبَ وكَحَّلْنَ العيونا [أضواء البيان للشنقيطي (١/ ١١٠)].
(٣) وذهب ابن عباس - ﵄ - إلى أن الآية نزلت في الأحبار من اليهود فيما كذبوا به من الحق، وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره. [تفسير الطبري (١/ ٢٧٤)].
(٤) (نزلت) ليست في "ب".
(٥) وهو قول ابن عباس - ﵁ - فيما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٢٧٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٤٢)، وقد سُمِّيت في حديث ابن عباس أسماؤُهم وأنهم من منافقي الأوس والخزرج، لكن عامة المفسرين ذكروا أن الآية نزلت في قوم من المنافقين دون أن يعيِّنوا أحدًا منهم، ولكن الله - ﷿ - صرح بذكر بعضهم في قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾.
(٦) عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي أبو الحباب هو من خزاعة: رأس المنافقين في الإِسلام من أهل المدينة، كان سيد الخزرج في الجاهلية وأظهر الإِسلام بعد وقعة بدر. وكان كلما حلَّت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، ولما مات صلَّى عليه النبي - ﷺ - حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وأخباره يطول ذكرها. [إمتاع الأسماع (١/ ٩٩)؛ طبقات ابن سعد (٢/ ٩٠)؛ جمهرة الإنساب (٣٣٥)؛ الأعلام (٤/ ٦٥)].
(٧) كتب في هامش النسخة "ي": عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد بن سلول. وسَلُول: امرأة من خُزاعة، وهي أمُّ أُبي بن مالك، وكان عبد الله سيد الخزرج.
[ ١ / ١٠٢ ]
وجَدَّ بن قيس (١)، ومُعتِّب بن قُشَير (٢) ومن تابعهم. وسمِّي الإنسُ إنسًا لظهورهم (٣). وهم ضدّ الجنّ. وأنِسْتُ السرَّ- بغير مدّ - إذا: أظهرتُهُ. وإنما
_________________
(١) الجد بن قيس بن صخر الأنصاري أبو عبد الله وهو خال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله، وكان الجد بن قيس سيد بني سلمة ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال: يقال إن الجد بن قيس كان منافقًا تخلَّف عن غزوة تبوك فأنزل الله فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] ونزل فيه أيضًا: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦]، ونزل فيه أيضًا: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ ﴾ [التوبة: ٨٦]، وقيل أنه تاب ورجع حتى أنزل الله فيه وفيمن تاب معه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: ١٠٢]. [الطبري (١١/ ٤٨٠، ٤٨٢، ٤٩١، ٦٥٤)؛ الإصابة (٢/ ٧٠)؛ ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥٩)].
(٢) معتب بن قشير هو أحمد بني عمرو بن عوف. كان من أعيان المنافقين. قال الزبير بن العوام - ﵁ -: والله إني لأسمع قول معتب بن قشير حين قال: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] حتى أنزل الله فيه ومن معه من المنافقين: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ونزل فيه أيضًا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ [التوبة: ٧٥]، ومعتب هو الذي ساهم في بناء مسجد الضرار الذي أمر النبي ﵊ بإحراقه وهدمه. [الطبري (٦/ ١٦٧؛ ١١/ ٥٨٢ - ٦٧٢)؛ ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٩)؛ البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٥٩)؛ ابن كثير (٤/ ١٤٩)].
(٣) اختلف اللغويون والنحويون في اشتقاق وأصل هذا الاسمِ ﴿النَّاسِ﴾ فذهب سيبويه والفراء أن أصله "أنس"، والأصل أناس مشتق من الأُنْس لأنه أنِسَ بحواء، وقيل: أَنِسَ بربه، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا، ومنه قول الشاعر [ينسب إلى ذي جدن الحميري]: إن المنايا يَطَّلِعـ نَ على الأُناسِ الآمنينا وقول لبيد بن ربيعة: وكل أناسٍ سوفَ تدخلُ بينهم دويهيةٌ تصفر منها الأنامِلُ وذهب الكسائي إلى أن أصله "نَوَسَ" فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والنوس الحركة. وذهب آخرون إلى أن أصله "نسي" ثم قلبت اللام إلى موضع العين فصار نَيَسًا، ثم قلبت الياء ألفًا، وسُمُّوا بذلك لنسيانهم على حد قول الشاعر: فإِنْ نسيتَ عهودًا منكَ سالفةً فاغفِر فأولُ ناسٍ أول الناسِ [ديوان لبيد ص ٢٥٦؛ الخصائص (٣/ ١٥١)؛ شواهد الشافية ٢٩٦؛ تفسير القرطبي (١/ ١٩٣)؛ الدر المصون (١/ ١١٩)].
[ ١ / ١٠٣ ]
وَحَّدَ الفعلَ في أوّلِ الآيةِ وجَمعَ الضمير في آخرها؛ لأنَّ مِنْ لفظه الوحدان، ولإبهامِهِ يصلح أن يكون اسمًا للمذكر والمؤنث والاثنين والجماعة تعدل تارة إلى اللفظ وتارة إلى المعنى، كقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (١).
﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِر﴾ (٢) الذي لا زمان بعده لعدم انتهائه. وسُمِّي يومًا لأن الليل معدومٌ فيه (٣)، وهو يشتملُ على الساعة. والباء في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لتأكيد النفي (٤)، وفي الآية دليلٌ على أن مُفرِدَ الإقرار ليس بمؤمن عند الله، لما في قلبه من المرض والشك.
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: يظنون أنهم يخادعون. والمخادعة: فعلُ الخَدْع من اثنين على وجه المقابلة (٥).
_________________
(١) الأحزاب: ٣١.
(٢) كتب في هامش النسخة "ي": (قيل: إنَّ قومًا من اليهود قالوا: يا محمَّد أخبرنا عن الساعة إن كنتَ نبيًا، فإنا نعلم متى هي، وكان ذلك امتحانًا منهم لعلمهم أن الله قد استأثر بعلمها. والساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتةً أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها، أو لأنها على طولها كساعة من الساعات عند الخلق) اهـ.
(٣) خالف في ذلك ابن جرير وغيره من المفسِّىرين على أن اليوم عند العرب إنما يسمى يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدَّم النهارَ ليل لم يُسَمَّ يومًا، فيوم القيامة لا ليل بعده سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذك اليوم هو آخر الأيام، ولذلك سمَّاه الله اليوم الآخر. [تفسير الطبري (١/ ٢٧٨)].
(٤) وهو مذهب البصريين، أي: فكما هي زائدة في اللفظ فهي زائدة في المعنى، تفيد تأكيد النفي. وزعم أبو علي الفارسي وتبعه الزمخشري أن الباء لا تزاد في خبر "ما" إلا إذا كانت عاملة - أي أنها حجازية تعمل عمل "ليس" -. [الإيضاح (١/ ١١٠)؛ سيبويه: الكتاب (١/ ٣١)؛ أمالي القالي (٣/ ٧٣)].
(٥) هذا هو الأصل أن المخادعة تكون بين اثنين على وجه المقابلة، لكن في هذه الآية لم يكن ثمة طرف ثانٍ، فجاز يُفَاعِل لغير اثنين. قال أبو علي الفارسي: والعرب تقول خادعت فلانًا إذا كنت تروم خدعه، وعلى هذا يوجه قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ معناه أنهم يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله، والله هو الخادع لهم، ومنه قول الراعي: وخادع المَجْدَ أقوامٌ لهم ورقٌ راحَ العضاهُ به والعرقُ مَدْحُولُ [اللسان "خدع" (٤/ ٣٧)].
[ ١ / ١٠٤ ]
وهو إظهار المحبوب مع إبطان المكروه. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بأن خداعهم راجع إلى أنفسهم. والشَّعْرَ هو: العلمُ الدقيقُ الذي يتولدُ من الفطنة، وهو من شَعَار القلب، ومنه سُمِّيَ الشاعر شاعرًا (١). ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والمرض في القلب: ظلمةٌ فيه (٢). قال ابن عرفة (٣): مرضُ القلب: فتورُهُ عن الحق (٤).
وقيل: علةٌ فيه تمنعهُ عن الصواب ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ على مرضهم (٥). وإنما نكّر الثاني لأنه غيرُ الأول.
_________________
(١) أي أنَّ الشَّعْرَ يطلق على العلم بدقائق الأمور وخفاياها، ومنه سمي الشاعر شاعرًا لعلمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية والرَّوي. ومنه قولهم: "ليت شعري" أي ليتني علمت، ومنه قول الشاعر: يا ليت شعري عن حماري ما صنع وعن أبي زيدٍ وكم كان اضْطَجَعْ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] أي: وما يدريكم وما يعلمكم. ومنه قول المتنخل الهذلي: عَقُّوا بِسَهْمٍ فلم يَشْعُرْ به أَحَدٌ ثم اسْتَفَاءُوا وقالوا حَبَّذا الوَضَحُ أي: لم يدرِ ولم يعلم به أحد. ومعنى الآية- كما قاله ابن جرير- ما يشعرون أنهم ضَرُّوا أنفسهم بما أَسَرُّوا من الكفر والنفاق. [تفسير الطبري ١/ ٢٨٦ - التحرير والتنوير ١/ ٢٧٨ - ديوان الهذليين ٢/ ٣١ - اللسان (شعر) ٧/ ١٣٢].
(٢) الأصل أن المرض يطلق ويراد به مرض البدن الحسي ثم استعمل في الأمراض المعنوية ألا وهو مرض القلب مرضًا اعتقاديًا، والمرض الذي في قلوبهم هو شكُّهم في أمر نبينا محمَّد ﵊ وما جاء به من الحق، وهو الذي عليه عامة المفسرين أن المرض هو الشك، وبه قال ابن عباس - ﵄ - وابن مسعود - ﵁ - وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. وما فسر به المؤلف من أن المراد بالمرض هو الظلمة التي في القلب هو تفسير ببعض اللازم إذ إن الشك هو بحد ذاته نوع من الظلمة التي تحيط بالقلب فيحجب عنه نور الإيمان، فيكون تفسير المؤلف للمرض لا يختلف تمامًا عن تفسير غيره وهو من باب اختلاف التنوع في التفسير. ولذا قال إمام اللغويين ابن فارس: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر [تفسير القرطبي ١/ ١٩٧].
(٣) الحسن بن عرفة بن يزيد أبو علي العبدي البغدادي. ولد سنة خمسين ومائة. كان من علماء الحديث، ثقة. قال الذهبي: انتهى علو الإسناد إلى حديث الحسن بن عرفة وكان صاحب سُنَّة واتباع. توفي في سامراء سنة سبع وخمسين ومائتين. [تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٤)؛ السير (١١/ ٥٤٧)؛ الجرح والعديل (٣/ ٣١)؛ طبقات الحنابلة (١/ ١٤٠)].
(٤) ذكره أبو عبيد الهروي في (الغريبين) (٦/ ١٧٤٤).
(٥) أي هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم وأن الله زادهم مرضًا إلى مرضهم كما قال في آية أخرى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٥] أي زادهم رَجَاسةً إلى رجاستهم.
[ ١ / ١٠٥ ]
﴿أَلِيمٌ﴾ مؤْلِم (١). وقال ابن عرفة: ذو الألم (٢). ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣) أي: بسبب كونهم (٤) كاذبين أو مُكذبين.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ نزلت في المنافقين عند أكثر العلماء (٥). و"إذا" للتوقيت في المستقبل يحل محل الظرف، وقيل: لما يليها من الأفعال على صيغة الماضي. ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا تعملوا بالعمل الفاسد فيها. وفسادُ الشيء: تغيُّرُهُ عن استقامة الحال. والأرض مأخوذٌ من الإراض وهو: البساط. والإرَاض مأخوذٌ منها (٦). ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ بأن نأتي كلَّ قوم بوجه ونَتَذبذبَ فيما بينهم تقيَّةً على أنفُسِنَا. "وما" في "إنّما" ما الكافة (٧)
_________________
(١) أليم بمعنى مؤلم معروف في كلام العرب، ومنه قول ذي الرمة: وَنَرْفَعُ مِنْ صدورِ شَمَرْدَلاتٍ يَصُكُّ وجوهها وهجٌ أليمُ وقول عمرو بن معدكرب الزبيدي: أَمِنْ رَيْحَانَة الداعي السميعُ يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعُ قوله "السميع" أي المسمع - فعيل بمعنى مُفْعِل. [معاني القرآن للزجاج ١/ ٨٦ - الدر المصون ١/ ١٣٠].
(٢) أبو عبيد الهروي (الغريبين) (١/ ٩٤).
(٣) كتب في هامش النسخة (ي): ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في موضع رفع صفة لأليم، وتتعلق الباء بمحذوف تقديره: كائن تكذيبهم أو مستحق). ا. هـ انظر الإملاء للعكبري (١٧/ ١).
(٤) قول المؤلف "بسبب كونهم" جعل من كان مصدرًا، بناء على أن "ما" مصدرية ويشهد له قول الشاعر: بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سادَ في قومه الفتى وَكَوْنُكَ إياه عليكَ يَسِيرُ فقد صرح بالكون. [شرح الأشموني ١/ ٢٣١ - شرح ابن عقيل ١/ ٢٣٤].
(٥) وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره أنها نزلت في المنافقين على عهد رسول الله - ﷺ - وإن كان معنيًا بها كل من كان بمثل صفتهم من المنافقين إلى يوم القيامة [تفسير ابن جرير ٢٩٨/ ١].
(٦) الإراض: البساط لأنه يلي الأرض- قاله ابن سيده في المُحْكَم، وآرَضَ الرجُلُ: اْقام على الإرَاض، ومنه حديث أم معبد: "فشربوا حتى آرَضُوا" وقال الأصمعىِ: الإرَاض بالكسر، بساط ضخم من وبر أو صوف [المحكم لابن سيده (أرض) (٨/ ٢٢٢ - اللسان (أرض) ١/ ٨].
(٧) إذا دخلت "ما" على إنَّ وأخواتها كفتها عن العمل إلا "ليت"، وإليه أشار ابن مالك في ألفيّته فقال: ووصل "ما" بذي الحروفِ مُبْطِلُ إعمالها وقد يُبَقَّى العَمَلُ وعلل سيبويه في ذلك أن هذه الأدوات قد أعملت لاختصاصها بالأسماء ودخول "ما" =
[ ١ / ١٠٦ ]
ولولاها لنصب إنّ الضمير بعدها، فلما دخلت هي قبض إنّ عن العمل. تقول: إنَّكَ وإنّما أَنتَ و﴿نَحْنُ﴾ جمع أنا من غير لفظه، لأنَ (أنا) لما لم يُجمع مفكوكًا لم يجمع مَسْبُوكًا، بخلاف (أنت) و(هو) (١).
﴿أَلَا﴾ كلمةٌ وُضعَتْ للتنبيه والإعلام قبل الكلام، وهي مركبة من ألف الاستفهام و(لا) النفي (٢). و"لكن" حرفُ عطفٍ خُصتْ لاستدراكٍ (٣) بعد نفي أو تَرْكِ جُملةٍ إلى جُملةٍ. وإنما جَمَع بين حرفي العطف لأنّ الواو أمُّ حروف العطف فجاز إدخالها على حرف عطف لقوتها، كما أنّ الألف أمُّ حروف الاستفهام فجاز أن يقال: أهَلْ رأيتَ زيدًا؟
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤) نزلت في المنافقين الذين سبق ذكرهم ﴿آمِنُوا﴾
_________________
(١) = عليها يزيل هذا الاختصاص ويهيئها للدخول على جمل الأفعال ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦]، ونحو قول امرئ القيس: وَلكِنَّمَا أَسْعَى لمجد مُؤَثَّلٍ وَقدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمثالي وشذ الزجاج كما في كتابه "الجُمَل" إلى أن جميع هذه الأدوات بمنزلة واحدة فيجوز فيها الإعمال والإهمال. ومن حيث المعنى فـ "إنما" تفيد القصر أي قصر الموصوف على الصفة.
(٢) كتب في هامش النسخة (ي): قوله "نحن" اسم مضمر مبني على الضم وإنما بنيت الضمائر لافتقارها إلى الظواهر التي ترجع إليها فيها كالحروف في افتقارها إلى الأسماء، وحُرِّكَ آخرها لئلا يجتمع ساكنان، وضُمت النون لأنّ الكلمة ضمير مرفوع للمتكلم فأشبهت التاء في [قُمْتُ]. قيل: ضُمّت لأن موضعها رفع النون تشبه الواو فحركت بما يجانس الواو. و"نحن" ضمير للمتكلم [ومَنْ معه] يكون للاثنين والجماعة و[يستعمله المتكلم] الواحد المعظم، كقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ [الكهف: ١٣] ا. هـ انظر الإملاء للعكبري (١/ ١٨ - ١٩).
(٣) ألا" حرف تنبيه واستفتاح، وذهب السمين الحلبي كما في تفسيره "الدر المصون ١/ ١٣٩) إلى أن "ألا" ليست مركبة من همزة الاستفهام و"لا" النافية، ولكنها لفظ مشترك بين التنبيه والاستفتاح.
(٤) "لكن" حرف استدراك، وفي هذا يكون معنى الاستدراك أنهم لما نهوا عن الإفساد قابلوا ذلك بأنهم مصلحون فاستدرك الله عليهم هذا المعنى الذي فاتهم من عدم الشعور بذلك. وأما ما ذكره المؤلف أن "لكن" حرف عطف فقد ذكر السمين الحلبي أنها عاطفة في المفردات [الدر المصون ١/ ١٤٠].
(٥) كتب في هامش النسخة (ي): (قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ في موضح النصب على الظرف، والعامل فيها جوابها وهو قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ وقال قوم: العامل فيه ﴿قِيلَ﴾ وهو خطأ =
[ ١ / ١٠٧ ]
أي: أيقنوا الإيمان، ها هنا هو الإيقان دون الإقرار ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أبو بكر (١) مع المهاجرين والأنصار (٢).
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ على وجه التعجب والإنكار، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ (٣) ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ الجهالُ والسَّفيه: الخفيفُ العقلِ. يقال: تَسَفَّهَتِ الرياحُ الشيء إذا: اسْتَخَفَّتْه وحَرَّكتْهُ (٤). وقيل: نزلت الآية في كعب بن الأشرف (٥) وأصحابه. والمراد بالناس: عبد الله بن سَلام (٦) وأصحابه (٧).
_________________
(١) = لأنه في موضع جر بإضافة إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف) ا. هـ انظر الإملاء للعكبري (١/ ١٨).
(٢) أبو بكر الصدِّيق: عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله - ﷺ -. ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، وصحب النبي - ﷺ - قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمرَّ معه طوال إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وشهد المشاهد كلها وكانت الراية معه يوم تبوك، وحجَّ بالناس في حياة النبي - ﷺ - في السنة التاسعة من الهجرة، وفضائله وأخباره يطول ذكرها. [الصحابة لأبي نعيم (١/ ١٤٩)؛ أسد الغابة (٣/ ٢٠٥)؛ تاريخ الإسلام للذهبي قسم عهد الخلفاء الراشدين (١٠٥) الإصابة (٢/ ٣٤١)].
(٣) ذكره السيوطي في الدر (١/ ٣٠) لابن عساكر بسند واه. وأخرج ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي العالية: أنهم أصحاب محمَّد - ﷺ -[التفسير الصحيح- د. حكمت بشير ١/ ١١٠].
(٤) سورة الشعراء: ١٦٥.
(٥) أي أنّ السفيه هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمّى الله النساء والصبيان سفهاء فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] وهذا ما ذهب إليه عامة علماء التفسير كالإمام الطبري وابن كثير وغيرهما وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل السفه في اللغة خِفَّةُ الحلم. [تفسير الطبري ١/ ٣٠٢ - تفسير ابن كثير ١/ ٦٨ - معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج ١/ ٨٨ - تهذيب اللغة للأزهري ٦/ ١٣٣].
(٦) شاعر جاهلي من بني نبهان، دان باليهودية، كان يقيم في حصن قريب من المدينة، أدرك الإِسلام ولم يسلم. هجا النبي - ﷺ - فأمر بقتله، فقتل وحُمِلَ رأسه إلى المدينة. [الكامل لابن الأثير ٢/ ٥٣) تاريخ الطبري (٣/ ٢) الروض الأنف (٢/ ١٢٣) الأعلام ٥/ ٢٢٥)].
(٧) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، يكنى أبا يوسف، الإمام الحبر المشهود له بالجنة، حليف الأنصار، من خواص أصحاب النبي - ﷺ -، أسلم إذ قدم النبي - ﷺ - المدينة، وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين. [الاستيعاب (٣/ ٩٢١)؛ سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٣)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ٢١٩)؛ الإصابة (٤/ ١١٨)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢٥٥)].
(٨) انظر القرطبي (١/ ٢٠٥).
[ ١ / ١٠٨ ]
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في ابن أبيّ بنِ سلول وأصحابه. استقبل ذاتَ يومٍ أبا بكر وعمَر (١) وعليًا - ﵃ -، فأخَذ بيد أبي بكر وقال: مرحبًا بسيّد بني تيم خير النّاسِ بعد رسول الله، ثاني اثنين معه في الغار، الباذِلِ نفسَهُ ومالَهُ له. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبًا بسيّد بني عدي خير النّاسِ بعد رسولِ اللهِ، الشديد في دين الله، القَائلِ بالحقّ. ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبًا بسيّد بني هاشم ما خلا رسول الله أخيه وابن عمه وخَتنِه. فقال له علي: يا عبد الله لا تنافق، فإنّ المنافقين شرُّ خليقة الله في الأرض. فقال: مه يا علي، فإني آمنتُ مِثلَ إيمانكم. ثم قفى ومَضَوا، فلمّا انفرد بأصحابه قال لهم: كيف رأيتم وُدّي هؤلاء السُّفهاء عنكم؟ قالوا: لا نزالُ بخير ما عشت لنا. فأَنْزَل الله هذه الآية (٢).
واللقاء: رؤية تقتضي مُصادفةً ومعاينةً، وتُستعارُ لإصابة الخير والشرِّ، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٣). ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ مضوا (٤) ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ كهنتهم، قيل: إنهم كانوا خمسة نفر (٥): كعب بن الأشرف، وأبو بُردة الأسلمي، وعبد الدار الجُهني، وعوف بن عامر
_________________
(١) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي، أبو حفص أمير المؤمنين. وُلد قبل البعثة بثلاثين سنة وقيل بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، كان شديدًا على المسلمين ثم أسلم، فكان إسلامه فتحًا علي المسلمين. قال ابن مسعود - ﵁ -: ما عُبدَ اللهُ جهرة حتى أسلم عمر. وصحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "اللهمَّ أَعِزَّ الإِسلام بعمر بن الخطَاب"، وأخباره يطول ذكرها. [الإصابة (٧/ ٧٥)؛ أسد الغابة (٣/ ٦٤٢)؛ معجم الصحابة للبغوي (٤/ ٣٠٨)].
(٢) أخرجه الواحدي في (ص ١٣)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٣١) للثعلبي وقال: سنده واهٍ وكذا قال الطبري. وهو كما قال فإن فيه السدي الصغير وهو متروك عن الكلبي وأبي صالح وكلاهما ضعيف. وحكم عليه بالوضع ابن حجر في العجاب (١/ ٢٣٧).
(٣) سورة الإنسان: ١١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٤٧ - ١٣٥) عن أبي مالك في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ قال: مضوا. وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٦٧).
(٥) وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات (١٠١٨) عن ابن عباس - ﵄ -: هم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءَهم وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم على دينكم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بأصحاب محمَّد. [الدر المنثور ١/ ١٦٦].
[ ١ / ١٠٩ ]
الأسدي وابن السوداء (١). ﴿إِنَّا﴾ مركبة من "إنّ" التي هي للإثبات و" (نا) " كناية للجمع (٢) الذين تَكَلَّمَ منهم، فلما اجتمعت النونات اكتفى بنون مُشددة (٣) ﴿مَعَكُمْ﴾ بالقلوب. وقيل: في التكذيب سِرًّا (٤). ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بأصحاب محمَّد (٥)، بإظهار قول لا إله إلا الله. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ يجازيهم على استهزائهم (٦). كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٧)، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، وقال الشاعر (٩):
ألا لا يَجْهَلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهلِ الجاهلينا
_________________
(١) في (ب) (ن): (السوط) وهو خطأ.
(٢) وقال السمين الحلبي (الدر المصون ١/ ١٤٦): الأصل في إنَّا: إنَّنا كقوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وإنما حذفت إحدى نوني "إنَّ" لما اتصلت بنون "نا" تخفيفًا. وأشار إلى ذلك أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (١/ ١٤٠).
(٣) كتب في هامش النسخة (ي): ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [الأصل] إننا فحذفت النون الوسطى على القول الصحيح، كما حُذفت في إن [إذا خففت] كقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ و(معكم): ظرف قائم مقام الخير، أي: كائنون معكم) ا. هـ انظر الإملاء للعكبري (٢٠/ ١).
(٤) ثبتَ عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إنَّا على مثلِ ما أنتم عليه. [أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٧ - والطبري في تفسيره ١/ ٣٠٧ - وقال الشيخ حكمت بشير في تفسيره "التفسير الصحيح" ١/ ١١١: إسناده حسن].
(٥) وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ أو الطبري في تفسيره ١/ ٣١١ وكذا قال الربيع بن أنى وقتادة.
(٦) تفسير المؤلف استهزاء الله بهم بمجازاته إياهم هو تفسير الأشاعرة في نفي صفة الاستهزاء بالكافرين والمنافقين عن الله - ﷿ -، والذي رجحه إمام المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٣١٥) أن معنى الاستهزاء في كلام العرب إظهار المستهزِئ للمُسْتَهْزَأ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا، وهو بذلك من قيله وفعله به مُوَرِّطُهُ مساءَتَهُ باطنًا. اهـ. وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٦٩): استهزاء الله - ﷿ - بهم هو سخريته بهم، وهكذا قال شيخنا محمَّد بن صالح العثيمين في تفسيره (تفسير القرآن الكريم ١/ ٥٤) وقد فصل القول في ذلك الشيخ محمَّد بن عبد الرحمن المغراوي في كتابه (المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات ١/ ١٢٩).
(٧) سورة الشورى: ٤٠.
(٨) سورة البقرة: ١٩٤.
(٩) هو للشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي، انظر ديوانه (٧٩). وهي في المعلقة التي مطلعها: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تُبقي خمور الأندرينا
[ ١ / ١١٠ ]
وفي الخبر: أن جزاء استهزائهم أنهم يُدْعَوْنَ إلى الجنة وهم في النار، فيسحبون أحقابًا حتى يقتربوا من أبوابها فتغلقُ الأبوابُ دونهم، فيرجعون بحسرة (١). ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يُمهلهم (٢). وفي اللغة قريبٌ من البسط والتطويل. ﴿طُغْيَنهِمْ﴾ تماديهم ومُجاوَزَتِهِمُ الحدَّ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ويتحيرون (٣). ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ اختاروا (٤) الكفر على الإيمان. وقيل: استبدلوه به. وقيل: إنها في شأن اليهود إذ هم قبلوا التحريف وتركوا التوراة بعد تحصيلها. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي: فما ربحوا في تجارتهم. والربح: ضد الخسران.
_________________
(١) لفظ الحديث هو: "يؤمر يوم القيامة بناس إلى الجنة حتى إذا دَنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها، وما أعدّ الله لأهلها فيها نودوا اصرفوهم عنها، لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها" والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٨٥)، والأوسط (٥٤٧٨)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٢٠١)، والبيهقي في الشعب (١٨٠٩) وفي إسناده أبو جنادة رمي بالكذب.
(٢) والذي عليه عامة المفسرين كابن عباس - ﵄ - وابن مسعود - ﵁ - وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يملي لهم، وهو الذي رجحه ابن جرير وابن كثير وابن أبي حاتم في تفسيرهم. وذهب الزجاج إلى أن "يمدهم" بمعنى يمهلهم وهو ما ذهب إليه المؤلف، وعند التأمل لا نجد فرقًا بين المعنيين. [تفسير الطبري ١/ ٣١٩ - تفسير ابن كثير ١/ ٧٨ - الدر المنثور ١/ ٣١ - تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٤٨ / ١٤٤ - معاني القرآن للزجاج ١/ ٥٦].
(٣) ذكره الزجاج في معاني القرآن ١/ ٥٦، والبغوي في تفسيره ١/ ٣٥، والأزهري في تهذيب اللغة ١/ ١٥٠ واللسان ١٧/ ٤١٥]. وعن ابن عباس - ﵄ - "يعمهون" يتمادون في كفرهم، أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ والطبري ١/ ٣٢٣].
(٤) اختار الإمام الطبري أن معنى "اشتروا" الشراء الذي يتعارفه الناس من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عوضٍ على عوض، لكن دلائل أول الآيات في نعوتهم دالة على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان، ولا دخلوا في ملة الإسلام [تفسير الطبري ١/ ٣٢٨]. وخالف ابنُ كثير ابنَ جرير فقال: هذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قيل ذلك ثم سلبوا وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية وهي قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون: ٣]
[ ١ / ١١١ ]
﴿وَمَا كَانُوا﴾ للجحد، والكينونة إذ اقتضت جوابًا فهي بمعنى الصيرورة كما هي ها هنا. إذ الاهتداء خبرٌ لها. والاهتداء يقرُبُ من البَصَارة والإصابة.
﴿مَثَلُهُمْ﴾ شبّه المنافقين. والمثَل (١): صفةٌ يوجد لها المثلُ على وجه المقاربة والموافقة (٢) دون المُشاكلة والمُجانسة، ثم تؤولُ هي ومثلها جميعًا إلى مدحٍ أو ذم. والكلام الذي يُسمى مثلًا هو: قولٌ سائرٌ يتلفظُ به عند تشبه حال الثاني بالأول. وضَرْبُ المثل: وضعُهُ (٣).
﴿اسْتَوْقَدَ﴾ (٤) أي: أوقد (٥) وهي ضد أطفأ. والنارُ هي: الجسمُ اللطيفُ المحرق، والنورُ عَرَضٌ فيه.
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ و"لما" ظرفُ زمانٍ ماضٍ لا يتم إلا
_________________
(١) قال المُبَرِّد: المَئَلُ: قول سائرٌ يُشَبَّهُ به حالُ الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، وقال ابن السكيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ، شبهوه بالمثال الذي يُعْمَلُ عليه غيره. ويقال مَثَل ومِثْل ومثيل وكلها تجمع على أمثال. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣] [مجمع الأمثال للميداني ١/ ٧].
(٢) (الموافقة) ليست في (أ).
(٣) (وضعه) ليست في (أ).
(٤) كتب في هامش النسخة (ي): (الذي) هنا مفرد في اللفظ والمعنى على الجمع بدليل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وما بعده [و] وقوع المفرد موقع الجمع وجهان: هو الجنس مثل (مَنْ) و(ما) فيعود الضمير تارة بلفظ المفرد وتارة بلفظ الجمع. والثاني: أنه أراد [الذين] فحذفت النون لطول [الكلام بالصلة، ومثله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾] ا. هـ انظر الإملاء للعكبري (١ /؟؟)
(٥) "استوقد" بمعنى أوقد وهو رأي الأخفش، ومنه قول الشاعر [ينسب إلى كعب بن سعد الغنوي]: وداعٍ دَعَا يا مَنْ يجيب إلى النَّدَى فلم يستجبه عند ذاكَ مُجِيبُ يريد: فلم يُجِبْهُ. [تفسير الطبري ١/ ٢٣٥ - الأصمعيات ص ٩٦ - طبقات فحول الشعراء ١/ ٢١٣ - أمالي القالي ٢/ ١٥١ - معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٨].
[ ١ / ١١٢ ]
بِصِلَتِه (١)، وصلَتُهُ أولُ العاملَيْن، ولا يستقيم إلا بالعامل الثاني. تقول: لمَّا دعوتك أَجَبْتَني. وحَوْلُ الشيء: موضعُ حركتِهِ ومَبْدَأُ تَحَوُّلِهِ. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، أي أَذْهَبَ اللهُ نُورَهُم (٢) ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ شدائد جهنم (٣) ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يرون وجهَ الرَّجاء والفرج (٤). والنور: ما بين المحسوس والمعقول. والظُّلمة عَرَضٌ يفسخُهُ النورُ وينافيه.
وتمثيل مثل المنافقين بمثل المُسْتَوقد من حيثُ إِنَّ المستوقد طفئت نارُهُ وحبط عملُهُ لما طفئتْ. فكذلك المنافقون افْتُضِحُوا وحبط إظهارهُمُ الإيمان لِمَا تستروا به نفاقًا وتقيَّةً.
وقيل: إنها نزلت في أولئك المنافقين الذين أخلصوا ثُمَّ ارتابوا.
_________________
(١) مذهب سيبويه أن "لما" حرف وجوب لوجوب وعبارته التي في الكتاب (٢/ ٣١٢) للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره. وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء كما في الإملاء (١/ ٢١) أنها ظرف بمعنى حين، وأن العامل فيها جوابها، وقد رُدَّ عليه بأنها أجيبت بـ "ما" النافية و"إذا" الفجائية ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ و"ما" النافية و"إذا" الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما فانتفى أن تكون ظرفًا، وهو جواب وَرَدٌّ لما ذكره المؤلف ﵀ من أنها ظرف زمان. [الدر المصون ١/ ١٥٩ - الإملاء ١/ ٢١ - الإيضاح ٣١٩ - الدرر ٢/ ٧٣].
(٢) فإن قال قائل: كيف ذهب الله بنورهم ولا نور لهم أصلًا؟ فالجواب - أن النور الذي كان لديهم هو ما أظهووه من الإِسلام وهو نوع نور - (قاله ابن جرير في تفسيره ١٥/ ٣٤٥ - والسمعانى في تفسيره ١/ ٤٠٨).
(٣) وافق أبو المظفر السمعاني المؤلفَ في تفسير هذه الآية فقال في قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾: أي شدائد، لكن الذي عليه عامة المفسرين ومنهم ابن عباس - ﵄ - أن المراد بالظلمات ظلمات الكفر- أخرجه الطبري في تفسيره بسند حسن. [تفسير الطبري ١/ ٣٤٥ - تفسير ابن كثير ١/ ٧٢ - تفسير أبي المظفر السمعاني ١/ ٤٠٨ - التفسير الصحيح حكمت بشير ١/ ١١٠].
(٤) عامة المفسرين فَسَّروا ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي لا يبصرون الحق والهدى، وما فسر به المؤلف هو تفسير ببعض اللازم. ولعله أراد بالنور الحق والهدى فيحصل التطابق في تفسير الآية. [تفسير ابن كثير ١/ ٧٢ - تفسير أبي المظفر السمعاني ١/ ٤٠٨].
[ ١ / ١١٣ ]
وهذا أقرب من الأول (١). وقيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم نزلوا يثرب انتظار المبعث وكانوا يستنظرون باسم النبي - ﷺ - في وقائعهم، [﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾] (٢)، فإن صَحَّ هذا القول فإنها في المنافقين منهم دون الكل، لأنَّ دلالات النفاق ظاهرة فيما تقدم تقرير الآية، فلما أضاءت النار ما حول المستوقد طفئت. كقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ (٣)، أي: فإذا أمنتم فاقضوا ما أحصرتم عنه.
وقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ في المنافقين دون المستوقد. وإنما يذكر اقتباسَهُمُ النورَ أولًا ثم الذهاب بنورهم لأن المثل السابق دلَّ عليه فاكتفى بتلك الدلالة. وقيل: الضمير في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ عائدٌ إلى المستوقد وأصحابه (٤). والمعتقد في الجملة ما هو عند الله تعالى.
﴿صُمٌّ﴾ من حيث لايستمعون إلى الحق. ﴿بُكْمٌ﴾ من حيث لا ينطقون بالحَق ﴿عُمْيٌ﴾ من حيث لا ينظرون إلى الحق ولا يلتفتون إليه (٥) ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الإخلاص [في الحال] (٦) لأنَّ بعضهم أخلص بعد
_________________
(١) يريد المؤلف أنهم أسلموا ثم كفروا - وهذا القول ردَّه ابن جرير في تفسيره وقال: إن هذا المثل ضربه الله - ﷿ - للمنافقين الذين وصف صفتهم وقص قصصهم ابتداءً بذكرهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾. وهذا التفسير مروي عن ابن عباس - ﵄ - وقتادة والضحاك وغيرهم. [تفسير الطبري ١/ ٣٤١].
(٢) ما بين [] ليست في (أ).
(٣) سورة البقرة: ١٩٦.
(٤) الضمير في ﴿بِنُورِهِمْ﴾ عائد على معنى ﴿الَّذِي﴾، وقيل إنه عائد على مضاف محذوف تقديره- كمثل أصحاب الذي استوقد - واحتاج هذا القائل إلى هذا التقدير من أجل أن يتطابق المشبه والمشبه به لأن المشبه جمع، فلو لم يُقَدَّر هذا المضاف وهو "أصحاب" لزم أن يشبه الجمع بالمفرد. [الدر المصون ١/ ١٦٣].
(٥) وهذا تفسير قتادة أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٣٤٨) وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٥٣) وعبد بن حميد كما عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٧٤).
(٦) ما بين [] ليست في (ن).
[ ١ / ١١٤ ]
ذلك ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ "أو" ها هنا للعطف (١)، كقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢).
قال جرير (٣) (٤):
نَالَ الخلافةَ أو كانت له قَدَرًا كما أتى رَبَّه موسى على قَدَرِ
وقيل: "أو" للتخير كما في كفارة اليمين، فكأنما خير المخاطب بين ضرب المثَلين لهؤلاء المنافقين، إذ كُلُّ واحدٍ منهما يليقُ بحالهم. ﴿كَصَيِّبٍ﴾ كأصحاب صيّب، حذف المضافَ وأقام المضاف إليه مقامه (٥)،
_________________
(١) أي بمعنى الواو، وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٣٥٦) وتكون في هذه الحال دالة على مَثَل كما دلت عليه ما قبلها في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثم قال: كمثل صيب، والمعنى الثاني أنها للتفصيل بمعنى أن الناظرين في حال هؤلاء منهم من يشبههم بحال المستوقد الذي هذه صفته، ومنهم من يشبههم بأصحاب صيب هذه صفته. والمعنى الثالث: أنها للإبهام أي: إن الله أبهم على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء. والمعنى الرابع: أنها للشك، بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم. المعنى الخامس: أنها للإباحة. المعنى السادس: أنها للتخيير: أي أبيح للناس أن يشبهوهم بكذا أو بكذا وَخُيِّروا في ذلك، والمعنى السابع: أنها بمعنى بل، وأنشدوا قول جرير: بَدَتْ مِثْلَ قرن الشمسِ في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العينِ أَمْلَحُ أي بل أنت. وهذه المعاني السبعة ذكرها السمين الحلبي في تفسيره (الدر المصون ١/ ١٦٧). وذكر المؤلف هنا معنيين فقط هما العطف والتخيير.
(٢) سورة الإنسان: ٢٤.
(٣) هو شاعر زمانه جرير بن عطية الخطفي التميمي البصري، مدح يزيد بن معاوية وخلفاء بني أمية، وشعره مدوَّن. وعن بشار الأعمى قال: أهل الشام أجمعوا على جرير والفرزدق والأخطل النصراني. كان جرير عفيفًا منيبًا توفي سنة عشر ومائة. [سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٠)؛ أبجد العلوم (٣/ ٧٥)].
(٤) البيت للشاعر جرير كما في ديوانه (ص ٢٠٥).
(٥) وقيل المحذوف مضافين وليس مضاف واحد، والتقدير: أو كمثلِ ذوي صَيِّبٍ، ولذلك رجع عليه ضمير الجمع في قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لأن المعنى على تشبههم بأصحاب الصيب لا بالصيب نفسه [الدر المصون ١/ ١٦٧].
[ ١ / ١١٥ ]
كقوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ (١) [أي: ذوو درجات] (٢). وإنما سمي المطرُ صيبًا لأنه يَصُوبُ من نحو السماء.
قال الشاعر (٣):
فَلستُ لإِنسيٍّ ولكن لِمَلاَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جوِّ السماءِ يَصُوبُ
وأصلُ الصيّب: صَيْوِب. عند الفرّاء (٤): صَوِيْب (٥). ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ ظلمة السحاب، والماء، والليل (٦) ﴿وَرَعْدٌ﴾ صوتٌ يسمع عند المطر من مُصوِّت تسبيحًا لله تعالى ﴿وَبَرْقٌ﴾ نور يلمع من صفاء الماء في الهواء.
_________________
(١) سورة آل عمران: ١٦٣.
(٢) ما بين [] ليست في (أ).
(٣) البيت للشاعر الجاهلي علقمة الفحل كما في طبقات الفحول (١/ ١٣٩)، وكما في الشعر والشعراء لابن قتيبة (١١٧).
(٤) هو العلَّامة النحوي الإِمام المشهور يحيي بن زياد بن عبد الله الأسدي الكوفي، صاحب التصانيف، إمام العربية، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي، ورد عن ثعلبة أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية، وقال ابن الأنباري: لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة إلا الكسائي والفراء لكفى، وقال بعضهم: الفراء أمير المؤمنين في النحو، مات بطريق الحج سنة مائتين وله ثلاث وستون سنة، وقد خلف مصنفات مفيدة تزيد على ثلاثة آلاف ورقة، منها كتاب "معاني القرآن". [سير أعلام النبلاء (١٠/ ١١٨)؛ الثقات (٩/ ٢٥٦)؛ تهذيب التهذيب (١١/ ١٨٦)].
(٥) اختُلف في وزن "صَيِّب": مذهب البصريين أنه "فَيْعِل" والأصل "صَيْوِب" فَأُدْغِمَ - أي بعد أن اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون قُلِبَتْ الواو ياء وأدغمت الياء في الياء- كمَيِّت وهَيِّن، والأصل: مَيْوِت وهَيْوِن. وقال بعض الكوفيين: وزنه فعيل، والأصل: صويب بزنة طويل. قال أبو جعفر النحاس (إعراب القرآن ١/ ١٤٣) وهذا خطأ لأنه كان ينبغي أن يصِحَّ ولا يُعَلَّ كطويل. ومثله قال أبو البقاء (الإملاء ١/ ٢٢).
(٦) أخرج الطبري في تفسيره (١/ ٣٦٧) بإسناد حسن عن ابن عباس - ﵄ - في قوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ أي: ظلمة ما هم فيه من الكفر، وهذا الذي رجحَه ابن جرير وابن كثير (١/ ٧٣) وغيرهما وهو الأظهر في معنى الآية. ولا مانع بل لا تضارب بين التفسيرين تفسير الجرجاني، وما ذكرناه حيث شبه الله - ﷿ - ظلمة السحاب وظلمة الماء وظلمة الليل بظلمة الكفر والنفاق.
[ ١ / ١١٦ ]
وقيل: من نار ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ يُصيّرون بنانهم في العضو المختص بالسمع (١).
والصّاعقةُ: صوتٌ فيه نارٌ لا تأتي على شيء إلا أحرقته. وقيل: اسمٌ للعذاب على أيّ وجه كان؛ لأن عادًا أهلكتْ بالريح وثمود بالرجفة ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢). المراد بالصواعق هاهنا: شدةُ الظُّلمة وشدّةُ صوت الرعد، وشدّةُ لمعان البرق، إذْ كلُّ واحدٍ منها هائلٌ (٣).
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي لحذر الموت (٤)، كقولك: زُرتُكَ طمعًا في برّك. وقال حاتم الطائى (٥):
وأغفرُ عوراءَ الكريم ادخارَهُ وأَعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيم تكرُّما
أي: لادخاره وللتكرم. والموت: ذهابٌ للحياة. ﴿مُحِيطٌ﴾: عالمٌ بأعمالهم، وهذا عارضٌ دَخَل في أثناء المَثَل ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ ﴿كُلَّمَا﴾:
_________________
(١) في هذه الآية ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ مجاز مرسل حيث عبر عن الأنامل بالأصابع، وهو من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء.
(٢) سورة فصلت: ١٣.
(٣) الصاعقة: قصفة ورعدة هائلة معها شقة نار، تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة إلا أنها مع حِدَّتها سريعة الخمود، وقيل: هي أجزاء لطيفة صاعدة بالدخان تذوب عند حدوث النار بإذن الله تعالى أنزله الله - ﷿ - على من يشاء لتهلكه وهي من الصعق وهو الإهلاك، وقيل: هي شدة الصوت. وتاؤه إما للمبالغة كما في "راوية" أو مصدرية كما في "عافية" [انظر مقدمة المفسرين للبركوي ١/ ٣٠٠ - الكشاف ١/ ٤٢ - روح المعاني ١/ ١٧٢ - تفسير البيضاوي ١/ ٣٣].
(٤) يريد المؤلف أنه مفعول لأجله وهذا أحد الوجهين في إعراب الآية ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وعلى هذا التقدير يكون ناصبه ﴿يَجْعَلُونَ﴾ ولا يضر تعدد المفعول من أجله لأن الفعل يُعَلَّل بِعِلَلٍ. والوجه الثاني: أنه منصوب على المصدر وعامله محذوف تقديرُهُ: يحذرون حذرًا مثل حذر الموت، والمصدر مضاف إلى المفعول المطلق. [الدر المصون ١/ ١٧٣ - الجدول في إعراب القرآن محمود صافي ١/ ٦٥].
(٥) يراجع ديوان حاتم الطائي (٢٣٨).
[ ١ / ١١٧ ]
ظرف زمان (١) ماضٍ في محل النصب، وعلّة الظرف إضمارُ في المعنى دون اللفظ كالاسم بنزع الخافض، وهو مبهم يحتاج إلى الصلة، وصلتُهُ ﴿أَضَاءَ﴾، والعامل فيه ﴿مَشَوْا﴾ مضوا في الضوء ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: صاروا ذا ظلمة (٢)، كقولك: ليلٌ مظلم وبيتٌ مظلم، وقوله تعالى: ﴿قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٤). أي: يَخلُصُون في الظلمة. وإنما قال: "عليهم" لأن وبال الظلمةِ راجعٌ إليهم.
﴿يَكَادُ﴾ فعلٌ ليس له مصدرٌ ولا اسمٌ، كادَ يَكادُ إذا أوهمَ أن يفعل ولَمَّا يفعل، قال الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ (٥) ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (٦) ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧) ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٨) إذا أوهم أن يفعل ثم فعل. وقيل: يكادُ يَغْرُبُ إلا أنه يستعمل بغير حرف "أن" بخلاف لفظ المقاربة والمداناة (٩). ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يستلبُ ويختلسُ أَبصارَ المنافقين، نظيرُهُ:
_________________
(١) قال البركوي في تفسيره (مقدمة المفسرين ١/ ٣٠٣): "كل" منصوبة على الظرفية بالاتفاق، والعامل فيه جوابها "مشوا" و"ما" إما نكرة موصوفة بمعنى الوقت، والعائد محذوف أي: كل وقت أضاء لهم فيه، والجملة بعده في موضع جر على الصفة. ويجوز أن تكون "ما" مصدرية والجملة بعده صلة فلا محل لها، والتقدير: كل وَقْتِ إضاءة. اهـ.
(٢) أظهر التفاسير في تأويل قوله: ﴿قَامُوا﴾ ثبتوا على نفاقهم وضلالهم، وهذا ما ذهب إليه كل من الطبري (١/ ٣٥٩) - والقرطبي (١/ ٢٢٣) - والبغوي (١/ ٣٨) - وأبو حيان (١/ ٩١) - وغيرهم.
(٣) سورة يونس: ٢٧.
(٤) سورة يس: ٣٧.
(٥) سورة مريم: ٩٠.
(٦) سورة الزخرف: ٥٢.
(٧) سورة البقرة: ٧١.
(٨) سورة النور: ٤٠.
(٩) الأكثر في "كاد" أن تكون مجردة من "أَنْ" بخلاف الأندلسيين الذين جعلوا اقتران خبرها بـ "أَنْ" مخصوص بالشعر ومن الكثرة قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾. ومن القلة -أي اقترانه بـ "أنْ" - قوله ﵊: "ما كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ العصرَ حتى كادتِ الشمسُ أن تَغْرُبَ" وقول الشاعر [ينسب لمحمد بن مناذر يرثي عبد المجيد الثقفي]: =
[ ١ / ١١٨ ]
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ معنى "لو" كمعنى الشرط (٢)، وهو يكون في الماضي والمستقبل، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣) وأكثر جوابها باللام (٤). وعدم ما يليها من الفعل لعدم الفعل الذي هو جوابُهَا، والموجبُ مما يليها ومن حولها في اللفظ منفيّ في المعنى، والمنفيُّ في اللفظ موجبٌ في المعنى. والمشيئة: إرادة تشمل المكروهَ والمحبوبَ جميعًا (٥) [﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ إنما وحَّدَ السمعَ اكتفاءً بجمع المضاف إليه من جمع المضاف (٦)، أو أراد
_________________
(١) = إنَّ عبدَ المجيد يَوْمَ توفِّي هَدَّ رُكْنًا ما كان بالمهدودِ كادتِ النفسُ أَنْ تفيضَ عليه إذ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وبرودِ والأصل في خبر "كاد" أن يكون فعلًا مضارعًا وشذَّ مجيئه اسمًا صريحًا، ومنه قول تأبط شرًا: فَأُبْتُ إلى فهمٍ وما كِدْتُ آيبًا وكم مثلها فارقتها وهي تَصْفِرُ [الدر المصون ١/ ١٧٥ - شرح ابن عقيل ٣٢٩/ ١].
(٢) سورة النور: ٤٣.
(٣) المعروف أن "لو" حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، هذه عبارة سيبويه (الكتاب ٢/ ٣٠٧). وقال غيره من النحويين: هي حرف امتناع لامتناع ورجح السمين الحلبي (الدر المصون ١/ ١٨٢) عبارة سيبويه على عبارة غيره، وكما قال المؤلف فإن "لو" من حروف الشرط فالمتعلق به يمتنع بامتناع الشرط كما تدل عليه هذه الآية.
(٤) سورة الرعد: ٣١.
(٥) ومنه قول الشاعر [ينسب لإسحاق بن حسان الخريمي]: ولو شئتُ أنْ أبكي دمًا لبكيتُهُ عليهِ، ولكن ساحةُ الصبرِ أوسع الشاهد قوله "لبكيته" حيث وقعت اللام في جواب "لو".
(٦) هذا يتنزل على الإرادة الكونية أي أنها تقع على ما يحبه الله ويكرهه، أما الإرادة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله - ﷿ - كالأحكام التي شرعها وأنزل بها كتبه.
(٧) قرأ ابن أبي عبلة ﴿لأذهب بأسماعهم﴾ فجمع المضاف والمضاف إليه [مقدمة المفسرين للبركوي ١/ ٣٠٦] وهنا في هذه القراءة جمع بين أذهب والباء، وذكر ابن جرير الطبري في تفسيره أنهما لا يجتمعان كما هو معروف عند العرب فلا تقل: أذهب بسمعهم- لكن يجوز أن تجمع بين "ذهب" والباء كما في الآية الكريمة ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾. فإن قال قائل: لماذا وَحَّدَ السمع ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ وجمع الأبصار ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾؟ فالجواب عن ذلك ما قاله بعض الكوفيين: إنه وحد السمع لأنه عَنَى به المصدر =
[ ١ / ١١٩ ]
الجنس، (١)، كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٢) وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٣) ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) كُلّ: اسمٌ يتناول آحاد الجماعة على سبيل الإفراد، يضاف إلى جماعة وواحدٍ مُنكَّر. والشيء: اسمٌ عامٌّ ﴿قَدِيرٌ﴾ قادرٌ (٥). وتقديرُ مَثَل المنافقين من أصحاب الصيّب من حيث إِنَّ القرآن نازلٌ عليهم من نحو السماء كالصيّب، وفيه متشابهاتٌ ومحكماتٌ وبشارةٌ وإنذارٌ. كما أن في الصيب رعدًا وبرقًا.
والمنافقون يكرهون ذلك ويُعرِضُون عنه ويكبر ذلك عليهم، وتارةً ينظرون إلى مبلغه نظر المغشيِّ عليه من الموت، كما أن أصحاب الصيب يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت. والقرآن يكادُ [يهديهم أو يكادُ يميتُهُم غيظًا كما أن البرق] (٦) يكاد يخطف أبصار (٧)
_________________
(١) = وقصد به الخَرْقَ، وجمع الأبصار لأنه عَنَى بها الأعين. وأجاب بعض نحاة البصرة بأن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى الجمع، واحتجوا في ذلك بقول الله - ﷿ -: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أطرافهم. وقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي الأدبار. قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٣): وإنما جاز ذلك عندي لأن في الكلام ما يدل على أنه مراد به الجمع، فكان دلالته على المراد منه وأداءِ معنى الواحد من السمع عن معنى جماعةٍ، مغنيًا عن جِمَاعِهِ، ولو فُعِلَ بالبصر نظير الذي فُعِل بالسمع، أو فُعِل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار من الجمع والتوحيد كان فصيحًا صحيحًا لما ذكرنا من العلة كما قال الشاعر: كلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا فإنَّ زماننا زمنٌ خَميصُ فوحَّدَ البطن والمراد به البطون لما وصفنا من العلة. اهـ
(٢) ما بين [] ليست في (ب).
(٣) سورة الحاقة: ١٧.
(٤) سورة النور: ٣١.
(٥) ما بين [] ليس في (ي) (ب).
(٦) قدير بمعنى قادر- فعيل بمعنى فاعل - مشتق من القدرة وهي القوة والاستطاعة وفعلها له ثلاثة عشر مصدرًا وهي: قدرة بتثليث القاف، ومقدرة بتثليث الدال، وَقَدْرًا وقَدَرًا وقُدَرًا وقَدارًا وقُدْرانًا ومَقْدِرًا ومَقْدَرًا، وقدير أبلغ من قادر- قاله الزجاج - وقيل هما بمعنىً واحد، قاله الهروي [الدر المصون- الحلبي ١/ ١٨٤].
(٧) ما بين [] ليست في (ن).
(٨) (أبصار) ليست في (ب).
[ ١ / ١٢٠ ]
أصحاب الصيب، وهم كلما رَأوْا دولةً أو طمعوا في بشارة قصدوا الإخلاص، وإذا حدثتْ نكبةٌ أو نزل تكليف بقوا متحيرين شاكين، كما أنّ أصحاب الصيب كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ للجميع (١) لأنه ذكر فيه النعمة العامة، وهي الخلق والرزق. وقيل: نزلت في المشركين بدليل قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ و"يا" حرف نداء، تقول: يا زيدُ، وأيُّ (٢): اسمٌ مبهمٌ تقول: أعطِ أيّهم شئت. و"هاء": حرف التنبيه و﴿النَّاسُ﴾ كالوصف لـ "أي" لأنك تقول: يا أيّها الفقيهُ، ولا تقولُ: يا أيّها زيدٌ.
﴿اعْبُدُوا﴾ وحِّدوا وأَخْلِصُوا وأطيعوا ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ابتدأ خلقكم، وقيل: الخلق هو: الإيجاد مقدرًا، والواو في ﴿وَالَّذِينَ﴾ واو عطف و﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) لابتداء الغاية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تتقوا مخالفة الخالق. وقال سيبويه (٤): كلمة لعل: للرجاء والطمع (٥).
_________________
(١) صح عن ابن عباس - ﵄ - أن المراد بالناس في هذه الآية هم الكفار والمنافقون - أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٥) وابن أبي حاتم (١/ ٥٩).
(٢) "أي" اسم منادى في محل نصب، وبني على الضم في هذه الآية لأنه مفرد معرفة، وزعم الأخفش أنها هنا موصولة، وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة والتقدير: يا الذين هم الناس، ورجح السمين الحلبي الأول، والمرفوع بعدها صفة لها يلزم رفعه ولا يجوز نصبه على المحل خلافًا للمازني و"ها" زائدة للتنبيه لازمة لها والمشهور فتح هائِها.
(٣) انظر الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٣٣).
(٤) إمام النحو حجة العرب أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ثم البصري، لقب بسيبويه لأنه كان يحبّ شم التفاح ويكثر ذلك فلقَّبوه بسيبويه، وكنيته أبو الحسن، طلب الفقه والحديث مدة ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر، وألَّف فيها كتابه الكبير الذي لا يدرك شأوه فيه، قال العيشي: كنا نجلس مع سيبويه في المسجد وكان شابًا جميلًا نظيفًا قد تعلَّق من كل علم بسبب، وضرب بسهم في كل أدب مع حداثة سنِّه، مات سنة ثمانين ومائة ولم يتجاوز الأربعين من عمره. [سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٥١)؛ نزهة الألباب في الألقاب (١/ ٣٨٢)؛ كشف الظنون (٢/ ١٤٢٦)؛ أبجد العلوم (٣٨١٣)].
(٥) (قبلكم) من (ب) فقط.
[ ١ / ١٢١ ]
﴿الَّذِي﴾ أي هو الذي، ويقال: اعبدوا ويقال الذي جَعَلَ صَنَع وخَلَقَ (١)، وقيل: صَيَّر ﴿فِرَاشًا﴾ بساطًا ووطاءً ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سقفًا (٢)، مأخوِذٌ من السمو، وأراد به السماء المعروفة ذات البروج المزينة بالكواكب ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب مطرًا.
والماء هو: الجسمُ اللطيفُ المُضادّ للنار بانحداره ورطوبته وبرودته. وهو في الأصل مَوَهٌ لأنّك تقول في الجمع والتصغير: أَمْواهٌ ومُوَيهٌ ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ فأنبت وأبرز بالمطر من التراب من ألوان ﴿الثَّمَرَاتِ﴾ كما في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣) ﴿رِزْقًا﴾ طعامًا ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: لا تَصِفُوا لله أمثالًا ونظراء (٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخلوقون ومرزوقون لواحد قديم (٥).
_________________
(١) الجعل هنا المراد به الخلق. ويطلق الخلق ويراد به معنيين، المعنى الأول: إبداع الشيء واختراعه، وهذه الصفة لا تكون إلا لله، والمعنى الثاني: التقدير وهذه الصفة تكون لله ولغير الله. قال زهير: وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي وقال العجاج: ما خلقتُ إلا فريتُ ولا وعدتُ إلا وَفَيْتُ. [الدر المصون ١/ ١٨٨ - ديوان زهير ٩٤ - تفسير القرطبي ١/ ٢٢٦ - البحر المحيط ١/ ٩٣].
(٢) ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وكل ما علا فأظل قيل له سماء. ويطلق السماء على المطر وذلك لنزوله من السماء، ومنه قول حسان بن ثابت: ديارٌ من بني الحسحاس قَفْرُ تُعَفِّيهَا الروامِسُ والسماءُ وقول معاوية بن مالك: إذا سقط السماءُ بأرض قومٍ رَعَيْنَاهُ وإن كانوا غِضَابَا [تفسير القرطبي ١/ ٢١٦].
(٣) سورة الحج: ٣٠.
(٤) الأنداد جمع نِدِّ، والنِّدُّ: العِدْلُ والمِثْلُ، ومنه قول حسان بن ثابت: أَتَهْجوْهُ وَلَسْتَ له بِنِدٍّ فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُمَا الفِدَاءُ وهذا تفسير قتادة ومجاهد وصح عن ابن عباس - ﵄ - وابن مسعود - ﵁ - وناس من أصحاب رسول الله في قوله: ﴿أَنْدَادًا﴾ أي أَكْفَاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله.
(٥) وصف الله أو صفاته أو أفعاله بالقِدم فيه تفصيل. فإن أرادوا بالقِدَم: الشيء البالي الذي عفا عليه الزمن فهذا منتف عن الله - ﷿ -. وان أرادوا بالقِدَم الأزلي الذي لا شيء =
[ ١ / ١٢٢ ]
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي [رَيْبٍ﴾ كما قال] (١) ابن عباس: نزلت في اليهود (٢)، وهي تحتمل العموم أيضًا (٣). وفي ترتيب إثبات النُّبوة على إثبات التوحيد دليلٌ على أَنَّ الرسولَ يُعْرفُ مِن قِبَلِ الله تعالى، وأَنَّ وجوب (٤) معرفة الله مقدم على وجوب معرفة الرسول. "إنْ" حرف شرط، والشرط قوله ﴿كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾. ثم هذا الشرط مُعَلّقٌ بشرط آخر في آخِرِ السورة (٥) وهو قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وجوإبها قوله: ﴿فَأْتُوا﴾، وهذا كمن قال لعبده: إنْ دخلت الدار فأنت حر إن قعدت فيها. ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ يعني القرآن، والتنزيل والإنزال والإرسال: من علو إلى سَفَل (٦) وفي قوله ﴿نَزَّلْنَا﴾ ضميرٌ
_________________
(١) = قبله فالله وصفاته وأفعاله كذلك. ثم إن الصفات قسمان: القسم الأول: صفات ذاتية كالحياة والعلم والقدرة والوجه واليدين ونحوها فهذه صفات قديمة أزلية لازمة. القسم الثاني: صفات فعلية: وهي التي تتعلق بمشيئة الله وحكمته فإن اقتضت حكمته فِعْلَهَا فَعَلَهَا وإن لا فلا، وهذا مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والكلام وغير ذلك، فهذا يكون قديم النوع أو الجنس. فلا يقال إن نزوله إلى السماء الدنيا، نزول قديم أزلي إذ إن هذه الصفة منتفية قبل خلق السماء الدنيا وكذلك يقال في الاستواء ولهذا يقال إن صفات الفعل يقال فيها إن نوعها أو جنسها قديم أما بالنسبة إلى كل فعل بذاته فلا، والله أعلم. [انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني - تعليق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين المتوفى ١٢٨٢ هجرية ١/ ١١٢].
(٢) ما بين [] مطموس في (ي).
(٣) نقل هذا الآلوسي في روح المعاني (١/ ١٩٤).
(٤) احتمالها للعموم هو المتعين وهو الذي ذهب إليه ابن جرير في تفسيره (١/ ٣٩٥) ولذا يقول ابن جرير ﵀: إن الخطاب موجه إلى قوم النبي - ﷺ - من مشركي العرب ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب وضُلَّالهم.
(٥) في جميع النسخ (وجود) ولعله سبق قلم.
(٦) وقيل إن قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ شرط حذف جوابه وقدره بعض المفسرين بـ "فافعلوا ذلك" أي الإتيان، وهذا ما نص عليه السمين الحلبي والبيضاوي، لكن يعكر عليه القاعدة المشهورة من أنه إذا اجتمع شرطان وتوسط الجزاء بينهما يكون الأول قيدًا في الثاني، ويكون الجواب المذكور جوابًا عنه. [الفتوحات الإلهية ١/ ٤٢].
(٧) في (أ) (أسفل) والمثبت أصح.
[ ١ / ١٢٣ ]
محذوفٌ وتقديره: نزلناه (١) إلاَّ أن الضمير في صلة الاسم الناقص المبهم يجوز حذفه لدلالة الحال عليه، كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمَّد - ﷺ -، وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ تحذيرٌ وإعجاز (٣)، كقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ (٤) الآية. وحدُّ الإعجاز هو: الإتيان بناقض العادة الخارج عن طوق مَن هو مثل صاحب المعجزة في الخلقة، وذلك الشيء يزينه ولا يشينه، ويكونُ برهانًا على صحة دعوى النبوة. وإنما وقع التحدي هاهنا بنظمٍ عجيبٍ بديع تضمّن (٥) معنى صحيحًا غير متناقضٍ ولا هزال فيسميه الفصحاء لطيبه وذوقه وبدو أحكامه: شعرًا أو سحرًا ولا يكون كذلك. ونظائره: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٦) وقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٧)، وقوله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ (٨) الآية و﴿مِن﴾ زائدة (٩)، بدليل النظائر.
_________________
(١) يجوز أن تكون "مِنْ" للسببية أو ابتداء الغاية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، وعلى التقديرين يكون العائد محذوف التقدير- نزلناه - كما ذكره المؤلف. وأما "ما" فيجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة والعائد والصلة في كلا القولين محذوف يكون التقدير أيضًا - نزلناه -. وثمت نكتة بلاغية وهي في قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم لأن قبله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فلو جاء الكلام عليه لقيل: مما نَزَّل على عبده، ولكنه التفت للتفخيم و﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ متعلق بـ ﴿نَزَّلْنَا﴾.
(٢) سورة الفرقان: ٤١.
(٣) أي أنه أمر معناه التعجيز لأن الله علم عجزهم عنه، وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ أصلها "ائتوا" مقصور لأنه من باب المجيء قاله ابن كيسان فيما نقله عنه القرطبي في تفسيره (١/ ٢٣٢).
(٤) سورة الرحمن: ٣٣.
(٥) (تضمن) ليست في (أ).
(٦) سورة الطور: ٣٤.
(٧) سورة هود: ١٣.
(٨) سورة الإسراء: ٨٨.
(٩) في "مِنْ" أربعة أقوال: الأول: ما ذكره المؤلف من أنها زائدة وهو قول أبي البقاء العكبري (الإملاء ١/ ٢٤) والأخفش. الثاني: أنها للتبعيض. والثالث: أنها للبيان وهو قول ابن عطية في تفسيره (١/ ١٩٤). والرابع: أنها لابتداء الغاية وبهذا تعود على ﴿عَبْدِنَا﴾ فيتعلق ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ بأتوا.
[ ١ / ١٢٤ ]
والسورةُ: اسم لقطعة من القرآن تشتمل على آيات وَفِقَ عليها بتوقيف من جهة النبي - ﷺ - مأخوذة من تسور البناء (١)، وقيل: من السُّؤْر في الإناء وهو القطعة الباقية منه، وهو بالهمز إلا أن لغَة النبي - ﷺ - تركُ الهمز ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ استعينوا (٢) بآلهتكم، وإنما سُمُّوا شهداءَ لزعمهم أنهم يشهدون ما قُدّر لهم من الخير والشر فيقدرون على تغييره أو يشهدونهم على احتياجهم إليهم فيتصرونهم، كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ (٣) على زعمهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أنّ القرآن ليس من عند اللهِ.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ شرط (٤)، وجوابه ﴿فَاتَّقُوا﴾ وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ عارضٌ دخل بين الشرط والجواب، و"لم": حرف نفي في الماضي جازم. و"لن": نفي المستقبل ناصب، معناه: إن لم تأتوا بمثله ولن تأتوا أبدًا
_________________
(١) أي أن اشتقاقها من سور البناء لأنها تحيط بقارئها وتحفظه كسور المدينة. إلا أن سورة القرآن تجمع على سُوَر بفتح الواو، وسور البناء يجمع على سُوْر بسكون الواو فيفرق بينهما في الجمع. وقيل: إن "سورة" بمعنى الدرجة الرفيعة. ومنه قول النابغة: ألم تَرَ أَنَّ الله أعطاكَ سورةً ترى كلَّ مَلْكٍ دونَهَا يتذبذبُ فسورة القرآن ترفع صاحبها. وقيل: إنها مشتقة من السُّؤْر وهو البقية، ومنه قول الأعشى: فبانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفؤا دِ صَدْعًا على نَأْيِها مُسْتَطِيرَا أي: أَبقت. ويدل على ذلك أن تميمًا وغيرها يهمزون فيقولون: سُؤْرة بالهمزة. [ديوان النابغة ٧٨ - ديوان الأعشى ٣١٧ - تفسير القرطيي ١/ ١٠٥ - تفسير ابن عطية ١/ ٨٠ - الدر المصون ١/ ٢٠١].
(٢) قوله: ﴿وَادْعُوا﴾ بمعنى استعينوا واستنصروا بآلهتكم معروف في كلام العرب، ومنه قول الراعي النميري: فَلَمَّا التقتْ فرساننا ورِجَالُهُم دَعَوْا يا لكعْبٍ وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ أي: استعانوا بكعب واستنصروا به.
(٣) سورة النحل: ٢٧.
(٤) "إنْ" الشرطية داخلة على جملة ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾ و"تفعلوا" مجزوم بـ "لم"، كما تدخل "إن" الشرصية على فعل منفي بـ "لا" نحو"إن لا تفعلوه" فيكون "لم تفعلوا" في محل جزم بـ "إن" وجواب الشرط كيا قال المؤلف هو ﴿فَاتَّقُوا﴾ وتكون ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ جملة معترضة بين الشرط وجزائه [الدر المصون ١/ ٢٠٣].
[ ١ / ١٢٥ ]
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾ تحذروا عنها بترك مُوجبها وهو الريب والتكذيب على ما سبق ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ ولم يقل: الكفار لئلا يأمن العصاة من أهل الإيمان ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ حجارة الكبريت عن ابن عباس وابن مسعود (١) وابن جريج وغيرهم (٢). وقوله ﴿أُعِدَّتْ﴾، أي: هُيَّئَتْ وخُلِقتْ، دليلٌ على أنّها موجودةٌ مخلوقة (٣). وإنما خصّ الكافرين لأنهم هم المخاطبون بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ لا أن النار تصيب المؤمن الفاسق كتخصيص المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ﴾ (٤) الآية.
فلما ذكر مآل الكافرين أعقبه مقرَّ المؤمنين جميعًا بين الإنذار والتبشير على قضيّة قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) الآية. فقال:
﴿وَبَشِّرِ﴾ أي: فرّح قلوب الذين آمنوا. والبشَارةُ: اسمٌ للخبر الذي يقع به التبشير وقد يُسْتعملُ فيما يسوء. قال الله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٦) وهو على
_________________
(١) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، الإمام الحبر فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري البدري. كان من السابقين الأولين، شهد بدرًا وهاجر الهجرتين. مناقبه غزيرة، وروى علمًا كثيرًا عن النبي - ﷺ -. توفي سنة اثنتين وثلاثين، وربما نسب إلى أمه فقيل: ابن أم عبد. قال ابن مسعود: كنَّاني النبي - ﷺ - أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي. [طبقات ابن سعد (٣/ ١٠٦)؛ السير (١/ ٤٦١)؛ حلية الأولياء (١/ ١٢٤)؛ الاستيعاب (٧/ ٢٠)؛ تاريخ الإِسلام (٢/ ٢٤)؛ الإصابة (٧/ ٢٠٩)].
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٤) والطبراني في الكبير (٩٠٢٦) والحاكم (٢/ ٢٦١) والبيهقي في البعث والنشور (٥٠٣) والطبري في تفسيره (١/ ٤٠٣).
(٣) ذهب بعض المعتزلة والخوارج إلى أن النار لم تخلق بعد، انظر الفصل لابن حزم (٢/ ٣٩٢). كما استدل كثير من أئمة أهل السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ووردت أحاديث كثيرة في ذلك كحديث: "تحاجت الجنة والنار" وحديث: "استأذنت النار ربها فقالت: أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف" وحديث ابن مسعود - ﵁ -: سمعنا وجبة فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها" وهو عند مسلم وغير ذلك من الأحاديث المتواترة المعنى. [تفسير ابن كثير ١/ ٨١].
(٤) سورة الأعراف: ٣٢.
(٥) سورة الكهف: ٢.
(٦) سورة آل عمران: ٢١.
[ ١ / ١٢٦ ]
المجاز، كقوله: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ (١) وقيل: هو على الحقيقة لأن ما يسوء من الخبر مؤثر في بشرة الوجه أيضًا. ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ الطاعات ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ أي بساتين كثيرة الشجر، سُمِّي جنةً لاستتار بقاءه واجتنانها بالأشجار والأنوار (٢). ﴿تَجْرِي﴾ تنسكب ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ تحت شجرها ﴿الْأَنْهَار﴾ الأخدود الذي يجري فيه الماء. وإنما أُسند إلى الأنهار مجازًا (٣)، كقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وكما في قصة فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (٤) ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا﴾ أُطْعِمُوا من الجنة من ألوان الثمرات ﴿رِزْقًا﴾ طعامًا ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي من نوع ما رزقنا من قبل، كقولك لإنسان: إنَّ فلانًا أعدّ لك طبيخًا وشواءً، فتقول: هذا من طعامي في منزلي كلّ يومٍ، يريد نوعه لا عينه.
_________________
(١) سورة الكهف: ٢٩.
(٢) الأصل في الجَنَّة: مأخوذة من الجنن، تقول: جَنَّ الشيء يَجُنُّهُ جَنًّا إذا ستره، وكل شيء سُتِرَ عنك فقد جُنَّ عنك، وجنه الليل إذا ستره، ومنه قول الهذلي: وماء وَرَدْتُ على جَفْنِهِ وقد جَنَّهُ السَّدَفُ الأَدْهَمُ وبه سميت الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه، ومنه جَنّ الليل جنونه إذا استتر بظلمته، ومنه قول الهذلي: حتى يجيءُ وجنُّ الليلِ يوغلُه والشَّوْكُ في وَضَح الرِّجْلَيْنِ مَرْكُوزُ وتثلث الجيم فتحًا وضمًا وكسرًا. ففي الفتح (الجَنَّة) تطلق على جنة الآخرة التي أعدها الله لأوليائه الصالحين وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أطلقت في الدنيا على البستان قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]. أما الضم (الجُنَّة) فتطلق على ما واراك من السلاح واستترت به منه وتجمع على جُنَن ومنه حديث الصدقة "كمثل رجلين عليهما جُنَّتَان من حديد". وأما الكسر (الجِنَّة) قال ابن سيده: الجِن: نوع من العالم سموا بذلك لاجتنانهم عن الأبصار وتجمع على جِنَان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦]. [لسان العرب (جنن) ٢١/ ٣٨٧ - النهاية ١/ ٣٠٧].
(٣) إذا قيل بأن الأنهار اسم للماء الجاري فنسبةُ الجَرْي إليهِ حقيقة، وإن قيل بأنه اسم للأخدود الذي يجري فيه فنسبةُ الجَرْي إليه مجاز كقولَ مهلهل: نُبِّئْتُ أَنَّ النارَ بعدك أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بعدَك يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ [الدر المصون ١/ ٢١٤ - تفسير ابن عطية ١/ ١٩٩ - الحماسة ١/ ٤٥٥ - القرطبي١/ ٢٣٩].
(٤) سورة الزخرف: ٥١.
[ ١ / ١٢٧ ]
وعن ابن عباس وابن مسعود وقتادة (١) ومجاهد: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا (٢). وقال يحيي بن أبي كثير (٣) (٤): ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد كما كان (٥) فلذلك يقول: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ وارتفع ﴿قَبْلُ﴾ على الغاية (٦)، كقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٧)، وتفسير الغاية أنه ظرفٌ قُطِعَ عن الإضافة التي هي غايته، فصار كبعض الاسم في استحقاق البناء على الحركة لالتقاء الساكنين، وضُمَّت لأنها تُضَمُّ في حالة الإضافة
_________________
(١) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، أحد الأئمة الأعلام. ولد وهو أعمى، وعني بالعلم، فصار من حفاظ أهل زمانه وعلمائهم بالقرآن والفقه. مات بواسط سنة سبع عشرة ومائة وهو ابن ست وخمسين سنة. [مشاهير علماء الأمصار (١/ ٩٦)؛ الثقات (٥/ ٣٢١)؛ تهذيب التهذيب (٨/ ٣١٥)؛ صفوة الصفوة (٣/ ٢٥٩)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٣٦٨)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩)].
(٢) الطبري (١/ ٣٨٨) عن ابن مسعود وقتادة، وابن أبي حاتم (٢٥٦) وعبد بن حميد كما في الدر (١/ ٣٨) عن علي بن زيد، وأما عن قتادة فتراه في الدر (١/ ٣٨) لابن الأنباري في الأضداد.
(٣) هو الإِمام الحافظ أبو نصر يحيي بن أبي كثير الطائي اليمامي أحد الأعلام، واسم أبي كثير مختلف فيه، قيل: صالح، وقيل: يسار، وقيل: دينار، وقيل غير ذلك. قال أبو حاتم الرازي: يحيي إمام لا يروي إلا عن ثقة، قال أيوب السختياني: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيي بن أبي كثير، قال ابن حبان: كان من العباد، إذا حضر جنازة لم يتعشَّ تلك الليلة ولا يكلِّمه أحد، قال أحمد: هو من أثبت الناس، وقد نالته محنة، وضرب لكلامه في ولاة الجور. توفي سنة تسع وعشرين ومائة. [طبقات الحفاظ (١/ ٥٨)؛ سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٧)؛ تهذيب التهذيب (١١/ ٢٣٥)؛ صفوة الصفوة (٤/ ٧٥)].
(٤) في المخطوطات (يحيى بن كثير) وهو خطأ.
(٥) لم أجده عن يحيي بن أبي كثير، ولكني وجدته مرفوعًا عن ثوبان، رواه الطبراني في الكبير (١٤٤٩) وسنده ضعيف، وله شاهد عند الحاكم (٨٣٩٠) ضمن حديث طويل عن ثوبان.
(٦) في (ن) (كما الغاية) ومعنى الغاية في مصطلح الكوفيين تعني الظروف المقطوعة عن الإضافة، انظر "في مصطلح النحو الكوفي" (ص ٦٠). ولما قطعت "قبلُ" عن الإضافة بُنِيَتْ على الضم، وإنما بنيت على الضم لأنها حركة لم تكن لها حال إعرابها. وقد قدر ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير ١/ ٣٥٦) المضاف إليه بـ "من قبل هذه المرة" وهو يقتضي أن ذلك ديدن صفات ثمراتهم أن تأتيهم في صور ما قدم إليهم في المرة السابقة.
(٧) سورة الروم: ٤.
[ ١ / ١٢٨ ]
فكانت أدلَّ على البناء ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ بالرزق ﴿مُتَشَابِهًا﴾ متجانسًا، دون مشتبه، إذ الإنسان على الشيء المألوف أقدر، وإذا وجد فيه فصلَ لذةٍ كان أَسرَّ. ﴿وَلَهُمْ﴾ الواو للاستئناف ﴿فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ حواري، واسم الزوج يشمل على الذكر والأنثى (١) قال الله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض والنفاس والأخلاق الردية والآفات. والوصفُ بالطهر أبلغ من الوصف بالحُسْن، لأن الحُسْنَ ربما يتضمن خُبثًا، قال - ﷺ -: "إياكم وخضراء الدِّمن" (٢). ﴿خَالِدُونَ﴾ دائمودن مقيمون، لا يموتون ولا يخرجون منها أبدًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ نزلت في المنافقين. قال ابن عباس وابنُ مسعود: إن الله لما ضرب المثلين اللذين سبق ذكرهما، قالوا: إنَّ الله أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثال، فأنزل الله الآية (٣). وقال
_________________
(١) الزوج يستعمل في الذكر والأنثى وشواهد ذلك كثيرة في القرآن، فإطلاقها على الأنثى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾ [النساء: ٢٠] وقوله: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]. ثم استعملت التاء في الأنثى للتفريق بينها وبين الذكر فقيل (زوجة) لا سيما في علم الفرائض (المواريث) خاصة كما ورد في غير المواريث، ومنه حديث عمار بن ياسر في صحيح البخاري: "إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة" يعني عائشة - ﵂ -. وفي حديث أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -: "إنها زوجتي" أخرجه مسلم في صحيحه. ومنه قول الفرزدق: وإنَّ الذي يسعى ليفسِدَ زوجتي كساعٍ إلى أُسدِ الشرى يَسْتَمِيْلُها وقول الشاعر: فبكى بناتي شجوهنَّ وزوجتي والظاعنون إلى ثم تصدعوا [مقدمة المفسرين للبركوي ١/ ٣٤٤ - التحرير والتنوير ١/ ٣٥٧].
(٢) هذا الحديث رواه الرامهرمزي في "أمثال الحديث" (٨٤)، والدارقطني في الأفراد، والخطيب في "تالي تلخيص المتشابه" (٣٠٩)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٥٧)، ومداره على الواقدي، وقد حكم عليه الدارقطني وغيره أنه لا يصح من وجه. وتمام الحديث: قالوا: يا رسول الله: وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء في منبت السوء".
(٣) أما عن ابن مسعود فهو عند الطبري (١/ ٤٢٣) وأما عن ابن عباس فعزاه السيوطي في الدر (١/ ٤١) للطبري وابن أبي حاتم، وعن ابن عباس عند الواحدي (ص ١٤)، وهي طريقة واهية لأنها من طريق الكلب ي، هكذا حكم ابن حجر عليه في العجاب (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ١٢٩ ]
الحسنُ (١) وقتادة ومقاتل (٢) وغيرهم: إنّ الله تعالى ضَرَبَ للأوثان المَثَلَ بالذباب، وللكفار المثل بالعنكبوت، فقال المشركون: إنّ رب محمَّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فأنْزَلَ اللهُ الآية (٣). والاسْتحياءُ: امتناعٌ يقتضيه الكرم. وقد ورد وَصْفُهُ تعالى به. قال - ﵇ - مخبرًا عن الله تعالى: "الشَّيْبُ نُوري وأَنا أستحي أنْ أحرقَ نوري بناري" (٤). وقال ابن عباس: إن الله حيي كريم (٥). والكرم هاهنا لا يقتضي الامتناع عن وصف ما اقتضت الحكمة إيجاده وتدبيره وحفظه. ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ﴿مَا﴾ أصلية (٦)،
_________________
(١) الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد، وكانت أم الحسن مولاة لأم المؤمنين أم سلمة المخزومية حيث سبيت وهي حامل به، فولدته بالمدينة، وقيل: إن أم سلمة أرضعته، قال أبو سلمة التبوذكي: حفظت عن الحسن ثمانية آلاف مسألة. وقال قتادة: كان الحسن أعلم الناس بالحلال والحرام. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن. توفي سنة عشر ومائة. [تاريخ البخاري (٢/ ٢٨٩)؛ أخبار القضاة (٢/ ٣)؛ تاريخ الإِسلام (٤/ ٩٨)؛ البداية والنهاية (٩/ ٢٦٦)].
(٢) هو مقاتل بن سليمان الأزدي البلخي أبو الحسن، نزيل مرو، صاحب التفسير، قال ابن أبي حاتم: صاحب التفسير والمناكير، أجمعوا على تركه، قال أبو حنيفة: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه. وقال السعدي: كان دجالًا جسورًا، مات سنة خمسين ومائة، وقيل بعد ذلك. [تهذيب الأسماء (٢/ ٤١٣)؛ سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١)؛ الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ١٣٦)؛ ميزان الاعتدال (٦/ ٥٠٥)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٤١٣)].
(٣) أما عن الحسن فقد ذكره ابن أبي حاتم كما في الدر (١/ ٤١) ولم أجده في المطبوع من سورة البقرة، وأما عن قتادة فرواه الطبري (١/ ٣٩٩)، وابن أبي حاتم (٢٧٣)، وعبد الرزاق (١/ ٦٤).
(٤) الحديث رواه ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٠)، والديلمي في مسند الفردوس (٨٠٣٩)، والحديث موضوع.
(٥) هذا الأثر عن ابن عباس ولفظه: "إن الله حيي كريم يكني عما يشاء" رواه الطبري (٢/ ٢٥٦). وذكره ابن حجر عن مسدد في تغليق التعليق وصحح سنده في الفتح (٨/ ١٢١).
(٦) وقيل: إن "ما" زائدة أو صفة للنكرة قبلها لتزداد النكرة شياعًا ومنه قول امرئ القيس: وحديثُ الرَّكْبِ يومَ هنا وحديثٌ ما على قِصَرِهْ وقال أبو البقاء العكبري (الإملاء ١/ ٢٦): إن "ما" نكرة موصوفة ولم يجعل "بعوضة" =
[ ١ / ١٣٠ ]
كقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أكبر منها مثل الذباب والعنكبوت، وقيل: من فوقها في الصغر، والفاء لإسقاط إلى (٢) أو العطف ﴿فَأَمَّا﴾ يقتضي جوابًا بالفاء كالشرط ولا عمل له (٣). قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٤)، ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٥)، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أن المثل واجبٌ كونُهُ ووجوده.
﴿مَاذَا﴾ أي شيء (٦)، وقيل: ما الذي. و"ما": استفهام، و"ذا" إشارة
_________________
(١) = صفتها بل جعلها بدلًا منها. وخالفه في ذلك الفراء (معاني القرآن ٢١/ ١) والزجاج (معاني القرآن ١/ ٧٠) وثعلب وقالوا: يحتاج أن يقدر صفة محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك فكان الأوْلى أن يجعل "بعوضة" صفتها بمعنى أنه وصفها بالجنس المُنَكَّر لإبهامه فهي في معنى "قليل" وتكون "ما" وصفتُهَا حينئذٍ بدلًا من "مثلًا"، و"بعوضة" بدلًا من "ما" أو عطف بيان لها. ويتلخص مما سبق أن في "ما" ثلاثة أوجه: الأول: زائدة، والثاني: صفة لما قبلها، والثالث: نكرة موصوفة. [الدر المصون ١/ ٢٢٣ - البحر المحيط ١/ ١٢٢ - معاني القرآن للزجاج ١/ ٧٠].
(٢) سورة آل عمران: ١٥٩.
(٣) ما ذهب إليه المؤلف من أن الفاء في قوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ بمعنى "إلى" وأن تقدير "إلى ما فوقها" هو قول الكسائي والفراء وغيرهم من الكوفيين، وأنشدوا قول الشاعر: يا أحسنَ الناسِ ما قَرْنًا إلى قَدَمٍ ولا حبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تَصِلُ أي: ما بين قرنٍ، وحكوا: "له عشرون ما ناقةً فَحَمْلًا". وذهب السمين الحلبي (الدر المصون ١/ ٢٢٦) أن من قال إن الفاء بمعنى "إلى" قول مرجوح جدًا.
(٤) "أَمَّا" حرف ضُمِّنَ معنى اسم شرطٍ وفِعْله، كذا قدره سيبويه، وقال: "أَمَّا" بمنزلة مهما يَكُ مِنْ شيء. وفائدته في الكلام - كما قال الزمخشري- أن يعطيه فَضْلَ توكيد، وقال بعضهم: "أمَّا" حرف تفصيل لما أجمله المتكلم وادعاه المخاطب، ولا يليها إلا المبتدأ وتلزم الفاء في جوابها، ولا تحذف الفاء إلا مع قول ظاهر أو مقدر كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم. [الدر المصون ١/ ٢٢٧ - الكتاب ١/ ٣١٢].
(٥) سورة الضحى: ٩.
(٦) سورة فصلت: ١٧.
(٧) "ماذا" فيها ستة استعمالات في كلام العرب ذكر المؤلف منها ثلاثة استعمالات ورجح السمين الحلبي (الدر المصون ١/ ٢٣١) الأول والثاني منها. وأما الثلاثة الآخرى مما =
[ ١ / ١٣١ ]
إلى المراد (١) ﴿بِهَذَا﴾ بذكر البعوضة والعنكبوت ﴿مَثَلًا﴾ انتصب على القطع، فكأنه قال: بهذا المثل، فلما قطعت الألف واللام انتصب، وعند البصريين انتصب على الحال (٢)، كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٣). قال الله: قل يا محمَّد ﴿يُضِلُّ﴾ يَخْذُلُ ويهلك ﴿بِهِ﴾ بالمثل والإضلال هو: الإيقاع في الضلالة (٤) على وجه التمكين والتقوية والمدّ فيما يستلهوا به على قضية العلم والتقدير الأزلي، لا على معنى الإجبار والخداع ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجين من الطاعة، قال الكلبي (٥): عني به اليهود.
_________________
(١) = لم يذكره المؤلف فهي الرابع: أن يجعل "ماذا" بمنزلة الموصول تغليبًا لـ "ذا" على "ما" وهو قليل جدًا في كلام العرب ومنه قول سحيم بن وثيل: دَعِي مادا عَلِمْتِ سأتقيه ولكنْ بالمُغَيَّب نَبِّئِيني فماذا كلها بمعنى الذي لأن ما قبله لا يُعَلَّقُ. الخامس: ما ذكره أبو علي الفارسي من أن "ماذا" كلها نكرة موصوفة وأنشد "دعي ماذا علمتِ" أي: دعي شيئًا معلومًا. السادس: أن تكون "ما" استفهامًا و"ذا" زائدة، وهذا القول أضعف الأقوال لأن زيادة الأسماء ممنوعة أو قليلة جدًا. وأقرب الأقوال الستة هذه مما يمكن أن يتنزل على تفسير هذه الآية هو أن "ما" استفهامية و"ذا" بمعنى الذي، والقول الآخر من جعلها بمنزلة اسم واحد في محل نصب التقدير -أي شيء أراد الله- وهذه الجملة منصوبة بالقول. [مغني اللبيب ص ٣٣٣ - الخزانة ٢/ ٥٥٤ - الدر المصون ١/ ٢٣٠].
(٢) في (أ): (المرء) وهو خطأ.
(٣) من قال إن ﴿مَثَلًا﴾ منصوب على القطع هو أحمد بن يحيي ثعلب، ومن قال إنه منصوب على الحال هو ابن كيسان ذكر ذلك أبو جعفر النحاس (إعراب القرآن ١٥٤/ ١).
(٤) سورة هود: ٧٢.
(٥) في (ن): (الإيقاع والضلالة).
(٦) هو محمَّد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر، وكان رأسًا في الأنساب إلا أنه شيعي متروك الحديث، قال زائدة وليث وسليمان التيمي: هو كذاب. وقال يحيي: ليس بشيء كذاب ساقط، وقال ابن حبان: وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، روى عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس ولا سمع منه، لا يحلّ الاحتجاج به. توفي سنة ست وأربعين ومائة. [الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٦٢)؛ سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٤٨)؛ ميزان الاعتدال (٦/ ١٥٩)؛ المجروحين (٢/ ٢٥٣)].
[ ١ / ١٣٢ ]
وأصل الفسق الخروج عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الرُّطبةُ من قشرها (١) إذا خرجت. ثم نعت الفاسقين (٢)، فقال:
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ينكُثُون وصية الله وأمره، وهو ما أخذه اللهُ على النبيين ومَن اتبعهم أنْ لا يكفروا بالنبي - ﷺ - ويبيّنوا لغته وصفته، دليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣) الآية. والميثاق (٤): اسمٌ لعقد من عقود الأحكام بالثقة والإحكام ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يعني الأرحام (٥) ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ المغبونون (٦) في الآخرة.
_________________
(١) في (أ): (قشورها).
(٢) الفسق: هو الخروج عن طاعة الله وعن طريق الحق. وقال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم كلمة فاسق. وليس كما قال فقد ورد في كلام العرب في الجاهلية والعرب تقول إذا خرجت الرُّطَبَةُ من قشرها "فسقت" وإذا خرجت الفأرة من جحرها إلى الناس "فويسقة" [لسان العرب (فسق) ١/ ٢٦٢].
(٣) سورة آل عمران: ٨١.
(٤) "الميثاق" هو العهد المؤكد باليمين على وزن مِفعال من الوثاقة والمعاهدة وهي الشدة في العقد والربط وتجمع على مواثيق، وأصل ميثاق مِوْثاق، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها وقد تجمع على مياثق، ومنه ما أنشده ابن الأعرابي لعياض بن أم درة الطائي: حِمىً لا يَحُلُّ الدهرُ إلا بإِذْنِنا ولا نسأل الأقوام عهدَ المياثِقِ وهناك معنيان في معنى الميثاق في الآية ذكرهما السمعاني في تفسيره (١/ ٤٣٣) المعني الأول: أنه أراد نقض الميثاق الأول الذي أخذه على آدم وذريته بقوله ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] والمعنى الثاني: أراد به نقض الميثاق الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد - ﷺ - بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. وذكر هذين المعنيين البغوي في تفسيره (١/ ٧٢) وابن عطية في تفسيره (١/ ٢٠٩) والزجاج في معاني القرآن، إلا أن الطبري رجح أن هذه الآيات نزلت في كبار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله - ﷺ - ومن كان على شركهم من أهل النفاق الذين نقضوا عئهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمَّد - ﷺ -[تفسير الطبري ١/ ٤٣٨].
(٥) وقد بيَّن الله - ﷿ - في موضع آخر من كتابه أنها الأرحام فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢] وهو مروي عن قتادة رواه الطبري في تفسيره (١/ ٤٤١) بإسناد حسن.
(٦) في (أ) (ب): (المغبون).
[ ١ / ١٣٣ ]
﴿كَيْفَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار (١)، وفيه تبيينٌ أنّه موضعٌ للتعجب المتعجب حيث يكفرون بمن تولى إنْشاءَهُم وحفظهم وإفناءَهُم وإعادتهم من النشأة الآخرة. ويخالفون قضية اللبّ ويكابرون العقل ﴿وَكُنْتُمْ﴾ الواو فيه (٢) للحال و"قد" فيه مضمر (٣) ﴿أَمْوَاتًا﴾ ترابًا غير مُنْتَفعٍ به عن الضحاك (٤) عن ابن عباس (٥)، وقيل: أجسادًا لا روح فيها، يعني في الأرحام ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الروح ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بنزع الروح وإذهاب الحياة. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عند البعث بنفخ الروح ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عند البعث للمجازاة. [وقيل: ثُمَّ يحييكم وقت السؤال في القبر] (٦) ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف على سبيل المهلة والتراخي.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يدلُّ على أنَّ جميع ما في الأرض من أجساد مخلوق لله تعالى. ويدل على أنّ الأشياءَ على الإباحة في
_________________
(١) "كيف" اسم استفهام يسأل به عن الأحوال وبني لتضمُّنِهِ معنى الهمزة وهي في هذه الآية منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه، أي: في أَيِّ حالةٍ تكفرون، وعلى الحال عند الأخفش، أي: على أي حالٍ تكفرون والعامل فيها على القولين ﴿تَكْفُرُونَ﴾ وصاحب الحال الضمير في ﴿تَكْفُرُونَ﴾ والمقصود في معنى الاستفهام هذا هو التعجب والتوبيخ والإنكار. [فائدة بلاغية] وهو الانتقال من الغيبة في قوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ﴾. [الدر المصون ١/ ٢٣٧ - الإملاء ١/ ٢٧ - الكتاب ٢/ ٤٤].
(٢) (فيه) ليست في (أ).
(٣) الواو- كما قال المؤلف- واو الحال، وعلامتها أَنْ يصلح موضعها "إذْ" وجملة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ في محل نصب على الحال، كما أنه لا بد من إضمار"قد" ليصبح وقوع الماضي حالًا.
(٤) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمَّد، وقيل: أبو القاسم، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، وكان ممن عني بعلم القرآن عناية شديدة، مع لزوم الورع، وكان معلم كتاب يعلِّم الصبيان فلا يأخذ منهم شيئًا، إنما يحتسب في تعليمهم، توفي سنة اثنتين- وقيل سنة خمس- ومائة. [سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٩٨)؛ صفوة الصفوة (٤/ ١٥٠)؛ مشاهير علماء الأمصار (١/ ١٩٤)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ٣٩٧)].
(٥) ابن أبي حاتم (٣٠١).
(٦) ما بين [] من (ي).
[ ١ / ١٣٤ ]
الأصل (١)، ما لم يكن في تناوله إضرارٌ بخلق الله تعالى والتحريم ثبت بالشرع ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ عَمَد وقصد (٢)، كما يقال: فرغ الأميرُ من بلد كذا واستوى إلى بلد كذا. وقال ابن عباس: صعد أمره (٣) ﴿السَّمَاءِ﴾ لفظه لفظ الوحدان (٤)
_________________
(١) الأصل في الأشياء الحل والإباحة وإلى ذلك أشار شيخنا محمَّد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في منظومته بقوله: والأصل في الأشياء حِلٌّ وامْنَع عبادةً إلا بإذن الشارعِ [المنظومة ١٠٢ بيت نشرت في مجلة الحكمة العدد الأول سنة ١٤١٤هـ]. وهناك أمر آخر في الآية وهو أن المراد بالخلق هو التقدير أي أن ما في الأرض جميعًا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء هو تقديره وهذا معروف عند العرب أنها تسمي التقدير خلقًا ومنه قول زهير: وَلأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٨٨): الاستواء هاهنا تضمّن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بـ "إلى". وذهب إمام المفسرين الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤٥٧) إلى أن الاستواء في هذه الآية معناه: العلو والارتفاع، وأن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في تفسير الاستواء. ثم رد على من أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب والذي يدل عليه معنى الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الذي هو به معنى العلو والارتفاع هربًا عند نفسه من أنْ يلزمه بزعمه أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه، فيقال له: أزعمت أن تأويل قوله: ﴿اسْتَوَى﴾ أقبل، أفكان مدبرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها عُلوَّ ملكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوال. اهـ. وانظر تفسير البغوي (١/ ٥٩) والقواعد المثلى لابن عثيمين ﵀ (ص ٥٢).
(٣) الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٢٥). وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٧٢) عن ابن عباس - ﵄ - وذكره الطبري في تفسيره (١/ ٢٣٢).
(٤) قوله تعالى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ يدل على أن المراد بـ "السماء" الجمع فأخرج مكنيّهن مخرج مَكْنِيِّ الجمع. وواحدها سماوة - كما قال ابن جرير - فهي مثل بقرة وبقر ونخلة ونخل وما أشبه ذلك. ولذلك أنثت السماء مرة، فقيل: هذه سماء. وَذُكِّرَت أخرى فقيل ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ كما يفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحدِه غير دخول الهاء وخروجها فيقال هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ. وهذا نخلٌ وهذه نخل. اهـ[ابن جرير في تفسيره ١/ ٤٥٨].
[ ١ / ١٣٥ ]
ومعناه معنى الجمع فجمع (١) ما بعد في المعنى، ويجوز أن يكون واحدًا يراد به الجنس، كما يقال: أكثر الدراهم والدنانير في أيدي الناس، ويجوز أنه أراد بالجمع نواصيها، كما يقال: ثوب أخلاق، ويحتمل أنه كنى عما لم (٢) يسبق ذكرهُ، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾.
وفي الآية (٣) دليلٌ أنّ خلق الأرض وما فيها من الجماد مُقَدَّمٌ على
تسوية السماوات، وعن النبي - ﷺ -: "إنّ الله خلق الأرض (٤) يوم
الأحد والاثنين وخلقَ الجبالَ يومَ الثلاثاءِ، وخلق يوم الأربعاء الشجرَ
والماءَ والعمرانَ والخرابَ، وخلق يوم الخميس السَّماءَ وخلق يوم الجمعة
النجومَ والشمسَ والملائكة وآدم - ﵇ -" (٥).
_________________
(١) (فجمع) ليست في (أ).
(٢) (لم) ليست في (ب).
(٣) كتب في هامش النسخة (ي): (خلق الأرض قبل السماء) ا. هـ
(٤) في (ب): (السماوات والأرض) وهذا خطأ.
(٥) الحديث أخرجه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٩٤) (٢٦/ ١٧٩)، وفي التاريخ (١/ ٣٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٧٨٤)، والحاكم في المسندرك (٣٩٩٧) واستغربه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٩٥). كما أن هذا الحديث الذي ذكره المؤلف مخالف لما أخرجه مسلم في صحيحه (رقم ٢٧٨٩ - صفات المنافقين- باب ابتداء الخلق وخلق آدم) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: "خلق الله، - ﷿ -، التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم - ﵈ - بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" ووجه الخلاف بين الحديث الذي ذكره المؤلف مع حديث مسلم أن خلق الجبال في حديث المؤلف كان يوم الثلاثاء بينما في حديث مسلم كان يوم الأحد، وفي حديث المؤلف أن خلق الشجر يوم الأربعاء بينما في حديث مسلم كان خلق الشجر يوم الاثنين. ولا شك أن حديث أبي هريرة في صحيح مسلم مقدم على ما ذكره المؤلف مع أن بعض النقاد تكلم في متن حديث مسلم. وقد بسط القول على الرد في ذلك الدكتور أحمد بن عبد الله الزهراني وأوضح أن هذا الحديث لا يخالف القرآن الكريم [تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٢٦٨].
[ ١ / ١٣٦ ]
وأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ (١) لا ينقض هذه الآية، يجوز أنه بسطها بعد ما كانت ربوةً مجتمعة الأجزاء مضمنة الأشياء. وقال مجاهد (٢): بَعْدَ ذلك دحاها، أي: مع ذلك، كقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ (٣) ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤).
وقيل: ثم لا تقتضي تأخر خلقِ السماء عن خلق الأرض لأنها تقتضي التراخي في الإخبار لا في المخبر عنها، كقوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ - ﵇ -.
﴿عَلِيمٌ﴾ (٥): عالم بخلقهن، وغير ذلك. والعلم: رؤيةٌ تنفي الجهالة.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نزلت في خُزَّان الجنان وهم ملائكةٌ خلقوا من نار السَّموم، وكان إبليس معهم، وكانوا يُسَمَّونَ الجن، وهذا في رواية الضحاك والسُّدي عن ابن عباس (٦)، وأحدهما يزيد على الآخر. ويحتمل في شأن جميع الملائكة.
واذكر ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ وابتدأ خلقكم إذ قال والألف واللام في ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾ للجنس. وعن ابن عباس: للمعهود، لأن ذكر هؤلاء كان متقدمًا في الكتب المتقدمة. وواحد الملائكة: ملك، وفي الأصل: مَلأك مقلوب من مَالَك، فقلبت الهمزة استخفافًا (٧)، فقيل: ملك. مأخوذٌ من
_________________
(١) سورة النازعات: ٣٠.
(٢) ذكره السيوطي في الدر (٦/ ٣١٣) وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٣) سورة القلم: ١٣.
(٤) سورة التحريم: ٤.
(٥) (عليم) ليست في النسخ.
(٦) الطبري (١/ ٤٥٥) عن ابن عباس.
(٧) مَلْأَك: تجمع على ملائكة. غير أن التي بغير الهمزة أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمزة فيقولون "مَلك" بحذف الهمزة، ويحركون اللام التي كانت مُسَكَّنَة لو همز الاسم وإنما يحركونها بالفتح لأنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف =
[ ١ / ١٣٧ ]
المألُكة، أي: الرسالة (١).
وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ دليلٌ على أن ثبوت صفاتِ الفعل قبل المفاعيل.
﴿خَلِيفَةً﴾ آدم وذريته. والهاء للمبالغة والتأكيد. وهذا اسمٌ لِمنْ يخلُفُ الغير ويقومُ مقامه فيما أُسندَ إليه. وآدمُ خَلَفَ الملائكة في اتخاذ الأرض مسكنًا (٢).
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أتخلفُ (٣) فيها. والألف: ألف الإيجاب (٤)، كما
_________________
(١) = الساكن قبلها، فإذا جمعوا واحدهم رَدُّوه في الجمع إلى الأصل وهمزوا، فقالوا: ملائكة. وهذا هو الكثير في كلام العرب وربما ألحقوا الهمزة وهو قليل في كلام العرب ومنه قول الشاعر [قيل هو مَنسوب لعلقمة بن عبدة وقيل لمتمم بن نويرة وقيل غير ذلك،: فَلَسْتُ بجنِّيِّ ولكنْ ملأَكًا تَحَدَّر من جو السماءِ يصوبُ [تفسير الطبري ١/ ٤٧٢ - اللسان (أل ك- ل أك) - شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٢٢].
(٢) مَألُكَة بمعنى الرسالة معروف في كلام العرب ومنه قول لبيد: وغلامٌ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألَوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ وقول عدي بن زيد: أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَني مَألُكًا أَنَّهُ قد طال حَبْسِي وانتظاري [ديوان لبيد ص ١٧٨ - ديوان عدي بن زيد ص ٩٣ - إملاء العكبري ١/ ٢٧ - الخصائص ٣/ ٢٧٥].
(٣) اختلف المفسرون واللغويون في سبب تسمية خليفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الله لما خلق الأرض أسكنها الجن ولما خلق السماء أسكنها الملائكة ثم لما خلق آدم أزعج الجن إلى أطراف الأرض فهو خليفة الجن في الأرض [ذكر هذا القول ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠١ - والبغوي في تفسيره ١/ ٤٥ - والرازي ١/ ١٦٥ وغيرهم]. القول الثاني: أنه سمي خليفة لأنه يخلفه غيره فيكون مكانه [ذكر هذا القول البغوي في تفسيره ١/ ٤٥ - والشوكاني ١/ ٦٢ وغيرهما]. القول الثالث: أنه سمي خليفة لأنه خليفة الله في الأرض لإقامة أحكامه وحدوده [ذكر هذا القول البغوي في تفسيره ١/ ٤٥ والقرطبي ١/ ١٤٠ والخازن ١/ ٤٥ وغيرهم]. والقول الثالث هو الذي رجحه البغوي وتبعه الخازن والرازي والسمعاني وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس - ﵃ -. وهو المتعين إن شاء الله.
(٤) في (ب): (أتخلق) بالقاف، وسواء كان بالقاف أو الفاء فالمعنى صحيح لكن معنى الفاء - أتحلف - أقرب لأن الكلام المتقدم ينصب على ذكر الخليفة.
(٥) اختلف المفسرون والنحويون في توجيه الهمزة في هذه الآية، القول الأول: =
[ ١ / ١٣٨ ]
قال جرير (١):
ألسْتُم خَيرَ مَنْ رَكِبَ المطايا وأندى العالمين بطون راحِ (٢)
واستخبارهم على وجه الاستسلام (٣) والتعرف دون الإنكار، كأنهم قالوا: يا ربّ إنْ كان هذا ظنَّنَا (٤) فعرّفنا وجه الحكمة فيه، وإنما علموا الفساد وسفك الدماء بإخبار الله تعالى في رواية السُّدي (٥) وبالقياس على الحال في رواية الضحاك. [وقيل أنَّ إبليس كان منهم في الخلقة ومِنَ الملائكة] (٦) في الرتبة، فسلّطه اللهُ بمَنْ معه من الملائكة عليهم حتى أفسدوا وسفكوا الدماء، فأجلوهم (٧) إلى الجَزائر والخراب في الأرض. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يَصُبُّ.
﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نبرئك من السوء ونصلِّي لك. وقيل: نعبدك بالتحميد أو نسبحك مع حمدك. وقيل: نسبحك بتوفيقِك المستوجب حمدك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نطهِّر أنفسنا أو الأرض لك (٨). أو لابتغاء
_________________
(١) = أنها للاستفهام على بابها. القول الثاني: وهو قول الزمخشري أنها للتعجب. القول الثالث: أنها للتقرير والإيجاب وهو قول المؤلف مستشهدًا ببيت جرير في ذلك. القول الرابع: أنها للاسترشاد وهو قول أبي البقاء في الإملاء (١/ ٢٨) واستحسنه البركوي في تفسيره (١/ ٣٩٣).
(٢) انظر ديوان جرير (ص: ٧٤).
(٣) في (أ): (روح) وهو خطأ.
(٤) في (ب): (الاستفهام) وهو خطأ.
(٥) في (ن): (طيننا).
(٦) الطبري (١/ ٤٥٩).
(٧) ما بين [] ليست في (أ).
(٨) في (أ): (فأحلوهما).
(٩) التقديس بمعنى التطهير معروف في كلام العرب ومنه قولهم: أرض مقدسة - أي مطهرة - ومنه ما جاء فيما يقال في الركوع: سبوح قدوس - أي تنزيهًا لله وطهارة له. وقيل: التقديس هنا المراد به الصلاة، وتقديس الملائكة لربها صلاتها له وهو مروي عن قتادة ولا منافاة بين المعنيين بين من قال إن التقديس التطهير أو الصلاة لأن الصلاة تطهير من أدران الكفر. [تفسير الطبري ١/ ٥٠٦ - ابن كثير ١/ ١٠٣ - ابن أبي حاتم ١/ ٧٩].
[ ١ / ١٣٩ ]
مرضاتك. وفي قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ زجرٌ لهم عن السؤال. ودلالة أنّ المعلوم مقَدَّرٌ كائن لا محالة.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ ألهم ووفّق لا أنه أخبر ولقَّن لأنّه لو لقَّنهُ لما كان له مزيةٌ على الملائكة. و﴿آدَمَ﴾: مشتقٌّ من أديم الأرض أو أدمة اللون (١). ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال ابن عباس: أسماء جميع المخلوقات حتى القَصْعَة والسُّكْرُجَة (٢)، وعن الربيع بن أنس (٣): [أسماء الملائكة (٤)، وعن ابن زيد] (٥): أسماء ذريته (٦). وقيل: أسماء آحاد الجنس دون المشتركة
_________________
(١) في (آدم) خمسة أقوال أرجحها والله أعلم: أنه اسم أعجمي غير مشتق ووزنه فاعل ويمنع من الصرف للعلمية والعجمة. القول الثاني: أنه مشتق من الأُدْمَة وهي حُمْرَة تميل إلى السواد. القول الثالث: أنه مشتق من أديم الأرض، وعلى القولين الأخيرين يمنع من الصرف للوزن والعلمية. القول الرابع: أنه عِبْري من الإدام وهو التراب. القول الخامس: أنه في الأصل فعل رباعي مثل: أَكرم وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جهته. وعند التحقيق يتبين لنا أن ادعاء الاشتقاق فيه بعيد، لأن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف مع أن الجواليقي وغيره صرح بأنه عربي. [الطبري ١/ ٤٨٢ - السمين الحلبي- الدر المصون ١/ ٢٦٢ - روح المعاني ١/ ٣٥٦].
(٢) الأثر بهذا اللفظ لم أجده، ولكن قريبًا منه عند ابن جرير (١/ ٤٨٥)، وابن أبي حاتم (٣٣٧)، وعزاه في الدر (١/ ٤٩) لابن المنذر. والسُكَرُّجَة: هي الصحيفة التي يؤكل بها وهي كلمة فارسية وجاء في الحديث: "لا آكل في سُكرجَة" [اللسان (سكرج) ٦/ ٢٠٧].
(٣) هو الربيع بن أنس البكري، ويقال: الحنفي البصري ثم الخراساني، صدوق له أوهام، ورُمي بالتشيع، روى عن أنس بن مالك وأبي العالية، وعنه الثوري وابن المبارك، كان عالم مرو في زمانه، قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن أبي داود: سجن بمرو ثلاثين سنة، قال الذهبي: سجنه أبو مسلم تسعة أعوام، وتحيل ابن المبارك حتى دخل إليه فسمع منه، يقال أنه توفي سنة تسع وثلاثين ومائة؛ وحديثه في السنن الأربعة. [تقريب التهذيب (٢٠٥)؛ تهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٧)؛ سير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٩، ١٧٠)].
(٤) ابن جرير (١/ ٤٨٥).
(٥) ما بين [] ليست في (ب).
(٦) ابن جرير (١/ ٤٨٥).
[ ١ / ١٤٠ ]
والمبهمة والمضمرة وأسماء الإشارة. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يعني أصحاب الأسماء، ولم يقل: عرضها لتغليب العقلاء كالعالمين. وفي الآية دليلٌ أَنّ أسماءَ الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، إذ لو انتفى لما قُدِرَ على تعيين المسميات في الأشخاص. ودليلٌ على أَنَّ المعدوم لا ينطلق عليه اسم الشىِء حقيقة لاستحالة عَرض المعدوم. ودليلٌ (١) على فضل النطق والعلم.
﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني ﴿صَادِقِينَ﴾ في مقالتكم، والصدق هو: الخبرُ الحقُّ.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ قالت الملائكة عند التحدي: أنزهك! و"سبحان": مصدر حقيقي عند أهل الكوفة (٢)، كالغفران والحمران (٣) ولذلك انتصب، وعند البصريين كالمصدر وهو في محل خفض.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بأسماء هؤلاء ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ استثناء منقطعٌ (٤)، معناه
_________________
(١) (ودليلٌ) ليست في (أ).
(٢) ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هو منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه أي أنه مصدر كغفران منصوبًا بإضمار فعله. وقال الكسائي: هو منصوب لأنه لم يوصف ومنصوب على أنه نداء مضاف وهو من الأسماء اللازمة للإضافة وقد يفرد. وهناك فائدة معنوية في ﴿سُبْحَانَكَ﴾ وتصدير الكلام بها اعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جُعِلَ مفتاح التوبة ومنه قول نبي الله موسى - ﵇ -: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال نبي الله يونس - ﵇ -: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. [الكتاب ١/ ٤٣٨ - إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٦٠ - تفسير القرطبي ١/ ٢٨٧ - الفتوحات الإلهية- الجمل ١/ ٥٨].
(٣) لعلها (الحرمان).
(٤) ذهب أبو حيان - كما في تفسيره البحر المحيط ١/ ١٤٨ - إلى أن من قال بالاستثناء المنقطع في قوله ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ فيه نوع من التكلف وهو أن يكون الاستثناء المنقطع بمعنى لكن وتكون ﴿مَا﴾ شرطية و﴿عَلَّمْتَنَا﴾ ناصب لها وهو في محل جزم بها والجواب محذوف والتقدير لكن ما علمتنا علمناه. وهناك أجوبة أخرى في هذا الاستثناء الذي ينصب على الأداة "ما" هل هي موصولة أو مصدرية أو هي في محل رفع على البدل من اسم لا على الموضع على خلاف في ذلك وكل له وجهه.
[ ١ / ١٤١ ]
لكن ما علمتنا فذلك عَلِمْنَاهُ، وقيل: استثناء متصل، تقديره لا علم لنا إلا العلم الذي علمتنا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بعواقب الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحققُ المتقنُ في صنعه البعيد عن الهزل والخسائس.
﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ هذا وحي من الله إليه، وفيه دلالة على بعثه بالنبوة إلى الملائكة كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ (١)، وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ (٢) ويدل عليه قبل الزلة والتوبة عنها سبقُ التحدي والإعجاز له، وسبق العهد إليه بغير واسطة حيث قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ (٣)، وإنّ زلَّته لم تقع في نبوته، كما لم يقدح في نبوّة نوح سؤاله عما ليس له به (٤) علم وفي نبوة موسى سؤاله الرؤية (٥)، وفي نبوة داود ما خطر بقلبه وفتن (٦)، وفي نبوة نبينا - ﷺ - إذْنُ القاعدين عن الجهاد فعفا الله عنه (٧)، وإذ ثبتت نبوته إليهم كانت أعظم دليل على فضله على الملائكة (٨).
_________________
(١) سورة الحجر: ٤٩.
(٢) سورة الحجر: ٥١.
(٣) سورة طه: ١١٥.
(٤) كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٥، ٤٦].
(٥) كما في قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣].
(٦) كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ [ص:٢٤، ٢٥]
(٧) كما في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].
(٨) ذكر البغوي في تفسيره (١/ ٤٧) وغيره عشرة أدلة في تفضيل الأنبياء على الملائكة، وفي الجملة يمكن أن يقال إن الجزم في هذه المسألة من الأمور الصعبة جدًا حيث يفتقد فيها النص القاطع من آية أو حديث يُعَيِّن التفاضل بين الجنسين جنس الأنبياء وجنس الملائكة، ولذا توقف الإِمام أبو حنيفة وغيره عن ذلك وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة وأما الأشاعرة فعلى قولين، وذهبت الشيعة إلى أن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة. ويعجبني ما ذكره العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة =
[ ١ / ١٤٢ ]
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أي: قلت لكم، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١). فإن قيل: ثَمَّ: متى قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [قلنا هذا الإطناب في إيجاز قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ مكنوناتها. ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ تظهرون. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: تُخْفُون وتُسرّون. وإنما لم يقل: ما كنتم تبدون وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ لأنه أراد إبداءهم العجز في الحال. وكتمانُهُم من قبلُ: كراهة الخليفة وحبّ المكثِ في الدنيا على وجه الأرض.
وقيل: أراد به كتمان إبليس من قبل عزم العصيان والطغيان والإنكار على ربه، وقد يُسْنَدُ فعلُ الواحد إلى الجماعة مجازًا، كقوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٣).
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ واو استئناف أو لعطف قصة على قصة (٤). و"إذْ" صلة
_________________
(١) = الطحاوية (ص ٣٣٨) حيث قال ما نصه: "وكنت ترددتُ في الكلام على هذه المسألة، لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" [أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٧٠ - وأحمد في مسنده ١٧٣٧ عن علي بن الحسين مرفوعًا وصححه العلامة الألباني ﵀ في المشكاة ٣/ ١٣٦١] فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين وليس علينا أن نعتقد أي الطرفين أفضل، فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وفي الصحيح: "إن الله فرض فرائض فلا نضيعوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا والحالة هذه أولى. اهـ.
(٢) سورة الأعراف: ١٧٢.
(٣) ما بين [] ليست في (أ).
(٤) سورة يوسف: ٧٠.
(٥) ذهب إمام المفسرين ابن جرير الطبري (١/ ٥٣٥) إلى أن الواو واو العطف فهي معطوفة على قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ و"إذ" ظرف منصوب بإضمار (اذكر) كما ذهب إليه الفراء ونقله عنه البركوي في تفسيره (١/ ٤٠٨) أي واذكر إذ قال ربك. وهذا معروف لدى النحويين وهو أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق إما مذكورًا أو محذوفًا وجاء في نظم الجُمَل: =
[ ١ / ١٤٣ ]
على قول أبي عبيدة (١) (٢)، وظرفٌ على قول غيره. والسجودُ: ميلُ القامة إلى الأرض. قال حُمَيْد (٣) (٤):
فُضُولَ أَزمَّتها أَسجَدت سجود النصارى لأربابها
وفي الشرع عبارة عن: وضع الجبهة على الأرض تواضعًا لله تعالى وخضوع بين يديه. منهىٌّ عنه لغير الله، وكان غير منهيٍّ عنه في القديم تحيةً للانبياء أو بعضهم﵈ - كما في قصة آدم وقصة يُوسُف ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٥).
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قيل: استثناء منقطع لأن إبليسَ لم يكن مِنَ الملائكة (٦)
_________________
(١) = لابد للجار من التعلقِ بفعل أومعناه نحو مرتقي نكتة بلاغية: وهي الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
(٢) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولاهم البصري النحوي صاحب التصانيف، ولد سنة عشر ومائة، قال ابن قتيبة: كان الغريب وأيام العرب أغلب عليه، وكان يبغض العرب وألَّف في مثالبهم كتبًا، وكان يرى رأي الخوارج. توفي سنة تسع ومائتين. قال الذهبي: كان من بحور العلم، ومع ذلك فلم يكن بالماهر بكتاب الله ولا العارف بسنَّة رسول الله - ﷺ -، ولا البصير بالفقه، وله نظر في المنطق والفلسفة. [تاريخ خليفة (١٩ - ٢٠)؛ تاريخ بغداد (١٣/ ٢٥٢)؛ معجم الأدباء (٩/ ١٥٤)؛ السير (٩/ ٤٤٥)؛ وفيات الاْعيان (٥/ ٢٣٥)].
(٣) أبو عبيدة معمر بن المثنى، وقوله في "مجاز القرآن" (١/ ٣٦).
(٤) حميد بن ثور بن حزن بن عمرو الهلالي أبو المثنى. ذكره الحافظ ابن حجر في الصحابة، وأنه حين أسلم أتى النبي - ﷺ - فقال: أصبح قلبي من سُلَيْمَى مُقْصِدًا إن خطأ منها وإن تَعَمَّدا حتى أتيتُ المصطفى محمدًا يتلو من الله كتابًا مُرْشِدا وساق ابن شاهين الأبيات كلها. وكان أحد الشعراء الفصحاء، وعاش إلى خلافة عثمان. [الإصابة (٢/ ٢٨٩)].
(٥) انظر ديوان حميد بن ثور الهلالي (٩٦) وفي هذا البيت يصف مجموعة من النساء ومعناه: لما ارتحلن ولوين فضول أَزِمَّةِ جمالهنَّ على معاصمهنَّ أسجدت لهنَّ.
(٦) سورة يوسف: ١٠٠.
(٧) الأصل أن إبليس من الجن بصريح دلالة هذه الآية ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ولذا صح عن الحسن البصري فيما ذكره ابن كثير وصحح إسناده (١/ ١٤٠) =
[ ١ / ١٤٤ ]
لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ (١) ولأنه مخلوقٌ من النار وله نسلٌ وذريةٌ. ومتصلٌ على قول آخرين (٢)، لقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فلو لم يكن منهم لم يتوجَّه عليه الخطابُ، ولو لم يتوجَّه عليه الخطابُ لما لزمه الذمُّ والنكيرُ، ولَمَا كان أبيًا أمر ربِّه. وإنما قال: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأنه كان من خُزّان الجنان فاشتق لهم اسمٌ من الجَنَّة.
وأما الذريةُ فقد حصلت له بعد المسخ، ويجوز تناسلُ الممسوخ عند أكثر الناس. وهو إفعيل من أبْلَيسَ، أي: يَئِسَ من رحمة الله، وقيل: إنّه اسمٌ أعجمي لذلك لا ينصرف (٣).
﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ امتنع وتعظم في نفسه ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حين عزم (٤)
_________________
(١) = قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. ولذا فصَّل ابن عباس - ﵄ - في أصل إبليس فقال: "كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن " الأثر بطوله وفيه غرابة كما قال بعض أهل الحديث، والكلام يطول جدًا في هذه المسألة وعند التحقيق يتعين كون إبليس ليس من جنس الملائكة وأنه مخلوق من نار السموم بصريح الآية على عكس الملائكة التي خلقت من نور، وبهذا كما قال المؤلف يكون الاستثناء منقطعًا وهو الذي رجحه ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير ١/ ٤٢٣).
(٢) سورة الكهف: ٥٠.
(٣) وهو الذي رجحه السمين الحلبي في تفسيره "الدر المصون ١/ ٢٧٣) واحتج الحلبي بأن الملائكة قد يسمون جنًا لاجتنانهم - أي اختفائهم، ومنه قول الأعشى: وَسَخَّرَ من جِنِّ الملائكة تسعةً قيامًا لديه يعملون بلا أَجرِ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] أي الملائكة.
(٤) هذا هو الصحيح - أنه اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وهذا مذهب عامة المفسرين والنحويين كابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٥٤٤) والزجاج في معاني القرآن (١/ ١١٤) وأبي جعفر النحاس في إعراب القرآن (١/ ١٦٢) والسمين الحلبي في الدر المصون (١/ ٢٧٤) وغيرهم. وزعم أبو عبيدة فيما نقله عنه أبو جعفر النحاس (١/ ١٦٢) أنه عربي مشتق من أَبْلَسَ إلا أنه لم ينصرف لأنه لا نظير له أي أنه مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله والبعد عنها، ومنه قول الشاعر [ينسب للعجاج]: يا صاحِ هل تعرِفُ رسمًا مُكْرَسًا قال نَعَمْ أعرفه وأَبْلَسَا ووزنه عند هؤلاء إفْعِيل.
(٥) في (أ): (عظم) وهو خطأ.
[ ١ / ١٤٥ ]
على العصيان والطغيان والإنكار على ربه. وقيل: صار من الكافرين. وقيل: إنه لم يزل في رتبة الكافرين لمقت الله عينه.
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾ نداءٌ مفرد مبنيٌّ على الضم لمشابهته قبلُ وبعد ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: انزلها واتخذها مَسْكنًا وأقمْ بها، كقوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ (١)، ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) وحقيقة السُّكون: ما يضاد الحركة (٣). و﴿أَنْتَ﴾ للتأكيد، كقوله: اذهب أنتَ وأخوك، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٤) وإنما اقتضى هذا التوكيد عطف الظاهرِ المرفوع على الضمير المرفوع في الفعل، إذ ليس يجوز ذلك عند البصريين إلَّا بالتأكيد بضمير مرفوع منفصل، أو بنوع فاصل، كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٥) ولم يقل: وآباؤنا.
﴿وَزَوْجُكَ﴾ حواء، سُميت حواء (٦) لأنها خُلِقَتْ من شيء حي (٧). وسُمّيَت جنّةُ الثواب جنَّةً لأنها أُخفيتْ أو لأن الغالب فيها الجنان والأشجار، فدخلت الأقضية في الاسم تبعًا ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا من النِّعم التي [لا تقدير] (٨) فيه ﴿حَيْثُ﴾ اسمُ ظرف يُطلق على الزمان والمكان (٩)، وهاهنا للمكان، تقديره من حيثُ شئتما الأكلَ منه. وبُنيَ على الضم لتضمُّنِهِ معنى الجمع ولإبهامه وتعريته عن الاستفهام كـ: نحن بخلاف: أَيْنَ وَكَيْفَ. ﴿وَلَا
_________________
(١) سورة الإسراء: ١٠٤، والآية وردت في جميع النسخ بشكل خاطئ.
(٢) سورة الأعراف: ١٦١.
(٣) وسكن بمعنى أقام معروف في كلام العرب، ومنه قول كثير عزة: وإن كان لا سعدى أَطَالتْ سُكُونَهُ ولا أَهْلُ سُعْدَى آخِرَ الدَّهْرِ نَازِلُهْ [اللسان (سكن)].
(٤) سورة المؤمنون: ٢٨.
(٥) سورة الأنعام: ١٤٨.
(٦) (حواء) من (أ).
(٧) وقيل: سميت حواء لأن في شفتيها كانت حُوَّة: أي حُمْرَة [اللسان (حوا): ١٤/ ٢٠٧].
(٨) ما بين [] ليس في (ب).
(٩) وهي للمكان اتفاقًا كما قال ابن هشام (مغني اللبيب ١/ ١٥١) وقال الأخفش: وقد ترد للزمان.
[ ١ / ١٤٦ ]
تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وهي شجرة السنبلة عن ابن عباس وأبي مالك (١) وعطية (٢) ووهب وقتادة (٣). وشجرة العنب عن ابن مسعود والسُّدي وجَعْدة بن هبيرة (٤)، هاحدى الروايات عن ابن عباس (٥). وشجرة العلم عن الكلبي (٦)، يعني: علم الخير والشر (٧) ﴿فَتَكُونَا﴾ نصبٌ على جواب النهي بالفاء، ويجوز
_________________
(١) أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي الكوفي، وهو من مشايخ الثوري وأبي عوانة وحفص بن غياث وغيرهم من الأئمة الكبار. روى عن بعض الصحابة مثل أنس بن مالك وربعي بن حراش وابن أبي أوفى وغيرهم. [التاريخ الكبير (٤/ ٥٨)؛ الجرح والتعديل (٤/ ٨٦)؛ تهذيب التهذيب (٢/ ٨)؛ السير (٦/ ١٨٤)].
(٢) عطية بن سعد بن جنادة العوفي الكوفي، أبو الحسن، من مشاهير التابعين، ضعيف الحديث، كان شيعيًا مدلسًا. مات سنة إحدى عشرة ومائة. [سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٥)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ٢٠٠)؛ تقريب التهذيب (٣٩٣)].
(٣) أما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (١/ ٥٢٠)، وابن أبي حاتم (٣٧٧)، وعزاه في الدر (١/ ٥٢) لأبي الشيخ وابن عساكر، وأما عن أبي مالك فرواه ابن جرير (١/ ٢٢٩)، وعزاه في الدر (١/ ٥٣) لعبد بن حميد ووكيع وأبي الشيخ وأما عن عطية العوفي فابن أبي حاتم (١/ ٨٦) بدون سند، وأما عن وهب بن منبه فرواه ابن جرير (١/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم (١/ ٨٦) بدون سند، وأما عن قتادة فلم أجده.
(٤) جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، نزيل الكوفة. ولد على عهد النبي - ﷺ - واختلف في صحبته. وقال البخاري: له صحبة وأمه أم هانئ بنت أبي طالب. وقال الحافظ ابن حجر: له رؤية بلا منازع، فإن أباه قتل كافرًا يوم الفتح. وقال أبو داود: لم يسمع من النبي - ﷺ - شيئًا. [الإصابة (٢/ ٨٤)؛ التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٢٣٩)؛ تهذيب الكمال (٤/ ٥٦٣)؛ معجم الصحابة للبغوي (١/ ٤٨٩)].
(٥) أما عن ابن مسعود فأخرجه ابن جرير (١/ ٢٣١)؛ وأما عن السدي فذكره ابن أبي حاتم (١/ ٨٦) بدون سند، وأما عن جعدة بن هبيرة فرواه ابن جرير (١/ ٢٣١) وابن أبي حاتم (١/ ٨٦) بدون سند، وعزاه صاحب الدر (١/ ٥٣) لوكيع وابن سعد وأبي الشيخ. وأما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (١/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم (٣٧٦) وعزاه صاحب الدر (١/ ٥٣) لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٦) لم أجده عن الكلبي لكن ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٦٦) وعزاه لابن عباس.
(٧) والتحقيق في هذه المسألة - أي تعيين نوع الشجرة التي نهي آدم عن الأكل منها - هو ما رجحه الإمامُ الطبري في تفسيره (١/ ٢٣٣) حيث قال: الصواب في ذلك أن يقال: =
[ ١ / ١٤٧ ]
أن يكون جزمًا على العطف (١) على قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وإنما اقتضى النهي جوابًا مع استعماله نفسه، وكذلك الأمر لوجوب الجزاء عند ارتكاب النهي والائتمار بالأمر فصار أمرُ (٢) هذا الوجه كالشرط وإنما لم يقل: ظَالِمَيْن لوفق رؤوس الآي. والظُّلم: العدول عن الصواب.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أوقعهما في الزلل وحملهما عليه. وقُرئَ ﴿فأزالهما الشيطان﴾ (٣)، أي: نَحَّاهما. و﴿الشَّيْطَانُ﴾ هنا هو إبليس لعنه الله ﴿عَنْهَا﴾ عن الوصية على القراءة الأولى، وعن الجنة على القراءة الأخرى (٤) ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ خَلّى المكان عنهما، ولم يكن إبليسُ قادرًا على الإخراج، ولكن لَمَّا حصل خروجهما بسبب وسوستِهِ أسْند إليه، كما يقال: نفع الدواء وقتل السُّم. ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم ﴿وَقُلْنَا﴾ واو العطف ﴿اهْبِطُوا﴾ انزلوا. والهبوط ضد الصعود ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ خطاب لآدم وحواء والحية وإبليس وطاووس (٥)،
_________________
(١) = إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجتهُ عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، ولا علم عندنا أيّ شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة، فأنى يأتي ذلك من أتى؟! وجائز أن تكون واحدة منها - أي مما ذكره المفسرون تعيينًا لها - وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به. اهـ
(٢) ظاهر كلام المؤلف أن الفاء هي التي نصبته والأظهر أن الناصب له هو أَنْ مضمرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب النهي. وما ذهب إليه المؤلف هو مذهب الجرمي -أي أن الناصب لها هو الفاء-، والثاني- النصب بأن مضمرة - هو مذهب البصريين. وذهب بعض النحويين إلى الجزم - جزم تكونا - عطفًا على "تقربا" ومنه قول الشاعر [قيل لعمرو بن عمار الطائي وقيل لامرئ القيس]: فقلت له: صَوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ فَيُدْرِكَ مِنْ أُخرى القطاةِ فَتَزْلَقِ [تفسير حدائق الروح للهرري ١/ ٣١٧ - الدر المصون ١/ ٢٨٦ - إعراب القرآن للدرويش ١/ ٩١ - تفسير الطبري ١/ ٥٢٢ - الكتاب ١/ ٣٦٤].
(٣) في (ي) (ب): (الأمن) وهو خطأ.
(٤) هي قراءة حمزة كما في النشر لابن الجزري (٢/ ٢١١).
(٥) في (أ): (الأولى) وهو خطأ.
(٦) صح عن ابن عباس - ﵄ - فيما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال: آدم وحواء وإبليس والحية. ورجح الزمخشري بأن الخطاب لآدم وحواء وجمع =
[ ١ / ١٤٨ ]
لأن حية دخلت بإبليس في الجنّة، وهي كانت تخدم آدم وحواء في الجنة ولها قوائمُ وصورة حسنةٌ. ورُوي أنّ إبليس طلب الوصول إلى آدم من خُزَّان الجنة فَأَبوا عليه إلا الطاووس فإنه دلّه إلى الحية، فأتاها وطلب منها الدخول فمكّنتْهُ حتى اختفى (١) في لحييها فدخلت به إليهما، ولم يشعر به سائر الخزنة فمسخ الله الحيّة وسلب قوائمها وجعل أكلَهَا التراب وأخرجها والطاووس من الجنّة وقال للجميع: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. وقيل: خطابٌ لآدم وحواء ومَنْ في صلبه، كقولك لإنسان: كأني بك وقد تزوجت ووُلِدَ أولادٌ وكَثُرتُم، إذن فيدخل أولاده في الخطاب ولم يكونوا بعد.
ثمّ إنّ أكلَ آدم إنما كان طمعًا في القرب من الله تعالى كالبقاء في جواره أو القدرة على عبادة الله كملائكة الله. وكان ذلك عند غلبة الحرص وزوال التمالك، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٢). فإن قيل: هل يجوزُ أن يعتقد نبيٌّ بأن (٣) الله تعالى نهاه عما فيه صلاحُهُ؟ قلنا: يجوز بأن يعتقد بأن الله نهاه عما فيه صلاحٌ من وجه وفسادٌ من وجه آخر، كقتل موسى القبطيَّ حيث صار سببًا لملاقاته شعيبًا ومفارقته فرعون، وكشُرْبِ أبي طيبة الحجّام (٤) دم (٥) النبي - ﷺ - صار سببًا لحرمة جسمه (٦) على
_________________
(١) = الضمير لأنهما أصلا الجنس، فكأنهما الجنس كله، ويدل له قوله تعالى في سورة طه: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] وهو اختيار الفراء، وأما الطاووس الذي ذكره المؤلف فلم أجد له أصلًا والله أعلم. [تفسير القرطبي ١/ ٢١٨ - تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٨٩ - روح المعاني ١/ ٢٣٦].
(٢) في (أ): (اختبأ).
(٣) سورة طه: ١١٥.
(٤) (بأن) ليست في (ب).
(٥) أبو طَيْبة الحجام الأنصاري مولى بني حارثة، قيل اسمه دينار، وقيل: نافع، وقيل: ميسرة، ورد في الصحيحين من حديث أنس وجابر - ﵄ - أنه كان يحجم النبي -ﷺ-. [البخاري (٤/ ٤٥٨)؛ مسلم (٤/ ١٧٣٠)؛ الاستغناء لابن عبد البر (١/ ١٩٨)؛ أسد الغابة (٦/ ١٨٣)].
(٦) في (أ): (دون) بدل (دم) وهو خطأ.
(٧) (جسمه) ليست في (ن).
[ ١ / ١٤٩ ]
النار (١)، والله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) فكذلك ظَنَّ آدمُ﵇ - نوعَ صلاح في المنهي عنه بغرور إبليس عليه اللعنة من غير أن ظن المحال بالله (٣). ﴿عَدُوٌّ﴾ مُبْغِضٌ (٤) ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع قرار واستقرار. ﴿وَمَتَاعٌ﴾ منفعةٌ وهو: اسم لما يتمتع وينتفع به من حياة أو ملبوسٍ أو مطعومٍ أو مشروبٍ أو غير ذلك. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ منتهى الآجال وقيام الساعة، وإنما ذكر ذلك لينبههم بالتوقيت على زوال الدنيا فلا يركنوا إليها.
﴿فَتَلَقَّى﴾ تلقى وأخذ وأصاب، وفي اللغة قريبٌ من الاستقبال (٥)، نهى - ﵇ - عن تلقي الرُّكبان (٦)، أي: عن استقبالهم. واختلفوا في الكلمات:
_________________
(١) لم أجد رواية صريحة بأنه شرب دم النبي - ﷺ -. ولكني وجدت عند ابن حبان في المجروحين (٣/ ٥٩) رواية عن غلام من قريش حجم النبي وشرب دمه وذكر ذلك للنبي فقال له - ﷺ -: "أحرزت نفسك من النار" وهذا حديث موضوع كذا حكم عليه ابن حجر في "تلخيص الحبير" (١/ ٤٢ - ٤٣). وهناك رواية أخرى عن عبد الله بن الزبير - ﵄ - أنه فعل ذلك فقال له النبي: "لا تمسك النار" رواه الدارقطني في السنن (١/ ٢٢٨) وعزاها ابن حجر للطبراني وفيها ضعف بسبب علي بن مجاهد، انظر تلخيص الحبير (١/ ٤٢ - ٤٣) ووجدت رواية عند أبي نعيم (١/ ٣٣٠) عن عبد الله بن الزبير - ﵄ - فعل ذلك وهي ضعيفة كذلك.
(٢) سورة البقرة: ٢١٩.
(٣) في (أ): (من غير ظن أن المحال).
(٤) الأصل أن كلمة "عدو" خلاف الصديق - أي اهبطوا حال كونكم متعادين، يبغي بعضكم على بعض بتضليله فهي حال من فاعل اهبطوا استغني عن الواو بالضمير. وأُفْرِدَ لفظ "عدو" وإن كان المراد به جمعًا لوجهين: الأول: قيل إما باعتبار لفظ "بعض" فإنه مفرد. الثاني: أن "عدو" أشبه بالمصادر في الوزن كقبول ونحوه. وقد صرح أبو البقاء بأن بعضهم جعل عدوًا مصدرًا. [الإملاء ١/ ١٩٣ - الدر المصون ١/ ٢٩٠ - حدائق الروح والريحان للهرري ١/ ٣٢٢].
(٥) ما ذكره المؤلف في معنى كلمة "تلقى" من باب اختلاف التنوع في التفسير وهذا يتكرر في مواضع عدة من هذا الكتاب. وقال إمام المفسرين الطبري: أصل التلقي من اللقاء كما يتلقى الرجل الرجل يستقبله، فمعنى "تلقى" كأنه استقبله فتلقاه بالقبول، حين أوحى إليه، أو أخبره به. اهـ [تفسير الطبري ١/ ٢٤٢].
(٦) البخاري (٢١٤٩)، ومسلم (٣/ ١٥١٥ - ١٥٢١) من حديث أبي هريرة وابن عباس - ﵃.
[ ١ / ١٥٠ ]
فعن ابن عباس والسُّدي وأبي العالية (١) وقتادة: [أَن آدَمَ] (٢) قال: يا رب، أَلَم تخلقني بيدك؟ قال الله تعالى: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: ألم تُسْكني جنتك؟ قال: بلى، قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تُبْتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى، وهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٣).
وعن عُبيد بن عمير (٤) [أن آدم قال] (٥): يا رب خطيئتي التي أخطأتها أشيءٌ كتبته عليّ قبل أن تخلقني أم شيء ابتدعُتُه من قِبَلِ نفسي؟ فقال الله - ﷿ -: بل شيء كتبتُهُ عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفر لي (٦).
_________________
(١) رفيع بن مهران، أبو العالية، الإمام الحافظ المفسِّر، كان مولى لامرأة من بني رياح بن يربوع، أدرك زمان النبي - ﷺ - وهو شاب. وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ودخل عليه وسمع من كثير من الصحابة وحفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب، وتصدَّر للعلم وكثر قاصدوه. توفي سنة ثلاث وتسعين. [طبقات ابن سعد (٧/ ١١٢)؛ تاريخ الإسلام (٣/ ٣١٩)؛ العبر (١/ ١٠٨)؛ شذرات الذهب (١/ ١٠٢)؛ السير (٤/ ٢٠٧)].
(٢) ما بين [] ليس في (أ).
(٣) أما عن ابن عباس - ﵄ - فرواه أبن أبي حاتم (١/ ٤٠٧)، وابن جرير (١/ ٥٤٢)، وعزاه في الدر (١/ ٥٨) للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في "التوبة" وابن المنذر وابن مردويه وفي سنده ضعف وانقطاع، ورواه الحاكم (٢/ ٥٤٥) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن كما قال ابن كثير.
(٤) هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، قاص أهل مكة في زمانه، من كبار التابعين، وكان بليغًا فصيحًا، كان ابن عمر يجلس إليه ويقول: لله درُّ أبي قتادة ماذا يأتي به، ويروى عن مجاهد أنه قال: نفخر على التابعين بأربعة فذكره منهم، ومن أقواله الجميلة المأئورة: إنْ أعْظَمَكُم هذا الليل أن تُكابدوه، وبخلتم بالمال أن تنفقوه، جبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله - ﷿ -. توفي في سنة أربع وسبعين، وقيل أنه توفي قبل ابن عمر بأيام يسيرة. [سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٢٢)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ٦٥)؛ صفوة الصفوة (٢/ ٢٠٧)؛ الإصابة (٥/ ٦٠)].
(٥) سقطت من الأصل وأثبتت من: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦).
(٦) ابن أبي حاتم (١/ ٤٠٩)، وعزاه في الدر (١/ ٥٩) لوكيع وعبد بن حميد وأبي الشيخ في العظمة، ولم يعزه لابن أبي حاتم.
[ ١ / ١٥١ ]
وعن الحسن وقتادة وابن زيد أنها قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية (١).
وعن مجاهد: هي قوله: "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رَبِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فإنك أنت خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فارحمني فإنك أنت خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمتُ نفسي فَتُبْ عليَّ إنك أنت التَّواب الرحيم" (٢).
قيل: هي قوله حين عطس فَحَمِدَ: يرحمك ربّك. وقيل: هي قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ الآية. وقيل: إنها قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ الآية.
وقيل: إنها قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وقيل: إنها جميع ما ذكرنا.
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قَبِلَ توبته، والتَّواب: العود والرجوع، وإنما لم يقل "عليهما" لأَنَّ آدمَ (٣) استغفرَ لنفسه ولحواء فإذا ثبت استجابة دعوته ثبت غفران حواء. و﴿التَّوَّابُ﴾ كثير المراجعة إلى قبول توبة التائبين (٤). ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ كرر الهبوط لأن الأول كان مِنَ الجنة إلى السماء فيما يروى،
_________________
(١) أما عن الحسن فذكره ابن أبي حاتم بدون سند (١/ ٩١)، وعزاه في الدر (١/ ٥٩) لعبد بن حميد، وأما عن قتادة فرواه عبد الرزّاق في تفسيره (١/ ٦٧)، وابن أبي حاتم بدون سند (١/ ٩١)، وعزاه في الدر (١/ ٥٩) لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب، ولم أجده عن ابن زيد بهذا اللفظ وإنما بلفظ آخر.
(٢) الطبري (١/ ٥٤٢)، ابن أبي حاتم (٤١١)، وعزاه في الدر (١/ ٥٩)، لعبد بن حميد عن عبد الله بن زيد.
(٣) في (أ): (لآدم).
(٤) قال الطاهر بن عاشور في تفسيره: المبالغة في التواب أي أنه الكثير القبول لتوبة التائبين فهو مثال مبالغة من تاب المتعدي وهو تذييل لقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ المؤذن بتقدم تاب آدم فتاب الله عليه على جعل التواب بمعنى الملهم لعباده التوبة وهو كناية عن قبول التائبين. اهـ [التحرير والتنوير ١/ ٤٣٩].
[ ١ / ١٥٢ ]
والثاني من السماء للأرض (١)، وقيل: لتبين الحال التي يقع عليها الهبوط، هذا الهبوط على أنّ من ﴿تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. والهبوط الأول على عداوة بعضهم لبعض، فلما كان لهم حالتان عند الهبوط، ذكر الهبوط مرتين، كقولك: اذْهَبْ إلى فلان سريعًا وقُلْ له كذا وكذا، اذهب مخفيًا. وقيل: للتوكيد. وقيل: لأنه خطابٌ خاصٌّ يعقبه قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ وهو خطاب لهما، والمراد: ذريتهما.
ودخولُ النون في الشرط للتأكيد ولمراعاة اللفظ لأن حرف "ما" يُشْبه حروف القسم لأنّ لَهُ حظًا في القسم بدليل: أنّه يُجابُ به عن القسم فَيُقال: والله ما قام زيدٌ. وقيل: الجزاء إذا جاء في الفعل معهما النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها "ما" للتأكيد. وفتحت الياء لالتقاء الساكنين عند سيبويه وعند غيره كاسمين رُكّبا مثل: خمسة عشر (٢). ﴿مِنِّي هُدًى﴾ كتابٌ ورسولٌ. وقيل: وحيٌ وشريعة.
_________________
(١) ذكر ذلك البغوي (١/ ٥١) والقرطبي (١/ ٣٢٧) وابن الجوزي (١/ ٧٠) وعلق الخازن في تفسيره (١/ ٥١) على الهبوط الثاني وضعَّفه فقال: وفيه ضعف لأنه قال في الهبوط الأول ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ فدل على أنه كان من الجنة إلى الأرض، والأصح أنه للتأكيد. اهـ.
(٢) "إمّا" أصلها: إن الشرطية زيدَتْ عليها "ما" تأكيدًا، والفعل بعدها ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ مبني على الفتح - على القول الراجح - لأنها باشرت الأداة وبني على الفتح طلبًا للخفَّة. وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد "إن" الشرطية المؤكدة بـ "ما" يجب تأكيده بالنون، ولذلك لم يأت التنزيل إلا عليه، وذهب سيبويه إلى أنه جائز لا واجب لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكد، فكثرةُ مجيئه غير مؤكد يدل على عدم الوجوب، ومن ذلك قول الشنفرى: فَإِمَّا تَرَيْنِي كابنةِ الرَّمْلِ ضاحيًا على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أَتَنَعَّلُ وقول سلمى بن ربيعة أو علباء بن أرقم: زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خُلَّتِي وذهب المهدوي وتبعه ابن عطية إلى أن "ما" هي إنْ التي للشرط زيدت عليها "ما" ليصِحَّ دخول النون للتوكيد في الفعل، ولو سقطت "ما" لم تدخل النون، و"ما" تؤكد أول الكلام، والنون تؤكد آخره. اهـ. [معاني القرآن للزجاج ١/ ٨٦ - الكتاب ٢/ ١٥٢ - الأصمعيات ص ١٦١ - أمالي الشجري ٢/ ٦٩ - تفسير ابن عطية ١/ ٢٤٧].
[ ١ / ١٥٣ ]
قال القُتَبي (١): في التوراة أنزل الله على آدم ﵇ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة، هو أوّل كتاب كان في الدنيا حذا الله عليه الألسنة كلها ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ شرطٌ ثاني جوابه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾ فصارت الجملة جزاء للشرط الأول. وتَبع وأَتْبَع بمعنى ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلهم من العذاب. وقيل: إذا ذُبح الموت.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بالدوام على ما خَلَّفُوا من أهوال الدُّنيا، وقيلَ: إذا طُبقت النار، ويقال: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أن يحشروا (٢) يوم القيامة في طاعة الله. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يوم تكون وجوهُهُم مُسْتقرةً ضَاحكةً مُسْتَبشرة. والحزنُ نقيضُ السُّرور. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ جمع بين الكفر والتكذيب للتأكيد ﴿بِآيَاتِنَا﴾ بمحمد والقرآن. ثم ذكر منَّتهُ علي بني إسرائيل.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يا أولاد يعقوب (٣)، يعني بني قريظة والنضير (٤) وسُمّي
_________________
(١) العلاَّمة الكبير صاحب الفنون أبو محمَّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، صاحب التصانيف المشهورة والكتب المعروفة، منها: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وأدب الكتاب، وعيون الأخبار، وغير ذلك. سكن بغداد وروى فيها كتبه إلى حين وفاته، مات في شهر رجب سنة ست وسبعين ومائتين، قال الخطيب: كان ثقة دينًا فاضلًا. [تاريخ بغداد) (١٠/ ١٧٠)؛ سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)؛ ميزان الاعتدال (٤/ ١٩٨)].
(٢) في (ن): (يخشوا).
(٣) هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، قال ابن الجوزي: وليس في الأنبياء من له اسمان غير نبي الله يعقوب والذي يسمى إسرائيل إلا نبينا محمَّد - ﷺ - فله أسماء كثيرة. لكن الخليل بن أحمد الفراهيدي ذكر خمسة من الأنبياء ذوي اسمين وهم: محمَّد وأحمد نبينا ﵇، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذا النون، وإلياس وذا الكفل، صلى الله عليهم جميعًا وسلم. وإسرائيل اسم أعجمي ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة وفيه سبع لغات. قال ابن عباس: "إسرا" بالعبرانية هو عبد و"إيل" هو الله. وكون السورة مدنية فإن الخطاب موجه ليهود المدينة وهم بنو قريظة وبنو النضير، فالله - ﷿ - يذكرهم بنعمته على أسلافهم من بني إسرائيل في عهد فرعون فذكر مجموعة من هذه النِّعَم. [القرطبي ١/ ٢٢٦ - حدائق الروح والريحان للهرري ١/ ٣٤٩].
(٤) في (ن): ليست فيها (النضير).
[ ١ / ١٥٤ ]
إسرائيل لأنه كان أساسًا للأسباط (١)، ومَنْ بعدهم إلى عيسى ﵇ و"أسرا" بالعبرانية هو الأساس و"إيل" اسم الله. وكذلك إيلوهيم، يعنون أساسُ الله تعالى تشريفًا له وتعظيمًا، كبيت الله وناقة الله. ثم لم يكن في لغة العرب ضمةٌ مشبعةٌ معجمة فَنَحوْا فيها نحو الألف، كما قالوا مكان (٢): أشمويل، إسماعيل. ﴿اذْكُرُوا﴾: اشكروا واحفظوا، أي كونوا ذاكرين شاكرين ولا تتركوا طاعتي. والذِّكر: ما يضاد النسيان وقد يكون ضد السكوت. وظاهر (٣) الأمر يقتضي الوجوب لجواز انتفاء لفظ الأمر عن غير الواجب لفظ افعل. وإن احتمل عشر معانٍ من الإيجاب، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤). والإرشاد، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥). والإباحة، كقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). والإعجاز، كقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٧). والتهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٨). والسؤال، كقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ (٩). والندب، كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (١٠). والحث على الاعتبار، كقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١). والإكرام، كقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (١٢). والامتنان، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (١٣). والظاهرُ من الجميع
_________________
(١) نبي الله يعقوب ﵇ له اثنا عشر ابنًا وهم المشهورون بالأسباط لأنهم أسباط إسحاق بن إبراهيم ﵈ وإلى هؤلاء الأسباط يرجع نسب جميع بني إسرائيل. [التحرير والتنوير ١/ ٤٥١].
(٢) (مكان) من (ي).
(٣) (ظاهر) ليست في (أ).
(٤) سورة البقرة: ٤٣.
(٥) سورة البقرة: ٢٨٢.
(٦) سورة الجمعة: ١٠.
(٧) سورة البقرة: ٢٣.
(٨) سورة فصلت: ٤٠.
(٩) سورة البقرة: ٢٨٦.
(١٠) سورة النور: ٣٣.
(١١) سورة الزخرف: ٢٥.
(١٢) سورة النحل: ٣٢.
(١٣) سورة تبارك: ١٥.
[ ١ / ١٥٥ ]
الإيجاب، إنما يُحمل على غيره بدليل، ثم (١) هذا اللفظ يكون أمرًا لمن هو دونه في الرُّتبة لصيغته، لا يشترط إرادة الأمر، لأنّ الله تعالى أمر بذبح ابن إبراهيم ولم يُرِدْهُ، ولأنّ الإرادة انفصلت عن الأمر، يقال: أُريدُ أن تقصدَ بفعلك كذا، ولكن لا آمرك به، فيُفيدُ الإيجاب دون كونه مرادًا لعدم الإرادة في النهي (٢). ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ منّتي التي مننتُ على آبائكم بالكتاب والرسول والمنّ والسّلوى والنجاة من فرعونَ والغرق، ورزقتهم (٣) مِنَ الطيبات وفضلتُهُم على عالمي زمانهم ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أتموا عهدي الذي أخذتُ عليكم في هذا النبي الأُميّ. وقيل: قرائضي التي فرضْتُ عليكم. الإيفاء والوفاء بمعنى. والعهد: الوصية ﴿أَوْفِ﴾ (٤) مجزوم لأنه جواب الأمر ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فخافون في نقض العهد. وقيل: فاخشَوْا مِنْ عذابي في كتمان نعتِ محمَّدٍ - ﵇ - وصفته. وسقطت الياء لتساوي الفواصل.
﴿بِمَآ أَنْزَلْتُ﴾ بالكتاب الذي أنزلتُ جبريل به ﴿مُصَدِّقًا﴾ موافقًا بالتوحيد وصفةِ محمَّدٍ - ﵇ - وببعض الشرائع ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة (٥). ومعكم: ظرف يقتضي المقارنة في الغالب وهو صفةٌ لـ "ما" ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ معشر قريظة والنضير أولَ حزب أو قبيلة أو فريق ﴿كَافِرٍ بِهِ﴾ بمحمَّد والقرآن. وقال الفراء (٦): تقديره: أولَ مَنْ كفر به. وعن أبي
_________________
(١) (ثم) ليست في (ن).
(٢) يمكننا أن نقسم الإرادة إلى قسمين: القسم الأول: الإرادة الكونية، وهذه تقع وجوبًا فيما أوجبه الله قدرًا أن يقع وتكون فيما يحبه الله وما لا يحبه الله. القسم الثاني: الإرادة الشرعية. وهذه لا يلزم منها تحقق وقوع المراد فقد يقع وقد لا يقع، وهذه لا تكون إلا فيما يحبه الله لأن الله لا يشرع لعباده إلا ما كان فيه مصلحتهم ونفعهم. وأما قول المؤلف: إن الإرادة انفصلت عن الأمر فهذا لا يوافق عليه - والله أعلم - لأن الله لا يأمر عباده بشيء إلا مريدًا له حتى ذبح إسماعيل - ﵇ - فإن الله مريد لذلك لمصلحة هو أعلم بها ﷾ مع أن المأمور به قد لا يكون مشروعًا بحد ذاته لكنه يكون مشروعًا إذا صدر من المشرع نفسه وهو الله - ﷿ -.
(٣) في (أ): (ورزقناهم).
(٤) (أوف) ليست في (ب).
(٥) في (ن): (التوبة).
(٦) معاني القرآن (١/ ٣٢) وهو قول الأخفش ذكره القرطبي في تفسيره (١/ ٢٢٨).
[ ١ / ١٥٦ ]
حاتم (١): إنه اقتصر بالتأكيد الذي في لفظه أول عن تثنية اللفظ وجمعها، كقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (٢).
فإن قيل: كيف نهاهم عن أن يكونوا أول كافر به وقد كفرت به قريش من قبلُ (٣)؟ قلنا: المراد به أولَ من كفر من بعدهم متابعًا لهم، كقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، ويحتمل عند حادثة بعينها. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ تختاروا (٥). ﴿بِآيَاتِي﴾ بكتمانِ نعتِ محمَّدٍ وصفته ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عَرَضًا يسيرًا مِنَ المأكل والهدايا من أهل اليسار، وقيل: حبّ الرئاسة لأنهم كانوا متبوعين، ولو آمنوا لصاروا أتباعًا. والآيات: علاماتُ خروج نبينا - ﵇ - في التوراة. والثمن: اسمٌ للبدل في البيع. والقليل ضدّ الكثير.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ ولا تَخلُطُوا، كقوله: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ (٦)، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (٧)﴾ (٨)، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (٩). ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الصدق بالكذب وهو صفة النبي - ﵇ - بصفة الرجال. ويُحرفون التوراة عن
_________________
(١) هو سهل بن محمَّد السجستاني عالم باللغة والقراءات مات سنة ٢٤٨هـ.
(٢) سورة آل عمران: ٩٦.
(٣) أجاب القرطبي عن هذا الإشكال أن المراد بـ ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ من أهل الكتاب، وقريش ليسوا من أهل الكتاب. [القرطبي ١/ ٢٢٨].
(٤) سورة الأنعام: ١٦٣.
(٥) صحّ عن أبي العالية فيما رواه الطبري في تفسيره (١/ ٢٥٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم علِّم مجانًا كما علِّمت مجانًا. اهـ وقيل: معناه لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيس وعرض من الدنيا قليل، وبيعهم إياه: تركهم إبانة ما في كتابهم من أمر محمَّدٍ ﵊ للناس. ومعنى "لا تشتروا" لا تبيعوا لأن مشتري الثمن القليل بآيات الله بائع الآيات بالثمن، فكل واحد من الثمن والمثمن مبيع لصاحبه، وصاحبه به مشترٍ.
(٦) سورة آل عمران: ٧١.
(٧) (بظلم) ليست في (ب) (ي).
(٨) سورة الأنعام: ٨٢.
(٩) سورة الأنعام: ٦٥.
[ ١ / ١٥٧ ]
مواضعه. وإنما سُمي الصدقُ حقًّا والكذبُ باطلًا؛ لأن معنى الصدق: ما تحقق كونُهُ، ومعنى الكذب: ما عُدِمَ كونُهُ. وتحقيق الشيء: إثباته. وإبطالُهُ: نفيه. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ معطوف على النهي مجزوم. وإن شئتَ جعلتَهُ منصوبًا على الصّرْف (١). والكتمان: الإخفاء ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تحريفه وكتمانه. وقيل: تعلمون الذي بَشَّر به موسى وعيسى والنبيون من قبل. قال قتادةُ: تعلمون أن الإِسلامَ دينُ الله (٢). ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوها إذا وجبت عليكم. والزكاة في اللغة: نُمو الخير زكا الزرعُ، إذا نما. وفي الشرع: عبارة عن جزءٍ معهود من النِّصابِ يُعتبرُ به الحلول. وإنما سمي زكاةً لأن الله تعالى يكثر وينمي ثوابَ مؤديها. وقيل: لوقوع التزكية بها (٣). قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤). ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلُّوا الصلوات الخمس مع محمَّدٍ وأصحابه في الجماعات. والركوع في اللغة: الانحناء (٥). وفي الشرع: انحناء معهودٍ في الصلاة.
_________________
(١) الأظهر بالنسبة للنصب أنه منصوب بإضْمَار "أَنْ" في جواب النهي بعد الواو التي تقتضي المعية، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمانه، ومنه قول الشاعر [ينسب للأخطل النصراني وقيل للمتوكل الكناني وقيل لأبي الأسود الدؤلي]: لاتَنْهَ عَنْ خلقٍ وتأتيَ مثله عارٌ عليك - إذا فَعَلْتَ - عظيمُ و"أنْ" المضمرة هذه في تأويل مصدر معطوفه على الاسم الذي قبلها، والتقدير: لا يكنْ منكم لَبْسُ الحقِّ بالباطلِ وكتمانه. وما ذهب إليه المؤلف بقوله: منصوبة على الصرف هو قول الكوفيين.
(٢) ابن أبي حاتم (٤٦٠)، وعزاه صاحب الدر (١/ ٦٥) لعبد بن حميد ولم يعزه لابن أبي حاتم.
(٣) في (أ): (قبله).
(٤) سورة التوبة:١٠٣.
(٥) ومنه قول لبيد بن ربيعة: أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرونِ التي مَضَت أَدِبُّ كَأنِّي كُلَّما قمتُ راكعُ وقال ابن دريد: الركعة الهُوَّة في الأرض، لغة يمانية. وقيل: إنما خص الركوع بالذكر لأنَّ بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع، وقيل: لأنه كان - أي الركوع - أثقل على القوم في الجاهلية حتى قيل إن عمران بن حصين عندما جاء ليسلم أمام النبي - ﷺ - اشترط على ألَّا يخرَّ إلاَّ قائمًا. فلمّا تمكّن الإسلام من قلبه امتثل ما أمر به من الركوع. [القرطبي ١/ ٢٣٤].
[ ١ / ١٥٨ ]
وفي الآية دليلٌ أنَ الكفار مخاطبون بالشرائع بشرط تقديم الإيمان (١). وإليه ذهب كثيرٌ من أصحابنا. فإن قيل: لو كانوا مخاطبين لما سقط القضاءُ عنهم كالمسلمين. قلنا: القضاء فرضٌ مبتدأ لا يتبع المقتضي كفوت الجمعة، وفوت صلاة الحائض لا إلى قضاء. ومَنْ قال: الكفارُ غير مخاطبين بالشرائع، قال: نزلت الآيةُ في شأن المؤمنين من بني إسرائيل. ويجوز أن يقول للمؤمنين: آمِنوا.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ السفلة (٢). ﴿بِالْبِرِّ﴾ بالتوحيد واتباع محمَّد ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) تتركون فلا تتبعونه ﴿تَتْلُونَ﴾ تقرأون ﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة والإنجيل ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون أنّه حقٌّ فتؤمنوا به. والبرّ: ضد الفجور. والنسيان
_________________
(١) الكفار مخاطبون بالشرائع، فما كان قبل بعثة نبينا محمَّد - ﷺ - يكون الخطاب لكل أمة بمن يرسل إليهم من الرسل، حتى إذا ما ختم الأنبياء والرسل بنبينا محمَّد - ﷺ - فكانت بعثته ﵊ إلى الناس عامة فكان الخطاب موجهًا إلى كافة الإنس والجن بدون استثناء. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .﴾ [الأعراف: ١٥٨] أما ما ذكره المؤلف من شرط تقديم الإيمان عند توجيه الخطاب لا يوافق عليه - والله أعلم - فالخطاب موجّه حتى للمنكرين الأنبياء ودعوتهم فلا يشترط أن يكونوا مؤمنين بالأنبياء حتى يوجّه الخطاب لهم فالله - ﷿ - وجّه الخطاب لكفار قريش وكثير منهم ينكر نبوّة محمَّد - ﷺ - وينكر دعوته وما جاء به.
(٢) الاستفهام هنا الذي بمعنى التوبيخ موجّه إلى أحبار اليهود بمعنى "تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة والعُهْدة من التوراة وتتركون أنفسكم" وهذا المعنى هو الذي صحّ عن ابن عباس - ﵄ - في توجيه هذه الآية فيما رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٧)، وعلى هذا التفسير يتوجّه أن يكون المراد بقوله ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ التوراة. ولا مانع من تعميم من اتصف بمثل هذه الصفة أن يوبخ بمثل هذا التوبيخ كمن يأمر الناس بالتمسك بدين الله وهو بعيد عن التحلّي بهذا الدين. قال أبو العتاهية: وصفتَ التُّقَى حتَّى كأنَّكَ ذو تُقى وريحُ الخطايا من ثيابِكَ تسطعُ وقال أبو الأسود الدُؤَلي: لا تَنْهَ عَنْ خلقٍ وتأتيَ مثله عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عظيمُ وابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها فَإِن انتهتْ عنه فأنتَ حكيمُ فهناكَ يُقْبَلُ إن وَعظتَ ويُقْتَدَى بالقولِ منكَ وينفعُ التعليمُ
(٣) (أنفسكم) ليست في (ب).
[ ١ / ١٥٩ ]
هاهنا: التَّرْكُ (١)، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢). والنفسُ: الذات، والتلاوةُ: القراءة، وسُمّي بذلك لأن القارئ يتلو الحروف المنتظمة في الكلام، أي: يَتْبعُهَا. والعقلُ، نوعُ فهم يقع به التمييز والاستدلالُ بالمشاهدة على ما لم يُشَاهَدُ، ومواضعُهُ: القلب ونظامُهُ بالدماغ، وبه تعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب إذا انضمت إليه القدرةُ.
﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ واسأَلُوا الله التوفيقَ والإعانة على أداء الفرائض ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على كفِّ المعاصي بأداء الفرائض وكثرة الصلوات على تمحيص الذنوب ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني الاستعانة وقيل: الصلاة (٣) (٤).
﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لثقيلةٌ، كقوله: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ (٥). وقال: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٦) ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ المتواضعين. الاستعانةُ: طلبُ العون ولا بدّ من مُسْتَعين ومُسْتعانٍ به ومُسْتَعان عليه. والصبر: الحبسُ عن المكاره أو عن الشهوات.
والكنايةُ قد يرجع إلى المذكورَيْن حقيقةً، كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (٧) ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ (٨)، وقد يرجع إلى
_________________
(١) النسيان بمعنى الترك منه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
(٢) سورة التوبة: ٦٧.
(٣) يرى شيخنا محمَّد بن صالح العثيمين - ﵀ - كما في تفسيره ١/ ٢٥٤ - أن الضمير في قوله "وإنها" يعود إلى الصلاة لأن القاعدة المعروفة عند النحويين أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور كما أن هناك وجهًا آخر وهو أن الصلاة إيجادٌ لشيء لم يكن موجودًا؛ لأنها عمل، والصبر إمساك، والإيجاد أفضل من الإمساك، ولهذا كان الإِسلام كله إيجادًا فاستحقت الصلاة أن يكون الضمير عائدًا إليها. اهـ.
(٤) في (ب): (الصلوات).
(٥) سورة يونس: ٧١.
(٦) سورة الشورى: ١٣.
(٧) سورة النساء: ١٣٥.
(٨) سورة النساء: ١.
[ ١ / ١٦٠ ]
أحدهما مجازًا، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (١). ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٣). والحقيقة: ما لا إشكال في وجهه ولم يُصرف عن ظاهره. والمجاز: ما تَوَسّع الناسُ فيه لفظًا واصطلحوا عليه واستجازوه إما ضرورةً كتسمية الرجل كلبًا وأسدًا، وإما اختيارًا للتخفيف والعادة، كقولهم: طَلَعَ الفجرُ وأظْلَم الليلُ ونبتَ الشجرُ. والإطناب، كقولنا في المصائب: انكسر الصلب، وفي العشق: تقطع القلب، وفي السرور: قُرّة العين. وللتفاؤل كتسميته الغلام: يُمنًا وسَعْدًا. وهو من البلاغة في الرسائل والخطب والقصائد، إذا عري عن التأكيد وعُرف منه مراد المريد.
ثمّ نعت الخاشعين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يعلمون وَيَسْتَيقِنون (٤)، كقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ (٥)﴾ (٦) و﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ (٧) ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في الآخرة للمُجازاة، وقيل: إلى حكمه عائدون، يعني حال التعري عن المكاسب والدعاوى والمعذرة وحالَ التسليم والاستسلام، والظنُّ من الأضداد، يطلقُ على معنى اليقين وحقيقة العلم، ويطلقُ على معنى الحُسْبَان وهو مجاوزة الشك قليلًا والميلُ إلى أحد النقيضين.
_________________
(١) سورة التوبة: ٦٢.
(٢) سورة التوبة: ٣٤.
(٣) سورة الجمعة: ١١.
(٤) الظنّ بمعنى اليقين معروف في كلام العرب ومنه قول دريد بن الصِّمَّة: فقلت لهم ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ سَراتُهُم في الفارسي المُسَرَّدِ وقول الشاعر: رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَه بِغَريم وغيوبٍ كشفتَها بِظُنونِ ومن أجرى الظنّ على بابه في آية البقرة والآيات التي ذكرها المؤلف بتقدير محذوف كما فعل المهدوي والماوردي. قال ابن عطية: إن هذا تَعُسُّف وإن جمهور المفسرين على أن الظنّ في هذه الآيات بمعنى اليقين. [القرطبي ١/ ٢٥٥ - تفسير ابن عطية ١/ ٢٧٨].
(٥) (الأرض) ليست في (ب).
(٦) سورة الجن: ١٢.
(٧) سورة الحاقة: ٢٠.
[ ١ / ١٦١ ]
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا﴾ للإطناب (١)، والتأكيد، ومِنَ البلاغة عند العرب العدولُ عن الإطناب إلى الإيجاز، وعن الإيجاز إلى الإطناب، وعن التجنيس (٢) إلى الإطباق (٣)، وعن الإطباق إلى التجنيس، وعن التصريح (٤)
_________________
(١) كونه للإطناب لأنه تقدم ذكره قبل سبع آيات من هذه الآيات عندما تكرر في الآية رقم (٤٠) ثم كررها في هذه الآية رقم (٤٧). والإطناب: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير تردد وعكسه الإيجاز فهو زيادة في المعنى على اللفظ. [معجم البلاغة العربية: د: بدوي طبانة ص ٣٨٨ - المعجم المفصل في علوم البلاغة -الدكتورة: إنعام فوَّال عكاري ص ١٥٩].
(٢) قال ابن المعتز في التجنيس: هو أن تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيث شعر أو كلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها كقول الشاعر [ينسب للخريمي]: يومٌ خَلَجَتْ على الخليجِ نفوسهم غضبًا وأنت لمثلها مستامُ الشاهد: قوله - خلجت وخليج. [معجم البلاغة العربية د: بدوي طبانة ص ١٣٩ - المعجم المفصل في علوم البلاغة: الدكتورة إنعام فَوَّال عكاري ص ٤٦٦].
(٣) الطباق أو الإطباق أو المطابقة أو التطبيق كلها بمعنى واحد وهو الجمع بين متضادين، أي معنيين متقابلين في الجملة، بأن يكون بينهما تقابل وتنافٍ ولو في بعض الصور، سواء كان التقابل حقيقيًا، كتقابل القِدَم والحدوث، أو اعتباريًا كتقابل الإحياء والإماتة، فإنهما لا يتقابلان إلّا في بعض الصور. ومثال الطباق قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]. وأمثلة ذلك في القرآن كثيرة جدًا. ومن الشعر قول أبي تمام: تَرَدَّى ثيابَ الموتِ حُمرًا فما أَتَى لها الليلُ إلَّا وهي من سُندُسٍ خُضْرِ [معجم البلاغة العربية ص ٣٦٧ - المعجم المفصل في علوم البلاغة ص ٥٩٦].
(٤) التصريح من صَرَّحَ وصارحَ: أي أبداه وأظهره، وسمّاه ابن قيّم الجوزية "التصريح بعد الإبهام هو التفسير" وسمّاه بعضهم "التبيين" كما اعتبره قدامة بن جعفر من أنواع المعاني وسماه "صحة التفسير" وَعرَّفَهُ فقال "أن يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منه ولا يزيد أو ينقص" ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] ومثله قول الفرزدق: لقد جئتَ قومًا لو لجأتَ إليهم طريدَ دَمٍ أو حاملًا ثقلَ مَغْرَمِ =
[ ١ / ١٦٢ ]
إلى التعريض (١)، وعن التعريض إلى التصريح. وتركُ لزوم الفن الواحد من
هذه الفنون، والله تعالى أنزل القرآن على نظم هو غاية الفصاحة عندهم
على ما تعارفوه واعتادوه بلسان عربيّ مبين.
ونظائرُ التكرار قوله في الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ (٢). وقوله في القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (٣) وقوله في المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ (٤)، وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ (٥). وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (٦). وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ (٧) (٨). وقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ (٩).
﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالكتاب والرسولِ على عالمي زمانكم. وقيل: فضلتكم بإنزال المنّ والسَّلوى وتتابُع الأنبياء وفرق البحر والمُلكِ العظيم. وقيل: تفضيلهم على سائر الحيوانات، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾
_________________
(١) = إلّا أن هذا البيت غير واضح المعنى، لذا فسرهُ الشاعر في البيت التالي فقال: لأَلْفَيْتَ مِنْهُم مُعْطِيًا ومُطَاعِنًا وَرَاءكَ شَذْرًا بالوشيجِ المُقَوَّم [المعجم المفصل في علوم البلاغة ص ٣٦٤].
(٢) التعريض: هو أن ينسب الفعل إلى واحد والمراد غيره ممن وقع منه الشرط فعلًا نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] والتعريض هو خلاف التصريح. وقول النبي - ﷺ -: "ولا تُضَحُّوا بالعرجاء" فإنه يدخل فيه مقطوع الرجلين، من جهة مفهومه. [معجم البلاغة العربية ص ٤١٩ - المعجم المفصل في علوم البلاغة ص ٣٨٣].
(٣) سورة الرحمن: ١٣.
(٤) سورة القمر: ١٧.
(٥) سورة المرسلات: ١٥.
(٦) سورة القيامة: ٣٤ - ٣٥.
(٧) سورة الشرح: ٥ - ٦.
(٨) ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ ليست في (ن).
(٩) سورة التكاثر: ٣ - ٤.
(١٠) سورة الكافرون: ٢.
[ ١ / ١٦٣ ]
وَنُوحًا﴾ (١) الآية، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢) الآية. وتخصيصهم هاهنا لأنهم هُمُ المخاطبون بهذا الخطاب. والتفضيلُ: هو التعبيرُ ذا فضيلة، والفضيلةُ هي: الخَصْلَةُ التي يترجحُ بها الشيءُ على غيره.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ عذابَ (٣) يومٍ أو حسابَ يوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ لا تنفعُ نفس كافرةٌ ولا نفسٌ مؤمنة لنفس كافرة، كقولهً: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ (٤) ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ (٥) وقال - ﵇ -: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٦). وإنما لم يقل: لا تجزي فيه نفسٌ، لأن اليومَ إذا أضيف إلى الفعل حُذِفَ منه (٧) "فيه" كقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ (٨) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ (٩)، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (١٠).
وهذا قول الأخفش (١١). وقيل: انتصاب الظرف يُشبَّه بالمفعول، كقوله: صُمْتُ يومًا ويومًا صُمْتُهُ، وقُمتُ ليلةً، وليلةً قمتها، فتقديره: واتقوا
_________________
(١) سورة آل عمران: ٨٧.
(٢) سورة الإسراء: ٧٠.
(٣) وهكذا قدره أبو السعود في تفسيره (١/ ١٢٠) وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٧٦) وانتصاب "يومًا" على أنه مفعول به لا على الظرفية ولذلك لم يقرأ بغير التنوين - قاله الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير ١/ ٤٨٤).
(٤) سورة مريم: ٨٧.
(٥) سورة طه: ١٠٩.
(٦) الحديث أخرجه أبو داود (٤٧٠٦)، والترمذي (٢٤٣٥)، وابن ماجه (٤٣١٠) وأحمد (١٣٢٢٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٥٢)، والآجري في الشريعة (ص ٣٣٨)، والحاكم (١/ ٦٩)، والبيهقي (١٠/ ١٩٠) عن أنس بن مالك مرفوعًا وإسناده صحيح.
(٧) (منه) ليست في (أ).
(٨) سورة الشعراء: ٨٨.
(٩) سورة الفرقان: ٢٧.
(١٠) سورة إبراهيم: ٤١.
(١١) إمام النحو، أبو الحسن، سعيد بن مسعدة البلخي ثم البصري، أخذ عن الخليل بن أحمد ولزم سيبويه حتى برع. له كتب كثيرة في النحو والعروض ومعاني القرآن؛ مات سنة نيف عثرة ومئتين. [السير: ١٠/ ٢٠٦].
[ ١ / ١٦٤ ]
يومًا لا تجزيه نفس، ثم أسقط الضمير كما أسقط عن صلة الموصول (١) كقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣). ﴿شَيْئًا﴾ نفعًا (٤)، مصدر. وقيل: قائم مقام اسم محذوف تقديره: جزى يجزي، أي: أسقط (٥) واجبًا أو دينًا أو حقًا، على لغة تميم أَجْزَأَ يجزئ عقابًا أو ملامًا أو وزْرًا (٦) ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ولا يشفع لها شافع ﴿وَلَا يُؤْخَذ﴾ لا يُقبل ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾ فِدَاءٌ (٧). لو جاء الكافر بعدل نفسه لا يقبل منه. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يُمنعون مما نزلى بهم من العذاب. والقَبُولُ: التمكين والارتضاء، والشفاعة: الاسْتيهاب والاسْتِعتاب. والشفيع الذي يصير شَفيعًا للمجرم في الاستعتاب، والأخذُ: القبض والعدل: الفداء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ (٨). والنصر: المنع، كقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ (٩). وقد يكون بمعنى الإعانة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١٠).
_________________
(١) ذكره الطبري في تفسيره (١/ ٢٦) وقال: التقدير: واتقوا يومًا لا تجزي فيه أو لا تجزيه - أي جائز على الوجهين - ومنه قول الراجز: قَدْ صَبَّحَتْ، صبحها السلامُ بِكَبِدٍ خَالَطَهَا سَنامُ في ساعةٍ يُحبُّها الطَّعَامُ وهو يعني: يحبُ فيها الطعام فحذفت الهاء الراجعة على اليوم. ولا دليل على من منع حذف الضمير. اهـ.
(٢) سورة البقرة: ٤١.
(٣) سورة الفرقان: ٤١.
(٤) وإليه ذهب الآلوسي في روح المعاني (١/ ٢٥١) أن "شيئًا" بمعنى نفعًا. وقال نصبت "شيئًا" إما على أنه مفعول به أو على أنه مفعول مطلق قائم مقام المصدر أي جزاءً ما.
(٥) في (أ) (ن): (يسقط).
(٦) في (ن)؟ (وزارًا)، وفي (ب): (زورًا).
(٧) وهو الذي صحّ عن ابن عباس - ﵄ - أن العدل بمعنى الفدية أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤) ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] بمعنى: وان تقدم كل فدية لا يؤخذ منها.
(٨) سورة الأنعام: ٧٠.
(٩) سورة هود: ٣٠.
(١٠) سورة آل عمران: ٥٢.
[ ١ / ١٦٥ ]
﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ خَلَّصْناكم من آلِ فِرْعَوْن من عبودية فرعون وآله، كقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢) وقال - ﵇ -: "إنا آل محمَّدٍ لا تَحلُّ لنا الصدقة" (٣). وقال: "اللهمَّ صَلِّ على آل أبي أوفى" (٤). وأصل الآل: الأهْل (٥)، فقُلبت الهاءُ همزةً، كما في هياك وهَراق ثم أبدل من الهمزة الساكنة ألفًا كآخر وآدم. وتصغير الآل: أُهَيْل إلا عند الكسائي (٦) (٧) فإن عنده أُوَيْل (٨). وآلُ الرجل مَنْ: يؤول إليه ويَؤُلون إليه ويعتمد عليه
_________________
(١) سورة النساء: ٥٤.
(٢) سورة غافر: ٤٦.
(٣) الحديث رواه مسلم (٢/ ٧٥٤).
(٤) الحديث رواه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (٢/ ٧٥٧).
(٥) أصل الآل: الأهل هو قول أبي جعفر النحاس فيما حكاه عنه القرطبي (١/ ٢٦١).
(٦) هو الإِمام أبو الحسن شيخ القراءة والعربية علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي الكوفي الملقب بالكسائي لكساء أحرم فيه، قال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في النحو فهو عيال على الكسائي، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عن حمزة الزيات، له عدة تصانيف منها: معاني القرآن، وكتاب في القراءات، وكتاب النوادر الكبير، ومختصر في النحو، وغير ذلك، وكانت وفاته وهو في صحبة الرشيد بالري سنة تسع وثمانين ومائة عن سبعين سنة. [سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣١)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ٢٧٥)؛ أبجد العلوم (٣/ ٣٩)؛ الفهرست (١/ ٤٤)].
(٧) معاني القرآن (٧٠).
(٨) أي: قلبت الهاء همزة، ثم أُبْدِلَت الهمزة ألفًا فجمعت على آلون ثم صُغِّرت على أُوَيْل هذا ما حكاه الكسائي. وأما إضافة "آل" إلى الضمير فمنعه النحاس والزبيدي والكسائي، والصواب - والله أعلم - جواز ذلك وهو ما رجحه القرطبي وابن السيد وغيرهما لأن السماع الصحيح يَعْضُدُه، ومنه قول عبد المطلب: لاهُمّ إن العبد يم نع رَحْلَه فامنع حِلالكْ وانصر على آل الصليـ ب وعابديه اليومَ آلكْ وقال ندبة: أنا الفارسُ الحامي حقيقة والدي وآلي كما تَحْمِي حقيقةَ آلِكَا
[ ١ / ١٦٦ ]
ويعتمدون عليه من الذرية والعشيرة والأتباع (١). وفرعون: اسم (٢) لأي ملك من ملوك العمالقة (٣)، كقيصر في الروم وخاقان في الترك. واسم المراد هاهنا: الواجد بن مصعب (٤). ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُوْلُونَكُم (٥)، وقيل: يعذبونكم، وإن جعلتَ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في موضع حال يجوز معناه سائمين إياكم (٦). ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: أسوأ العذاب وأشد العذاب ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قطعًا لنسلكم. والأقرب أنه ابتداء كلام، ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٧) وقيل: تفسير العذاب (٨). وإنّما قال: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ على التكثير. وأصل الذبح الشق.
_________________
(١) الآل هنا بمعنى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠] وقال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فالمراد به أتباعه سواء كانوا من أهل بيته أو غيرهم إذ أن فرعون منقطع نسله ولا عصبة له - فيما حكاه أئمة التفسير عنه. وكذلك يقال في آل محمَّد - ﷺ - إنهم أتباعه كما في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص مرفوعًا: "ألا إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وَليِّي الله وصالح المؤمنين".
(٢) (اسم) ليست في (أ).
(٣) فرعون خاص في عمالقة مصر، كما أن قيصر خاص في عمالقة الروم، وكسرى خاص في عمالقة الفرس، وتُبَّع خاص في عمالقة اليمن، والنجاشي خاص في عمالقة الحبشة.
(٤) أي اسم فرعون هو - الوليد بن مصعب بن الريَّان - ذكره الطبري في تفسيره (٢/ ٣٨) وحكاه عن محمَّد بن إسحاق.
(٥) في النسخ (يلومونكم) وأظن أن هذا تبديل حروف.
(٦) وذهب الأخفش إلى أنه في موضع رفع على الابتداء أي أنها استئنافية. وذكر المؤلف أن معنى ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يولونكم وهو تفسير أبي عبيدة فيما نقله القرطبي عنه (٢/ ٢٦١) يقال: سامه خطة خسْفٍ إذا أولاه إياها؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم: إذا ما المَلْكُ سامَ الناسَ خَسْفًا أبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فينا
(٧) سورة إبراهيم: ٦.
(٨) الأصل أن العطف يقتضي المغايرة بمعنى أن المعطوف هو غير المعطوف عليه فعلى هذا لا وجه لمن جعل ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ معطوفة على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ بدليل الآية الأخرى التي فيها واو العطف، فالراجح ما رجحه المؤلف أنها ابتدائية وليست تفسيرية كما ذهب إليه الفراء. [زاد المسير لابن الجوزي ١/ ٧٨].
[ ١ / ١٦٧ ]
وأصل الابن: بَنَو نحو سَمَو وقيل بني نحو يدي (١)، وقيل: بنَو استدلالًا بقولهم: بنون وبنين وإنما انقلبت الواو والياء همزة لوقوعهما طرفًا وقبلهما الألف كالدُّعاء والقضاء، لأن تقدم الألف عليه كتقدم الحرف (٢) المفتوح فصار في التقدير ألفًا، فلما حُرّكت انقلبت همزة. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يستبقون إناثكم رجاءً لخدمتهنَّ، وهو أشد العذاب لمكان ضياعهن وبقائهن أيامَى بلا أكفاء، وذلك أنه رأى في المنام أنّ نارًا خرجت من قِبَلِ بيت المقدس فأحرقتْ بيوتَ القبط بمصر ولم تتعرضْ لبيوت بني إسرائيل، فاستفتى المعبّرين فأخبروه بخروج نبي من بني إسرائيل يُولدُ في تلك الأيام، فأخذ يقتلُ غلمانهم حتى خِيفَ الفناء، فكان بعد ذلك يذبح سنة ويترك سنة ليقلُّوا فلا يَغْلِبُوا ويَبْقَوا فيخدِمُوا، فولد هارون - ﵇ - في السنة التي لم يكن يقتل فيها. ووُلدَ موسى في السنة الأخرى، فأوحى الله إلى أُمّه إلهامًا ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٣) فكان من أمره ما كان. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إنجاءُ اللهِ إياكم من عبودية آل فرعون ﴿بَلَاءٌ﴾ نعمةٌ عظيمةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤) وقيل: وعذاب فرعون وذبحه الغلمان واستحياؤه النساء قهرٌ من ربكم عظيم حين سلط عليكم. وأصل البلاء: الاختبار، والاختبار قد يكون بالخير والشر (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ (٦). وإنما وصف بـ ﴿عَظِيمٌ﴾ لأنه يصغر بجنبه غيره. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ (٧) وفصلنا وشققنا ﴿بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ بعبوركم أو لعبوركم بحر قُلْزُم (٨)، فكان كل فِرْقٍ كالطود العظيم
_________________
(١) (نحو يدي) ليست في (ب).
(٢) في (أ): (الحروف).
(٣) سورة طه: ٣٩.
(٤) قد يكون البلاء نعمة على حد قول الشاعر: قد يُنْعِمُ الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض الناس بالنِّعَمِ
(٥) ومنه قوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
(٦) سورة الأعراف: ١٦٨.
(٧) في (أ): (فقلنا).
(٨) هو البحر الأحمر، وهذا اسمه القديم وتسميه اليهود بحر سوف [التحرير والتنوير ١/ ٤٩٤].
[ ١ / ١٦٨ ]
﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من فرعون ومِنَ الغرق بعد قولكم ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (١) ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أهلكناهُ وآله حين التطم البحر ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى التطامه عليهم بعد خروجكم منه. وقيل: إلى أشخاصهم بعد ثلاثة أيام حين لفظهُمُ البحر، وحقيقة النظر: تعمّد الرؤية، وهو مستعمل في العين والقلب والأبصار والرؤية والرأي.
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ وحقيقة الوعد أن يكون للشيء، فإذا كان على الشيء فهو مجاز، والمراد به التخويف بالجائز الممكن (٢)، كقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (٣)، وقال - ﵇ - في دعائه: "يا من إذا وعد وفى وإذا توعّد عفا" (٤). وموسى اسمٌ أعجمي أصلُهُ: موشي، أي: الماء والشجر (٥) لأنهم التقطوه من بين الماء والشجر، فعرّبتهُ العرب. والموعود: ما كان أربعين ليلة من المناجاة ومشاهدة الملكوتِ والآيات وإعطاء التوراة. وقد صام - ﵇ - وتَنَزَّه عن الشهوات، فكان (٦) يصوم نهارًا ثم ينطلق إلى الميقات بأمر ربه ليلًا، وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (٧) والدليل على أن المراد بالأربعين وقتُ المناجاة دون وقت صومه (٨) أنَّ بني إسرائيل
_________________
(١) سورة الشعراء: ٦١.
(٢) قوله تعالى ﴿وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ إنما هو من باب الموافاة وليس هو من باب الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة. [القرطبي ١/ ٣٩٤].
(٣) سورة البقرة: ٢٦٨.
(٤) لم أجد له أصلًا في كتب الحديث.
(٥) القبط - فيما يروى عنهم - يقولون للماء: مو، وللشجر: شا حتى إذا ما وجد موسى بين الماء والشجر أطلق عليه موشا على لغة الأقباط ثم حولت إلى موسى، وذكر ابن إسحاق نسبه فقال: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. [تفسير السمعاني ١/ ٤٨١].
(٦) في (ي) و(أ) مكان.
(٧) سورة الأعراف: ١٤٢.
(٨) وذهب القرطبي والسمعاني إلى أن المراد بالأربعين انقطاعه إلى الصوم، ولا مانع أن يكون جمع بينهما - أي جمع بين الصوم والمناجاة - ولا منافاة في ذلك. =
[ ١ / ١٦٩ ]
عدُّوا بعدَهُ عشرين يومًا وعشرين ليلة ثم اتخذوا العجلَ، وفي ذلك قوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ (١). وفي التوراة أربوعين يوم (٢)، أربوعين يوم، أربوعين يوم فحَمل بعضهم على إثبات ثلاث مواقيت. وإنما هو تكرار اللفظ للتأكيد.
وحَدُّ الوعد في اللغة هو: الضّمان (٣)، يُقالُ: هذا الغلامُ يَعِدُ رشدًا، وهذه الغداةُ تَعِدُ بردًا إذا كان مضمنًا ذلك، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (٤)، أي: ضَمِنُوا لَهُ.
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ مِنْ حُليكم (٥)، وإنما عَرَّفه لأنّه يُعرف بالوصف في سورة طه، وقيل: الألف والسلام للمعهود. وإنما سماه (٦) عجلًا مجازًا (٧). والعجلُ: ولد البقرة (٨). ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد انطلاقه إلى الجبل.
_________________
(١) = فائدة نحوية: كلمة "أربعين" في هذه الآية يتعين أن تكون مفعولًا به ثانيًا، حذف منه المضاف وجوبًا التقدير: تمام أربعين، ولا يجوز أن ينتصب على الظرفية الزمانية لفساد المعنى وقد أعرب بعضهم "أربعين" بالحركات على حد قول الشاعر [وهو منسوب لجرير]: وماذا يبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حدَّ الأربعينِ [القرطبي ١/ ٢٩٦ - تفسير السمعاني ١/ ٤٨١ - الدر المصون ١/ ٣٥٣].
(٢) سورة الأعراف: ١٥٠.
(٣) (يوم) ليست في (أ).
(٤) هذا هو من لوازم الوعد أن يكون متضمنًا معنى الضمان وينبغي أن يعلم الفرق بين "وعد" الثلاثي و"أوعد" الرباعي أن الأول يغلب عليه استعماله في الخير والثاني يغلب استعماله في الشر، ومنه قول الشاعر: وإني إذا واعدته أو وعدتهُ لمخلف ميعادي ومنجز موعدي فأنجز في الوعد وخالف في الوعيد كرمًا منه. [القاموس (وعد) ٣٢٦].
(٥) سورة التوبة: ٧٧.
(٦) ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
(٧) في (ن) (أ): (سُمّي).
(٨) (مجازًا) ليست في (أ).
(٩) العجل هو ولد البقرة ولا وجه لما ذهب إليه المؤلف من حمله على المجاز إذ الأصل =
[ ١ / ١٧٠ ]
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ مَحَوْنا الذنب عنكم من قولك: "عَفَتِ الريحُ الأثَرَ" (١) وقيل: تركناكم ولم (٢) نَسْتَأصلكم بالقتل. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد اتخاذكُمُ العجلَ. والكاف في ذلك موحد لأنه علامة الخطاب (٣) وليس باسم، ألا ترى لو قال: من ذا جازَ، فإذا جازَ إسقاطُهُ جاز توحيده ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تُظْهِرُوا ثناءَ الله وتحمدوه على عفوه عنكم، إذ الشّكرُ قضيّة الإحسان (٤) سواءٌ أريد أو لم يرد، فما أرادَ الله كان وما لم يُرِدْ لم يكن، وهو على كل شيء قدير.
﴿وَإِذْ (٥) آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ يعني التوراة. عن مجاهد: ذكرهما بأسمين كما يُقال: سُحْقًا وبُعْدًا (٦)، ويقال: الكتاب: التوراة،
_________________
(١) = فيه الحقيقة ولا يمنع من حمله على الحقيقة فتسميته عجلًا هو حقيقة بحد ذاته. وقيل: سمي عجلًا لاستعجالهم عبادته، ويقال: عِجْل وعجول وتجمع على عجاجيل والأنثى عجلة قاله أبو الجراح.
(٢) أي أذهبته، ويقال أيضًا: عفا الشيء: إذا كَثُر. فهو من باب الأضداد. ومنه قوله تعالى ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ وقيل إن العفو مقرون بالعقوبة قبلها أو بعدها أحيانًا بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ البَتَّة. [القرطبي ١/ ٣٩٧].
(٣) (ولم) ليست في (ن).
(٤) [انظر التحرير والتنوير ١/ ٥٠١].
(٥) الشكر لغة: الظهور، من قولهم دابة شكور: إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العلف. واصطلاحًا: هو الثناء على من أَوْلاك معروفًا من خالق أو مخلوق. [اللسان: (شكر)].
(٦) (وإذ) ليست في (ن).
(٧) قال الفَرَّاء وقطرب - فيما نقله عنهما النَحَّاس في إعراب القرآن - أن المراد بالكتاب التوراة والفرقان هو محمَّد ﵊. قال أبو جعفر النحاس: وهذا خطأ في الإعراب والمعنى، أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله، وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه، وأما المعنى فقد قال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ. . .﴾ [الأنبياء: ٤٨] ولذا قال أبو إسحاق الزجاج: يتعين أن يكون الفرقان هذا الكتاب أعيد ذكره وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول عدي بن زيد العبادي: فقددت الأديم لراهِشَيْهِ وألفى قولها كذبًا ومَيْنَا وقول عنترة بن شداد العبسي: =
[ ١ / ١٧١ ]
والفرقان: نعته والواو زائدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ (١). وقيل: الفرقان النُّصرةُ على فرعون، كقوله: يَومَ اَئفُرْقَانِ يَومَ اَلئَقىَ اَلْجَضعَانِ (٢) يعني: يوم (٣) بدر. وقيل: الفرقان: فَرْقُ البحر (٤)، وهو مصدرٌ كالخُسران والرُّجحان. وقال قُطْرُب (٥): إنّا (٦) أعطينا موسى التوراة [كما أعطينا محمَّدًا الفُرقان، كأنه خَاطَبَ عبدَ الله بن سلام، فقال: قد أعطيناكم علمَ موسى ومحمَّد] (٧). وقيل: أعطينا موسى التوراة والفرقان يعني صُحُفًا كان قبلَ التوراة وفيه تبيان الحلالِ والحرام والأمر والنهي وغير ذلك.
ثم عَدَل إلى المغايبة فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل. والقوم: اسمٌ للجماعة لا واحد له من لفظه، يطلقُ على العقلاء خاصة
_________________
(١) = حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم وقول الحُطَيْئة: ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هِنْدُ وهِنْدٌ أتى من دونها النأي والبُعْد فالمين هو الكذب، والنأي هو البُعْد، والأقفر هو القوي. [إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٧٥ إعراب القرآن للزجاج ١/ ١٠١ - معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧ - ديوان عدي بن زيد ص ١٨٣].
(٢) سورة الأنبياء: ٤٨.
(٣) سورة الأنفال: ٤١.
(٤) (يوم) ليست في (ن) (أ).
(٥) قاله ابن زيد فيما نقله عنه القرطبي (١/ ٣٩٩).
(٦) هو محمَّد بن المستنير النحوي اللغوي المعروف بـ "قطرب"، يكنى أبا علي، أخذ عن سيبويه وعن جماعة من علماء البصريين، ويقال بأن سيبويه لقبه قطربًا لمباكرته إياه في الأسحار، فقال له يومًا: ما أنت إلا قطرب ليل، والقطرب: دويبة تدب ولا تفتر، وكان قطرب من أئمة عصره، وله من التصانيف: كتاب معاني القرآن، وكتاب الاشتقاق، وكتاب العلل في النحو، وكتاب غريب الحديث، وغير ذلك. ولم يكن ثقة عند علماء الحديث. مات سنة ست ومائتين. [تاريخ بغداد (٣/ ٢٩٨)؛ ميزان الاعتدال (٧/ ١٣٧)؛ أبجد العلوم (٤١/ ٣)؛ الفهرست (١/ ٧٨)].
(٧) (إنا) ليست في (أ).
(٨) ما بين [] ليست في (أ).
[ ١ / ١٧٢ ]
﴿يَا قَوْمِ﴾ تقديره: يا قومي، إلا أنه اكتفى بكسرة الميم عن الياء، كما تقول: يا ربِّ (١) ﴿ظَلَمْتُمْ﴾ أضررتم بأنفسكم في المآل بسلوك طريق الجَوْر. فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا؟ فقال لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ خالقكم من اتخاذكم العجلَ إلهًا. قالوا: وما توبتُنا؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجلَ (٢).
والقتل: إتلاف النفس. وقيل المراد به: سَلّموا أنفسكم للقتل، فكان الرجلُ يجلس بفنائه مُحْتَبيًا لتُضْرَبَ عنقُهُ، فإن حَلَّ حِبْوَتَهُ أو دافع لم تُقْبل توبته وإلّا كان كفارة له، فلمّا كان وقت العشية نسخ الله ذلك الحكم ورفع عنهم الإصر.
﴿ذَلِكُمْ﴾ القتل والتوبة أو أحدهما (٣) ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الإباء والعناد ﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: في حكمه (٤)، كما يُقال: عند أبي حنيفة (٥). ويُقال
_________________
(١) المنادى المضاف إلى ياء المتكلم فيه ست لغات أفصحها: حذفها مكتفيًا منها بالكسرة وهي لغة القرآن والأكثر استعمالًا ومنه هذه الآية ﴿يَا قَوْمِ﴾ الثانية: ثبوت الياء ساكنة، الثالثة: ثبوت الياء مفتوحة، الرابعة: قلبها ألفًا، الخامسة: حذف هذه الألف والاكتفاء عنها بالفتحة كقول الشاعر: ولستُ براجعٍ ما فاتَ مِنِّي بلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَنَّي أي بقولي يا لهفا. السادس: بناء المضاف إليهَا على الضم تشبيهًا بالمفرد كقراءة من قرأ ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وهي قراءة أبي جعفر. [زاد المسير ٥/ ٣٩٩ - أمالي الشجري ٢/ ٧٤ - الدر المصون ١/ ٣٦٠].
(٢) صح عن ابن عباس - ﵄ - ولفظه: أخذ موسى علي بني إسرائيل المواثيق ليصبرنَّ على القتل، فأصبحوا بأفنية بيوتهم محتبين فأتاهم هارون - ﵇ - واثنا عشر ألفًا لم يعبدوا العجل شاهرين سيوفهم. [البحر المحيط ١/ ٢٠٧ - روح المعاني ١/ ٢٦٠ - الطبري ٢/ ٧٥].
(٣) (أو أحدهما) ليست في (ن).
(٤) في (أ): (حكم).
(٥) أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، قيل: إنه من أبناء الفرس، ولد سنة ثمانين من الهجرة في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك عند قدومه إلى الكوفة ولم يثبت له الرواية عن واحد منهم. وهو صاحب المذهب وإليه المنتهى في الفقه، قال ابن المبارك: ما رأيتُ رجلًا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتًا وعلمًا من أبي حنيفة.=
[ ١ / ١٧٣ ]
بالعبرانية أنه (١) مكان قولنا: برأ الله: بوروا إيلوهيم. والبريّة في الأصل مهموزة وهي: الخليقة (٢). ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ خطابٌ للسبعين الذين اختارهم موسى للميقات (٣)، فقالوا: لن نشهد لك بالحق عند بني إسرائيل إلّا أن ﴿نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ مُعَاينة. وإنما قالوا: ﴿جَهْرَةً﴾ ليؤكدوا قولهم وينفوا إيهامَ الرؤية والرؤية بالقلب (٤) ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ أحرقتكم ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ العذاب الذي فيه هلاك، إنما عُوقبوا لتمردهم وامتناعهم عن الشهادة إلى تحصيل منيتهم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى الصاعقة حين نزلت، أي: ينظرُ بعضكم إلى هلاك بعض (٥).
_________________
(١) = [تاريخ البخاري (٨/ ٨١)؛ تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٣)؛ الكامل (٥/ ٥٨٥)؛ البداية والنهاية (١٠/ ١٠٧)؛ السير (٦/ ٣٩٠)].
(٢) (أنه) من (ي).
(٣) ومنه "البارئ" من أسماء الله الحسنى - بمعنى الخالق - وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وأصل برأ من تبرَّى الشيء من الشيء وهو انفصاله منه، وقولهم بَرَأتُ وبَرِئْتُ من المرض بُرْءًا، وأما سكون الهمزة فقرأ أبو عمرو بالتسكِين "بَارِئْكم" وقال أبو العباس المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب وقراءة أبي عمرو لحن، قال أبو جعفر النحاس وغيره: قد أجاز ذلك النحويون وأنشدوا قول امرئ القيس: فاليومَ أَشْرَبْ غير مُسْتَحْقِبٍ إثمًا من الله ولا واغِلِ قال أبو علي الفارسي: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات. [القرطبي ١/ ٤٠٣ - الدر المصون ١/ ٣٦٥].
(٤) ذكره ابن كثير ١/ ١٢٠ - والقرطبي ١/ ٤٠٣ - والبغوي ١/ ٦٢ - وابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٧٣ - والآلوسي في روح المعاني ١/ ٢٦١ - والسمعاني في تفسيره ١/ ٤٨٥، وقيل: هم عشرة آلاف من قومه، ذكره الزمخشري في الكشاف ١/ ٦٩ - والبيضاوي ١/ ٦٣ - والبركوي في مقدمة المفسرين ١/ ٥٠١.
(٥) الرُّؤية هنا رؤية العين كما ذكره ابن كثير ١/ ١٢٠ والبركوي ١/ ٥٠١ والسمعاني في تفسيره١/ ٤٨٥ وغيرهم، وهو الأصل في الرؤية عند إطلاقها ولا تحمل على رؤية القلب إلا إذا تعذر حملها على الأصل المذكور.
(٦) وقيل: الذي نزل بهم هو نارٌ أحرقت الأخضر واليابس وشملهم ذلك الإحراق وهم ينظرون، وهذا الذي يناسب قوله: ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أي تنظرون الإحراق، أما الصعق =
[ ١ / ١٧٤ ]
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ أحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ حرقكم وهلاككم (١). وهذه الرجعة مثل رجعة الطيور الأربعة لإبراهيم (٢)، ورجعة عاميل في قصة البقرة (٣)، ورجعة الذين قال لهم الله موتوا ثم أحياهم، ورجعة عزير وحماره (٤) ورجعة الموتى لعيسى (٥)، خلاف قول المتناسخة (٦). ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ أي: جعلنا عليهم الغمام ظُلّة (٧). والظِّل: السِّتْر، والظُّلة:
_________________
(١) = فإنه مما يسمع، هذا على الأغلب وإلا فإن الصعق قد يتولد منه نار محرقة وهو المتعين في هذه الآية. [انظر التحرير والتنوير ١/ ٥٠٨].
(٢) (هلاككم) ليست في (أ).
(٣) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. . .﴾ [البقرة: ٢٦٠].
(٤) اسم الذي قتل في بني إسرائيل وقد ورد ذكر اسمه في روايات إسرائيلية وهو المعني في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ [البقرة: ٧٢، ٧٣].
(٥) كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
(٦) ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].
(٧) الاستنساخ: هو اعتقاد التناسخ والحلول سواء في الأنبياء وتقمص روح بعضهم في بعض أو تناسخ الناس بعضهم في بعض بحيث تظهر الروح في مظهر الجسد الآخر، وهذا الاعتقاد الفاسد تبناه بعض الطوائف المنحرفة مثل القاديانية والنصيرية والدروز والمجوسية، إلا أن مفهوم التناسخ يختلف من طائفة لأخرى كما بين الدروز والنصيرية، فالدروز يقصرون التناسخ بين البشر بينما نراه عند النصيرية يتعدى إلى أن يكون التناسخ بين البشر والبهائم. [انظر موسوعة مصطلحات التصوف الإِسلامي د: رفيق عجم ص ٩٦٧ - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص ٣٥١ - فرق معاصرة تنتمي إلى الإِسلام د: غالب العواجي].
(٨) الغمام جمع غمامة أو اسم جنس زيدت التاء للوحدة، والمراد هنا السحاب الأبيض سمي بها لأنها تستر السماء وذلك أن الله تعالى سخر لهم السحاب يسير بهم ويظلهم من الشمس حين كانوا في التَّيه. =
[ ١ / ١٧٥ ]
السترة، والفرق بينهما أنّ الشيء يكون تحت الظل دون الستر إلا أنه يقال للشمس مُسْتَظلة إذا كانت محتجبة بالسحاب. فرقٌ آخر أن الرائي يتحيل الظلَّ ولا يتحيل الستر وجمع الظلّ: ظلال، وجمع الظُّلَّةُ: الظُّلَل.
والظليل هو: الطيب. قال الله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (١) وقال في ضده: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ (٢). وأَظلّك الطائر إذا حاذاك وقَرُبَ منك وألقى ظله عليك، أعني ما يتحيل. ويُستعار للشهر والزمان فيقال: أَظَلَّ الشهرُ والزمان. ﴿الْغَمَامَ﴾ غيمٌ أبيض، وإنما سُمِّي غمامًا لأنه يَغُمُّ السماءَ ويسترها، وللِقاحِهِ بالماء لأنه يَغمُّ الماء في جوفه، وغمغمةُ السحاب: صوتُهُ، والغمام: واحدٌ وجماعة، قال الحُطَيئة (٣) يمدحُ رجلًا:
إذا غِبْتَ عنَّا غابَ عنا ربيعُنا ونسْقى بالغمامِ حينَ تَؤوبُ
و﴿الْمَنَّ﴾ كان شيئًا من جنس التَّرَنْجُبين (٤). والسَّلْوَى كان طيرًا يُشبه
_________________
(١) = ومثله الغيم والغين بالميم والنون وجاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٢/ ١٧٧) "إنه ليُغانُ على قلبي". [ابن جرير ٢/ ٩٠ - اللسان (غمم) ١٢/ ٤٤٣ - ابن عطية ١/ ٣٠٤ - زاد المسير ١/ ٨٤ - الدر المصون ١/ ٣٦٩].
(٢) سورة النساء: ٥٧.
(٣) سورة المرسلات: ٣١.
(٤) الحطيئة: جرول بن أوس بن مالك العبسي، أبو مليكة: شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإِسلام، كان هَجَّاءً عنيفًا، لم يكد يسلم من لسانه أحد. هجا أمه وأباه وزوجته ونفسه وتسلَّط على أعيان المسلمين، فحبسه عمر بن الخطاب - ﵁ - فاستعطفه بأبيات فأخرجه واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم. [فوات الوفيات (١/ ٩٩)؛ الأغاني (٢/ ١٥٧)؛ الشعر والشعراء (١١٠)؛ الأعلام (٢/ ١١٨)].
(٥) صح عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا. وقال قتادة: يسقط بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل يسقط كالثلج يأخذ الرجل منه قدر ما يكفيه يومه ذلك. وقد رجح ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن =
[ ١ / ١٧٦ ]
السُّمَاني (١)، ولا واحدَ له من لفظه عند الأخفش. وقال الخليلُ (٢) الواحد سَلواه. ويقال: السلوى: العسل. وقال:
وقَاسَمَها باللهِ حقًا لأنتم اَلذُّ من السلوى إذا ما نشُورها
وإنما أنعم عليهم بهذه في التيه حين احتاجوا إلى الطعام وتأذوْا من حرِّ الشمس. والقولُ هاهنا مضمرٌ تقديره: وقلنا ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، كقوله: ﴿كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (٣) وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ
_________________
(١) = قال: والظاهر والله أعلم: أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مزج معه الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر وليس هو المراد من الآية وحده، والدليل على ذلك ما رواه البخاري مرفوعًا عن سعيد بن زيد - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "الكمْأة من المن وماؤها شفاء للعين" وأما ما ذكره المؤلف أنه من جنس الترنجبين فهو من قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ - ومقاتل. [ابن جرير ٢/ ٩٢ - زاد المسير ١/ ٨٤ - اللسان (منن) ١٣/ ٤١٨ - البركوي ١/ ٥٠٧ - ابن كثير ١/ ١٢٢].
(٢) ذكره ابن جرير (٢/ ٩٦) عن ابن عباس - ﵄ - والسدي وقتادة وغيرهم. وانظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٧٨ - ومعاني القرآن للزجاج ١/ ١١٠ - وتفسير ابن عطية ١/ ٣٠٥ والسماني: طائر صغير من رتبة الدجاجات، جسمه منضغط ممتلئ وهو من القواطع التي تهاجر شتاءً انظر المعجم الوسيط (٤٤٦). ونقل ابن عطية إجماع المفسرين على أن السلوى هو طير من الطيور، وقد رد القرطبي هذا الإجماع بحجة أن من المفسرين من قال أنه العسل، ومنه قول خالد بن زهير الهذلي: وقاسمها بالله جَهْدًا لأنتمُ أَلَذُّ من السلوى إذا ما نَشُورُهَا وهو الذي رجحه الجوهري مستشهدًا ببيت الهذلي. [القرطبي ١/ ٤٠٨].
(٣) هو الإِمام، صاحب العربية، ومنشىء علم العروض، أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، أحد الأعلام. كان رأسًا في لسان العرب، ديّنا، ورعًا، قانعًا، متواضعًا، كبير الشأن، ولد سنة مئة ومات سنة بضع وستين ومئة. [سير أعلام النبلاء: ٧/ ٤٢٩، ٤٣٠].
(٤) سورة البقرة: ٦٠.
[ ١ / ١٧٧ ]
﴿بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ (٢).
وقال امرؤ القيس (٣) (٤):
أفاطِم مهلًا بعض هذا التدلُّلِ وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجمِلِي
و﴿مِنْ﴾ للتبعيض (٥). والطيبُ: ما لا تعافه طبعًا ولا تكرهُه شرعًا، وكان غير الطيب من رزقهم ما رفعوا للغد لأنهم كانوا منهيين إلا في يوم الجمعة للسبت. وهاهنا اختصارٌ تقديره: فَعَصَوْا (٦). ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بعصيانهم، وإنما لم يقل: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم (٧) لأن ذكر المظلوم كان أهم.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ الوحي كان إلى يوشع بن نون (٨) وهو ابن أخت موسى ووزيره بعد هارون، وهو أحد النقباء الذين قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٩). وجملةُ قصة بني إسرائيل أن الله تعالى لما أنجاهم من فرعون وفَرَقَ بِهِمُ البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾. ثم
_________________
(١) سورة الرعد: ٢٣، ٢٤.
(٢) سورة آل عمران: ١٠٦.
(٣) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث من قبيلة كِنْدَة، وهي قبيلة يمنية كانت تسكن قبل الإِسلام غربي حضرموت. نشأ في الجاهلية نشأة ترف ولهو ومجون، فطرده أبوه حتى أصبح شاعرًا كبيرًا معدودًا من أصحاب المعلَّقات السبع. كان أبوه ظالمًا في بني أسد حتى قتلوه، فأراد أن يأخذ بثأر أبيه فلم يتمكن من ذلك، أصيب بمرض جلدي فأرداه قتيلًا. [الأغاني (٩/ ٨٧)؛ أشعار الشعراء الستة الجاهليين للأعلم الشنتمري (٥)].
(٤) ديوانه (١٢).
(٥) وقيل لابتداء الغاية، وقال أبو البقاء: لبيان الجنس والمفعول به محذوف التقدير: كلوا شيئًا. [الإملاء (١/ ٣٧) - الدر المصون (١/ ٣٧١)].
(٦) وهكذا قدره القرطبي (١/ ٤٠٩).
(٧) هذا من "ي" وفي بقية النسخ: (أنفسهم يظلمون).
(٨) الخطاب موجه إلى يوشع بن نون ومن تبعه ممن خرجوا من التيه بعد أربعين سنة كما ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٢٥).
(٩) سورة المائدة: ١٢.
[ ١ / ١٧٨ ]
كان انطلاق موسى إلى الميقات (١) ثم اتخاذهم العجل (٢) ثم التوبة (٣) ثم رجوعهم إلى ما أورثهم الله تعالى مما أخرج منه آل فرعون من جناتٍ وعيون وكنوز ومقام كريم (٤)، وهناك حديث حادثة البقرة (٥)، والخرْجة إلى مجمع البحرين مع يوشع (٦)، وخسف قارون في إحدى الروايتين (٧). ثم خرج بهم موسى - ﵇ - إلى قتال الجبابرة وقال لقومه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ الآية. فغضب عليهم وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية. ثم أخذ عصاه وتشمر وخرج من بينهم فَلَقي عوج بن عنق، فوثب وثبةً وضربه بعصاه فأصاب كعبه فخرَّ عوج ميتًا، ففرح موسى ورجع إلى قومه وبَشَّرهم بذلك وحرضهم على الإقدام، فإذا الله تعالى حَرَّمها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض (٨)، ثمَّ أنَّ الله تعالى ظلَّل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهمُ المنَّ والسلوى، وفَجَّر لهم من الحجر اثني عشر عينًا ثم عادوا إلى الكفران والعصيان (٩) وقالوا: ﴿يَا مُوسَى (١٠) لَنْ نَصْبِرَ عَلَى
_________________
(١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣].
(٢) ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٨].
(٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [الأعراف: ١٤٩]
(٤) ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧].
(٥) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ الآيات [البقرة: ٦٧ - ٧١].
(٦) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ الآيات [الكهف: ٦٠ - ٨٢].
(٧) كما في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾ الآية [القصص: ٨١].
(٨) كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٦].
(٩) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ الآية [البقرة: ٦٠].
(١٠) (يا موسى) من "أ".
[ ١ / ١٧٩ ]
طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ فقال موسى تهديدًا وتقريعًا: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (١)، وليس لهم إلى ذلك سبيل لحبس الله إياهم في التيه إلى أن توفي الله هارون وموسى ﵈ أو استأثرهم وهم في التيه بعد، ثم قادهم يوشع بن نون بعد ذلك من التيه إلى قتال الجبابرة [وأخذ الأرض المقدسة ففتح اللهُ له أريحا ثم إيليا ثم بلقاء وهي العظمى، فكان بالق مالك الجبابرة]، (٢) وبلعم بن باعوراء صاحب الاسم الأعظم فيها، فخذلهم اللهُ - ﷿ - وفيها أُنْزِلَتْ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقيل: نزلت في إيليا وهي آخر بيت المقدس، وبابُ حطة معروف بها (٣)، وفتح الله على يديه بعد ذلك الجبال وسائر بلاد العواصم، والدخول هو الولوج، و(هذِهِ) تأنيث (القريَةَ) بقعة يجتمع الناس فيها، ويُقال للحوض: المِقْرَاة؛ لأنَّ الماء يجتمع فيه (٤)، وقريةُ النمل: جُحرها. والمراد بها بلدة. والأكل: حقيقة التلف والاستراط ويستعمل في الإنفاق مثل: أكل الدراهم والدنانير، ويستعمل في الاستيلاء (٥)، قال - ﵇ -: "أُمِرْتُ بقريةٍ تأكُلُ القُرى" (٦) يعني المدينة. وأراد هاهنا: الإنفاق والتوسعة. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ منحنين (٧) متواضعين لله - ﷿ - (٨). ورُوِيَ أنه - ﵇ - دخل يوم الفتح مَكَّة وقد بلغ عُثْنُونُهُ (٩) سرجه تواضعًا لله.
_________________
(١) سورة البقرة: ٦١.
(٢) ما بين [] ليست في "ن".
(٣) والصحيح أن البلدة المشار إليها في الآية هي بيت المقدس، وهو الذي رجحه ابن كثير. وقال ابن عطية: هو قول الجمهور [ابن جرير (١/ ١٠٢) - ابن أبي حاتم (١/ ١٨١) - ابن كثير (١/ ٩٨) - زاد المسير (١/ ٨٤) - الثعلبي (١/ ٧٧)].
(٤) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢٦٩) ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٧٨).
(٥) في "أ": (الإيلاء).
(٦) الحديث في صحيح البخاري (٤/ ٦٩) - ومسلم (٩/ ١٥٤) - ومالك في الموطأ (٣/ ٨٤) وغيرهم.
(٧) في "ن": "منخرين".
(٨) أراد المؤلف بالانحناء الركوع، وهذا هو تفسير ابن عباس - ﵄ - لمعنى كلمة ﴿سُجَّدًا﴾ فقد أخرج الطبري في تفسيره (١/ ٧١٤) عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿سُجَّدًا﴾ قال: ركَّعًا، من باب صغير.
(٩) كتب في النسخة "ي": (أي بلغ لحيته قرب سرجه) اهـ. =
[ ١ / ١٨٠ ]
و﴿حِطَّةٌ﴾ لفظةٌ تَعَبَّدَهُم الله تعالى بالتلفُّظِ بها، ومعناها: لا إله إلا الله (١)، ورُفعت ليكن منك حطةٌ لذنوبنا، أو فقلنا: هذا حطة لذنوبنا (٢). مأخوذ من حَطَّ يحطُّ، أي: وضع.
والغُفران: ستر الذنوب، وقيل: إلباس الغَفْر (٣). وخطايا: جمع خَطِيَّة كهدِيَّة وهدايا ومَطِيَّة ومطايا، وأصله: خطايء بكسر كقلائل وطرائق، فلما (٤) اجتمعت الهمزتان قُلبت الثانيةُ ياء (٥) ثم فتحت الياء الأولى طلبًا
_________________
(١) = أما لفظة العثنون فلم أجدها في الحديث، والحديث أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ٣١٧) عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: "إن النبي - ﷺ - دخل مكة وذقنه على رحله متخشعًا" وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٢) معنى ﴿حِطَّةٌ﴾ مغفرة ويحط الله عنكم خطاياكم، وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ -، وإليه ذهب الربيع وعطاء وغيرهما، وأما تفسير "حطة" بمعنى: لا إله إلا الله، فهو مروي عن عكرمة، فيما رواه ابن جرير عنهم. وعند التحقيق يمكننا أن نقول: إن الحِطَّة في الأصل إنزال الشيء من العلو، وحط الذنب: إسقاطه، وفي الجملة تجتمع الأقوال على أنهم أمروا أن يقولوا قولًا دالًّا على التوبة والندم بأي عبارة كانت. ومن قال إن "حطة" بمعنى التوبة أنشد قول الشاعر: فاز بالحِطَّةِ التي جعل اللهُ بها ذنبَ عبدِهِ مَغفورا
(٣) قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قُرىء بالرفع وقرِىءَ بالنصب، فالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حِطَّة أو أمرك حِطَّة، قال الزمخشري: الأصل النصب، بمعنى حُطَّ عنا ذنوبنا حِطَّةً وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات، كقول الشاعر: شَكَا إليَّ جَمَلِي طولَ السُّرَى صَبْرٌ جميلٌ فكلانا مُبْتَلَى والأصل صبرًا عليَّ، اصبرْ صبرًا، فجعله من باب "سلام عليكم" وتكون الجملة في محل نصب بالقول. وتبع الزمخشري ابن عطية فجعلها في محل نصب بالقول وإنما منع النصب حركةُ الحكاية. وقال النحاس: الرفع أولى. وقرأ ابن أبي عبلة "حطةً" بالنصب، وفيها وجهان: أحدهما: أنها مصدر نائب عن الفعل نحو: ضربًا زيدًا. والثاني: منصوبة بالقول، وهو رأي الزمخشري كما تقدم. [الكشاف (١/ ٢٨٣) - الكتاب (١/ ١٦٢) - ابن عطية (١/ ٢٨٥) - الدر المصون (١/ ٧٤)].
(٤) أصل الغفر: السِّتر والتغطية، وكل شيء سترته فقد غفرته. ومنه المغفر: وهو ما يضعه الرجل على رأسه فتبلغ الدرع ثم تلبس البيضة فوقها [تهذيب اللغة (٨/ ٥. ١٠) "غفر"].
(٥) في "ن": (قد).
(٦) (الياء) من "أ".
[ ١ / ١٨١ ]
للخفة (١). والخطيئة والخطأ: اسمان للإثم، وخَطِيَ الرجلُ إذا تعمَّدَ غير الصواب.
وأخطأ: إذا لم يتعمد (٢). والزيادة: المد والإنماء، والمحسنُ ضد المسيء.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ التبديل: تصييرُ الشيء بدلًا عن الشيء، إما بالصرف مثل فرس من فرس، أو بالتقليب مثل قميصٍ من عمامة (٣). والظلم هاهنا (٤): الكفر، كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦). والمراد بالقول: المقول، كإطلاق اسم العلم للمعلوم وهو ذكرٌ لا يضاده النسيان. والرّجْز: العذاب (٧)، وقيل:
_________________
(١) قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: الأصل في خطايا أن يقول: خطايء، ثم قلب فقيل: خطائي بهمزة بعدها ياء، ثم تبدل من الياء ألفا بدلًا لازمًا فتقول: خطاءًا، فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعتَ بين ثلاث ألفات، فأبدلت من الهمزة ياءً فقلت: خطايا. وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأول: خطايء، ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول: خطائىء ولا تجتمع همزتان في كلمة، فأبدلت من الثانية ياء، فقلت: خطائي، ثم عملت كما عملت في الأول، وهناك قول ثالث للفراء. [الكتاب (٢/ ١٦٩) - الإملاء (١/ ٣٨) - شرح الصبان (٤/ ٢٤٤) - تفسير القرطبي (١/ ٤١٤)].
(٢) والذي يتعمد الخطأ يسمى خاطئ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨].
(٣) هذا من حيث اللغة، وأما التبديل الذي وقع منهم فقد جاء موضحًا عن النبي - ﷺ - فيما رواه البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدَّلوا وقالوا: حِطَّة حَبَّة في شَعَرَةٍ". والتبديل هو تبديل قولٍ بقول، ولذا نُصِبَ "غير" على أنه نعت لـ "قولًا"، وهناك وجه آخر بأن يكون التقدير: فَبَدَّلَ الذين ظلموا قولًا بغير الذي فحذف الحرف فانتصب.
(٤) في "أ": (هنا).
(٥) سورة الأنعام: ٨٢.
(٦) سورة لقمان: ١٣.
(٧) وهو تفسير ابن عباس - ﵄ - رواه الطبري في تفسيره (١/ ٧٣٠) قال: كل شيء في كتاب الله جل ثناؤه من الرجز يعني به العذاب. اهـ والطاعون هو نوع من العذاب فهو داخل في الرجز.
[ ١ / ١٨٢ ]
الطاعون وهو الموتان في اللغة: اسمٌ لمعنىً غير مرضي. وإنما كان رجزًا لأن الإنسان إذا مات في سخط الله، قيل: أهلكه (١) الله ودمَّرَهُ، وإذا مات في مرضاته قيل: توفَّاهُ اللهُ واستأثر به.
﴿بِمَا كَانُوا﴾ بسبب كونهم فَاسِقِينَ، ورُوِيَ أن السفهاءَ منهم والمستهزئين قالوا: حطا (٢) سمقاثا، يعنون: حنطةً سمراء التي يخالطها الشعير. فسلَّط اللهُ عليهمُ الطاعونَ أربعين يومًا جزاءً (٣) لفعلهم.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ كُسِرَت الذال (٤) لالتقاء الساكنين. وفي الآية حروف مضمرة (٥). واذكروا إذ استسقى موسى (٦). والاستسقاء: طلب السَّقي (٧)، وهو إنالة الشراب أو الشرب، ولم يتحقق ما لم يكن إشرابًا. ﴿لِقَوْمِهِ﴾، أي: لأجل قومه. والضرب بالعصا كالجلد بالسوط والقرع بالمِقْرَعة. والعصا: قضيب طوله على قامة الرجل يتخذه رعاء (٨) الغنم والرجَّالة من المسافرين، قال موسى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٩) فجعلها آية
_________________
(١) المثبت من "أ" وفي بقية النسخ: (أهلك).
(٢) في "أ": (هطا) وكلاهما صحيح.
(٣) (جزاء) من "أ".
(٤) في "أ": (كثرة الذل).
(٥) يعني المؤلف بالمضمر المحذوف هو المفعول به، وهو الماء وحذف للعلم به و(إذ) في محل نصب معطوف على ما قبله من الظرف، وكسرت لالتقاء الساكنين.
(٦) (موسى) ليست في "ب".
(٧) اختلف أهل اللغة في "سقى" و"أسقى" هل هما بمعنىً واحد أم بينهما فرق؟ فقيل: هما بمعنى واحد، ومنه قول الشاعر: سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْرًا والقبائلَ من هلالِ قال الأزهري: "العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام، ومن السَّمَاء أو نهر يجري: أسقيتُ أي: جعلت شربًا له وجعلت له منه سُقْيَا، فإذا كان للشفة قالوا: سقى ولم يقولوا: أسقى". [تهذيب اللغة (٩/ ٢٢٨) - الدر المصون (٧/ ٢٥١)].
(٨) في "أ": (رعايا).
(٩) سورة طه: ١٨.
[ ١ / ١٨٣ ]
له (١). وقيل: طوله كان عشرة أذرع على قامة موسى كانت من آس الجنة أعطاه (٢) شعيب - ﵇ -. والحَجَر ما تحجر من أجزاء الأرض، قيل: كان حجرًا مربعًا عليه اثنا عشر ثديًا. ورُوِيَ أن موسى - ﵇ - كان تعمد إلى أقرب حجر يجده حيثما نزل فيضربه بالعصا فينفجر بالماء. فقالت بنو إسرائيل: لَئِنْ فَقَدَ موسى عصاه لَمِتْنَا عطشًا، فكان يكلم الحجر بعد ذلك فينفجر بالماء بأمر الله تعالى. وقالوا: لئن نزلنا في الرمل يومًا لمتنا عطشًا، فرفع موسى حجرًا فحيثما نزلوا ألقاه، وقال ابن عباس: هو حجر خفيف مثل رأس الإنسان لما نزلوا وعطشوا أمره الله أن يأخذه ويضعه في المخلاة ثم يضربه. ورُوِيَ أنَّه كان يضربُهُ اثنتي عشرة ضربة فينفجر بالماء من (٣) موضع الضربات. والعينُ: اسمٌ يشتمل معاني كثيرة، والمراد هاهنا الينبوع. والانفجارُ: الانشقاق (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ (٥) ومنه سُمِّيَ الفجرُ لشَقِّه الظلام، والفاجر لشَقِّه عصا (٦) المسلمين. وقيل الانفجار: الانتشار.
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ﴾ اسمان (٧) جُعلا اسمًا واحدًا (٨)
_________________
(١) وقد يراد بالعصا الاجتماع والافتراق، ومنه يق الذي الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم. وانشقت العصا أي: وقع الخلاف، ومنه قول الشاعر: إذا كانت الهيجاءُ وانشقت العصا فحسبك والضحاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ويقال: لا ترفع عصاك عن أهلك: يراد به الأدب. [اللسان "عصى" القرطبي (١/ ٤١٩)].
(٢) في "أ": (عصاه).
(٣) (من) ليست في "ن" "أ".
(٤) في آية "الأعراف": ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ [٦٠]، والفرق بين الانفجار والانبجاس أن الأول يراد به الانشقاق الواسع على العكس من الثاني الذي يراد به الانشقاق الضيق. وذهب الهروي إلى أنه لا فرق بينهما، وأنهما بمعنىً واحد. [المفردات ص ٣٧٣ - اللسان "فجر" "بجس" - القرطبي (١/ ٤١٩) - الرازي (٣/ ٩٦)].
(٥) سورة الكهف: ٣٣.
(٦) كتبت خطأ في النسخ إما (عطيا) أو (عطا) أو (غطا).
(٧) في "أ": (اسمًا).
(٨) ﴿اثْنَتَا﴾ فاعل مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى، و﴿عَشْرَةَ﴾ جزء عددي مبني على الفتح =
[ ١ / ١٨٤ ]
﴿عَيْنًا﴾ (١) نصب على التمييز.
و﴿كُلُّ﴾ اسمٌ جامعٌ يتناول (٢) كل واحدٍ على سبيل الإفراد، و﴿أُنَاسٍ﴾ جمع تقديره: كل حزبٍ أو جماعة. والمَشْرَب: موضع الشُّرب كالمَذْبَح والمَشهَد، وأكثر هذا الوَزن في المصادر كالمَقْتَل. وعَثِيَ يَعْثَى وعَاثَ يعيثُ: أَفْسَدَ. وجمع اللفظين في معنى واحد نهاية البلاغة، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣) الآية، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ (٤).
وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٥). وقال ذو الرُّمَّة (٦):
لمياءُ في شفتيها حُوَّةٌ لُعَسٌ وفي اللثاتِ وفي أنيابِها شَنَبُ
و﴿مُفْسِدِينَ﴾: نصب على الحال (٧).
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ والطعام: اسم لما يطعم، والمراد به: المنّ والسلوى (٨) وإنَّما سمَّوهما واحدًا لأنهما كانا سماويين فكانا من جنس واحد. وقيل: إنهم كانوا يعجنونهما، وهذا كتسميتك
_________________
(١) = لا محل له من الإعراب. وحكم اثنين واثنتين في العدد المركَّب أن يعربا بخلاف سائر أخواتهما، لأنه حذف معهما ما يحذف في المعرب عند الإضافة، وهي النون، فأشبها المعرب فأعربا كالمثنى. وأما ﴿عَشْرَةَ﴾ فمبني لتنزله منزلة تاء التأنيث. [الدر المصون (١/ ٣٨٦) - البحر (١/ ٢٢٩) - إعراب القرآن لمحمود صافي (١/ ١٣٩)].
(٢) (عينًا) إضافة منا ليستقيم المعنى.
(٣) في "أ": (يتناول).
(٤) سورة الحج: ٣٠.
(٥) سورة عبس: ٣٨.
(٦) سورة الزخرف: ٨٠.
(٧) ذو الرمّة هو غيلان بن عقبة مضري النسب، والرُّمَّة هي الحَبْل، صاحب ميَّة بنت مقاتل المنقرية أحد العشاق، توفي سنة ١١٧هـ. وانظر ديوانه (٦٥). قال أبو عمرو بن العلاء: افتتح الشعراء بامرىء القيس وختموا بذي الرمة.
(٨) أي أنها حال من فاعل ﴿تَعْثَوْا﴾ وهي حال مؤكدة، لأن معناها قد فُهِمَ من عاملها، ويمكن أن تكون حالًا مُبَيَّنَةً لأن الفساد أعَم والعثي أخص.
(٩) وهو مرويٌّ عن أبي العالية ومجاهد، أخرجه ابن جرير عنهما. [ابن جرير الطبري (٢/ ١٢)].
[ ١ / ١٨٥ ]
الخَبيصَ طعامًا واحدًا وإنْ جمع الحلاوة والسمن والدقيق. والواحد: اسمٌ لعماد الأعداد، والدعاء: نظير الندبة، ودعاؤك مَنْ فوقك بمعنى الاستنجاد والاستعانة. والسلام في ﴿لَنَا﴾ أي: لأجلنا. و﴿يُخْرِجْ﴾ جزم على جواب الأمر، واللام في ﴿لَنَا﴾ للتخصيص، كقولك: الثوب لعبدي. ومِنْ في ﴿مِمَّا﴾ صلة أو قائم مقام اسم يتضمنه (١). والإنبات: تنميةٌ وتربية قابلة للنماء. و(مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ للتفسير. والبقل: اسمٌ شاملٌ أجناس الخضروات من رِطَاب (٢) الأرض. واحدها: بقلة (٣)، والقِثَّاء: الخيار. والفُوم: الثوم (٤) كالجَدَث والجَدَف، ويقال: زيدٌ فمَّ عمرو، أي: ثُمَّ. قال:
وأنتم عبيدٌ لئامُ الأصول طعامكم الفوم والحوقل (٥)
وقيل القوم: الحنطة (٦)، يقال: فوَّموا الناس، أي: اختبزوا، وقيل القوم: اسم للحبوب، قال الشاعر:
قد كنتُ أحْسَبُني كأغنى واحد ورد المدينة عن زراعة فومِ (٧)
_________________
(١) مفعول ﴿يُخْرِجْ﴾ محذوف عند سيبويه، تقديره: مأكولًا، والجار يجوز أن يتعلق بالفعل قبله وتكون "من" لابتداء الغاية، فتكون صفة لذلك المفعول المحذوف، فيتعلق بمضمر التقدير: مأكولًا كائنًا مما تنبته الأرض، و"من" للتبعيض، ومذهب الأخفش أن "مِن" زائدة في المفعول. والتقدير: يخرج ما تنبته الأرض. وأما "ما" فيجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف ولا يجوز جعلها مصدرية لأن المفعول المحذوف لا يوصف بالإنبات. [الدر المصون (١/ ٣٨٧) - الكشاف (٢/ ١١٠)].
(٢) جمع رُطْب وهو الرعي الأخضر من بقول الربيع. [تهذيب اللغة (٢/ ١٤٢١)].
(٣) في "ي" "ن": (بقل).
(٤) وهو قول مجاهد والربيع، رواه عنهما الطبري في تفسيره، وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود ﴿وثومها﴾. أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩١ - التفسير) وابن أبي داود في المصاحف ص ٥٤ بأسانيد ضعيفة. [الطبري (٢/ ١٨) - ابن كثير (١/ ١٤٤)].
(٥) عزاه القرطبي في تفسيره (١/ ٤٢٥) وعزاه لحسان بن ثابت.
(٦) وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم [أخرجه الطبري (٢/ ١٧)].
(٧) البيت لأبي محجن الثقفي كما في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (٢٥٤) والأغاني (١٩/ ٢)، واللسان "ف وم".
[ ١ / ١٨٦ ]
والعدس: حبة يستوي كيله ووزنه، ويقال له: البُلْسُن. والبصل: الحوقل. والبري: العُنْصُل. والأدنى: حذفت الهمزة تخفيفًا (١). وقيل الأدنى: الأقرب متناولًا ووجودًا، وذلك الوصف ينبىء عن الكساد والهوان. وقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ على التقريع.
وصرف ﴿مِصْرًا﴾ لأنها غير مُعرَّفة (٢)، يعني مصرًا من الأمصار، وهو اسمٌ للمدينة. وأصل المِصْر: الحدّ، ومُصور الدار: حدودها. قال الشاعر (٣):
وجاعلُ الشمسِ مِصْرًا لا خفاءَ به بين النهارِ وبين الليل قد (٤) فضلا
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي: سؤالكم بها إن هبطتم. والسؤال هاهنا
_________________
(١) وهو مهموز -كما حكاه الخطابي- من الدنيء البيِّن الدناءة بمعنى الأخس، فخففت همزته، وقيل: مأخوذ من الدون أي الأحط، فاصله أَدْوَن، أَفْعَل، قُلِبَ فجاء أَفْلَع وحولت الواو ألفًا لتطرفها، وذكر الزجاج أن "أدنى" مأخوذ من الدنو أي القرب المكاني لخسَّته. [معاني القرآن للزجاج (١/ ١٤٣) - الدر المصون (١/ ٣٩٤) - الطبري (٢/ ١٣٠)].
(٢) قرأه الجمهور منونًا، وهو خط المصحف، بمعنى أنهم أُمِرُوا بهبوط مصر من الأمصار فلذلك صُرِف. وقيل: أُمِرُوا بهبوط مصر بعينه وإنما صرف لخفته وسكون وسَطه مثل هنْد ودعْد، ومنه قول جرير: لم تَتَلَفَّعْ فَضْل مِئْزَرِهَا دَعْدُ ولم تُسَقْ دَعْدُ في العُلَبِ فجمع الشاعر بين الأمرين. وقرأ الحسن وغيره: "مصرَ" غير منونة وكذلك هي في بعض مصاحف عثمان ومصحف أُبَيّ. وقال الزمخشري: إنه مُعَرَّب من لسان العجم. والمصر في أصل اللغة: هو الحد الفاصل بين الشيئين. ولذا كان أهل هجر إذا كتبوا بيع دار قالوا: اشترى فلان الدارَ بمُصُورِها - أي بحدودها. ومنه قول عدي بن زيد: وجاعِل الشمسِ مصرًا لا خفاءَ بهِ بين النهارِ وبين الليلِ قد فَصَلا [البحر (١/ ٢٣٤) - الكشاف (١/ ٢٨٥) - ديوان عدي بن زيد ص ١٥٩ - القرطبي (١/ ٤٢٩) - الدر المصون (١/ ٣٩٦)].
(٣) الشعر لـ: عدي بن زيد العبادي التميمي النصراني كما في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١٢١).
(٤) (قد) ليست في "ن" "أ".
[ ١ / ١٨٧ ]
بمعنى الاستبانة دون الإخبار. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أُلزموها (١)، ومنه الضرائب. وكان ابتداء ذلَّتهم من وقت بختنصر فإذا هي تتزايد (٢) كل يوم. و﴿الذِّلَّةُ﴾ الصَّغَار. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ذهابُ العزِّ والمُلك وفقرُ القلب ﴿وَبَاءُوا﴾ حادوا (٣) عن درجة السعداء ورتبة المفلحين (٤). وقد صحبهم موجباتُ غضب الله. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة فعلهم باؤوا. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات إرميا (٥) النبي وآيات عيسى وغيرهما - ﵈ - وانَّما قال: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ على وجه التأكيد أو لاستوائهم مع (٦) غيرهم في حكم القصاص وسائر الأحكام، وان كانوا معصومين. والعصيان: تركُ الأمرِ عمدًا أو إباءً أو زلةً، والاعتداءُ: مجاوزةُ الحد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ عارضةٌ في خطاب بني إسرائيل حثًا على الإيمان والعمل الصالح، إذ المقصود من ذلك المؤمنون واليهود والنصارى. وإنما جمع بين المؤمنين وهؤلاء في الذكر لما جمع بين الإيمان والعمل الصالح في الشرط. واليهود: جمع يهوديّ، مثل عربيّ وعجميّ، من قول موسى والسبعين ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٧)، وقيل: نسبوا إلى يهوذ ابن يعقوب، وهذا لا يصح لأنَّه سبطٌ واحد ولا يشملهم، ولأنَّ إسلامهم يزيلُ الاسمَ عنهم، والنسبة لم تزل الإِسلام، وفيه إبدال حرف بلا فائدة. وقيل: لتهوّدهم، أي: تحركهم عند القراءة. ويحتمل أنه متأخر
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة بسند صحيح في قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. [التفسير الصحيح د. حكمت بشير (١/ ١٦٨)].
(٢) في "ن": (بين أيدي).
(٣) في "ب": (حالوا).
(٤) أصل باءَ في اللغة: رجع، ومنه قول الشاعر [منسوب لجابر بن جبير التغلبي]: ألا تنتهي عَنَّا ملوك وتتقي محارمَنَا لا يبوءُ الدمُ بالدمِ أي: لا يرجع الدم بالدم في القود.
(٥) في "أ": (إدرميا).
(٦) في "ب": (من).
(٧) سورة الأعراف: ١٥٦.
[ ١ / ١٨٨ ]
موضوع (١) لأجلهم. وقيل: اسمٌ اعجمي معرب، فلما عُرَّبَ جُعل كأنه اشتق من هَادَ يهُود (٢). ﴿وَالنَّصَارَى﴾ جمعُ نَصْران، مثل: حيران وحَيَارَى، أو جمع نَصْري، مثل: بعير مَهْري وإبل مَهَارى. مأخوذٌ من نصرهم عيسى، إذ قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). ويقال: لنسبتهم إلى قرية ناصرة، ويجوزُ أن يكون للمعنيين جميعًا (٤). ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ أهلُ الكتاب عند أبي حنيفة تحلّ مناكحتهم وذبائحهم ووافقه السُّدي (٥)، وقيل: هم قومٌ
_________________
(١) في "ن": (موضع).
(٢) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود، وفي معنى هذا الاسم ثلاثة أقوال: الأول: أنه من هاد يهود إذا تاب، وسموا بذلك لتوبتهم من عبادة العجل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا، ومنه قول الشاعر: أنَّي أمرؤٌ من حُبَّهِ هائِدٌ أي تائب. الثاني: أنه من التهويد، وهو النطق في سكون ووقار. ومنه قول الراعي النميري: وخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ الثالث: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ"هدنا إليك" أي: خضعنا إليك. وأما من حيث نسبة هذا الاسم فقيل: نسبة إلى يهوذا بالذال المعجمة، وهو ابن يعقوب - ﵇ -، فغيرته العرب من الذال المعجمة إلى الدال المهملة. [اللسان "هود"- القرطبي (١/ ٤٣٣) - ابن عطية (١/ ٣٠٠) - الدر المصحون (١/ ٤٠٥)].
(٣) سورة آل عمران: ٥٢.
(٤) قال سيبويه: النصارى جمع، واحده نَصْران ونَضرَانة كندمان وندمانة، ومنه قول الشاعر [ينسب إلى أبي الأخزر الحماني]: فكلتاهما خَرَّتْ وأَسْجدَ رأسُها كما أَسْجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لم تَحَنَّفِ وأنشد الطبري في نصران قول الشاعر: يَظَلُّ إذا دارَ العِشَا مُتَحَنَّفًا ويُضْحِي لَدَيْهِ وهو نصرانُ شَامِسُ قال سيبويه: إلا أَنَّه لم يستعمل في الكلام إلا بياء النسب. وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: واحد النصارى نصري كمهري ومهارى. وقال الزمخشري: الياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري. [الكتاب (٢/ ٢٩ - ١٠٤) - البحر (١/ ١٥١) - اللسان "نصر" - الطبري (٢/ ١٤٣) - ابن عطية (١/ ٣٠١)].
(٥) ابن أبي حاتم (٦٣٩).
[ ١ / ١٨٩ ]
يؤمنون بإدريس - ﵇ - ويوحِّدون ويعظِّمون الكواكب السيَّارة كتعظيم القِبْلة. ويحتمل أنه عني الفلاحين من نصارى بني تَغْلِبَ الذين (١) لا يُمسِّكون بجمِيع شرائع النصارى. وقال ابن عباس: هم قومٌ من النصارى ألينُ منهم قلوبًا.
ويحتمل أنه عني المتهود أو المتنصر من المجوس وعبدة الأوثان لأنهم يُقرُّون (٢) على ما ينتقلون إليه عندنا بخلاف المرتدين. ويحتمل أنه عني قومًا قد انقرضوا.
وقال صاحباه (٣): هم عبدة الكواكب، ووافقهما قتادة (٤).
_________________
(١) (الذين) ليست في "ب".
(٢) في "ن": (لا يقرون).
(٣) أي أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن.
(٤) هناك مبحثان في "الصابئون"؛ المبحث الأول: الناحية اللغوية لهذه الكلمة، والمبحث الثاني: الناحية المعنوية. أما المبحث الأول: من قال إنه مهموز، وهو قول الجمهور، فيكون من صبأ يقال: صبأ ناب البعير: أي خرج، وصبأتِ النجوم: طلعت. أما من قال إنه غير مهموز فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ماخوذًا من المهموز، فأبدل من الهمزة حرف علة إما ياءً أو واوًا، فصار من باب المنقوص مثل قاضٍ وغازٍ، فيكون الأصل صابٍ ثم جمع كما يُجْمع القاضي والغازي، إلَّا أنَّ سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلا في الشعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقًا. ثانيهما: أنه من صبأ يصبو إذا مال، فالصابي كالغازي أصله: صابو، فَأُعِلَّ كإعلال غازٍ. المبحث الثاني: معنى "الصابئون" قيل: هم الذين خرجوا من دين اليهود والنصارى فأصبحوا لا دين لهم، وقيل: هم قوم يعبدون الملائكة أو الكواكب، وقال إسحاق بن راهويه: هم فرقة من أهل الكتاب، ولذا قال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: هم قوم يزعمون أنهم على دين نوح - ﵇ -، ونقل القرطبي عن بعض مشايخه أنهم حكموا بكفرهم، ولقد حقق شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه "الرد على المنطقيين" ص ٤٥٤ حقيقة الصابئة وذكر أنهم نوعان: صابئة حنفاء وهم بمنزلة من كان متبعًا لشريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتحريف، وهؤلاء حمدهم الله وأثنى عليهم. والصابئة المشركون وهم قوم يعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلّون. والكلام يطول حول تفاصيل عقيدتهم. =
[ ١ / ١٩٠ ]
والأجر: الخيرُ الموجب على السعي. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) في حكمِهِ وعلمه ورأيه، ففلانٌ (٢) عند فلان، أي بيديه، والشيء عندَ فلان، أي: في قبضته، وعن علي بن أبي طلحة (٣) عن ابن عباس (٤): أن الآية كانت في شأن مَنْ آمن بالله واليوم الآخر فقط، وهو ثابتٌ على ملة يحسن فيها، فصارت منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٥).
وهذا التأويل محمولٌ على قومٍ لم يتكلفوا على الإيمان بنبي آخر وكتاب آخر حتى ماتوا. وفي هذه الرواية دلالة على جواز نسخ الجزاء في المستقبل عند الإعلام (٦) كنسخ الواجبات من الأمر والنهي بخلاف الواقعات من الأخبار، إذ نسخ الأخبار غير متصور.
ثم عاد إلى خطاب بني إسرائيل فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وأخذه: عقدُهُ وأحكامه (٧). قال في المنافقين: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (٨) وقد
_________________
(١) = [الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة بإشراف الدكتور مانع الجهني ﵀ (٢/ ٧١٤) - تهذيب اللغة "صبا" (١٢/ ٢٥٦) - اللسان "صبا" - التبصرة ص ٤٢٢].
(٢) في النسخ الآية خطأ (عند ربه).
(٣) في "أ" "ن": (فلان).
(٤) هو علي بن أبي طلحة سالم بن المخارق الهاشمي، يكنى أبا الحسن، مولى بني العباس، أصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، قال أحمد: له أشياء منكرات، وقال الآجري عن أبي داود: وهو إن شاء الله مستقيم الحديث ولكن له رأي سوء، كان يرى السيف، أرسل عن ابن عباس ولم يره، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. [تهذيب التهذيب (٧/ ٢٩٨)؛ ميزان الاعتدال (٥/ ١٦٣)؛ المغني في الضعفاء (٢/ ٤٥٠)؛ رجال مسلم (٢/ ٥٦)].
(٥) ابن جرير (٢/ ٤٥) وابن أبي حاتم (٦٣٥)، وعزاه صاحب الدر (١/ ٧٤) لأبي داود في "الناسخ والمنسوخ".
(٦) سورة آل عمران: ٨٥.
(٧) في "ن": (الإسلام).
(٨) أبهم الله - ﷿ - الميثاق في هذه الآية وأوضحه في آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . .﴾ الآية [البقرة: ٨٣].
(٩) سورة التوبة: ٥٠.
[ ١ / ١٩١ ]
يكون بمعنى الأسر، كقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (١)، وبمعنى الغصب كقوله: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٢)، وبمعنى القبول والتمسك كقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٣) ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ أي: قلعنا وحبسنا فوق رؤوسكم، وذلك أنَّ الله لما أنزل التوراة على موسى فأبى قومه أن يقبلوه فأمر الله تعالى بملائكة نتقت الجبلَ فوقهم فنودوا أن اقبلوا التوراة وإلا أرضختم به، فخرّوا لله ساجدين على شقِّ وجوههم يلاحظونَ الجبلَ، وقبلوا التوراةَ مكرهين.
وفي رواية عطاء (٤) وابن عباس (٥): رفع الله الطور فوقهم وبعث نارًا من قِبل وجوههم وأتاهمُ البحر الملح (٦) من خلفهم، فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا التوراة أحرقكم الله بهذه النار (٧) وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل، فأخذوا كارهين. والرفع نقيض الوضح. وفوق الشيء: ما لم يلحقه لعلوِّه وارتفاعه من حدّ أو حال أو محل كهاهنا (٨). والطور: الجبل (٩)، وقيل: الجبلُ المنبت. قال ابن عباس: هو طور سيناء، والقوةُ:
_________________
(١) سورة التوبة: ٥.
(٢) سورة الكهف: ٧٩.
(٣) سورة البقرة: ٦٣.
(٤) هو عطاء بن أبي رباح واسمه أسلم القرشي مولاهم أبو محمَّد المكي، الإِمام، شيخ الإسلام مفتي الحرم، انتهت فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد. وورد عن بعض أهل العلم أن عطاء كان أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي وكان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث، وورد عن ابن عباس أنه قال: تجتمعون إليَّ وعندكم عطاء، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور وقد عاش ثمانيًا وثمانين سنة. [سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٤٥)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ١٧٩)؛ رجال مسلم (٢/ ١٠٠)؛ صفوة الصفوة (٢/ ٢١١)].
(٥) البغوي (١/ ١٢٥).
(٦) في "أ": (المالح).
(٧) (النار) من "ن".
(٨) في "ب": (كما)، وفي "أ": (كذا).
(٩) الطور في كلام العرب هو الجبل، ومنه قول العجاج: دانَى جناحَيْهِ من الطورِ فَمَرّ تَقَضَّي البازِي إذا البازِي كَسَرْ =
[ ١ / ١٩٢ ]
شدةٌ تنافي الانثناء (١) والانكسار. وأراد هاهنا: القوة في القبول والإقبال (٢). والذكر هاهنا: المحافظة والتذكر والاعتبار (٣)، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ راجعٌ إلى قوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وقيل إلى قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم، كقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ (٤) والمراد به: إعراضهم عما أُخِذَ عليهم الميثاق لأجله. و﴿لَوْلَا﴾ لفظةُ شرط تقتضي توهُّم عدم المحيل لتوهم وجودِ المُحَال (٥). وفائدتها: التنبيه على تأثير المحيل ويليها اسم مرفوع وجوابها باللام فعل مُثبت باللفظ أو منفي. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ تفضل الله وهو زيادة ما يستحقونه من الملاذ والمُهْلة وزيادة الدعوة والاستتابة مع التمكين من الإجابة. وإنما قال: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لأنه رجع إلى المعنى أعني التفضيل أو لأنه نعمة عليهم.
_________________
(١) = وقيل: هو اسم جبل بعينه، وهو الجبل الذي ناجى اللهُ عليه موسى - ﵇ -. وقيل: هو من الجبال التي يحصل فيها الإنبات، روفي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، والجبل بالسريانية هو الطور. [الطبري (٢/ ٤٨) - ديوان العجاج ص ٢٨].
(٢) في "أ": (الاستنثار).
(٣) وعن ابن عباس - ﵄ - "بقوة" قال: بجد [أخرجه الطبري (٢/ ٥٢)].
(٤) والمراد به التوراة. أي: اذكروا ما في التوراة واعملوا به كما قال أبو العالية والربيع وغيرهما فيما رواه الطبري (٢/ ٥٤).
(٥) في "ب": (القوم).
(٦) "لولا" حرف امتناع لوجود. قال أبو البقاء العكبري: هي مركبة من "لو" و"لا". و"لو" قبل التركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و"لا" للنفي، والامتناع نفي في المعنى، وقد دخل النفي بـ "لا" على أحد امتناعي لو، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا، فمن هنا صار معنى "لولا" هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره. وذكر المؤلف أن الذي يليها اسم مرفوع، هذا هو الأصل خلافًا للكسائي حيث أجاز رفع الاسم بفعل مضمر، وقال الفراء: مرفوع بنفس "لولا" وخبره واجب الحذف للدلالة عليه وسَدَّ شيءٍ مسدّه وهو جوابها، والتقدير: ولولا فضل الله كائن أو حاصل ولا يجوز أن يُثْبَت إلا في ضرورة الشعر، ولذلك لُحَّنَ المعري في قوله: يذيبُ الرُّعْبُ منه كلُ عَضْبٍ فلولا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لسالا [الإملاء (١/ ٤١) - الكتاب (١/ ٥٢٨) - الدر المصون (١/ ٤٠٩)].
[ ١ / ١٩٣ ]
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ نزلت في شأن هؤلاء اليهود أيضًا، يذكِّرهم قصةَ قوم منهم كانوا يسكنون أيلة على ساحل البحر ابتلاهم بإتيان الحيتان آمنةً يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم مخافة الاصطياد، وذلك بإلهام الله تعالى الحيتان كإلهامه الصيد في الحرم فلا ينفر. فاعتدوا في سبتهم حرصًا وشرهًا فمسخهم الله قردةً خاسئين. قال ابن عباس (١): اعتداؤهم حقيقة الاصطياد في يوم السبت.
وقال الحسن: كانوا يرسلون الشصوص في آخر يوم الجمعة وكانت الحيتان تعلق بها يوم السبت فيأخذون يوم الأحد وكانوا منهيين عن الحيل ثم وضع الإصر عن هذه الأمة وأباح الحيل فيما لا يستقبح، وفي لفظه (٢) (قَدْ) نوع (٣) تأكيد لإثباته الفعل الواقع حيثما كان ولا يدخل على الأفعال المجزومة لأنها ليست بواقعة ولا (٤) على الأفعال التي أكدت بالنون لاستثقال التأكيدين والقسم مقدَّر فيه فكأنه قيل: والله لقد علمتم (٥). والعلم: رؤية تنفي الجهالة أو رؤية تعم (٦) الغيب والشهادة. ويتعدى (٧) إلى مفعول واحد، كقولك: علمت (٨) الخير والشر، وإلى مفعولين كقولك:
_________________
(١) الطبري (٢/ ١٦٨) عن ابن عباس - ﵄ - مطولًا.
(٢) (وفي لفظة) ليست في "أ".
(٣) (نوع) ليست في "ن".
(٤) (ولا) ليست في "أ".
(٥) "قد" حرف تحقيق وتوقع، وتفيد في المضارع التقليل إلا في أفعال الله تعالى فإنها للتحقيق، وقد تخرج المضارع إلى المُضِي كقول الشاعر [ينسب لعبيد بن الأبرص]: قد أتركُ القِرْنَ مُصْفَرًا أناملُهُ كأنَّ أثوابه مُجَّتْ بِفُرْصَادِ الفرصاد: ماء التوت. وهي لا تدخل إلا على الماضي والمضارع وتحدث في الماضي التقريب من الحال ولها استعمالات أخرى مفصلة في بابها. [الدر المصون (١/ ٤١٢) - ديوان عبيد بن الأبرص ص ١٤٩ - الكتاب (٢/ ٣٠٧) - شواهد المغني ص ٤٩٤ - ابن يعيش (٨/ ١٤٧)].
(٦) (تعم) ليست في "أ".
(٧) (ويتعدى) ليست في "أ".
(٨) في "أ": (علمتم).
[ ١ / ١٩٤ ]
علمت (١) كذا. ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في يوم السبت، وقيل في استخفاف شأن السبت. والسبت الذي يلي الجمعة، وهو مصدر لقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ (٢) وهو عبارة عن الفراغ والاستراحة (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ (٤) ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ حقيقة القول عند أهل السنة ﴿كُونُوا﴾ أمر تكوين (٥) وإيجاد، كقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا﴾ (٦) الآية. وقول الله تعالى حقيقة، وقد أكّد بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٧) والتأكيد لنفي إيهام الاستعارة، وفي فحوى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (٨) الآية ما يدلُّ على أن القول صفته حقيقة، والأدلة عليه موجودة في سائر قصصه وأخباره وأوامره ونواهيه ووعده (٩) وإيعاده. وقول الجماد فلأن الله تعالى أنشأ النطق في الأجزاء المؤلفة علي بنية حيوانية، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (١٠) فلولا أن تسبيح الجبال بالقول حقيقة وإلا لم يكن
_________________
(١) "علم" هنا بمعنى عرف، فهي تتعدى إلى مفعول واحد، و"الذين اعتدوا" الموصول وصلته في محل نصب مفعولًا به. ولا حاجة إلى حذف مضاف كما قدره بعضهم.
(٢) سورة الأعراف: ١٦٣.
(٣) السبت في الأصل مصدر سبَتَ، أي: قطع العمل. وقال ابن عطية: السبت: إما مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدَّعَة، وإما من السَّبْت وهو القطع لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها، ومنه قولهم: سَبَتَ رأسه أي: حَلَقَه. وقال الزمخشري: السبت مصدر سَبَتَت اليهود إذا عظَّمت يوم السبت. قال السمين الحلبي وفيه نظر: فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك. [الدر المصون (١/ ٤١٣) - الكشاف (١/ ٢٨٦) - الإملاء (١/ ٤٢)].
(٤) سورة النبأ: ٩.
(٥) كذا قال السمعاني في تفسيره (١/ ٥٠٦)، وانظر: البغوي (١/ ٦٩)؛ والبحر (١/ ٣٤٦)؛ وابن عطية (١/ ٣٠٨).
(٦) سورة النحل: ٤٠، والآية كتبت خطأ.
(٧) سورة فصلت: ١١.
(٨) سورة الشورى: ١٦٤.
(٩) (ووعده) ليست في "أ".
(١٠) سورة الأنبياء: ٧٩.
[ ١ / ١٩٥ ]
لتخصيصه معنى. ﴿قِرَدَةً﴾ واحد قرد كالفيل والفِيَلة، وهو ضرب من الوحوش يأتلف كالدب، وتسمى الأنثى قشة. والأمة الممسوخة لا تتناسل عند أكثرهم لأنهم لم يعيشوا فوق ثلاث. وقيل: إن هذه القردة منهم، ويجوز تناسل الممسوخ وبقاؤه (١)، وقد روي أن النبي - ﷺ - تحرَّج عن أكل الضب (٢).
وقال: "إن أمةً من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض ولا أدري أي الدواب هي" (٣).
﴿خَاسِئِينَ﴾ متباعدين على الذلِّ والصِّغار، تقديره: خاسئين قردة (٤) وإلا يقال: قردة خاسئة، لكن التقديم والتأخير لوفق رؤوس الآي.
_________________
(١) اختلف العلماء في الممسوخ هل يَنْسُل على قولين؛ قال الزجاج: قال قوم: يجوز أن تكون هذه القردة منهم، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، وقال الجمهور: الممسوخ لا يَنْسُل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك، والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبقَ لهم نسل، لأنه قد أصابهم السخط والعذاب. قال ابن عباس - ﵄ -: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب. وذكر ابن عطية أنه روي عن النبي - ﷺ - ذلك، وصَحَّحَ القرطبي هذا القول واعترض كلام ابن العربي وردَّ جميع ما استدلَّ به وقال: لا حجة في شيء منه. وقد ردَّ الطبري قول مجاهد حين قال إنهم لم يمسخوا وبيَّن بطلان هذا القول مؤكدًا حقيقة المسخ الذي أنزله الله في بني إسرائيل فجعل منهم القردة والخنازير. [القرطبي (١/ ٤٤٠) - الطبري (٢/ ٦٦)].
(٢) في "أ": (الندب) وهو خطأ.
(٣) الحديث رواه أبو داود (٣٧٨٩)، والنسائي (٧/ ٢٢٦)، وابن ماجه (٣٢٣٨) والحديث صحيح.
(٤) في إعراب ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أربعة أوجه: الوجه الأول: أن يكونا خبرين بناء على أن الخبر لا يتعدد، قاله الزمخشري وجعلهما خبرًا واحدًا فهو من باب "هذا حلو حامض". الوجه الثاني: أن يكون "خاسئين" نعتًا لقردة، قاله أبو البقاء العكبري. الوجه الثالث: أن يكونا حالًا من اسم "كونوا" والعامل فيه "كونوا". الوجه الرابع: أن يكون حالًا من الضمير المستكن في "قردة" لأنه في معنى المشتق. [الكشاف (١/ ٢٨٦) - الإملاء (١/ ٤٢) - الدر المصون (١/ ٤١٤)].
[ ١ / ١٩٦ ]
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: القرية أو القردة أو الأمة أو العقوبة (١)، ﴿نَكَالًا﴾ عقوبة. تنكل الناس عن الإقدام على مثل جريمة حلَّت لأجلها، ويطلق على المعاقب أيضًا (٢)، وهو اسم كالسحاب والشراب (٣).
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قدامها. وبين الشيئين: ما توسطهما من المكان أو الحال. واليد: اسم للجارحة التي هي بمنزلة الجناح، وتطلق على معنى: النعمة والقدرة والقضية وغيرها (٤). والأصل: يدي، والجمع الأيدي. وخلف الشيء: المكان الذي هو يعرض عنه، والمراد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: من وراءها من الأمم والقرى. وقيل: من شاهدها ومن سمع بها (٥). والموعظة: مصدر كالموجدة، ولم تلحق الهاء بالأكثر كالموعد
_________________
(١) اختلف المفسَّرون في الضمير - الهاء والألف - في قوله: "فجعلناها" علام هو عائد. روي عن ابن عباس - ﵄ - فيه قولان: القول الأول: عائد على العقوبة وهي المسخة. والقول الثاني: أنه يعود إلى الحيتان مع أنه لم يجر لها ذكر، ولكن لما كان في الخبر دلالة كنى عن ذكرها والدلالة على ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. [الطبري (٢/ ٧٠) - الدر المنثور (١/ ٤٠١)].
(٢) النكال هو المنع، ومنه النِّكْلُ: اسمٌ للقيد من الحديد واللحام لأنه يُمْنَع به، وسمي العقاب نكالًا - كما ذكره المؤلف - لأنه يُمْنَع به غير المعاقب أن يفعل فِعْلَه ويَمْنَعُ المُعَاقَب أن يعود إلى فعله الأول. والتنكيل إصابة الغير بالنَّكَال ليُرْدَعَ غيره، ونكل عن كذا ينكل نكولًا امتنع. وفي الحديث: "إن الله يحبُّ الرجل النَّكَل" أي القوي على الفرس. [النهاية في غريب الحديث (٥/ ١١٦)].
(٣) في "ب": (السراب).
(٤) أما المعنى المراد في هذه الآية ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: ليحذر من بعدهم عقوبتي التي وقعت بين يدي المسخة ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ الذين كانوا بقوا معهم. هكذا قاله ابن عباس - ﵄ - فيما رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٧٠).
(٥) ما ذكره المؤلف من إطلاق اليد على معانٍ عدة منها اليد الجارحة التي هي من أطراف الأصابع إلى مفصل الكف، وهي مؤنث محذوفة اللام على وزن فَعْل يَدْيٌ، فحذفت الياء تخفيفًا، وهذا هو الأصل في إطلاقها. وتطلق ويراد بها القوة، ومنه قوله - ﷺ -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم" =
[ ١ / ١٩٧ ]
والموثق، وهو قريب من النصيحة والإنذار. وتخصيص اِلمتقين لأنهم هم المرادون بالاتِّعاظ وإن لزمت الحجة الكافة، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ إلى ست آياتٍ أو سبع نزلت في قصة عاميل المقتول في بني إسرائيل بعد رجوع موسى - ﵇ - بهم إلى مصر، قتله ابنا عمٍّ له ليرثاه فطرحاه بين قريتين عظيمتين (١). ورُوِيَ أن ابنَ أخٍ له قتله لينكحَ ابنته، ورُوِيَ أنه طرح (٢) على بابٍ من أبواب المسجد، وكان لمسجدهم اثنا عشر بابًا لكل سِبْطٍ بابٌ، فتخاصم الناسُ وتحاكموا إلى موسى - ﵇ - فحكم بحكم القَسَامة (٣)، وهي في التوراة على نحو ما في شريعتنا، غيرَ أنهم كانوا متعبدين (٤)، فيما يروى
_________________
(١) = [أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند حسن - صحيح الجامع رقم ٦٧١٢] ومنه قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. وتطلق ويراد بها الغنى والقدرة، تقول: له عليَّ يد، أي: قدرة، ومنه قول ذي الرُّمَّة: ألا طرقتْ ميُّ هَيُومًا بذكرها وأَيْدِي الثُّرَيَّا جُنَّحٌ في المَغَارِبِ وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن اعتراف للمسلمين، وَيد القوس: أعلاها، ويد السيف: مقبضه، ويد الرحا: العود الذي يقبض عليه الطاحن، ويد الطائر: جناحه، كما تطلق اليد على النعمة، ومنه قول الأعشى: فَلَنْ أَنْكُرَ النُّعْمَانَ إلا بصالحٍ فإنَّ له عندي يَدِيًا وأَنْعُمَا [المحكم (٩/ ٣٦٣) - ديوان ذي الرمة ص ١٩١ - لسان العرب "يدي" - العين (٨/ ١٠٢)].
(٢) القصة بطولها رواها الطبري في تفسيره، والبغوي عن أبي العالية وغيره، وعلَّق الحافظ ابن كثير في تفسيره على هذه الرواية بقوله: وهذه السياقات فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا نصدِّق ولا نكذِّب، فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا. اهـ. وما قاله ابن كثير هو المتعين، والله أعلم. [الطبري (٢/ ١٨٤) - البغوي (١/ ٧٠) - ابن كير (١/ ١٥٧)].
(٣) (أنه طرح) ليست في "أ" "ن".
(٤) القسامة: توزيع أيمان أولياء القتيل إذا ادَّعوا الدم، وبعبارة أخرى: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، وسمِّيت قسامة لأنها تعتمد على القسم. [المغني لابن قدامة (١٢/ ١٨٨)].
(٥) في "ن" "أ": (متعدين).
[ ١ / ١٩٨ ]
بأن يضعوا أيديهم على بقرةٍ مذبوحةٍ ثم يحلفوا بالله الذي لا إلهَ إلا هو إله بني إسرائيل ما قتلناه، وما علمنا قاتله. فلما وقعت هذه الواقعةُ أَبَوْا إلا تعيين القاتل، ولم يدفنوا المقتول أيامًا، وآل بهم الأمر إلى الاختلاف والاقتتال. فلما طالَ الشرُّ شَكَوْا إلى موسى - ﵇ - فوعدهُمُ الله تعالى إحياءَ المقتول على شريطة ذكرها في هذه الآية، لتبيين القاتل، ويكون ذلك آيةً على البعث والنشور، فاتَهموا نبيَّ الله، وغَلَوْا في دين الله، وما كادوا يأتون بالشريطة لكثرة تمرُّدهم وتردُّدهم. ثم قست قلوبُهم من بعد مشاهدة الآية أو وقوع العلم بها فهي كالحجارة أو أشد قسوة، على ما وصفه الله تعالى.
و(إذْ) ظرف على ما تَقَدَّمَ، ويحتمل أن يكون العامل فيه قالوا، ويحتمل أن يكون التقدير في قالوا: فقالوا، إلا أنه أسقط حرف العطف لاستقامة الجواب بذاته، كما في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) الآيات، ﴿بَقَرَةً﴾ واحده بقر (٢). والبقر: اسم جنس، والجمع باقر وبقور (٣). وفي الآية دليل على ثبوت العموم لأن تقديرها: أن تذبحوا بقرة ما (٤)، كما تقول (٥) للغلام: ناولني حصاةً وادعُ
_________________
(١) سورة الشعراء: ٢٣، ٢٤.
(٢) ليست في "ب".
(٣) البقرة: تقع على الذكر والأنثى نحو حمامة، والصفة يتميز الذكر من الأنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس مقابلة للثور نحو ناقة وجمل، وأتان وحمار، وسمي هذا الجنس بذلك لأنه يبقر الأرض أي: يشقّها بالحرث، والجمع بقر وبقور وباقر وبقير. ومن جمعها على أبقر قول معقل بن خويلد الهذلي: كأنَّ عَرُوضَيْهِ مَحَجَّة أَبْقُرٍ لهنَّ إذا ما رُحْنَ فيها مَذَاعِقُ وقال ابن سيده: إن باقر وبقير وبيقور وباقور وباقورة هي أسماء جمع. ورجل بَقَّار أي صاحب بقر. [المحكم لابن سيده (٦/ ٣٩٥) - أشعار الهذليين ص ١٣١٩ - لسان العرب "بقر" - تاج العروس "بقر"].
(٤) ليست في "ب" "أ".
(٥) ليست في "ب".
[ ١ / ١٩٩ ]
لي رجلًا، فجملوه على طريق الإجمال ولم يتسارعوا إلى الائتمار والإقبال فَزلُّوا وأَضلّوا. وقال - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لو اعترضوا على أية بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا فشدَّد الله على أنفسهم" (١). والهُزؤ: مصدرٌ أقيم مقام المفعول (٢)، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ يعني: مستهزأ به، والجهلُ: نقيضُ العلم. والشيءُ المجهول ما لا يثبت معلومًا معقولًا. وقد يكون بمعنى الاعتداء، قال الشاعر (٣):
أَلاَ لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا فَنَجْهَل فوقَ جهلِ الجاهلينا
والوجهان محتملان هاهنا، لأن من استهزأ في غير (٤) موضع الاستهزاء كان جاهلًا بقبحه متعديًا في أمره.
﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ تبيينك الشيءَ: تصييرُكَ إياه بيِّنًا، والبيان والإبانة والاستبانة بمعنى (٥)، وهو: الامتياز والاتِّضاح، والتمييزُ والإيضاح والتبيين نقيضُ: التلبيس وغير التبيين. ﴿مَا هِيَ﴾ استفهامٌ عن صفة (٦) البقرة،
_________________
(١) هذا الحديث رواه الطبري (٢/ ٢٠٤)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٦٢) وعزاه ابن كثير في تفسيره لابن مردويه وقال عن الحديث: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة". وقد ضعفه ابن حجر في الكافي الشافي (١/ ١٥١). والأثر وجدته عند ابن أبي حاتم (٦٩٠) من قول عبيدة السليماني عن بني إسرائيل، وهذا هو الراجح أنَّه من الإسرائيليات.
(٢) ﴿هُزُوًا﴾ هي مفعول ثانٍ لـ ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾، وفي وقوعها مفعولًا ثانيًا ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على حذف مضاف أي ذوي هُزْء. القول الثاني: أنه مصدر واقع موقع المفعول به، أي: مهزوءًا بنا. القول الثالث: أنهم جعلوا نفس الهُزْءِ مبالغة، وهذا القول أقرب الأقوال، وهو الذي رجحه السمين الحلبي في تفسيره. [الدر المصون (١/ ٤١٨) - البحر (١/ ٢٥٠) - الكشاف (١/ ٢٨٦)].
(٣) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم.
(٤) ليست في "أ".
(٥) ليست في "أ".
(٦) ليست في "ن".
[ ١ / ٢٠٠ ]
والاستفهام عن (١) الصفة قد يكون تارةً بلفظ إيش، وتارة بلفظ ما، وتارة بلفظ مَنْ، يقول: إيش هذا؟ وما هذا (٢)؟ ومَنْ هذا؟ والاستفهامُ عن الحال والهيئة يكون بلفظ كَيْفَ. وفيه دليلٌ على أن الصفة لا تباينُ الذات بخلاف الحال والهيئة (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهَا﴾ تدلُّ على أن تخصيص العموم لا يكونُ نسخًا وإلاَّ لَما صَحت الكناية عن الأول، لأنَّ النسخ عبارة عن الرفع والإزالة، والتخصيص: عبارة عن النص والإفراد.
﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي: ليسَت بمسنة ولا التي لم تنتج، وقيل البكر: التي لم تحمل إلا بطنًا واحدًا (٤). ﴿عَوَانٌ﴾ دون المُسِنَّة وفوق البكر، ورُفِعَ لأنه خبر مبتدأ محذوف (٥)، أي: هي عوان (٦). ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ اختصار، وتقديره: بين ذلك وذلك، قال الله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٧)، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٨) وقيل: معناه بين ذلك الوصف في الاثنين بين فعلهم وبين فعله.
وقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ يدلُّ على أنَّ الأمر غيرُ محتمل وأنهم لم يكونوا محتاجين إلى التفسير ولكن شددوا وتكلَّفوا مما لم يكن عليهم.
_________________
(١) (عن) إضافة منا ليستقيم المعنى.
(٢) (وما هذا) ليست في "ن".
(٣) (والهيئة) ليست في "ن".
(٤) انظر تفسير الطبري (٢/ ١٩٠) - زاد المسير (١/ ٩٧) - البغوي (١/ ٧١) - تهذيب اللغة (١٠/ ٢٢٣).
(٥) وقيل: ﴿عَوَانٌ﴾ صفة لبقرة، قاله السمين الحلبي واختاره محمود صافي في إعراب القرآن. [الدر المصون (١/ ٤٢١) - الجدول في إعراب القرآن لمحمود صافي (١/ ١٥٦)].
(٦) (عوان) ليست في "ب".
(٧) سورة النساء: ١٤٣.
(٨) سورة الفرقان: ٦٧.
[ ١ / ٢٠١ ]
﴿مَا لَوْنُهَا﴾ اللون: اسمٌ يعمُّ أعراضًا يتبين به الجوهر لحاسة العين. ﴿صَفْرَاءُ﴾ أي: لون اليرقان والزعفران، إلَّا أنَّ الصفراء قد يكون نعتًا للسود من الإبل، وذلك لأنَّ سوادها لا يخلو من صفرة، والدليل على أَنَّه لم يُرد ها هنا السواد تأكيدهُ بـ ﴿فَاقِعٌ﴾ لأنه يقال: أسود حالك وأصفرُ فاقع (١). وفاقع: خبر () (٢).
و﴿لَوْنُهَا﴾: اسم. ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ صفة للبقرة. والسرور: نقيض الحزن، ويدلُّ على أن المراد به الصُّفرة؛ لأنَّ الصفرة هي التي تسرُّ الناظرين.
﴿تَشَابَهَ﴾ اشتبه والتبس (٣)، وإنَّما لم يقل: تشابهت، لأن البقر اسم
_________________
(١) جمهور المفسرين أنها صفراء اللون من الصفرة المعروفة، حتى ذهب بعضهم إلى أن الصفرة في القَرْن والظِّلْف. وذكر بعضهم أنه من شدة اصفرارها أصبح لونها قريبًا من السواد، حتى قال الحسن البصري: "صفراء" معناه سوداء، ومنه قول الشاعر [وينسب للأعشى]: تلك خيلي منه وتلك رِكابي هنَّ صُفْرٌ أولادها كالزبيبِ والأظهر والله أعلم أنه لا تقارب بين الاصفرار والسواد، ولو كان قريبًا منه لما أكده بـ ﴿فَاقِعٌ﴾ وهو نعت مختصٌّ بالصفرة، ولذا تقول العرب: أسود حالك، وأحمر قانٍ، وأبيض ناصع، وأخضر ناضر، وأصفر فاقع. قال الكسائي: يقال: فقع لونها يفقع فقوعًا إذا خلصت صفرته. [لسان العرب "فقع" - الطبري (٢/ ٩٤) - القرطبي (١/ ٤٥٠) - ديوان الأعشى ص ٦٨].
(٢) كلمة غير واضحة، ولعلها حتى يستقيم الكلام [مقدم] أي أن "فاقعٌ" خبر مقدم و"لونها" مبتدأ مؤخر كما ذكره أبو البقاء. [الإملاء (١/ ٤٢)].
(٣) قرىء ﴿تَشَّابَهَ﴾ مشددًا ومخففًا، والأصل: تتشابهُ بتاءين، فأدغم وحذف منه أخرى، وكلا الوجهين مقيس. وقرأ ابن مسعود: ﴿يَشَّابَهُ﴾ بالياء، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان لأن فاعله اسم حسن، وفيه لغتان: التذكير والتأنيث، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] فأنَّثَ، وقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] فذكِّر. وفي مصحف أُبَيّ: ﴿تَشَّابَهَت﴾ بتشديد الشين، قال أبو حاتم: هو غلط لأن التاء في هذا الباب لا تُدْغَم إلا في المضارع. [البحر (١/ ٢٥٣) - ابن عطية (١/ ٣١٥) - معجم القراءات (١/ ٧٠) - المذكر والمؤنث للأنباري ص ٥٤٧].
[ ١ / ٢٠٢ ]
الجنس. قال - ﵇ - (١): "لولا أنهم استثنوا لما اطَّلعوا على قاتله" (٢). وفي هذا ونظائره دليلٌ على أنَّ الأمور خيرها وشرها بمشيئة الله (٣).
﴿لَا ذَلُولٌ﴾ إنما ارتفع لأنه صفة معينة (٤) وليس بجنس، ومن حق (لا) أن تبنى مع الأجناس فكأنه قال: ليست بذلول لإثارة الأرض. والذلول: المُسَخَّر (٥). وإثارةُ الأرض: ضربُها وقلبُها. وقيل: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ مستأنف غير متصل (٦) بما قبله، واستحسن (٧) الوقف على قوله: لا ذلول (٨). وقيل: لا ذلول، أي: ليست بذلول للحمل (٩) والركوب.
والحرث: اسم هاهنا، ويجوز أن يكون مصدرًا كالحراثة، وهو يطلق على ما لم ينبت من البذر، فإذا نبت فهو زرع ويجوز () (١٠) اسم الزرع ولا يجوز تقديم اسم الزرع. وإنما يسقى البقرُ الأرض بالدوالي إذا كانت مرتفعة. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ صفة للبقرة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف،
_________________
(١) في "ب": (ﷺ).
(٢) الحديث روي موصولًا عند ابن أبي حاتم (٧٢٢) وسنده ضعيف جدًا، ويروى عند الطبري (٢/ ٢٠٥) وغيره بأسانيد مرسلة ومنقطعة ولا يصح بطريق موصولة. انظر: الدر المنثور (١/ ٧٧).
(٣) (الله) ليست في "أ".
(٤) وقيل إن "ذلول" خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: لا هي ذلول. والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع صفة لبقرة. وعلى قراءة أبي عبد الرحمن السلمي ﴿لا ذلولَ﴾ بالنصب على أن "لا" للتبرئة والخبر محذوف. التقدير: لا ذلولَ ثَمَّ. ومنع الأخفش النصب وقال: لا يجوز نصبه. [ابن عطية (١/ ٣١٦) - الكشاف (١/ ٢٨٨) - الدر المصون (١/ ٤٢٨)].
(٥) أي لم يذللها العمل، يقال: بقرة مذلَّلَة بيِّنة الذِّل - بكسر الذال -، ورجل ذليل بيِّن الذُّلِّ - بضم الذال -. أي: هي بقرة صعبة غير رَيِّضة لم تذلَّل بالعمل. [تهذيب اللغة "ذلل" (١٤/ ٤٠٨) - الكشاف (١/ ٧٥) - البحر (١/ ٢٥٦)].
(٦) في "ن": (مستأنف).
(٧) في "ي" "ب": (ليستحسن).
(٨) (لا ذلول) ليست في "ن".
(٩) في "أ" "ن": (الحمل).
(١٠) كلمة غير مقروءة، ولعل الكلمة الساقطة (أن يكون) ليستقيم الكلام.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ومعناه: مَصُونةٌ عن الآفات وهي (١) العيوب والتسخير ﴿لَا شِيَةَ﴾ لامعة (٢)، وعن سعيد بن جبير (٣) والحسن: كانت صفراء الظِّلفِ والقرن (٤). و﴿الْآنَ﴾ اسم للوقت الموجود أعني الحال (٥)، وهو منتصبٌ على الظرف، والعامل فيه جِئْتَ، والمجيءُ: الإتيانُ بالحَقِّ أي: ما لا يندفع بالدفع ولا يلتبس، وهاهنا اختصار تقديره: فوجدوها واشتروها فذبحوها.
جاء في التفسير أنهم وجدوها عند غلام (٦)، قال ابن عباس (٧): كان أبوه استودعَ الله تعالى هذه البقرة وهي عجل فَشَبَّتْ في الغيضة كالوحش، فلما كَبُرَ الغلامُ مَكَّنَتْهُ من نفسها، فأتى بها أُمَّهُ فلما ساوموا بها اليتيم قالت
_________________
(١) في "أ": (وعن).
(٢) قال الزجاج في معنى قوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: ليس فيها لون يفارق لونها. وردَّ الطبري والرازي هذا القول وقالا: إن اللفظ يقتضي سلامتها من العيوب، وهذا ما عليه عامة المفسِّرين، ولعلَّ قول المؤلف "لامعة" قريب من قول الزجاج الذي أكَّد على صفاء لونها في معنى "لا شية". [الطبري (٢/ ٢١٤) - الرازي (٣/ ١٢١) - تفسير السمعاني (١/ ٥١٤) - معاني القرآن للزجاج (١/ ١٢٤)].
(٣) هو سعيد بن جبير بن هشام، الإمام الحافظ المقرئ المفسِّر الشهيد، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الأسدي الكوفي، أحد الأعلام، ثقة ثبت، كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء - أي سعيد -، وقال ميمون: لقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، قُتل بين يدي الحجاج سنة اثنتين وتسعين ولم يكمل الخمسين، حديثه عند الستة. [تقريب التهذيب (٢٣٤)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ١١)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٣٨)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢١٠)].
(٤) الطبري (٢/ ١٩٩).
(٥) "الآن" ظرف زمان يقتضي الحال ويُخَلِّصُ المضارع له عند جمهور النحويين، وقال بعضهم: هذا هو الغالب وقد جاء لغير الحال كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ [الجن: ٩] وقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فلو كان يقتضي الحال لما جاء مع فعل الشرط والأمر اللذين هما نص في الاستقبال. [الدر المصون (١/ ٤٣٣) - البحر (١/ ٢٥٧)].
(٦) الطبري (٢/ ١٨٥ - ١٨٧)، وابن كثير (١/ ١١٣).
(٧) الطبري (٢/ ١١٠) وابن أبي حاتم (١/ ١٤٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
أمه: لا تَبعْها حتى تشاورني، وكان حينئذٍ (١) ثمن البقرة ثلاثة دنانير. فأبى الغلامُ وأُمُّه بيعها إلا بملء مَسْكِها ذهبًا، فاشتروا بذلك.
وقال السُّدِّيُّ: كان الغلامُ بارًا بأبيه، جاءه رجلٌ بلؤلؤ فابتاعه منه بسبعين ألفًا، وكان في اللؤلؤ فَضْلٌ فقال: إنَّ أبي نائم والمفتاح تحت وسادته فأنظرني ولك عشرة آلاف زيادة، فقال الرجل: وأنا أحطُّ عشرةَ آلاف على أن (٢) توقظ أباك. قال الغلام: وأنا أزيد عشرين على أن تنظرني ساعةً، فلم يزل يزيدُ هذا أو يحطُّ ذلك حتى استيقظ أبوه، فأعقبه الله ببرِّه بأبيه نفاسة تلك البقرة حتى اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبًا. قال وهب: كانت البقرة للقاتل، عن أبي العالية: كانت لعجوز قيمةٍ على اليتامى (٣).
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ على الذم لكثرة تردُّدهم.
﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ تدافعتم، صيّرت التاءُ دالًا وأُدغِمت في الدال فصارت المدغمة ساكنة فابتدأ بها همزة الوصل (٤). نظيره: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ (٥) و﴿تَسَاءَلُونَ﴾ (٦) والدرء: الدفع (٧) ﴿مُخْرِجٌ﴾، والإخراج: الإبراز والإظهار.
_________________
(١) (حينئذ) ليست في "أ".
(٢) في "ب" "ن": (عمَّا).
(٣) في "ب": (أيتام).
(٤) أي أن أصلها "تدارأتم" على وزن تفاعلتم، من الدرء. والدرءُ: العوج، ومنه قول أبي النجم العجلي: خشيةَ طغَّام إذا هَمَّ جَسَرْ يأكلُ ذا الدَّرْءِ ويقصي مَنْ حقرْ ما حصل لهذه الكلمةً من إعلال وإبدال هو: أن التاء قريبة من مخرج الدال، وذلك أن مخرج التاء من طرف اللسان وأصول الثنيتين، ومخرج الدال من طرف اللسان وأطراف الثنيتين، فأدغمت التاء في الدال فجعلت دالًا مشددة، ومنه قول الشاعر: تولي الضجيعَ إذا ما استافها خَصِرًا عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ يريد: إذا ما تتابع القُبَلُ فأدغمت إحدى التاءين بالأخرى. فلما أدغمت التاء في الدال جعلت دالًا مثلها فَسَكَنَت، فجلبوا ألفًا ليصلوا إلى الكلام بها. [معاني القرآن للفراء (١/ ٤٣٨) - الطبري (٢/ ١١٩)].
(٥) سورة التوبة: ٣٨.
(٦) سورة النساء: ١.
(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ١٢٦) - المحرر (١/ ٣١٩) - البحر (١/ ٢٥٩) - لسان العرب "درء" - الطبري (٢/ ٢٢٢).
[ ١ / ٢٠٥ ]
﴿اضْرِبُوهُ﴾ الهاء كناية عن الميت أو المقتول أو الشخص أو الإنسان أو الرجل (١).
﴿بِبَعْضِهَا﴾ ببعض البقرة. قال ابن عباس (٢): إنه العظم الذي يلي الغضروف. وعن الضحاك (٣) أنه: لسانها. وعن قتادة وعكرمة (٤) أنه فخذها، وخصَّ الكلبي: الفخذ اليمنى. وعن سعيد بن جبير أنه عَجْب ذنبها الذي تركب عليه الخلق ولا تأكله الأرض. وعن السُّدي (٥) أنه: المضغة التي بين كتفيها. وقيل هو: الأُذُن. والكاف للتشبيه (٦) و﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى إحياء عاميل. والإحياء ههنا تركيبُ الروح في الجسد و﴿الْمَوْتَى﴾ جمع مَيِّت وأصله عند الفراء: مَوِيْت كَصَرِيع وصرْعى (٧)، وجَرِيح وجَرحى،
_________________
(١) حتى يوافق عود الضمير على مذكر يجب تأويل النفس بالشخص أو الإنسان أو القتيل. [البيضاوي (٢/ ١٨٤) - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٥٦٥)].
(٢) ابن أبي حاتم (١/ ١٥٤)، وعزاه صاحب الدر (١/ ٧٩) لوكيع وعبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.
(٣) لم أجده عن الضحاك ولا عن غيره بهذا التفسير.
(٤) أما عن قتادة فرواه عبد الرزاق (١/ ٧٠) وعزاه صاحب الدر (١/ ٧٩) لعبد بن حميد، وأما عن عكرمة فرواه الطبري (٢/ ١٢٥) وابن أبي حاتم (٧٥٢).
(٥) ابن جرير (٢/ ١٢٦) وفيه (بالبضعة) بالباء، وما ذكره المؤلف عن الكلبي وسعيد بن جبير لم أجده في كتب التفاسير والمراجع التي بين يدي.
(٦) "كذلك" قال أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن: في محل نصب لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره: يحيي الله الموتى إحياءً مثل ذلك الإحياء، فيتعلق بمحذوف، أي: إحياءً كائنًا كذلك الإحياء، أو لأنه حال من المصدر المُعَرَّف، أي: ويريكم الإراءة حال كونها مُشْبِهَةً ذلك الإحياء، وهو مذهب سيويه. [إعراب القرآن للنحاس (١/ ١٨٨) - الدر المصون (١/ ٤٣٤)].
(٧) الموتُ والموتان: ضد الحياة. قال سيبويه: اعتَلَّتْ من فَعِلَ يَفْعُلُ ولم تُحَوَّلْ كما يُحَوَّلُ ونظيرها من الصحيح فَضِلَ يفضُلُ، ولم يجىءْ على ما كثر واطَّرد في فَعِلَ. وقال كراع: الأصل في ماتَ مَوِتَ بالكسر مثل دام أصلها دَوِمَ. ومَيْت ومَيِّت تجمع على أموات. وقال سيبويه: تجمع بالواو والنون لأن الهاء تدخل في أنثاه كثيرًا، ولذا يقال في الأنثى مَيِّتَة ومَيْتَة، ووافق المذكر كما وافقه في بعض ما مضى. وجاء في التنزيل: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. =
[ ١ / ٢٠٦ ]
فاستثقلت الكسرة (١) على الواو والخروج من الواو إلى الياء، فجعل ياء فأدغمت الياء في الياء. وقيل أصله: مَيْوِت.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ والرؤية: حقيقة المشاهدة، وإراءتك الشيء شيئًا: تحصيلك رؤيته إياه. قيل: المخاطبون هم اليهود، والمراد آباؤهم، والآيات: إحياء عاميل وغيره مما كان في بني إسرائيل، وقيل: هم اليهود والعرب، والآيات: إخبار النبي - ﵇ - عما لم يشهدهُ ولم يسمع به من الثقلين.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون (٢) وتفقهون، والمراد هاهنا استعماله والانتفاع به.
﴿قَسَتْ﴾ جَفَت وصلبت (٣).
وهي صلابةٌ مذمومة، يقال: درهمٌ قَسِيٌّ على وزن شَقِيّ وهو الرديء والمغشوش، وذلك لأنه أشدّ صلابةً مِنَ الفضة المحضة.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد إحياء عاميل.
﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أ﴾ أي: مثل الحجارة. و(أوْ) بمعنى الواو، وقيل
_________________
(١) = [المحكم لابن سيده (٩/ ٥٤٣) - جمهرة اللغة ص ١٣٠٧ - تاج العروس "موت" - لسان العرب "موت"].
(٢) في "أ": (الكثرة).
(٣) (تفهمون) زيادة من هامش "ي".
(٤) قست: بمعنى جَفَتْ وَغَلُظَت. كما قال الراجز: وقدْ قسوتُ وقسا لُدَّتي يقال: قسا وعسا وعتا كلها بمعنى واحد، وذلك إذا جفا وغلظ وصَلُب. ومعنى الآية: غلظت قلوبكم مثل غلظ الحجارة في عدم التأثر بالآيات، قال البركوي: "قست" استعارة تبعية فعلية تمثيلية تشبيهًا حال قلوبهم في عدم تأثرها من الآيات بحال الحجارة. [الطبري (٢/ ١٢٩) - تفسير البيضاوي (١/ ٣٣٠) - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٥٦٩) - مجاز القرآن (١/ ١٥٨)].
[ ١ / ٢٠٧ ]
بمعنى: بل (١). إلَّا أن في مثل هذا الموضع لاستدراك الصواب بالأصوب. الأشد، أي: الأغلظ، وإنما ارتفع واشتدّ عطفًا على الخبر وهو الكاف (٢)، ويجوز أن يكون كاف التشبيه في محل الإعراب، قال الشاعر (٣):
أتنتهون ولا يَنْهَى ذوي شَطَطٍ كالطعنِ يَذْهَبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ
فأخبر عن الكاف، والإخبار عن الاسم لا غير دلَّ على (٤) أنه يقبل الإعراب في التقدير. ولفظة ﴿أَشَدُّ﴾ هاهنا للمبالغة في التفضيل. يقال: اليوم أشدُّ بردًا من أمس. ونصب قَسْوَةً على التفسير (٥). والألف واللام في (الحِجَارة) لاستغراق الجنس. و(مَا) بمعنى الذي وهو في محل النصب لمكان إن، والهاء في (مِنْهُ) كناية عما يتفجر منه الأنهار (٦) أي: ماء
_________________
(١) تقدم الكلام على أوجه الإعراب في "أو" عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ وما قيل فيها هناك يقال هنا في هذا الموطن من الآية. والأظهر في هذه الآية أن تكون بمعنى "بل" فهي مثل قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧].
(٢) ويجوز أن تكون "أشد" خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هي. وهذان الوجهان أجازهما الطبري في تفسيره (٢/ ١٣٣). وأما قراءة من قرأها بالنصب ﴿أَشَدُّ﴾ وهي قراءة الأعمش وأبي حيوة فإنه عطفها على "الحجارة" أي: فهي كالحجارة أو كأشدَّ منها. [البحر (١/ ٢٦٣) - الكشاف (١/ ٢٩٠) - الدر المصون (١/ ٤٣٧) - إعراب القرآن لمحمود صافي (١/ ١٦٤)].
(٣) الشعر للأعشى ميمون بن قيس، انظر ديوانه (١٤٩).
(٤) (على) ليست من "ب".
(٥) الأظهر أَنَّ "قسوةً" نصبت على التمييز وهو الذي ذهب إليه عامة المفسرين النحويين كالسمين الحلبي في تفسيره (١/ ٤٣٦) وعلل على أن الإبهام حصل في نسبة التفضيل إليها، والمفضل عليه محذوف للدلالة عليه. وكذا قال البركوي في تفسيره (١/ ٥٧٠). وانظر: الكشاف (٧٦/ ١) والتبيان (١/ ٧١).
(٦) الضمير في "منه" يعود على "ما" حملًا على اللفظ. قال أبو البقاء العكبري: لو كان في غير القرآن لجاز "منها" حملًا على المعنى. [الإملاء (١/ ٤٥) - البحر (١/ ٢٦٤) - ابن عطية (١/ ٣٢٤) - القرطبي (١/ ٤٦٤)].
[ ١ / ٢٠٨ ]
الأنهار، كقولهم: سأل الميزابُ أو الوادي. ﴿يَشَّقَّقُ﴾ يتشقَّق (١) وينفلق. ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ﴾ بَلَلٌ وماءٌ لا يبلغ الأنهار، وهذا يدلُّ على جواز التضمين والتوليد (٢). ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: من سبب خشية الله، وهذا يدلُّ على أن الجوهرَ محلٌّ للمعاني من الإرادة والتميز والخشية والنطق والألم واللذة إن أوجدَ اللهُ فيه (٣)، سواء كانت فيه الحياة والقدرة أو لم تكن، ولأنه لا تعلُّقَ لهذه المعاني بالحياة (٤) والقدرة كالظهور والخفاء والقيام والبقاء بخلاف الكسب والاختيار لأنهما مختصَّان بالحياة. لأنا نشاهد الجمادَ واهتزازَه ونضارَتَهُ وذبولَهُ وتعرِّي الحيوان عن هذه المعاني كلها أو بعضها. وهذه المسألة يمكن أن تبتنى على مسألة عذاب القبر أو تبتنى مسألة عذاب (٥) القبر عليها. والغافل: نقيض الخبير، وقد تكون نقيض المشغول، يقال: غفل عنه أي شُغِلَ عنه.
_________________
(١) (يتشقق) ليست في "ب".
(٢) التوليد: أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسط فعل آخر كحركة المفتاح بحركة اليد. انظر: التعريفات، للجرجاني ص ٧٨.
(٣) هذا إذا حملناه على الحقيقة في إسناد الهبوط إليها - أي إلى الحجارة - على معنى أن الله خلق فيها قابلية في ذلك والله على كل شيء قدير على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وهذا ما ذهب إليه المؤلف. وذهب بعضهم إلى أن إسناد الهبوط من خشية الله إلى الحجارة هو استعارة وليس حقيقة على حد قول الشاعر [البيت لجرير]: لما أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ وأرى أن القول الأول وهو ما ذهب إليه المؤلف أقرب للصواب والله أعلم. وهناك من الشواهد ما يدلُّ على إمكان ذلك في الجمادات بإرادة الله، ومنه قصة الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله - ﷺ - إذا خطب، فلما تحوَّل عنه حَنَّ [أخرجه البخاري من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - (٣٥٨٤)] وكالذي روي عنه ﵊ أنه قال: "إنَّ حجرًا كان يُسَلِّمُ عليَّ في الجاهلية، إني لأعرفه الآن" [أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة (٢٢٧٧)]. [الإملاء (١/ ٤٥) - ديوان جرير ص ٢٤٥ - الخصائص (٢/ ٤١٨) - الدر المصون (١/ ٤٣٩) - الطبري (٢/ ١٣٧).
(٤) (الحياة) ليست في "ب"، وفي "أ": (في الحياة).
(٥) (مسألة عذاب) ليست في "أ".
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ نزلت في شأن المؤمنين (١) حيث طمعوا في شهادة اليهود لهم ورَجَوْا نصرهم إياهم على مشركي العرب. والطمعُ قريبٌ من الرَّجاء والتوقع، قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ (٢) وهذا يقتضي تفخيم الطمع وتبعيد [ما طمعوا فيه ثم بيّن جهة التفخيم والتبعيد] (٣) فقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: طائفةٌ وقطعةٌ منهم وهم الأحبار (٤) يسمعون كلام الله من رسلهم.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ يعوجونه باللحن، كقولهم: هطا (٥) مكان حطة أو التأويل كتوجيههم الخطاب في التوراة بقوله: تمسَّكوا بهذه الشريعة أبدًا ما دامت رؤوسكم على أبدانكم أو ما دامتِ السماوات والأرضُ، إلى المكلفين بشريعة صاحب الحمار وصاحب الجمل المذكورين في التوراة المرسلين بالإعجاز وهما: عيسى ابن مريم، ومحمد خاتم النبيين صلوات الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فهذا ونحوه (٦) تحريفهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموهُ. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ معناه: وقت التفهُّم أو يعلمون أنَّهم محرفون. ويُروى أن المراد بالفريق: مَنْ حَرَّفَ كلام الله من جملة السبعين الذين كانوا مع موسى - ﵇ - وذلك أنهم سمعوا كلام الله (أنا الله ربكم لا إله إلَّا أنا الحيُّ القيُّوم) (٧) فلا تعبدوا إلهًا غيري
_________________
(١) الخطاب موجه إلى النبي محمد - ﷺ - وأصحابه يواسيهم في ذلك، وهذا قول ابن عباس - ﵄ -، أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ١٤٨).
(٢) سورة الشعراء: ٨٢.
(٣) ما بين [] ليست في "أ".
(٤) أي أن أحبارهم وعلماءهم هم الذين يقومون بالتحريف أي تحريف التوراة، هكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم عنه في تفسيره (١/ ١٤٩) وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد. وأخرجه الطبري أيضًا عن مجاهد في تفسيره (٢/ ١٤١).
(٥) في "ب": (حطا).
(٦) في "ب": (نحوهم).
(٧) قال القرطبي: هذا حديث باطل لا يصح، رواه ابن مروان عن الكلبي وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وإنما الكلام شيء خُصَّ به موسى من بين جميع ولد آدم. اهـ. [تفسير القرطبي (٢/ ٢)].
[ ١ / ٢١٠ ]
ولا تشركوا بي شيئًا ولا تجعلوا لي شَبَهًا، فلما سمعوا ذلك خرجت أرواحهم (١) من أجسادهم ثم عادت إليها فقالوا - وهم سجود -: إنَّا لا نستطيع كلام ربنا فكُنْ أنت يا موسى بيننا وبين ربنا، فكانوا يسمعون بواسطة موسى - ﵇ - بعد ذلك، فلما رجعوا إلى قومهم سألهم قومهم فصدقوهم المقال إلا الذين لم يُرِدِ الله أن يطهِّرَ قلوبَهُم فإنَّهم حرَّفوا وقالوا: إنَّ الله - ﷿ - أتْبَعَ أوامره ونواهيه قوله: إنْ لم تستطيعوا فلا عليكم وافعلوا كذا وكذا. فعيَّر اللهُ تعالى كفرة بني إسرائيل في وقت النبي - ﵇ - بمتقدِّميهم أولئك.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ مَنُوا﴾ نزلت في منافقي أهل التوراة (٢).
﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللوم (٣). والتحديث كالتكليم، الحديث هو الكلام. و(مَا) في محل الجر بالباء وتقديره: بحديث ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾ قال مجاهدُ والسُّدِّيُّ (٤): بما حكم اللهُ عليكم مِن المسخ والعذاب أو الإيمان والنصرة، وعن ابن عباس والحسن وأبي العالية وقتادة (٥): هو حلُّ ما ينعقد وينغلق، أي: بما كشف الله عليكم من نعت
_________________
(١) (أرواحهم) ليست في "أ".
(٢) يقصد اليهود، وهذا مذكور عند الطبري (٢/ ٢٤٩) عن ابن عباس، وابن أبي حاتم (٧٧٨) عن الربيع بن أنس.
(٣) يتغير معنى الاستفهام في الآية بناءً على الاحتمالين في المعنى وفق ما ذكره المؤلف، فيكون الاستفهام بمعنى التقريع إذا كان المعنى أتحدثون بما بُيِّنَ لكم في نعت محمد - ﷺ -. ويكون الاستفهام بمعنى الإنكار فيكون المعنى: بأن يقول الذين نافقوا لبقاياهم: أتحدثونهم؟ إنكارًا عليهم إخبار شيء من كتابهم لإظهار التصلب في اليهودية بمنع إبداء ما وجدوا في كتابهم فينافقون الفريقين. [مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٥٧٦) - الكشاف (١/ ٧٧) - البيضاوي (١/ ٣٣٤)].
(٤) ابن جرير (٢/ ١٤٨)، وابن أبي حاتم (٧٨٣،٧٨٢) وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٦٦).
(٥) أما عن ابن عباس - ﵄ - فأخرجه الطبري (٢/ ١٤٦)، وأما عن أبي العالية وقتادة فأخرجه أيضًا الطبري (٢/ ١٤٧) أما عن الحسن فلم أجده.
[ ١ / ٢١١ ]
خاتم النبيِّين عن الكلبي (١) ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ ليُخَاصِموكم، المُحَاجَّة هي (٢): المخاصمة [بالحُجة، والحُجَّة معنى تثبت به الدعوى ويقام مقامَ البيِّنة، والحَجُّ هو الغَلَبَةُ بالحُجَّة] (٣). والهاء في ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن الحديث (٤). ومحاجةُ المؤمنين إياهم عند ربهم: مخاصمتهم إياهم على قضية حكم ربهم في الدنيا للدعوة وفي الآخرة للشهادة عليهم، كما تقول: خاصمه عند القاضي. ﴿عِنْدَ﴾ بمعنى: في، وقيل تقديره: عند ذكر ربهم (٥).
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللوم. ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يكتمون، والمراد به: تلاومهم، وَمَا يُعْلِنُون إقرارهم. وفي الآية دلالةٌ أنَّ الحجة لازمة [إياهم بعلمهم كما أنها لازمة بقولهم] (٦).
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ نزلت في المقلدين من أهل الكتاب. وأُميون: رفع على الابتداء عند البصريين، وعند الكوفيين على أنه خبر بحرف خافض وليس بحرف. والأُمّي: الذي لا يعرف الكتابة وهو منسوبٌ إلى الأُمّ، والأُمّ هو: الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٧)، وإنَّما نُسِبَ
_________________
(١) انظر: فتح القدير (١/ ١٦٢) للشوكاني.
(٢) (هي) ليست من "ب".
(٣) ما بين [] ليست من "ن".
(٤) الضمير في "به" يعود على "ما" في قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾.
(٥) في "عند" أربعة أوجه إعرابية ذكر المؤلف منها وجهين: الوجه الأول: أنها بمعنى "في" والتقدير: ليحاجوكم في ربكم، أي: فيكونون أحقَّ به منكم. الوجه الثاني: على تقدير مضاف محذوف، والتقدير: عند ذكر ربكم. الوجه الثالث: أنها ظرف معمول لقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ بمعنى ليحاجوكم يوم القيامة، فَكَنَى عنه بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. الوجه الرابع: أنه معمول لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾ أي بما فتح الله من ربكم ليحاجوكم، وهو نعته - ﵇ - وأخذ ميثاقهم بتصديقه. [الدر المصون (١/ ٤٤٤)].
(٦) ما بين [] ليست في "أ".
(٧) سورة الرعد: ٣٩.
[ ١ / ٢١٢ ]
إلى الأصل لأنه باقٍ على أصل الفطرة (١). ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي، معناه: وكتابته. ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنيَّة وهي القراءة، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢). ونصب الأماني لأنه مستثنى عن منصوب كقولك: ما رأيتُ زيدًا إلا وجهَهُ (٣) ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: وما هم إلَّا ظانين (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ (٥).
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ نزلت في أحبار اليهود، وفيها دلالة أنهم أسوأ حالًا وأَشدُّ ذمًا من الأُميين. والويل: الحزنُ والبؤس ومشقة العذاب (٦). قال الفراء (٧): الأصل فيه: وَيْ ثم وُصِلَتْ به اللام
_________________
(١) المراد بهم الأميون من اليهود. والأُمِّي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، ومنه قوله - ﷺ -: "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب" [أخرجه البخاري (١٩١٣) ومسلم (١٠٨٠/ ١٥)]. ولابن عباس - ﵄ - تفسير مغاير لهذا فقال في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ الأميون: قوم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله ولا كتابًا أنزله الله فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: "هذا من عند الله". [أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (٢/ ١٥٤) وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٦٧) وقال: في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر].
(٢) سورة الحج: ٥٢.
(٣) ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ هذا استثناء منقطع، لأن الأمانِي ليست من جنس الكتاب ولا مندرجة تحت مدلوله، وهو هو المنقطع، ولكن شرطه أن يُتَوَهَّم دخوله بوجهٍ ما كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. ومنه قول النابغة: حَلَفْتُ يمينًا غيرَ ذي مَثْنَوِيَّةٍ ولا عِلْمَ إلا حُسْنُ ظنٍّ بصاحبِ لأن بذكر العلم استحضر الظن. [الكتاب (١/ ٣٦٥) - القرطبي (٢/ ٥) - الدر المصون (١/ ٤٤٦) - ديوان النابغة ص ٥٥].
(٤) "إنْ" نافية بمعنى ما، وإذا كانت نافية فالمشهور أنها لا تعمل عمل "ما" الحجازية، وأجاز بعضهم ذلك وهو ما ذهب إليه سيبويه في "الكتاب"، وأنشدوا قول الشاعر: إنْ هو مستوليًا على أحدٍ إلا على أَضْعَفِ المجانينِ [الدر المصون (١/ ٤٤٨) - الكتاب (٢/ ٣٠٦) - المقرب (١/ ١٠٥)].
(٥) سورة فاطر: ٢٣.
(٦) وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ - قال في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقول: العذاب عليهم [أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٦٣)].
(٧) لم أجده عند الفراء ولكن ذكره القرطبي (٢/ ٨) والسمين الحلبى (١/ ٤٥٠).
[ ١ / ٢١٣ ]
وأعرب (١). وعن أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي - ﵇ -: "إنَّ الويلَ وادٍ في جهنم يهوي الكافر أربعين خريفًا لا يصل إلى قعره" (٣). وعن ابن عباس وأبي عياض (٤) (٥): الويل: صهريج في النار، والصهريج كالحوض، وإنما أكد الكتابة باليد لأنَّه أراد به (٦) كتابتهم أشياء من تلقاء أنفُسِهم في التوراة كقوله (٧): ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٨). ﴿مِمَّا كَتَبَتْ﴾ أي من أجل
_________________
(١) قال السمين الحلبي: ما ذكره الفراء غريب جدًا وتجمع على ويلات، ومنه قول امرئ القيس: ويومَ دَخَلْتُ الخدرَ خِدْرَ عنيزةٍ فقالتْ: لكَ الويلاتُ إنك مرجلي [الدر المصون (١/ ٤٥١)].
(٢) سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري، الإمام المجاهد مفتي المدينة. استشهد أبوه مالك يوم أُحد، وشهد أبو سعيد الخندق وبيعة الرضوان، وحدَّث عن النبي - ﷺ - فأكثر وأطاب ولم يكن أحد من أحداث أصحاب النبي - ﷺ - أعلم من أبي سعيد. توفي سنة أربع وسبعين هجرية. [الاستيعاب (٦٠٢)؛ تاريخ بغداد (١٨٠)؛ تاريخ الإِسلام (٣/ ٢٢٠)؛ البداية والنهاية (٩/ ٣)].
(٣) الحديث أخرجه الترمذي (٣١٦٤)، وأحمد (٣/ ٧٥)، وابن المبارك في "الزهد" (٣٣٤)، وفي المسند (١٣٤)، وعبد بن حميد (٩٢٤)، والطبراني (١٣٨٧)، وابن حبان (٧٤٦٧) والطبري في التفسير (١٠/ ٧٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٩٨)، وأبو يعلى (١٣٨٣)، والحاكم (٢/ ٥٥١)، والبيهقي في البعث (٤٦٥، ٤٦٦) والحديث ضعيف ضعفه ابن كثير والألباني.
(٤) أبو عياض عمرو بن الأسود العنسي الكوفي، وقيل: اسمه قيس، وقيل: ميسرة، والأول أكثر كما قال ابن عبد البر. كان من فقهاء التابعين، روى عن جمع من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وغيرهم، وأجمعوا على أنه من العلماء الثقات. توفي في خلافة معاوية. [الاستغناء لابن عبد البر (٢/ ٨٥٩)؛ التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٣١٥)؛ السير (٤/ ٧٩)].
(٥) أما عن ابن عباس فلم أجده، وأما عن أبي عياض فرواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣٧٨).
(٦) (به) جاءت في "ن": (بهم).
(٧) في "أ": (كقولك).
(٨) سورة التوبة: ٣٠.
[ ١ / ٢١٤ ]
ما (١). والأيدي: جمع يد، وأصله يدي وتصغيره يُدَيَّة. والكسب: قريبٌ من الاجتلاب لا يوجد إلا مع الوسع.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ نزلت في اليهود أيضًا (٢) حيث زعموا أنهم لا يعذبون في النار إلا سبعة أيام عند الله وهي (٣) سبعة آلاف سنة من أيام الدنيا، وهي مدة الناس في الدنيا عن ابن عباس (٤). وعنه أنهم زعموا أن الله - ﷿ - غضب عليهم في أمر فأقسم أن يُعَذِّبَهمِ في النار فلا يعذبهم إلا أيامًا قلائل تَحِلَّةً للقسم، وقولُهم هذا يحتمل وجوهًا أربعة: إمَّا يعتقدون فناء النار كالدنيا (٥)، أو كانوا يظنون أن أيام الآخرة تداولٌ بين الناس كأيام الدنيا، أو كانوا يرون أنفسهم مؤمنين مجرمين فأثبتوا شفاعة الأنبياء والصالحين لأنفسهم كما نُثبتها، أو كانوا وجدوا في كتبهم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٦) فعدّوا أنفسهم من المتقين فأنزل الله ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم. والمسُّ: قريبٌ من الإصابة، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٧)، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٨) وحقيقة المسّ: اللمس، وهو يكون بحسٍّ ولا يكون بحسّ. والأيام جمع يوم وأصله أيوام اجتمعت الياء والواو على ما قدمنا. والعدد: اسم كمية المجموع بين الواحد
_________________
(١) "ما" موصولة اسمية والعائد محذوف، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة وليس كقوة الأول والعائد أيضًا محذوف، أي: كتبته، ويجوز أن تكون مصدرية أي: مِنْ كَتْبِهِم. [الطبري (٢/ ١٦٩) - الدر المصون (١/ ٤٥٣) - إعراب القرآن لمحمود الصافي (١/ ١٧٣)].
(٢) قاله ابن جرير (٢/ ١٧٠)؛ وابن كثير (١/ ١٤٩)، والسمعاني في تفسيره (١/ ٥٣٤)؛ وابن عطية (١/ ٣٣٣)؛ والواحدي في أسباب النزول ص ١٦.
(٣) في "أ": (وهو).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٢٧٠)، وابن أبي حاتم (٨١٣)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٤، وسنده جيد والله أعلم.
(٥) في "ن": (في الدنيا).
(٦) سورة مريم: ٧١، ٧٢.
(٧) سورة الأنبياء: ٨٣.
(٨) سورة يوسف: ٨٨.
[ ١ / ٢١٥ ]
والعدم، إنما أعني بالواحد: الجزء الذي لا يضمن العدد في نفسه، بالعدم: ما لا (١) يثبت معقولًا موجودًا، وقد حصل العرفُ بإطلاق العدد على الجمع القليل، قال اللهُ تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) و﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٣) و﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٤) و﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ (٥) و﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (٦). وذلك لأن عدَّ الجمع القليل في مقدور العامة بخلاف الجمع الكثير. وحرف الاستفهام (٧) هاهنا للتلجئة إلى أحد معنيين: إما إثبات الخلاف بإبراز الحجة، أو الاعترافُ بثبوت ما يدَّعيه الخصم، نظيرُهُ قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ (٨) وقوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ (٩). وقيل: ألف الاستفهام هاهنا للإنكار و(أم) بمعنى: بل (١٠). وإنما لم يقل: اتخذتم لأن همزة الوصل للابتداء، وقد أمكنَ الابتداءُ هاهنا بغيرها فلم يثبت. وإخلافُ الوعد والعهد: تقليبهما عن وجوههما. والمخالفة: المضادة.
_________________
(١) (ما) ليست من "ب".
(٢) سورة البقرة: ١٨٤.
(٣) سورة البقرة: ٨٠.
(٤) سورة يوسف: ٢٠.
(٥) سورة هود: ٨، والآية ليست من "ب".
(٦) سورة هود: ١٠٤.
(٧) الهمزة في قوله: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ للإنكار والتقريع، وبه استغني عن همزة الوصل الداخلة على "اتخذتم" كقوله ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [سبا: ٨] وقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣] وهذا أحد الأوجه التي ذكرها المؤلف أنها للإنكار. [الدر المصون (١/ ٤٥٣)].
(٨) سورة النازعات: ٢٧.
(٩) سورة الزخرف: ٥٨.
(١٠) "أم" هنا: إما متصلة فتكون معادلة بين الشيئين، والتقدير: أي هذين الأمرين واقع، وأخرجه مخرج المتردد فيه وإن كان عالمًا بوقوع أحدهما. وإما أن تكون منقطعة: فلا تكون عاطفة وتقدَّر بـ "بل" والهمزة، والتقدير: بل أتقولون. [الكشاف (١/ ٧٨) - البيضاوي (١/ ٧١) - الدر المصون (١/ ٤٥٤) - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٥٨٥)].
[ ١ / ٢١٦ ]
﴿بَلَى﴾ [نقيض نعم (١) وهو نفي لقولهم ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾] (٢) و(بلى): موضوع على أصله مثل على عند البصريين، وعند الكوفيين أصله: بل ثم زيد الياء لما جعلوه مستقلًاّ بنفسه فَرْقًا بينه وبين ما لا يَسْتقل بنفسه. ﴿سَيِّئَةً﴾ خصلة [سيئة نقيض خصلة] (٣) حسنة، ووزنها فعيلة في قياس الفراء وأهل الكوفة (٤). ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ إحاطة الأعراض: عمومُها، وإنما يكون عموم الخطايا (٥) عند عدم الإيمان، نعوذ بالله.
﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ رفع عند الكسائي (٦) لحذف الناصب، تقديره: أن لا
_________________
(١) قال أبو جعفر النحاس: "بلى" بمنزلة نعم إلا أنها لا تقع إلا بعد النفي. ونقل الفراء في معاني القرآن كلام الكوفيين الذي ذكره المؤلف أنها بمعنى "بَلْ" زيدت عليها الياء فهي تدلّ على الجحد والياء تدلُّ لما بعده. فلو قال قائل: ألم تأخذ دينارًا؟ فقلت: نعم لكان المعنى: لا لم آخذ، لأنك حققت النفي وما بعده، وإذا قلت: بلى، صار المعنى: قد أخذت. وقد روي عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قال: لو قالوا: نعم، لكفروا. وأما قول الشاعر [ينسب لجحدر]: أليس الليلُ يجمع أُمَّ عمرٍو وإيَّانا فذاك بنا تَدانِي نَعَمْ وترى الهلالَ كما أراهُ وَيَعْلُوها النَّهَارُ كما عَلاني فقيل: هو ضرورة شعرية. وقيل: قوله: "نعم" ليس جوابًا لـ "أليس" إنما هو جواب لقوله: "فذاك بنا تداني". [أمالي القالي (١/ ٢٧٨) - أمالي السهيلي ص ٢٤٦ - المقرب (١/ ٢٩٤) - المغني لابن هشام ص ٣٨٣ - إعراب القرآن للنحاس (١/ ١٩١)].
(٢) ما بين [] ليست في "ن".
(٣) ما بين [] ليست من "أ".
(٤) "سيئة" فَعِيلَة من ساءَ يسوء، وأصله "سَيْوِئة" فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فَأُعِلَّ كـ "سَيِّد" و"مَيِّت". [الدر المصون (١/ ٤٥٧) - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٥٨٦) - معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ١٤٦].
(٥) (الخطايا) ليست من "أ".
(٦) في هذه الجملة من الآية ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ من الإعراب ثمانية أوجه: أظهَرها والله أعلم أنها مفسرة لأخذ الميثاق ولا محل لها حينئذٍ من الإعراب. الوجه الثاني: أنها في محل نصب على الحال من ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. =
[ ١ / ٢١٧ ]
يعبدوا، وأنشد (١):
أَلاَ أيُّهذا الزاجري أحضُر الوغى وأن أشهدَ اللذاتِ، هلْ أنتَ مُخلِدِي
نظيره: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ (٣). وفي أحد أقوال الفراء: أنه خبر بمعنى النهي [وكون الخبر بمعنى النهي] (٤) ككونه بمعنى الأمر كقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٥)، ولهذا قرأ أُبَيّ (٦):
_________________
(١) = الوجه الثالث: أن يكون جوابًا لقسم محذوف دلَّ عليه لفظ الميثاق، والتقدير: استحلفناهم أو قلنا لهم: باللهِ لا تعبدون، ونسب هذا الوجه إلى سيبويه ووافقه الكسائي والفراء والمبرِّد. الوجه الرابع: أن يكون على تقدير حذف حرف جر أو حذف "أَنْ"، والتقدير: أخذنا ميثاقهم على أن لا تعبدوا أو بأنْ لا تعبدوا، وحذف "أن" الناصبة هو الذي ذكره المؤلف واستشهد له. الوجه الخامس: أن يكون في محل نصب بالقول المحذوف، وذلك القول حال تقديره: قائلين لهم لا تعبدون إلا الله. الوجه السادس: أَنَّ "أَنْ" الناصبة مضمرة كما تقدم، ولكنها هي وما في حيِّزها في محل نصب على أنها بدل من "ميثاق". الوجه السابع: أن يكون منصوبًا بقول محذوف، وذلك القول ليس حالًا بل مجرد إخبار، والتقدير: وقلنا لهم ذلك. ويكون خبرًا في معنى النهي. قال الزمخشري: هو أبلغ من صريح الأمر والنهي، وتنصره قراءة أُبَيّ وعبد الله ﴿لا تعبدوا﴾. الوجه الثامن: أن تكون "أَنْ" مفسرة ثم حذفت "أَنْ" المفسرة - ذكره الزمخشري. وأظهر هذه الأوجه الثمانية - والله أعلم - هو الوجه الأول كما ذكرنا. [معاني القرآن للفراء (١/ ١٢٦) - الكشاف (١/ ٢٩٣) - البحر (١/ ٢٨٢) - الكتاب (١/ ٤٥٥) - الدر المصون (١/ ٤٥٨) - الإملاء (١/ ٤٧)].
(٢) الشعر لطرفة بن العبد كما في ديوانه (٣١).
(٣) سورة الزمر: ٦٤.
(٤) سورة المدثر: ٦.
(٥) ما بين [] ليست من "ن".
(٦) سورة البقرة: ٢٣٣.
(٧) أُبَيّ بن كعب بن قيس أبو منذر الأنصاري النجاري البدري المدني. سيد القُرَّاء، شهد العقبة وبدرًا وجمع القرآن في حياة النبي - ﷺ -، وعرض القرآن عليه وحفظ عنه علمًا كثيرًا، وكان رأسًا في العلم والعمل. قال النبي - ﷺ - لأبي: "إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن". قال: آللهُ سمَّاني لك؟ قال: "نعم". قال: وذكرتُ عند ربِّ العالمين؟ قال: "نعم" فذرفت عيناه. [أخرجه البخاري (٤٩٥٩)]. توفي في خلافة عثمان سنة ثلاثين من الهجرة. =
[ ١ / ٢١٨ ]
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وفي قوله الآخر: جواب القسم، إذِ الميثاق (١) هو العهدُ الموثقُ (٢) باليمين، يدلُّ عليه قراءة ابن مسعود: ﴿لا نعبد﴾ بالنون (٣). ومجازه: يعبدون الله؛ لأنَّ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباء في ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أمرناهم وأوصيناهم. والوالدان: الأب والأم. غُلِّبَ المذكر على المؤنث، كقولهم: أبوان، وحقيقة الولادة: أثمار الجوهر، وهو استحالة جزء منه بصفةٍ معهودة، والتوليد: التثمير. والحسن ضد: السوء.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ أي: ذي القرابة في النَّسَب. و﴿الْقُرْبَى﴾ يحتمل أنه اسم كاليُسْرى والعُسْرى، ويحتمل أنه فعل كالرّجعى (٤).
﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، كندامى جمع نديم، وقيل أنه: مقلوب كالخطايا، وقد يجمع اليتيم أيتامًا كاليمين والأيمان، والشريف والأشراف، والمصدر منه يُتْم، وفي الحديث": "لا يُتْمَ بعدَ البلوغ" (٥). واليتيمُ من
_________________
(١) = [الاستيعاب (١/ ١٢٦)؛ تاريخ الإِسلام (٢/ ٢٧)؛ الإصابة (١/ ٢٦)؛ تاريخ ابن عساكر (٢/ ٣٢٥)؛ السير (١/ ٣٨٩)].
(٢) الموثق والميثاق: العهد، والجمع مواثق ومياثق. والميثاق الذي أخذ علي بني إسرائيل قيل هو الذي أُخذ عليهم حين أُخرجوا من صلب آدم كالذَّر. وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. [القرطبي (٢/ ١٢) - المحكم (٦/ ٥٤٤) - تاج العروس "وثق"].
(٣) في "أ": (الموثوق).
(٤) "معاني القرآن" للفراء (١/ ٥٨).
(٥) "القربى" مصدر كالرجعى والعقبى، ويطلق على قرابة الصلب والرحم، ومنه قول طرفة بن العبد: وَطُلْمُ ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مضاضةً على الحُرِّ مِنْ وَقْعِ الحسامِ المُهَنَّدِ [الدر المصون (١/ ٤٦٤) - ديوان طرفة ص ٢١].
(٦) أخرجه أبو داود [الوصايا (٣/ ٢٩٤)]، والبيهقي (٧/ ٥٧)، والطبراني في الصغير (١/ ٩٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٨٠) وغيرهم عن علي بن أبي طالب مرفوعًا بلفظ: "لا يُتْمَ بعد احتلام" قال النووي في رياض الصالحين ص ٦٧٩: إسناده حسن، وقال الهيثمي في "المجمع (٤/ ٣٣٤): رجاله ثقات، وصححه الألباني في الإرواء (٥/ ٧٩).
[ ١ / ٢١٩ ]
البهائم ما لا أمَّ له، ومِنَ الناس مَنْ لا أبَ له (١). ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين وهو ذو مَسْكَنة. والمسكنة (٢): حالةٌ تُؤدي إلى السُّكون والقعود (٣) عن التجارة والكسب. وإنما جُمع (٤) بين التولي والإعراض؛ لأن المراد بالتولي: ما سبق، وبالإعراض: إعراضهم في الحال، إذ الواو للحال. ويحتمل أنه للتوكيد. وعرض الشيء: ناحيتُهُ، فكان الإعراض هو التنحي.
﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ والدم هو النفس السائل. والأصل: دَمَيُّ لأن تصغيره دُمَي، وفي النسبة: دَمَوِيٌّ، والفعل: دمى، وربما رُدَّت الياء في التثنية (٥)، قال الشاعر (٦):
فلو أَنَّا على حجرٍ ذبحْنا جرى الدَّمَيَانُ بالخبرِ اليقينِ
﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وهو جمع الدار، والدار: الناحية والرَّبْع، والدُّور لغة كالنياق والنُّوق (٧).
_________________
(١) قاله الأصمعي. وقال الماوردي: إن اليتيم في الناس أيضًا من قبل فقد الأمهات. والقول الأول هو المعروف عند أهل اللغة. [اللسان "يتم" - الصحاح "يتم" - المفردات ص ٥٠٥].
(٢) (المسكنة) ليست من "ب" "أ".
(٣) في "ب": (والقود).
(٤) في "ب"بدل (جمع) (هي).
(٥) قال ابن سيده: الدم، معروف. وقال الكسائي: لا أعرف أحدًا يُثَقِّل الدم. والجمع دماء ودُمِيٌّ، والقطعة منه دَمَةٌ. وقال أبو إسحاق: أصله دَمى، ومنه قول الشاعر في البيت الذي ذكره المؤلف: جرى الدميان وقال قوم: أصله دَمْيٌ إلا أنَّهُ لما حذف وَرُدَّ إليه ما حذف منه حُرِّكَت الميم لتدلَّ على أنه استعمل محذوفًا. [جمهرة اللغة (٣/ ٦٦٩) - لسان العرب "دمى" - المحكم لابن سيده "دمى" (٩/ ٤٠٩)].
(٦) الشاعر هو المُثقّب العَبْدي واسمه محصن بن ثعلبة، وقيل: عائذ بن محصن، والبيت في ملحق ديوانه (٩٩). ونسب البيت لعلي بن بدال عند الزجاجي، كما في الأمالي ص ١٤.
(٧) ديار: جمع دار، والأصل: دَوَرَ، لأنها من دار يدور دورانًا، وأصل ديار: دِوَار، وإنما قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها واعتلالها في الواحد، وهذه قاعدة مُطَّردة في كل جمع على فِعال صحيح اللام قد اغتسلت عين مفرده أو سكنت حرف عِلَّة. [الدر المصون (١/ ٤٧٣) - الممتع (١/ ٤٩٥)].
[ ١ / ٢٢٠ ]
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ اعترفتم وكأنه أُخذ من تقرير الدعوى. والخطابُ فيه متحقق إلى الموجودين في الحال.
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على آبائكم بأخذ الميثاق عليهم. وقيل: تشهدون على أنفسكم بتوجيه الخطاب عليكم. والشهادة هي: إخبار عن ثبوت الشيء لأحد على أحد كأنها من شهود البيِّنة حال وقوع الأمر أو شهودهم عند القاضي.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ نزلت في طائفة من اليهود حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج بني أخوين من اليهود نزلا يثرب انتظارًا للمبعث، فكانوا (١) يعينون حلفاءهم (٢) المشركين علي بني أعمامهم في القتل والأسر والإجلاء والشرّ كله. ثم يفدي بعضُهم أسارى بعض تمسكًا بعهد الله تعالى في هذه الخصلة الواحدة وصلة الرحم وكراهة لرق أولاد يعقوب (٣) - ﵇ -. فأنزل الله هذه الآية ذمًا (٤) لهم في عداوتهم وتناقض صنيعهم وآرائهم (٥). و﴿أَنْتُمْ﴾ كناية عن المخاطبين. و﴿هَؤُلَاءِ﴾ مرفوع في التقدير، وتقديره: الخبر أو النعت أو النداء. أما الخبر فكأنه قال: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ويجوز إقامة المبهم التام مقام المنصوص عليه، كقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ (٦)، وما التي بيمينك، والنعت كقولك: ها هو ذي يكون النعمت والمنعوت بمنزلة اسمم واحد كما في التأكيد والنداء، فكأنه قال: أنتم يا هؤلاء (٧).
_________________
(١) في جميع النسخ (فكأنهم) ولعلَّ ما أثبتنا هو الأصوب.
(٢) في "ب": (حلفاء).
(٣) في "ب" "أ": (عليهم).
(٤) حرف الذال ليست في "أ".
(٥) ما ذكره المؤلف في تفسير هذه الآية مروي عن ابن عباس - ﵄ - مفصلًا. أخرجه الطبري (٢/ ٢٠٧) وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٦٣).
(٦) سورة طه: ١٧.
(٧) في "هؤلاء" سبعة أوجه إعرابية، ذكر المؤلف ثلاثة أوجه، منها: الوجه الأول: أنهما خبر والمبتدأ فيها "أنتم". =
[ ١ / ٢٢١ ]
﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ تعاونون عليهم، قال الله تعالى: ﴿ساحران تظاهرا﴾ (١).
﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: الفجور (٢).
_________________
(١) = والوجه الثاني: أن "هؤلاء" نعت على ما ذكره المؤلف. والوجه الثالث: أن "هؤلاء" منادى حذف منه حرف النداء مع أنه فصل بالنداء بين المبتدأ وخبره، وهذا لا يجيزه جمهور البصريين وإنما قال به الفراء وجماعة، واستشهدوا بقول الشاعر [ينسب لرجل من طي]: إنَّ الأْلى وصِفُوا قومي لَهُمْ فَبِهِمْ هذا اعتصم تَلْقَ مَنْ عاداك مخذولا التقدير: يا هذا. الوجه الرابع: أن "هؤلاء" خبر لكن بتأويل حذف مضاف تقديره: ثم أنتم مثل هؤلاء. الوجه الخامس: أن "هؤلاء" مبتدأ مؤخر، و"أنتم" خبر مقدم. وهذا القول نقله ابن عطية عن شيخه ابن الباذش، وهذا مردود - والله أعلم - لأن المبتدأ والخبر متى استويا تعريفًا وتنكيرًا لم يجز تقدم الخبر. الوجه السادس: أن "هؤلاء" موصول بمعنى "الذي" وجملة "تقتلون" صلته، وهو خبر عن "أنتم" أي: أنتم الذين تقتلون. وهذا رأي الكوفيين، واستشهدوا بقول الشاعر [وهو منسوب ليزيد بن مفرغ الحميري]: عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليك إمارةٌ أَمِنْتِ وهذا تَحْمِلينَ طليقُ أي: والذي تحملين. ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ أي: وما التي؟ الوجه السابع: أن "هؤلاء" منصوب على الاختصاص، بإضمار - أعني - و"أنتم" مبتدأ، و"تقتلون" خبره، اعترض بينهما بجملة الاختصاص، هاليه ذهب ابن كيسان. مع أنه غير جائز لأن النحويين نَصُّوا على أن الاختصاص لا يكون بالنكرات ولا أسماء الإشارة. [الكشاف (١/ ٢٩٣) - البحر (١/ ٢٩٠) - الكتاب (١/ ٢٥٥) - ابن يعيش (٢/ ١٨) - الدر المصون (١/ ٤٧٦) - دبوان يزيد الحميري ص ١١٥].
(٢) سورة القصص: ٤٨. هي قراءة شاذَّة كما في الطبري (١١/ ٢٤٣) والقراءة المثبتة ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
(٣) الأصل أن الإثم يطلق على الذنب لكن هذه الكلمة لها عدة استعمالات في كلام العرب، منها ما ذكره المؤلف في هذه الآية ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: بالفجور. والفجور نوع من الذنب، ولذا قال الفراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ الأثيم: الفاجر. وأطلقت العرب الإثم على الخمرة، ومه قول الشاعر: شربتُ الإثم حتى ضلَّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقولِ =
[ ١ / ٢٢٢ ]
ولقَّن ابن مسعود رجلًا ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (١) طعام الفاجر. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ الأسر: أخذ العدو وربطه (٢). والفداء: فك الأسير وإبدال الشيء مكان الشيء في الإتلاف وإلحاق المشقة ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ و(هو): عماد جاء (٣) لتعذر صلة (٤) هذه الواو (٥)، وإنما هو فعل في التقدير، ألا ترى لو أسقطتَ (هُوَ) لم يقل: ومحرم عليكم إخراجهم لقلت: وقد حرمنا عليكم إخراجهم. وقيل: هو كاسم مبهم و﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بيانه كقولك: هذا على الباب زيدٌ. وقيل هو: ضمير الأمر والشأن.
والحرمان: منعُ إلجاء، والتحريم قد يكون منع إلجاء كقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾. وقد يكون منع (٦) ابتلاء، كقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ
_________________
(١) = وتطلق على العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ومنه قول الشاعر [ينسب إلى بشر]: وكان مُقامنا نَدْعُو عليهم بأبْطَحَ ذي المجازِ له أَثَامُ [المحكم (١٠/ ١٨٥) - تهذيب اللغة (١٥/ ١٦٠) - اللسان "أثم"].
(٢) سورة الدخان: ٤٤.
(٣) فرق أبو عمرو بن العلاء المازني فإذا أخذ العدو وربط وثاقه قيل فيه: أسارى، وإذا أخذ العدو من غير ربط وثاقه قيل فيه: أسرى. وعارض المازني كثير من أهل اللغة وردّوا هذا التفريق، ومنهم السمعاني في تفسيره وقال: الصحيح أنهما واحد. وقال ثعلب لما سمع كلام المازني: هذا كلام المجانين. ولا شك أن هذه جرأة من ثعلب على أبي عمرو بن العلاء. [تفسير السمعاني (١/ ٥٤٢) - الطبري (٢/ ٣١١) - زاد المسير (١/ ١١١)].
(٤) في جميع النسخ (جاءت) والمثبت أصوب.
(٥) (صلة) ليست في "أ".
(٦) أجاز الكوفيون أن يكون "هو" عمادًا - وهو الذي يسميه البصريون ضمير الفصل - قُدِّم مع الخبر لما تقدم، والأصل: واخراجهم هو محرم عليكم. قال الفراء: لأن الواو هنا تطلب الاسم، وكل موضع تطلب فيه الاسم فالعماد جائز، وهذا عند البصريين ممنوع. وسمي الضمير "هو" عماداَ لكونه حافظًا لما بعده حتى لا يسقط عن الخبرية أو كأنه عمد الاسم وقواه بتحقيق الخبر. [معاني القرآن (١/ ٥١) - شرح المفصل (٣/ ١١٠) - شرح الرضى على الكافية (٢/ ٢٤)].
(٧) (منع) ليست من "ب".
[ ١ / ٢٢٣ ]
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (١) وهو الحظر. ﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ (ما) يحتمل للنفي ويحتمل للاستفهام (٢) والمراد به النفي والجزاءُ. فعلٌ يقتضيه فعلٌ آخر عن خير أو شر. ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ (مَنْ) بمعنى الذين فعُدي بفعل إلى اللفظ ويردون إلى المعنى ذلك، إشارة إلى الأخذ ببعض الكتاب دون بعض. ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ هوان وفضيحة (٣)، والمراد به: الأخزى، وإنما ذكر الخزي دون الأخزى لكيلا تتوهم الخزاية وهي: الاستحياء.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ العيش الأدنى، والدّنوّ هو: القرب (٤)، وإنما أبدلت الياء من الواو في الدنيا، الألفُ في حالة التذكير مقربة من الياء بدلالة أنها تُمال وقد تنقلبُ ياء محضة في التثنية، فقُلبت الياء في التأنيث ياء أيضًا لئلا تختلف الياءان (٥) بين ذوات (٦) الواو وذوات الياء (٧)، من
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٥١.
(٢) إذا كانت "ما" نافية هنا فقد بطل عملها عند الحجازيين لانتقاض النفي بـ "إلا"، بل إن جمهور البصريين يوجبون رفعه مطلقًا. وأجاز يونس النصب مطلقًا وإن كان أبو جعفر النحاس نقل عدم الخلاف في رفع "ما زيد إلا أخوك". أما الوجه الثاني الذي ذكره المؤلف: أن تكون "ما" استفهامية في محل رفع بالابتداء و"جزاء" خبره قاله أبو البقاء العكبري. [الإملاء (١/ ٤٩)].
(٣) ولذا قال ابن السكيت: الخزي الوقوع في بلية. يقال: رجل خزيان وامرأة خزيى، والجمع خزايا. وقال الأزهري: الخزي الهوان والذل، والمراد بالخزي في هذه الآية هو قتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية على غيرهم. [إصلاح المنطق ص ٣٧٣ - الكشاف (١/ ٨٠) - ابن عطية (١/ ٣٨٣) - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٦٠٠)].
(٤) "الدنيا" فُعْلَى تأنيث الأدنى من الدنو وهو القرب كما ذكر المؤلف، وألفها للتأنيث وأبدلت ياؤها واوًا، وهذه قاعدة مطَّردة، وهي كل فُعْلَى صفة لامها واو تبدل ياءً نحو: العليا والدنيا. وقال ابن السراج: الدنيا مؤنثة مقصورة تكتب بالألف، هذه لغة نجد وتميم إلَّا أنَّ الحجاز وبني أسد يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات الواو فيقولون: دَنْوَى مثل شَرْوَى. وأما اللغة الأولى والأكثر استعمالًا فهو ضم الدال وقلب الواو ياءً لاستثقالهم الواو مع الضمة.
(٥) في "ب": (الياء).
(٦) في "أ": (من) بدل (ذوات).
(٧) في "ن": (الواو) بدل (الياء).
[ ١ / ٢٢٤ ]
نحو (١): السُّقيا، والفُتيا أمثلة (٢) معدودة على الأصل لتدلَّ عليه نحو القُصوى. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم البعث وهو فعل كالعبارة والكناية. ﴿يُرَدُّونَ﴾ يرجعون. وإنَّما ذكر الردَّ لأنهم ينصرفون من الموقف إلى العذاب، أو لأنَّ كتاب الشَّقَاءِ سابقٌ عليهم فكأنهم صدروا عنه فرُدُّوا (٣) إليه ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ لأنه أشدُّ من عذاب الدنيا والقبر.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ لا يُرَقَّى، والتخفيف: الترقية، قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٤)، والخِفَّةُ ضدُّ الثقل. ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أتبعناه وأردفناه (٥)، يقال: قفَّيْتُ الشيء - بالتشديد - وقَفَوْتُهُ - بالتخفيف - بمعنى وهو الإتباع (٦)، والتقفيةُ بالشيء: إردافه وإتباعه (٧)، ولهذا سميت القافيةُ قافيةً. و(الرُّسُل): جمع رسول (٨)، كالزبور والزُّبُر. والإرسال: إنفاذ، وقد يكون إطلاقًا.
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ عيسى هو الذي أُنزلَ عليه الإنجيلُ، ومريم هي ابنة عمران المحررة الحبيسة لعبادة الله التي أرسل اللهُ إليها روحه
_________________
(١) (نحو) من "أ".
(٢) في "ن" "ب": (القيت المثلة) والمثبت أصوب.
(٣) في "ن": (فَرَدُّ).
(٤) سورة الأنفال: ٦٦.
(٥) المثبت من "ي" وفي بقية النسخ: (أتبعنا وأردفنا).
(٦) (الإتباع) ليست من "أ".
(٧) التضعيف في "قفَّينا" ليس للتعدية، إذْ لو كان كذلك لتعدَّى إلى اثنين لأنه قبل التضعيف يتعدَّى لواحد نحو: قفوتُ زيدًا. ولكنه ضُمِّنَ معنى "جئنا" كأن قيل: وجئنا من بعده بالرسل. وأما ما ذهب إليه المؤلف في تفسير "قفينا" بـ: اتَّبعناه، فهو أراده أن يكون متعديًا إلى اثنين على حد تفسيره. و"قفينا" أصله: قَفَّوْنا. ولكن لما وقعت الواو رابعةً قُلِبَتْ ياءً واشتقاقه من قَفَوْتُهُ إذا اتَّبَعْتَ قَفَاه. ثم اتسع فيه فأطلق على كل تابع وإن بَعُدَ زمان التابع من زمان المتبوع، ومنه قول أمية: قالتْ لأُختٍ له قُصِّيه عن جُنُبٍ وكيفَ تَقْفُو ولا سهلٌ ولا جَبَلُ [البحر (١/ ٢٩٧) - ديوان أمية ص ٢٦ في الدر المصون (١/ ٤٩٢)].
(٨) في "ب": (رسل) وهو خطأ.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فتمثَّل لها بشرًا سَوِيًا، ونفخ فيما أحصنت فحبلت العذراءُ البتول بالمسيح الرسول. والبينات: جمع بيِّنة، وهي ما يشهد من المعاني لثبوت حق.
وبيناتُ عيسى (١): إبراءُ الأكمه والأبرص وإحياءُ الموتى بإذن الله والإنباء بما يأكلون وما يدَّخرون في بيوتهم. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قويناه. والتأييد هو: جَعْلُ الشيء ذو الأيد والقوة.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ والروح من أمر الله تعالى، ويُسمى ما يحيى به الجسد والنفس روحًا. ويُعَبَّر عن القرآن أيضًا، وعن المَلَك النازل بالقرآن كذلك، أعني: جبريل - ﵇ - (٢). لأن حياة القلب وهو الإيمان بسببهما، وكان عيسى ابن مريم روح الله. والملائكة يُسَمَّون الروحانيين، والفلاسفةُ يُسنِدون (٣) علم النبوة والتنسّك وعلم المصالحِ والكهانة إلى روح القُدُس، وعلم السحر والنِّيرنجان (٤) إلى الأرواح الخبيثة. والكهانة عندنا في الخبر من النوع الثاني. ومثالُ روح القدس من الأسماء: زيد الخيل وامرؤ القيس وملك الموت، وفي الحديث: "اللهمَّ أيِّده بروح القُدس" (٥)، يعني حسان بن
_________________
(١) كما في سورة آل عمران آية (٤٩): ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ الآية، وكما في سورة المائدة (١١٠): ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ الآية.
(٢) الروح تطلق في الأصل ويراد بها الجزء الذي تحصل به الحياة من إنسان أو حيوان - قاله الراغب - أما المراد بروح القدس فهو جبريل - ﵇ -، وهذا وصف اشتهر به، ومنه قول حسان بن ثابت: وجبريلٌ رسول اللهِ فينا وروحُ القدسِ ليسَ له كفاءُ وسمي بذلك لأن بسببه حياة القلوب إذ هو الموكل بالوحي من عند الله. [المفردات ص ٢٠٥ - البحر (١/ ٢٩٩) - ديوان حسان ص ٦٠].
(٣) (يُسندون) ليست في "ب".
(٤) هو علم التمويه والتخييل القائم على كتابات مجهولة الدلالة لتحصيل آثار من الحب والبغض والإقبال والإعراض ونحو ذلك، انظر: طاش كبري زاده "مفتاح السعادة" (١/ ٣٣٩).
(٥) الحديث عند البخاري (١/ ١٢٣)، وأبي داود في فضائل الصحابة ص ١٥١، والنسائي (المساجد ٢٤)، وأحمد في مسنده (٥/ ٢٢٢) وغيرهم.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ثابت (١) في منافحته عن الله ورسوله.
﴿أَفَكُلَّمَا﴾ استفهامٌ لإنكار، والفاء لتعقّب الاستنكار عن مجيء الرسل - ﵈ - (٢). بما لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ يعني: تحليل ما تعوَّدوا تحريمه، وتحريم ما تعوَّدوا تحليله، وما يشبهه من الابتلاء. والهوى: داعية النفس إلى لذةٍ عاجلة، وهو ضد الحكمة لأنها داعية العقل إلى ذخيرةٍ آجلة.
﴿فَفَرِيقًا﴾ منصوب بـ ﴿كَذَّبْتُمْ﴾. والمكذَّب مثل: سليمان وإرميا وعزير وعيسى (٣) ومحمد - ﵈ -. ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مثل: زكريا ويحيى - ﵈ -.
﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبل (٤) بمعنى الماضي (٥)، كقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦).
_________________
(١) حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي النجاري، سيد شعراء المؤمنين وشاعر رسول الله - ﷺ -. عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإِسلام، وقال - ﷺ -: "اهجُهم وجبريل معك" وكان يضع له منبرًا في المسجد ينافح عن رسول الله، وقد عمي في آخر عمره. وتوفي سنة أربع وخمسين. [تاريخ ابن معين (١٠٧)؛ التاريخ الكبير (٣/ ٢٩)؛ أسد الغابة (٢/ ٥)؛ تاريخ الإسلام (٢/ ٢٧٧)؛ الإصابة (٢/ ٢٣٧)].
(٢) الفاء لعطف ما بعده على ما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا ﴾ وهمزة الاستفهام مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه للتوبيخ والاستنكار كما ذهب إليه المؤلف، وهذا مذهب الجمهور بأن تتأخر الهمزة بعد حرف العطف وهذا هو الأصل، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب فهو بمعنى الخبر. [مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٦٠٤) - الكشاف (١/ ٨٥) - البحر (١/ ٢٧١) - حاشية الجمل (١/ ٦٧)].
(٣) (عيسى) ليست من "ن".
(٤) في "أ": (متصلة) وهو غير مفهوم.
(٥) ولا مانع أن يكون الاستقبال على بابه فإنهم - أي اليهود - استمروا على نهجهم في قتل أنبياء الله حتى نبينا محمد ﵊ فقد تسبَّبوا في قتله عندما وضعوا السُّمَّ في طعامه حتى قالت أم المؤمنين عائشة - ﵂ -؛ كان النبي - ﷺ - يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجد أَلم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهري من ذلك السم" [أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته ٤٤٢٨ - والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٨) ووافقه الذهبي].
(٦) سورة آل عمران: ٥٨.
[ ١ / ٢٢٧ ]
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أَغْلَف، كمُرْد وأمْرد، والأَغْلَف، الأَقْلَف لأن بعضهم (١) في غلاف وغطاء، وهذا كقول غيرهم: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ (٢) وإنما أرادوا به الصَّون والحفظ وأرادوا بذلك إياس الناس من إيمانهم.
وقيل الغُلْف: في الأصل غُلُف - بضم اللام - وهو جمع غِلاف كحِمَار وحُمُر، وعَنَوْا به إحاطتهم بالعلوم، وكلاهما محتملان. فكذَّبهُمُ اللهُ تعالى وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم وخذلهم، ومن تحية الملوك: أَبَيْتَ اللعن، ومجازه: لا لعنتنا، أو نعوذ بك من لعنك. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: قليلًا يؤمنون، فيكون القليل نعت اسم محذوف و(ما) صلة لنوع تأكيد. وقيل: (ما) للنفي، أي: لا يؤمنون إيمانًا قليلًا [وقيل: قليلًا] (٣) ما وقل ما معدولان إلى حيز الحروف، والمراد بها نفي كالنفي في (لما) و(لا يكاد) وإن أخذنا بالقولَين الأولَيْن فقليلًا (٤) نصب لوقوع الفعل عليه، وإن أخذنا بالقول الثالث فيكون قليلًا مسموعًا غير محل للإعراب (٥).
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾ نزلت في ذكر استفتاح اليهود من الله تعالى على العرب في (٦) وقائعهم مع حِمْيَر وبني كهلان باسم محمد - ﵇ -، وذلك
_________________
(١) في "ب" "أ": (بعضه).
(٢) سورة فصلت: ٥.
(٣) ما بين [] ليست في "أ".
(٤) في "أ": (فلا بلا) وهو غير مفهوم.
(٥) في نصب "قليلًا" ستة أوجه ذكر المؤلف بعضًا منها، وهي على وجه الاختصار كالتالي: الوجه الأول: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إيمانًا قليلًا يؤمنون. الوجه الثاني: أنه حال من ضمير ذلك المصدر المحذوف، أي: يؤمنونه أي الإيمان في حال قلَّته، وهذا مذهب سيبويه. الوجه الثالث: أنه صفة لزمان محذوف، أي: فزمانًا قليلًا يؤمنون. الوجه الرابع: أنه على إسقاط الخافض. التقدير: فبقليل يؤمنون، وهذا مذهب أبي عبيدة. الوجه الخامس: أن يكون حالًا من فاعل "يؤمنون". الوجه السادس: أن تكون "ما" نافية، أي: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا. قال أبو البقاء: وهذا قويٌّ من جهة المعنى وهو ما ذهب إليه ابن الأنباري. [الكتاب (١/ ١١٦) - الإملاء (١/ ٥٠) - الدر المصون (١/ ٥٠٢)].
(٦) (في) ليست في "أ".
[ ١ / ٢٢٨ ]
أنهم كانوا ينشدون الله باسمه ويَروْن أنهم أنصارُهُ وأعوانُهُ لما ينتظرون مبعثه، فلما رأَوْه حسدوه وحسدوا العرب بكونه منهم لا عِرْقَ فيه من اليهود (١)، ولم تطاوعهم أنفسهم في ترك ما اعتادوه فكفروا به وحَرَّموا التأويل، والمراد بالفتح في ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الظفر والنصرة (٢).
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ﴾ بئس ونِعْمَ: فعلان ماضيان مثل: لَعِبَ وشَهِدَ، فمنعا الصرف وكل واحدٍ منهما يقتضي اسمين غالبًا، ويكون الأول عامًا لعموم المدح والذم، والثاني: خاصًا لأن المقصود مخصوص، ثم الاسم الأول، إما اسم (٣) جنس فيرتفع بالفعل (٤)، وإما نكرة فينتصب على التفسير. والاسم الثاني: مرفوع أبدًا لأنه خبر مبتدأ محذوف. والاسم الأول هاهنا: ما اشتروا به أنفسهم، والثاني: أن يكفروا، وهذا قول البصريين.
وعند الكوفيين هما حرفان يشبهان الفعل (٥) وفيهما معنى الصفة،
_________________
(١) والمراد بالكتاب في هذه الآية هو القرآن، وهو مصدِّق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن، قاله ابن جرير وأسنده إلى قتادة والربيع. [الطبري (٢/ ٢٣٦)].
(٢) أي يستنصرون الله تعالى عليهم، وجاء في الحديث "أن النبي - ﷺ - كان يستفتح بصعاليك المهاجرين" [أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٦٩) - وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح (١٠/ ٢٦٢)] أي: يستنصر بهم في الدعاء للغزوات، ومنه قول الأشعر الجعفي: ألا من مبلغ عَمْرًا رسولًا فإني عن فُتَاحَتِكُم غنِي أي: عن نصرتكم. ومعنى الآية: أن المشركين من قبل كانوا يؤذون اليهود فربما تكون الغلبة لهم على اليهود في القتال فقالت اليهود: اللهمَّ انصرنا بالنبيِّ الأميِّ الذي تبعثه في آخر الزمان فكانوا يُنصرون به، فلما بعث نبجنا محمد - ﷺ - كفروا به. [تفسير السمعاني (١/ ٥٥١) - تهذيب اللغة (٤/ ٤٤٧) - مجاز القرآن (١/ ٤٧) - غريب القرآن لابن قتيبة ص ٥٨ - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٦٠٨)].
(٣) (اسم) ليست في "ب".
(٤) (بالفعل) ليست في "ب".
(٥) ومن الكوفيين من زعم أنهما اسمان - أي نعم وبئس - مستدلِّين بدخول حرف الجر =
[ ١ / ٢٢٩ ]
والدليل على كونهما حرفين لزومهما صورةً واحدةً في التذكير والتأنيث والجمع والخطاب والحكاية عن النفس والغائب ولأنهما لو كانا فعلين لدخلهما "قد" والدليل على أنهما يشبهان الأفعال جواز قولك: بئس وبئست ونعمَ ونعمت. والدليل على أنه فيهما معنى الصفة استقلال قولك: بئس الرجلُ زيدٌ، ونعمَ رجلًا عمرو، أي: مذموم زيد ومحمود عمرو، وعلى هذا ما اشتروا به أنفسهم هاهنا اسمٌ، والكفر: مشترى به، والأنفس: مشترى لها، فانتصب بنزعِ الخافض.
﴿بَغْيًا﴾ حسدًا حسدوا. ﴿يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿فَضْلِهِ﴾ وهو وحيه ورحمته. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يعني: نبينا عليه الصلاة (١) والسلام. والعباد جمع عبد، والعبد مَنْ هو مملوكُ الرقبة. ﴿مُهِينٌ﴾ يُهانون فيه، والإهانة من الإذلال (٢).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ نزلت (٣) فيمن تكبَّر من اليهود أن يقول عند الدعوة نَعَم وتحرج أن يقول: بلى، فكانوا يعدلون عن الجواب إلى قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنون التوراة. ويظنون أن جوابهم مخلّصٌ عن الكفر، كما أن المؤمنين يقولون عند الشك: آمنا بجميع ما أنزل اللهُ على رسله، فخطأ اللهُ اليهود وحكم بكفرهم إذ قال: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾؛ يعني القرآن (٤). ونصب
_________________
(١) = عليهما في قولهم: "ما هي بنعم الولد نَصْرُهَا بُكاءٌ وبِرُّهَا سرقة"، وقولهم: "نعم السير على بئس العير"، وقول الشاعر: صَبَّحَكَ اللهُ بخيرٍ باكرِ بِنِعْمَ طَيْرٍ وشبابٍ فاخِرِ [الإنصاف ص ٩٧ - الأشموني (٢٧٣)].
(٢) (الصلاة) من "ب".
(٣) وأصل "مهين" مُهْوِن، لأنه من الهوان، وهو اسم فاعل من أهان يُهين إهانةً فنقلت كسرة الواو على الساكن قبلها فسكنت الواو بعد كسرةٍ فقلبت ياءً. [معجم مفردات الإبدال ص ٢٧٠ - اللسان "هون" - مقدمة المفسرين للبركوي (١/ ٦١٣)].
(٤) (نزلت) ليست من "ب".
(٥) يرى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما وراء التوراة أي بما بعد التوراة، وهذا تفسير قتادة والربيع وأبي العالية فيكون المعنى: بما سوى التوراة وبما بعده من كتب الله التي أنزلها إلى رسله. [الطبري (٢/ ٢٥٥) - ابن أبي حاتم (١/ ١٧٤)].
[ ١ / ٢٣٠ ]
﴿وَرَاءَهُ﴾ على الظرف (١)، وكلّ شيئين أحدُهما أقرب منك فهو دون الآخر والآخر وراءه، كلُّ مشغولٍ عنه وراء الشاغل. وهو راجع إلى ما، وما قائم مقام القرآن. و﴿مُصَدِّقًا﴾ نصبٌ على القطع كوفيًا وعلى الحال بصريًا (٢). و(لِمَ) أداة لطلب الحجة، وهو في الأصل: لماذا، وتقديره: لأجل أي شيء ذلك الفعل وذلك القول، ونظيره في الاختصار: عَمَّ ومِمَّ. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبل بمعنى الماضي بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣).
وكرر اتخاذ العجل، والتكرار ربما اتصل بزيادة فائدة، وربما لم يتصل. فيما يتصل ثلاثة أنواع، أحدها: مثل هذا إذ الأولى لإلزام الحجة وتذكير النعم بدلالة أنه أتبعهًا ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾ (٤).
والثانية: لتكذيبهم في دعواهم (٥)، بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ
_________________
(١) "وراءه" وراء: من الظروف المتوسطة التصرف، وهو ظرف مكان والمشهور أنه بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى أمام فهو من الأضداد، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي أمامهم. وفسَّر الفراء قوله تعالى: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ بما سواه أي أن وراء بمعنى سوى. وفسَّره أبو عبيدة بمعنى "بعد" وحكم وراء كحكم قبل وبعد في كونه إذا أضيف أعرب، وإذا قطع بني على الضم، ولذا أنشد الأخفش: إذا أنا لم أُومِنْ عليكَ ولم يكن لقاؤُك إلا مِنْ وراءُ وراءُ وجاء في الحديث عن إبراهيم - ﵇ -: "كنتُ خليلًا من وراءُ وراءُ" [أخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الإيمان (١/ ١٨٧)]. [معاني القرآن (١/ ٦٠) - مجاز القرآن (١/ ٤٧) - الإملاء (١/ ٥١) - شرح الجمل (٢/ ٣٠٥)].
(٢) ولذا هي عند سيبويه حال مؤكدة. والحال المؤكدة: إما أن تؤكد عاملها نحو: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وإما أن تؤكد مضمون جملة، فإن كان الثاني التزم إضمار عاملها وتأخيرها عن الجملة، ومثله ما أنشده سيبويه وهو لسالم بن دارة: أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نسبي وهل بدارةَ يا للناسِ منْ عارِ ويكون التقدير في الآية: وهو الحق أَحُقُّهُ مصدقًا. [الكتاب (١/ ٢٥٧) - الخصائص (٢/ ٢٦٨) - الأشموني (٢/ ١٨٥) - إعراب القرآن للنحاس (١/ ١٩٨)].
(٣) سورة آل عمران: ١٨٣.
(٤) سورة البقرة: ٥٢.
(٥) في "ن": (دعوتهم).
[ ١ / ٢٣١ ]
الله﴾ (١). النوع الثاني مثل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٢).
وقال في موضع: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣)، وقال في الموضع الثاني: ﴿وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (٤) وكل واحدٍ من الآيتين تضمَّن من المعنى ما لا تتضمنه الأُخرى لا محالة (٥). والثالث: وصفُ الجنة والنار وفائدة التكرار: تجديد الحث والإنذار (٦).
وما لا يتصل بفائدة: نوعٌ واحد، وهو ما يوجد في سورتين. والوجه في الأنواع الثلاثة أنَ تَضَمُّنَ الفوائدِ كلها لا يجب في قصة واحدة ثم إذا وقعت الحاجة إلى ذكر فائدة لم تذكر في القصة، فالأحسن تكرار القصة لاستدراك ذكر الفائدة في محلها، وربما لا يتصور غير ذلك. والوجه في هذا النوع الواحد أَنَّ السورتين بمنزلة كتابَيْن، واللهُ يقولُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ (٧) ووجود قصة واحدةٍ في كتابَيْن معروفٌ واجبٌ وذلك لا يسمى تكرارًا إذ كلُّ كتاب في الحاجة إليها كمثله، هُو كذلك تضمين قصة واحدة في قصيدتين أو خطبتين، وقيل: الفائدة في هذا النوع موجودة وهي شهود قومٍ نزولَ الثانية لم يشهدوا نزولَ الأولى. وتكرار قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أيضًا على وجه اللوم والتكذيب ألا ترى أنه أعاد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
والسمع: الإجابة، ومنه قولُ المصلّي: سمعَ اللهُ (٨) لمنْ حمده، قال الشاعر (٩):
دعوتُ الله حتى خِفْتُ ألا يكون اللهُ يسمع ما أقولُ
_________________
(١) سورة البقرة: ٩١.
(٢) سورة البقرة: ٦٣، ٩٣.
(٣) سورة البقرة: ٦٣.
(٤) سورة البقرة: ٩٣.
(٥) (لا محالة) من "ي" فقط.
(٦) (والإنذار) ليست من "ن".
(٧) سورة البينة: ٣.
(٨) (الله) ليس في "أ".
(٩) هو في لسان العرب (٦/ ٣٦٤) مادة "سمع" ولم ينسبه لأحد.
[ ١ / ٢٣٢ ]
واختلف في قوله: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ فحمله بعض المفسرين على الاعتراف والاستيعاب. وبعضهم جعل (١) ﴿سَمِعْنَا﴾ من إدراك المسموع لا من الإجابة، وقوله: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ تمردٌ وإِباء، وحمل بعضهم قولهم: ﴿سَمِعْنَا﴾ في وقت ﴿وَعَصَيْنَا﴾ في وقت آخر، ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ أى سُقُوا، والإشراب قريبٌ من السقي حقيقة ومن المزج مجازًا، يقال: وجهٌ مُشْرَبٌ حُمرةً ودمًا، ورُوِيَ عن بعضهم ما يدلُّ على حقيقة الشرب، قال: أنكر بعضهم عبادة العجل، فلما نُسِفَ العجلُ في اليمِّ نَسْفًا أُمروا بشرب ذلك الماء فتشرب قلوب المنافقين، وظهرت العلامة على وجوههم فأخذوا وقُتلوا. والواو (٢) في (أُشربُوا) ضمير ذوي القلوب (٣) وهُم الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ كنوع إبدال البعض من الكل، كقولك: ضربتُ زيدًا على صدره. و﴿الْعِجْلَ﴾ قائم مقام المضاف إليه، وتقديره: حبَّ العجلِ، وعلى القول الآخر: أجزاء العجل مما نُسِفَ مع الماء الذي شربوه، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بشؤم كفرهم (٤)، وهو قولُهُم السابق ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٥) وغيره من الإباء والعناد والتُّهمة.
﴿قُلْ﴾ أمرٌ من القول لما حذفت الواو أُعطيَت القاف حركتها وقعَ الاستغناءُ عن همزة الوصل. ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ كقولك لسفيه
_________________
(١) (جعل) ليس في "أ".
(٢) في "أ": (قالوا).
(٣) الواو في "أُشْرِبُوا" هي المفعول الأول قامت مقام الفاعل، والمفعول الثاني هو "العجل" لأن "شرب" يتعدى بنفسه، فأكسبته الهمزة مفعولًا آخر ولا بدَّ من حذف مضافين قبل "العجل". والتقدير: وأُشربوا حُبَّ عبادةِ العجلِ. وحسن حذف هذين المضافين للمبالغة في ذلك حتى كأنه تصوَّر إشراب ذات العجل. بل ذهب بعض المفسرين كما ذكره المؤلف إلى أن الإشراب هنا حقيقة حيث إن موسى - ﵇ - بَرَد العجل بالمبرد ثم جعل تلك البرادة في ماء وأمرهم بشربه، وهذا القول قال به السدي وابن جريج وفيه بُعْد، ويردُّه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾. [الإملاء (١/ ٥٢) - البحر (١/ ٣٠٩) - الدر المصون (٢/ ٥)].
(٤) (بشؤم كفرهم) ليست من "أ".
(٥) سورة الأعراف: ١٣٨.
[ ١ / ٢٣٣ ]
متعاقل: بئسما يأمرُكَ عقلُك شتم الناس (١)، أو لغاشٍّ يدعي الأمانة: بئسما تأمرك الأمانةُ إن كُنْتَ أمينًا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والكونُ في مثل هذا الموضع للإثبات في الحال دون الماضي من الزمان، وتقديره: إن أنتم مؤمنون.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ نزلت في اليهود حيث زعموا أنهم يبعثون ويُثابون، وسائر الناس لا بَعث لهم ولا نشورَ (٢). والمراد بـ ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الجنة. وإنما توجه عليهم تمني الموت بهذه الدعوى لمعنيين، أحدهما مجمعٌ عليه، لأنهم لو باينوا سائر الناس في حكم البعث والنشور لباينوا في حكم كراهة الموت وتمنِّيه، ودليلُهُ رجلان في حبس حُكِمَ على أحدهما أن يخرجَ فيُقتل وحُكِمَ على الآخر أن يخرج فيُطلق.
والآخر مختلف فيه وهو جواز التمني لمن يرجو ثواب الله وعفوه، مِنَ العلماء مَنْ يجيزُهُ ومنهم (٣) من لا يجيزه (٤).
و(مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ (٥) صلة، كما في قولك: من
_________________
(١) (شتم الناس) ليست في، أ".
(٢) لما زعمت اليهود ما زعمت من أنهم يبعثون ويثابون دعاهم النبي - ﷺ - إلى المباهلة وقال لهم: إن كنتم محقِّين فتمنّوا الموت فإن ذلك غير ضاركم، فامتنعت اليهود من إجابة دعوة النبي - ﷺ - إلى المباهلة لعلمها أنها إن تمنَّت الموت هلكت كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبي - ﷺ - في عيسى - ﵇ - إذ دُعُوا إلى المباهلة، ولذا قال النبي - ﷺ -: "لو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار" ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - ﷺ - لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا [أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٩٩) - والنسائي في السنن الكبرى ١١٠٦١ - وأبو يعلى ٢٦٠٤ كلهم عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا وإسناده صحيح].
(٣) (ومنهم) ليست في "ب".
(٤) الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت مهما كانت المصيبة التي ألمَّت به لقول النبي - ﷺ -: "لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرٍّ أصابه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فليقل: اللهمَّ أحيِني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني ما كانت الوفاة خيرًا لي". [أخرجه البخاري (٤/ ١٩٦) ومسلم (٨/ ٦٤) والنسائي (١/ ٢٥٨) وغيرهم عن أنس بن مالك مرفوعًا. ولذا كما نصَّ عليه الحديث: "إن كان متمنِّيًا ولا بد فليقل: اللهمَّ أحيِني " الحديث.
(٥) هذا من "ي" وفي بقية النسخ: (من دون الله) وهو خطأ.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فوق، ويحتمل أنها في الموضعين مكان في أو على. والشيء الخالص هو: المتفرد عن غيره المتمحض في نفسِهِ، وتمني الشيء: تشهيه، وهو إرادة غير المقدور، ومن أدواته: ليت. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ كان حكم هذا التحدي في الآية السابقة حكم التحدي للمباهلة مع النصارى، قال - ﵇ -: "والذي نفسي بيده، لو تمنَّى أحدهُم لغَصَّ بريقه" (١). والأبد هو: الأمد البعيد، وقد يطلق على بعيدٍ دونَ بعيدٍ، ومن ذلك قولهم: إلى أبد الأبيد وأبد الآباد، ويطلقُ على بعيد لِأَبْعَدَ منه، وهو آخر جزء من أجزاء حياة الرجل أو مدة الدنيا، وإياه عني فتية (٢) الكهف لقولهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٣). وهو منصوب على الظرف، والمراد به: آخر جزء من أجزاء حياتهم الدنيا (٤)، بدلالة أنهم يقولون في النار: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ (٥). والباءُ في (بما) للسبب، وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ على التهديد.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ اللام للقسم، تقديره: والله لتجدنهم، أي: لَتَلفينَّهُم، وهو يقتضي مفعولين (٦)، وقوله: ﴿أَحْرَصَ﴾ مفعولٌ ثانٍ هاهنا، كقولك: وجدتُ الرجلَ صالحًا. والحرص: شدة التمني، ووزن أَفْعَل (٧) للتفضيل
_________________
(١) الحديث رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٧٤)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٦٣) موقوفًا على ابن عباس.
(٢) بدل (عني فتية) في "ب" (عن فيه).
(٣) سورة الكهف: ٢٠.
(٤) "أَبَدًا" ظرف زمان يقع للقليل والكثير ماضيًا كان أو مستقبلًا. قال الراغب: هو عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزَّأ كما يتجزَّأ الزمان، ويجمع على آباد لاختلاف أنواعه. وقيلْ آباد لغة مُوَلَّدة. ووصفه النحاس أنه ظرف زمان من طول العمر إلى الموت. [المفردات ص ٢ - الدر المصون (٢/ ٩) - إعراب القرآن للنحاس (١/ ١٩٩)].
(٥) سورة الحاقة: ٢٧.
(٦) المفعول الأول هو الضمير "هم"، والمفعول الثاني هو "أحرص". وإذا تعدت "وجد" إلى اثنين كانا بمعنى علم.
(٧) في "أ": (أفعلة).
[ ١ / ٢٣٥ ]
هاهنا، والتفضيل على الجنس لا يحتاج إلى (مِنْ) كقولك: الياقوت أفضل الجواهر، فإن وقع على غير الجنس لم يجز إلا بإدخال (مِنْ)، تقول: الياقوتُ أفضلُ من الزجاج، والدهنُ ألينُ منَ الماء. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هُمُ المجوس (١). ويحتمل وجوهًا أربعة، أحدها: أنه معطوف على (الناس) فجيء بـ (مِنَ) لأن المجوس غير جنس اليهود، كقولك: الإنسانُ أحسنُ الخلائق ومِنَ الحور العين.
فالخلائق (٢) اسمُ جنس، والحور العين غير جنسٍ. والثاني: أن تُقدر التكرار فتجعل في التقدير: أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا. والثالث: أن تجعل الواو للاستئناف وتجعل في التقدير: ومن الذين أشركوا مَنْ يودُّ أن يعمّر ألف سنة [كأنه وقع العدول من قصة إلى قصة ليتبين أن من الناس مَنْ يودّ عمر ألف سنة] (٣).
ومع ذلك فإن اليهود أحرص منهم، ويجوز حذف (مَنْ) إذا ذكر قبله (مِنْ)، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (٤) أي: إلا مَنْ له. قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ (٥). والرابع: أنه معطوف على كناية الجمع، تقديره: ولتجدنهم والذين أشركوا أحرص الناس على حياة (٦).
_________________
(١) هو قول أبي العالية والربيع أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٢/ ٢٧٧)، وابن أبي حاتم (١/ ١٧٩).
(٢) (فالخلائق) ليست في "ب".
(٣) ما بين [] ليس في "ب".
(٤) سورة الصافات: ١٦٤.
(٥) سورة النساء: ٤٦.
(٦) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أى يجوز أن يكون متصلًا داخلًا تحت أفعل التفضيل، ويجوز أن يكون منقطعًا عنه، ولكل من الحالين توجيهات إعرابية، فمن قال بالاتصال ففيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه حمل على المعنى، والتقدير: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا. الوجه الثاني: أن يكون حذفَ من الثاني لدلالة الأول عليه. والتقدير: وأحرص من الذين أشركوا. =
[ ١ / ٢٣٦ ]
و(مِنْ): صلة. وقيل: المراد بالمشركين: مشركو العرب. والشركة اجتماع الحقين في محلٍّ واحدٍ، والإشراك: نصب الشريك. ﴿يَوَدُّ﴾ (١) [يحبُّ أحدهُم أحد] (٢) الجمع اسم عامِ يتناول الكل على سبيل الإفراد، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣). وتقول العرب: يلبثُ أحدُنا أيامًا لا يأكلُ ولا يشربُ، وربما يتميز وصار بمعني الأول في الإثبات، قال الله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ (٤) والآخَرُ، الآخِرُ لا محالة. ويُسمى اليوم الذي بعد السبت يوم الأحد، وهو في العربية الأولى اليومُ الأولُ، وهو في الأصل وحد، فقُلبت الواو همزةً كما في إياه.
وجملة قوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ في محل النصب لوقوعِ الودِّ عليها (٥). والتعمير: إطالة العمر، والعُمر: المدة، والعَمْر: بقاء الحيوان.
_________________
(١) = الوجه الثالث: أن في الكلام حذفًا وتقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: ولتجدنَّهم وطائفةً من الذين أشركوا أحرص الناس، فيكون "من الذين أشركوا" صفة لمحذوف وذلك المحذوف معطوف على الضمير في "لتجدنهم". أما من قال بالانقطاع فيكون "من الذين أشركوا" خبرًا مقدمًا و"يود أحدهم" صفة لمبتدأ محذوف، والتقدير: ومن الذين أشركوا قوم أو فريق يودّ أحدهم. [البحر (١/ ٣١٣) - الدر المصون (٢/ ١١) - الكشاف (١/ ٢٩٨) - التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٦١٧)].
(٢) في "ب": ﴿يودُّ أحدهم﴾.
(٣) ما بين [] ليس في "ب".
(٤) سورة الأحزاب: ٣٢.
(٥) سورة يوسف: ٤١.
(٦) وقيل: إن مفعول "يود" محذوف دلَّ عليه قوله "لو يُعَمَّر". والتقدير: يَوَدُّ أحدهم طولَ العمرِ، لو يُعَمَّرَ ألفَ سنةٍ لسُرَّ بذلك فحذف من كلِّ واحد ما دلَّ عليه الآخر. وأما ما ذكره المؤلف وهو النصب على أنها مصدرية بمنزلة "أَنْ" الناصبة، فلا يكون لها جواب وينسبك منها وما بعدها بمصدر يكون مفعولًا لـ "يود". والتقدير: يود أحدُهم تعميره ألف سنة، وهذا القول هو قول الكوفيين وأبي علي الفارسي وأبي البقاء العكبري. [الإملاء (١/ ٥٣) - الكشاف (١/ ٢٩٨) - الدر المصون (٢/ ١٣)].
[ ١ / ٢٣٧ ]
والألف: آخر أسماء العدد. وللعدد أحد عشر اسمًا موضوعًا، فالثمانية الأولى للآحاد وهي تعرض للاشتقاق، وكذلك التاسع وهو العشرة. والعاشر: المئة، والحادي عشر: الألف، وإنما انتصب الألف على معنى الظرف، وَخفْضُ السنةِ لأنها مضافةٌ إليها. والسنةُ: اسمٌ لاثني عشر شهرًا. ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ و(ما) للنفي. والزحزحة هي: التنحية (١). والبصير: المُبْصر، إلَّا أنَّ البصير أبلغُ في الوصف لأنه أشدُّ عدولًا عن الفعل.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ نزلت في اليهود (٢)، وعن قتادة والشَّعْبيِّ (٣) (٤) أنَّ السببَ في ذلك أنَّ عمر - ﵁ - قال لليهود ذات يومٍ: بالرحمنِ الذي أنزلَ التوراة على موسى أتجدون محمدًا في كتابكم؟ فتمسكوا. ثم قالوا: نعم، ولكنَّ صاحبه جبريل عدونا وهو صاحبُ كلِّ عذابٍ، ولو كان مكانه ميكائيل لآمنَّا به، فإنه صاحب كلِّ رحمةٍ، فقال عمر. وأينَ مكانهما - أي مكانتهما من الله -﷿-؟ قالوا: أحدهما، أي كان
_________________
(١) ومنه قول الحطيئة: وقالوا تزحزح لا بنا فضل حاجةٍ إليكَ ولا مِنَّا لِوَهْيِكَ راقعُ المراد بالزحزحة التباعد والتحية. [اللسان "وهـ ى" منسوب إلى الحطيئة].
(٢) قال الطبري: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل إذ زعموا أنَّ جبريل عدوٌّ لهم وأن ميكائيل ولي لهم. [الطبري (٢/ ٢٨٣)].
(٣) هو عامر بن شراحيل الشعبي، من الفقهاء في الدين وجلة التابعين، أدرك أكثر من مائة من الصحابة، وقال أبو مخلد: ما رأيت أفقه من الشعبي، وقال ابن سيرين: قدمتُ الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، وأصحاب رسول الله - ﷺ - يومئذٍ كثير، ولد لست سنين مضت من خلافة عمر على المشهور، ومات سنة ثلاث ومائة وقيل غير ذلك. [طبقات الحفاظ (١/ ٤٠)؛ الثقات (٥/ ١٨٥)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ٥٧)؛ صفوة الصفوة (٣/ ٧٥)].
(٤) الأثر روي عن قتادة والشعبي عن عمر عند الطبري (٢/ ٣٨٣) وكلاهما لم يسمع من عمر، ورواه كذلك الواحدي في أسباب النزول عن الشعبي عن عمر (٢٧ - ٢٨)، وله طرق أخرى مرسلة ومنقطعة عند ابن أبي حاتم (٩٦٠ - ٩٦١) ولا يصح هذا المتن، والله أعلم.
[ ١ / ٢٣٨ ]
أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره (١). قال عمر: أشهدُ أن مَنْ كان عدوًا لهما كان عدوًا لله تعالى، وانصرف إلى رسول الله - ﵇ - ليخبره الخبرَ، فإذا بجبريل - ﵇ - قد سبقه بالوحي، وقرأ النبيُّ - ﵇ - القرآنَ، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما جئتُ إلا لأخبركَ، قال - ﵇ -: "لقد وافقك ربُّك يا عمر" قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك في دينِ اللهِ أصلب من الحجر.
وقيل: زعم ابن صُوريا أن جبريلَ عدوهُم لأنَّه حالَ بينهم وبين قتل بختنصر إذ هو صبي، ليتمَّ أمرُ الله فيه وفيهم، فأنزل اللهُ هذه الآية (٢).
وبعد الشرط إضمارٌ، تقديره: مَنْ كان عدوًا لجبريلَ كان عدوًا لله، وقد أُظهر هذا المعنى في الشرط الثاني، ويجوز أنْ يجعل (فإنه) جوابًا للشرط مجازًا من غير تقدير إضمار (٣)، كقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٤).
وفي ضمير الهاء في (فإنَهُ) ثلاثة أقوالٍ: راجعٌ إلى المضمر، وهو اسم الله تعالى، أو إلى إيل وهو اسم الله تعالى أيضًا (٥) بالعبرانية، أو إلى جبريل. وفي ضمير الهاء في ﴿نَزَّلَهُ﴾ قولان (٦)، راجعٌ إلى جبريل أو إلى القرآن.
_________________
(١) في "أ": (شماله).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٤/ ٢٨٥)؛ وابن أبي حاتم (١/ ١٨١)؛ والطبري (٢/ ٢٩١) بلفظ يختلف قليلًا عن اللفظ الذي ذكره المؤلف.
(٣) الأظهر - والله أعلم - أنه لا يجوز أن يكون ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ جوابًا للشرط لوجهين، أحدهما من جهة المعنى، والثاني من جهة الصناعة الإعرابية. أما الأول: فلأنَّ فعل التنزيل متحقق المُضيِّ، والجزاء لا يكون إلا مستقبلًا. وأما الثاني: فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط فلا يجوز: من يقُمْ فزيدٌ منطلقٌ ولا ضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ يعود على "مَنْ" فلا يكون جوابًا للشرط. [القرطبي (٢/ ٣٨) - البحر (١/ ٣١٨ - الدر المصون (٢/ ٢٣)].
(٤) سورة المائدة: ١١٨.
(٥) (أيضًا) ليست في "أ".
(٦) (قولان) ليست في "أ".
[ ١ / ٢٣٩ ]
والإذن يتناول معاني كثيرة، أحدها: إباحةُ المطلوب، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (١) وقال: ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٢). والثاني: التمكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤) والثالث: المشيئة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥)، وقال: ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٦).
﴿وَبُشْرَى﴾ الخبرُ السارُّ خاصَّةً، قال الله تعالى: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٧) وقال في المؤمنين: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٨). وجِبْر ومِيكا اسما عبد، وإيل اسم الله -﷿- (٩). وإنَّما ذكرهما
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٩.
(٢) سورة النور: ٢٨.
(٣) سورة البقرة: ١٠٢.
(٤) سورة البقرة: ٢٥٥.
(٥) سورة آل عمران: ١٤٥.
(٦) سورة يونس: ١٠٠.
(٧) سورة الفرقان: ٢٢.
(٨) سورة يونس: ٦٤.
(٩) في "جِبْرِيل" ثلاث عشرة لغة أشهرها وأكثرها استعمالًا جِبْرِيل على زنة قنديل، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص، وهي لغة الحجاز. قال حسان بن ثابت: وجبريل رسول اللهِ فينا وروح القدسِ ليس له كفاءُ اللغة الثانية: جَيْرِيل بفتح الجيم على وزن فَعْلِيل. اللغة الثالثة: جَبْرَئيل، وهي لغة قيس وتميم، وبها قرأ حمزة والكسائي، ومنه قول حسان بن ثابت: شَهِدْنَا فما تلقى لنا من كتيبةٍ يدَ الدهرِ إلا جَبْرَئِيلُ أمامها اللغة الرابعة: هي مثل الثالثة لكنها بدون ياء: جَبْرَئِل، وتروى عن عاصم ويحيى بن يعمر. اللغة الخامسة: مثل الرابعة، إلا أن اللام مُشَدَّدَة. اللغة السادسة: جَبْرَائِل بألف بعد الراء وهمزة مكسورة بعد الألف، وبها قرأ عكرمة. اللغة السابعة: مثل السادسة إلا أنها بياءٍ بعد الهمزة. =
[ ١ / ٢٤٠ ]
بعد دخولهما في عموم الملائكة تشريفًا لهما، كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (١).
وإنما أجابَ بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل فهو كافر، لأنَّ الكفرَ مُقدَّرٌ (٢) في نفس العداوة، فصار كالمنطوق (٣) به في الشرط، ومثالُهُ قولُكَ: إن غصبتَ حقي فإنَّ الله لا يحبُّ الظالمين، وإنْ أنجيتني فإنَّ الله يجزي المحسنين. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية، كأنها (٤) تعزيةٌ للنبي - ﵇ - لما ساءَهُ من قول اليهود: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ (٥) ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ هذا الكلامُ المعجز، وتبييت النبي - ﵇ - (٦) لهم كثيرًا مما يخفُون من الكتاب، واستجماعُهُ خصالَ (٧) الأنبياء كلها في سَمْتِهِ وهَدْيِهِ وحركته وسُكونه مع ما خصَّه الله -﷿- به من نعوتٍ نعته بها في الصُّحُف الأُولى.
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ نزلت في اليهود (٨). واختلف في نقضهم (٩)
_________________
(١) = اللغة الثامنة: جِبْرَاييل، بياءَين بعد الألف من غير همزة، وبها قَرأ الأعمش ويحيى. اللغة التاسعة: جِبْرَال. اللغة العاشرة: جِبْرَايل. اللغة الحادية عشرة: جَبْرِين. اللغة الثانية عشرة: مثل الحادية عشرة إلا أنها بكسر الجيم. اللغة الثالثة عشرة: جَبْرَايين. [الدر المصون (٢/ ٢٠) - القرطبي (٢/ ٣٨) - ديوان حسان ٤٥٠ - ابن عطية (١/ ٣٦١) - الكشاف (١/ ٢٥٤)].
(٢) سورة الأحزاب: ٧.
(٣) (مقدّر) ليست في "أ".
(٤) في "س": (كالمنطوط).
(٥) (كأنها) ليست في "أ" "ن".
(٦) سورة البقرة: ٩١.
(٧) في "ب": (- ﷺ -).
(٨) في "ب": (خلاص) وهو خطأ.
(٩) الطبري (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، وابن أبي حاتم (٩٧٣) وعلته عنعنة ابن إسحاق.
(١٠) في "ن": (بعضهم).
[ ١ / ٢٤١ ]
العهود، قيل هو: عهود أنبيائهم من طاعة هارون عند الميقات، ومحافظة السبت، وأن لا يرفعوا طعامَ يومين في التيه، وأن يتوبوا، وأن يؤمنوا بعيسى ونبينا - ﵇ -. [وقيل هو: هَمُّهم بقتل النبي - ﵇ - وشَتمُهُم إياه وإرجافهم في المدينة] (١). وإيمانهم وجه النهار مع كفرهم (٢) في آخره ومعاونتهم الأحزاب يوم أُحُد (٣).
والاستفهام للإنكار وكأنهم تبرؤوا من البعض (٤) وقالوا: إنما نقض فريقٌ منا فكذَّبهُمُ الله في تبريهم وقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقيل: أنكروا على فريقٍ منهم نقضَ العهد، أَتَى بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لئلا يوهم أَنَّ كُلَّ مَنْ لم ينقضِ العهدَ منهم محمودٌ والواو للاستئناف، ويحتمل اللفظ على ما سبق من قصة اليهود. وإنما جَوَّزَ دخول ألف الاستفهام على الواو لأنها أبدًا تلي صدر الكلام سواء وَليَهَا اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ فكذلك مع الواو (٥).
والنَّبْذُ هو: الطرح، والانْتِبَاذُ: التنحي، والمنبوذ: اللقيط (٦).
_________________
(١) ما بين [] ليست في "ب".
(٢) (كفرهم) ليست في "ب".
(٣) ورد عن ابن عباس - ﵄ - في هذه الآية: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا ﴾ الآية قال: قال مالك بن الضيف حين بُعِثَ رسولُ الله - ﷺ - وذكر لهم ما أُخذ عليهم من الميثاق وما عهد اللهُ إليهم فيه: والله ما عهد الله إلينا في محمد - ﷺ - عهدًا وما أخذ له علينا ميثاقًا، فأنزل الله جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ الآية. [أخرجه الطبري (٢/ ٣٠٨)؛ وابن أبي حاتم (١/ ١٨٣)].
(٤) في "ي" "ن": (النقض) والمثبت أقرب للصواب.
(٥) قال الأخفش في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾: الواو زائدة دخلت عليها ألف الاستفهام، ومذهب الكسائي أنها "أو" حركت الواو منها. ومذهب سيبويه أنها واو العطف. قال ابن جرير الطبري: والصواب عندي أنها واو عطف أُدْخِلَتْ عليها ألفُ الاستفهام ولا يجوز أن تكون الواو زائدة لا معنى لها، إذ غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له. [الطبري (٢/ ٣٠٧) - إعراب القرآن للنحاس (١/ ٢٠٣) - إعراب القرآن لمحمود صافي (١/ ٢١١)].
(٦) الانتباذ والمنابذة: هو تحيز كل واحد من الفريقين في الحرب، بأن تكون بين فئتين =
[ ١ / ٢٤٢ ]
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ نزلت في اليهود أيضًا. والعرب تقول لكل مَنْ أعرض عن شيء: نبذه وراء ظهره، والظَّهْر هو: المتن. و"كأن" حرف تشبيه [وإنَّما ينصب لأنه يفيد التشبيه] (١) والتشبيه فعلٌ واقعٌ على المشبَّه ويستعمل عند الظن والحسبان (٢) أيضًا، وذلك أن الظانَّ يُشبّه المحسوسَ بالموهوم. وفي الآية دلالة على امتياز الخبر المتواتر عن غيره.
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ نزلت في ذم اليهود [وبيان أصل السحر] (٣) وتركِهِ ﴿سُلَيْمَانَ﴾ - ﵇ -. ونحنُ نقدِّمُ قصصًا يحتاج إلى علمها وشواهدَ لا بد من ذكرها وأحكامًا يجبُ إحصاؤها (٤)، ثم نأخذُ في التفسير إنْ شاء الله تعالى.
_________________
(١) = عهد وهدنة بعد القتال ثم أراد نقض ذلك العهد، فينبذ كل فريق منهما إلى صاحبه العهد الذي توادعا عليه، ومنه قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] وما ذكره المؤلف من أن النبذ هو الطرح لا يختلف معناه عن المعنى الآخر الذي ذكرنا، فالطرح والتنحي كلاهما بمعنى واحد. وأما ما كان بمعنى اللقيط ففيه معنى الطرح لأن فيه طرحًا لولد الزنى على جانب الطريق. والمنبوذة هي الشاة الهزيلة التي لا تؤكل فتنبذ. وانتبذ عن قومه أي: تنحَّى. وفي الحديث: "نهى رسول الله - ﷺ - عن المنابذة". قال أبو عبيدة: المنابذة: أن يقول الرجل لصاحبه: انبذْ لي الثوبَ أو غيره من المتاع أو أَنْبذه إليك وقد وجب البيع بكذا وكذا. ومجيء النبذ بمعنى الطرح معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الأسود: وَخَبَّرَنِي مَنْ كُنْت أَرسلتُ أنَّمَا أخذتَ كتابي مُعْرضًا بشِمالِكا نَظَرْتَ إلى عنوانِهِ فنبذْتَهُ كنبذِكَ نَعْلًا أَخلقَتْ مِنْ نعالِكا وذكر أبو حيان عن صاحب المنتخب قال: النبذ والطرح والإلقاء متقاربة، إلا أن النبذ أكثر ما يقال في المبسوط والبخاري مجراه، والإلقاء فيما يعتبر فيه ملاقاة بين شيئين. [المحكم). (١٠/ ٨٤) - تهذيب اللغة (١٤/ ٤٤١) - النهاية لابن الأثير (٥/ ٦) - ديوان أبي الأسود ص ٤٩ - البحر (١/ ٣٢٥)].
(٢) ما بين [] ليس في "أ".
(٣) في "ن" "ب": (الحساب).
(٤) ما بين [] ليس في "أ".
(٥) أظهر شيء في تفسير هذه الآية ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٨٥)، والطبري (٢/ ٣١٦)، والنسائي في التفسير رقم ١٤ ورجاله ثقات. =
[ ١ / ٢٤٣ ]
اعلم أنَّ هاروت وماروت مَلَكان من الملائكة ببَابل الكوفة مَن أتاهما من الوجه المقدَّر وسَمِعَ كلامهما ولم يرَهما هكذا رُوِيَ عن عائشة (١) وعن علي في حديث المسوخ (٢)، وعن ابن عمرو (٣) سُئِلَ
_________________
(١) = وحسَّنه الشيخ حكمت بشير في تفسيره عن ابن عباس قال: قال آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم (الأعظم)، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيِّه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كلِّ سطرين سحرًا وكفرًا وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها قال: فأكفره جهال الناس وسبُّوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبُّوه حتى أنزل على محمد ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. [الطبري (١/ ٣١٦) - التفسير الصحيح لحكمت بشير (١/ ٢٠٥) - الدر المنثور (١/ ٩٥)].
(٢) أم المؤمنين الصدِّيقة ابنة الصدِّيق الأكبر خليفة رسول الله - ﷺ - أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة، القرشية التيمية المكية النبوية أم المؤمنين زوجة النبي - ﷺ -. أفقه نساء الأمة على الإطلاق، تكنى أم عبد الله، ولدت في الإِسلام قبل الهجرة بثمان سنين، ومات النبي - ﷺ - ولها ثمانية عشر عامًا، وقد حفظت عنه شيئًا كثيرًا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح. [الاستيعاب (٤/ ١٨٨١)؛ الطبقات الكبرى (٨/ ٥٨)؛ صفوة الصفوة (٢/ ١٥)؛ الإصابة (٨/ ١٦)؛ سير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٥)].
(٣) حديث علي في المسوخ أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب العالية (٣٨٩٢)، وابن أبي الدنيا في العقوبات ص ٢٢٣، وأبو الشيخ في العظمة ٧٠٢، والحاكم في مستدركه (٢/ ٢٦٥) وصححه على شرط الشيخين وأخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٣) وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٩٩) وقال: هذا الإسناد رجاله ثقات وهو غريب جدًا ولفظه: قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: كانت الزُّهْرَة امرأة جميلةً من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلِّمَاهَا الكلامَ الذي إذا تُكُلِّمَ به يُعْرَجُ به إلى السماء، فعلَّماها، فتكلَّمت فعرجت إلى السماء فمسخت كوكبًا. وأما عن عائشة - ﵂ - فقد أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٩٤)، والحاكم (٤/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ١٣٦)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٠٣) وقال: أثر غريب وسياق عجيب، ثم قال: هذا إسناد جيد إلى عائشة ولفظه: "قالت عائشة: قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله - ﷺ - بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به " الحديث بطوله.
(٤) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، الإِمام الحبر العابد =
[ ١ / ٢٤٤ ]
الضحاك بن مزاحم فقال: كانا عِلْجَين. والحسنُ البصري أخذ بقول عائشةَ مرةً وبقولِ عليٍّ أخرى، فكان يقرأ ﴿المَلِكين﴾ - بكسر اللام - وهو شاذ (١)، وإن صَحَّ فيجوز أن يكون مَلَكَين مَلِكين كما في حديث المسوخ. وقيل: أنهما شيطانان، وذلك لا يدلُّ على نفي كونهما مَلَكين من قبلُ كإبليس لعنه الله، وأحسنُ ما قيل فيهما أنهما ملكان لا يعصيان الله فيما أمرهما ببيان السحر ويحذِّران منه بأمر الله تعالى، وهذا غير مستكف (٢) كقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (٣)، قال لآدم - ﵇ -: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٤) ولو شاء لصرفهما عنها وحال بينهما وبينها ولم يمكِّنهما من التناول، إلا أنه فعل ذلك للابتلاء، ولأن الثواب إنما يجب بالامتناع بعد القدرة. وسحر البابليين شيئًا فشيئًا وقد عرف الضحاك ذو الحيتين (٥) بذلك في سابق الدهر.
_________________
(١) = صاحب رسول الله - ﷺ - وابن صاحبه، وليس أبوه أكبر منه إلا بأحد عشر سنة، وأسلم قبل أبيه. وله مناقب وفضائل جمة، وروى أحاديث كثيرة عن النبي - ﵇ - بلغت سبعمائة حديث. توفي سنة ثلاث وستين هجرية. [طبقات ابن سعد (٢/ ٣٧٣)؛ التاريخ الكبير (٥/ ٥)؛ الاستيعاب (٩٥٦)؛ تاريخ الإسلام (٣/ ٣٧)؛ الإصابة (٢/ ٣٥١)].
(٢) الجمهور على فتح لام "المَلَكَين" على أنهما من الملائكة، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن بكسر اللام على أنهما رجلان من الناس. قال أبو جعفر بن جرير الطبري: وقد دلَّلْنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال، فأما من جهة النقل فبإجماع الحجة على خطأ القراءة بها من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار، وكفى بذلك شاهدًا على خطئها. [الطبري (٢/ ٣٥٠) - البحر (١/ ٣٢٩) - القرطبي (٢/ ٥٢)].
(٣) في "أ": (مستنكف).
(٤) سورة الشمس: ٨.
(٥) سورة البقرة: ٣٥.
(٦) هو ملك فارسي اسمه (بيوراسب) وهذا الاسم (الضحاك) ما تطلقه العرب عليه، وكان رجلًا شديد الظلم كثير البطش على كتفيه حيتان، وكان يذبح الناس ويطعمهم للحيتين على كتفه. انظر تاريخ الطبري (١/ ١٢١)، ومعجم البلدان للحموي (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ٢٤٥ ]
ويروى عن فريدون (١) أيضًا أنه أرسل بغية إلى ملك مصر ليخطبوا منه (٢) بناته، فلما رجعوا استقبلهم فريدون في الطريق متمثلًا ثعبانًا يبتليهم بذلك، ففرَّ سلم وحمل عليه طوش وانذاريوج، فلما رأى ذلك قسم الملك بينهم على قضية (٣) ما رأى. وقال الشاعر (٤):
يعقد سحر البابليين طرفها مرارًا وتسقينا سلافًا من الخمرِ
وقول من زعم أن قوله: [﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ للنفي منتقض (٥) لقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا] (٦) إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ
_________________
(١) وقيل في اسمه "أفريدون" وهو ابن أثفيان من فرس أصبهان، وقد كان على الفرس الضحاك المعروف بـ "بيواراسب"، فلما كثر جوره على أهل مملكته من ذبحه في كل يوم رجلين منهم لإطعام أدمغتهما إلى حيتين كانتا على كتفيه جاءت النوبة إلى رجل حداد من أهل أصبهان يُدعى "كابي" فقام فدعا الناس إلى قتل الضحاك وإخراج فريدون جد بني ساسان من مكمنه وإظهار أمره، فأجابه الناس وقتل الضحاك. وملك فريدون، فجعل الفرس من يومئذٍ اللواء في أهل أصبهان تبركًا بذلك النصر، وقيل بأن فريدون هو أول من كتب بالفارسية. [تاريخ الطبري (١/ ١٢٣)؛ معجم البلدان (١/ ٢٠٧)؛ كشف الظنون (١/ ٢٩)].
(٢) (منه) من "ي" "أ".
(٣) (على قضية) ليست في "أ".
(٤) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه (٢٣١).
(٥) وضَعَّفَ هذا القول أيضًا ابن العربي أي أن "ما" ليست نافية، وفي "ما" أربعة أوجه إعرابية: الأول: ما ذكرنا أنها نافية فتكون الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها وهي ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. الوجه الثاني: أن "ما" موصولة بمعنى الذي محلها النصب عطفًا على السحر، والتقدير: يُعَلمون الناس السحر والمُنَزَّلَ على الملكين. الوجه الثالث: أنها موصولة أيضًا ومحلّها النصب، لكن عطفًا على ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، والتقدير: واتبعوا ما تتلو الشياطين وما أُنزل على الملكين، وعلى هذا فما بينهما اعتراض. الوجه الرابع: أن محلها الجر عطفًا على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، والتقدير: افتراءً على ملك سليمان وافتراءً على ما أُنْزِلَ على الملكين. [الإملاء (١/ ٥٥) - إعراب القرآن لمحمود صافي (١/ ٢١٥) - الدر المصون (٢/ ٣١)].
(٦) ما بين [] ليست في "أ".
[ ١ / ٢٤٦ ]
﴿مِنْهُمَا﴾ ثم (١) يحتمل أنهما باقيان بعد ولكن الله تعالى صرف أكثر الناس عنهما لنوع من المصالح. ويحتمل أنه قد انقرض أمرهما، فإن قيل: زهرة أحد الكواكب السبعة التي ركب الله فيها مصالح الدنيا، وقد روي في حديث المسوخ (٢) ما روي وهو محال فلا يجوز قبوله والاستدلال به. قلنا: ومن يسلم بأن مصالح الدنيا متعلقة بالكواكب وأنها سبعة منذ خلقت الدنيا، ثم وإن صحَّ أنها لم تزل سبعة فيحمل أن الكوكب (٣) لم يكن يسمى زهرة، فلما مسخ الله تلك المرأة وأودعها هذا الكوكب تعذيبًا لها سمي الكوكب باسمها.
واعلم أن الجن أمة كالإنس، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (٦)، ثم يجوز رؤيتهم أجمعين لأنهم مركبون من روح وجسد لا محالة، غير أن نصيب الروح لهم أكثر، وفي الحديث أن الحمار والكلب يريان الشيطان، ولذلك أمرنا بالاستعاذة عند نهيق الحمار (٧)، وعن عمر أنه صارع جنيًا (٨).
وعن أبي أيوب الأنصاري (٩)
_________________
(١) (ثم) ليست في "ن" "أ".
(٢) في "أ": (المنسوخ).
(٣) في "أ": (الكواكب).
(٤) سورة النمل: ١٧.
(٥) سورة الجن: ٧.
(٦) سورة الأنعام: ١٢٠.
(٧) أبو داود (٥٠٦١)، وأحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٣٣ - ١٢٣٥)، وابن حبان (١٩٩٦ - موارد)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣١٢)، والحاكم (٤/ ٢٨٤) والحديث صحيح بطرقه.
(٨) الحديث عند الطبراني في الكبير (٨٢٢٦ - ٨٢٢٤) وخلاصته أنَّ رجلًا صارع جنيًا فصرعه وعاوده وصرعه وسألوا من هذا الرجل فقال: ومن يكون غير عمر؟ وعلَّة هذه الرواية أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود.
(٩) أبو أيوب الأنصاري الخزرجي البدري الذي خَصَّه النبي - ﷺ - بالنزول عليه في بني =
[ ١ / ٢٤٧ ]
أنه أسر جنيًا (١)، وعن ابن مسعود أنه شبه الزط (٢) من رأى (٣) من الجنِّ ليلة الجن.
غير أن الله تعالى صرف أبصارنا عنهم كما صرف أبصار قريش عن نبينا ﵊ حين أرادوا أن يغتالوه، وهذا شيء لا يمكن تواطؤهم عليه. فمن أنكر هذا فقد أنكر العيان. ثم منهم شياطين، ومن الإنس شياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، وهؤلاء وصفوا كثيرًا من علم السحر وأسندوه إلى سليمان صلوات الله عليه للترويج.
واعلم أن بعض الناس أفرط في إثبات (٤) السحر (٥)، وزعم أنهم يقدرون على تقليب العين والإيجاد من العدم، وقصر بعضهم (٦) فأنكر تأثير الرمي والعقد والتمائم وحمل تأثيرها على نوع من التخويف والتطميع والتمويه.
وقولنا على قضية اللغة (٧) وما سبق من القواعد هو أن علم السحر يسمى سحرًا لصرفه عن جهة الحق، قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٨)،
_________________
(١) = النجار إلى أن بنيت له حجرة أم المؤمنين سودة، ثم بني المسجد الشريف. واسمه خالد بن زيد بن كليب، شهد حرب الخوارج مع علي، واستعمله علي على المدينة. توفي سنة خمسين من الهجرة. [تاريخ ابن معين (١٤٤)؛ التاريخ الكبير (٣/ ١٣٦)؛ أسد الغابة (٢/ ٩٤)؛ الإصابة (٥٦٣)؛ السير (٢/ ٤٠٢)].
(٢) الترمذي (٢٨٨٠)، وأحمد (٥/ ٤٢٣)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٩١١١) والحديث صحيح صححه أحمد شاكر.
(٣) في "أ": (الوط) وفي بقية النسخ: (الشرط) والمثبت هو الصحيح.
(٤) (من رأى) ليست في "أ".
(٥) (إثبات) ليست في "ب".
(٦) في "أ": (علم السحر).
(٧) في بقية النسخ: (بعض).
(٨) (اللغة) ليست في "أ".
(٩) سورة المؤمنون: ٩٨.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أي: تؤفكون وتصرفون، ولأنه سبب كثير من العلل، والشيء المسحر: المعلل (١)، قال لبيد (٢):
فإن تسحرينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحرِ
ثم هو أربعة أنواع:
النوع الأول: تلبيس على الأفهام، وهو اللحن المذموم والمعاريض المذمومة، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٣)، وقال - ﵇ -: "إن من البيان لسحرًا" (٤). وكذلك ذم المتفيهقين والمتشدقين.
والنوع الثاني: تلبيس على الإحساس بالنيرنجات والتمويهات، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥).
والنوع الثالث: تأثير على الأجساد بالفساد وهو بالطب أو بمطاوعة الجن. قال الشاعر (٦):
وإنك لاتبالي بعد نحول أسحر كان طبّك أم جنونا
وفي حديث بئر ذَرْوان قال أحد الملكين: طُبَّ الرجلُ، فقال آخر: مَن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي (٧).
_________________
(١) انظر: [تهذيب اللغة (٣/ ١٨٢) - لسان العرب "سحر" - كتاب العين (٣/ ١٥٣) - تاج العروس "سحر"].
(٢) لبيد بن ربيعة بن مالك من شعراء الجاهلية الذين أسلموا. انظر ديوانه (٥٦).
(٣) سورة محمد: ٣٠.
(٤) أخرجه البخاري (٩/ ١٧٣) كتاب النكاح باب الخطبة، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٨٦)، وأبو داود (٥٠٠٧)، والترمذي (٢٠٢٩)، وأحمد في المسند (٢/ ١٦) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا، ورواه مسلم (٨٦٩)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٣) من حديث عمار بن ياسر - ﵁ - مرفوعًا.
(٥) سورة طه: ٦٦.
(٦) لم أعرفه ولا قائله.
(٧) البخاري (١٠/ ٢٢١)، ومسلم (٢١٨٩)، وأحمد في المسند (٦/ ٥٧) وغيرهم من حديث عائشة - ﵂ - مرفوعًا.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ومما يختص به من علم الأطباء: علم الخواص، وكذلك الجني يمس فيضر النفس في طاعة وليه من الإنس، كما قال - ﵇ - في الطاعون: "هو وخز أعدائكم من الجن" (١)، وقال في دم الاستحاضة: "هو ركضة من الشيطان" (٢). فهذه الأنواع الثلاثة مما يجوز أن يبتلى بها كل أحد من الناس الأنبياء وغيرهم، إذ (٣) النبي يفارق غيره في حكم العقل والقلب دون النفس.
والنوع الرابع: تأثير في العقول والصدور بالخيال والعرف وهو بالطب أو بمطاوعة الجن أيضًا، والأنبياء مصونون عن هذا النوع معصومون بعصمة الله لا يضرُّهم منه شيء، والكل لا يؤثر إلا بإذن الله ومشيئته.
وحكم الساحر: أن يُقتل إن كان يقتل بسحره، وهذا الشرط مرويٌّ عن أبي يوسف (٤)، وكذلك إن حكم سحره كلمة كفر أو اتخاذ معبود، وكذلك إن اشتمل شيئًا من السحر قليلًا أو كثيرًا، أما هو كفر في نفسه أو غير كفر لأنه مقطوع الحكم بتحريمه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فإذا (٥) استحلَّه كفر فوجب قتله، والحكم فيما عدا هذه الأوجه الثلاثة الإنذار والنكال (٦).
_________________
(١) رواه الطبراني في الصغير (١/ ١٢٧)، والحاكم (١/ ٥١) والحديث صحيح.
(٢) أبو داود (٢٩١)، والترمذي (١٢٨)، والدارمي (٨٧٦) والحديث صحيح.
(٣) (إذْ) ليست في "أ".
(٤) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة، إمام مجتهد. ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وتربَّى يتيمًا. قال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف فعاده أبو حنيفة، فلما خرج قال: إن يمت هذا الفتى فهو أعلم من عليها. وقال ابن معين: ما رأيتُ في أصحاب الرأي اْثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف. توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. [تاريخ ابن معين (٦٨٠)؛ التاريخ الكبير للبخاري (٨/ ٣٩٧)؛ تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢)].
(٥) في "ن" "ب": (فإن).
(٦) انظر تفاصيل أنواع السحر وأحكامه الشرعية في كل من: [تفسير القرطبي (٢/ ٤٧) - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٣١٤ - تفسير الطبري (٢/ ٣٥٢) - تفسير الماوردي (١/ ١٦٤) - ابن كثير (١/ ١٧٩) - مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢٨/ ١٠٥) السنن والمبتدعات للشقيري ص ١٤٨].
[ ١ / ٢٥٠ ]
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ افتعال من تبع يتبع. ﴿مَا تَتْلُو﴾ مستقبل بمعنى الماضي (١). ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (على) بمعنى في (٢)، كانت الشياطين تقرأ السحر فيتلقى منهم مردة الإنس، وقيل: تقديره: على عهد ملك سليمان، وزعموا أنه كان يضبط أمره بالسحر واستخرجوا من تحت سريره كتابًا من السحر كتبوه بأيديهم، ويروى أن سليمان - ﵇ - دفنه توهينًا وإبطالًا فسمَّوه كفرًا (٣)، فبرَّأه الله مما قالوا على لسان نبيِّنا - ﵇ -. وهو سليمان بن داود بن إيشا الذي فهَّمه الله حكم الغنم والحرث وهو صبي، وآتاه النبوة والملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وظاهر الآية يقتضي أن الشياطين كانوا يعلِّمون الناس نوعين من السحر: ما هو من تلقاء أنفسهم وما أخذوه من ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان أعجميان (٤) مثل: طالوت وجالوت. وقيل:
_________________
(١) مجيء المستقبل بمعنى الماضي وارد في كلام العرب، ومنه قول زياد الأعجم: وإذا مررتَ بقبرِهِ فاعْقِرْ بهِ كُوَمَ الهجانِ وكلَّ طرفٍ سابحِ وانضحْ جوانبَ قبره بدمائها فلقدْ يكونُ أخادمٍ وذبائحِ أي: فلقد كان، والكوم: هي الناقة العظيمة السنام. [أمالي القالي (٣/ ٨) - أمالي الشجري (١/ ٣٠٤) - القرطبي (٢/ ٤٢)].
(٢) وقيل إن "على" على بابها، ويضمن ﴿تَتْلُو﴾ معنى: تتقوَّل، أي: تتقوَّل على ملك سليمان، وتَقَوَّلَ: يتعدى بـ "على"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] وهذا أولى مما ذكره المؤلف -والله أعلم- لأن التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف، وهو مذهب البصريين. [الدر المصون (٢/ ٢٨)].
(٣) في "أ": (كنزا).
(٤) ذكر بعض المفسرين قصة عن أصل هاروت وماروت وهو ما روي عن ابن عمر عن كعب الأحبار، وأخرجها الإِمام أحمد في مسنده مرفوعة إلى النبي - ﷺ - (٩/ ٣٥) ونصها: "إن الملائكة تعجَّبوا من كثرة معاصي بني آدم فقال لهم الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا. فاختاروا من خيارهم ملكين هاروت وماروت فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض وأخذ عليهما أن لا يشركا ولا يقتلا ولا يزنيا. قال كعب: فما مضى عليهما اليوم إلا وقعا الكل". وهذه القصة ذكرها الطبري في تفسيره (٢/ ٤٣٠) -والبغوي (١/ ٨٩) - وابن كثير (١/ ١٩٩) - وأبو حيان في البحر (١/ ٣٢٩) وغيرهم، وقال ابن كثير: وحاصلها =
[ ١ / ٢٥١ ]
هاروت من الهرت، وماروت من المرت. والهريت: الفصيح، قال الشاعر (١):
عاد الأذلة في دار وكان بها هرت الشقاشق ظلامون للجزر
والمرت: مفازة لا ماء فيها ولا كلأ، قال الشاعر (٢):
إني طربتُ ولا تلقى على طرب ودون الفك أمرات أماليس
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ للنفي. ﴿حَتَّى يَقُولَا﴾ للغاية، تجرُّ الاسم وتنصب الفعل بتقدير "أن" وربما لا تنصب. والفتنة: الامتحان والاختبار، وقد تكون الفتنة إيقاعًا في الشيء.
ويحتمل أن يكون الفعل في قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ للشياطين فيكون معطوفًا (٣) على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ﴾، وتعليمهم السحر كاستراقِهِمُ السمعَ أو
_________________
(١) = راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها.
(٢) البيت لابن مقبل شاعر جاهلي إسلامي كما في الشعر والشعراء (٢٧٧).
(٣) ذكره ابن منظور في لسان العرب (١٣/ ١٧٦) ولم ينسب لأحد.
(٤) جملة "يتعلمون" فيها سبعة أوجه إعرابية من حيث العطف، وما ذكره المؤلف هو أحد هذه الأوجه وهو الذي ذهب إليه الفراء واعترض عليه الزجاج وأجازه أبو علي الفارسي وغيره. الوجه الثاني: أنها معطوفة على قوله "وما يعلمان" والضمير في "فيتعلمون" عائد على "أحد". الوجه الثالث: - وهو أحد قولي سيبويه - أنه معطوف على "كفروا"، و"كفروا" فعل في موضع رفع، فلذلك عطف عليه فعل مرفوع. الوجه الرابع: - وهو القول الثاني لسيبويه - أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: "فهم يتعلمون" فعطف جملة اسمية على فعلية. الوجه الخامس: وهو قول الزجاج حيث قال: والأجود أن يكون معطوفًا على "يعلمان" فاستغنى عن ذكر "يعلمان" على ما في الكلام من الدليل عليه، واعترض أبو علي الفارسي قول الزجاج هذا. الوجه السادس: أنه عطف على معنى ما دلَّ عليه أول الكلام، والتقدير: فيأتون فيتعلمون. ذكر هذا الوجه الفراء والزجاج. =
[ ١ / ٢٥٢ ]
نحوه. ويحتمل أن يكون الفعل للاثنين فيكون معطوفًا على مضمر وتقديره: فيأتون فيعلّمان فيتعلَّمون. و﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ البغضاء والتَّأخيذ. ومرء وامرؤ لغتان. وفي التأنيث: مرأة وامرأة، وكأن همزة الوصل إنما عُوِّضَت من الهمزة الأخيرة إذ لا صورة لها، فسكنت الميم وهي فاء الفعل (١).
وابتدىء بهمزة الوصل كما في الاسم والابن. وقيل: إنما سُكنت فاء الفعل في مثل هذه الأسماء [وابتدىء بهمزة الوصل لأنها أسماءٌ] (٢) كَثُر دورها على الألسنة فشبهت بالأفعال التي على صيغة الأمر.
ومثل هذه العلل واهية واللغة بالسماع، وكأن المرء موضوع غير مشتقٍّ، والتثنية: مرآن وامرآن ومرأتان وامرأتان. وهي في التأنيث أكثر استعمالًا، وأما الجمع فلم يروَ إلا في حديث: "أحْسِنوا مَلأَكُم أيُّها المَرْؤون" (٣). وقال رؤبة (٤) لطائفة رآهم: أين يريد (٥) المرؤون؟ وهذا جمع سلامة جائز في القياس ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ﴾ والضُّر: إلحاق (٦) الضُّر والضَّر بالشيء وهما: البؤس والمكروه، وفيهما معنى النقصان، ونقيضهما:
_________________
(١) = الوجه السابع: وهو ما ذكره أبو البقاء أنها جملة مستأنفة، ويحمل قول أبي البقاء هذا على أن الجملة خبر لمبتدأ محذوف وهو أن يكون مستقلًّا بنفسه غير محمول على شيء قبله. وأظهر هذه الأقوال - والله أعلم - أنها معطوفة على قوله "وما يعلمان"، وهو الوجه الثاني من هذه الأوجه السبعة، وهو الذي رجحه السمين الحلبي. [معاني القرآن للزجاج (١/ ١٦٢) - الكتاب (١/ ٤٢٣) - معاني القرآن للفراء (١/ ٦٤) - الإملاء (١/ ٥٥) - الدر المصون (٢/ ٣٧)].
(٢) في "أ": (الفعلة).
(٣) ما بين [] ليست من "ن".
(٤) هذا ليس بحديث بل هو من قول للحسن، هكذا نسبه إليه الزمخشري في الفائق (٣/ ٢٥٨)، وابن الأثير في غريب الحديث (٢/ ٢٩٩) ومعناه: "أحسنوا أخلاقكم".
(٥) هو رؤبة بن العجاج التميمي الراجز المعروف ومن أعراب البصرة، كان رأسًا في العربية واللغة، توفي سنة ١٤٥ هـ.
(٦) في "ن": (يريدون) وهو خطأ.
(٧) في هامش "ي": (الخلف).
[ ١ / ٢٥٣ ]
النفع (١). والهاء في (بِهِ) كنايةٌ عن السحر وعما يفرقون به.
وتقديره: وما هم بضارين به أحدًا، إلا أنه أدخلَ (مِنْ) (٢) للتأكيد (٣)، كما قال: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٤). وقال الشاعر (٥):
وقفتُ فيها أصيلًا أسائِلُهَا أعيتْ جوابًا وما بالرَّبْعِ من أَحَدِ
﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي في الآخرة، ويحتمل أنه نفى النفع وأثبت الضر لأن الضرَّ في نفسه على معنى الطبيعة، والنفع بالتقدير. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعني اليهود. ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ نصيب جميل. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ (٦)، و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ منصوبة بنزع الخافض فهي مشترى لها [والآخرة مشترى بها والسحر: مشترى، ويحتمل أن أنفسهم مشترى بها] (٧) فيكون حينئذٍ ﴿شَرَوْا﴾ بمعنى باعوا (٨)، [وإنما باعوا] (٩) أنفسهم بتفويت حظِّها من الآخرة. وفعلهم مذموم سواء
_________________
(١) ومنه قول الشاعر: إذا أنتَ لم تَنْفَعْ فَضُرَّ فإنما يراد الفتى كي ما يضر وينفعُ
(٢) (من) إضافة منَّا ليستقيم المعنى.
(٣) "مِنْ" زائدة لتأكيد الاستغراق، ولذا قال أبو البقاء: إن "أحدًا" يجوز أن يكون بمعنى واحد، ومن المعلوم أن "مِنْ" تزاد في المفعول به المعمول لفعل منفي نحو: ما ضربت من أحدٍ، إلا أنه حملت الجملة الاسمية الداخل عليها حرف النفي على الفعلية المنفية في ذلك لأن المعنى: وما يضرّون من أحد. [الإملاء (١/ ٥٥)].
(٤) سورة التوبة: ١٢٧.
(٥) الشعر للنابغة الذبياني، والبيت في ديوانه (٣٠).
(٦) سورة التوبة: ٦٩.
(٧) ما بين [] ليست في "أ".
(٨) شرى بمعنى باع معروف في كلام العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وقوله تعالي: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فالأول شراء حسي والثاني شراء معنوي، والعرب تقول لكل من ترك شيئًا وتمسك بغيره فقد اشتراه. [المحكم لابن سيده "شرى" (٨/ ١٠٠) - الطبري (٢/ ٣٦٧)].
(٩) ما بين [] ليست في "ن".
[ ١ / ٢٥٤ ]
علموا أو لم يعلموا، إلا أن المراد به كونه مذمومًا عندهم، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وإنما قال (٢): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثم قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لأنَّ العلمَ الأول: راجعٌ إلى فوات المعاد فهو مثبت، والعلم الثاني راجعٌ إلى قُبح الصنيع (٣) وهو منفي إذ كل أمةٍ زُيِّنَ لهم سوءُ عملهم (٤).
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لثوابٌ وهو الجزاء، وأكثرُ استعماله في الخير، ووزنه مَفْعُلَة عند بعضهم، ومَفْعُولة عند الآخرين (٥). والخيرُ اسمٌ عامٌّ محمود كله، ونقيضُه: الشر، يقال: فلانٌ خيرٌ من فلان أو شرٌّ منه، والمراد به التفضيل، إنما وقع التفضيل ها هنا على المتاع القليل من العاجلة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ نزلت في النهي (٦) عن لفظة كان المسلمون يتلفظون بها ويلحَنُ (٧) فيها اليهود ليًّا بألسنتهم [يريدون الشتم] (٨)، وهي لفظة رَاعِنَا، قال ابن عرفة: هو مِنَ المراعاة، والعرب
_________________
(١) سورة العنكبوت: ٤١.
(٢) في "أ": (قالوا).
(٣) (الصنيع) ليست في "أ".
(٤) تقدير الكلام عند الطبري: وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرُّهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شرَوْا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق" والخطاب موجَّه إلى اليهود حيث لم يعملوا بما علموا. [الطبري (٢/ ٣٦٩)].
(٥) في "مثوبة" قولان من حيث الوزن؛ الأول: أن وزنها مَفْعُولَة والأصل مَثْوُوبَة فَثَقُلَت الضمة على الواو فَنُقِلَت إلى الساكن قبلها فالتقى ساكنان فحذف أحدهما مثل: مَقُولة ومَجُوزة ومَصُون وَمَشُوب. والثاني: أنها على وزن مَفْعُلَة من الثواب بضم العين، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء. [البحر (١/ ٣٣٥) - ابن عطية (١/ ٣٧٤) - الدر المصون (٢/ ٥٠)].
(٦) في "أ": (النبي).
(٧) في "أ": (ويلحق) وهو خطأ.
(٨) ما بين [] ليست في "أ".
[ ١ / ٢٥٥ ]
تقول: راعني، أي تَعَهَّدْني وافهم عني وأفهمني (١)، وقال الأزهري (٢): ظاهرها أَرِعْنَا سمعَكَ (٣)، وكانت اليهود تذهب بها إلى الرعونة، والأرعن الأحمق (٤). وقيل: كانوا يقولون: راعينا، يعنون: راعي السائمة، فنسخ الله تعالى تلك الكلمة بقوله: ﴿انْظُرْنَا﴾ أي: انتظر وارتقب ما يكون من سؤال أو نحوه، والإنظار: التمهيل. والنَّظِرَة: المُهلة، ونَظَرتُ الشيء (٥)، أي انتظرته.
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٧). وقرأ الحسن: ﴿رَاعِنَا﴾، منونًا، لأنه ظنَّ أنها لفظةٌ كالأسماء فنصبها بوقوع القول عليه، كنصب مَنْ نصب ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٨).
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في الإخبار عن حسد الكفرة وما يضمرونه من البغضاء (٩) ليفتضحوا به ويزداد الذين آمنوا شكرًا لله تعالى
_________________
(١) قول ابن عرفة نقله أبو عبيد الهروي في الغريبين (٣/ ٧٥٤).
(٢) محمَّد بن أحمد بن طلحة أبو منصور الأزهري الهروي الشافعي، والأزهري نسبة إلى جدِّه الأزهر. ولد في هراة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، أَسَرَتْهُ القرامطة عند عودته من الحج، فبقي في أسره دهرًا طويلًا ثم تخلَّص من الأسر ودخل بغداد وحضر مجالس العربية وبرز فيها، وأخذ عن نفطويه وابن السراج والبغوي وغيرهم. وأبرز كتبه "تهذيب اللغة". توفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. [الكامل (٩/ ٥٥)؛ معجم الأدباء (١٨/ ٩٩)؛ الأنساب للسمعاني (٥٢٧)؛ مقدمة تهذيب اللغة].
(٣) وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال في قوله تعالى: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: أرْعِنا سمْعَك. أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٧٤)، وهذه الكلمة "راعنا" كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والسب فنهى الله - ﷿ - المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي - ﷺ -. [الطبري (٢/ ٣٧٤) - ابن أبي حاتم (١/ ١٩٧) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٤)].
(٤) لم أجده في مؤلفات الجوهري لكن نقله عنه أبو عبيد الهروي في الغريبين (٣/ ٧٥٤).
(٥) في "ب": (نظير الشيء) وهو خطأ.
(٦) سورة فاطر: ٤٣.
(٧) سورة الحديد: ١٣.
(٨) سورة البقرة: ٥٨.
(٩) في جميع النسخ (النعماء) وهذا خطأ، ولعل ما أثبتناه هو أصوب، والله أعلم.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وشدَّةً على الكفار. (ما) للنفي. (مِنْ) للتنويع (١) وهي مقَدَّرةٌ (٢) في قوله: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ عَنَوْا به وقع الاكتفاء بالأولى. ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الجملة في موضع النصب لوقوع الفعل المنفي عليها (مِنْ) للتفسير (٣) ﴿خَيْرٍ﴾ نُصرةٍ ووحي ونحوهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (من) لابتداء الغاية، ومجازه: أن ينزل الله عليكم من خير من عنده. واسم "الله" مرتفع بالابتداء أو بالفعل ﴿يَخْتَصُّ﴾ تخصيص الشيء: اقتطاعُهُ من جنسه. والعموم ضد الخصوص.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ (مَنْ) في محل النصب لوقوع الاختصاص عليه، مَن يشاء اختصاصه. و(اللهُ) رفع بالابتداء و﴿ذُو﴾ خبره. وذو الشيء: مَنْ له الشيء على وجه التخصيص أو التمليك. وقد يُجعلُ الشيءُ ذا معناه وهو نفسه، كقولهم: الإنسان ذو روح وجسد، والأمر ذو بالٍ. وهو يُشبه الأخ والأب في التوحيد والتثنية والجمع، ذوو مثل: أولو وسنو. وذات الشيء: نفسُهُ، وقد تجعل التاء فيه من نفس (٤) الكلمة فتثبت على (٥) النسبة.
﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (مَا) بمعنى المصدر إلا أن فيه معنى الشرط بدلالة جزم
_________________
(١) وقيل إن "مِنْ" للتبعيض فتكون هي ومجرورها في محل نصب على الحال. وقيل: هي لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري. [الكشاف (١/ ٣٠٢)].
(٢) عند التحقيق - والله أعلم - يتعين أن يكون "المشركين" معطوفة على "أهل" بدون تقدير الحذف الذي ذكره المؤلف، وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار وأنه الأصل - ولا المشركون - عطفًا على الذين، وإنما خفض للمجاورة نحو قوله تعالى: ﴿بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهو قول أبي جعفر النحاس. وأما أبو البقاء فقال بالرفع عطفًا على الفاعل. [الإملاء (١/ ٥٦) - إعراب القرآن للنحاس (١/ ٢٠٥) - الدر المصون (٢/ ٥٣)].
(٣) وقيل "مِنْ" زائدة للتوكيد، وذلك لأنهم اشترطوا في زيادتها دخولها على النكرة وأن تسبق بنفي أو شبهه، وهذا مذهب سيبويه وجماعة بخلاف الكوفيين والأخفش فإنهم لا يشترطون ذلك. وقيل: "مِنْ" للتبعيض أي: ما يودون أن ينزَّل من الخيرِ قليل ولا كثير. [الكتاب (١/ ٢٧٩) - معاني القرآن للأخفش ص ٩٨].
(٤) في جميع النسخ (من نسخ) والمثبت لعله أصوب.
(٥) في "ب": (في) بدل (على).
[ ١ / ٢٥٧ ]
الفعل (١)، نظيره: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ (٢). والنسخ في اللغة: الإزالة والإزاحة. يقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظِّلَّ، والريحُ الأثرَ. وتُسمى كنايةً ما هو في كتابٍ سابقٍ نسخًا مجازًا، وكذلك يسمى نقلًا، وحقيقة النقل ما يكون له فراغ محلٍّ لشغل محلٍّ.
واعلم أنَّ نسخ الشريعة يأباه اليهودُ والإماميةُ من الشيعة، ولا يفرقون بينه وبين البَدَاء، فحجةُ اليهود قولُ موسى - ﵇ -: "مَنْ جاءكم بخلاف ما أتيتُكم به فلا تقبلوه". وحجة الإمامية، قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ (٤).
ويجعلون ما يُعَدُّ منسوخًا من الأحكام مؤقتًا بوقتٍ معين مُقدَّر يعلمُه النبيُّ (٥) أو الوصيُّ من بعده، فينتهي وقتُهُ من غير نسخٍ. ويُفسِّرون هذه الآية بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ.
قلنا (٦): أَمَّا قولُ موسى - ﵇ -، معناه: مَنْ جاءكم مُكذبًا مُخَطِّئًا إيَّاي فلا تصدقوه، ولم يرد به مَنْ () (٧) على المعلوم الأول، إذ هو لا يكون مخالفًا، ألا ترى أنك إذا تيقنت الخبرَ ثم جاءَ إنسانٌ وقال: إن ما
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ وجهان إعرابيان: الأول: أن "ما" مفعول مقدَّم لـ "ننسخ"، وهي شرطية جازمة له، والتقدير: أيَّ شيء ننسخ، مثل قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾. الثاني: أنها شرطية أيضًا جازمة لـ "ننسخ" ولكنها واقعة موقع المصدر، و"من آية" هو المفعول به، والتقدير: أيَّ نَسْخٍ ننسخ آيةً، قاله أبو البقاء وغيره، ومجيء "ما" مصدرًا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: نَعَبَ الغرابُ فقلتُ: بَيْنٌ عاجِلٌ ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فَانْعَبِ [البحر (١/ ٣٤٣) - الدر المصون (٢/ ٥٥)].
(٢) سورة التوبة: ١١٠.
(٣) سورة الشورى: ١٣.
(٤) سورة ق: ٢٩.
(٥) في "أ" (الله) وهو خطأ.
(٦) في "أ": (قلت).
(٧) كلمة غير واضحة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
علمتَ لم يكُنْ، فإنك تكذبُهُ لا محالة، ولو أخبرك بزواله بعد كونه لم تكذِّبه، ولكنه طالبته بالبيِّنة والبرهان. والمراد بالآية ما بقي من شرائعهم غير منسوخ.
والآية الأُخرى على ما قال الله تعالى لكنه في تبديلٍ على وجه البدل دون النسخ، بدلالة قوله: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (١)، [وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٢)] (٣).
[وتأويلُ النسخ ها هنا بالانتساخ خطأ بدليل ما تلونا من قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾] (٤)، وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، ولو كان توقيتُ أمر القبلة يعلمه النبيُّ - ﷺ - لما كانَ لتقلُّب وجهه في السماء معنى.
والدليل على جواز النسخ قولُهُ تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٥) ثم نسخ الخلقِ بالخلق لا يؤدي إلى البدل فكذلك نسخُ الأمرِ بالأمر (٦). ولأنَّ النسخ يثبت بالعقل ألا ترى أن قطع العضو محظورٌ ثم إذا أصابته آفةٌ يرجو صاحبُهُ السلامة بالقطع، كان له أن يقطعهُ وإذا ثبت النسخُ بالعقل ثبت بالوحي إذ هما معنيان موجبان، ولأنه ثبت بالنقل العام الذي لا يمكن (٧) دفعهُ تزويج آدم أولادَ صُلْبه بعضهم من بعض. وثبت بالعقل أيضًا لأن إثباتَ النسلِ الأول إذ أمكنَ برجل وامرأة لا بُدَّ من إثبات النسل في الدرجة الثانية إلا بتزويج ذوي الأرحام، وقد ثبت المحسوسُ على ذلك إلى اليوم. وثبت بالنقل العام أيضًا جَمْعُ يعقوب - ﵇ - بين أُختين: لايان
_________________
(١) سورة النحل: ١٠١.
(٢) سورة الرعد: ٣٩.
(٣) ما بين [] من "ي" وليس في بقية النسخ.
(٤) ما بين [] ليس في "ن".
(٥) سورة الأعراف: ٥٤.
(٦) (بالأمر) ليست في "ن".
(٧) في "أ" "ن": (يكون).
[ ١ / ٢٥٩ ]
وراحيل ابنتا خاله، ثم حرم ذلك التوراة، وأَحْدَثَ حكم القُربان لابني آدم وحكم الختان لإبراهيم، والسبتَ وتحريم طبخ الجدي بلبنٍ، وصومَ مدةٍ معينةٍ، والإفطارَ في يومٍ معلومٍ لموسى - ﵇ - ولم يتقدمهما إيجابٌ من أحدٍ، ولا لزم في عقلٍ فثبتَ جوَازُ النسخ.
والفرقُ بين النسخ والبَدَاء أنَّ النسخَ إزالةُ ما سبق العلم كونه [صلاحًا في وقتٍ دون وقت بما سبق العلم في كونه] (١) غير صلاح في الوقت الأول صلاحًا في الوقت الثاني. والبَدَاء: هو الاستدراك عند اتضاح الملتبس، تعالى اللهُ عن ذلك علوًا كبيرًا.
فإن قيل: قولُكم في بيان النسخ يؤدي إلى الشك في الأوامر المطلقة، هل بقي كونها صلاحًا أم لا؟ قلنا: لا يؤدي إلى ذلك لأنَّا علمنا أن صلاحها إما يرتفع بأمر حادثٍ، وإما بتعذُّر الإتيان بها، ثم إن وجد التعذُّر وقع اليقين بارتفاع الصلاح حالة التعذر.
فإن قيل: قولُكُم هذا يؤدي إلى أنَّ الصحابةَ لم تعتقد (٢) في الأوامر المطلقة وجوبًا على التأبيد. قُلنا: الواجِبُ على السامعين اعتقادُ الوجوب على شريطة بقاء الحكم دون اعتقاد الوجوب على التأبيد لأنهم لا يدرونَ لعلَّ الله يُحْدِثُ بعد ذلكَ أمرًا.
وإذا ثبت جوازُ النسخ على طريق الإجمال فلنا أن نقتصر على ذكر مذهبنا فيه.
اعلم أنَّ ما لا يجوز نسخُهُ ستَّةُ أنواعٍ؛ أحدها: نَسْخُ ما يستحيل نسخُه بغير جحد أو اعتراف بالكذب كنسخ قصةِ عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣)، وعن قول الشيطان: ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ
_________________
(١) ما بين [] ليس في "أ".
(٢) في "أ": (يعتقدوا).
(٣) سورة النساء: ١٤٠.
[ ١ / ٢٦٠ ]
الْحَقِّ (١)﴾ (٢) وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم.
والثاني: نسخُ ما لا يُجيزُ العقلُ نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان. والثالث: نسخٌ يؤدي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجبَ اللهُ تعالى من جزاء الإحسان. والرابع: نسخٌ يؤدي إلى الحنث (٣)، كنسخ قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (٤) الآية، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ (٥)، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٦) الآية، ولو لم يكن للقَسَم مزيةٌ على الوعد والوعيد لما ذكر القَسَم. والخامس: نسخُ حكمٍ لم يُفِدْ شيئًا كنسخ ما لم ينزله جبريلُ - ﵇ - بعدُ، إذ هو يؤدي إلى البَدَاء. والسادس: نسخُ حكمٍ (٧) لم يُبَيَّن لأنه محالٌ، إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأول، فلا يجتمعان.
ما يجوز نسخُهُ ستةُ أنواع:
الأول: الأثقل بالأخف، كنسخ تحريم الرَّفَث ليالي الصوم بالإباحة.
والثاني: نسخُ المِثلِ بالمِثل، كنسخ التوجه إلى قبلة بإيجاب التوجه إلى قبلة.
والثالث: نسخ ما هو أقلُّ ثوابًا [بما هو أكثرُ ثوابًا] (٨)، كنسخ صوم يوم (٩) عاشوراء بصوم شهر رمضان.
والرابع: نسخ ما أفاد معنىً قبلَ نسخه، كنسخ خمسين صلاة ليلة
_________________
(١) (وعد الحق) ليس في "ي".
(٢) سورة إبراهيم: ٢٢.
(٣) في "أ": (الخبث).
(٤) سورة الأعراف: ١٨.
(٥) سورة الحجر: ٩٢.
(٦) سورة مريم: ٧١.
(٧) (حكم) ليس في "ن".
(٨) ما بين [] ليس في "ب".
(٩) (يوم) ليس في "ي" "ب".
[ ١ / ٢٦١ ]
المعراج بخمس صلوات. وفائدة الحكم الأول اعتقادُ نبينا - ﷺ - وجوبها وإكرامُ الله [إياه بالتشفيع وإمضاء ثواب خمسين صلاة بخمس صلوات. وهذا النوع] (١) يأباه بعض المتكلِّمين من المعتزلة، وغيرهم.
والخامس: نسخ ما يُحمد كنسخ ما أوجبَ الله تعالى أهلَ (٢) الارتكاب من العذاب بالعفو، وإنما جاز لوقوعه محمودًا حسنًا، لأنه تعالى (٣) شرط لنفسه المشيئة فيه. وهذا النوع يأباه فريقٌ من المعتزلة أيضًا، ويجعلونه من حيِّز الأخبار.
والسادس (٤): نسخ التلاوة مع بقاء المعنى، لأن التلاوة وحدها تنفرد بحكمٍ غير حكم المعنى، وهو ترك مَسِّهِ محدثًا، وإقامة التحريمة بها. فلم يقف نسخها على نسخ، وهذا النوع يأباه الزجاج فيما رُوي عنه (٥).
وقد زعم بعض الزيدية أنه لا ينسخ الحكمُ مع بقاء التلاوة، وهو غير صحيح، لما بينَّا أن نسخ أحدهما لا يقف على نسخ الآخر.
وقد أجمع أهلُ الإِسلام أنَّ قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (٦) منسوخ بآية السيف.
وخَلْقُ النسيان جائز في الأنواع الاثني عشر كلها، وهو مثل نسخ وليس بنسخ. ولا يختلفُ عندنا الحكمُ بين نسخ القرآن بالقرآن (٧)، ونسخ السُّنَّة بالسُّنة، ونسخ أحدهما بالآخر، لأن الكل من عند الله، والرسولُ أمينٌ ما ينطق عن الهوى. وزعم بعض المخالفين أنَّ نسخَ القرآن بالسُّنَّة لا
_________________
(١) ما بين [] ليس في "أ".
(٢) في "أ": (أهله).
(٣) (لأنه تعالى) كتب في "ب": (لآن الله تعالى).
(٤) (والسادس) ليس في "أ".
(٥) معاني القرآن للزجاج (١/ ١٨٩).
(٦) سورة الكافرون: ٦.
(٧) (بالقرآن) ليس في "أ".
[ ١ / ٢٦٢ ]
يجوز (١)، ويتعيَّن في بعض الأحكام على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٢).
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ بمعنى الإثبات (٣)، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٤). قال الشاعر (٥):
ألستم خيرَ من رَكِبَ المطايا وأَنْدى العالمينَ بُطونَ راحِ
﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ﴾ من حقِّ اسم (أنَّ) (٦) أن يكون في محل الخبر (٧) مجرورًا باللام (٨)، كقولِه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ (٩) فلما وقع الابتداء باسمه (١٠) تعالى لكونه أهمَّ وجب ذكر (١١) ضمير عائد إليه وهو الهاء في (له)، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١٢). إن فُسِّر الولي بالذي يلي الأمرَ حلًاّ وعقدًا بغير
_________________
(١) (لا يجوز) من "أ" فقط.
(٢) ليس من عادة المؤلف البسط في تحرير المسائل في تفسيره على هذا النحو، وهذا أول موطن يبسط القول فيه محررًا تحريرًا مفصلًا في مسألة النسخ وما يتفرع عنها من مسائل شتى، وقد تعرَّض كثير من المفسرين فبسطوا القول في هذه المسألة في تفاسيرهم مثل: [الطبري (٢/ ٣٨٨) - تفسير السمعاني (٢/ ٥) - القرطبي (٢/ ٦١) - البحر (١/ ٣٤٢) - تفسير البغوي (١/ ٩٣) - المحرر (١/ ٣٨٠) - الخازن (١/ ٩٣) - ابن كثير (١/ ١٨٧) وغيرهم].
(٣) لأن نفي النفي إثبات، ولذا يجاب عنه بـ "بلى" ولا يجاب عنه بـ "نعم" كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.
(٤) سورة الأعراف: ١٧٢.
(٥) مرَّ الكلام عليه وهو للشاعر جرير بن عطية الخطفي.
(٦) (أنَّ) ليس في "أ".
(٧) (الخير) ليس في "أ".
(٨) فيه توجيهان إعرابيان في خبر "أَنَّ": الأول: أن "ملك" مبتدأ مؤخر و"له" خبر مقدم والجملة في محل رفع خبر لـ "أَنَّ". والوجه الثاني: أن "ملك" مرفوع بالفاعلية، رفعه الجار قبله عند الأخفش. [الدر المصون (٢/ ٦٣)].
(٩) سورة الأعراف: ١٢٨.
(١٠) في "أ": (باسم الله).
(١١) (ذكر) ليس في "ن".
(١٢) سورة لقمان: ٣٤.
[ ١ / ٢٦٣ ]
إذن من جهة مَنْ يلي أمره فالخطاب عام (١)، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٢) وإن فُسِّر بالودود نقيض العدو، فالخطاب موجهٌ إلى المؤمنين خاصةً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (٣). والنصير: الناصر على طريق المبالغة كالشهيد والقعيد.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ اختلف في سبب نزولها، قيل: إنها نزلت حيثُ قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ (٤) وهذا بعيد (٥)؛ لأن ظاهر الخطاب ها هنا للمؤمنين دون الكافرين.
وقيل: سألَ النبيَّ - ﵇ - ممَّن حَدَث إسلامهم أن يتخذوا عيدًا عند شجرة أنْوَاط كما كانت الكفار تتخذ، فقال النبيُّ (٦) - ﵇ -: "إن
_________________
(١) وهذا هو المتعين أن الولي: هو القَيِّمُ على الشيء ومنه ولي عهد المسلمين أي القيم بما عُهِدَ إليه من أمر المسلمين. انظر: [الطبري (٢/ ٤٠٨) - القرطبي (٢/ ٦٨) - السمعاني (٢/ ١٢) - تفسير البغوي (١/ ٩٥)].
(٢) سورة الشورى: ٩.
(٣) سورة آل عمران: ٦٨.
(٤) سورة الإسراء: ٩٠ - ٩٣.
(٥) القول الأول في سبب نزول الآية وهو الذي استبعده المؤلف يدلُّ عليه ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٠٢) والطبري (٢/ ٤٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر كما في "العجاب" ص ١٦٦: سنده جيد، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رافع بن حُرَيْمِلَة ووهب بن زيد لرسول الله - ﷺ -: ائتنا بكتاب تُنَزِّلُه علينا من السماء نَقْرَؤُهُ، وفجِّر لنا أنهارًا نتبعك ونصدِّقْك، فأنزل الله في ذلكً من قولهم: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية. ومع أنه في هذه الآية لم يبيِّن الذي سأل موسى مِن قبل من هو؟ لكنه بيَّنه في آية أخرى كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ولذا فإن ما استبعدهُ المؤلف هو المتعين والراجح في سبب النزول - والله أعلم -.
(٦) (النبي) ليس في "ن".
[ ١ / ٢٦٤ ]
يريدون مني إلا كما قالت بنو إسرائيل لموسى - ﵇ -: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١) " وهذا أقربُ إلى الصواب (٢) ويحتمل أنهم كانوا يقولون: راعنا، متابعة لليهُودِ ويظنون أنه أحسنُ الخطاب، ويستدلّون بكون اليهود أعرف بخطاب الأنبياء منهم لقراءتهم الكتاب، فَنهاهُمُ اللهُ تعالى عن ذلك وأعلمهم قبحَ موافقة اليهود وما يؤدون إليه من الكفر والضلال، إذْ هُمُ الذين (٣) قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾ (٤) و﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٥) و﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (٦) و﴿آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (٧).
(أَمْ) ها هنا (٨) بمعنى بل (٩)، كقولك: إنها لإبلٌ أم شاء، والدليلُ على أنه منقطع لم يسبقه في بابه استفهام فيكون بمعنى أو على جهة النسق. إلا أن بين (بل) وبين (أم) فرقًا، لأن ما يلي (بل) يقع مقطوعًا به (١٠)، وما يلي (أو) يقع موهومًا.
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٣٨.
(٢) القول الثاني في سبب نزول الآية وهو الذي رجحه المؤلف، وقد حكاه ابن ظفر كما في البحر المحيط (١/ ٣٤٦) والحديث الذي ذكره المؤلف أخرجه الترمذي في كتاب الفتن (٤/ ٤٧٥) والنسائي في السنن الكبرى (٦/ ٣٤٦) وأحمد في مسنده (٥/ ٢١٨) وغيرهم من حديث أبي واقد الليثي أن رسول الله - ﷺ - لما خرج إلى خيبر مرَّ بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلِّقون عليها أسلحتهم فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي - ﷺ -: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده لتركبنَّ سنن من كان قبلكم".
(٣) (الذين) ليس في "أ".
(٤) سورة النساء: ١٥٣.
(٥) سورة الأعراف: ١٣٨.
(٦) سورة المائدة: ٢٤.
(٧) سورة الأحزاب: ٦٩.
(٨) في "أ": (هنا).
(٩) قال أبو البقاء: "أم" هنا منقطعة، إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها فهي بمعنى "بل" والهمزة، والمعنى: بل أتريدون، فيكون أضراب انتقال من قصة إلى قصة [الإملاء (١/ ٥٧)].
(١٠) (به) ليس من "ب".
[ ١ / ٢٦٥ ]
ويحتمل أن المراد بقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ: ألم تعلموا، فيكون (أم) متصلًا مردودًا على ألف الاستفهام، و(مَنْ) بمعنى: الذي، وفيه معنى الشرط لأنه جَزَمَ الفعل واقتضى الجزاء نظيره: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) و﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (٢).
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾ بعد الإيمان (٣)، والتَّبدُّلُ: اتخاذ البدل، كما أَنَّ التزودَ اتخاذ الزاد. ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصدها والمراد بالسبيل: النهج.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قيل: سبب نزولها قولُ حُييّ بن أخطب وأبي ياسر ابن أخطب وكعب بن الأشرف لحذيفةَ بن اليمان (٤) وعمارِ بن ياسر (٥) بعد يوم أُحد شامتين: "أما رأيتم ما أصابكم فارجعا إلى دينكما الأول، قال أحدُهُما: إني عاهدتُ اللهَ أن لا أكفر بمحمد، وقال الآخر (٦): اللهُ ربي والقرآن إمامي ومحمدٌ رسولي" (٧). وقيل: هي عام
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٣١.
(٢) سورة طه: ٧٤.
(٣) (بعد الإيمان) من "أ" فقط.
(٤) حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي اليماني أبو عبد الله حليف الأنصار، من أعيان المهاجرين. شهد هو وأبوه أحدًا واستشهد أبوه في أحد، قتله بعض الصحابة غلطًا. وكان النبي ﵊ قد أسرَّ إلى حذيفة أسماء المنافقين حتى ناشده عمر بن الخطاب: أأنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدًا بعدك. [أخرجه البخاري (١٣/ ٤١)؛ ومسلم (١٤٤)]. توفي في المدائن سنة ست وثلاثين. [تاريخ الإِسلام (٢/ ١٥٢)؛ طبقات القراء (١/ ٢٠٣)؛ الإصابة (٢/ ٢٢٣)؛ حلية الأولياء (١/ ٢٧٠)].
(٥) هو عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس المذحجي، الإِمام الكبير أبو اليقظان، أحد السابقين الأولين، والأعيان البدريين، قال فيه النبي - ﷺ -: "إنَّ عمارًا ملىء إيمانًا إلى مشاشه"، وأخبر ﵊ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية، فقتل - ﵁ - مع علي بصفين سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. [الاستيعاب (٣/ ١١٣٥)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ٢٤٦)؛ الإصابة (٤/ ٥٧٥)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٣٥٢)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٤٠٦)].
(٦) (الآخر) من "أ" فقط.
(٧) تعدد سبب نزول هذه الآية فذكر المؤلف سببًا وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري (٢/ ٤١٩)؛ وابن أبي حاتم (١/ ٢٠٤)؛ وابن كثير (١/ ١٥٣) وغيرهم. =
[ ١ / ٢٦٦ ]
والكثير ضد القليل. ﴿كُفَّارًا﴾ نصب على القطع لأنه جاء بعد تمام الكلام، وعند البصريين نصبٌ على الحال (١). ﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ له فانتصب بنزع الخافض (٢). والحسدُ: أن لا تؤهل ذا نعمةٍ لها. وإنما قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لتأكيد وصفهم بالعدوان وأنه لا وجه لحسدهم عند غيرهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ من نعتِ نبيِّنا - ﵇ - (٣) فيما قبل ظهور معجزاته في الحال.
_________________
(١) = وهناك سبب آخر في نزول هذه الآية أخرجه أبو داود في سننه كتاب الخراج (٣/ ١٥٤) وابن أبي حاتم (١/ ٣٣١)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٩٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٧٦) وغيرهم عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان يهوديًا شاعرًا، فكان يهجو النبي - ﷺ - ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون النبي - ﷺ - وأصحابه أشدَّ الأذى، فأمرهم الله بالصبر والعفو، وفيهم نزلت: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾. قال الحافظ ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" ص ١٧١: هذا سند صحيح.
(٢) إذا كانت "رَدَّ" في قوله تعالى: ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ بمعنى صَيَّرَ فإنها تتعدى إلى مفعولين، وعلى هذا تكون "كفارًا" مفعولًا ثانيًا، و"رَدَّ" بمعنى صَيَّرَ معروف في كلام العرب، ومنه قول الكميت: رمى الحَدَثانُ نسوةَ آلِ حربٍ بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ له سمودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بيضًا وَرَدَّ وجوههنَّ البيضَ سُودا والوجه الثاني في "كفارًا" أنها حال، وهو قول أبي البقاء وجماعة من البصريين، وضعَّف هذا القول السمين الحلبي في تفسيره بحجة أن الحال يستغنى عنها غالبًا وهذا لا بدَّ منه. [الإملاء (١/ ٥٧) - أمالي القالي (٣/ ١١٥) - ابن عقيل (١/ ٣٣٤)].
(٣) وفي إعراب "حسدًا" وجهان آخران. أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال، وإنما لم يجمع لكونه مصدرًا، التقدير: حاسدين. وهذا القول فيه ضعف لأن مجيء المصدر حالًا لا يَطَّرِدُ. الوجه الثاني: أنه منصوب على المصدرية بفعل مقدَّر من لفظه، أي: يَحْسُدُونَكُمْ حَسَدًا. وأقرب الأقوال الثلاثة ما ذكره المؤلف أنه نصب على المفعول له. [الدر المصون (٢/ ٦٧)].
(٤) في "ب": (محمَّد ﵇).
[ ١ / ٢٦٧ ]
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أحدهما قريبٌ من الآخر في الاستعمال إلا أن أصلَ الصفح مِن الإعراض. وهذا الحكمُ منسوخٌ بآية السَّيف. وقيل: منسوخ بحكم قتلِ بني قريظة وإجلاء بني النضير، وهو الأصح (١).
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الألف واللام في ﴿الصَّلَاةَ﴾ و﴿الزَّكَاةَ﴾ للجنس، وهما مجملان وتفسيرهما ما ثبت عن النبي - ﵇ - (٢): أن الصلاة على المكلف في اليوم والليلة خمسٌ، أولها: الظهر من حين تزول الشمس إلى دخول وقت العصر، ثم العصر إلى المغرب (٣)، ثم المغرب إلى العشاء، ثم العشاء إلى طلوع الفجر، [ثم الفجر (٤) إلى طلوع الشمس، ولا يتداخل وقتان ما عدا عرفةَ بعرفات وليلة الجمع] (٥) بالجمع، لقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٦).
ورُوِيَ عن النبي - ﵇ - أنه قال: "إن الله تعالى زادكم صلاةً ألا وهي صلاة الوتر، فصلّوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (٧). ورواه أبو يَعْفُور
_________________
(١) ذكر النسخ كلٌّ من الطبري في تفسيره (٢/ ٥٠٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٣٢)، والمحرر (١/ ٣٩٠)، والقرطبي (٢/ ٧١)، وابن كثير (١/ ٢٢١) وغيرهم كلهم ذكروا أنها منسوخة بآية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ الآية [التوبة: ٥] وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. لكن ذكر ابن الجوزي توجيهًا حسنًا لهذه الآية فقال: والذي يبدو أنه لا نسخ هنا لأن الله تعالى لم يأمر بالعفو والصفح مطلقًا وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر يحتاج إلى حكم آخر. اهـ. [زاد المسير (١/ ١٣٢)].
(٢) رواه الترمذي (١٤٩)، وأبو داود (٣٩٦) والحديث صحيح.
(٣) (إلى المغرب) ليس في "أ".
(٤) (ثم الفجر) ليس في "أ".
(٥) ما بين [] ليس في "ب".
(٦) سورة النساء: ١٠٣.
(٧) الطبراني في الكبير (٢/ ٣١٣)، والحاكم (٣/ ٥٩٣) وسنده حسن.
[ ١ / ٢٦٨ ]
عمن حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص. واسمُ أبي يعفور (١): وَقْدَانُ الكوفيُّ العَبْديُّ، سمع ابن أبي أوفى (٢) وأنسًا (٣) وعرفجة (٤). روى عنه: أبو حنيفة والثوري (٥) وشعبة (٦).
_________________
(١) أبو يعفور العبدي اسمه وقدان، ويقال: واقد، والأول أشهر، الكوفي. روى عن جمع من الصحابة منهم عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وابن أبي أوفى. قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني: أبو يعفور كوفي ثقة. [الكنى للدولابي (٢/ ١٦٩)؛ تاريخ ابن معين (٢/ ٧٣٢)؛ تهذيب التهذيب (١١/ ١٢٣)؛ الاستغناء لابن عبد البر (٢/ ١٠١١)].
(٢) ابن أبي أوفى واسمه عبد الله بن علقمة: صحابي جليل من أصحاب الشجرة، لم يزل بالمدينة حتى قبض النبي - ﷺ - فتحول إلى الكوفة وتوفي بها سنة ست وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة. [الإصابة (٧/ ٢٠١)؛ طبقات ابن سعد (٦/ ٢١)؛ الاستغناء لابن عبد البر (١/ ١٠٧)].
(٣) أنس بن مالك بن النضر أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري، خادم رسول الله - ﷺ - وتلميذه وآخر أصحابه موتًا. روى عن النبي - ﷺ - علمًا جمًّا وبايع تحت الشجرة. صحب النبي عشر سنين وشهد بدرًا صبيًا ولم يقاتل لصغره، كَنَّاه النبي - ﷺ - أبا حمزة. مات لأنس في طاعون الجارف بالبصرة سبعون نفسًا من أولاده وأولاد أولاده، وذلك سنة تسع وستين. ولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين، وتوفي سنة ثلاث وتسعين. [التاريخ الكبير (٢/ ٢٧)؛ الاستيعاب (١٠٨)؛ أسد الغابة (١/ ١٥١)؛ تاريخ الإِسلام (٣/ ٣٣٩)؛ الإصابة (١/ ٧١)].
(٤) هو عرفجة بن شريح الأشجعي، صحابي اختلف في اسم أبيه فقيل: ابن شريح، وقيل: ابن شراحيل، أو شريك، أو شريح، ولا يعلم له عن النبي - ﷺ - غير حديثين، وقيل: أربعة. [الاستيعاب (٣/ ١٠٦٣)؛ الطبقات الكبرى (٦/ ٣٠)؛ الإصابة (٤/ ٤٨٥)؛ معجم الصحابة (٢/ ٢٨١)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ١٦٠)].
(٥) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري شيخ الإِسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه. ولد سنة سبع وتسعين من الهجرة، وكان والده من المحدِّثين الثقات فحرص على أن يكون ابنه مثله ففاقه. قال شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، ساد الناس بالورع والعلم. قال المروذي: قال لي أحمد: أتدري من الإِمام؟ الإِمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي. توفي سنة ست وعشرين ومائة. [تذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣)؛ تاريخ بغداد (٩/ ١٥١)؛ حلية الأولياء (٦/ ٣٥٦)؛ تاريخ الطبري (٨/ ٥٨)].
(٦) هو أمير المؤمنين في الحديث الإِمام الحافظ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، =
[ ١ / ٢٦٩ ]
وأما الزكاة فهو: النصابُ المُقَدَّرُ في المال عند المكلَّف دون العفو مؤجلة بحول الحول.
وأموال الزكاة: الذهبُ والفضةُ، وما في حكمهما من أموال التجارة، والأنعام وهي ثلاثة أجناسٍ: الإبلُ والبقرُ والغنم، وأما الخيل فهي في حكم البغال والحمير من وجه كراهة لحومها، وفي حكم الأنعام من وجه وجوب الزكاة فيها، لأنَّ الله تعالى ذكرهما في موضعين. ورويت الأخبار من الجانبين راعيناه احتياطًا، والحرثُ وهو: ما ينبت على الجنس في غير أرضِ الخراج، ولا نصابَ فيه.
ويجوز أخذ الأموال في زكوات لورود الأخبار (١). والأمر المؤقت [يجبُ في أول الوقت موسَّعًا] (٢) ويتضيق في آخره، ولآخره تأثيرٌ في أوله؛ لأن ورودَ الأمر يسبق التأجيل الإقبال فيجب في الحال كالأمر المطلق. ثم طريان التأجيل ينتج التأخيرَ ولا يرفع الوجوب كتأجيل الديون والمبيعات. غير أن العذرَ الواقعَ في الوقت كالعذر الواقع في أول الوقت كما في عقد الكتابة وإسقاط كل الصلاة عند الحيض وشطرها عند السفر.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ تقديم الشيء جعلُهُ قبلَ الآخر، والمراد به: إسلافُ الخيرِ والشرِّ قبلَ الموت والانتقال إلى حكم الآخرة. تَجِدُوهُ أي: تجدوا ثوابَه عِنْدَ الله (٣).
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ الآية نزلت في أخبار مَنْ نزل فيه قوله: ﴿قُلْ
_________________
(١) = أبو بسطام الأزدي، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وكان سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن منجويه: كان من سادات أهل زمانه حفظًا وإتقانًا وورعًا وفضلًا. ولد سنة اثنتين وثمانين ومات سنة ستين ومائة. [تقريب التهذيب (٢٦٦)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢٣٣)؛ سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠٢)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٨٩)؛ الثقات (٦/ ٤٤٦)].
(٢) (لورود الأخبار) ليس من "ب".
(٣) ما بين [] ليس في "ن" وكلمة (يجب) ليست من "أ".
(٤) (عند الله) من "أ" فقط.
[ ١ / ٢٧٠ ]
إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (١). وهود (٢): جمع هائد كما أن عُوذًا جمع عائذ، وهو: الناقة إذا وضعت وبعدها تضع أيامًا، وفي الحديث: "ومعهم العُوذُ المَطَافِيلُ" (٣). وقيل: هود: اسم فعل معهود مبهم وهو تهودهم، فأدخلت التاء الضمير صاحب الفعل ثم أُسقطت ها هنا للتخفيف، فرجع إلى ما كان. ويحتمل أنه يهود وهودًا لما تشابها في اللفظ أُقيم هودُ مقامَ يهود للتخفيف مع عدم الإيهام، قال اللهُ تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤)، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٥). ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى كلمات القبيلتين، ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾: الأماني جمع أُمنيَّة، وهي: [اسْمٌ من التمني وهو] (٦) التَّشهي.
﴿قُلْ هَاتُوا﴾ هات: أداة للسؤال كما أَنَّ (هاك) أداة للإعطاء (٧)، والأصل فيه فَعَلَ أي: آت، فقُلبت الهمزةُ هاءً، كما في هراق، ثم جُعل من حيِّز الحروف، يمنع من الصرف إلا على جهة الأمر.
والبرهان: الحجةُ الواضحة، يقال: برهن الرجلُ إذا ذكرَ حجةَ قوله، وكان البرهان المطلوب منهم (٨): تمني الموت.
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ ردٌّ لزعمهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا
_________________
(١) سورة البقرة: ٩٤.
(٢) (وهود) ليس في "أ".
(٣) البخاري (٢٧٣١).
(٤) سورة الفتح: ٢٩.
(٥) سورة الصف: ٦.
(٦) ما بين [] ليس في "ن".
(٧) اختُلِفَ في "هات" على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه فعل وهذا هو الصحيح - والله أعلم - لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة نحو: هاتوا، هاتي. القول الثاني: أنه اسم فعل بمعنى: أَحْضِرْ. القول الثالث - وبه قال الزمخشري -: أنه اسم صوت بمعنى ها التي بمعنى أحضر. [الكشاف (١/ ٣٠٥) - الدر المصون (٢/ ٧١)].
(٨) في "ن": (منه).
[ ١ / ٢٧١ ]
أَوْ نَصَارَى﴾ وإسلامُ الوجه للشيء: صرْفُ الإقبالِ إليه، وتسليمُ النفس وتفويض الأمر، ومنه يقال في عقد السَّلم (١): أسلمَ كذا وكذا إليه. وهذه صفة المسلمين دونَ اليهود والنَّصَارى. قال زيدُ بنُ عمرو بن نفيل (٢):
وأسلمتُ وجهي لِمَنْ أسلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تحملُ عَذْبًا زُلالا
إذا هِيَ سِيقَتْ إلى بلدةٍ أطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَليها سِجَالا
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ شرطَ ضمّ الإحسان إلى الإِسلام لئلا يأمن المسيءُ من جملة المسلمين ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ يعني: إدخال الجنة.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ نزلت في جماعة وفدِ نجران ويهود المدينة تجادلوا وحاجَّ بعضهم بعضًا على قضيَّة (٣) التوراة، فجحد كلُّ فريقٍ حجةَ خصمه (٤) ومنعها على طريق الجدال مع تلاوتهم التوراة وإقرارهم بها جميعًا، كما جحد كفارُ قريش حيث قالوا: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٥) ولم يذهبوا في المحاجة مذهب المسلمين بأن يقولوا: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٦) فأنزل الله الآيةَ ذمًّا لهم.
_________________
(١) عَقْد السَّلَم: من عقود البيع وهو: "عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، بأن يقول رجلٌ لآخر: أسلمتُ إليك عشرة دراهم في رطل حنطة مثلًا" النووي، روضة الطالبين (٣/ ٢٤٢).
(٢) هو أحد الحنفاء في الجاهلية الذين بقوا على دين إبراهيم - ﵇ -، والقصيدة بأكملها في سيرة ابن هشام (١/ ٢٩٦).
(٣) في "أ": (قصة).
(٤) سبب نزول هذه الآية كما ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه "العجاب في بيان الأسباب" ص ١٧٣ أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله - ﷺ - أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل. وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وانظر: [أسباب النزول للواحدي ص ٣٦ - وتفسير الخازن (١/ ٧١) - والمحرر الوجيز (١/ ١٩٨) - وزاد المسير (١/ ١٣٣) - والبحر المحيط (١/ ٣٥٢)].
(٥) سورة القصص: ٤٨، والآية في قراءتنا المشهورة: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
(٦) سورة آل عمران: ٦٤.
[ ١ / ٢٧٢ ]
و(لَيْسَ): أداة نفي تُشبه اللفظ الماضي. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ طريق أو رأي متجه أو نحوهما ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم هو: القضاءُ المانع عن الخلاف إلجاءً أو غيرَ إلجاءٍ، وأراد ها هنا على الإلجاء وذلك بإنطاق الجلود وشهادة الرسل على الأمم وغير ذلك مما يشاء اللهُ تعالى.
والاختلاف: نقيض الاتفاق ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾ قال ابن عباس (١): نزلت في الروم لغزوهم بيت المقدس، وإلى هذا ذهب مجاهد والفراء، ويدل عليه ما سبق ذكره (٢)، ودخول النصارى خائفين في بيت المقدس إلى يومنا هذا.
وعن الحسنِ وقتادةَ والسُّدي (٣) أنها نزلت في بختنصر يدلُّ عليه أنه لما جرى ذكر اليهود والنصارى ومشركي العرب والوعد بالحكم في اختلافهم وذكَرَ المجوس أيضًا وإشراكهُمْ (٤) في الذم من وجهٍ آخر. وعن ابن زيد أنها نزلت في قريش وغيرهم من مشركي العرب، وهذا هو الأقرب لأنهم كانوا يَصُدُّون عن المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وفيهم نزل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٥). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ورد ورود
_________________
(١) هو مروي عن ابن عباس عن طريق الكلبي، ذكره الواحدي في أسباب النزول (٣٣ - ٣٤)، وأما عن مجاهد فلم أجده.
(٢) قال الواحدي في أسباب النزول ص ٣٦ وتبعه الثعلبي وابن حجر في العجاب ص ١٧٥ أن هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾ الآية، نزلت في صطوس بن استسيانوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف، وذبحوا فيه الخنازير، فكان خرابًا إلى أن بناه المسلمون في زمن عمر بن الخطاب. وأحال الواحدي هذا المعنى إلى ابن عباس - ﵄ -. وانظر: [تفسير الخازن (١/ ٧٢) - والبحر المحيط (١/ ٣٥٦) - وابن كثير (١/ ١٥٦) - وزاد المسير (١/ ١٣٤)].
(٣) أما عن الحسن فلم أجده، وأما عن قتادة فعند الطبري (٢/ ٥٢٠)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٤١)، وأما عن السدي عند الطبري (٢/ ٥٢١)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٤٢)، والبغوي (١/ ١٠٧).
(٤) في "ن": (إشراكهم).
(٥) سورة التوبة: ٢٨.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الاستفهام ومعناه الإنكار. و﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ جمعٌ وهو واحد لأن العرب تجمع الشيء بنواحيه فتقول: ثوب أسبال، ويحتمل أنه جمع مَسْجَد - بفتح الجيم - وذلك موضع السجود. ويحتمل أنَّ المراد به: المسجد الحرام [ومسجد الخَيْف والمشعر الحرام] (١) لأن الصدَّ كان عن جميعها (٢)، و(عن) مضمر عن أن يذكر كما يقال: نهيته أن يفعل [أي: عن أن يفعَلَ] (٣) كذا.
﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ والسَّعيُ في الشيء بالصلاح والفساد هو: الشروع، إنما وَحَّد الفعل بـ (مَنْ) قال ﴿أُولَئِكَ﴾ لما سبق القولُ في مثله. ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ نفى دخولهم فيها إلا على الصفة المستثناةِ بعد صدِّهم عنها، وإنما كان ذلك عامَ حجة الوداع بعدَ الحج الأكبر، أو عام فَتَحَ اللهُ تعالى بيتَ المقدس على يدي عمر. فمَنْ دخلَ من الكفار منافقًا أو أسيرًا أو بعهد الله (٤) أو بذمة هذين المسجدين أو غيرهما من المساجد، وهو مستثنى (٥) لأنه مقهورٌ خفيٌّ خائفٌ، وإن كان خوفٌ دون خوف. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قتلُهُم في (٦) يوم بدر، وقهرُهُم يوم الفتح، وصدُّهُم عامَ حجةِ الوداع، ومضيُّ الجهاد إلى آخرِ الدهر، أو (٧) فتحُ الشام، وهلاك قيصر، وفتح الروم كلها في آخر الزمان، أو فتح
_________________
(١) ما بين [] ليس في "أ".
(٢) قيل إن الآية نزلت في المشركين الذين منعوا رسول الله - ﷺ - دخول مكة عام الحديبية. ذكر هذا القول الطبري في تفسيره (٢/ ٥٢١)، والزجاج في معاني القرآن (١/ ١٧٤)، والسمعاني في تفسيره (٢/ ٢٢) وغيرهم، ورجح الطبري القول الآخر وهو قول ابن عباس وجماعة أن المراد بالآية النصارى الذين عاونوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس وسياق الآية يدلُّ عليه، وقال ابن عطية أن الآية تتناول كل من منع مسجدًا إلى يوم القيامة، فهو عامٌّ في جميع المساجد، وهو الذي رجحه ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٣٣)].
(٣) ما بين [] ليس في "ن".
(٤) (الله) من "ن" فقط.
(٥) في "أ": (مشتهى).
(٦) (في) من "ن".
(٧) في "أ": (وهو).
[ ١ / ٢٧٤ ]
العراق، وما يليها من بلاد المجوس وهلاك كسرى، والعذاب العظيم في الآخرة ما أعدَّ اللهُ للكافرين من النار والخسار.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ نزلت في الصلاة على الراحلة تطوعًا، هكذا رُوِيَ عن ابن عمر (١) (٢): صلاة النبي - ﵇ - على الراحلة (٣) تطوعًا في الصحارى حيثما توجهت به راحلته تطوعًا، وسعد بن أبي وقاص (٤)،
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي المكي ثم المدني. أسلم وهو صغير ثم هاجر مع أبيه، واستصغر يوم أحد. وأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة. وأخته أم المؤمنين حفصة. روى علمًا كثيرًا عن النبي - ﷺ - وعن جمع كثير من الصحابة. توفي سنة ٧٣ هجرية وله من العمر ٨٧ سنة. [حلية الأولياء (١/ ٢٩٢)؛ طبقات ابن سعد (٢/ ٣٧٣)؛ تاريخ بغداد (١/ ١٧١)؛ تاريخ ابن عساكر (١١/ ١٦٥)؛ السير (٣/ ٢٠٣)].
(٢) في سبب نزول هذه الآية أربعة أقوال: القول الأول: ما ذكره المؤلف فيما روي عن ابن عمر "أن رسول الله - ﷺ - كان يصلِّي على راحلته أينما توجهت به، فنزلت الآية في إباحة النافلة على الراحلة". أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الوتر في السفر (١/ ١٢٧)، ومسلم في صحيحه - صلاة المسافرين (١/ ٤٨٦)، والترمذي (٥/ ٢٠٥)، والإمام أحمد (٦/ ٤٧١٤) تحقيق أحمد شاكر. القول الثاني: أنها نزلت في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة عَيَّرَ اليهود المسلمين وقالوا ليست لهم قبلة معلومة، فنزلت الآية ردًّا لقولهم. القول الثالث: روي عن جابر - ﵁ - أنه قال: كنا في سفر فاشتبهت علينا القبلة فصلَّى كلُّ واحد منا إلى جهة وخطَّ بين يديه خطًا، فلما أصبحنا فإذا الخطوط إلى غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله - ﷺ - فلم يأمرنا بالإعادة، ونزلت الآية. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - باب الاختلاف في القبلة من كتاب الصلاة، قال - أي البيهقي -: ولم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًا. ونقل الزيلعي عن العقيلي أنه قال: هذا حديث لا يروى من وجه يثبت [نصب الراية (١/ ٣٠٤)]. القول الرابع: أنها نزلت في ابتداء الإِسلام حين لم تكن القبلة معلومة وجازت الصلاة إلى أي جهة شاؤوا، فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القبلة، وهذا قول غريب كما قال السمعاني في تفسيره. وأقرب الأقوال هو القول الأول والثاني لدلالة النص عليه في سبب النزول - والله أعلم- وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري بأنها آية جاءت مجيء العموم (٢/ ٤٥٦).
(٣) (على الراحلة) ليست في "أ".
(٤) هو سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، أسلم قديمًا، =
[ ١ / ٢٧٥ ]
وعامر بن ربيعة (١) وأبي موسى الأشعري (٢) وجابر (٣) وأنس. وأفادت الآية حكم جواز البناء بعد الانصراف للحرب وجواز التوجه إلى غير القبلة في صلاة الخوف على الراحلة. والشرق: الطلوع، والإشراق: الإضاءة.
_________________
(١) = وهاجر قبل رسول الله - ﷺ -، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك، وكان أحد الفرسان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله - ﷺ -، وهو الذي تولَّى قتال فارس وفتح الله على يديه القادسية، وكان أميرًا على الكوفة لعمر. ومناقبه كثيرة جدًا، توفي بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور، وهو آخر العشرة وفاة، وحديثه عند الستة. [تقريب التهذيب (٢٣٢)؛ تهذيب التهذيب (٣/ ٤١٩)؛ صفوة الصفوة (١/ ٣٥٦)؛ الإصابة (٣/ ٧٣)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٩٢)].
(٢) هو عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي حليف آل الخطاب، صحابي مشهور، من السابقين الأولين، أسلم قبل عمر وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا. مات سنة خمس وثلاثين قبل قتل عثمان بأيام. [الاستيعاب (٢/ ٧٩٠)؛ رجال مسلم (٢/ ٨٢)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ٥٥)؛ سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٣٣)؛ الإصابة (٣/ ٥٧٩)].
(٣) عبد الله بن قيس بن سليم أبو موسى الأشعري التميمي، صاحب رسول الله - ﷺ - والذي قال فيه: "اللهمَّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا" [أخرجه البخاري (٨/ ٣٥)؛ ومسلم (٢٤٩٨)]. ولي إمرة الكوفة ثم البصرة. توفي في الكوفة، وقال - ﷺ -: "يقدم عليكم غدًا قوم هم أرق قلوبًا للإسلام منكم" فقدم الأشعريون، فلما دنوا جعلوا يرتجزون: غدًا نلقى الأحبَّة مُحَمَّدًا وحِزْبَه فلما قدموا تصافحوا فكانوا أول من أحدثَ المصافحة. [أخرجه أحمد (٣/ ١٥٥)؛ وسنده صحيح]. "التاريخ لابن معين (٣٢٦)؛ الاستيعاب (٣/ ٩٧٩)؛ تاريخ ابن عساكر (٤٢٢)؛ الإصابة (٦/ ١٩٤)؛ السير (٢/ ٣٨٠)].
(٤) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الإِمام الكبير المجتهد الحافظ صاحب رسول الله - ﷺ - أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي من أصحاب بيعة الرضوان. قال جابر - ﵁ -: غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - ست عشرة غزوة. روى عن النبي ﵊ ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا. توفي سنة ثمان وسبعين من الهجرة. [التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٧)؛ أسد الغابة (١/ ٢٥٦)؛ تاريخ الإِسلام (٣/ ١٤٣)؛ الإصابة (١/ ٢١٣)].
[ ١ / ٢٧٦ ]
و﴿الْمَشْرِقُ﴾ مكان شروق الشمس والقمر وسائر الطوالع من السماء على الدنيا من نواحي سُهَيْل إلى بنات نعش، ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾ نقيضه من نواحي سهيل إلى بنات نعش، فالصَّبا والجنُوب بالمشرق، والشمال والدبور بالمغرب. وأين: استفهام عن المكان، فإذا اتصلت (ما) صارت للشرط وعَمَّت الأماكن عموم أي (١)، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢)، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ (٣).
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ثَمَّ: اسمُ ظرفٍ مشار إليه (٤).
و﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ ليس كأوجهِ خلقه (٥) وهو خالقُ الوجوهِ متعالٍ عن
_________________
(١) "أين" اسم شرط بمعنى "إنْ" و"ما" مزيدة عليها و"تولوا" مجزوم بها. وزيادة "ما" ليست لازمة لها بدليل قول الشاعر [وينسب لأبي همام السلولي]: أَيْنَ تَضْرِبْ بنا العُداةَ تَجِدْنَا نصرفُ العيسَ نحوها للتلاقي وهي أيضًا ظرف مكان، والناصب لها ما بعدها، وتكون أيضًا اسم استفهام أيضًا فهي لفظ مشترك بين الشرط والاستفهام. [ابن يعيش (٤/ ١٠٥) - البحر المحيط (١/ ٣٥٥) - الدر المصون (٢/ ٨١)].
(٢) سورة النساء: ٧٨.
(٣) سورة البقرة: ١٤٨.
(٤) "ثَمَّ" اسم إشارة للمكان البعيد خاصةً، وهو مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف الإشارة أو حرف الخطاب. قال أبو البقاء العكبري: لأنك تقول في الحاضر: هنا، وفي الغائب هناك وثَمَّ ناب عن هناك. اهـ، وقيل: بُنِيَ لشبهِهِ بالحرف في الافتقار، فإنه يفتقر إلى مشار إليه ولا يتصرف بأكثر من جَرِّهِ بـ "مِنْ". [الإملاء (١/ ٥٩)].
(٥) المراد بـ "وجه الله" في هذه الآية خاصة وكما يحدده سياق الآية والحديث عن القبلة فيتعين - والله أعلم - المعنى الذي ذكره ابن عباس ترجمان القرآن ألا وهو قبلة الله وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عنه في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا، ورجاله ثقات وإسناده صحيح. وهذا لا يمنع أن يكون المراد بـ "وجه الله" الوجه الحقيقي، بل ذلك هو الأصل لأن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلِّي حينما يتوجه في صلاته إلى القبلة كما أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣/ ٤٠٦) ومسلم في صحيحه (١٣/ ١٢٢٣) مرفوعًا عن النبي - ﷺ -، وهذا الذي رجحه شيخنا العلامة ابن عثيمين -﵀- في تفسيره (٢/ ١٤) وكما قال المؤلف في إثبات الوجه أنه لا كأوجه خلقه، بل وجه يليق بجلاله وعظمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الحلولِ في الجهاتِ (١) والأقطار وهو أقرب من حبلِ الوريدِ ﷾، وقد أَوَّلَ مَنْ أَوَّلَ (٢) من أصحابنا بأنه الإقبالُ بالرحمةِ والرضوانِ والقبولِ وهو ممكن أن يكونَ مرادًا. والواسع: الذي لا يضيقُ علمًا ورحمةً وقدرةً، قال زيد بن عمرو:
إنَّ الإلهَ عزيزٌ واسعٌ حَكَمُ بكفِّهِ الخيرُ والبأساءُ والنِّعَمُ
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ زعم (٣) اليهود أَنَّ اللهَ اتَّخذ عزيرًا ولدًا وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤)، وزعمت النصارى أنَّ اللهَ ولد عيسى، وزعم بنو مليح ومن تابعهم من مشركي العربِ أنَّ الملائِكَةَ بناتُ اللهِ. وزعم المجوسُ أنَ الشمسَ والقمر ولدانِ للهِ تعالىَ، وقالت طائفةٌ منهم: إنَّ اللهَ تعالى اتَّخذَ الظلمةَ صاحبةً فتولد العالم منهما، بأفواههم أجمعين التراب، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ تنزيهًا لنفسِهِ وتصديقًا للمؤمنين وتكذيبًا للكفَّارِ.
ونكتةُ الردِّ أحد حرفين إما اللام في (لَهُ) إن كان المراد بها التمليك، إذ المِلْكُ والتبني لا يجتمعان، وإما الإخبار عن بدو (٥) الأشياء بقوله وفعله دون استحالة طبيعة من نفسه، وإذا عدمت الطبيعة عدمت الولادة وكذلك اتِّخاذ الولد.
_________________
(١) قول المؤلف: متعال عن الحلول في الجهات، بمعنى أن الله لا يحلُّ في جهة فالجواب عن ذلك أن الكلام في الجهة ابتداءً من الألفاظ المبتدعة وليس ثمة نص من كتاب ولا سنة تثبت أو تنفي الجهة، ويقال لمن نفى الجهة عن الله - كالمؤلف -: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله منزَّه من أن يحلَّ في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم. ونفي الجهة هو مذهب المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، قال ابن رشد: وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، ثم ذكر بعض الآيات التي تشير إلى ذلك. [درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١١) - معجم المناهي ص ١٣٥ - مختصر العلو للذهبي تحقيق العلامة الألباني -﵀- ص ٧٠ - الصواعق المرسلة (١/ ٤٩)].
(٢) (مَنْ أوّل) ليست في "أ".
(٣) هذا من "ي"، أما في بقية النسخ: (زعمت).
(٤) سورة المائدة: ١٨.
(٥) في "أ": (بدي).
[ ١ / ٢٧٨ ]
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ذكر ابن الأنباري، القنوت يفسَّر على أربعة أوجه: الصلاةُ وطولُ القيامِ وإقامةُ الطاعةِ والسكوت (١). وأصل القنوت في اللغة هو: القيام بالمرادِ على وجه الانقياد، وقنوتُ الكلِّ كسجودِ الكلِّ طوعًا وكرهًا وظلالهم بالغدوِّ والآصال.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَعِيلٌ المفعل كالسَّميع والأليم، قال (٢):
أَمِنْ ريحانَةِ الدَّاعِي السميع يؤرقُني وأَصْحابي هُجُوع
[والإبداع: الإحداث (٣)، والشيءُ المحدث ما حدث بعلة من جهة القادر لا على قضية الطبيعة وهو الطبع، طبع الأشياء كيف شاء حكيمًا مُبْرِمًا ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ والقضاء: قطعُ الشيء وإتمامُهُ وإمضاؤُهُ] (٤). قال (٥):
وعليهما مسرودتان قضاهُما داودُ أو صنع السوابغ تُبَّعُ ويكونُ القضاءُ بمعنى الإرادة، والأمر ها هنا القول وهو تسمية الشيء الكائن فيكون المسَمَّى بتكوين الفاعل شيئًا من لا شيء باسمه الذي وقعت التسمية به، فسبحانَ مَنْ له الخلقُ والأمر، ويحتمل أنَّ الأمرَ ها هنا هو: الشأن المحدث بالإرادة يعدُّ موهومًا فيقول له: كُنْ معقولًا فيكون أمره وفعله كذلك.
_________________
(١) انظر: [تفسير المسمعاني (٢/ ٢٩) - غريب القرآن لابن قتيبة (١/ ٦٢) - مجاز القرآن (١/ ٥١) - تفسير البغوي (١/ ١٠٠)].
(٢) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أبو ثور، أسلم سنة تسع ثم ارتدَّ بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، ثم أسلم وشهد الفتوح وقُتل يوم القادسية، وقيل: في وقعة نهاوند سنة (٢١ هـ) والشعر في ديوانه (١٣٦).
(٣) أي الإحداث لا على سبيل سابق. قال الزجاج في معاني القرآن (١/ ١٧٧): يعني أنشأهما على غير حذاءٍ ولا مثال سابق، وهذا هو معنى المبدع. انظر: [تفسير الطبري (٢/ ٤٥٠) - والتبيان للعكبري (١/ ١٠٩) - وتهذيب اللغة (٢/ ٢٤١)].
(٤) ما بين [] ليست في "أ".
(٥) الشعر لأبي ذؤيب الهذلي شاعر جاهلي إسلامي، شرح أشعار الهذليين (١/ ٣٩). ومثله قول الشماخ: قضيتَ أمورًا ثم غادرتَ بعدها بوائقَ في أكمامِها لم تُفَتَّقِ
[ ١ / ٢٧٩ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نزلت في مشركي العربِ في أوجه الأقاويل (١) وأقربها لأنه ذكرهم بما سبق ذكرهم به عند مجادلة اليهود والنصارى. ﴿لَوْلَا﴾ ها هنا على التخصيص بمعنى: لوما وهلاَّ نظيره: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٢) ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاد إذ قالوا لهود (٣): ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٤) وثمود إذ قالوا: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٥) وفرعون إذ قال: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ (٦). وبنو إسرائيل لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٧)، والنصارى إذ قالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٨). وإنما يطالبون بهذه الأشياء تمرّدًا وتعنتًا ولم يقصدوا به الاستدلال للطمأنينة والبيان، فذمَّهم الله جميعًا، وشبه بعضهم ببعض. وفي الآية دليل أن الكفر كله ملة واحدة.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أنفذناك، وقد يكون الإرسال إطلاقًا في غير هذا (٩) الموضع ﴿بِالْحَقِّ﴾ ودين الحقِّ هو الإسلام، والباء مكان مع ﴿بَشِيرًا﴾ مخبرًا بالخبرِ السارِّ ﴿وَنَذِيرًا﴾ منبِّهًا محذِّرًا بخبر مكروه. وقال - ﵇ -: "بشر أهل
_________________
(١) والشاهد على ذلك - أنها نزلت في مشركي العرب - ما أخرجه الطبري عن عباس - ﵄ - قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله - ﷺ -: إن كنتَ رسولًا من عند الله كما تقول، فقل للهِ فليكلِّمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ﴾ الآية. وقال مجاهد: هم النصارى والذين من قبلهم هم اليهود. وفيه قول آخر لابن عباس أن المراد بـ ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ اليهود في زمن النبي - ﷺ - و﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ اليهود الأولون. انظر: [القرطبي (٢/ ٨٩) - زاد المسير (١/ ١٣٧)].
(٢) سورة الأنعام: ٤٣.
(٣) في "ن": (اليهود).
(٤) سورة الأعراف: ٧٠.
(٥) سورة الأعراف: ٧٧.
(٦) سورة الأعراف: ١٠٦.
(٧) سورة البقرة: ٥٥.
(٨) سورة المائدة: ١١٢.
(٩) في "ن": (هذه).
[ ١ / ٢٨٠ ]
الطاعة بالجنة والرضوان وأنذر أهل المعصية بالنارِ والخسران" (١) ﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أصحاب جمع [صحاب وصحاب جمع] (٢) صحب مثل: ركاب وركب ثم صحب جمع صاحب. ويحتمل أن الأصحاب جمع قلة و(الجحيم) النار العظيمة، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. وقيل: (الجحيم): التهاب النار.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ﴾ والرضا عن الشيء: صرف السخط عنه لوجود المرضي منه (٣)، والمرضي هو: المحمود. ولم يكن الإسلامُ محمودًا عند اليهود والنصارى فلم يرضوا عن النبي ﵊.
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ﴾ حتى تدخل في الكلام لثلاثةِ معانٍ: الغاية نحو "إلى"، والتعليل نحو "كي"، والعطف بمعنى المبالغة. فالغاية (٤) تدخل على الأسماء والأفعال جميعًا، والتعليل مختصة بالأفعال، والعطف بالأسماء. وإذا وليها فعل مضارع فهو مرفوع أو منصوب، وفي ذلك وجهان: متى رأيت قبلها فعلًا يطول أو يكثر منفيًا أو مثبتًا وبعدها فعلٌ مضارع حكمه (٥) حكم الفعل الأول في الماضي والاستقبال بتقدير أن قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٧)] (٨)، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. وقال الشاعر (٩):
وتُنكر يومَ الروع ألوان خيلنا من الدمِ حتى تحسب الجون أشقرا
_________________
(١) لم أجده فيما بين يدي من المصادر والمراجع الحديثية مع كثرتها.
(٢) ما بين [] ليس من "أ".
(٣) (منه) ليس في "أ".
(٤) في "ب": (فالفائدة).
(٥) في "ب": (حكم).
(٦) سورة البقرة: ١٢٠.
(٧) سورة البقرة: ٢١٤.
(٨) ما بين [] ليست في "ب".
(٩) هو النابغة الجعدي المتوفى سنة ١٢٠ هـ، والبيت في ديوانه (٧٠).
[ ١ / ٢٨١ ]
لأن المراد تَزَايُد الأفعال وإطالته فيكون الفعلُ الثاني في حكم الفعل الأول.
وإن كان الفعل المضارع منفيًا بـ "لا" وحَسُنت ليس مكان "لا" فرفعه حَسَنٌ قياسًا على النفي بـ "لا" بعد "أن لا"، في نحو قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٢). ومتى رأيت قبلها فعلًا ليس فيه معنى الطول والكثرة، وبعدها فعلًا لم يكن حكمه حكم ما قبلها في الماضي والاستقبال، أو كان الفعلُ لفاعلِ الأول فارفعه، نحو قولك: جئت حتى أكونُ قريبًا منك، لأن الفعل (٣) بعد حتى إما فعلُ حالٍ مضت أو حالٍ أنت فيها. وفعل الحال لا يقع إلا مرفوعًا.
فإن كان الفعل لغير فاعل الأول فانصبهُ أو (٤) ارفعه، وأكثر النحويين على النصب، وإذا وليها اسمٌ فهو معرب بإحدى الحركات الثلاث، وفي ذلك وجهان أيضًا: متى رأيت بعدها اسمًا لا يصلح أن يكونَ معطوفًا على ظاهر أو مقدَّر فاخفضهُ، كقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ (٥) أو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٦).
ومتى رأيت بعدها اسمًا يصلح أن يكونَ معطوفًا على ظاهر أو مقدر فأتبعه المعطوف في الإعراب، كقولك: أكلتُ السمكَةَ حتى رأسها، قال (٧):
فيا عجبًا حتى كليب تسبّني كأنَّ أباها نهشل أو مجاشعُ
_________________
(١) سورة طه: ٨٩.
(٢) سورة المائدة: ٧١.
(٣) في "أ": (القول)، وهو خطأ.
(٤) في "أ": (فيهما).
(٥) سورة يوسف: ٣٥.
(٦) سورة القدر: ٥.
(٧) الشعر للفرزدق في ديوانه (١/ ٤١٦).
[ ١ / ٢٨٢ ]
﴿مِلَّتَهُمْ﴾ والملة: معظم الدين والشريعة عن ابن الأعرابي (١) (٢)، قال أبو العباس (٣): يعني بالمعظم الجملة، وكأنها مستعارة من الملة التي هي الدية والأرش لأنها مسنونة مشروعة مثلها، قيل (٤): اشتقاقها من الملة هي الرمل المحمى. [وقيل: من قولك تمليت] (٥) الثوب، إذا لبستها ملاوة من الدهر.
وفي الآية دليل أن الكفرَ ملَّة واحدة. ﴿وَلَئِنِ﴾ حرف شرط دخلت عليه اللام لنوع تأكيد، وأكثرها تدخل عند القسم (٦). ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ أي: بعد العلم الذي جاءك ومن الأولى للتفسير. والثانية: لتأكيد النفي.
_________________
(١) محمَّد بن زياد ابن الأعرابي الهاشمي مولاهم الأحول النسابة اللغوي أبو عبد الله. ولد سنة ١٥٠ هـ. قال تلميذه ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول: ولدت في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة. وقال ثعلب أيضًا: أملى على الناس ما يحمل على أجمال ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه. توفي في سامراء سنة ٢٣١ هجرية. [تاريخ بغداد (٥/ ٢٨٢)؛ معجم الأدباء (٦/ ٥٣٠)؛ إنباه الرواة (٣/ ١٢٨)؛ البداية والنهاية (١٠/ ٣٠٧)؛ الموسوعة الميسرة (٣/ ٢٠٨٨)].
(٢) المِلَّة في الأصل: الطريقة. يقال طريق مُمِلٌّ: أي: أَثَّرَ فيه المَشْيُ، ويعبر بها عن الشريعة تشبيهًا بالطريقة. وقال الزجاج في معاني القرآن (١/ ١٨١): ومعنى ملتهم في اللغة: سنَّتهم وطريقتهم، وانظر: [تفسير السمعاني (٢/ ٣٦) - تفسير البغوي (١/ ١٠١)].
(٣) أبو العباس ثعلب هو أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي صاحب "الفصيح" والتصانيف. ولد سنة مائتين، قال الخطيب: ثقة حجة دين صالح مشهور بالحفظ. وكان لا يتفاصح في خطابه، وكان أعلم الكوفيين، صدمته دابة فوقع في حفرة ومات منها سنة إحدى وتسعين ومائتين. [مروج الذهب (٢/ ٤٩٦)؛ طبقات النحويين واللغويين (١٤١)؛ تاريخ بغداد (٥/ ٢٠٤)؛ الأنساب (٥٥٥)؛ معجم الأدباء (٥/ ١٠٢)].
(٤) (قيل) ليس من "ب" "أ".
(٥) ما بين [] ليس في "أ".
(٦) تسمى هذه اللام موطئة للقسم، وعلامتها أن تقع قبل أدوات الشرط، وأكثر مجيئها مع "إنْ" وقد تأتي مع غيرها نحو: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] ونحو: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨] وقد تحذف اللام ويعمل بمقتضاها فيجاب القسم نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣]. [الدر المصون (٢/ ٩٣)].
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ نزلت (١) في مؤمني أهل الكتاب عن ابن زيد - هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢) - وفي عامة المسلمين قتادة (يتلونه) فعلٌ بمعنى النعت منصوب على القطع أو الحال، وتقديره: تالين إياه، لا يجوزُ غير هذا على قول ابن زيد، ويكون خبرًا على قول قتادة. والمرادُ بالتلاوة: الاتباع عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء (٣). والمرادُ بالحق: الحقيقة. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بمحمد أو الكتاب.
﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ النفع: هو التأثيرُ بالخير. ونقيضُه: الضرُّ.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾ الابتلاء: الاختبار. وابتلاءُ اللهِ (٤) عبده لِيُحْدِثَ فعلهُ معلومًا لله تعالى حالة الحدوث (٥)، إذ يستحيل أن يكون ما لم يكن معلومًا في نفسه، وإن كان العلم سابقًا (٦) بمعنى المشيئة والتقدير و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ - ﵇ -
_________________
(١) في أسباب النزول للواحدي ص ٤٠، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (١/ ١٨٩) عن ابن عباس - ﵄ - أنها نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة وكانوا أربعين رجلًا.
(٢) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مدني، ضعَّفه العلماء. مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. روى عنه العراقيون وأهل المدينة. كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحقَّ الترك. [المجروحين لابن حبان (٢/ ٥٧)؛ ضعفاء العقيلي (٢/ ٣٣١)؛ تقريب التهذيب (٣٤٠)؛ الكاشف للذهبي (١/ ٦١٨)].
(٣) أما عن ابن عباس فأخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٤٨٨) وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢١٨). وأما عن ابن مسعود فأخرجه الطبري أيضًا (٢/ ٤٨٩) -وروي عنهما أيضًا قالا: أن يحلَّ حلاله ويحرم حرامه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه. أخرجه الطبري (٢/ ٤٨٩) - والحاكم في مستدركه (٢/ ٢٦٦). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وأما مجاهد وقتادة وعطاء فهو عند الطبري في تفسيره (٢/ ٤٩٠).
(٤) (الله) ليست في "أ".
(٥) (الحدوث) ليست في "أ".
(٦) (سابقًا) ليست في "أ".
[ ١ / ٢٨٤ ]
هو (١): خليل اللهِ بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن عم يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ. وشالخ (٢) وتوبجهان أبوجم ابنان لأرفخشد، وأرفخشد (٣) وإرم أبو عاد ابنان لسام بن نوح صلوات الله عليهما فيما يروى (٤). وكأنه سمي إبراهيم لأنه فارق أباه في صباه متبحِّرًا (٥) متفكِّرًا في أمر الربوبية، فسمي إبراهام وإبراهيم، ثم حقَّق الله عليه الاسم بأن قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦) وهاجر إلى ربه يهيم.
﴿كَلِمَاتٍ﴾ هي الأوامر من الأصول والفروع، مثل قوله: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ (٧)، وقوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٨)، وقوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ إلى أن قال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٩).
وقيل: كلمات هي الخصال اللواتي خمس منهن في الرأس وخمس (١٠) في الجسد (١١)، وقيل: هي الخصال التي في أول سورة المؤمنين وما يشاكلها في سائر السور.
_________________
(١) (هو) ليست في "أ".
(٢) (وشالخ) ليست في "أ".
(٣) (وأرفخشد) من "ب" "أ".
(٤) جاء في هامش النسخة "ي": (بلغ. أقول: وهذا النسب لا دليل عليه كما أنه معارض بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] فآزر هو أبو إبراهيم - ﵇ - وليس تارح كما في الرواية) اهـ.
(٥) في "أ": (متحيرًا).
(٦) سورة الممتحنة: ٤.
(٧) سورة البقرة: ١٣١.
(٨) سورة هود: ٧٦.
(٩) سورة الصافات: ١٠٤، ١٠٥.
(١٠) في "أ": (وهي خمس).
(١١) جاء في هامش "ي": (فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، والتي في الجسد: تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء) اهـ.
[ ١ / ٢٨٥ ]
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ يحتمل أنه فعل الله تعالى فيكون بمعنى القضاء والإبرام، ويحتمل أنه فعل إبراهيم - ﵇ - فيكون بمعنى الوفاء بها (١) ﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ والإمام: الذي ينتهى إلى رأيه (٢)، وقوله: ﴿اقْتَدِهْ﴾ وليس من شرط الإِمام الائتمام بالإمام في فعله المجرد ما لم ينضم إليه رأي أو قول، وذلك يؤدي إلى المضاهاة والمساواة.
وعلى الإمام رعاية المؤتمِّين، قال اللهُ تعالى لإبراهيمَ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٣) وقال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٤) ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ذريةُ الرجلِ ما يتفرق وينتشر منه على وجه الأرض، وقيل: هي من: ذرأ اللهُ الخلق - بالهمزة - فيكون الذرية خليقة اللهِ منه.
﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ النيل: هو الإدراك والإصابة. والعهد: الوصية والأمانة لقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. والظلم ها هنا (٥) ظلم الاعتقاد لا ظلم السيرة (٦)، لقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٧) (٨). يدُّل عليه قوله في شأنِ أهل مكة وهم ذرية إبراهيم: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٩)
_________________
(١) الأقرب في "أتمهنَّ" أنه يعود على إبراهيم - ﵇ - أي أتمَّ هذه الكلمات، وإتمامه إياهنَّ إكماله إياهن بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي قال الله فيه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾. [معاني القرآن للفراء (١/ ٧٦) - غريب القرآن لابن قتيبة ص ٦٣ - تفسير الطبري (٣/ ٧) - البغوي (١/ ١٠٤)].
(٢) وقال الزجاج في معاني القرآن (١/ ١٨٤): الإِمام هو الذي يؤتمُّ به فيفعل أهله وأمَّته كما فعل، أي يقصدون لما يقصد.
(٣) سورة الحج: ٢٧.
(٤) سورة البقرة: ١٢٥.
(٥) في "أ": (هنا).
(٦) في "أ": (اليسيرة).
(٧) سورة البقرة: ٢٥٤.
(٨) ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
(٩) سورة هود: ٨٣.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وفيهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١). وفيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٢). وأمَّا ظلمُ السيرة: إذا أكثر الإِمام الظلم (٣) لم تزل ولايتُهُ، لأنَّ يونسَ ظلم نفسَهُ بعد ما بُعِثَ فلم يكن ذلك عزلًا.
وقال لداود: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤) وكان إمامًا، فلم يؤثر في إمامته، ولكن كلف على خلع نفسه إن سَهُلَ ذلك من غير فتنة.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ أراد به الحكم ها هنا دون التصيير (٥). ﴿الْبَيْتَ﴾ المسكن سواءٌ كان خيمةً أو جدارًا أو سربًا في الأرض. وإنما سُمِّيَ البيتُ بيتًا لأنه يُباتُ فيه، والجمع: بُيُوت، وقِيلَ: أبيات. والمراد ها هنا: البيتُ العتيق أدامَ اللهُ حراسَتَهُ ﴿مَثَابَةً﴾ مفعلة من ثاب يثوبُ كالمفازة والمنارة، ويقال: إن فلانًا لمثابة إذا كان يأتيهِ الناسُ للرعايةِ ويرجعونَ مرةً بعدَ أخرى، وثانية بعد أولى.
والهاء للمبالغة عند الأخفش كالنسابة والعلاَّمة. ولا معنى لها عند الزجاج والفرَّاء كالمقام والمقامة (٦). و﴿أَمْنًا﴾ والأمن نقيض الخوف.
_________________
(١) سورة النساء: ٧٥.
(٢) سورة الأنفال: ٣٤.
(٣) (الظلم) ليست في "ب" "أ".
(٤) سورة ص: ٢٤.
(٥) في "أ": (التفسير) وهو خطأ.
(٦) الأصل في "مثابة" مَثْوَبة، فَأُعِلَّ بالنقل والقلب، وهو مصدر، وقيل: اسم مكان. والهاء فيه إما للمبالغة كعلاَّمة ونسَّابة لكثرة من يثوب إليه أي يرجع، وإما لتأنيث المصدر أو تأنيث البقعة، وقد تحذف الهاء، ومنه قول ورقة بن نوفل: مَثَابٌ لِأَفْنَاءِ القبائِلِ كلِّها تَخُبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الذَّوَامِلُ وهل هو من ثاب يثوب - إذا رجع - أو من الثواب الذي هو الجزاء قولان أظهرهما القول الأول، والله أعلم. [القرطبي (٢/ ١١٠) - معاني القرآن للزجاج (١/ ١٨٦) - الدر المصون (٢/ ١٠٤) - معاني القرآن للفراء (١/ ٧٦)].
[ ١ / ٢٨٧ ]
والحرم كلُّه داخل في حكم البيت في هذا المعنى. ﴿مِنْ مَقَامِ﴾ زيادة أو لابتداء الغاية (١). قيل: مقام هو الحرم. وقيل: هو المسجد الحرام، والأصح أنه صخرة قام عليها إبراهيم - ﵇ - حين بني البيت. وقيل: حين غسلت رأسه كنته الأخيرة وهي ابنة (٢) مضاض ﴿مُصَلًّى﴾ موضع صلاة الإِمام (٣)، وصلاة من يستطيع أن يركع ركعتي الطواف. ﴿وَعَهِدْنَا﴾ أوحينا.
_________________
(١) في "مِنْ" أربعة أوجه، ذكر المؤلف وجهين: الأول: أنها زائدة، وهو قول الأخفش كما في معاني القرآن ص ٩٨. والقول الثاني: أنها لابتداء الغاية. والقول الثالث: أنها تبعيضية، وهو اختيار السمين الحلبي في تفسيره الدر المصون (٢/ ١٠٦). والقول الرابع: أنها بمعنى في.
(٢) اختلف المفسِّرون في المراد بـ "مقام إبراهيم" على أقوال: القول الأول: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بنائه الكعبة، وهذا القول هو الذي رجحه المؤلف ويشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير، رقم. ٤٤٨٣ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: وافقتُ الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذتَ مقام إبراهيم مصلًّى، فأنزل الله هذه الآية. وله شاهد عند مسلم من حديث جابر الطويل في صفة الحج، وفيه أن رسول الله - ﷺ - استلمَ الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت. [صحيح مسلم - كتاب الحج رقم ١٢١٨]. القول الثاني: أن المراد بمقام إبراهيم هو الحج كله أي الحرم وعرفات، وهو مرويٌّ عن ابن عباس - ﵄ -. [أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٩) والطبري في تفسيره (٢/ ٥٢٥)]. القول الثالث: أن المراد بمقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار، وهو مرويٌّ عن عطاء بن أبي رباح بإسناد صحيح. [أخرجه البغوي في تفسيره (١/ ١١٣)]. فائدة تتعلق بمقام إبراهيم: روى البيهقي بسند صحيح عن عائشة - ﵂ - أن المقام كان زمان رسول الله - ﷺ - وزمان أبي بكر - ﵁ - ملتصقًا بالبيت، ثمَّ أخَّرَهُ عمر بن الخطاب - ﵁ -. وذكره ابن كثير وقال: هذا إسناد صحيح. وصحَّ عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: رأيتُ المقام فيه أصابعه - ﵇ - وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.
(٣) أي أن كلمة "مصلَّى" اسم مكان، وهو بمعنى قِبْلَة، وقيل: هو مصدر حذف منه المضاف، والتقدير: مكان صلاة، وألفه منقلبة عن واو والأصل "مُصَلَّو" لأنها من ذوات الواو. [الدر المصون (٢/ ١٠٦)].
[ ١ / ٢٨٨ ]
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو نبيُّ اللهِ ابن خليلِ اللهِ من أم (١) ولدِه هاجر القبطية. وقبط (٢) من ولد حام، وإسماعيل - ﵇ - أول من تكلَّمَ العربية المهذبة من جميع الناس. وقيل من: أولاد أرغو بن عابر (٣). ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ (أن) لتفسير العهد (٤). والطهارة ضد: النجاسة، والطاهر: النقي (٥)، وقيل: المراد بتطهير (٦) البيت تطهيره عن وضع الأصنام فيه. ويحتمل على العموم عن كل ما لا يجوز فيه. ﴿بَيْتِيَ﴾ أضاف إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا مثل: عبد الله وناقة الله.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ الطواف قريب من الدوران، وهاهنا يحتمل ثلاثة معانٍ: الطواف المعهود المشروع والسياحة وهي غير العكوف، والتعهد ومنه سمي الخادم طائفًا، قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧). والبعض قريب من بعض. والعكوف هو: الإقامة وفيه معنى اللزوم. ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع راكع مثل: خاشع وخشَّع و﴿السُّجُودِ﴾ جمع ساجد مثل: شاهد وشهود.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ نزلت في دعوة إبراهيم لأهل مكة. ذكر الواقدي (٨)
_________________
(١) في "أ": (ابن).
(٢) في "أ": (قبطه).
(٣) في "أ": (عامر).
(٤) أي أنها تفسيرية لقوله "عهدنا" وهو متضمن معنى القول لأنه بمعنى أمرنا أو وصَّينا، فهي بمنزلة "أي" التفسيرية، وقيل "أَنْ" مصدرية والأصل: بأنْ طهرا، ثم حذفت الباء.
(٥) في "أ": (والظاهر النفي) وهو خطأ.
(٦) في "أ": (بتطهر).
(٧) سورة النور: ٥٨.
(٨) محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، صاحب التصانيف المشهورة والتي من أشهرها: كتاب المغازي قال عنه الذهبي في السير (٩/ ٤٥٤): أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه. ولد ١٣٠ هـ وقال الإمام مسلم: متروك الحديث، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال إسحاق بن راهويه: كان ممن يضع الحديث. وليس للواقدي حديث في الكتب الستة إلا حديثًا واحدًا عند ابن ماجه في كتاب الصلاة - باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، ولفظه: إن رسول الله - ﷺ - قال على المنبر: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته"، =
[ ١ / ٢٨٩ ]
بإسناده عن عبد الله بن سلام قال: لما غرقت الأرض كان الأنبياء يحجون أثر البيت كلهم حتى كان إبراهيم - ﵇ - فبوَّأَهُ الله تعالى إياه، دلَّ أنه لم يتعيَّن مكان البيتِ إلا له. وروى الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة (١) قال: أقبلَ إبراهيم - ﵇ - من الشام على البراق حاملًا إسماعيلَ أمامه وهاجر خلفه معه جبريل - ﵇ - يدلُّه، وإسماعيل إذ ذاك ابن سنين. وعن مجاهد ما يقرب هذا (٢). ثم إن إبراهيم - ﵇ - انصرفَ إلى الشام فقالت هاجر: إلى من تدعنا؟ فقال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله. فلما غابَ إبراهيم - ﵇ - وفني ماء القربة جزعت هاجر عطشًا وخوفًا على ابنِها، فظهر لها ملك، قيل هو: جبريل - ﵇ -، فضرب بعقبه مكان بئر زمزم فظهر الماء فوق الأرض فتسارعت إليه، وبلَّت طرف ردائها وسقَت إسماعيل - ﵇ - فصبَّت الماء في فيه، ثم انصرفَتْ إلى الماءِ فجعلت تجمع التراب لئلا يفيضَ الماء إشفاقًا لها عليه.
قال ابن عباس: لولا تركته يفيض لكان يفيض إلى يوم القيامة (٣). ومكثت هاجر مع إسماعيل خمسة أيام يشربان من ذلك الماء، فلما كان
_________________
(١) = مع أن هذا الحديث صحيح من غير طريق الواقدي. توفي الواقدي -﵀- سنة ٢٠٧ هـ. والأثر الذي ذكره المؤلف عن الواقدي عن أبي جهم هو من الإسرائيليات التي لا تصدَّق ولا تكذَّب ولا يبنى عليها حكم شرعي.
(٢) أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي، واسمه عبيد، وهو المذكور في حديث النبي ﵊ عندما قال: "اذهبوا بهذه الخميصة وائتوني بأَنبجانية أبي جهم". وكان ممن بنى البيت في الجاهلية ثم عُمِّر حتى بنى فيه مع ابن الزبير، وبين العمارتين أزيد من ثمانين سنة. وكان علامة بالنسب، وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ - لفاطمة بنت قيس إذ خطبها: "أمَّا أبو جهم فإنه ضَرَّابٌ للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له". [تاريخ خليفة (٢٢٧)؛ الاستيعاب (٤/ ١٦٢٣)؛ أسد الغابة (٦/ ٢٥٧)؛ تاريخ الإسلام (٢/ ٣٣٠)؛ الإصابة (١١/ ٦٦)].
(٣) (هذا) ليست في "أ".
(٤) تفاصيل قصة أم إسماعيل وزمزم أخرجها البخاري في صحيحه - كتاب الأنبياء (٩/ ٣٣٦١ - ٦/ ٣٩٥ - الفتح) وهي مفصلة ومطولة، وأخرجها غيره من أصحاب الصحاح والسنن والمعاجم وهي قصة مشهورة.
[ ١ / ٢٩٠ ]
اليوم السادس أقبل غلامان من العماليق النازلين حول مكةَ فأشرفا على الوافى ي فرأيا الماءَ فتعجَّبا وانطلقا إلى قومِهِما بخبرِ الماء، فسار منهم جماعةٌ حتى نزلوا الوادي، وقالوا لهاجر: مَنْ (١) أنتِ أيتها المرأةُ؟ من هذا الصبي؟ قالت: هذا ابنُ إبراهيم خليلِ الله ونبيّه، وهو ابني، وهذا الماءُ سقيٌ من الله لنا، قالوا: صدقْتِ، فإن عهدنا بهذا الوادي قريبٌ وما فيه إذ ذاكَ ماءٌ، فهل تأذنينَ لنا أن ننزلَ بهذا الوادي على أن نواسِيكُما بأموالنا؟ فأذنت استئناسًا (٢) بالناس، فأقاموا معها سنين حتى شبَّ إسماعيلُ فقسَّموا له من أموالهم قسمًا، وعظموه فيما بينهم وعرفوا له حقَّهُ. قيل: إن امرأته الأولى التي لم تُلِن الكلام لإبراهيم ولم تستنزله كانت منهم (٣) فطلَّقَها إسماعيلُ - ﵇ -، وقيل: إنهما كانتا جُرهَميَّتين، ثم أقبل مضاض بن عمرو بن عبد الله بن جُرهم بن قحطان من اليمن في قبيلة جرهم. وقيل: إن جُرهمًا ليس بابن قحطان وإنما هو ابن أخي قحطان. واسمُ أبيه: يَفْطُر بن عابر حتى انتهى إلى مكة فزاحم العماليق ونفاهم، وزوَّج ابنته من إسماعيل - ﵇ -.
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ إشارة إلى المكان والوادي ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أهلُهُ، كقوله: آمِنَةً مطمئنة. والمراد بالأمن ما (٤) اقتضاه الحرم من الأحكام المخصوصة به (٥).
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: شيئًا مِنَ الثمرات عند الأخفش وقال غيره:
_________________
(١) (من) ليست في "أ".
(٢) (استئناسًا) ليست في "أ".
(٣) في "ب": (معهم).
(٤) في "أ": (من).
(٥) أي أن إبراهيم - ﵇ - في حَرَّمَ مكة ليستَتِبَّ فيها الأمنُ، ويشهد لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن إبراهيم حرَّمَ مكة وإني أحرِّم ما بين لابتيها" يعني المدينة. [صحيح مسلم -كتاب الحج- باب قضل المدينة، رقم ١٣٦١]. وتحريم مكة هو تحريم القتال فيها وأن لا يعضد شوكها وأن لا ينفَّر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يختلى خلاها كما جاء في الحديث.
[ ١ / ٢٩١ ]
(فيها) قائم مقام الاسم في كلام العرب كما هو ها هنا. وكذلك في قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إبدالُ البعض من الكل (١)، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). وإنما خصَّ المؤمنين بالدعاء لأنه لا يجوزُ تولِّي الكافرين، وقيل: توهّمًا منه أنَّ الله تعالى لا يُؤَجّلهم إن قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فأخبر اللهُ بأنه يمهلهم ويمتِّعهم متاعَ الحياةِ الدُّنيا لتأكيد الحجةِ عليهم، ويحتمل أن الإخبار عن رزقهم إنما وقع لئلا يستدلَّ الكافرُ بالرزق أنه مصيبٌ مؤمن، وأن دعوةَ إبراهيم - ﵇ - قد نالته. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فيعال من الضرورة وهو متعدٍّ (٣) ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المعاد.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ روى الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي، قال: لما بَلَغَ إسماعيلُ ثلاثين سنةً وإبراهيم يومئذٍ ابن مائةِ سنةٍ أوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيم - ﵇ - يأمره ببناءِ البيت وأنزل السكينةَ فاتبعها إبراهيمُ وهي ريحٌ لها وجهٌ وجناحان، ومع إبراهيم - ﵇ - الملك والصُّرَد فانتهوا بإبراهيم - ﵇ - إلى مكة منزل (٤) إسماعيل - ﵇ -، وفي رواية: كان إسماعيل - ﵈ - ابن عشرين سنة فأتاهُ أبوه وهو قاعد تحت دوحة يبري النبال، وموضع البيت يومئذٍ ربوة حمراء، فحفر إبراهيم وإسماعيل - ﵇ - ليس معهما غيرهما يريدان أساس آدم - ﵇ -، فحفرا عن ربض البيت. قال الواقدي: ربضة: حوله، فوجدا صخرة ما يطيقُها إلا
_________________
(١) أي أن "من آمن" بدل بعض من كل وهو "أهله"، ولذلك عاد فيه ضمير على المبدل منه.
(٢) سورة الصافات: ١٦٤.
(٣) وقيل اضْطَرَّ: افتعلَ من الضُرِّ، وأصله: اضْتَرَّ فأُبْدِلَت التاءُ طاءً لأن تاء الافتعال تبدل طاءً بعد حروف الإطباق، وهو متعدٍّ كما ذكر المؤلف، وعليه جاء التنزيل، ومنه قول الشاعر: اضْطَرَّكَ الحِرْزُ مِنْ سَلْمى إلى أَجَأ [البحر المحيط (١/ ٣٧٣) - الكشاف (١/ ٣١١)].
(٤) في "أ": (منزلة).
[ ١ / ٢٩٢ ]
ثلاثون رجلًا فبنيا وجعل القواعد من حراء وحلقت السكينة كأنها سحابة على موضع البيت، فقالت: ابن علي. فلذلك لا يطوفُ بالبيتِ أحد (١) أبدًا نافرًا ولا جبارًا إلا رأيتَ عليه السكينة. قال: وجعل طوله في السماء تسع أذرع وعرضه في الأرض ثلاثينَ ذراعًا وطوله في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع في البيت (٢) وجعل المقام لاصقًا بالبيت عن يمين الداخل، فلما أراد إبراهيم - ﵇ - أن يجعل علمًا لابتداء الطواف أمرَ إسماعيل يبغي له حجرًا، فأنزل الله جبريلَ بالحجرِ الأسودِ، فقالَ إبراهيمُ لإسماعيلَ - ﵈ - لما رجع إليه: أتاني به من لم يكلني إليك. وكان بناءُ الكعبة من خمس جبال: طور سيناء وطور زيتا وأحد ولبنان وحراء.
ورفع البنيان: بناؤها ﴿يَرْفَعُ﴾ مستقبل بمعنى الماضي (٣) (٤) و﴿الْقَوَاعِدَ﴾ جمع قاعدة. والقاعدة (٥): ما وضع أصلًا يبتنى عليه. وإنما دخلت (من) لصرف القواعد عن (٦) محلِّ الإضافة، كقوله تعالى: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٧) و﴿كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ (٨). والقول ها هنا مضمر، تقديره: قائلين ربنا (٩).
_________________
(١) في "ب ": (أحدًا بالبيت).
(٢) في "أ": (في البيت).
(٣) في "أ ": (المراضي).
(٤) قال الزمخشري: هي حكايته حال ماضية. وفيها معنى المضي لأنها من الأدوات المخلِّصة المضارع للمضي. [الكشاف (١/ ٣١١)].
(٥) في "ب": (القواعد).
(٦) في "ب": (من).
(٧) سورة السجدة: ١٣.
(٨) سورة الأنفال: ٦٨.
(٩) قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ في محل نصب بإضمار القول، وذلك القول في محل نصب على الحال منهما. التقدير: يرفعان يقولان ربنا تقبَّل منا، ويؤيد هذا قراءة عبد الله بن مسعود بإظهار فعل القول: هذه الآية غير موجودة بالقرآن ﴿يقولان ربنا تقبَّل منا﴾ ويجوز أَلاَّ يكون هذا القول حالًا بل هو جملة معطوفة على ما قبلها، ويكون هو العامل في "إذ" قبله. والتقدير: يقولان ربنا تقبَّل إذ يرفعان، أي: وقت رفعهما. [البحر المحيط (١/ ٣٨٨) - ابن عطية (١/ ٤٢١) - الدر المصون (٢/ ١١٤)].
[ ١ / ٢٩٣ ]
و﴿تَقَبَّلْ﴾ التوبة والهداية والعمل الصالح. قبولها في تقديرها وتحقيقها. ونقيضه: الرد في الإبطال والإنكار. و﴿السَّمِيعُ﴾ ذو السماع.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ المراد به الإسلام فيما يستقبل من العمر، مثل قول يوسف - ﵇ -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (١)، ووجه هذا النوع من دعوات الأنبياء كوجه دعاء المؤمنين ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ (٢)، ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٣) ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ يعني ولد عدنان، وعدنان (٤) من ولد أدد، وأدد قيل: من ولد نابت (٥) بن إسماعيل، وقيل: من ولد قيدر بن إسماعيل (٦).
والأمة: الجماعة المجتمعة في زمان أو مكان أو على شيء من الأشياء (٧). والمراد بالإراءة: الهداية والدلالة. ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ إما هي جمع منسك -بالفتح- وهو مصدر أو جمع منسِك - بالكسر - وهو موضع النسك (٨)، والنسك: عبادة الله. وقد خصَّ في الشرع بأفعال الحج وأقواله.
_________________
(١) سورة يوسف: ١٠١.
(٢) سورة آل عمران: ١٩٤.
(٣) سورة البقرة: ٢٨٦.
(٤) (وعدنان) ليست من "أ".
(٥) في "أ": (ثابت).
(٦) ذكره السهيلي على اضطراب في نقل كلام السهيلي، وقد ذكر الطبري في تاريخه خبر أولاد إسماعيل (١/ ٣٥١) وابن الأثير (١/ ٨٨).
(٧) تطلق كلمة "أُمَّة" على أربعة معانٍ: المعنى الأول: بمعنى الطائفة والجماعة، ومنه هذه الآية. والمعنى الثاني: الحقبة من الزمن كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. والمعنى الثالث: بمعنى الإمام الذي يُقتدى به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. والمعنى الرابع: الطريق والملَّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢].
(٨) وقد قُرِىءَ بهما - أي فتح السين وكسرها - ومثله آية الحج: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ بالفتح والكسر. أما الكسر فهي قراءة حمزة والكسائي، وأما الباقون فبالفتح. والمفتوح هو المقيس لانضمام عين مضارعه.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وإنما سأل التربة للزلل يجري على عقله، ولذلك كان النبي - ﵇ - يستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة أو مائة مرة (١).
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أراد به نبينا - ﵇ -، لأن العرب من ذريتهما جميعًا، وبنو إسرائيل ذرية إبراهيم وحده، ولأنهما سألا رسولًا واحدًا، ولو عنيا بني إسرائيل لسألا رسلًا (٢). وروي أن النبي - ﵇ - قيل له: حدِّثنا عن نفسك يا رسول الله، فقال: "أنا دعوة إبراهيم وبشرى أخي عيسى - ﵈ -" (٣).
وإنما كان دعوة إبراهيم مع سبق الحكم به في أم (٤) الكتاب كما كان يعقوب دعوة إسحاق حين قرب إليه الشواء، وهارون دعوة موسى - ﵇ - حين قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ (٥). وداود دعوة أشمويل حين أمد به طالوت مع سبق الحكم بهم.
وإنما دعا إبراهيم مع العلم بانتقال النور في إسماعيل لئلا يكون نصيب العرب من محمَّد ﵊ كنصيب أهل بابل فيه، فحرَّفوا أنواره مع علمه مخافة أن يصيبوا ذلك النور شيء يوضع في غير الظاهر لأن الوصية بذلك كانت قائمة من كلِّ سلف إلى خلف حتى عبد الله بن عبد المطلب.
والبعث في اللغة: تهييج وإثارة، وهو مستعمل في الإحياء وإنفاذ الرسول وتأمير الأمير وتوجيه الحشر ونحوهما.
_________________
(١) صحَّ استغفاره - ﵇ - في اليوم سبعين مرة. [أخرجه أبو داود في سننه - الدعاء - (٤/ ٣٣٥٩) - والبغوي في شرح السنة (٦/ ١٨٠)] كما صحَّ عنه - ﵇ - استغفاره في اليوم مائة مرة [أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٩٧) - والبيهقي (٧/ ٥٢) - والطبراني (١/ ٢٧٩)].
(٢) في "أ": (رسولًا).
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١/ ٢٦٥)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٢) وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٥) وقال: هذا إسناد جيد قوي، وصححه العلاَّمة الألباني في السلسلة (٤/ ٥٩).
(٤) في "أ": (أول).
(٥) سورة طه: ٢٩.
[ ١ / ٢٩٥ ]
﴿آيَاتِكَ﴾ يعني آيات القرآن [﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ الفرقان] (١) ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ ما لا يحتاج في إدراكه إلى الوحي كالفقه وما في معناه من العلوم المستنبطة (٢) من الشريعة (٣). ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أراد التسبب لزكاتهم وطهارتهم. ﴿الْعَزِيزُ﴾ مَنْ يَعزُّ نيله أو يعزُّ غيره، فالله تعالى لا ينال بعظيم تعظيم الاقتدار وهو الغالبُ على أمره القاهرُ فوق خلقِهِ.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ على وجه الإنكار، كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤)، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٥). والرغبةُ عن الشيء هو: الزهد فيه وإيثارُ النفس عليه، [والرغبةُ في الشيء: إرادتُهُ على وجه الطمع] (٦). والرغبةُ إلى الشيء هو: الطمع فيه، فكأن الرغبة في الوجوه كلها هي صرف الهمَّة.
وفي ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أربعةُ أقوال (٧):
_________________
(١) ما بين [] ليس في "س".
(٢) في "ن": (في).
(٣) ما ذكره المؤلف هو أحد التعاريف للحكمة، وهو قول الإمام مالك. وقال ابن دريد صاحب "الجمهرة": الحكمة كل كلمة زجرتك ووعظتك ونهتك عن قبيح ودعتك إلى حسن. وأقرب الأقوال في ذلك ما رجحه الطبري في تفسيره حيث قال: والصواب من القول عندنا في الحكمة أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول - ﷺ - والمعرفة بها وما دلَّ عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من (الحُكم) الذي بمعنى الفصل بين الحقِّ والباطل. وقيل: الحكمة في هذه الآية هي السنَّة، وهو قول قتادة لأنها معطوفة على الكتاب الذي هو القرآن. وأجمع الأقوال ما ذهب إليه الطبري، والله أعلم. [الطبري (٢/ ٥٧٦) - ابن أبي حاتم (١/ ٢٣٦) - تفسير السمعاني (٢/ ٦٠) - الجمهرة (٢/ ١٨٦) - تفسير البغوي (١/ ١١١)].
(٤) سورة آل عمران: ١٣٥.
(٥) سورة البقرة: ٢٥٥.
(٦) ما بين [] من "أ".
(٧) في قوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ سبعة أوجه إعرابية، ذكر المؤلِّف أربعة منها، ويمكننا أن نستعرضها على النحو التالي: الوجه الأول: أن تكون "نفسه" مفعولًا به لأن سفه يتعدى بنفسه كما حكاه ثعلب والمبرد. =
[ ١ / ٢٩٦ ]
الأول (١): استخف نفس إبراهيم حين رغب عن ملَّته، وكأن قولهم: فلانُ سفه الشراب: إذا أكثرَ منهُ، وعلى مثل (٢) هذا قوله - ﵇ -: "من سَفِهَ الحقّ" (٣). وهذا قولٌ لم يروَ عن الأئمة.
والثاني: أنه جهل نفسه، ومنه قول: (عَلَيْهِ الحَقُّ سفيهًا أو وضيعًا) (٤). ويحتمل قوله - ﵇ -: "إلا من سفه الحقَّ"، وقولهم: فلانٌ سفه رأيه. وجهل النفس يؤدي إلى جهل منشِئِها، قال الله (٥) تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ (٦).
وقال - ﵇ -: "من عرف نفسَه فقد عرف ربَّه" (٧). وإلى هذا ذهب الزجاج.
_________________
(١) = الوجه الثاني: أنه مفعول به ولكن على تضمين "سفِهَ" معنى فِعْل يتعدى، فقدره الزجاج وابن جني بمعنى جهلَ، وقدره أبو عبيدة بمعنى أهلك. الوجه الثالث: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، تقديره: سَفِهَ في نفسه. الوجه الرابع: توكيد لمؤكَّدٍ محذوفٍ تقديره: سَفِهَ قوله نفسَه، فحذف المؤكد، قياسًا على النعت والمنعوت، حكاه مكي. الوجه الخامس: أنه تمييز، وهو قول بعض الكوفيين. الوجه السادس: أنه مشبه بالمفعول به، وهو قول بعض الكوفيين. الوجه السابع: أنه توكيد لمن سفه، لأنه في محل نصب على الاستثناء في أحد القولين، وهو قول الكرماني. وأقرب الأقوال السبعة هو القول الأول، والله أعلم. [معاني القرآن للزجاج (١/ ١٩١) - مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٥٦) - الكشاف (١/ ٣١٢) - الدر المصون (٢/ ١٢١)].
(٢) (الأول) من "أ".
(٣) (مثل) ليست من "ن" "أ".
(٤) أبو يعلى (٩/ ١٩٥)، والطبراني (١٣١٨)، ومسند الشاميين (١٠٧١). والحديث صحيح من حديث ثابت بن قيس، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٣٤).
(٥) سورة البقرة: ٢٨٢.
(٦) (الله) من "أ".
(٧) سورة الذاريات: ٢١.
(٨) هذا ليس بحديث، فقد حكم عليه شيخ الإسلام وقبله النووي والسخاوي وابن السمعاني وغيرهم بالوضع، وذكر النووي أن معناه صحيح وهو أن من عرف نفسه بالجهل فقد عرف ربه بالعلم، ومن عرف نفسه بالفناء فقد عرف ربه بالبقاء، =
[ ١ / ٢٩٧ ]
والثالث: سفه نفسه فانتصب بنزع الخافض، ويحتمل هذا قوله: "إلا من سفه الحق"، وقولهم: فلانٌ سفه رأيُه. والرابع: قولُ (١) الفراء أن الفعل للنفس فلما أسند إلى (مَنْ) انتصب النفس على التفسير كقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٢). وقولهم (٣): ضقْتُ به ذرعًا من المعرفة كالنكرة، وكقوله: (بطرت معيشتها) (٤)، وتقولُ العربُ: وجعت (٥) بطنك وَوثقت رأيك، والدليلُ على أنَّ السفه فعلُ النفسِ غير واقع على النفس أنه لا يقال: رأيُه سفه زيدٌ، كما لا يقالُ: دارًا أنت أوسعُهُم، إنما يقال: زيدٌ سفه رأيُه، وأنت أوسعُهُم دارًا.
وقول أبي عبيدة (٦) وأبي عبيد (٧) أن معنى قوله: سفه نفسه أهلكها وأوبقها لا معنى لَهُ إلا أن يحمل قولهم: سفه الشرابَ على معنى استهلك. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اخترناه، وفلانٌ اصطفى فلانًا، أي: جعله صفيًا، وهو على وزن الافتعال، وإنما جُعلت التاء فيه طاء لموافقتها الصاد في الإطباق. وإنما اصطفاه في الدنيا بالرسالة والخُلَّة. و﴿الدُّنْيَا﴾ هي
_________________
(١) = ومن عرف نفسه بالعجز والضعف فقد عرف ربه بالقدرة والقوة. [الأسرار المرفوعة لملا علي القاري ص ٣٣٧ - المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٤١٩ - الحاوي للسيوطي (٢/ ٤١٢)].
(٢) في "أ": (قال).
(٣) سورة النساء: ٤.
(٤) المثبت من "ي" وفي البقية: (قولك).
(٥) سورة القصص: ٥٨.
(٦) في "ب": (وحقًا جعت) وهذا خطأ.
(٧) أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٥٦).
(٨) أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله. الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون الكثيرة، كان أبوه مملوكًا روميًا لرجل هروي، ولد أبو عبيد سنة سبع وخمسين ومائة، قال ابن سعد: كان أبو عبيد صاحب نحو وعربية وطلب للحديث والفقه. قال الذهبي: له كتاب "الأموال" لم يصنف مثله في الفقه، وله كتاب "غريب الحديث" ذكره بأسانيده، ومصنفاته كثيرة جدًا يطول ذكرها. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. [وفيات الأعيان (٤/ ٦٠)؛ الكامل لابن الأثير (٦/ ٥٠٩)؛ إنباه الرواه (٣/ ١٢)؛ السير (١٠/ ٤٩٠)].
[ ١ / ٢٩٨ ]
الحياةُ الدنيا والدارُ الدنيا، اشتقاقه من الدنو. ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ المفلحين الذي يجبرُهُم اللهُ ويصلحهم للتنعُّم بالنعيم ويُسلِّمُهُمْ من الآفاتِ المؤثرة بالفساد، ومنه الدعاء: أَصْلَحَ اللهُ الأميرَ.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال الحسن: هذا خطابٌ ورد عليه حين أفلتِ الشمس في كونه خطاب السر أو خطاب العلانية محتمل كلاهما، وذلك لا يدلُّ على أنه كان من قبل على غير الفطرة، كما قال لنبيِّنا - ﵇ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) والمرادُ بهذا النوع من الأمر: الاستقامة والاستدامة. والعامل في (إذ) قوله ﴿أَسْلَمْتُ﴾ (٢)، وتفسيره: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) الآية، وفي الآية دليل على أن الإيمان والإسلام واحد، وإلا لما صار مسلمًا بالقول إن كان الإسلام هو العمل.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ والوصية: العهد بها، راجعةٌ إلى المِلَّةِ وإلى كلمتِه ﴿أَسْلَمْتُ﴾. وبنوه ثلاثة عشر رجلًا فيما يروى، منهم إسماعيل نبي اللهِ من [هاجر، وإسحاق نبي اللهِ من سارة] (٤) وزمران ونيسان ومذان ويشبا وشوخ من قطورا وهي امرأة من الكنعانيين، وقد رُوي مكان نيسان: تينشان، ومكان مذان: مذيان. وسبعةُ نفر من امرأة اسمها جحورا (٥). وإسماعيل
_________________
(١) سورة محمَّد: ١٩.
(٢) في "إذْ" خمسة أوجه إعرابية، أصحّها - والله أعلم - أنه منصوب بـ "قال أسلمت". التقدير: قال أسلمت وقت قول الله له أسلم. الوجه الثاني: أنه بدل من قوله "في الدنيا". الوجه الثالث: أنه منصوب بـ "اصطفيناه". الوجه الرابع: أنه منصوب بـ "اذكر" مقدّرًا ذكر ذلك أبو البقاء والزمخشري. الوجه الخاص: وهو وما بعده في محل نصب على الحال، والعامل فيه "اصطفيناه". [الإملاء (١/ ٦٤) - الكشاف (١/ ٣١٢) - الدر المصون (٢/ ١٢٣)].
(٣) سورة الأنعام: ٧٨، ٧٩.
(٤) ما بين [] ليست من "أ".
(٥) هناك اختلاف في بعض الأسماء، فالذي في كتاب الرسل والملوك لابن جرير الطبري (١/ ٣٤٥) أن أولاده - ﵇ - هم: "بقسان وزمران ومديان ويسبق وشوح وبسر". =
[ ١ / ٢٩٩ ]
منهم بكر أبيه ووصيُّه من بعده بولاية بيت الله الحرام وإقامة الحج للناس، وإسحاق وصيُّه في أهله. واختلِفَ في أن الذبيح أيُّهما، وسنذكرهُ في موضعه إن شاء الله تعالى. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ هو إسرائيل بن إسحاق - ﵇ - عُطِفَ إبراهيم وتقديره: إبراهيم بنيه [ويعقوب بنيه] (١) وبنوهُ: هُمُ الأسباط وهم اثنا عشر رجلًا ولدت له بنت خاله أربعة نفر: روبيل (٢) ويهوذا وشمعون ولاوي. وولدت له راحيل ابنة (٣) خاله الأخرى: يوسف وبنيامين وأخوات لهما. ووهبت (٤) كل واحدة منهما له أمة فولدت كل أمة ثلاثة رهط وأسماؤهم فيما يروى: يساخور وزبولون ونفتالي (٥) ودان وجون وأشير. وهذه أسماء أعجمية كثر التصحيف فيها على ألسنة العرب، وعند الله الصواب.
وقوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ محكي كما يجيء بعد القول، لأن في الوصية معنى القول (٦). والألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾ للمعهود لا للجنس، والدين هو:
_________________
(١) = وفي تاريخ ابن الأثير (١/ ٨٧) هم: "نقشان ومران ومديان ومدن ونشق وسرح". وذكر القرطبي أن أبناء إبراهيم - ﵇ - هم: إسماعيل وأمه هاجر القبطية وهو أكبر ولده، وإسحاق الذي وُلدَ بعد أخيه بأربعَ عشرة سنة وأمه سارة ومن ولده الروم واليونان والأرمن وبنو إسرائيل، ثم تزوج إبراهيم - ﵇ - بعد وفاة زوجته سارة بامرأة كنعانية هي قنطوان فولدت له مدين ومداين ونشهان وزمران ونشيق وشيوخ، ثم توفي نبينا إبراهيم - ﵇ -. وكان بينه وبين نبينا محمَّد - ﵇ - نحو من ألفي سنة وستمائة سنة على ما حكاه القرطبي في تفسيره (٢/ ١٣٥).
(٢) ما بين [] ليست من "ب".
(٣) في "ب": (وربيل).
(٤) في "ب": (بن) وهو خطأ.
(٥) في "ب": (ذهبت بالذال).
(٦) (ونفتالي) في النسخ، أما في "أ": (تعالى).
(٧) الجملة من قوله "يا بنيَّ" وما بعدها منصوبة بقول محذوف على رأي البصريين، أي: فقال يا بنيَّ وبفعل الوصية لأنها في معنى القول على رأي الكوفيين، ومنه قول الراجز: رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أخبرَانَا إنَّا رأَيْنَا رجلًا عُرْيَانَا بكسر الهمزة على إضمار القول، أو لإجراء الخبر مجرى القول، ويؤيد تعلّقها بالوصية قراءة ابن مسعود هذه الآية غير موجودة بالقرآن ﴿أَنْ يَا بُنَيَّ﴾ بـ "أَنْ" المفسرة. [الخصائص (٢/ ٣٣٨) - البحر المحيط (١/ ٣٩٩) - ابن عطية (١/ ٤٢٦) - الدر المصون (٢/ ١٢٥)].
[ ١ / ٣٠٠ ]
المثال [من الحكم] (١) الذي هو أوجب من السنة والعادة.
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ نهي عن غير المنهي، كقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (٢)، وقولك: لا أرينك هاهنا، ولا تلقينَّ الله غيرَ تائب. ومعنى الآية: لا تكونوا أبدًا (٣) إلا مسلمين حتى تموتوا على ذلك (٤).
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ (أم) بمعنى ألف الاستفهام على وجه الإنكار، كما قال الشاعر (٥):
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
وليس بمعنى "بل" لأن ما يجيء من بعد "بل" يجيء محققًا ولم يرد به التحقيق هاهنا لأنهم لم يكونوا شهداء، ولا يقال: أثبت شهودكم وأراد به آباءهم لأنه لو كان كذلك لقال: إذا قال لكم ما تعبدون من بعدي، ولم يقل: لبنيه. ويحتمل أنه مرتب على استفهام مضمر فيكون تقديره: أشهدتم وصية إبراهيم أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. ومما يقرب هذا التأويل إنكارهم الأمرين جميعًا وتحريفهم الكلم في الموضعين جميعًا، فشهدوا فيه معنى النزول والخلق لأن الحاضر يستعمل بإزاء البادي، قولك: حضرني، بمنزلة: حضر عندي، فيكون عبارة عن القرب فقط (٦). ﴿الْمَوْتُ﴾
_________________
(١) ما بين [] من "أ".
(٢) سورة لقمان: ٣٣.
(٣) (أبدا) ليست من "أ".
(٤) انظر: [تفسير الطبري (٢/ ٥٨٤) - معاني القرآن للزجاج (١/ ١٩٢) - تفسير البغوي (١/ ١١٤) - تفسير السمعاني (٢/ ٦٥)].
(٥) الشعر للأخطل وهو غياث بن غوث التغلبي النصراني، والشعر في ديوانه (٨٤).
(٦) في "أم" ثلاثة أقوال: الأول: أنها منقطعة، وهي التي تقدر بـ "بل" وهمزة الاستفهام وبعضهم يقدِّرها بـ "بل" وحدها، والتقدير: بل أكنتم شهداء، يعني لم تكونوا. مع أن المؤلف لا يرى أن تكون بمعنى "بل" في هذا المثال. القول الثاني: أنها بمعنى همزة الاستفهام، وهو قول ابن عطية والطبري إلا أنهما اختلفا في محلها فإن ابن عطية قال: و"أم" تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر=
[ ١ / ٣٠١ ]
مصدر أقيم مقام الاسم، وهو ذهاب الحياة و﴿إِذْ﴾ هاهنا بدل على الأول. و(ما) سؤال عن ذات الشيء، فكأنه قال: إيش تعبدون من بعدي، وما أعم من من قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
وقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ويحتمل أن يكون (ما) مقام (مَنْ)، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، معناه: ومن (٤)، وفائدة السؤال: الامتحان كما وردت الأخبار، والسؤال في القبر. والآباء: جمع أب، وفي الأصل: أبو.
وإنما عَدَّ إسماعيل مع الآباء لأنَّ العَمَّ يدخلُ في عداد الآباء (٥)، كما أنَّ
_________________
(١) =الكلام لغة يمانية. وقال الطبري: إنَّ "أم" يُسْتَفْهَم بها وسط كلامٍ قد تقدم صدره. القول الثالث: أنها متصلة وهو قول الزمخشري. [تفسير الطبري (٢/ ٥٨٥) - البحر المحيط (١/ ٤٠١) - الكشاف (١/ ٣١٣) - الدر المصون (٢/ ١٢٧)].
(٢) سورة البقرة: ٢٥٥.
(٣) سورة الشورى: ٥.
(٤) سورة الشعراء: ٢٣.
(٥) أتى بـ"ما" دون "مَنْ" لاربع فوائد: الأولى: أن "ما" للمبهم أمره فماذا عُلِمَ فُرِّقَ ب "ما" و"مَنْ". الثانية: أنها سؤال عن صفة المعبود. الثالثة: أن المعبودات ذلك الوقت كانت غير عقلاء كالأوثان. الرابعة: أنه اختبرهم وامتحنهم فسألهم بـ"ما" دون "مَنْ" لئلاَّ يطرق لهم الاهتداء فيكون كالتلقين لهم ومقصوده الاختبار. [الكشاف (١/ ٣١٤) - الدر المصون (٢/ ١٢٩)].
(٦) ومنه الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ٦٨)، وأبو داود في سننه (١٦٢٣)، والدارقطني (٢١٢)، والبيهقي (٤/ ١١١)، والإمام أحمد (٢/ ٣٢٢) وغيرهم بلفظ: "بعث رسول الله - ﷺ - عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فاغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ ومثلها معها" ثم قال: "يا عمر أما شعرتَ أن عمَّ الرجلِ صنوُ أبيه".
[ ١ / ٣٠٢ ]
الخالةَ تدخل في عداد الأمهات (١). من قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) أراد به: أباه (٣) وخالته، لأنَّ أمه قد ماتت.
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبَ على القطع، تقدير: الإله الواحد (٤)، ووحدانيةُ اللهِ تعالى إنما هي تعاليه عن مقابلةِ الأنداد والأضداد، لم يزل ولا يزالُ متعاليًا عن الجهاتِ والأحوال.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ أي: تلك الأمةُ أمةٌ و(تلك) إشارةٌ إلى شيءٍ يفيدُ مؤنثًا (٥). كما أنَّ (ذلك) للمذكر (٦)، والتاء هي الاسم (٧) فقط. والمراد بالآية هو نفي توجُّه إعراضهم عن الآيات المعجزة والمفعول الواجب لاختلافهم في شأن الأمم الماضية وأحوالهم.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ نزلت في مثل ما نزل فيه قوله: ﴿وَدَّ
_________________
(١) صحَّ عنه ﵊ أنه قال: "الخالة بمنزلة الأم" أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ١٦٧)، والترمذي (١/ ٣٤٧)، والبيهقي (٨/ ٥) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.
(٢) سورة يوسف: ١٠٠.
(٣) في جميع النسخ: (أبيه).
(٤) قوله تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فيه ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه بدل من "إلهك" بدل نكرة موصوفة من معرفة، والبصريون لا يشترطون الوصف مستدلِّين بقول الشاعر [وينسب لشمير بن الحارث الضب]: فلا وأبيك خيرٍ منك إنِّي ليؤذيني التَّحَمْحُمُ والصهيلُ فـ "خير" بدل من "أبيك" وهو نكرة غير موصوفة. الوجه الثاني: أنه حال من "إلهك" والعامل فيه "نعبد". وفائدة البدل والحال التنصيص على أن معبودهم فَرْدٌ، إذْ إضافة الشيء إلى كثير توهم تعداد المضاف فنص بها على نفي ذلك الإبهام. الوجه الثالث: وإليه ذهب الزمخشري أن يكون منصوبًا على الاختصاص. والتقدير: نريد إلهك إلهًا واحدًا. [الكشاف (١/ ٣١٤) - البحر (١/ ٤٠٣) - الخزانة (٢/ ٣٦٢) - الدر المصون (٢/ ١٣١)].
(٥) في جميع النسخ: (مؤنث).
(٦) في "أ": (للمؤنث) وهو خطأ.
(٧) في "ب": (للاسم).
[ ١ / ٣٠٣ ]
﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١) روي أن عبد الله بن رومان (٢) قال لنبيِّنا -﵇-: أَتبع (٣) اليهودية تكنْ مهتديًا، ودعاه وفد نجران إلى النصرانية فأنزل الله (٤). وفي ﴿مِلَّةِ﴾ ثلاثة أوجه، أحدها: أن معنى قولهم: اتبعوا اليهودية والنصرانية فنصب الملة وأضمر الاتباع اعتبارًا بالمعنى، والثاني: إقامة المضاف إليه مقام المضاف، تقديره: بل أصحاب ملة إبراهيم. والثالث (٥): أن بل (٦) تارة تدخل في الكلام موصولة وتارة مفصولة، وإذا كانت مفصولة فمعناها الابتداء هاهنا فنصب على التحريض والإغراء.
﴿حَنِيفًا﴾ نعت إبراهيم -﵇- نصب على القطع (٧). والحنف: الاستقامة في قول القتبي (٨)، قال: سمي الأعرج أحنف تفاؤلًا، كما سمي
_________________
(١) سورة البقرة: ١٠٩.
(٢) لم أجد لهذا الاسم ترجمة إلا عند ابن حبان في الثقات؛ قال: عبد الله بن رومان أخو يزيد بن رومان، من أهل المدينة، يروي عن عروة بن الزبير، روى عنه محمَّد بن إسحاق بن يسار. [الثقات (٧/ ٤٤)].
(٣) في "أ": (اتبعوا).
(٤) روى الطبري في تفسيره (٢/ ٥٨٩) عن ابن عباس - ﵁ - قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله - ﷺ -: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمَّد تهتدِ، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ الآية. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٤١).
(٥) (والثالث) في "أ".
(٦) في "ب ": (والحاصل أن بل).
(٧) في "حنيفًا" أربعة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه حال من إبراهيم لأن الحال تجيء من المضاف إليه قياسًا. الوجه الثاني: نصبه بإضمار فعل. التقدير: نتبع حنيفًا، وقدَره أبو البقاء بـ "أعني"، وهو قول الأخفش الصغير. الوجه الثالث: أنه منصوب على القطع، وهو رأي الكوفيين، وكان الأصل عندهم: إبراهيم الحنيف فلما نكَّرَهُ لم يمكن اتباعه. [الكشاف (١/ ٣١٤) - الإملاء (١/ ٦٦)].
(٨) عبارة ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (ص ٦٤): (الحنيف: المستقيم، وقيل للأعرج: حنيف نظرًا له إلى السلامة) اهـ.
[ ١ / ٣٠٤ ]
الفلاة: مفازة، واللديغ: سليمًا. وقال غيره: الحنف: الميل، والأحنف: الذي في قدميه ميل. والحنيف: المائل إلى الحق كالعادل. قال الضحاك: الحنيف: المسلم، وإذا كان معه لفظ المسلم فمعناه الحاج. وقال أبو عبيدة: كان الحنيف في الجاهلية من كان على دين إبراهيم وسمي من اختتن وحج البيت [حنيفًا] (١) لما تناسخت السنون فكانوا يعبدون الأوثان ويقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم. والحنيف الذي نعرف اليوم هو المسلم.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ما كان مشركًا ويحتمل أنه قال: لنفي الموالاة بينه وبين من تولى به من مشركي العرب واليهود والنصارى والمجوس. والإشراك: نصب الشريك، والشريك هو المساهم في الحق.
في قوله (٢): ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ تعليمٌ من الله عبادَهُ كيف يؤمنون وكيف يردّون قول اليهود والنصارى ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. و(ما) بمعنى "الذي"، في محل الخفض على العطف، والأسباط أولاد يعقوب، واحده سِبْط. قال الأزهري: اشتقاقه من السَّبَط وهو شجرةٌ كبيرةُ الأغصانِ، فجرى هذا الاسم في أولادهم مجرى القبيلة في أولادِ إسماعيل.
فذكر القتبي (٣): أن ما أُنزل من السماء (٤) على الأنبياء من الكتاب (٥) مائة كتابٍ وأربعة كتب على شيت خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون صحيفة (٦) وعلى إبراهيم عشرون صحيفة (٧)، وعلى موسى التوراةُ وعلى داود الزبورُ، وعلى عيسى الإنجيلُ، وعلى نبيِّنا القرآنُ، صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين.
وذكر أيضًا: أنَ الله تعالى أنزل على آدم تحريم الميتة والدم ولحم
_________________
(١) الكلمة أثبتناها من عندنا.
(٢) (في قوله) ليس من "ب".
(٣) (القتبي) ليس من "ن".
(٤) (من السماء) زيادة من "ب".
(٥) (على الأنبياء من الكتاب) ليس في "ب".
(٦) (صحيفة) ليس من "ب".
(٧) (وعلى إبراهيم عشرون صحيفة) ليس من "ب".
[ ١ / ٣٠٥ ]
الخنزير، وحروف التهجي في إحدى وعشرين صحيفة فحذا اللهُ (١) تعالى عليها الألسنة كلَّها، وزعم اليهود: أن اسم التوراةِ يشتمل كتاب موسى ومَن بعده من أنبياءِ بني إسرائيل، فيكون ما أُنزِلَ على موسى بعض التوراةِ على هذه القضية (٢). وذكر القتبي عن وهب عن ابن عباس: إن أولَ الأنبياء آدم واَخرَهُم محمدٌ - ﷺ -، وكانت الأنبياءُ مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيًا.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ لا نقول: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ (٣)، كما قالت اليهود.
ومن التفريق قولهم: عزيرٌ وعيسى ابن الله، ونسبةُ سليمان إلى السحر ومحمد إلى الاعتداء، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ منقادون في تصديق أُمنائه أجمعين.
﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قيل: الباء زائدة (٤)، وتقديره: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، أي: باللهِ. قال الراجز (٥):
نحنُ بنو جعدة أصحاب الفلج نضربُ بالسيفِ ونرجو بالفرج
وقيل: العرب (٦) تذكر المثل مجازًا، أو تريد به النفس حقيقةً، كقوله:
_________________
(١) (الله) ليس من "أ".
(٢) (على هذه القضية) ليس في "ب" "أ".
(٣) سورة البقرة: ٩١.
(٤) الباء في قوله "بمثل" قيل: إنها زائدة كما ذكره المؤلف كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وقول الشاعر [وهو منسوب للراعي النميري]: هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبَّاتُ أَحْمِرَةٍ سودُ المحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ وقيل: الباء بمعنى "على". والتقدير: فإن آمنوا على مثل إيمانكم بالله. وقيل: الباء للاستعانة كقولك: كتبتُ بالقلم. [المخصص (١٤/ ٧٠) - الخزانة (٣/ ٦٦٧) - مجالس ثعلب (١/ ٣٠١)] ".
(٥) الرجز هو للنابغة الجعدي والبيت في ديوانه (٢١٥).
(٦) في لاب ": (الأعراب).
[ ١ / ٣٠٦ ]
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، ويقال: أمثلُكَ يقولُ لمثلي. فيكون تقدير الآية على هذا: فإدن اَمنوا بما اَمنتم به، هكذا يروى في قراءة ابن عباس ومصحفِهِ (٢). (في شِقَاق) في خلاف، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين بمنزلة سوف (٤). والكفايةُ رفع المؤنة أو دفعُ المضرة. وفيه دلالة على نبوَّةِ نبينا لأنه تعالى كفاهُ إياهم، ومكَّنَهُ بعد قتلِ بني قريظة وإجلاءِ بني النضير وأخذ الجزية من أَهل نجران (٥).
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ دين الله (٦)، ردًا على الملة كأنها تدلُّ عليها، وهو اسمٌ من الصبغ، وهو تلوين الشيء، سُمِّي بذلك لأنه يؤثر في المتدين كالصبغ، قال الفراء (٧): كانت النصارى إذا ولد لهم مولودٌ جعلوهُ في ماءٍ لهم، يعدُّودنَ ذلك تطهُّرًا لهم كالختان. وقيل: كانت النصارى تصبغُ أولادَهَا بماء لهم أصفر، يريدودن أنه يصير بذلك نصرانيًا خالصًا، ويقولون للمرتد: إدن ارتددتَ فانصبغ بهذا الماء.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، معناه: ليس أحدٌ أحسنُ من اللهِ صبغةً، ودينًا، ومما قام مقام الصبغ ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، وورودهم على الحوض غُرًّا محجلين من آثار الوضوء.
_________________
(١) سورة الشورى: ١١.
(٢) قال الطبري في تفسيره (٢/ ٦٠٠) معلِّقًا على هذه القراءة - قراءة ابن عباس - ﵄ - قال: روي عن ابن عباس في ذلك قراءة جاءت مصاحف المسلمين بخلافها وأجمعت قراءةُ القرآن على تركها.
(٣) سورة النساء: ٣٥.
(٤) قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ جيء بالسين دون سوف لأنها أقرب منها زمانًا بوضعها، وذكر أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (١/ ٢١٨) أن الكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان. ويجوز في غير القرآن فسيكفيك إياهم، وكذا الفعل إذا تعدَّى إلى المفعول الأول قوي فجاز أن يأتي في الثاني منفصلًا.
(٥) (من أهل نجران) من "أ".
(٦) وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ - وقتادة وأبي العالية والربيع ومجاهد والسدي أخرجها عنهم الطبري في تفسيره (٢/ ٦٠٤).
(٧) معاني القرآن (٨٢١١).
[ ١ / ٣٠٧ ]
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ استفهام بمعنى الزجر والإنكار، ومحاجتهم تحتمل أوجهًا ثلاثة:
في ذات الله، كقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (١) و﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٢)، و﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ (٣) و﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ﴾ (٤) وإنه ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٥)، بأفواههم التراب.
والثاني: في دين الله كقولهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٦)، وقولهم لعبدة الأصنام: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٧).
والثالث: في الاختصاص برحمة الله، كقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٨) و﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٩).
والذي يبعد محاجتهم إقرارهم بأنَ الله ربهم متفرد بالقدم (١٠) يفعل ما يشاءُ ويحكم ما يريد ويجازي كلَّ عاملٍ بعمله.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ الواو للاستئناف. وإخلاصنا هو الإخلاص بالتوحيد للهِ تعالى حيثُ لم ندَّعِ لهُ ولدًا ولا شبيهًا ولم نثبت للهِ حالا ولا محلًّا، لا كونَ العالَمِ شيئًا قبل تكوين اللهِ إياه.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قال مجاهد وابن أبي (١١)
_________________
(١) سورة المائدة: ١٨.
(٢) سورة المائدة: ٦٤.
(٣) سورة آل عمران: ١٨٠.
(٤) سورة الأنعام: ٩٠.
(٥) سورة المائدة: ٧٣.
(٦) سورة البقرة: ١٣٥.
(٧) سورة النساء: ٥١.
(٨) سورة البقرة: ١١١.
(٩) سورة آل عمران: ٧٥.
(١٠) في "أ": (القديم).
(١١) في جميع النسخ: (ابن نجيح) وهو خطأ.
[ ١ / ٣٠٨ ]
نجيح (١): كانت (٢) عند اليهود والنصارى في كتبهم شهادةٌ من الله بإسلام الأنبياء فكتموها ولو أظهروها لسَلَّموا له ما يأتي به من عند الله من الإخبار بإسلام الأنبياء، وهذا بمنزلة قولك (٣): ومن أبخلُ مِمَّن عنده فضلُ نعمةٍ لم ينفعه من السلطان. فعلى هذا، تقديره: تكن الشهادة بإسلامهم عند الله فلا يكتمها لأنه متعالٍ عن الاتِّصافِ بالظلم.
قوله (٤): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ مقدمة في التلاوة على قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ مؤخَّرة عنها في النزول وهي في شأن اليهود عند ابن عباس (٥) والبراء (٦) (٧) وفي شأن مشركي العرب عند الحسن (٨) والمنافقين عند السدي (٩)، ويحتمل أنَّها في شأن الجميع، والسين بمعنى سوف ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما حملهم (١٠) على التولِّي والإعراض.
_________________
(١) عبد الله ابن أبي نجيح الثقفي المكي، واسم أبيه يسار مولى الأخنس بن شريق الصحابي أبو يسار. من مشايخه مجاهد وطاووس وعطاء وغيرهم. ومن تلاميذه شعبة والثوري وابن عيينة وغيرهم. رماه أكثر العلماء بالقدر والاعتزال. قال ابن المديني: أما التفسير فهو فيه ثقة يعلمه قد قفز القنطرة واحتج به أرباب الصحاح، ولعله رجع عن البدعة. [الكامل (٥/ ٤٤٥)؛ تهذيب الكمال (١٦/ ٢١٥)؛ السير (٦/ ١٢٥)].
(٢) (كانت) ليس من "ن" "ب".
(٣) في "ب": (قوله).
(٤) (قوله) ليست في "ب".
(٥) عن ابن عباس رواه الطبري (٢/ ٢)، وذكره ابن أبي حاتم (١/ ٢٤٧) بدون سند، وذكره سفيان الثوري في تفسيره (٥٠).
(٦) البراء بن عازب بن الحارث أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني من أعيان الصحابة، نزيل الكوفة. روى أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ -، قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وغزوت مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة. توفي سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. [تاريخ بغداد (١/ ١٧٧)؛ تاريخ الإِسلام (٣/ ١٣٩)؛ العبر (١/ ٧٩)؛ معجم الطبراني (٢/ ٨)؛ الإصابة (١٤٢/ ١)؛ السير (٣/ ١٩٤)].
(٧) عن البراء رواه ابن جرير الطبري (٢/ ١) وابن أبي حاتم (١٢٣٢٣)، وعلي بن الجعد في مسنده (٢١١٣).
(٨) ذكره عن الحسن ابن حجر العسقلاني في "العجاب " (٣٨٩/ ١) وعزاه ليحى بن سلام.
(٩) ذكره الطبري (٢/ ٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٢٣٢٤).
(١٠) في "أ": (ماعملهم).
[ ١ / ٣٠٩ ]
والقبلة اسم لما يستقبل وهي مختصة في الشرع بما يجب استقباله في الصلاة ﴿كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي استقبالها وهي بيت المقدس، والمراد بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ جميع المساجد على وجه الأرض وكذلك تشبيه إحدى (١) حالتيهم بالأخرى، أي: كما وليناكم عن قبلتكم التي كنتم عليها.
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ عدلا وخيارًا، ويحتمل أنَّ ذلكَ إشارة إلى قوله (٢): ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ والفعل وَسَط بفتح السين وساطة وسطة، وقيل: وسُط بضم السين وساطة (٣) ﴿لِتَكُونُوا﴾ أي: لكي تكونوا ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع (٤) شهيد وشهادتهم يوم القيامة على الكفَار بتكذيب (٥) الأنبياء - ﵈ - لمَا عاينوه أو ثبت عندهم بالوحي أو علموه بالأخبار المتواترة، وقيل: حجة على الناس عند إجماعهم. وإنما صاروا كذلك؛ لأنَّ كلَّ نبي كان يتلوه نبي فكان يجب انتظار (٦) الأنبياء في الواقعات، فلما وقع الختم بنبينا ووقع اليأس ببعث رسول وجب عليهم الاجتهاد في الواقعات، وصار إجماعهم حُجَّة إذْ لا سبيل إلى الإهمال ولا إلى النص.
_________________
(١) (إحدى) ليست في "ب".
(٢) في "ي" "أ": (إشارة إلى قوله من في قوله ..).
(٣) ذكر المؤلف فتح السين وضمها في "وسط" وفيه وجه ثالث وهو السكون، والتسكين يستعمل في كل موضع صلح فيه لفظ بَيْنَ فتقول: جلست وَسْطَ القوم - بالسكون-. قال الراغب في (المفردات ص ٥٥٩): وسط الشيء ما له طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد. وأما في الآية فبالتحريك -أي بالفتح - فتكون اسمًا لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء لأن الأوساط محميَّة بالأطراف، ومنه قول أبي تمام: كانت هي الوسط المَحْمِىَّ فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبَحَتْ طَرَفا ووسط الوادي خير موضع فيه. وقول زهير بن أبي سلمى: هُمْ وَسَطٌ ترضى الأنامُ بحكمِهِم إذا نزلتْ إحدى الليالي بمعظمِ [الكشاف (٤/ ٤٥٥) - ديوان أبي تمام (٢/ ٣٧٤) - القرطبي (٢/ ١٥٤)].
(٤) في الأصل (جميع) وهو خطأ.
(٥) في "ب": (وتكذيب).
(٦) في "ب": (انتظام).
[ ١ / ٣١٠ ]
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول يوم القيامة: تبعني هذا وعصاني هذا ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) وقيل: حُجَّة على أمته، واعلم أنَّ النبي -﵇- كان حُجَّة على أهل عصره لمعاينتهم معجزاته، وعلى العالمين عامة لعلمهم به من طريق الوحي المعجز والأخبار المتواترة على وجه لا يمكِّنهم التشكيك في كونه وكون بعض معجزاته. واختلف في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ قيل: هي المنسوخة بدليل قوله: ﴿كَانُوا عَلَيْهَا﴾ وقيل: هي الناسخة (٢)، وقوله: ﴿كُنْتَ﴾ أي: صرت أو أنت عليها، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
وروي ما يدلُّ أنَّ الكعبة كانت قبلة مِنْ قَبْل، روي أنَّه -﵇- كان في الابتداء يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلّي صلاة الضحى (٤) وتلك الصلاة لا (٥) تنكرها قريش، وقوله ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم المتبع ممتازًا من المتقلب في الظاهر (٦)، والأشياء إنَّما تكون معلومة عند الكينونة لا قبلها، إذْ يستحيل (٧) كون ما لم تكن، وإنْ كان اتصاف الله تعالى بالعلم لا لابتداء (٨) له، وقيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي ليعلم أولياؤنا (٩)، كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا
_________________
(١) سورة النساء: ٤١.
(٢) لم أَجد مَنْ ذكر ذلك والأصل أن القبلة التي كان عليها هي بيت المقدس، وهو قول عامة المفسرين. [انظر: الكشف والبيان (١/ ١٦١)، والطبري (٢/ ٦٣٨)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٥٠)].
(٣) سورة آل عمران: ١١٠.
(٤) ذكره الإمام أحمد (١/ ٣٢٥)، والطبراني في الكبير (١١٠٦٦)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣)، وابن عبد البرقي التمهيد (٨/ ٥٤؛ ١٧/ ٤٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٤١) لابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والنحاس أن النبي - ﷺ - كان يصلِّي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه.
(٥) في الأصل لا توجد (لا).
(٦) ذكره القرطبي (٢/ ١٥٦) وعزاه لابن فورك.
(٧) في الأصل: (يتصل).
(٨) في "ي": (لا ابتداء)، وفي الأصل: (لا لابتداء الإله).
(٩) قريبًا منه ما ذكر عن الفراء كما في زاد المسير (١/ ١٥٥) أي أن العلم راجع إلى المخاطبين، والمعنى لتعلموا أنتم.
[ ١ / ٣١١ ]
انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (١) و(الانقلاب) الانصراف والنكوص (٢).
وقوله: ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ لتأكيد وصف الانقلاب كقولك: أقبل بوجهه، وولى على دبره، والعقب مؤخر القدم ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: وما كانت إلا كبيرة كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٣). ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بنسخ القبلة، وذلك أنَّ اليهود قالوا للمؤمنين: إنْ كان دينكم الأول حقًا فقد بطل، وإن كان باطلًا فكيف حال إخوانكم الذين ماتوا عليه من قبل كأسعد بن زرارة (٤) والبراء بن معرور (٥)، فخطر ببال المؤمنين ذلك، وسألوا النبي - ﷺ - فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هو الأصل وهو الدين ينسخ بعض الشرائع وهي الفروع، واللام في ﴿لِيُضِيعَ﴾ لام الجحود (٦)، وما [كان] (٧) الله ليضيع، والإضاعة نقيض الحفظ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٨) الرؤوف: يرحم على المصاب ولا أحد من الناس إلا وهو مصاب لاختلال حال، أو لاكتساب وبال.
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ عن البراء بن عازب قال:
_________________
(١) سورة الزخرف: ٥٥.
(٢) في الأصل: (النكوس).
(٣) سورة البقرة: ١٩٨.
(٤) أسعد بن زرارة بن عدس السيد نقيب بني النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، من كبراء الصحابة. توفي شهيدًا بالذُّبحة [وهي داء يأخذ بالحلق وربما قتل] فلم يجعل النبي - ﷺ - نقيبًا علي بني النجار وقال: "أنا نقيبكم" فكانوا يفخرون بذلك. [الاستيعاب (١/ ١٥٣)؛ أسد الغابة (١/ ٨٦)؛ الإصابة (١/ ٥٠)].
(٥) البراء بن معرور بن صخر السيد النقيب أبو بشر الأنصاري الخزرجي أحد النقباء ليل العقبة. وكان أول من بايع ليلة العقبة الأولى، مات قبل قدوم النبي - ﷺ - إلى المدينة بشهر، فسأل النبي - ﷺ - عن قبره فأتاه وصلَّى عليه صلاة الجنازة وقال: "اللهم اغفر له وارحمه وأدخله الجنة" [أخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٦٠) وإسناده صحيح]. [التاريخ الصغير للبخاري (١/ ٢٠)؛ الاستيعاب (١/ ٢٨١)؛ أسد الغابة (١/ ٢٠٧)؛ الإصابة (١/ ٢٣٨)].
(٦) لام الجحود هي المسبوقة بكوْنٍ منفي.
(٧) ما بين []، مني ليستقيم الكلام.
(٨) (رحيم) من الأصل.
[ ١ / ٣١٢ ]
صلَّى (١) رسول الله - ﷺ - (٢) إلى بيت المقدس ستة عشرة (٣) شهرًا (أو سبعة عشرة شهرًا) (٤) ثم وجهه (٥) إلى الكعبة (٦)، وفي التاريخ ستة عشرة (٧) شهرًا وثلاثة أيام لأنَّه -﵇- (٨) قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر (٩) فأسند التاريخ إلى المحرم، وكان التحويل للنصف من رجب من السنة الثانية (١٠)، قيل: والسبب في ذلك أنَّ (١١) الله تعالى لما أراد أن يردَّ نبيَّه -﵇- إلى قبلة أبيه إبراهيم وأن يجمع القبلة والحج في دار واحدة ويميز (١٢) المخلصين من المنافقين (١٣) جعل قلب نبيِّه مريدًا بذلك الأمر ليكون إحداثه إكرامًا له، فذكر النبي -﵇- (١٤) لجبريل ما كان في نفسه من ذلك فقال (١٥) جبريل: إنما أنا عبد مثلك فأسأل ربك (١٦)، وكان -﵇- (١٤) يصلِّي ويقلب وجهه في السماء لا ينطق بما يريد مهابة (١٧) أو محافظة
_________________
(١) (صلى) ليست في الأصل.
(٢) في "أ" "ي ": (﵇).
(٣) في "أ" "ب" "ي": (عشر).
(٤) ما بين () من الأصل.
(٥) المثبت من الأصل وفي البقية (وجّه).
(٦) رواه البخاري (٤٠، ٤٢١٦)، ومسلم (٥٢٥).
(٧) في "أ" "ب " "ي": (عشر).
(٨) في "ب": (ﷺ).
(٩) قوله: (الآخر) غير صحيح؛ لأنَّ النبي - ﷺ - قدم في شهر ربيع الأول بلا خلاف كما يقول ابن حجر في "فتح الباري" (١/ ٩٦ - ٩٧).
(١٠) يقول ابن حجر في الفتح (١/ ٩٧): (وكان التحويل في نصف شهر رجب في السنة السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور). اهـ.
(١١) في "ب ": (إن شاء الله).
(١٢) في "أ": (وتمييز).
(١٣) (من المنافقين) ليست في "أ".
(١٤) في "ب": (ﷺ).
(١٥) في "ب" "ي": (وقال).
(١٦) (لم أجد هذه الرواية.
(١٧) في الأصل: (مهبة).
[ ١ / ٣١٣ ]
لآداب (١) النبوة حتى أتمَّ الله أمره فأكرم عبده وأنزل وحيه، ويجوز تمنِّي ما يجوز في العقل كونه كتمني تحريم الخمر وحجاب النساء، بخلاف تمني إباحة الظلم والفواحش وتحريم العدل والإحسان.
و(التقلب) لازم من التقليب و(الوجه) ما يواجه الإنسان به مع انضمام القرب إليه وذلك من قصاص الناصية (٢) إلى أسفل الذقن ومن الأذن إلى الأذن ﴿شَطْرَ﴾ نحو المسجد الحرام المحدق بالكعبة، وإنما أمرنا باستقبال الكعبة إلى استقبال ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والحرام اسم من التحريم كالحلال من التحليل، وإنما سمي حرامًا لكونه حرامًا على الاَفاقي (أن يدخله) ابتداء غير محرم أو علي كل أحد في جميع عمره مرة وإنَّما قال ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ليعلموا أنها قبلتهم بالمدينة (٣) وبغيرها من البلاد لا قبلة لهم غيرها. وإنما لم يقل، (٤): (فولُّوا وجوهكمٍ إليه) لرفع المشقة، إذ لو قال كذلك لوجب على الرجل أن يستقبله استقبالًا لو سار على وجهه لصادف عين القبلة، فهذا أمر عسير.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ علماء اليهود، تواطؤوا ولبسوا الأمر على غيرهم وهم يعلمون أن التحويل إلى الكعبة حقٌّ من ربِّهم لما قرؤوها في كتابهم، وقيل: الهاء (٥) راجعة إلى المسجد الحرام؛ لأنهم يعلمون فضيلته ويعترفون (٦) بها، والسلام في قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ﴾ للتأكيد والقسَم.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ﴾ لما قالت اليهود والنصارى ما ولاَّهم عن قبلتهم فأنزل الله جوابًا محتملًا في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أردفه قوله: ﴿وَلَئِنْ (٧)
_________________
(١) في الأصل: (لأدب).
(٢) في الأصل: (المعصية) وهو خطأ.
(٣) في الأصل: (للمدينة).
(٤) (يقل) زدناها ليستقيم المعنى.
(٥) الهاء في (يعرفونه) وقد ذكر هذين القولين المذكورين عن السلف القرطبي في تفسيره (٢/ ١٦٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ١٥٨).
(٦) في الأصل "ي" "أ": (ويعرفون).
(٧) في الأصل بدون (ولئن).
[ ١ / ٣١٤ ]
اتَّبَعْتَ﴾ (١) فأيس النبي -﵇- (٢) عن أتّباعهم وأمته من نسخ طارئ يردُّه إلى قبلتهم وقطع المجادلة بينه وبينهم ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنهم خربوا البيت وخفي مكان الصخرة فتفرقوا لخفائه (٣) وقد أعرض بعضهم عنها وتوجه إلى المشرق وتشتتت أهواؤهم وتساووا في الضلالة والغواية، فأخبر الله عن حالهم وحذر نبيَّه -﵇- عن اتباعهم، وإنما حذَّره مع كونه معصومًا (٤) ليبقى مكلَّفًا مثابًا فلا يكون استباقًا منه كما قال في شمأن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ واللام في ﴿لَئِنّ﴾ لام التأكيد، فلمَّا ضمّت إلى "أن" الشرطية أحدثت فيها معنى كقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ولولا اللام لقالوا: لا يخرجوا معهم والتنوين في "إذًا" عوض عن كلام محذوف ومجازه: إنَّك إذا اتبعت أهواءهم كنتَ من الظالمين، ولام التأكيد داخلة على ما يجيء بعد إذا وربما لم تدخل فينصب إذا اعتمد عليها. تقول للقائل: أزورك (٥): إذًا أكرمك، ويجوز كون "إذًا" بدلًا عن (٦) الشرط ويكون حقيقتها للتوقيت، قال:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي (٧)
_________________
(١) قال الفراء والأخفش: أجيبت بجواب (لو) لأن المعنى: ولو أتيت، وكذلك تجاب (لوِ) بجواب (لئن) نقول: لو أحسنت أحسن إليك، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ أي: لو أرسلنا ريحًا. وخالفهم سيبويه فقال: إن معنى (لئن) مخالف لمعنى (لو) فلا يدخل واحد منهما على الآخر، فالمعنى: ولئن أتيت الذين أتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. قال سيبويه: (ومعنى ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾: ليظلن). اهـ من القرطبي في تفسيره (٢/ ١٦٢).
(٢) في "ب ": (ﷺ).
(٣) في "أ": (بخفائه).
(٤) في الأصل: (معصوم).
(٥) (أزورك) من "ب" "ي".
(٦) في الأصل: (بدل على).
(٧) هذا صدر بيت نسبه ابن منظور في "لسان العرب" (٧/ ٣٩٣) للعنبري، وعجزه: بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
[ ١ / ٣١٥ ]
ثم قال
إذًا لقام بنصري معشر حشف (١)
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عن قتادة والربيع (٢) أن الهاء راجعة إلى البيت أو المسجد، وقيل: كناية عن أمر النبي - ﷺ - (٣)، قال عبد الله بن سلام: إني لأعرف بمحمد من يزيد ابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذلك؟ قال: لأني لستُ أشك في محمَّد ونعته وصفته أن نبي ولعل والدة يزيد أحدثت، فقبل عمر رأسه وقال: وفقك الله يابنَ سلام (٤)، والأظهر أنها في شأن البيت أو المسجد وما في الأنعام في شأن نبينا، وإنما عمَّهم بالمعرفة وخصَّ فريقًا بالكتمان؛ لأنهم كانوا جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب فكتم فريق ولم يكتم فريق مثل عبد الله بن سلام وكعب (٥)
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (٢٩٣): (ويحتمل أن تكون "إذا" زائدة كما قال أبو البقاء في قول الحماسي: إذًا لقام بنصري معشر خشن في جواب قوله: لو كنت من مازن).
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره (٢/ ١٦٢) عن ابن عباس وابن جريج والربيع وقتادة. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ١٥٨) عن أبي العالية وقتادة والسدي ومقاتل، وروي عن ابن عباس أيضًا. وقد رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٥٥) بدون سند، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٤٧) لعبد بن حميد. وعن الربيع رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٥٥) بدون سند.
(٣) في "ب ": (ﷺ).
(٤) هذا الأثر ذكره القرطبي في تفسيره (١٦٢/ ٢) ولم يعزه، وعن القرطبي نقله ابن كثير (١/ ٢٠٧). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٤٧) عن الثعلبي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس. وسنده تالف بسبب السدي الصغير والكلبي وليس فيه (فقبل عمر رأسه).
(٥) هو كعب الأحبار: كعب بن ماتع الحميري، كنيته أبو إسحاق، أدرك الجاهلية وكان قد قرأ الكتب. وأسلم في خلافة عمر بن الخطاب، قدم المدينة ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى توفي بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان - ﵁ -.
[ ١ / ٣١٦ ]
ووهب (١) ووفد الحبشة، والمعرفة علم بتمييز الذهن، وقيل: تلخيص نقيضه العلم (٢) لقوله عليه الصلاة (٣) والسلام: "تعرَّف إلى الله فى الرخاء يعرفك في الشدة" (٤). وقيل: سكون النفس إلى ما وقع به العلم، لقولهم: النفس عروف (٥)، وضد المعرفة الإنكار، ولذلك أوجب أبو حنيفة معرفة في الإيمان (٦).
_________________
(١) = [صفوة الصفوة (٤/ ٢٠٣)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩٣) " الإصابة (٥/ ٦٤٧)؛ الطبقات الكبرى (٧/ ٤٤٥)].
(٢) هو الإمام العلَّامة الأخباري القصصي وهب بن منبه أبو عبد الله اليماني الصنعاني. ولد في زمن عثمان سنة أربع وثلاثين، كان ينزل ذمار على مرحلتين من صنعاء، وكان ممن قرأ الكتب ولزم العبادة وواظب على العلم، قال العجلي: تابعي ثقة، وكان على قضاء صنعاء، ومكث مدة يصلِّي الفجر بوضوء العشاء لتشميره في العبادة، مات سنة ثلاث أو أربع عشرة ومائة وهو ابن ثمانين سنة. [الثقات (٥/ ٤٨٧)؛ تهذيب التهذيب (١١/ ١٤٧)؛ رجال مسلم (٢/ ٣٠٥)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٤٣٨)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٤٤)].
(٣) قال الجرجاني في "التعريفات" (٢٨٣): (المعرفة ما وضع ليدلَّ على شيء بعينه وهي المضمرات والأعلام والمبهمات وما عرف باللام والمضاف إلى أحدهما، والمعرفة أيضًا: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم؛ ولذلك يسمى الحق تعالى بالعالم دون العارف). اهـ.
(٤) (الصلاة) من "ب".
(٥) هذه إحدى روايات حديث ابن عباس المعروف: "احفظ الله يحفظك " رواها الطبراني في الكبير (١١٥٦٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٥٥)، وعبد بن حميد في مسنده (٦٣٦)، وهنا وفي "الزهد" (٥٣٦) وأبو يعلى الموصلي في "معجمه" (٩٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٤)، والخطيب في تاريخه (١٤/ ١٢٤)، وفي "الفصل الوابل" (٢/ ٨٦١)، والخليلي في "الإرشاد" (١/ ٣٩١)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٩٧،١٧٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٧٤، ١٠٠٠٠)، واللالكائي في "شرح أصول الإيمان" (١٠٩٥).
(٦) وتكملته "وما حملتها تتحمل" كما في تفسير القرطبي (٢/ ٤١٥). وجاء في لسان العرب (٩/ ٢٣٩): (والعروفة الصابر، ونفس عروف حاملة صبور إذا حملت على أمر احتملته). أهـ.
(٧) انظر في ذلك: أصول الدين عند الإِمام أبي حنيفة للدكتور محمَّد بن عبد الرحمن الخميس في الباب لثالث: اعتقاده في الإيمان ٣٥٢، دار صميعي.
[ ١ / ٣١٧ ]
﴿الْحَقُّ﴾ يحتمل أنه مبتدأ أو يريد ببما الحق المذكرر من قبل وهو البيت أو المسجد أو نعت نبينا -﵇-، ويكون خبره في ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وحكمه ويحتمل أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ خبر (١) مبتدأ محذوف، وتقديره: هو الحق، فيريد هو الوحي الذي ذكر فيه حالة أهل الكتاب هو الصدق من ربك (٢)، ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ والامتراء افتعال من المرية وهي الشك - نعوذ بالله منه- والوجهة والوُجهة الجهة، والمراد بها القبلة وما في معناها مما يجب أن يقبل عليها ولا يعرض عنها من أمور الدنيا نظيره: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣) ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (٤)، وهذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ وقيل: باقية غير منسوخة إذ في كل كتاب وجوب الإيمان بنبيِّنا ﵊ (٥) مصرّحًا ومعرّضًا وواجبات لم ينسخها الإسلام فهم مدعوون إليها ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ بادروا، والاستباق: المبادرة. قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ (٦).
﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّه﴾ أي يحضركم الله ويجمعكم يوم (٧) الجمع، وفيه تهديد لمن ترك أمره وتطميع لمن أطاعه، وإنَّما كرر ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ للتأكيد (٨)،
_________________
(١) في الأصل: (غير).
(٢) قال القرطبي في تفسيره (٢/ ١٦٣): (والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: هو الحق أو على إضمار فعل؛ أي جاءك الحق). اهـ. وفيه وجه آخر ذكره السمين الحلبي في تفسيره (٢/ ١٧٠) وهو أنه مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: والحق من ربك يعرفونه، وعلى هذا القول يكون الجار والمجرور في محل نصب حال من "الحق". وعلى قراءة علي بن أبي طالب - ﵁ - بنصب "الحقَّ" يكون فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون منصوبًا على البدل من "الحق" قاله الزمخشري. والئالْي: أن يكون منصوباَ بإضمار "الزم". والثاك: أن يكون منصوبًا بـ "يعلمون" قبله. ذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ٤٤٨).
(٣) سورة المائدة: ٤٨.
(٤) سورة الحج: ٦٧.
(٥) (الصلاة) من "ب".
(٦) سورة يوسف: ٢٥.
(٧) في "أ" "ب" "ي": (ليوم).
(٨) كرر ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ ثلاث مرات فَحُمِل هذا التكرار على التأكيد. ذكر ذلك ابن الجوزي =
[ ١ / ٣١٨ ]
وقد اتصل الأول (١) بالإخبار عن علم أهل الكتاب (٢).
والثاني: بالشهادة المحضة أنه حق (٣). والثالث: ينفي حجة الناس (٤) ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾ اللام للتعليل (٥) و"أن" الخفيفة تحل الفعل محلَّ الاسم، تقول: أحب أن تفعل كذا وأكره أن لا تفعل، وهي أداة لتفسير العلم والحسبان والإيقان والادِّعاء والزعم ونحوها، ومجازُه: لئلا يكون لغير الظالمين من الناس عليكم حجة إذ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباقي وإنما انتفت حجة غير الظالمين ولم تنتفِ حجتهم لأن الحجة كالبينة والعادل لا يأتي ببينة الزور فكذلك بالحجة الداحضة (٦)، والظالم بخلافِهِ، وفي الآية دليل على جواز استثناء (٧) الأكثر من الأقل لأن الذين ظلموا كانوا أكثر من بقية الناس، و(الخشية): الخوف، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ عطف على قوله ﴿لِئَلَّا﴾ (٨).
_________________
(١) = في "زاد المسير" (١/ ١٥٩)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ١٦٨)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٠٨).
(٢) (الأول) ليس في "ب ".
(٣) يقصد قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآية.
(٤) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآية.
(٥) هذه الآية الأخيرة. وللقرطبي في تفسيره تحليلات ثلاثة غير هذه: فحمل الآية الأولى. أي عاينها إذا صليت تلقاءها. والثانية: توجيه للمسلمين في سائر مساجد المدينة وغيرها. والثالثة: وجوب الاستقبال في الأسفار.
(٦) وقيل: إن اللام في ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾ هي لام كي بعدها "أَنْ" المصدرية الناصبة للمضارع، و"لا" نافية واقعة بين الناصب ومنصوبه، و"أَنْ" هنا واجبة الإظهار. [الدر المصون (١٧٧١٢)].
(٧) في "أ": (الضاحضة).
(٨) في "أ": (استثناء) وفي "ب" "ي": (استئناف).
(٩) قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ فيه أربعة أوجه من حيث العطف: الأول: ما ذكره المؤلف أنه معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾.=
[ ١ / ٣١٩ ]
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ تشبيه وقع لإتمام النعمة كقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما لا تعلمون يعني علم الأولين والآخرين (٢) وشرائع الدين قد تضمنه قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلَّا أنه (٣) أتى بلفظين مختلفين تأكيدًا ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ عطف بالفاء لتعقيب الاهتداء وذكر (٤) العبد إلهه هو ذكره مخلصًا بالثناء وذكر الله إياه بالرحمة وحسن (٥) البلاء، والعبد يصل إلى ذكر الله (٦) تعالى بذكره وقد أوجبَ الله تعالى ذكره على ما (٧) ذكره (٨) فإذا ذكر الله فهو العلة والجزاء.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ ولا تجحدوني، نظيره في التعدي بغير الياء (٩):
_________________
(١) = الثاني: أنه معطوف على علةٍ محذوفةٍ وكلاهما معلولها الخشية السابقة، فكأنه قيل: واخشوني لأُوَفِّيَكم وَلِأُتِمَّ نعمتي عليكم. الثالث: أنه متعلق بفعل محذوف مقدر بعده، التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عَرَّفْتُكم أَمْرَ قبلتكم. الرابع: وهو أضعفها -والله أعلم-: أن تكون متعلقة بالفعل قبلها والواو زائدة. التقدير: واخشوني لأتمَّ نعمتي. وهذه اللام هي لام "كي" وأن مضمرة بعدها ناصبة للمضارع. [البحر المحيط (١/ ٤٤١) - الدر المصون (٢/ ١٨٠)].
(٢) سورة يوسف: ٦.
(٣) (والآخرين) من الأصل فقط.
(٤) (أنه) ليس في "ب".
(٥) في "أ": (فذكر).
(٦) هذا حصر لمعنى ذكر الله بالرحمة وحسن البلاء، فإن ذكر الله للعبد ذكر حقيقي ودليله قوله - ﷺ - في الحديث القدسي: "يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُهُ في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُهُ في ملاْ خير منهم " الحديث أخرجه البخاري (١٣/ ٣٢٨ - الفتح)، ومسلم (٨/ ٦٢)، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٥١) وغيرهم.
(٧) (الله) ليس في "أ" "ي".
(٨) (ما) ليست في "أ" "ب" "ي".
(٩) في "أ": (ذكر هم).
(١٠) قال أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (١/ ٢٢٣): قوله: (وَلَا تَكفُرُونِ) نهي، فلذلك حذفت منه النون وحذفت الياء لأنه رأس آية وإثباتها حسن في غير القرآن.
[ ١ / ٣٢٠ ]
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (١)، وقد سبق القول في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ إلَّا أنَّ الصبر ههنا يحتمل الصبر على القتال، وذلك في آية (٢) الاسترجاع ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصرة والتأييد (٣) وبالتخلي لقلوبهم الخاشعة، قال الله تعالى في قصة موسى -﵇-: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٤) (٥) وفي قصة نبينا -﵇- (٦): ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٧).
﴿أَمْوَاتٌ﴾ جمع مائت (٨) كأصحاب جمع صاحب، وقيل: جمع مؤيت كأشراف وشريف، وأحياء جمع حي وحيَّ على وزن فعيلة (٩) في الأصل (١٠)، واختلفوا في حياة الشهداء؛ فمن الناس من ذهب إلى المجاز وإلى بقاء ذكرهم والثناء عليهم كما قال الشاعر:
_________________
(١) سورة القمر: ١٤.
(٢) في "أ": (وما ذلك بآية).
(٣) في "أ": (بالتأييد).
(٤) سورة الشعراء: ٦٢.
(٥) الآية ليست في "ب".
(٦) في "ب": (ﷺ).
(٧) سورة التوبة:٤٠.
(٨) ذكر ابن سيده في المحكم (٩/ ٥٤٣) أن المائت: الذي لم يَمُتْ بعد. وحكى الجوهري عن الفراء: يقال لمن لم يمت إنه مائت عن قليل. وأما المَيْت: فهو الذي مات، وتجمع على أموات. ومات أصلها مَوِتَ مثل دامَ دَوِمَ. وتقول: مات، يَمُوت ويماتُ والأخيرة طائية، ومنه قول الشاعر: بُنَيَّ ياسَيِّدَةَ البناتِ عيشي ولا يؤمَنُ أَنْ تَمَاتِي وأما ما ذكره المؤلف من أن مؤيت تجمع على أموات فإني لم أجد -مؤيت- بالواو المهموزة في معاجم اللغة، ولكني وجدتُ مويت بالوأو غير المهموزة. قال ابن مِنِظور: إنَّ مَيِّت أصلها مَوْيت مثل: سيِّد سَوْيد. فأدغمنا الياء في الواو ونقلناه فقلنا: مَيِّت [لسان العرب "موت" (١٣/ ٢١٧) - جمهرة اللغة (٧/ ١٣٠) - تاج العروس "موت"].
(٩) في "ب" "أ": (فعيل).
(١٠) انظر: لسان العرب (١٤/ ٢١١).
[ ١ / ٣٢١ ]
موت التقيِّ حياةٌ لا انقضاءَ لها قد ماتَ قومٌ وهم في الناسِ أحياءُ (١)
وهذا غير صحيح لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ وذهب بعضهم إلى أنهم لم يذوقوا الموت وإنما انسلخوا عن أشباحهم التي هي كالقوالب لهم وهم أجسام رقيقة حساسة من لطائف أشباحهم الكثيفة لا تبلى بعد الإخلاص، وهو غير صحيح لما روي أنه كان فيما يتلى (٢): بلِّغوا عنا إخواننا أنَّا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا (٣)، وقال -﵇-: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه، ومن كره لقاء الله كره اللهُ لقاءه" (٤). والموت دون لقاء الله، وذهب بعضهم إلى بعث نفوسهم التي ذكرنا دون جثثهم الكثيفة (٥) بعد ذوقهم الموت في ساعة لطيفة مقدار ما شاء الله لما روي أنَّ الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طيرٍ خضر تسرح في الجنة (٦)، قيل: هي نفوسهم إذ النفس يعبّر عنها (٧) بها عن الروح. روي أن جعفرًا (٨) يطير مع
_________________
(١) ذكر أن معروف الكرخي رؤي في المنام بعد موته وسئل: ما فعل الله بك؟ فذكره. هكذا ذكره ابن أبي الدنيا في "المنامات" (١٤٨)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ٣٨٧)، والخطيب في تاريخه (١٣/ ٢٠٧).
(٢) في "ب": (لما روي: بلغوا) وفي "أ": (لما روي كانوا فيما يتلى بلغوا).
(٣) رواه البخاري (٢٦٤٧، ٢٦٥٩، ٢٨٩٩، ٣٨٦٢، ٣٨٦٩)، ومسلم (٦٧٧).
(٤) رواه البخارىِ (٦١٤٢، ٦١٤٣)، ومسلم (٢٦٨٣، ٢٦٨٤، ٢٦٨٦).
(٥) في الأصل "ب": (الكيفية).
(٦) يثمير إلى حديث ابن مسعود - ﵁ - الذي رواه ابن ماجه (١/ ٤٦٦) والترمذي في سننه (٤/ ١٧٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي صحيح مسلم بلفظ: (أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل" (٣/ ١٥٠٢).
(٧) (عنها) من الأصل فقط.
(٨) جعفر بن أبي طالب أبو عبد الله ابن عم رسول الله - ﷺ - أخو علي بن أبي طالب، وهو أسنُّ من علي بعشر سنين، هاجر الهجرتين فأقام بالمدينة اشهرًا، ثم أمَّرَهُ رسول الله - ﷺ - على جيش غزوة مؤتة فاستشهد وكان عقر فرسه وهو أول من عقر في الإسلام، فقاتلَ حتى قُتِلَ، وقتله رومي فقطعه نصفين. وقال ﵊: (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد شُغِلوا عن أنفسهم" أي بوفاته. [طبقات ابن سعد (٤/ ٢٢)؛ الاستيعاب (٢/ ١٤٩)؛ أسد الغابة (١/ ٣٤١)؛ السير (٦/ ٢٠٦)].
[ ١ / ٣٢٢ ]
الملائكة (١)، وأنَّ النبي -﵇- (٢) صلَّى بالأنبياء ليلةَ المعراج عند الصخرة، وفي حديث المعراج أنه كان بينه وبين موسى -﵇- كلام، وكذلك بينه وبين إبراهيم وداود وعيسى عليهم (٣) السلام (٤).
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ولنختبرنَّكم (٥) بشيء، ولم يقل: بأشياء كراهة لإيهام تواتر الخوف (٦) من جهات كثيرة ولم يكرر شيئًا (٧)؛ لأن حروف العطف تغني عن التكرار، و"من" للتنويع أو للتبعيض (٨). ﴿وَالْجُوعِ﴾ نقيض الشبع، والنقص ضد الزيادة و﴿الْأَمْوَالِ﴾ جمع مال كالباب والأبواب، وهو اسم عامٌّ لجميع ما يمتلك ملك اليمين ويتمول ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ جمع قلَّة للنفس، وقيل: أراد به الولادة (٩) وإنما أفرد (الثمرات) بالذكر مع ذكر الأموال، لأنه أراد ما سواها من مباحات الرزق على وجه الأرض، والمصيبة المحنة المصيبة (١٠) أو الفتنة المصيبة (١١) ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام للتمليك، وفائدة قوله (١٢): ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ قطع وجوه الخصومات كلها، إذ لا ينكر على أحد
_________________
(١) ذكره ابن هشام في سيرته (٣/ ٣٣٣)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٤٦٦)، والحاكم في المسندرك (٣/ ٢٠٩)، وابن عدي في الكامل (٢٤٠/ ١).
(٢) في "ب": (ﷺ).
(٣) في "ب": (عليه).
(٤) كما في حديث الإسراء المتفق عليه.
(٥) في "ب" الأصل: (ولنخبرنكم).
(٦) في "ب": (الحزن).
(٧) قال القرطبي في تفسيره (٢/ ١٧٣): ("بشيء" لفظ مفرد ومعناه الجمع، وقرأ الضحاك "بأشياء" على الجمع، وقرأ الجمهور بالتوحيد، أي بشيء من هذا وشيء في هذا فاكتفى بالأول إيجازًا). اهـ.
(٨) قال الفراء: ("من" تدل على أن لكل صنف منها شيئًا مضمرًا فتقديره: بشيء من الخوف وشيء من الجوع وشيء من نقص الأموال). اهـ. انظر: زاد المسير لابن الجوزي (١/ ١٦٢).
(٩) لم أجده، ولكن فسَّر الشافعي الثمرات موت الأولاد كما في القرطبي (٢/ ١٧٤).
(١٠) في الأصل: (والمحن الفتنة).
(١١) (أو الفتنة المصيبة) ليست في "أ".
(١٢) ما بين () ليست في "أ".
[ ١ / ٣٢٣ ]
فعل ما يملك فعله، وفائدة قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ قطع الجزع عن النفس إذ لا بدَّ للمنقرض الفاني من الآفات، ولا وجه للجزع مما لا بدَّ منه ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ دعاؤه لهم، وذلك قضاؤه الخير لهم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي (١) يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٢)، وقال ابن أَحْمَر (٣):
صلَّى الإلة على النعمان والرسل (٤)
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ نزلت في شأن السعي بين الصفا والمروة (٥) واتصالها بما قبلها أنه لما أخبر عن نبيه أنه يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون اتبعه من علم ما لم يعلموه حياة الشهداء والاسترجاع والسعي بين الصفا
_________________
(١) (هو الذي) ليست في "أ".
(٢) سورة الأحزاب: ٤٣.
(٣) ابن أحمر هو عمرو بن أحمر بن العَمَرَّد بن تميم الباهلي. واختلف في نسب ابن أحمر وذكره محمَّد بن سلام الجمحي في الطبقة الثالثة من الإسلاميين، وهو من فحول الشعراء الذين يستشهد بشعرهم في اللغة. [المؤتلف والمختلف للآمدي (٣٧) معجم الشعراء للمرزباني (٢١٤) طبقات فحول الشعراء للجمحي (٢/ ٥٧١)].
(٤) هو في ديوانه ص ٥٣ ومثله قول السفاح بن بكير اليربوعي يرثي يحيى بن شداد: صلَّى على يحيى وأشياعه ربٌّ كريم وشفيعٌ مطاع انظر: القرطبي (٢/ ١٧٧) - تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧) - معاني القرآن للزجاج (١/ ٢١٥).
(٥) أخرجه البخاري (٣/ ٤٩٧ - كتاب الحج) ومسلم (٢/ ٩٢٩ - كتاب الحِج) عن عروة قال: سألت عائشة فقلتُ لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، فقالت: بئس ما قلتَ يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها عليه لكانت "لا جناح عليه أن لا يطوف بهما" ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا يهلون قبل أن يسلموا لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشَلَّل وكان من أهلَّ منها تَحَرَّجَ أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي - ﷺ - عن ذلك فقالوا: يا رسول الله إنَّا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ قالت عائشة: وقد سنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
[ ١ / ٣٢٤ ]
والمروة تصديقًا لخبره، ﴿الصَّفَا﴾ الصخرة الصلبة (١) الملساء جمع صفاة كحصا وحصاة، والمراد به: موقف الساعي عن خارج (٢) المسجد مما يلي ركن الأسود في أسفل أبو قبيس (٣). ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾ حجارة رخوة، والمراد بها موقف الساعي مما يلي ركن العراقي (٤)، و(الشعائر) معالم النسك واحدها شعيرة، يقال: بيني وبينه شعار أي علامة (٥)، و(الحج) القصد (٦)، وقيل: الإتيان مرة بعد أخرى، ومنه المحجة والاعتمار، وهو الإتيان بالعمرة. و(العمرة) إحرام لا يوجب الوقوف بعرفة، وأصلها في اللغة هو القصد والزيارة. قال الشاعر:
لَقَدْ سما ابن (٧) مَعْمِرٍ حينَ اعتمرْ مَغْزىً بعيدًا منْ بعيدٍ وخَبَرْ (٨)
و(الجناح) الإثم، وأصله من الجنوح وهو الميل، و(التطوع) تفعُّل من الطاعة، وهو في الشرع عبارة عن النفل، و(السعي) سُنَّة يجب بتركه الدم عندنا (٩)، ..
_________________
(١) (الصلبة) ليست في "أ".
(٢) في "أ": (خار) وسقطت "ج".
(٣) الطبري (٢/ ٧٠٨)، والقرطبي (٢/ ١٧٩).
(٤) الطبري (٢/ ٧٠٩)، وا لقرطبي (٢/ ١٨٠).
(٥) قال القرطبي (١٨١/ ٢): (والشّعار العلامة؛ يقال: أشعر الهدي أعلمه بغرز حديدة في سنامه، من قولك: أشعرت أعلمت، وقال الكميت: نُقتِّلهم جيلًا فجيلًا تَراهمُ شعائر قُربان بهم يُتَقَرَّبُ).اهـ
(٦) كما قال الشاعر المخبل السعدي: فأشهدُ من عوفٍ حلولًا كثيرةً يحجون سب الزبرقان المزعفرا انظر: القرطبي (٢/ ١٨١)، البيان والتبيين (٣/ ٩٧)، وتاج العروس "حجج"، واللسان "حجج".
(٧) في "أ" "ي": (ابن) بالألف.
(٨) هذا الرجز للشاعر رؤبة بن العجاج يمدح عمر بن عبيد الله القرشي. وانظر: الطبري (٢/ ٧١٢) والقرطبي (٢/ ١٨١)، وتاج العروس "ضبر".
(٩) قوله: "عندنا" يدل على أن الجرجاني ليس بشافعي؛ لأن مذهب الحنفية والثوري والشعبي أنَّ السعي ليس بواجب فإن ترك جبر بدم لأنه سُنَّة من سنن الحج. =
[ ١ / ٣٢٥ ]
وعند الشافعي (١) (٢) واجب يلزمه العود لها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ لما ذكرنا كتمان اليهود أمر القبلة وغيره من الحق وهددهم على ذلك أتي بتصريح عقوبتهم لاتِّعاظ (٣) السعداء.
و﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ جمع بيِّنة، وهي المتضحة وهي صفة للآية و(لعنة اللاعنين) دعاؤهم باللعن والسحق، والمراد بهم: الملائكة عن قتادة (٤) والربيع (٥)، والبهائم عند احتباس المطر عن مجاهد (٦) وعكرمة (٧)، وما سوى الثقلين حين يصيح الكافر في قبره عن السدي (٨)، والمتلاعنون (٩) إذا
_________________
(١) = وهو قول مالك في العتبية. كما في القرطبي (٢/ ١٨٣) في حين أنَّ الجرجاني معروف أنَّه شافعي المذهب كما في السير (١٨/ ٤٣٢)، والعبر (٣/ ٢٧٧) للذهبي، والصفدي في "الوافي" (١٩/ ٤٩)، وترجم له السبكي في طبقاته (٢/ ٤٩١).
(٢) هو محمَّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، الإِمام، عالم عصره، ناصر الحديث، فقيه الملة، وهو القرشي المطلبي المكي نزيل مصر، قال أحمد: إن الله تعالى يقيِّض للناس في رأس كلِّ مائة سنة من يعلِّمهم السنن وينفي عن رسول الله - ﷺ - الكذب، فنظرنا فإذا رأس المائة عمر بن عبد العزيز، ورأس المائتين الشافعي، من تصانيفه "الأم" و"الرسالة" ومن أقواله: "الفتوة حلي الأحرار"، و"من تزين بباطل هتك ستره"، و"أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلًا من لا يرى فضله". ولد سنة مائة وخمسين هجرية. قال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات، مآثره عظيمة، وحكمه جسيمة، وهو سيد الفقهاء. مات في آخر رجب سنة أربع ومائتين. [سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥)؛ طبقات الحفاظ (١/ ١٥٧)؛ تهذيب التهذيب (٩/ ٢٣)؛ تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٧)].
(٣) ذهب الشافعي وأحمد إلى ركنيته وهو المشهور من مذهب مالك. انظر: القرطبي (١٨٣/ ٢).
(٤) في "أ" "ي": (لإيقاظ).
(٥) عزاه القرطبي لقتادة (٢/ ١٨٦)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ١٦٥).
(٦) عزاه القرطبي للربيع (٢/ ١٨٦).
(٧) عن مجاهد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٦٢) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وسعيد بن منصور.
(٨) عن عكرمة عزاه السيوطي في الدر (١/ ١٦٢) لعبد بن حميد وابن جرير.
(٩) ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٦) عن السدي عن البراء بن عازب.
(١٠) في "أ": (الملاعنون).
[ ١ / ٣٢٦ ]
لم يكونوا أهلًا لها عن ابن مسعود مرفوعًا (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إنما استثنى التائبين (٢) لئلا ييأسوا فيكفروا ولا يتوبوا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ قيد الوصف بالموت كفرًا يوهم أن توبتهم لا تقبل وهم مكلفون ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إنما هي لعنة المؤمنين فيما تشاهد، ولعن الكفار بعضهم بعضًا يوم القيامة، ولعن الكافر نفسه يقول: لعن الله (٣) الظالم وهو ظالم.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي في اللعنة أو النار (٤) ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ لا يزال ثقله وشدته عنهم [﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون عند إدخالهم النار أو عند انقضاء آجالهم] (٥).
﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ الواو للاستئناف، واتصالها بما قبلها أنه لما ذكر للأمة الحنيفة فروع الدين من الصبر والصلاة والسعي بين الصفا والمروة أتى بذكر الأصل ليزيدهم مسارعة إليها، وقيل: لما ذم الكفرة أعقبه ما فيه الخلاص من الكفر ليتنبَّه من قدر له التنبيه، ورفع الضمير المستثنى لأنه على المبتدأ الأول (٦) وهو قوله ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ ولما ابتدأ فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لم يجز
_________________
(١) ورد عن ابن مسعود عند البيهقي في شعب الإيمان (٥١٩٢)، وذكره القرطبي في تفسيره (٢/ ١٨٧) ولكنه من كلام ابن مسعود ولم يذكر مرفوعا والله أعلم.
(٢) (التائبين) ليست في "أ".
(٣) (الله) ليست في "أ".
(٤) الذي قال أنهم خالدون في اللعنة ابن مسعود ومقاتل كما في "زاد المسير" (١/ ١٦٧)، والقرطبي (٢/ ١٩٠). وأما من ذكر أن الخلود في النار، فقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ١٦٧) دون أن ينسبه لأحد. وذكر الطبري في تفسيره (٢/ ٥٩) عن أبي العالية: خالدين في جهنم في اللعنة.
(٥) ما بين [] ليس في "ب".
(٦) وقيل: رفع "هو" على أنه بدل من اسم "لا" على المحل. إذ محله الرفع على الابتداء أو هو بدل من "لا" وما عملت فيه لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء ولا يجوز أن يكون "هو" خبر "لا" لأنها لا تعمل في المعارف بل الخبر محذوف التقدير: لا إله لنا. [الكتاب (١/ ٣٤٥) - البحر (١/ ٤٦٣) - الدر المصون (٢/ ١٩٧)].
[ ١ / ٣٢٧ ]
في الاستثناء إلا الرفع لأن المستثنى إما ينتصب على الفعل تشبيهًا بالمفعول وإما ردًّا على المستثنى منه ولا فصل (١) هاهنا؛ لأن الكلام غير تامِّ دونه، إذ الخبر مضمر تقديره: لا إله لنا ولكم إلا الله، ولا ينتصب على الردّ لأن موضع المستثنى منه رفع على الابتداء وإن انتصب بلا النفي على البناء.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) جمع سماء وهي مثل حمامات وحمامة، والسماوات والسما بمعنى، وإنما جمع السماوات ولم يجمع الأرض لأن السموات من أجناس مختلفة والأرض من جنس واحد وهو الصعيد (٣)، وقيل: لأن منافع السماوات متصلة إلينا إمَّا دنيوية أو عقبوية، ولا يصل إلينا إلا منفعة أرض واحدة، وقيل: لأن السموات بعضها فوق بعض والأرض ملصق بعضها ببعض فكأنها واحدة، وقيل: لأن الأرض مصدر في الأصل والمصادر لا تجمع وإنما جمعت أرضين جمع سلامة جمع الذكور، نحو ستين نادرًا وإنما حركت الراء لأنها متحركة في الأصل، تقول: أرضيت الخشبة تورض أرَضًا، والأرَضة (٤) الدابَّة.
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ و﴿اللَّيْلِ﴾ وقت الظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، الواحد ليلة والجمع ليال (٥) مثل أراضٍ، وقيل: هو مقلوب
_________________
(١) في "ب": (والأفضل) وهو خطأ.
(٢) (والأرض) من الأصل فقط.
(٣) في "ب": (وا لأرض) وهو خطأ.
(٤) قال القرطبي (٢/ ١٩٢): (وجمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، ووحَّد الأرض لأنها كلها تراب). اهـ. وكذا ذكره البغوي في تفسيره (١/ ٣٥)، والسمعاني في تفسيره (٢/ ١١٦).
(٥) الليل: اسم جنس فيفرق بين واحده وجمعه تاء التأنيث، فيقال: ليلة وليل كتمرة وتمر. وجمعها على ليال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ٢]، بالتنوين لإضافة عشر إليها، والقياس أن يقال "ليالي" بالياء، وقيل أن الليالي جمع ليلة وليس جمع ليل وأن ليل لا يحفظ له جمع، وهذا القول هو الذي اختاره السمين الحلبي في تفسيره. [الدر المصون (٢/ ١٩٨) - البحر (٨/ ٤٦٧)].
[ ١ / ٣٢٨ ]
ليايل (١). ﴿وَالنَّهَارِ﴾ ضدّ الليل وجمعه النُّهر (٢)، واختلافهما مخالفتهما في اللون والساعات أو تعاقبهما بأن يعقب كل واحد منهما الآخر.
﴿وَالْفُلْكِ﴾ جمع وواحد، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ إلَّا (٣) أنَّ الضمة في الواحد كالضمة في المهُر وفي الجمع كالضمة في الأُسْد، وجري الفلك اندفاعها طافية على وجه الماء، وما ينفع الناس البضاعات، و(إحياء الأرض بعد موتها) إثارتها (٤) واصلاحها للإنبات بعد تقطعها ﴿وَبَثَّ﴾ فرق ونشر (٥) ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ اسم عام لكل نفس تدبُّ على وجه الأرض ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ صرفها إلى الوجوه المقدَّرة واسكانها مرة وتهييجها أخرى ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هو الغيم المذلل بينهما لا يرتفع فيلحق بالسماء ولا ينحدر فيلصق بالأرض، وهي مطيعة كما قال زيد بن عمرو (٦):
إذا هي سِيْقَت إلى بلدةٍ أطاعَتْ فصبَّت عليها سجالا
_________________
(١) في "أ": (ليال).
(٢) قال الراغب: "النهار" هو ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وظاهر اللغة أنه من وقت الإسفار. وقال ثعلب والنضر بن شميل: هو من طلوع الشمس. ويجمع على نُهُر أو أَنْهِرَة نحو قذال وقُذُل وأَقْذِلَة. وقيل: لا يجمع لأنه بمنزلةِ المصدر، والصحيح أنه يجمع، ومنه قول الشاعر: لولا الثريدان لَمُتْنَا بالضُّمُر ثريد ليلٍ وثريدٌ بالنُّهُر [المفردات للراغب ص ٥٢٨ - اللسان "نهر"- الدر المصون (٢/ ١٩٩)].
(٣) في الأصل: (لا).
(٤) في الأصل: (إعادتها).
(٥) (انظر: [تفسير الطبري (٣/ ٢٧٥) - ومجاز القرآن (١/ ٦٢) - وتفسير السمعاني (٢/ ١١٨)].
(٦) هو والد الصحابي الجليل أحد العشرة المبشرين بالجنة سعيد بن زيد، توفي قبل مبعث النبي - ﷺ - وقد آمن بالنبي ﵊. وكان زيد بن عمرو بن نفيل قد ترك عبادة الأوثان في الجاهلية ولا يأكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأخباره ذكرها ابن كثير وغيره مطولة، والبيت المذكرر ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ضمن ترجمته في مجموعة من الأبيات. [البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٢٣٧) - الصحابة لأبي نعيم (١/ ٢٥٠) - أسد الغابة (٢/ ١٤٣) - الإصابة (١/ ٥٦٩)].
[ ١ / ٣٢٩ ]
واللام في قوله ﴿لَآيَاتٍ﴾ (١) للتأكيد وهي تدخل على خبر "أنَّ" أو على اسمها إذا حال بينهما اسم مجرور (٢)، وهذه الآيات يقع العلم ببعضها اكتسابًا من أن تيسر إحضارها، والمراد بالعقلاء المعتبرون الذين غلب عقلهم على هواهم لحصول فائدة الآيات، وقيل: المراد به المخاطبون للزوم الحجة إياهم. ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي يتخذ لله أندادًا من دونه إذ لا موازي لله تعالى وكل شيء دونه ولأنهم لم يكونوا يزعمون أن له شريكًا موازيًا إذ كانوا يقولون في تلبيتهم: (تملكه وما ملك) (٣). والحب على مراتب الارتضاء ورفع التشبيه بحبهم تسمية الله وان لم يعرفوا ذاته حقيقة على أنه يجوز حبُّ غير المعروف كحبِّنا كلَّ عبد صالح، ثم أن المؤمنين أشد حبًا لله لأنهم يعبدونه ليتقربوا إليه، والكفار يعبدون الأصنام ليتقربوا إلى الله زلفى، فمن أحب شيئًا لنفسه أشد حبًا له ممن يحب شيئًا لغيره، ولأن المؤمنين يفدون أنفسهم في سبيله ثم لا يندمون، والكفار يفدون أنفسهم في سبيل الطاغوت ثم يندمون.
﴿وَلَوْ يَرَى (٤) الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محلِّ نصب على قراءة التاء (٥) وفي محل الرفع على قراءة الياء (٦)، و﴿إِذْ﴾ في محل النصب وجواب ﴿لَوْ﴾ على قراءة التاء لرأيت أمرًا عظيمًا أو لرأيت أن القوة لله جميعًا، وعلى
_________________
(١) في الأصل: (لأن).
(٢) في الأصل: (مجرد).
(٣) أي أنهم كانوا في الجاهلية يُلَبُّون في حجهم ويقولون: "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك".
(٤) (ولو يرى) من الأصل فقط.
(٥) هي قراءة أهل المدينة والشام كما في القرطبي (٢/ ٢٠٤). وهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب كما في "زاد المسير" (١/ ١٧٠).
(٦) قراءة أبي عامر ونافع (ولو ترى) بتاء الخطاب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو والكوفيين عاصم وحمزة والكسائي: (ولو يرى) بياء الغيبة. [الكشف (١/ ٢٧١) - ابن عطية (١/ ٤٧٤) - البحر (١/ ٤٧١)].
[ ١ / ٣٣٠ ]
قراءة الياء: لتابوا قبله ولما عبدوا الأوثان، وحذف جواب (لو) لتعظيم الشأن والحال (١) كما في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٢).
﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ بأنَّ القوة لله، والقوة ما يمنع الانثناء (٣) وهي ضدّ الضعف وهو عارض دخل بين البدل والمبدل، وإن قرأت بكسر الألف لم تحتج إلى إضمار. و(التبرؤ) تفعّل البراءة، وذلك قولهم: ﴿أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤) ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: انقطعت بهم سبيل النجاة وهي الأرحام والوسائل، قال ﵊ (٥): "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (٦). والسبب قد يعبَّر به عن الطريق، قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ (٧) ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ (٨).
_________________
(١) اختلف النحويون في تقدير جواب "لو"، فمنهم من قدره قبل قوله: ﴿أنَّ الْقُوَّةَ﴾ ومنهم من قدره بعد قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ وهو قول أبي الحسن الاْخفش والمبرد، وعلى القول الأول يكون "أن القوة" معمولا لذلك الجواب، والتقدير: لعلمتَ أيها السامع أن القوة لله جميعًا، ويكون الخطاب للنبي ولكل سامع، وعلى القول الثاني يكون التقدير: لقلت إن القوة لله جميعًا. [الدر المصون (٢/ ٢١٣) - ابن عطية (١/ ٤٧٤)].
(٢) سورة هود: ٨٠.
(٣) في "أ": (الانتفاء).
(٤) سورة القصص: ٦٣.
(٥) (الصلاة) من "ب"، وفي "ي": (عليه الصلاة).
(٦) هذا الحديث رواه أحمد في الفضائل (١٣٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠٣٥٤)، والطبراني في الكبير (٢٦٣٣، ٢٦٣٥، ١١٦٢١، ٢٠/ ٢٧)، وفي الأوسط (٥٦٠٦، ٤١٣٢، ٦٦٠٩)، وبُحْشُل في "تاريخ واسط" (١٤٩)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٧١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٤، ٧/ ٣١٤)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٧١)، والبيهقي في السنن (٧/ ٦٣، ٦٤، ١١٤)، والضياء في المختارة (١/ ١٩٧، ١٩٨، ٣٩٨).
(٧) سورة الكهف: ٨٥.
(٨) سورة الكهف: ٨٩.
[ ١ / ٣٣١ ]
﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ منصوب على جواب التمني (١) بالفاء (٢)، وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كما أخبرناك ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم، وقيل: أعمالهم التي أحصاها بأعيانها، ﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسرة، وهي أشد الندامة يجعل صاحبها كليلًا حسيرًا، وقيل: هي كشف الندامة من قولك: حسر عن ذراعه (٣)، وذلك يكون في الحالة الثانية لأنهم يسرُّون الندامة عند رؤية العذاب.
﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ إن جعلتها للتبعيض أو أقمتها مقام شيء، والآية محتملة موقوفة على التفسير، قاله (٤) الفراء، وعن الأخفش قريب منه، وإن جعلتها صلة فالآية عامة بعوض التخصيص ﴿حَلَالًا﴾ نصب على الحال أو القطع (٥)
_________________
(١) في "أ": (النهي).
(٢) قوله: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ منصوب بعد الفاء بـ "أَنَّ" مضمرة في جواب التمني الذي أشربته "لو" ولذلك أُجيبت بجواب "ليت" الذي في قوله: "يا ليتني كنت معهم فأفوز" وإذا أشربت معنى التمني فإنها تحتاج إلى جواب وهو مقدر في الآية، والتقدير: لتبرَّأنا. وقيل: الفعل منصوب ب "أنْ" مضمرة على تأويل عطف اسم على اسم وهو "كَرَّة" والتقدير: لو أنَّ لنا كرةً فنتبرّأ. فهو كقول الشاعر [ينسب لميسون بنت بحدل]: لَلُبْس عباءةٍ وتَقَرَّ عيني أَحَبُّ إِلَيَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ وقال أبو البقاء: "فنتبرأ" منصوب بإضمار "أن" تقديره: لو أن لنا أن نرجع فنتبرأ. [الإملاء (١/ ٧٤) - البحر (١/ ٣٧٤) - الأشموني (٤/ ٣٢) - الدر المصون (٢/ ٢١٩)].
(٣) في "ب": (ذراعيه).
(٤) في الأصل: (قال).
(٥) في "حلالًا" خمسة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنها حال، وهو الذي ذكره المؤلف. الوجه الثاني: أن تكون مفعولاَ به لـ "كُلوا". الوجه الثالث: أنها نعت لمفعول محذوف، والتقدير: شيئًا أو رزقًا حلالًا - ذكره مكي في كتابه المشكل (١/ ٨٠) واستبعده ابن عطية. الوجه الرابع: أن ينتصب على أنه نعت لمصدر محذوف، التقدير: أكلًا حلالًا. ذكره أبو البقاء. الوجه الخامس: أن يكون حالًا من الضمير العائد على "ما"، قاله ابن عطية. وأما "طيبًا" ففيها ثلاثة أوجه إعرابية: أحدها: أن يكون صفة لـ "حلالًا". =
[ ١ / ٣٣٢ ]
وهو ضد الحرام، و(الخطوة) ما بين القدمين، والمراد بالخطوات مسالكه ومذاهبه.
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ إذا قيل أن زيدًا منطلق أخبر عن انطلاقه، وإذا قيل إنما زيدٌ منطلق فكأنه جعل الانطلاق صفة فقط وأمره على المجاز إذ هو غير واجب ﴿بِالسُّوءِ﴾ (١) ما يسوء العاقل ويوحشه، وهو مصدر أقيم مقام الاسم ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ الخصلة المجاوزة عن الحد من البشاعة ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قيل: تحريم السائبة والوصيلة (٢) والحام (٣)، أو تحريم اليهود ما ليس بمحرم عليهم في التوراة أو غير ذلك من الكفر والضلالة.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ نزلت فى كفار قريش، وعن ابن عباس (٤): أنها في اليهود ومنهم رافع أو أبو رافع بن خارجة والكناية عما لم يسبق ذكره مثل قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٥) وقيل: راجعة إلى ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾.
والإلفاء الوجود، والآباء جمع أب، والهمزة التي هي فاء الفعل مبدلة لاجتماع الهمزتين ﴿أَوَلَوْ﴾ همزة استفهام دخلت على حرف العطف كقوله:
_________________
(١) = والثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف أو حالًا من المصدر المعرفة المحذوف، أي أكلًا طيبًا. والثالث: أن يكون حالًا من الضمير في "كلوا" تقديره مستطيبين، قاله ابن عطية. [تفسير ابن عطية (١/ ٤٧٧) - الإملاء (١/ ٧٤) - الدر المصون (٢/ ٢٢٢)].
(٢) في "ب": (سواء) وهو خطأ.
(٣) في الأصل: (الوسيلة).
(٤) هذا القول اختاره الطبري في تفسيره (٣/ ٤٠)، وردَّ الله زعمهم وكذبهم عليه فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾.
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٤٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٥١١) كلاهما من طريق سلمة بن الفضل عن محمَّد بن إسحاق به إلى ابن عباس، وفيه (رافع بن خارجة) وورد عند الطبري في تفسيره (٣/ ٤٦) من طريق يونس بن بكير عن محمَّد بن إسحاق به إلى ابن عباس وفيه (أبو رافع بن خارجة).
(٦) سورة القدر: ١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
(أفلم) (أثم) ولم ينف العقل عن آبائهم ولكن بيَّن قبح إصرارهم على تقليد من لا يجوز تقليده، كما يقال: أنا على رأي شيخي. وقيل: لا يعقلون شيئًا من أحكام الشريعة إذ ذلك لا يعقل إلا بالوحي أو البناء عليه.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مثل واعظ الذين كفروا، ويحتمل أن التشبيه مراد ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ و(١) إن اتصل بـ ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ كما في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مراد بالنبات وإن اتصل بالماء، وهذا سائغ في مجاز الكلام، وقيل (٢): ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في دعائهم الأصنام ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ بالأنعام، والنعيق صوت الراعي بالغنم (٣)، الدعاء (٤) والنداء واحد جمع للتأكيد يقعان جهرًا وخفية، وقيل: النداء أعمُّ ويكون عند رفع الصوت.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أفادت حكمين (٥): أكل المستطاب من الحيوان كالأنعام والسمك والطيور والصيود دون المستخبث من الحيوان كالفواسق والمسوخ والحشرات والجوارح، والثاني: الاعتقاد بأنَّ الجميع رزقٌ من الله.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ (ما) الكافة، و(ما) اسم عند من قرأ (الميتة) بالرفع (٦)
_________________
(١) في الأصل: (أو).
(٢) في "ب": (فقال).
(٣) ومنه قول الأخطل: فانعق بضأنك ياجرير فإنما مَنَّتكَ نفسك في الخلاءِ ضلالا أي أن مثلهم كمثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نُعِقَ بها ولا تعقل ما يقال لها، وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ - رواه عنه الطبري في تفسيره. [ديوان الأخطل ص ٣٩٢ - مجاز القرآن (١/ ٦٤) - تفسير السمعاني (٢/ ١٢٧) - الطبري (٣/ ٤٥)].
(٤) في "ب" "أ" الأصل: (الرعا).
(٥) في الأصل: (حكيهن).
(٦) الذي قرأ "الميتةُ" بالرفع هو ابن أبي عبلة، وتخريج هذه القراءة هو أن تكون "ما" موصولة و"حرمَ" صلتها، والعائد محذوف، التقدير: حَرَّمَه، والموصول وصلته في محل نصب اسم "إِنَّ" و"الميتةُ" خبرها. وعلى قراءة النصب "الميتةَ" وهي قراءة =
[ ١ / ٣٣٤ ]
والميتة غير الزكيَّة حكمًا، وما مات حتف أنفه في اللغة ﴿وَالدَّمَ﴾ السائل إذا أُسْفِح السفح، والمراد ب (لحم الخنزير) كله، وتخصيص الثلاثة بالتحريم مع بقاء محظوره على الأصل للتأكيد كما في نهي الظلم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي تسمية الأوثان عند الذبح والإهلال، (الاضطرار) المجاعة عند العجز عن غيره كما قال: ﴿فَمَنِ (١) اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ و﴿غَيْرَ﴾ نصب على الحال، و(البغي) الطلب ههنا ابتغاء المحظور عمدًا وظلمًا على نفسه (٢)، و(العدْو) مجاوزة الحد، وههنا عدو حد الاضطرار، والتناول بعد الاستغناء عن السدي والمؤرخ وابن عرفة والأزهري، وقيل أن يكون سفره في معصية من ظلم أو عدوان، والأول أصح، و(الإثم) الجناح.
﴿وَيَشْتَرُونَ﴾ (٣) بما أنزل الله وإنما قال: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا (٤)﴾ لأنه ردّ الكلام إلى المعنى وهو التحصيل. قال -﵇-: "إنَّ المؤمن يأكل في مِعىً (٥) واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء" (٦)، وقال الشاعر:
كلوا في نصف بطنِكمو (٧) تعفوا فإنَّ زمانكم زمن خميص (٨)
_________________
(١) = الجمهور على أن "ما" كافة مهيئة لأنَّ في الدخول على هذه الجملة الفعلية والفاعل ضمير يعود على الله -﷿-، و"الميتةَ" مفعول به. [البحر (١/ ٤٨٦) - القرطبي (٢/ ٢١٦) - الشواذ ص ١١ - الدر المصون (٢/ ٢٣٥)].
(٢) في الأصل: (من).
(٣) (نفسه) لا توجد في الأصل و"أ".
(٤) في "ب". (تشترون).
(٥) (نارًا) من "أ".
(٦) في الأصل "ي": (معاء).
(٧) البخاري (٥٠٧٨، ٥٠٨١، ٥٠٨٢)، ومسلم (٢٠٦٠).
(٨) في الأصل: (بطونكم).
(٩) البيت من الوافر، وقد ذكر غير منسوب في زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٢٨)، وشرح أبيات سيبويه (١/ ٣٧٤)، وخزانة الأدب (٧/ ٥٣٧)، وشرح المفصل (٥/ ٨)، والكتاب (١/ ٢١٠)، والمقتضب (٢/ ١٧٢)، وهمع الهوامع (١/ ٥٠).
[ ١ / ٣٣٥ ]
وإنَّما سمِّي الرشا نارًا (١) باسم المال لأنها تصير نارًا، وتكليم الله على وجوه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (٢) الآية، فالمنفي أحد الوجوه، المثبت الآخر، وعلى الجنس أنه على المجاوز والمراد به الإخبار عن شدة غضبه عليهم وطرده إياهم ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يثني عليهم، وقيل: لا يبدل سيئاتهم حسنات و(المغفرة) والغفران بمعنى، وأصله الستر، ومعناه إلباس الغَفْر (٣) وإنَّما اشتروا العذاب باشتراء موجبه بموجبها (٤).
وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ على التعجب ﴿عَلَى (٥) النَّارِ﴾ على موجبها، وقيل: ما أدوم حبسهم عليها، وقيل: ما أجرأهم عليها، كما يقال: ما أصبر فلان على القتال (٦).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى العذاب (٧) أو نحوه ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ التوراة (٨) أو الجنس و(الاختلاف) ضد الاتفاق، وهو أن يخالف كل طائفة غيرها.
_________________
(١) في "ب": (مالًا).
(٢) سورة الثمورى: ٥١.
(٣) في الأصل: (العفر) وفي بقية النسخ (العفو) وكلها خطأ.
(٤) في الأصل: (لموجبها).
(٥) (التعجب على) ليست في "ب".
(٦) قال القرطبي (٢/ ٢٣٦): (قال الحسن وقتادة وابن جبير والربيع: ما لهم والله عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على النار! وهي لغة يمنية معروفة. قال الفراء: أخبرني الكسائي قال: أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال له صاحبه: ما أصبرك على الله! أي ما أجرأك عليه). اهـ.
(٧) قال الطبري: وأولى الأقوال بتأويل الآية عندي أن الله جل ثناؤه أشار بقوله "ذلك" إلى جميع ما حواه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ أي ما ذكره من خبره عن أفعال أحبار اليهود وما أعدَّ لهم من العقاب. وعلى ذلك يكون هناك وجهان من الإعراب في "ذلك": الرفع على أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: وجب لهم ذلك، أو أنه مبتدأ وخبره "بأن الله" أو أنه خبر والمبتدأ محذوف، التقدير: الأمر ذلك، والإشارة إلى العذاب. أما الوجه الثاني فهو النصب، التقدير: فعلنا ذلك. [تفسير الطبري (٣/ ٧٢) - الدر المصون (٢/ ٢٤٤)].
(٨) في الأصل: (التورية).
[ ١ / ٣٣٦ ]
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ نفي حُجَّة من يستدل بفضيلة قبلته كإعجاب اليهود بالبيت المقدَّس المحدق بالصخرة التي عليها المعراج، وإعجاب النصارى بسراج الدنيا، وإعجاب موسى بقبلة إبراهيم ومنشأ إسماعيل (١) ومختلف الحاج ومأمَن الوحش، وبيَّن الله أنَّه لا برَّ (٢) في تولية الوجه قِبل المشرق والمغرب بلا إيمان صحيح وصلاة مجزية وخصلة محمودة، إذ التوجه يتفق من الصبيان والمجانين والدوابّ ثم لا يستحقون مدحًا أو ذمًا، وإيصالها بما قبلها من حيث ذكر الاختلاف في الآية السابقة ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ نحوه هذا من قبل فلان أي من جهته، ولي حق قبل فلان أي: عنده، وما لي به قبل أي: طاقة، ورأيته قبلًا، أي: معاينة ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ قال الفراء: آمن بالله خير البرِّ على الاكتفاء بالمعنى الدالِّ في الاسم على المصدر (٣) كما قيل:
قليل همّه والعيب جمُّ ولكن الرب الغنىّ ربٌّ كريم
وقيل: المصدر يُطلق (٤) بمعنى الاسم كما في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٥) أي هاديًا (٦)، أي: ولكن البارَّ من آمن بالله، وقيل (٧): الحذف تقديره ولكن البرَّ برّ من آمن بالله (٨)، وقيل: ولكن ذا البرِّ من آمن بالله (٩) كما قال:
_________________
(١) في "ب": (ابن إسماعيل).
(٢) في الأصل: (ندّ).
(٣) عبارة الفراء في كتابه [معاني القرآن (١/ ١٠٤)] عند تعليقه على هذه الآية ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ قال: إنه من كلام العرب أن يقولوا: إنما البر الصادق الذي يصل رحمه ويخفي صدقته، فيجعل الاسم خبرًا للفعل والفعل خبرًا للاسم لأنه أمر معروف المعنى. وأما البيت الذي ذكره المؤلف فلم أجده لا عند الفراء ولا عند غيره.
(٤) في الأصل و"ي ": (تطلق).
(٥) سورة طه: ١٠.
(٦) في الأصل: (هديًا) وهو خطأ.
(٧) في "ب": (ولكن).
(٨) ذكره القرطبي في تفسيره (٢/ ٢٣٨) ولم ينسبه لأحد.
(٩) في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ خمسة أوجه إعرابية:
[ ١ / ٣٣٧ ]
ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت فإذا هي إقبال وإدبار (١)
والإيمان بالله الاعتراف بوحدانية الله وأسمائِهِ وصفاتِهِ وباليوم الآخر أنه واجب بوعد الله ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (٢) وبالملائكة أنهم عباد الله الروحانيون لا يطمعون وعن العبادة لا يفترون و﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣) ﴿وَالْكِتَابِ﴾ أنه كلام الله ووحيه ومقوله، قاله قولًا ولم يخلقه فعلًا (٤) ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ أنهم دعاة (٥) إلى الله بوحي منه إليهم لا يتقوَّلون ولا يحرِّفون ولا يعزلون ولا ينال ولي من الشرف ما ينالون ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ كناية عن اسم الله تعالى، وعن ابن مسعود والسدي والشعبي عن المال (٦) ولـ (ابن السبيل) ثلاثة معانٍ: مار الطريق وهو الضيف (٧)،
_________________
(١) =الوجه الأول: أن "البر" اسم فاعل، فعلى هذا لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل لأن البر من صفات الأعيان كانه قيل: ولكن الشخص البر من آمن. الوجه الثاني: أن في الكلام حذف مضاف من الأول تقديره: ولكن ذا البرِّ من آمن. الوجه الثالث: أن يكون الحذف من الثاني، والتقدير: ولكنَّ البرَّ بِرُّ من آمن. وهذا تخريج سيبويه واختياره. الوجه الرابع: أن يطلق المصدر على الشخص مبالغة نحو: رجلٌ عَدْلٌ. الوجه الخامس: أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل نحو: رجل عَدْلٌ، أي عادل، وهذا رأي الكوفيين. [الكتاب (١/ ١٠٨) - معاني القرآن (١/ ١٠٤) - البحر (٢/ ٢) - ابن عطية (١/ ٤٩٢)].
(٢) البيت للشاعرة الخنساء وهو في ديوانها ص ٣٨٣، وقد ذكر في الأشباه والنظائر (١/ ١٩٨)، وخزانة الأدب (١/ ٤٣١)، وشرح أبيات سيبويه (١/ ٢٨٢)، والمقتضب (٤/ ٣٠٥).
(٣) سورة الجاثية: ٢٢.
(٤) سورة التحريم: ٦.
(٥) هذا الكلام يدل على أن الجرجاني لم يكن معتزليًا فهو يخالف مذهب المعتزلة القائلين بخلق القرآن.
(٦) في "أ": (دعاؤه).
(٧) الذي ورد عن ابن مسعود - ﵁ - في هذه الآية قال: أن يؤتيه وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخشى الفقر. وورد عن السدي في هذه الآية قال: إن هذا شيء واجب في المال حق على صاحب المال أن يفعله سوى الذي عليه من الزكاة. وورد عن الشعبي قال: على الرجل حق في ماله سوى الزكاة، وكل هذه الروايات عند الطبري (٣/ ٧٩).
(٨) عزاه ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٧٩) لسعيد بن جبير والضحاك ومقاتل والفراء وابن قتيبة والزجاج.
[ ١ / ٣٣٨ ]
والمنقطع عن ماله وأهله وهو مستحق الزكاة (١)، والغازي وإعانته قربة وربما يستحقُّ من الزكاة ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إعانة المكاتبين (٢)، وقيل: اشتراء (٣) المماليك وإعتاقهم (٤) ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ المتعففين المتشبِّهين بالأغنياء ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فيكون عطفًا على ابن السبيل، وإنما في (٥) الصبر خصال البرّ فينصب الصابرين على محل الممدوح، قال:
إلى الملك القَرْم وابن الهُمام وليث الكَتيبَة في المُزْدَحَم
وذا الرَّاي حينَ تَعُمُّ الأمورُ بذاتِ الصَّليلِ وذاتِ اللُّجمْ (٦)
﴿الْبَأْسَاءِ﴾ المصيبة الشديدة ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ الحالة ذات الضرورة (٧)، وقال الأزهري (٨): البأساء في المال والضراء في النفس، و﴿الْبَأْسِ﴾ الشدَّة وأكثر استعماله في الحرب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وهذا فصل مبتدأ في الأحكام نزلت في الأوس والخزرج، قال الأوس للخزرج: والله لو تأخر الإسلام لقتلنا بكلِّ عبدٍ مِنَّا حُرًّا منكم، وبكلِّ أنثى ذكرًا منكم، وقيل: نزلت في حيَّين من العرب غيرهما (٩)، و﴿الْقِصَاصُ﴾ مأخوذ من القَص وهو القطع،
_________________
(١) ذكره الطبري في تفسيره (٣/ ٨٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٧٩) وعزاه لأبي سليمان الدمشقي والقاضي أبي يعلى.
(٢) هذا مروى عن ابن عباس وعلي بن أي طالب والحسن وابن زيد والشافعي. انظر: زاد المسير (١/ ١٧٩).
(٣) في الأصل: (اشتما).
(٤) روي عن مجاهد عن ابن عباس وبه قال مالك بن أنس وأبو عبيد وأبو ثور واحد أقوال أحمد. انظر: زاد المسير (١/ ١٧٩).
(٥) في "ي" "أ" بدل (وإنما في) والثاني.
(٦) البيت في تفسير الطبري (٣/ ٨٩). وانظر: خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٤١٥)، والإنصاف (٢/ ٤٦٩)، وشرح قطر الندى ص ٢٩٥، ومعاني القرآن للفراء (١/ ١٠٥)، وكلها بلا نسبة.
(٧) في "أ" "ي ": (الضرر).
(٨) تهذيب اللغة "بئس " (١٣/ ١٠٧).
(٩) روي ذلك عن الشعبي أن سبب نزول الآية هو أنه كان بين حيين من أحياء العرب قتال =
[ ١ / ٣٣٩ ]
يقال: قصصت ما بينهما، وقيل: القصاص تبعة على أثر الجناية بالمماثلة، والقصاص واجب في الحال بإيجاب الله تعالى، فأمَّا الاقتصاص غير واجب لا يجبر عليه كما في العقوبة والعاقبة، و﴿الْقَتْلَى﴾ جمع قتيل كالمرضى جمع مريض، والمراد: السوية بين المسلمين جميعا وضيعهم وشريفهم كما في قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقال﵇- (١): "المسلمون تتكافأ (٢) دماؤهم" (٣) الخبر (٤) و﴿الْحُرُّ﴾ الذي لا رقَّ عليه ﴿وَالْعَبْدُ﴾ الرقيق ﴿وَالْأُنْثَى﴾ زوج الذكر.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ فأي قاتل عفي من أخيه المقتول حق في القصاص فعلى من لم يعفُ حصته من الأولياء ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وعلى القاتل ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ و(المعروف) اسم لكلِّ خير و(الأداء) اسم من التأدية، وهي التسليم، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى حكم العقوبة، والمراد بـ (الاعتداء) الرجوع إلى القصاص، ويحتمل أن المراد به أي الثلاثة: الرجوع والامتناع من الأداء والاتباع بالمنكر (٥). ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الاقتصاص من الراجع إلى القصاص وقيل: عذاب الآخرة.
_________________
(١) =وكان لأحد الحيين طول على الآخر فقالوا: نقتل بالعبد منَّا الحر منكم، وبالمرأة الرجل، فنزلت هذه الآية. وقد وصله الطبري في تفسيره عن الشعبي. [أسباب النزول للواحدي ص ٤٩ - العجاب لابن حجرص ٢٣٩ - الطبري (٩٣٣) - القرطبي (٢/ ٢٣٩) - تفسير الخازن (١/ ١٠٦)].
(٢) (السلام) ليست في "ب".
(٣) في "أ": (يتكافأ).
(٤) رواه أبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٣)، وابن أبي شيبة (٢٧٩٦٨)، والمنتقى لابن الجارود (٧٧١، ١٠٧٣)، والبزار (٤٨٦)، والحاكم (٢٦٢٥)، والبيهقي (٨/ ٢٩). وإسناده صحيح.
(٥) في "ب": (الجزاء) وهو خطأ.
(٦) المتعين في هذه الآية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي اعتدى فقتل بغير حق بعد أخذه الدية فله عذاب أليم، وهذا تفسير مجاهد وقتادة والربيع والحسن وغيرهم، رواه عنهم الطبري وابن أبي حاتم، ولذا يقول ﵊: "لا أُعافى رجلًا قتل بعد أخذه الدية" أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٦٧) عن سمرة مرفوعًا. [الطبري (٣/ ١١٥) - ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٣)].
[ ١ / ٣٤٠ ]
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ليس المراد بالحياة منع احترام الآجال، لأنه محال لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ولقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) (٢) الآية، لكن المراد طيب الحياة بعد الممات بالنجاة من النار وتهيئة الحياة في الدنيا بالأمن من الغوائل بعد القصاص، والأمن من المقدمين على سفك الدماء إذا علموا بالقصاص، أو حياة القلب بنور الاتِّقاء عن حدود الله (٣). (أولو) جمع لا واحد له وتأنيثه أولات، ومعناهما ذوو أو (٤) ذوات، و(اللبّ) من كلِّ شيء خالصُهُ قاله أبو عبيدة.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ لحالة تعرض من أسباب الموت قبل زوال التكليف بزوال القدرة ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ خلَّى مالًا كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ (٥) و﴿الْوَصِيَّةُ﴾ في اللغة العهد، وفي الشرع: عبارة عن إيجاب تصرُّف في المال على وجهِ التوكُّل مؤقتًا بالموت، وقد نسخ الوصيَّة للوالدين والأقربين قوله -﵇-: "إنَّ الله تعالى قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارِثٍ" (٦) هذا في حيِّز التواتر لما تلقته الفقهاء بالقبول (٧)، وقيل:
_________________
(١) (الأرض) ليست في "ب".
(٢) سورة آل عمران: ١٥٦.
(٣) ذكر هذه المعاني كل من [البغوي (١/ ١٤٨) - والزجاج في معاني القرآن (١/ ٢٣٥) - والواحدي في الوجيز (١/ ٤٦) - والطبري (٣/ ١٢٠) - والفراء في معاني القرآن (١/ ١١٠) - والسمعاني في تفسيره (٢/ ١٤٣)].
(٤) في "أ" "ي ": (و) بدل (أو).
(٥) سورة العاديات: ٨.
(٦) رواه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٠، ٢١٢١)، والنسائي في المجتبى (٦/ ٢٤٧)، وفي الكبرى (٢٤٦٨)، وأحمد (٤/ ١٨٦، ١٨٧؛ ٥/ ٢٦٧)، والطيالسي (١١٢٧)، وعبد الرزاق (٧٢٧٧)، وسعيد بن منصور (٤٢٧، ٤٢٨)، والدارمي (٣٢٦٠)، والطبراني في الكبير (٧٥٣١،٧٦١٥؛ ١٧/ ٣٣)، وفي مسند الشاميين (٥٤١، ٦٢١)، والدارقطني في سننه (٣/ ٤٠، ٧٠)، وابن الجارود في "المنتقى" (٩٤٩)، وأبو يعلى (١٥٠٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٧٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٦٤،٢٤٤،٢١٢) عن عدَّة من الصحابة.
(٧) قال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣/ ٩٢): (قال الشافعي: وروى بعض الشاميين=
[ ١ / ٣٤١ ]
نسختها آية المواريث (١) وذلك غير صحيح للخبر، وقد أعطى الله الأقربين حقهم في آية المواريمث وقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٢).
وقال: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (٣).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالمقدار الذي لا تنكر لوكس أو (٤) شطط ﴿حَقًّا﴾ نصبَ على المصدر أو على أنه مفعول (٥) ثانٍ (٦).
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ أي الحق أو الوصية وهو الإبصار، والمراد بهم
_________________
(١) = حديثًا ليس مما يثبته أهل الحديث، فإن بعض رجاله مجهولون فاعتمدنا في المنقطع مع ما انضم إليه من حديث المغازي واجماع العلماء على القول به فهو متواتر عند الفقهاء كما ذكره المؤلف وليس عند أهل الحديث.
(٢) هذا القول منقول عن ابن عباس عند الطبري في تفسيره (٣/ ١٢٤)، وابن أبي حاتم (١٦٠٤) وهو منقول عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وإبراهيم النخعي والضحاك والزهري وشريح. كل هؤلاء ذكرهم ابن أبي حاتم في تفسيره دون سند. وذكر الطبري بعضًا منهم. وذهب المفسرون إلى أنها محكمة وبعضها ذهب إلى نسخها، ويبدو أن الجرجاني من الفريق الثاني. ومنهم من جعل الناسخ آية المواريث. ومنهم من جعل الناسخ الحديث. انظر: القرطبي (٢/ ٢٦٣).
(٣) سورة النساء: ٧.
(٤) سورة النساء: ١١.
(٥) (أو) ليست في "ي".
(٦) في نصب "حقًا" أربعة أوجه إعرابية، ذكر المؤلف وجهين: الوجه الأول: أنها منصوبة على المصدر، وهي مؤكدة لمضمون الجملة فيكون عامله محذوفًا، التقدير: حَقَّ ذلك حقًا. وهذا ما ذهب إليه الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. الوجه الثاني: أنها منصوبة على أنها مفعول به ثانٍ. وهو ما ذكره المؤلف. الوجه الثالث: أنها حال من المصدر المُعَرَّف المحذوف. الوجه الرابع: أنها نعت لمصدر محذوف التقدير: كَتْبًا أو إيصاءً حقًا. [الكشاف (١/ ٣٣٤) ابن عطية (١/ ٥ - ٠٤) - الإملاء (١/ ٧٩) - الدر المصون (٢/ ٢٦١)].
(٧) في الأصل: (قال) وهو خطأ.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الأوصياء ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ والخوف بمعنى العلم، قال أبو محجن الثقفي (١):
إذا مِتّ واروني (٢) إلى جنبِ كرمةٍ ترَوِّي عظامي بعدَ موتي كرُومُها
ولا تدفنوني في فلاةٍ فإنني أخاف إذا [ما] (٣) متُّ أن لا أذوقَهَا (٤)
﴿جَنَفًا﴾ ميلًا إلى الباطل كناية عن الأقربين أو عما لم يسبق ذكره ﴿فَلَا إِثْمَ﴾ على الوصي بهذا التبديل الذي ورد فيه الوعيد فإن هذا مستثنى منه.
﴿كَمَا كُتِبَ﴾ تشبيه بمجرد الصيام دون الصفات كلها، إذ التشبيه لا يوجب كون المشبه (٥) به من جميع الوجوه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٦) وقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ (٧) وقال: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٨) يحتمل تشبيه (٩) الوجوب بالوجوب. و﴿الصِّيَامُ﴾ في اللغة عبارة عن الإمساك عن الطعام، قال الشاعر:
خَيلٌ صيام وخيلٌ غير صائمةٍ تحتَ العجاجِ وأخرى تَعلُكُ اللجما (١٠)
_________________
(١) أبو محجن الثقفي، اختلف في اسمه قيل: اسمه مالك بن حبيب، وقيل اسمه كنيته. أسلم حين أسلمت ثقيف وسمع من النبي - ﷺ - وحدَّث عنه. كان شجاعًا شاعرًا إلا أنه كان منهمكًا في شرب الخمر، وجُلد فيها مرتان، وقد تاب من ذلك بعد أن شارك في حرب القادسية ورجع من الحرب قال: والله لا أشربها أبدًا، فلم يقربها بعد. [الإصابة (٤/ ١٧٥)؛ أسد الغابة (٦/ ٢٧٦) " الاستيعاب (٤/ ١٨٢)].
(٢) في جميع المصادر (فادفني).
(٣) ما بين [] من المصادر.
(٤) البيت لأبي محجن الثقفي في ديوانه ص ٤٨. وانظر: الطبري في تفسيره (٢/ ٤٦١)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٧٤٩ - ١٧٥٠)، والحموي في "معجم البلدان" (٢/ ٢٦٣)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢٦٣؛ ٣/ ٥٧)، وابن حجر في الإصابة (٧/ ٣٦٤) وكتاب العين (٥/ ٣٦٩).
(٥) في "أ" "ب" "ي": (كالمشبه).
(٦) سورة آل عمران: ٥٩.
(٧) سورة الفرقان: ٤٤.
(٨) سورة يس: ٣٩.
(٩) في "ي" الأصل: (تسبه).
(١٠) البيت للنابغة الذبياني كما في ديوانه ص ٢٤٠ وتفسير القرطبي (٢/ ٢٧٢)، لسان العرب "علك" (١٠/ ٤٧٠)، وتهذيب اللغة (١/ ٣١٣)، والجمهرة ص ٨٩٩، وكتاب العين (١/ ٢٠٢).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وعن المسكون في البيت يقال: صامت الريح إذا أسكنت، وعن السكوت قال الله تعالى حكايته عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١) وفي الشرع عبارة عن الإمساك عن المفطرات مع النيَّة ﴿أَيَّامًا﴾ نصب على الظرفِ (٢) والمراد بها التقليل أو حسم توهم الساعات والدقائق كما توهم اليهود والنصارى دون عدد معين لا يزيد ولا ينقص.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ يضرُّه الصوم أو مسافرًا فأفطر فعليه صوم أيام معدودة ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ وأُخر جمع أخرى، مثل أُول جمع أولى، ولم يصرف لعدولهما (٣) في البناء للتأنيث (٤)، وأما القضاء فقد روي عن ابن عباس (٥) ومعا ذ (٦) (٧)
_________________
(١) سورة مريم: ٢٦.
(٢) قوله ﴿أَيَّامًا﴾ في نصبه أربعة أوجه إعرابية، ذكر المؤلف الوجه الأول على أنه ظرف زمان منصوب على الظرفية، والعامل فيه مقدر أي: صوموا أيامًا. الوجه الثاني: أنه منصوب على أنه مفعول به، والعامل فيه مقدر على نفس التقدير السابق. الوجه الثالث: أنه منصوب بالصيام على أن تقدر الكاف نعتا لمصدر من الصيام، والتقدير: الصيام صوما كما كتب. وهذا الوجه ضعيف كما قال السمين الحلبي. الوجه الرابع: أن ينتصب بـ "كُتِبَ" على أنه ظرف أو مفعول به، وهو قول الفراء وأبي البقاء. [معاني القرآن للفراء (١/ ١١٢) - الإملاء (١/ ٨٠) - الدر المصون (٢/ ٢٦٨)].
(٣) في الأصل: (لعدولهما).
(٤) في الأصل: (والتأنيث).
(٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٤٣)؛ وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٣)، والبغوي في مسائل أحمد (٩٧)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٢) وسنده صحيح.
(٦) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا عبد الرحمن، شهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبد الله بن مسعود. شهد بدرًا أو المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - أردفه رسول الله - ﷺ - خلفه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، أرسله قاضيًا يعلم الناس القرآن وشرائع الإِسلام ويقضي بينهم، ومات - ﵁ - بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل: كان عمره أقل من هذا. [الاستيعاب (٣/ ١٤٠٢)؛ صفوة الصفوة (١/ ٤٨٩)؛ معجم الصحابة (٣/ ٢٤)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ٥٨٣)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٣)؛ الإصابة (٦/ ١٣٦)].
(٧) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، والبغوي في مسائل أحمد (٩٢)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٨).
[ ١ / ٣٤٤ ]
وأنس (١) وأبي هريرة (٢) (٣) ورافع بن خديج (٤) (٥) وأبي عبيدة (٦) أنه لا بأس بالتفريق، وعن علي (٧) وابن عمر (٨) أنَّ التتابع أفضل.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال سلمة بن الأكوع (٩) (١٠)
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٢)، والبغوي في مسائل أحمد (٩٣)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٥٨).
(٢) أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني. اختلف في اسمه واسم أبيه، وهو سيد الحفاظ الأثبات، حمل عن النبي علمًا كثيرا طيبًا لم يبلغه أحد مثله، وكان يدعوه النبي - ﷺ - فيقول: "أبا هِرِّ". وصحب النبي أربع سنين. قال أبو هريرة: لقد رأيتُني أصرع بين القبر والمنبر من الجوع حتى يقولوا: مجنون. وأخباره يطول ذكرها. [طبقات ابن سعد (٢/ ٣٦٢)؛ الاستيعاب (٤/ ١٧٦٨)؛ حلية الأولياء (١/ ٣٧٦)؛ أسد الغابة (٦/ ٣١٨)، السير (٥٧٨)].
(٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٤٣)، والبغوي في مسائل أحمد (٩٠)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٨).
(٤) رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الخزرجي المدني صاحب رسول الله - ﷺ - شهد أحد والمشاهد وأصابه سهم يوم أحد فانتزعه فبقي النصل في لحمه إلى أن مات. وكان ممن يفتي بالمدينة زمن معاوية، وكان صحراويًا عالمًا بالمزارعة والمساقاة. توفي سنة أربع وسبعين وله ست وثمانون سنة - ﵁ -. [التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٩) " الاستيعاب (٤٧٩)؛ أسد الغابة (١/ ١٥١)؛ البداية والنهاية (٣١٩)؛ شذرات الذهب (١/ ٨٢)].
(٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٣)، والبغوي في مسائل أحمد (٩١)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٨).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٤)، والبغوي في مسائل أحمد (٩٦)، والدارقطني (٢/ ١٩٢)، والبيهقي في سننه الكبرى (٤/ ٢٥٨).
(٧) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٤٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٤)، والبيهقي في سننه (٤/ ٢٥٨).
(٨) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٤٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٤)، والبغوي في مسائل أحمد (٩٧)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٢).
(٩) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع سنان بن عبد الله، أبو عامر وأبو مسلم، ويقال: أبو إياس الأسلمي الحجازي المدني، قيل أنه شهد مؤتة، وهو من أهل بيعة الرضوان، كان من أشدِّ الناس بأسًا وأشجعهم قلبا وأقواهم راجلًا، أعطاه رسول الله - ﷺ - في غزوة ذات قرد سهم الراجل والفارس معًا، سكن بالربذة، وتوفي بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ئمانين سنة. [تقريب التهذيب (٢٤٨)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ١٣٣)؛ الاستيعاب (٢/ ٦٣٩)؛ رجال مسلم (١/ ٢٧٦)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٢٦)].
(١٠) رواه البخاري (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥)، وأبو داود (٢٣١٥)، والترمذي (٧٩٨)، والطبري في تفسيره (١٦٦١٣).
[ ١ / ٣٤٥ ]
والشعبي (١): لما نزلت الآية كان الغني يفطر ويفدي فنسختها قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يلزمونه (٢)، وعن سعيد بن جبير عنه (٣): الذين يجشمونه (٤) ولا يطيقونه الكبير والمريض وصاحب العطاش والحبلى (٥) والمراضع هؤلاء لهم طاقة مع المشقة، فلذلك لزمهم، فأما من لا طاقة له أصلًا فغير داخل فيه (٦) ويسقط القضاء عن المريض الذي لا يشفى في المستأنف، والفدية تجب على الشيخ الهرم والمريض برأ ثم مات وأوصى ومقدارها نصف صاع من برٍّ أو ما هو منه أو صاع من تمر أو صاع من شعير ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أراد في الصوم بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وعن ابن عباس الزيادة في الإطعام (٧). ﴿شَهْرُ﴾ اسم جنس من حين يطلع الهلال إلى مثله، فأوله ليل وآخره نهار، وجمعه أشهر وشهور مشتقٌّ من الشهرة، و﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ هو الذي بين شعبان وشوال و﴿شَهْرُ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقيل: خبر مبتدأ محذوف وتقديره هي شهر رمضان، أي الأيام المعدودات (٨)، وكان
_________________
(١) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٧٨) لعبد بن حميد وابن المنذر. وذكره ابن الجوزي في ناسخه ص ١٧٣، وأورد ابن حجر العسقلاني سند عبد بن حميد في كتابه "العجاب" (١/ ٤٣٢).
(٢) الصحيح (يكفلونه). وهي تفسير وليست قراءة، ذكرها ابن جرير (٢/ ١٣٨).
(٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٦٨)، وعزاه صاحب "الدر المنثور" (١/ ١٧٨) لابن الأنباري إضافة لابن جرير.
(٤) في "ي" "أ": (يحشمونه) بالحاء.
(٥) في الأصل: (الحبل).
(٦) (فيه) من "أ" "ب" "ي".
(٧) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٤٢).
(٨) قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فيه قراءتان. القراءة المشهورة الرفع، وأما النصب فهي قراءة مجاهد وهارون الأعور، فعلى القراءة الأولى يكون فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إما أن يكون "شهر رمضان" مبتدأ وخبره "الذي أنزل فيه القرآن" أو يكون الخبر "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، والفاء زائدة على رأي الأخفش. الوجه الثاني: أن يكون خبرأ لمبتدأ محذوف وقدره الفراء: ذلكم شهر رمضان، وقدره الأخفش: المكتوب شهر. =
[ ١ / ٣٤٦ ]
مجاهد (١) يتوهم أن رمضان من أسماء الله لاحتمال كونه اسمًا لفاعل الرمضا أو الرمض أو الرميض من حيث أنه معدول، والرمضا الرمل الحارُّ المحترق، والرمض من فعل الطبائع، والرميض الحادّ بالدال، يقال: رمضت الفصال إذا بركت من شِدَّة حرِّ الرمضا، ويقال: سكتتين رميض، ولم يصرف رمضان للعدول والشهرة (٢).
﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ افتتاح الإنزال فيه، حيث كان يتحنث فيه
رسول الله - ﷺ - (٣) في حراء، وعن ابن عباس أنَّ القرآن كلَّه أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضالن، ثم أنزل نجومًا (٤) في ثلاث وعشرين سنة (٥).
_________________
(١) =والوجه الثالث: أن يكون بدلًا من قوله: "الصيام " أي كتب عليكم شهر رمضان، وهو قول الكسائي. وعلى قراءة النصب: فإما أن يكون منصوبًا بإضمار فعل التقدير: صوموا شهر رمضان، أو يكون بدلًا من قوله: "أيامًا معدودات"، أو منصوب على الإغراء كما ذكره أبو عبيدة والحوفى. [معاني القرآن للفراء (١/ ١١٢) - معاني القرآن للأخفش (١/ ١٥٩) - البحر المحيط (٢/ ٣٩) - ابن عطية (١/ ٥١٥) - الكشاف (١/ ٣٣٦)].
(٢) رواه ابن جرير (٢/ ١٤٤)، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣١٠) بدون سند، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٨٣) لوكيع، وروي كذلك عن محمَّد بن كعب القرظي وسعيد بن أبي هريرة قريبًا منه.
(٣) في سبب تسميته ب "رمضان" أربعة أقوال: القول الأول: أنه وافق مجيئه في الرمضاء، وهي شدة الحر، فسمي بذلك. القول الثاني: قيل لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها أي يمحوها. القول الثالث: قيل: لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة. القول الرابع: قيل: هو من قولهم: رمضتُ النصلَ إذا دققته بين حجرين ليرقَّ. وكان اسمه في الجاهلية "ناتقًا" ومنه قول المفضَّل: وفي ناتقٍ أجْلَتْ لدى حومةِ الوغى وولَّت على الأدبار فرسان خُثْعَمَا وهو مصدر رَمِضَ إذا احترق من الرمضاء كما قال الزمخشري. [الكشاف (١/ ٣٣٦) - البحر المحيط (٢/ ٢٦) - الدر المصون (٢/ ٢٨٠)].
(٤) (ﷺ) من "ب" "أ".
(٥) في "أ": (أنجومًا).
(٦) أثر ابن عباس - ﵄ - أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ١٩٠) وابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/ ٥٣٣)؛ وأبو عبيد في الفضائل ص ٢٢٢، والنسائي في السنن الكبرى (٧٩٩٠) وغيرهم.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وعنه -﵇- (١) "أن جبريل -﵇- كان يعارضه بالقرآن في شهر رمضان كل سنة مرة وعارضه عام وفاته مرتين" (٢). وتلك المعارضة نوع إنزال أيضًا لإفادة الأحرف السبعة، والقرآن اسم من القراءة وهو في الأصل مصدر كالرجحان والخسران (٣)، وقد اختصَّ بالمنزل على نبينا﵇- (٤) وإنْ كان مشتقًا كاختصاص اسم الرحمن باللهِ (٥)، و﴿الْقُرْآنُ﴾ في اللغة الضم والجمع، قال:
ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا (٦)
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ الحكم الفاصل، ولذلك عطفه على ﴿الْهُدَى﴾، وعن النبي - ﷺ - "أنه خرج عام الفتح صائمًا في شهر رمضان، فلما بلغ الكديد أفطر وأمر بالإفطار" (٧) واسم السفر في اللغة يشمل أيّ (٨) خروج من الوطن ولو مدَّة ساعة إذ (٩) اشتقاقه من سفارة السفير أو الإسفار وهو الظهور، وفي الشرع مختصٌّ بمدة ثلاثة أيَّام، والمراد بالإرادة رفع مشيئة الآخر وهي أخصّ في المرادات من المشيئة وهي تستعمل بمعنى المشيئة
_________________
(١) في "ب": (ﷺ) وفي "ي": (عليه) بدون السلام.
(٢) رواه مسلم (٢٤٥٠).
(٣) القرآن: مصدر "قرأت" ثم صار علمًا لما بين الدفتين، والدليل على أنه مصدر في الأصل قول حسان في عثمان - ﵄ -: ضَحَّوا بأشمط عنوانُ السجودِ بهِ يُقَطَّعُ الليلَ تسبيحًا وقُرآنا وقيل: هو مشتقٌّ من قَرَيْتُ الماءَ في الحَوضِ أي جَمَعْتُهُ. [البحر (٢/ ٤٠) - ديوان حسان ص ٤٦٩ - الدر المصون (٢/ ٤٦٩)].
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في الأصل "ب": (من الله).
(٦) البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته. انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني ص ١٢٩، وانظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢٧١)، ولسان العرب (١/ ١٢٤). والعيطل: الطويل العنق من النوق. والأدماء: البيض منها.
(٧) رواه البخاري (١٨٤٢، ٢٧٩٤، ٤٠٢٦)، ومسلم (١١١٣).
(٨) في "ب": (إلي).
(٩) في "ي" "أ": (إذا).
[ ١ / ٣٤٨ ]
والمحبَّة والطلب، و﴿الْعُسْرَ﴾ ما يتعسَّر ويشقّ، و﴿الْيُسْرَ﴾ نقيضه، ولذلك يقال للعامل بيمينه أيسر، وللعامل بيساره أعسر.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عدة (١) شهر رمضان إن كانت ثلاثين فثلاثين وإن كانت تسعًا وعشرين فتسعًا وعشرين، ويحتمل أنَّ المراد به الثلاثين عند الاشتباه (٢)، ويحتمل عدة القضاء في الحالة الثانية، والواو فيه للعطف على معنى اليسر المراد، فكأنه قال: يريد الله لييسر عليكم ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (٣) ويحتمل أن تكون لام كي بمعنى (٤) أنَّ التقدير: يريد الله أن ييسِّر عليكم وأن تكملوا العدة، وكما قال: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) أي أن نسلم ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أراد اعتقاد تعظيم الله في الجملة، وقيل: تكبير يوم الفطر، وذلك سُنَّة أشار إليها القرآن من غير أمر بها.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ نزلت في المؤمنين حيث قالوا: "قريبٌ ربُّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ " (٦) وإنما سألوا هذا لا لأنهم لم يعلموا أنَّ ربَّهم
_________________
(١) (عدة) ليست في "أ".
(٢) في الأصل: (الأشباه).
(٣) سورة النساء: ٢٦.
(٤) في هذه اللام في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها زائدة في المفعول به، كقولك: ضربتُ لزيدٍ، و"أنْ" مقدرة بعدها، التقدير: ويريد أن تكمِلُوا العدة، أي: تكميل، فهو معطوف على اليُسر كقول كثير: أريد لأنسى حُبَّهَا فكأنَّما تَمَثَّلُ لي ليلى بكلِّ طريقِ وهذا قول الزمخشري وابن عطية وأبي البقاء. القول الثاني: أنها لام التعليل وليست زائدة. القول الثالث: أنها لام الأمر وتكون الواو قد عطفت جملة أمرية على جملة خبرية. [الكشاف (١/ ٣٣٧) - الإملاء (١/ ٨٢) - ابن عطية (١/ ٥١٨) معاني القرآن للفراء (١/ ١١٤)].
(٥) سورة الأنعام: ٧١.
(٦) أورد هذا الطبري في تفسيره (٣/ ٢٢٢) وهو أحد القولين في سبب نزول الآية، وهو أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أقريبٌ ربُّنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه؟ فنزلت هذه الآية. والسبب الثاني في نزول الأية أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله كيف ندعوه ومتى ندعوه؟ فنزلت الآية. =
[ ١ / ٣٤٩ ]
علىِّ متعالٍ عن الحسِّ وقريبٌ (١) متعالٍ عن أن تحجزه مسافة، ولكن ليعلموا أنهم متعبدون برفع الصوت إشارة إلى علوِّه أم متعبدون بخفضِهِ إشارة إلى دنوِّه، وهما صفتان له بلا كيف، فتعبُّدهم بخفض الصوت تيسيرًا لهم لئلا يجهدوا أنفسهم وتفضُّلًا عليهم وإكرامًا إياهم بذكر مزيَّة منهم كما قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ واتصالها بما قبلها من حيث التكبير والشكر، وقيل: نزلت فيمن واقع أهله ليلة الصيام قبل الرخصة أو أكل بعد النوم قبل الرخصة ثم أراد الاستغفار، وتقديره: أخبرهم عن قربي فإني قريبٌ ﴿أُجِيبُ﴾ أنفذ الدعوة وأجيز، وذلك يكون بالقول والفعل جميعًا ونقيضه الإعراض، فأما الردّ فإنه نوع إجابة حقيقية أو مجازًا، والإجابة بمعنى الاستجابة كالإبشار والاستبشار، والجواب مشتقٌّ من الإجابة أو اسم موضوع اشتق من الإجابة، واجابة الله إيانا هي قبول دعوتنا، واجابتنا إياه قبول أمره و(الرشد) كالاهتداء نقيضه الغيّ.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ قال (٢) معاذ بن جبل (٣): قدم النبي -﵇- (٤) المدينة فصام من كلِّ شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء حتى نزلت قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا أنزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ففرضه الله تعالى وأثبت صيامه على الصحيح المقيم، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبت إطعام الشيخ والذي لا يستطيع صيامَه فكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء واذا ناموا امتنعوا عن ذلك، فجاء رجل يقال له صرمة قد
_________________
(١) = [انظر: تفسير البغوي (١/ ٥٩) - الدر المنثور (١/ ١٩٤) - المحرر الوجيز (١/ ٥١٨) - أسباب النزول للسيوطي ص ٦٥].
(٢) في "ب": (الحس في قريب) وهو خطأ.
(٣) (إن) ليست في "أ" "ب".
(٤) رواه أبو داود (١/ ١٤٠)، وأحمد (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، والطبري (٣/ ٢٣٤)، وابن أبي حاتم (١٦٧٣)، والحاكم (٢/ ٢٧٤). وفيه المسعودي صدوق لكنه اختلط. وانظر: العجاب (١/ ٤٢٩).
(٥) في "ب": (ﷺ).
[ ١ / ٣٥٠ ]
ظلَّ يومه يعمل فجاء صلاة العشاء فوضع رأسه فنام قبل أن يطعم فأصبح صائمًا (١)، فرآهُ النبي ﵇ (٢) من آخر النهار وقد أجود فقال: "إني أراك قد أجهدت" فقال: يا رسول الله، ظللتُ يومي أعمل فجئتُ صلاة العشاء فنمتُ قبل أن أطعم (٣)، وجاءه عمر بن الخطاب وقد أصاب من النساء فنزلت الآية (٤).
قال ابن عرفة: الرفث الجماع ههنا (٥)، والرفث بالتصريح بذكر الجماع، وقال الأزهري (٦): كلمة جامعة لكلِّ ما يريده الرجل من المرأة، وإنما عدَّاه بـ"إلى" اعتبارًا بالمعنى وهو الإفضاء، وكل شيء ستر شيئًا فهو لباس له، وقال ابن عرفة: اللباس من الملابسة وهي الاختلاط والاجتماع، وأنشده:
إذا ما الضجيعُ ثنى عطفه تثنَّت فكانت عليه لباسا (٧)
﴿تَخْتَانُونَ﴾ افتعال من إلى خيانة وهي النقص، والمراد: نقصهم أنفسهم الثواب والفضل حين ترخصوا بما لم يرخصه الله تعالى بعد قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ على الوجوب في الظاهر، إلا أنا صرفناه إلى الإباحة وكذلك قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ والمباشرة إمساس البشرة البشرة (٨) والمراد بها الرفث، و(الابتغاء)
_________________
(١) في الأصل: (نائمًا).
(٢) في "ب": (ﷺ).
(٣) الواحدي في "أسباب النزول" (٤٥). وذكره الحافظ ابن حجر في "العجاب" ص ٢٦٠ وقال: هذا الحديث مع إرساله ضعيف السند من أجل إسحاق بن أبي فروة، ولولا أني التزمت أن أستوعب ما أورده الواحدي لاستغنيتُ عن هذا. وقد ذكر المؤلف أن اسمه صرمة، وقيل: إن اسمه قيس بن صرمة الأنصاري كما عند الطبري في تفسيره (٣/ ٢٣٥).
(٤) رواه أحمد (٢/ ٢٢٨ - ٥٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٧٧).
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (٢/ ٣١٥)، وهو مرويٌّ عن ابن عباس - ﵄ - قال: الرفث الجماع، أخرجه الطبري (٣/ ٢٢٩).
(٦) كما في تهذيب اللغة "رفث" (١٥/ ٧٧).
(٧) البيت للنابغة الجعدي كما في ديوانه ص ٨١، وعند القرطبي (٢/ ٣٤١) بلفظ: إذا ما الضجيعُ ثنى جيدها تثنَّت عليه فكانت لباسا
(٨) (البشرة) الثانية من "ب" "ي".
[ ١ / ٣٥١ ]
الطلب، و﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هو الخير مثل إباحة الاستمتاع والأكل والشرب، ومثل الولد، ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ بياض الثاني ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ سواد الليل شبههما بخيطين لامتدادهما، وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ للتفسير، وهذه الآية تدلُّ على جواز صوم الجنب؛ لأنَّ المجامعة إذا وقعت في آخر الليل فلا بدَّ من أن يقع الغسل بعد الفجر، ويدُّل على جواز الاعتكاف في كلِّ مسجد يؤذن فيه، قال علي: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة (١)، وإليه ذهبت عائشة (٢) وابن مسعود (٣)، ولا اعتكاف إلا بصوم له أو لغيره، وإليه ذهب علي (٤) وعائشة (٥) وابن عمر (٦) ومجاهد وأبو فاختة (٧) (٨) عن ابن عباس (٩).
و(الحد) في اللغة بمعنى الحجب والمنع، قال الشاعر (١٠):
_________________
(١) أثر علي بن أبي طالب - ﵁ - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٣٤٦) بسند صحيح.
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٣٥٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٣٣٤)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١٠/ ٣٤٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٣٤٨)، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢/ ١٤٩)، وسعيد بن منصور في سننه نقلًا عن "الفروع" لابن مفلح (٣/ ١٥٢)، وابن حزم في المحلى (٥/ ١٩٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣١٦).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٣٣٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٦) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٣٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣١٨)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١٠/ ٣٤٦) وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٢٢).
(٧) أبو فاختة سعيد بن علاقة والد ثوير بن أبي فاختة مولى أم هانئ، روى عن علي وأم هانئ وابن مسعود وغيرهم. وهو مشهور بكنيته، قال ابن حجر: ثقة مات في حدود السبعين. [تاريخ ابن عساكر (٦/ ١٦٨)؛ الجرح والتعديل (٢/ ٥١)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ٧٠)؛ الاستغناء لابن عبد البر (٢/ ٨٨٧)].
(٨) في الأصل: (فاختة).
(٩) أما عن طريق أبي فاختة (سعيد بن علاقة) فرواه البيهقي في سننه الكبرى (٤/ ٣١٧ - ٣١٨)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١٠/ ٣٤٨، ٣٤٩). أما عن مجاهد فلم أجده، ووجدته من طريق: - عطاء عن ابن عباس كما عند البيهقي (٤/ ٣١٨). - عمرو بن دينار عن ابن عباس كما عند البيهقي (٤/ ٣٢٨). - مقسم عن ابن عباس كما عند عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ١٩٩)، والحاكم (١/ ٦٠٥ - ٦٠٦).
(١٠) البيت لزيد بن عمرو بن نفيل وهو في لسان العرب "حدد" (٣/ ١٤٣)، =
[ ١ / ٣٥٢ ]
لا تعبدون إلهًا غير خالِقِكم فإن دُعيتم فقولوا دونَه حدَدُ
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ نزلت فيمن لأخيه عليه مال ولا بينة له عليه (١)، وقيل: في امرؤ القيس بن عابس (٢) (٣) الكندي خاصمه عبدان بن ربيعة (٤) (٥) الحضرمي في أرض فاختصما إلى النبي -﵇- (٦) وأراد الكندي أن يحلف فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ (٧) اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فأبى
_________________
(١) = والتنبيهه والإيضاح (٢/ ١٧) - وتاج العروس "حدد" (٨/ ٧)، وتهذيب اللغة "حدد" (٣/ ٤٢٢).
(٢) وسبب النزول هذا مرويُّ عن ابن عباس -﵄ - أخرجه الطبري (٣/ ٢٧٧) وابن أبي حاتم (١/ ٣٢١).
(٣) امرؤ القيس بن عابس بن المنذر الكندي. وهو ممن ثبت على الإسلام في عهد النبي - ﷺ - بعد أن ارتدَّ كثير من قومه، وهو معدود في الصحابة -﵃ -. سكن الكوفة وله قصيدة يحرِّض فيها قومه على الثبات على الإسلام، ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة. [الإصابة (١/ ١٠٠)؛ أسد الغابة (١/ ١٣٧)؛ معجم الصحابة للبغوي (١/ ٢٣٩)؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢/ ٤٣٨)].
(٤) في جميع النسخ: (عايش) وهو خطأ، والتصليح من المصادر.
(٥) لم أجد ترجمة لهذا الاسم، وإنما وجدتُ للاسم الذي ذكره ابن حجر، حيث ذكر أن القصة التي كانت بين امرئ القيس بن عابس الكندي وبين آخر أنه هو: عيدان بن أشوع الحضرمي. [انظر الإصابة (٤/ ٧٦٠)]. وورد في صحيح مسلم حديث الاختصام هذا (١٣٩) أنه حصل بين امرئ القيس بن عابس الكندي وبين ربيعة بن عبدان، وذُكر أيضًا أنه ربيعة بن عيدان وهو ابن ذي العرف بن وائل بن ذي طواف الحضرمي ويقال: الكندي. [انظر: الإصابة (٢/ ٤٧١)]. قال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٤٧١): قال أبو سعيد بن يونس: شهد ربيعة بن عيدان بن ربيعة الأكبر بن عيدان الأكبر بن مالك بن زيد بن ربيعة الحضرمي فتح مصر وله صحبة، وليست له رواية نعلمها، وسيأتي له ذكر في عيدان بن أشوع.
(٦) في "العجاب" لابن حجر العسقلاني ص ٢٦٦ قال: (نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي وفي عيدان بن أشوع الحضرمي، وذلك لأنهما احتكما إلى النبي - ﷺ - في أرض، فكان امرؤ القيس المطلوب وعيدان الطالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية فحكم عيدان في أرضه ولم يخاصمه) ولذا فإن في جميع النسخ عيدان بن أشوع الحضرمي وليس كما ذكره المؤلف - ابن ربيعة-. [انظر: أسباب النزول للواحدي ص ٥٣ - القرطبي (٢/ ٣٣٥) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٢١) - الخازن (١/ ١١٩)].
(٧) في "ب": (ﷺ).
(٨) في الأصل "ب": (عهد) وهو خطأ.
[ ١ / ٣٥٣ ]
أن يحلف فحكم عبدان في أرضه (١)، وعن ابن عباس والحسن وقتادة: نزلت في الوديعة تكون عند رجل ولا بينة عليه بالباطل بالكسب الباطل كالغصب (٢) ونحوه، والواو عند البصريين للجمع وعند الكوفيين للصرف (٣)، قال:
لاتنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ عارٌ عليكَ إذافعلتَ عظيمُ (٤)
﴿بِهَا﴾ أي بالحجة، يقال: أدلى بحجته، ويقال: (بالأموال) أي الرشوة، أي: لا تتوسلوا ﴿بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ وفي حديث عمر حيث استسقى وقد دلونا به إليك توسلنا بالعباس (٥) قدس الله روحه (٦)، وأصل
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٩٤)، والقرطبي (٢/ ٣٣٨).
(٢) أما عن ابن عباس فرواه الطبري في تفسيره (٣/ ٢٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٣١) بدون سند.
(٣) أي الواو في ﴿وَتُدْلُو﴾ وعلى هذا يتخرج ثلاثة أوجه إعرابية فيها: الوجه الأول: أنه مجزوم عطفًا على ما قبلهويؤيده قراءة أُبَيّ: ﴿ولا تدلوا﴾ بإعادة لا الناهية. الوجه الثاني: أنه منصوب على الصرف وهو مذهب الكوفيين. الوجه الثالث: أنه منصوب بإضمار "أنْ" في جواب النهي، وهذا مذهب الأخفش وجوَّزه ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء. [البحر (٢/ ٥٦) - ابن عطية (١/ ٥٣٠) - معانى القرآن للأخفش (١/ ١٦٠) - الكشاف (١/ ٣٤٠) - الإملاء (١/ ٨٤)].
(٤) البيت مختلف في نسبته، فهو منسوب للطرماح كما عند ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٢٤/ ٤٦٧). وكذا هو منسوب لابن السماك الواعظ كما في ابن عساكر (٣٤/ ١٥٩) وقال صاحب "الخزانة" (٨/ ٥٦٤) أنه لأبي الأسود الدؤلي، ونسبه سيبويه في "الكتاب" (٣/ ٤٢) للأخطل، ونسبه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" ص ٢٧٣ للمتوكل الليثي. وعزاه الحموي في "معجم البلدان" (٥/ ٥٥) للمتوكل الليثي.
(٥) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي - صلى الله عليهوسلم -، يكنى أبا الفضل، يقال أنه أسلم قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حنينًا والطائف وتبوك، وكان العباس أجود قريش كفًا وأوصلها رحمًا، ذا رأي حسن ودعوة مرجوة. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان بسنتين، فصلَّى عليه عثمان ودُفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: أكثر. [الاستيعاب (٢/ ٨١٠)؛ تقريب التهذيب (٢٩٣)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ١٠٧)؛ الإصابة (٣/ ٦٣١)].
(٦) التقديس يطلق في اللغة على معنيين، ففي حق الله أطلق وكان بمعنى التنزيه، =
[ ١ / ٣٥٤ ]
الإدلاء إرسال الدلو و﴿الْحُكَّامِ﴾ جمع حاكم مثل شاطر وشطار، والحاكم الذي يمنع الخصمين بقضائه (١) عن التعدِّي، والحكما القضاء الحتم.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ نزلت في معاذ بن جبل وأمثاله (٢) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ
_________________
(١) = فقولك تقدَّس الله أي تنزَّه، فتقديس الله تنزيهه كما قاله الخليل بن أحمد الفرِاهيدي، ومنه سمي الله بالقدُّوس كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ﴾ [الحَشر: ٢٣]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البَقرَة: ٣٠] أي ننزِّهك عما لا يليق بك. وتطلق ويراد بها التطهير وهو قريب من المعنى الأول وربما عُبِّر بأحدهما عن الآخر في معاجم اللغة. أما في حق المخلوق فالذي يظهر أنه لا بأس بها فيجوز إطلاقها وهي تطلق عادة على الميت فيقال: "قدَّس الله روحه" أي طهرها من أدران الكفر والشرك والمعاصي، وابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما يستعملون هذه العبارة في كتبهم، وسمعت شيخي العلامة محمَّد بن صالح العثيمين ﵀ يقول: إنها عبارة صحيحة لا بأس بها، وهي دعاء للميت. ولذا قال ابن فارس في مقاييس اللغة: هو من الكلام الشرعي الإسلامي، وهو يدلُّ على الطهر، ومنه الأرض المقدَّسة أي المطهَّرة. ومنه قول امرئ القيس: فَأدْرَكْنَهُ يأْخُذْنَ بالساقِ والنسا كما شَبْرَقَ الولدانُ ثوبَ المُقَدَّسِ [معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ٦٣)؛ كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (٥/ ٧٣)؛ المعجم الوسيط (١/ ٧١٩)؛ لسان العرب (ق د س) (١٢/ ٤٠)]. الرواية ثابتة ولكن بهذا اللفظ ذكرها ابن قتيبة في "مختلف الحديث" (٢٥٣)، وعنه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٢٦/ ٣٦٣). وانظر: "العجاب" لابن حجر (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
(٢) في الأصل: (لقضائه).
(٣) ذكره الزمخشري في تفسيره (١/ ٣٤٠)، والرازي في تفسيره (٥/ ١٢٩)، والقرطبي (٢/ ٣٤١)، والأثر أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١/ ٢٥) من طريق محمَّد بن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس وذكر معاذ بن جبل وثعلبة بن عَنَمَة وهذا سند تالف، ضعفه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٠٣)، والمناوي في "الفتح السماوي" (١/ ٢٣٢) وقال: سنده واهٍ. وعزاه السيوطي في "اللباب" (٣٥) لأبي نعيم، وضعف إسناده الحافظ في "العجاب" ص ٢٦٨، ولفظه أن معاذ بن جبل وثعلبة بن عَنَمَة وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويدقّ حتى يعود كما كان على واحد؟ فنزلت هذه الآية. قال الحافظ ابن حجر: لم أرَ له سندًا إلى معاذ.
[ ١ / ٣٥٥ ]
اَلْأَهِلَّةِ﴾ هكذا روي عن ابن عباس وقتادة والربيع (١) فبيَّن الله لهم وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه (٢)، وهو أن يشترك الناس كلهم في معرفة مواقيتهم التي هي لمعاملاتهم وحجهم وصومهم وذكاتهم من غير استخراج بحساب دقيق مخوف عليه من غلط فاحش، و﴿الْأَهِلَّةِ﴾ جمع هلال كالإمام والأئمة، قال الزجاج (٣): الهلال يكون ليلتين من أول الشهر، وقيل: ثلاث ليال، وقال الأصمعي (٤) (٥): ما لم يتحجر أي بخيط مستدير، وقيل: ما لم يَبْهَرُ بالليل ثم يصير قمرًا، و(المواقيت) جمع ميقات كميزان وموازين، والميقات هو الوقت من زمان أو مكان، والواو في قوله ﴿وَالْحَجِّ﴾ إن كان للعطف فالأهلة كلها مواقيت (٦) للحج وإن كانت
_________________
(١) أما عن قتادة فليس فيه التصريح بمن سأل، فهو عند الطبري (٣/ ٢٨٠). وأما عن الربيع بن أنس فهو عند الطبري (٣/ ٢٨٠).
(٢) في الأصل: (وانقضائه).
(٣) ذكره الزجاج في معاني القرآن (١/ ٢٥٩).
(٤) عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أبو سعيد الأصمعي البصري اللغوي الأخباري. ولد سنة بضع وعشرين ومائة. وقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على الأصمعي في السُّنَّة، قال عمر بن شبَّة: سمعتُ الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، وقال الشافعي: ما عَبَّرَ أحدٌ من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وقال الذهبي: كتب الأصمعي شيئًا لا يحصى عن العرب، وكان ذا حفظ وذكاء ولطف فساد. توفي سنة خمس عشرة ومائتين. [تاريخ ابن معين (٣٧٤)؛ طبقات النحويين للزبيدي (١٦٧)؛ تاريخ بغداد (١٠/ ٤١٠)؛ إنباه الرواة (١٩٧٢)؛ السير (١٠/ ١٧٥)].
(٥) قول الأصمعي عند ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٩٦)، والقرطبي (٢/ ٣٤١)، ومعاني القرآن للزجاج (١/ ٢٥٩).
(٦) يتعين- والله أعلم- في قوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ أن يكون عطفًا على (الناس) ويكون التقدير: ومواقيتُ الحَجِّ، فحذف الثاني اكتفاءً بالأول. وقوله: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ ليس المعنى لذوات الناس بل لا بدَّ من مضاف، أي: مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت فهو في الحقيقة ليس معطوفًا على الناس، بل على المضاف المحذوف الذي ناب (الناس) منابه في الإعراب. [الدر المصون (٢/ ٣٠٤) - البحر المحيط (٢/ ٦٢)].
[ ١ / ٣٥٦ ]
للاشتراك فستة أشهر مواقيت الحج لا محالة أشهر الحج وثلاثة قبلها لأن إطلاق الشركة تقتضي المساواة.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ نزلت في غير الحمس (١) والحمس قريش ومن ولدته قريش (٢) وكنانة وجديلة قيس (٣)، فغير الحُمس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم إلا أن يتسوروا أو ينقبوا ظهور الأخبية، وكانوا لا يسكنون تحت سقف ويفيضون من عرفات فدخل النبي -﵇- (٤) في بعض إحرامِهِ من باب بستان قد خرب وتبعه رجل من غير الحمس فأنكر النبي -﵇- (٥) تركه نسكه برأيه من غير شرع لئلا يؤدي ذلك إلى ترك الإفاضة مِن عرفات فاحتج الرجل لدخوله بدخوله ﵊ (٦) على طريقة من يرى الأمر حقيقة في الفعل كما في القول، فردَّ عليه النبي ﵊ (٧) قوله: "أنا أحمسي" (٨)،
_________________
(١) قيل في سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري في صحيحه (٣/ ٦٢١)، ومسلم (٤/ ٢٣١٩)، والنسائي (٢/ ٤٧٩) وغيرهم عن البراء قال: كانت الأنصار إذا حجّوا فجاؤوا، لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت هذه الآية. وهناك سبب آخر في نزول الآية أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٣٢٣)، والحاكم في مستدركه (١/ ٤٨٣) وهو على شرط مسلم لكن أعِلَّ بالإرسال كما قال الحافظ في العجاب ص ٢٧١ من حديث جابر قال: "كانت قريش تدعى الحُمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام " الحديث.
(٢) (ومن ولدته قريش) من "أ" "ي".
(٣) المعروف أن الحُمس أطلقت على قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية. انظر: القرطبي (٢/ ٣٤٥)، والعجاب لابن حجر (١/ ٤٥٧).
(٤) في "ب": (الصلاة) بدل (السلام).
(٥) في "ب": (صلى الله عليهوسلم) بدل (السلام).
(٦) المثبت من "ب" وفي "أ" الأصل: (السلام).
(٧) المثبت من "ب" وفي "أ" الأصل: (السلام).
(٨) هكذا ورد عند الواحدي في "أسباب النزول" (٤٨) وابن حجر في "العجاب" ص ٢٧٠، والحاكم (١/ ٤٨٣)، والفتح (٣/ ٦٢١). والصحيح (أنا أحمس) بدون ياء.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فقال الرجل: إن كنتَ أحمسيًا فأنا أيضًا أحمسي، رضيتُ بهديك، فرفع الله الجناح عن ذلك الرجل لإرادته الخير وعفا عنه ونسخ عادة غير الحمس في هذه الخصلة وجعل عادة الحمس فيها شرعًا للمسلمين كلهم، وقال الزجاج: كان بعض من قريش ومن (١) سائر العرب يكره دخول البيت من بابه تطيُّرًا إذا رجع من سفره خائبًا (٢). وقال أبو عبيدة: هو في ترك طلب البر من وجهه وطلبه من غير وجهه.
﴿وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ نزلت في قريش عن ابن عباس، وذلك حين خاف المسلمون عام الصلح أن لا يفي أهل مكة بعهدهم وكرهوا القتال في الحرم وفي الأشهر الحرم فأنزل الله الآية ليعتقدوا القتال ولا يكرهوا (٣) ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يعني المقاتلة ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بقتل النسوان والصبيان، وروي أنه --﵇-- (٤) رأى عام الفتح امرأة مقتولة فأرسل إلى خالد بن الوليد (٥) "أن لا يقتل ذرية ولا عسيفًا" (٦) ..
_________________
(١) في الأصل: (من) بدون واو.
(٢) ذكره الزجاج في معاني القرآن (١/ ٢٦٢).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٢٨٩) من طريق عطية العوفي. وهذا سند ضعيف، وذكره الحافظ ابن حجر في "العجاب" ص ٢٧٨ من طريق الكلبي، وقال الكلبي: ضعيف، ثم قال: وأولى بالقبول في سبب نزول الآية ما رواه الربيع بن أنس أن هذه الآية أول آية نزلت في الإذن للمسلمين في قتال المشركين. وسياق الآيات يشهد لصحة ذلك.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) خالد بن الوليد بن المغيرة. سيف الله وفارس الإسلام وقائد المجاهدين، أبو سليمان القرشي المخزومي وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث. هاجر مسلمًا سنة ثمان من الهجرة، سمَّاه النبي - ﷺ - سيف الله، وشهد مؤتة والفتح وحنين وغيرها من المشاهد، وحارب أهل الردة وشهد حروب العراق والشام ولم يبقَ في جسده قيد شبر إلا وعليه جرح أو كلم. ومناقبه غزيرة ومات على فراشه في حمص سنة إحدى وعشرين. [الاستيعاب (٣/ ١٦٣)؛ أسد الغابة (٢/ ١٠٩)؛ تهذيب تاريخ ابن عساكر (٥/ ٩٥)؛ الإصابة (٣/ ٧٠)؛ السير (١/ ٣٦٦)].
(٦) رواه أبو داود (٢٦٦٩)، والنسائي في الكبرى (٨٦٢٥، ٨٦٢٧)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، وأحمد (٣/ ٤٨٨، ٤/ ١٧٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٣١١٧)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٢٠١)، وابن حبان (٤٧٨٩)، والحاكم (٢/ ١٣٣)، والبيهقي في سننه الكبرى (٩/ ٨٢، ٩١).
[ ١ / ٣٥٨ ]
والآية غير منسوخة على هذا الوجه، وأصل الاعتداء ههنا (١) مجاوزة القتال في سبيل الله إلى القتال في غير سبيله، وقيل: هو قتال من لم تبلغه الدعوة وهي غير منسوخة على هذين أيضًا.
وقيل: هي مجاوزة القتال على وجه المجازاة إلى القتال على سبيل الابتداء، والآية منسوخة على هذا بآية السيف (٢)، والمقاتلة مفاعلة من القتال، والقتال الحرب ومعاطاة القتل، والاعتداء افتعال من العدوِّ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ دلالة على أن إطلاق المحبَّة في موضع الإرادة مجازًا (٣) لانتفائه (٤) مرة وثبوته أخرى لإجماعنا (٥) أن المعتدين مرادون لله تعالى، وإن خالفونا في الاعتداء هل هو مراد أم لا؟
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ نزلت فيمن نزلت الآية المتقدمة و(الثقف) الإدراك والمصادفة، يقال رجل ثقف لقف، وثقْف لقْف إذا كان سريع الإدراك لطلبته، وهو عام خصَّه قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ﴾ يعني من الحرم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ مختص بحادثة مخصوصة، روي أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من المشركين في يوم شك من رجب فعابَ المشركون ذلك فنزل (٦)، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي كفرهم الموجب لقتلهم أشد فسادًا من القتل المنهي عنه في الأشهر الحرم المأمور به في سائر الأشهر، والفتنة الابتلاء والامتحان بالشر.
_________________
(١) في "ب": (هنا).
(٢) انظر: ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٩٧)، والقرطبي (٢/ ٣٤٨).
(٣) الأصل أن تحمل المحبة على بابها في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وكما أنه -﷿- نفى محبته عن المعتدين دلَّ على إثبات المحبة لغير المعتدين، فالمحبة لله ثابتة وليست مجازًا كما يقول المؤلف، وما ذهب إليه المؤلف هو مذهب الأشاعرة الذي يتبنَّاه في تأويلاته لآيات الصفات في كثير من المواطن في هذا التفسير الذي بين أيدينا.
(٤) في الأصل: (الانتقاية).
(٥) في الأصل: (لأجاعنا).
(٦) انظر: القرطبي (٢/ ٣٥١)، والبغوي (١/ ١٦٩).
[ ١ / ٣٥٩ ]
وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ منسوخ بآية السيف (١) ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ للانتهاء معنيان: بلوغ النهاية، قال الله تعالى: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٢) والانتهاء هو الوقوف على قضية النهي كما أن الائتمار هو وقوف على قضيَّة الأمر وهو المراد ههنا أي امتنعوا عن القتال ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عن مجاهد أنها ناسخة (٣)، وقيل: هي منسوخة ﴿الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي التديُّن لله، وهو أن يكون تديُّن الإسلام الذي ارتضاه دينًا، والانتهاء هو عن الكفر على قول مجاهد (٤)، وعن القتال على قول من يعدُّها منسوخة ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ أي مجاوزة العدوان.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ نزلت في إقامة قتال المشركين في يوم الشك من رجب مقابلة قتالهم عام الصدَّ في شهر ذي القعدة ليكون قصاصًا، وقيل: هي إقامة عمرة القضاء مقام العمرة التي صدَّ عنها المشركون بالحديبية (٥) ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ المحرَّمات أي بعضها ﴿قِصَاصٌ﴾ ببعض مثل القتل بالقتل والجرح بالجرح، وقيل: الحرمات حرمة الشهر والإحرام والحرم، وفيه اختصار، وتقديره: الحرمات بالحرمات قصاص مع المتقين بالنصرة والولاية.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ روى حيوة بن شريح (٦) عن يزيد بن أبي
_________________
(١) ذهب إلى النسخ قتادة كما في الطبري (٢/ ٣٥١)، وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ١٩٩). وأما عن مجاهد فذهب إلى أنها آية محكمة.
(٢) سورة النجم: ١٤.
(٣) الذي قال أنها ناسخة هو قتادة والربيع ومجاهد رواه عنهم الطبري في تفسيره (٣/ ٢٩٦)، وابن الجوزي في ناسخه ص ١٨٢، وابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥٢).
(٤) لم أجده عن مجاهد إنما عزاه بعض أهل التفسير دون نسبة لأحد، انظر: زاد المسير (١/ ٢٠٠).
(٥) انظر: زاد المسير (١/ ٢٠١)، وأسباب النزول للواحدي ص ٥٥، وتفسير البغوي (١/ ١٦٣)، والقرطبي (٢/ ٣٥١)، والعجاب ص ٢٨٠.
(٦) حيوة بن شريح بن صفوان، الإمام الرباني الفقيه شيخ الديار المصرية، أبو زرعة التجيبي، وكان مجاب الدعوة. قال ابن وهب: ما رأيتُ أحدًا أشدَّ استخفاءً بعمله من حيوة وكان من البكائين، وكان فقيرًا جدًا. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة. =
[ ١ / ٣٦٠ ]
حبيب (١) عن أسلم قال: حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح به الناس، فقالوا: يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري وقال: أيها الناس، إنكم لتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت فينا يا معشر الأنصار لما قوي الإسلام وكثر ناصروه أمرنا أن نقيم في أموالنا ونصلح ما ضاع منها، فردَّ الله تعالى ذلك علينا وأنزل قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بالروم (٢).
وروي أن رجلًا من أزد شنؤة تقدم وحده إلى الكفار في محاصرة دمشق فردَّه المسلمون وأتوا به عمرو بن العاص (٣) فلامه وأنكر عليه (٤)،
_________________
(١) = [تاريخ البخاري (٣/ ١٢٠)؛ الكامل (٦/ ٣٥)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ١٨٥)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٣٧)].
(٢) هو الإمام الحجة مفتي الديار المصرية يزيد بن أبي حبيب سويد أبو رجاء الأزدي، ولد بعد سنة خمسين في دولة معاوية، وهو من صغار التابعين، كان من جلة العلماء العاملين، ارتفع بالتقوى مع كونه مولى أسود. قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في أيامه وكان حليما عاقلًا، قال الليث بن سعد: يزيد سيِّدنا وعالمنا. مات في سنة ثمان وعشرين ومائة وهو ما بين الخمس والسبعين إلى الثمانين. [الثقات (٥/ ٥٤٦)؛ سير أعلام النبلاء (٦/ ٣١)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٥٩)؛ تهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٨)؛ رجال مسلم (٢/ ٣٥٥)].
(٣) الواحدي في أسباب النزول (٥٠ - ٥٢)، وأصل الرواية عند البخاري (٤٥١٦).
(٤) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبو عبد الله، ويقال: أبو محمَّد، أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، ولَّاه النبي - صلى الله عليهوسلم - على جيش ذات السلاسل، كان من فرسان قريش وأبطالهم، وكان أحد الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي والمكر والدهاء، نزل مصر وهو الذي افتتحها في خلافة عمر بن الخطاب، ومات بها وكان واليًا عليها ليلة الفطر سنة إحدى أو اثنتين وستين في ولاية يزيد بن معاوية، وقيل: بل مات سنة ثلاث وأربعين في ولاية معاوية. [الاستيعاب (٣/ ١١٨٤)؛ الثقات (٣/ ٢٦٥)؛ تهذيب التهذيب (٨/ ٤٩)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤)؛ رجال مسلم (٢/ ٦٥)؛ الإصابة (٤/ ٦٥٠)].
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤٧).
[ ١ / ٣٦١ ]
وقال: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقول أبي أيوب أصحّ لأنَّه شهد النزول وعرف البيان. وما كان من جعفر الطيَّار (١) يوم مؤتة، غير أن الرجل إذا ضيَّع نفسَه ولم يقاتل وتعرض للقتل فإنَّا نرى فيه رأي عمرو بن العاص حينئذٍ؛ لأنَّه كالقاتل نفسه، و﴿التَّهْلُكَةِ﴾ اسم من الهلاك، وقال الخارزنجي (٢) (٣): لا أعرف مصدرًا على التَّفعُلة بضمّ العين إلا هذا، والمراد ههنا الهلاك في أمر الديانة، والهلاك يستعمل في غير ذلك، قال عمر: لولا علي لهلك عمر (٤).
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ محبة الله عبده ارتضاؤه لدينه (٥) وسائر كراميه، ومحبة العبد ربَّه ارتضاؤه للعبادة والذكر، والفرق بين المحبة والإرادة أنك تريد عدوَّك بالمكروه والسوء ولا تحبه بالمكروه والسوء.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ عطف التطوع على الفرض، ويجوز ذلك إذا حلَّ محل
_________________
(١) وذلك لأن جعفرًا الطيار استمرَّ في القتال إلى أن قطعت يداه. وأثر أبي أيوب الأنصاري ذكره البغوي في تفسيره (١/ ١٧٢)، وابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٩٦).
(٢) أحمد بن محمَّد الخارزنجي، إمام أهل الأدب واللغة في خراسان، فاق فضلاء عصره هكذا قال السمعاني. شهد له ثعلب ومشايخ العراق بالتقدم في اللغة، وانبهر به أهل بغداد في تقدمه باللغة. توفي في رجب سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. والخارزنجي نسبة إلى خارزنج اسم قرية بنواحي نيسابور من ناحية بشت. [الإنساب للسمعاني (٢/ ٣٠٤)].
(٣) هذا القول ذكره صاحب "لسان العرب" (١٠/ ٥٠٤) مادة "هلك" وقال: (قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس). اهـ. والأصل أن يقال أن الضم أصل غير مبدل من كسر، وقد حكى سيبويه مما جاء من المصادر على ذلك التَّضُرَّة والتَّسُرَّة مع أن ثعلب زعم أنَّ الضم في "تَهْلُكَة" لا نظير له، وهو مردود بوروده كما حكاه سيبويه.
(٤) انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (١٦٢)، والاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١١٠٢)، والمناوي في فيض القدير (٤/ ٣٥٧).
(٥) هذا مذهب الأشاعرة في تأويل المحبة حيث ينفون المحبة عن الله كما ذهب إليه المؤلف في تقريره لهذا المذهب.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الواجب في التأكيد كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقيل: أراد بها العمرة الواجبة بالإحرام المتقدم؛ لأنه قال: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ والإتمام إنما هو بعد الشروع، وعلى هذا حجة على من لم يأمر القارن بطوافين وسعيين، وقرأ الشعبي: ﴿والعمرةُ﴾ بالرفع (١)، ويراها تطوعًا ويجوز التطوع بما لا أصل لها في الفرائض كالاعتكاف.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ منعتم بالعوائق من الخوف والمرض والفقر، وروى إبراهيم بن علقمة ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ من مرض أو حبس قال: فحدثت به سعيد بن جبير (٢) فقال: هكذا قال ابن عباس (٣)، ونحر هدي الإحصار لا يجوز في غير الحرم لما روي عن ناجية بن جندب الأسلمي (٤) عن أبيه أنه ذهب بهدي رسول الله - ﷺ - (٥) وأخذ في شعبة لا يبصرونه حتى نحره بالحرم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة فصاعدًا، والهدى والهدي لغتان، و(الحلق) والسبت واحد ورأس الشخص الطرف الأَعْلَى خلفه أو مقدمه، والحلق ساقط عن المحصر كسائر أفعال المناسك و(بلوغ الهدي محله) بلوغه الحرم كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦).
_________________
(١) وقرأ بالرفع علي وابن مسعود وزيد بن ثابت. فيكون الرفع على الابتداء و(لله) الخبر على أنها جملة مستأنفة. [الشواذ ص ١٢ - البحر المحيط (٢/ ٧٢) - ابن عطية (١/ ٥٤٢) - ونسبها القرطبي (٢/ ٣٦٩) إلى الشعبي وأبي حيوة].
(٢) في الأصل: (جبيرة) وهو خطأ.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٧٦٦).
(٤) هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي، صحابي جليل، سمَّاه النبي - ﷺ - ناجية إذ نجا من قريش، وكان اسمه ذكوان. استعمله النبي - ﷺ - على هديه حين توجه إلى الحديبية وإلى عمرة القضية. وشهد فتح مكة، واستعمله على هديه في حجة الوداع، فكان يعرف - ﵁ - بأنه صاحب بدن رسول الله - ﷺ -، كان نازلًا في بني سلمة. ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. [الاستيعاب (٤/ ١٥٢٢)؛ الإصابة (٦/ ٣٩٩)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٤٢٢)؛ تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٥٦)].
(٥) (ﷺ) من "ب".
(٦) سورة المائدة: ٩٥.
[ ١ / ٣٦٣ ]
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ نزلت في كعب بن عجرة (١) (٢) ومن كان في حالِهِ و(الفدية) من الصيام ثلاثة أيام، ومن الصدقة ثلاثة أصوع من الحنطة يصرفها إلى ستة مساكين، ومن النسك ما تيسر وهو جمع نسيكة وهي الذبيحة على وجه القربة، والمحصر مخيَّر بين هذه الأشياء ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ في القابل بعد زوالط الإحصار ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أراد أن يأتي بالعمرة وجبت عليه لتحلُّله عن الحج بغير فعلِهِ وبالحجة التي هي قضاء عن الحجة المفروضة وأراد أن يجمعهما (٣) بإحرامين في أشهر الحج في سفر واحد؛ لأنه يكون متمتعًا ولو جمع بينهما جامع تطوعًا أو من نذر فحكمه كذلك ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ في أشهر الحج تلك عشرة للتأكيد، قال:
ثلاث بالغداة فهنَّ حسبي وستٌ حين تدركني العشاءُ
فذلك تسعةٌ في اليوم ريّي وشرب المرء فوق الريِّ داءُ (٤)
﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ النازلين بين البيت والمواقيت التي وقتها رسول الله -﵇-- (٥).
_________________
(١) هو كعب بن عجرة الأنصاري المدني، صحابي مشهور، كنيته أبو محمَّد من بني سالم بن عوف، وهو من أهل بيعة الرضوان، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم والفدية، مات سنة ست وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة. [تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩٠)؛ مشاهير علماء الأمصار (١/ ٢٠)؛ رجال مسلم (٢/ ١٥٤)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢)].
(٢) رواه البخاري في صحيحه - كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع (٤/ ١٦)، ومسلم في صحيحه - كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (٢/ ٨٦١) ولفظه: قال كعب بن عجرة: فيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ﴾ وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "احلق وافدِ بصيام ثلاثة أيام أو النسك أو أطعم ستة مساكين".
(٣) في الأصل: (يجمعها).
(٤) البيتان للأعشى كما ذكر ذلك السمين الحلبي في تفسيره (٢/ ٣٢٠) ولم أرهما في ديوانه وهما في البحر المحيط (٢/ ٧٩)، والقرطبي (٢/ ٤٠٣)، ومثله قول الفرزدق: ثلاثٌ واثنتان فهنَّ خمسٌ وسادسةٌ تميلُ إلى شمامِ [ديوان الفرزدق ص ٨٣٥].
(٥) بدل (السلام) في "ب": (ﷺ).
[ ١ / ٣٦٤ ]
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ نزلت في شؤون كثيرة كذكر أشهر الحج والنهي عن الأشياء الثلاثة والأمر بالزاد والراحلة وإباحة التجارة في الإحرام وإيجاب الوقوف لذكر الله تعالى بالمشعر الحرام. و﴿الْحَجُّ﴾ فعل و(الأشهر) ظرف، وجعل الفعل مبتدأ والظرف خبرًا على أحد تقديرهما أحدهما على حذف المضاف أي مدة الحج أشهر، تقول العرب: الحر شهران والبرد شهران (١)، والثاني أن يجعل الظرف مقدرًا للمبتدأ أو مقدرًا لشيء صفة له كما تقول: هذه الحنطة صاع وهذا الشعير قفيز (٢)، والأشهر المعلومات (٣): شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وإنما أطلق اسم الجمع على شيئين وبعض الثالث؛ لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل كما قام يومان ونصف مقام ثلاثة أيام في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وقام يوم ونصف مقام يومين في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فمن فرض فيهنَّ عين الوجوب فيهنَّ بالإحرام، وعن عطاء أنه التلبية، وتلبية النبي -﵇- (٤): "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" (٥)، ويجوز الزيادة عليه.
_________________
(١) قال القرطبي (٢/ ٥٠٤): (قال الفراء: وسمعت الكسائي يقول: إنما الصيف شهران وإنما الطيلسان ثلاثة أشهر). وقال ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٠٩): (قال الفراء: تقول العرب: له اليوم يومان لم أره، وإنما هو يوم وبعض آخر، وتقول: زرتك لعام وأتيتك اليوم، وإنما وقع الفعل في ساعة، وذكر ابن الأنباري في هذا قولين؛ أحدهما: أن العرب توقع الجمع على التثنية). اهـ.
(٢) ﴿الْحَجُّ﴾ مبتدأ و﴿أَشْهُرٌ﴾ خبره، والمبتدأ والخبر لا بدَّ أَنْ يصدقا على ذات واحدة، وكما قال المؤلف: "الحج" فعل من الأفعال و"أشهر" زمان، وهما متغايران، والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه ذكر المؤلف منها وجهين، والوجه الثالث: أن تجعل الحدث نفس الزمان مبالغة، ووجه المجاز كونه حالًا فيه، فلما اتَّسع في الظرف جُعِلَ نفس الحدث ونظيره قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. [الدر المصون (٢/ ٣٢٢) - معاني القرآن (١/ ١١٩)].
(٣) في "ب": (المعلومة).
(٤) بدل (السلام) في "ب": (ﷺ).
(٥) وهذه الصيغة - صيغة التلبية في الحج والعمرة- رواها عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا. =
[ ١ / ٣٦٥ ]
و(الرفث) هو الجماع (١) و(الفسوق) ما يخرج به الرجل عن طاعة الله من الأشياء التي هي محظورة بعقد الإسلام أو بعقد الإحرام (٢) و(الجدال) (٣) المجادلة، وهي (٤) إقامة الحجة بمقابلة الحجة، والمراد ههنا قبل المدافعة في أمر الحج أنه في أشهر، وقيل: أن تمادي صاحبك حتى تغضبه، وفي فحوى قوله: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ القبول والإنابة ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قيل: إن قومًا متكلين كانوا يحجون بغير زاد فيبقون كلًاّ على الناس ويرونه توكلًا على الله وتقوى من أنفسهم، فأمر الله برفع الزاد للحجِّ وبيَّن أن خير الزاد للمعاد التقوى وترك السؤال والاتِّكال على الله لا الحج بغير زاد (٥)، وعن سعيد بن جبير: الزاد الكعك والسويق (٦) وهو البلغة.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عمر بن ذر (٧)
_________________
(١) = أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٣٢٤) - كتاب الحج - باب التلبية، ومسلم في صحيحه (١١٨٤) كتاب الحج - باب التلبية، ومالك في الموطأ (١/ ٣٣١).
(٢) حكى هذا القول الفراء في معاني القرآن (١/ ١٢٠)، والزجاج في معاني القرآن (١/ ٢٥٩) وابن قتيبة في غريب القرآن ص ٧٩. وأخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس - ﵄ - (٣/ ٤٥٨).
(٣) وهو نفس تفسير ابن عباس - ﵄ - حيث فسر الفسوق بأنها كل المعاصي، وكذا فسَّره عطاء والحسن ومجاهد وغيرهم، رواه عنهم الطبري (٣/ ٤٧٢).
(٤) في الأصل: (الجد).
(٥) المثبت من "ب" وفي الجميع: (وهو).
(٦) روى البخاري في صحيحه- كتاب الحج (٣/ ٣٨٣)، وأبو داود (٢/ ١٤١)، والنسائي (٥/ ٢٤٣) وغيرهم عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزوَّدون، يقولون: نحن المتوكِّلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله -﷿- هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
(٧) رواه ابن أبي حاتم (١٨٤٠)، والطبري (٤٩٥٣)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٧٨).
(٨) هو الإمام الزاهد العابد عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني المرهبي الكوفي، أبو ذر، قال العجلي: عمر بن ذر القاص، كان ثقة بليغًا يرى الإرجاء وكان لين القول فيه، قال أبو داود: كان رأسًا في الإرجاء، مات في سنة ثلاث وخمسين ومائة، ومن أقواله البليغة: كل حزن يبلى إلا حزن التائب عن ذنوبه، وقال: يا أهل معاصي الله لا تغتروا بطول حلم الله عنكم واحذروا أسفه فإنه قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرُف: ٥٥]. [الثقات (٧/ ١٦٨)؛ سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٨٥)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ٣٩٠)].
[ ١ / ٣٦٦ ]
عن مجاهد (١) كانوا يخرجون حجاجًا لا يركبون ولا يتجرون ولا يتزودون فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فرخص لهم في الركوب والتجارة وأمروا بالتزوُّد، وعن سعيد بن جبير: كانت التجار ينزلون عن يسَار مسجد مِنَى ولا يحجون، والحاج ينزلون عن يمينه ويحجون حتى نزلت الآية فحجوا جميعًا (٢).
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ وهو أن يثبت به ليلة التحريم تصلي الفجر بالغلس ثم تقف فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتكبر وتهلِّل وتدعو إلى أن يسفر (٣) ثم [تدفع إلى مني قبل طلوع الشمس (والمشعر الحرام) هو المزدلفة كلها موقف فإن لم] (٤) تبت به ولم تقف ودفعت إلى مني على وجهك من غير عذر فعليك دم وحجك تامٌّ، وروي أن النبي -﵇- قدَّم ضعفة أهلِه إلى مني (٥) وهو توقيت وليس بأمر الوقوف بها، والإفاضة هي الدفع في السير وكلام مفاض ومستفاض ومستفيض أي جار، و﴿عَرَفَاتٍ﴾ اسم واحد على صيغة الجمع، وإنما سمي ذلك الموقف عرفات لوقوف الناس واحتباسهم به، وقيل: لطيبه، وقيل: لأن آدم اندفع من سرنديب (٦) وحواء من جدة فالتقيا من هناك فتعارفا (٧)، وقيل: لأن
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٥٠٢).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٥٠٧) عن سعيد بن جبير فذكره.
(٣) في "ي": (تُسفر).
(٤) ما بين [] ليست في الأصل.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج، باب من قَدَّم ضعفة أهله بليل (٣/ ٥٢٦ الفتح)، ومسلم في صحيحه (٢/ ٩٣٩/٤٩) عن ابن عباس - ﵄ - قال: أنا ممن قَدَّمَ النبيُّ - ﷺ - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وفي رواية له أيضًا في الصحيحين: بعثني رسول الله - ﷺ - من جمع بليل.
(٦) سرنديب: جزيرة كبيرة قرب الهند كما في "معجم البلدان" (٣/ ٢٠٥ - ٢١٦) ولعلها جزيرة سيلان المعروفة.
(٧) انظر: "معجم البلدان" للحموي (٣/ ٢١٥ - ٢١٦)، وهناك روايات أخرى على نزول آدم في بلاد الهند. وانظر: القرطبي (٢/ ٤١٥).
[ ١ / ٣٦٧ ]
جبريل عرفه إبراهيم -﵇- ليقف هناك (١). و﴿الْمَشْعَرِ﴾ المعلم والموسَم.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ نزلت في افتراض الوقوف بعرفات، وعن عطاء (٢) كانت قريش تفيض من جمع وهو المزدلفة، ويقولون: إنا حمس لا يرون الإفاضة من الجبل وغيرهم يفيضون من عرفات فأمروا أن يفيضوا من حيث أفاض الناس.
و﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو (٣) كما في قوله: ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ﴾ وقيل: الإفاضة من عرفات وجب من فحوى قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ وهذه الإفاضة (٤) من جمع إلى مني وهذا مخالف للإجماع، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرفة، والظاهر أنَّ المراد بالناس غير الحمس، وقيل: آدم -﵇- (٥)، وقيل: إبراهيم -﵇- (٥) وحده، وقيل: إبراهيم ومن حجَّ معهُ من الناس (٦)، ومن أدرك الوقوف بعد الظهر إلى أن تمضي ليلة النحر فقد أدرك الحج.
_________________
(١) تفسير الطبري (٣/ ١٩٩)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٢٢) لابن المنذر عن ابن عباس.
(٢) وجدته عن عروة وليس عن عطاء كما عند البخاري (٣/ ٧٥).
(٣) فيه إشكال وهو مجيء "ثم" الدالة على الترتيب والتراخي مع أن الإفاضة الثانية هي الإفاضة الأولى لأن قريشًا كانت تقف بمزدلفة وسائر الناس بعرفة، فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس. ويجاب عن ذلك الإشكال بوجوه: الوجه الأول: أن الترتيب في الذكر لا في الزمان الواقع فيه الإفعال. الوجه الثاني: أن تكون هذه الجملة ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ معطوفة على قوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ففي الكلام تقديم وتأخير. الوجه الثالث: أن تكون "ثم" بمعنى الواو. الوجه الرابع: أن الإفاضة الثانية هي من جَمْعٍ إلى مِنَى والمخاطبون بها جميع الناس، وهو قول الضحاك، ورجحه الطبري، وهذا أقرب الأوجه وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن. [الطبري (٣/ ٥٣٢) - الكشاف (١/ ٣٤٩) - البحر (٢/ ٩٩) - الدر المصون (٢/ ٣٣٤)].
(٤) (الإفاضة) ليست في الأصل.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢١٤).
[ ١ / ٣٦٨ ]
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ متعبداتكم بمنى (١)، وقال مجاهد (٢): ذبائحكم، واختلفوا في تشبيه ذكر الله بذكر الآباء، قيل: من حيث التوحيد، فكما لا يدَّعي (العاقل لنفسه أبوين فكذلك لا يدعي) (٣) إلهين (٤)، وقيل: من حيث إنَّ الصبي يفزعُ في كلِّ أموره إلى أبيه فكذلك المؤمن يجب أن يفزعَ إلى الله تعالى (٥)، وقيل: كان أهل الجاهلية يقفون بين الجبل والمسجد ويذكرون آباءهم بصالح الأعمال ويتفاخرون بذلك (٦)، فأمر الله ﷾ أن يذكروه هناك بصفاته الحميدة فإنه أولى ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ بل أشد، وقيل: ﴿أَوْ﴾ (٧) بمعنى الواو.
﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ قريشًا وأمثالهم كانوا لا يسألون الله تعالى إلا ثواب الدنيا وكانوا ينكرون المعاد ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا﴾ نزلت في المؤمنين، وقيل: أول من دَعا بها أبو بكر في الحج الأكبر (٨)، والحسنة في الدارين هي النعمة عند مجاهد والعافية (٩) عند قتادة (١٠)، ويحتمل أنه
_________________
(١) في "ب" "أ": (هنا) بدل (مني).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٨٦٧) بلفظ: (إهراقة الدم)، وهو عند الطبري في تفسيره (٣/ ٥٣٤).
(٣) ما بين () ليس في "أ".
(٤) قال القرطبي (٢/ ٤٣١): هو قول جمهور المفسرين.
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٥٣٧) عن عطاء والضحاك والربيع. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٧١) عن عطاء. وعزاه القرطبي (٢/ ٤٣١) إلى ابن عباس.
(٦) تفسير الطبري (٣/ ٥٣٦) عن مجاهد.
(٧) (أو) ليست في الأصل.
(٨) روي في سبب نزول هذه الآية عن أبي وائل رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٥٤٢) قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعد قضاء مناسكهم فيقولون: اللهمَّ ارزقنا إبلًا، اللهمَّ ارزقنا غنمًا، فأنزل الله هذه الآية. وأما قول المؤلف أن أول من دعا بها أبو بكر في الحج الأكبر فلم أجد من ذكره، والله أعلم.
(٩) لم أجده عن مجاهد، ولكن عزاه ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢١٦) لابن قتيبة.
(١٠) تفسير الطبري (٣/ ٥٥٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٨٨١)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٨٠).
[ ١ / ٣٦٩ ]
نعت لاسم مضمر وهو العيشة أو الحالة ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ ثواب أعمالهم (١) وهو الخلاف المنفي في الآية الأولى و(النصيب) الحظ والقسم و(السرعة) ضد البطء، والمراد بـ (الحساب) عد الأعمال. روي أن الله تعالى يحاسب الكل مرة واحدة لا يشغله حساب عن حساب، وينتهي الحساب في مقدار حَلبة شاة (٢)، وروي في مقدار فواق ناقة، وروي في مقدار لحظة.
﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ نزلت في الإقامة بمنى (٣) لذكر الله -﷿- وفي حكم النفر وأيام مني هي المعدودات ثلاثة بعد اليوم العاشر الذي هو آخر الأيام المعلومات، وأيام النحر ثلاثة أيام أولها آخر الأيام المعلومات وآخرها الثاني من المعدودات أفضلها أوَّلها، وأخذ في تفسير المعلومات والمعدودات بقول ابن عباس (٤) وابن عمر (٥) وفي توقيت النحر بقولهما وبقول علي (٦) وأنس -﵃ - (٧).
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو أن يرمي الجمار يومين بعد يوم النحر وينفر مع النفر الأول، واختلفوا في رفع الإثم، قيل: هو التخيير بين الأمرين كما نقول: من أفطر في (٨) السفر فلا حرج عليه ومن صام فلا حرج عليه، وقيل: وجب الرمي ثلاثة أيام بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ فلما أباح التعجُّل في اليومين خرج اليوم الثالث من الوجوب،
_________________
(١) في الأصل: (لعمالهم).
(٢) ذكره القرطبي (٢/ ٤٣٥).
(٣) في الأصل: (تمنى).
(٤) تفسير الطبري (٣/ ٥٥٠)، وابن أبي حاتم (١٨٩٥)، وفسرها ابن عباس -﵄ - بأنها أيام التشريق الثلاثة بعد النحر.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٦١) بدون سند، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٣٤) للفريابي وابن المنذر وابن أبي الدنيا.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم (١٨٩٤)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٣٤) لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا.
(٧) العبارة في "ب": (علي -﵁- وأنس).
(٨) في "أ": (أفرط السفر).
[ ١ / ٣٧٠ ]
فلو لم يرفع الإثم عن المتأخر لما جاز الرمي فيه، إذ التنفل بالرمي عبث ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي رفع الإثم لمن اتقى محظورات الإحرام. روي أنَّ رجلًا توفي بمنى فقيل لعمر: أما تشهد دفنه؟ فقال: وما يمنعني عن دفن من لم يذنب (١) من غفر له، قال -﵇-: "من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢)، و(الحشر) الجلا.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ قال السدي وغيره: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي (٣) وكان رجلًا حسن المنظر حلو المنطق خبيث السريرة، واسمه فيما يروى أبيّ وإنما لُقِّب بالأخنس لأنَّه خنس مع ثلثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة يوم بدر ولم يشهدوا (٤)، قال الحسن: نزلت في كل منافق ومراء (٥) معناها عامة تنبيهًا لرسول الله - ﷺ - (٦)، وإعجاب الشيء بالشيء أن يسرَّه ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلْبِهِ﴾ يعني يقول: الله شهيد على ما في قلبي من الوفاء والإخلاص ﴿وَهُوَ أَلَدُّ﴾ أشد الخصومَةِ فإنْ كان (الألد) (٧) ههنا بمعنى النعت فالخصام مصدر كالقتال، وإنْ كان على معنى
_________________
(١) في الأصل: (يثرب).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (٣/ ٣٠٢)، ومسلم في صحيحه- كتاب الحج، باب في فضل الحج (١٣٥٠).
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (٥٧ - ٥٨) وبعضه عند الطبري (٣/ ٥٧٢). وفيه أنه أقبل إلى النبي - ﷺ - بالمدينة وأظهر له الإسلام فأعجَبَ النبي - ﷺ - ذلك منه وقال: إنما جئتُ أريد الإسلام، والله يعلم أني صادق وذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ثم خرج من عند النبي - ﷺ - فَمَرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع وعَقَرَ الحُمُرَ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
(٤) الأخنس ترجم له ابن حجر في الصحابة في القسم الأول (١/ ٢٥ - ٢٦) (٦١) وقد أثبت أنه أسلم وكان من المؤلَّفة قلوبهم وشهد حنينًا، بينما ذهب آخرون أنه لم يسلم. وقد أثبت ابن حجر إسلامه وقال: (ولا مانع أن يسلم ثم يرتد ثم يرجع إلى الإسلام). اهـ. وانظر القرطبي (٣/ ١٤).
(٥) عزاه إليه ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢١٩) وكذا عزاه لقتادة وابن زيد.
(٦) (وسلم) من "أ".
(٧) الألد: هو الشديد من اللَّدَدِ، وهو شدة الخصومة، ومنه قول الشاعر [وينسب للمهلهل]: إنَّ تحتَ الترابِ عَزْمًاوَحَزمًا وخصيمًا أَلَدَّ ذا مِغْلاقِ =
[ ١ / ٣٧١ ]
التفصيل فالخصام جمع خصم نحو كلب وكلاب، والمخاصمة قريب من المحاجَّة.
﴿سَعَى﴾ ذهب ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قيل أنه بيَّت قومًا من الطائف كان بينه وبينهم جدال بعد ما رجع من عند رسول الله - ﷺ - (١) فقتل مواشيهم وأحرق زروعهم (٢) (٣)، وقيل لم يحرق إلا كدسًا واحدًا من الشعير ولم يعقر إلا حمارًا واحدًا (٤) ﴿وَالنَّسْلَ﴾ الذرية ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ طالبته المنعة وحملته عليه، كما نقول: أخذ فلان فلانًا بحقِّه أي طالبه به ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ جزاؤه جهنم أخذت من التجهم وهو النكرة. قال رؤبة: رُكيَّة جِهِنَّام أي: بعيدة القعر (٥)، وقال يونس: اسم أعجمي (٦)، وقال أبو عبيدة: جهنم إنما لا ينصرف لأنه اسم مؤنث زاد على ثلاثة أحرف، والمراد به دار العذاب التي أعدَّ الله لأعدائه في الآخرة ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الوطاء الفراش، قال الله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وأصل المهد التوثير.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ نزلت في كل مؤمن معناها صفته، والله تعالى جمع بين صفة المنافقين والمؤمنين على سبيل التنويع والإطباق
_________________
(١) = ورجل ألد وامرأة لَدَّاءُ والجمع لُدٌّ كحُمْر. وفي اشتقاقه أقوال؛ منها: أنه مأخوذٌ من لُدَيْدَي العُنق وهما صفحتاه قاله الزجاج، وقيل: مأخوذ من لُدَيدَي الوادي وهما جانباه. [الكامل (١/ ٣٧) - القرطبي (٣/ ١٦) - معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٦٧)].
(٢) (ﷺ) من "ب".
(٣) لم أجد أنه بيت قوم من أهل الطائف، ولكنَّ رواية الواحدي السابقة أنه مرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمر فأحرق الزرع وعقر الحمر فأنزل الله الآية كما مرَّ ذكره قبل قليل.
(٤) في الأصل: (زروتهم).
(٥) لم أجد هذه الرواية التي تذكر كدسًا واحدًا وحمارًا واحدًا. والمثبت ما أثبتناه في سبب النزول.
(٦) ذكره النووي في تهذيب الأسماء (٣/ ٥٦)، وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٢٢)، والأزهري في تهذيب اللغة (٦/ ٥١٥).
(٧) ذكره النووي في تهذيب الأسماء (٣/ ٥٦)، والأزهري (٦/ ٥١٥)، وابن منظور في لسان العرب (١٢/ ١١٢). ويونس هو ابن حبيب شيخ سيبويه ذهب إلى أن جهنم اسم أعجمي وعربت وأصلها كُهْنَام. وقيل: بل هي عربية.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وكان عمر وعلي (١) يؤوِّلانها بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشري نفسه ويبذلها في سبيل الله لابتغاء مرضاته، والشري بمعنى البيع قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٢) وقيل: نزلت في صهيب بن سنان (٣) (٤) واختلفوا في قصَّته قيل إِنَّهُ اشترى نفسه من مواليه وقال: لا يضركم أكنت منكم أو من غيرهم (٥) ثم هاجر إلى رسول الله - ﷺ - (٦)، وقيل: اشترى نفسه من أهل مكة جميعًا [مع جماعة من المستضعفين، وقيل: كان صهيب قد أعتق من قبل إلا أنه لما هاجر تبعه قوم من أهل مكة] (٧) فنشر
_________________
(١) أما عن عمر فرواه ابن جرير (٢/ ٣٢٢) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٤١) لوكيع وعبد بن حميد. وأما عن علي فذكره بدون سند الطبري (٢/ ٣٢٢)، وذكره القرطبي (٣/ ٢١)، وزاد المسير (١/ ٢٢٣).
(٢) سورة يوسف: ٢٠.
(٣) هو صهيب بن سنان بن مالك من بني أوس بن مناة من اليمن، كان أصله سبي بالروم ووافوا به الموسم واشتراه عبد الله بن جدعان القرشي كما ذكر في المصادر لا كما ذكره المؤلف - زيد بن جدعان- بل هو عبد الله بن جدعان. أسلم هو وعمار في دار الأرقم وكان من المستضعفين ممن عُذِّبوا في الله حتى هاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب حتى توفي في المدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، ودُفن بالبقيع. [الصحابة لأبي نعيم (١/ ٣٢١) - أسد الغابة (٢/ ٤١٨) - الإصابة (٢/ ١٩٥) - معجم الصحابة للبغوي (٣/ ٣٤٣)].
(٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٦/٧٢٩٦)، والحاكم في المسندرك (٣/ ٤٠٠)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٢٢)، وابن عساكر في تاريخه (٦/ ٤٥٣) وغيرهم، ولفظه: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي - ﷺ - فأتبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته، وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأيم الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: دلَّنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلَّهم أن يدعوه ففعل. فلما قدم على النبي - ﷺ - قال: "ربح البيع أبا يحيى ربح البيع"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ ﴾ الآية.
(٥) في "ب" "ي": (غيركم).
(٦) (ﷺ) من "ب".
(٧) ما بين []، ليس في الأصل.
[ ١ / ٣٧٣ ]
كنانته (١) وقال: والله لا أضع سهمًا إلا في قلب رجل ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي، إنْ شئتم فتقدموا وإن شئتم فخلّوا سبيلي وأدلّكم على مالي بمكة، فقالوا: نخلِّي سبيلك، فدلَّهم على ماله، وهو عربي من ولدِ النمر بن قاسط سبته الروم في صغره ثم وقع بالحجاز وصار مملوكًا لزيد بن جدعان فكان يسمى صهيبًا الرومي. و(المرضاة) مصدر مثل المرحمة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ نزلت في العامة، وقيل: نزلت في قوم من اليهود كانوا قد أسلموا ويتحرجون عن بعض رخص الإسلام مثل أكل لحوم الإبل ونحوه (٢)، و﴿السِّلْمِ﴾ بالكسر: الإسلام، وإذا أريد به الصلح (٣) فالفتحة والكسرة لغتان. ﴿كَافَّةً﴾ نصب على الحال أو التأكيد، ويجوز بناء على التنوين كما في يومئذ. و(الكافة) مأخوذة من لغة الشيء وهو صرفه ونهايته.
وفي فحوى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تهديد لأن العزيز لا يمنعه شيء عن معاقبة المفسدين من عبيده ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ نزلت في المتثبطين عن الإيمان مع مشاهدة الآيات على وجهِ التهديد. و﴿هَلْ﴾ أداة استفهام، والمراد به النفي كما تقول: هل بقي بعد هذا شيء ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون، كقوله: ﴿انظُرُونَا﴾ (٤) وقوله: ﴿انظُرَنا﴾ (٥). ولقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ثلاثة معانٍ: أحدها: كون المأتي في ظلل من الغمام كما نقول: (أتيت فلانًا في بيته فخرج إليَّ، والثاني: إتيان الآتي بظلل كما تقول) (٦) أتاهم السلطان في عسكر لجب، والثالث: [لبس الأمر على المأتي كما
_________________
(١) في الأصل: (كناية).
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول من "تفسير عبد الغني الثقفي" (٥٩). وعبد الغني الثقفي واهٍ في الحديث لا يعتدُّ بنقل كما ذكره ابن حجر في "العجاب" (١/ ٥٣٠). وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٢٤) لابن عباس من رواية أبي صالح.
(٣) في الأصل: (الصح).
(٤) سورة الحديد: ١٣.
(٥) سورة البقرة: ١٠٤.
(٦) ما بين () ليس في "أ".
[ ١ / ٣٧٤ ]
تقول: أتاه الملك على صورة كذا وإنما هو في نفسه على صورته وإن] (١) لبس الأمر على المأتي والله متعال عن الحلول وعن أن يحيط به شيء في عظمته (٢). و(الظلل) جمع ظُلَّة، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أمضي حكم الله فيهم.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نزلت في تذكير ما نصب الله لبني إسرائيل من الأدلة وإعراضهم عنها وإزالتهم نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكفران (٣) ليكون في ذلك تعزية لرسول الله -﵇- (٤) وتنبيهًا للمخاطبين، وقوله: ﴿سَلْ﴾ أمر من السؤال أصله: اسأل، وقيل: من سأل يسال مثل (٥) نال ينال، وفائدة السؤال تذكيرهم حالتهم الأولى وتقرير (٦) الأمر عند من لا يؤمن بالتنزيل، و﴿كَمْ﴾ أداة للسؤال عن عدد الشيء وقلَّته وكثرته، ﴿مِنْ﴾ للتفسير ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ يغيِّر والإنسان لا يبدل نعمة الله بالبؤسِ غير أنه يكفر فيؤدي ذلك إلى بديل النعمة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ والنعمة ههنا (٧) أدلَّة الحق، وقيل: عامة.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأنزلت في أبي جهل وأمثاله كانوا يسخرون من المستضعفين (٨)، وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يسخرون من
_________________
(١) ما بين []، ليس في الأصل.
(٢) كما قال المؤلف: إن الله متعالٍ عن الحلول ومع ذلك لا يمنع من إثبات صفة المجيء لله كما أثبت ذلك القرآن: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وحديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: قال ﵊: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل الله -﷿- في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي منادٍ " الحديث بطوله أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٤١٦)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٥٢٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٦) وغيرهم بإسناد صحيح.
(٣) في الأصل "ب": (بالكفر).
(٤) في "ب": (ﷺ).
(٥) في "ب" "ي": (مثال).
(٦) في "أ" "ب" "ي": (تفسير).
(٧) في الأصل: (هاهنا).
(٨) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٢٨) وقال الثعلبي: نزلت في مشركي العرب: =
[ ١ / ٣٧٥ ]
صعاليك المهاجرين (١). و(التزيين) قريب من التحسين، والزينة هو الحسْن المكتسب، فالكفار زُيِّنَ لهم الحياة الدنيا حيث نظروا إلى بهجتها المحسوسة ولم يتفكَّروا في عاقبتها فأُعجبوا بها ولهوا عن غيرها كما قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ ومزيِّنها لهم هو الله، قال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ والسخرية: الاستهزاء.
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾ في الرتبة والحال ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير مناقشة في حسابه مثل نعمة سليمان، وقيل: بغير أن يكون عليه حساب يعني نعيم الآخرة، وقيل: ما لا يحصيه كل أحد لكثرته يعني نعيم الآخرة أيضًا.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (٢): كانوا على شريعة من الحق من لدن آدم إلى أن كفروا في عصر نوح -﵇- (٣)، وقيل: إلى أن قتل قابيل هابيل (٤)، وقيل: كانوا أمة على الجاهلية في عصر نمرود إلى أن أرسل الله إبراهيم وذويه عليهم (٥) السلام (٦) ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ نصب على الحال (٧)،
_________________
(١) = أبي جهل وأصحابه، كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم ويسخرون من المؤمنين، فنزلت الآية. وروى سبب النزول هذا البغوي في تفسيره (١/ ١٨٥).
(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٢٨) وقال: نزلت في علماء اليهود. وهو قول مجاهد كما في ابن أبي حاتم في تفسيره (١٩٦٨).
(٣) ابن جرير في تفسيره (٣/ ٦٢١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٨٠، ٥٩٦، ٥٩٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٤٢) للبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم، ولم أجده في تفسير ابن أبي حاتم المطبوع في تفسير هذه الآية، والله أعلم. وقد ورد هذا المعنى عن جمع من التابعين. وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، والدر المنثور (١/ ٢٤٢)، والطبري (٣/ ٦٢٣) وما بعدها.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) هذا القول عزاه ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٢٩) لابن الأنباري.
(٦) في "أ": (عليه).
(٧) هذا القول ذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ٣١) ولم يذكر النمرود.
(٨) قوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ هما حالان من ﴿النَّبِيِّينَ﴾ وهي حال مقدرة وليس كما قيل أنها حال مقارنة على أن بعثهم كان وقت البشارة والنذارة. [الدر المصون (٢/ ٣٧٤)].
[ ١ / ٣٧٦ ]
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي ومع إرسالهم، وقيل معهم بمعنى عليهم، والمراد بالكتاب الجنس، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالدين. والأحكام التي هي (١) الحق وما اختلفوا فيه هو مثل اختلافهم في آدم ﵇ وفي ملة إبراهيم ﵇ (٢) وفي أمر سليمان وعيسى ﵇، وغير ذلك من الأهواء وما اختلفوا فيه (٣) من (٤) شيء إلا من بعد أن (٥) أوتوا علمهُ (٦) لينفي فيما بينهم ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ المؤمنين ﴿بِإِذْنِهِ﴾ إلى الحق الذي اختلفوا فيه، واللام مكان "إلى" في قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ تفسير لما اختلفوا فيه (٧).
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ قد سبق الكلام في (أَم) إذا كانت متصلة أبنيت على استفهام سابق، وإذا كانت منقطعة أبنيت على كلام سابق، وهو ذكر أشهر الكفرة بالمؤمنين وما يصيب المؤمنين من ذلك من الحزن ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ ولم يأتكم، و(لما) و(لم) بمعنى (٨) إلا أن (لم) يقتضي نفيًا مجردًا، و(لما)
_________________
(١) في "أ": (هو).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ي" "أ": (في).
(٤) (من) ليست في "ي" "أ".
(٥) (أن) ليست في "ب".
(٦) في الأصل: (علة).
(٧) قولهُ: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ يمكن أن تكون في موضع نصب على الحال من "ما" في قوله ﴿لِمَا﴾. وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ حالًا من الضمير في "فيه" والعامل فيها ﴿اخْتَلَفُوا﴾، وزعم الفراء أن في الكلام قلبًا وهو اختيار الطبري والأصل: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا. [الإملاء (١/ ٩١) - معاني القرآن للفراء (١/ ١٣١) - الطبري (٣/ ٦٣٠)].
(٨) قوله: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ "لما": هي حرف وجوب لوجوب على مذهب سيبويه، وهي على مذهب الفارسي وأبي البقاء ظرف بمعنى "حين"، وهي حرف جزم معناه النفي المتصل بزمان الحال، والفرق بينها وبين "لم" من وجوه: الوجه الأول: أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام إذا دلَّ عليه دليل كقول الشاعر [ينسب لذي الرمة وليس في ديوانه]: فجئتُ قبورهم بَدْءًا ولمَّا فناديتُ القبورَ فلم يُجِبْنَهْ أي ولما أكن بدءًا أي مبتدئًا بخلاف "لم" فإنه لا يجوز ذلك فيها. والوجه الثاني: أن "لمَّا" لنفي الماضي المتصل بزمان الحال و"لم" للنفي مطلقًا.=
[ ١ / ٣٧٧ ]
يقتضي نفيًا دون نفي، إذ المنفي به مراد إثباته في المستقبل لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ (١)
﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (٢).
﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ صفتهم أي يعرض لكم حال كحالهم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أزعجوا وحركوا مرة بعد مرة من كثر (٣) البلايا (٤) ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (٥) لوعد الله تعالى (٦) غير تشكك فيهم (٧)، و﴿مَتَى﴾ استفهام عن أوان الشيء.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري (٨) من (٩) بني سلمة بن جشم قُتل يوم أحد (١٠) وكان شيخًا كبيرًا وعنده مال
_________________
(١) = والوجه الثالث: أن "لمَّا" لا تدخل على فعل شرط ولا جزاء بخلاف "لم ". [الإملاء (١/ ٢١) - الكتاب (٢/ ٣١٢) - الدر المصون (٢/ ٣٨١)].
(٢) سورة آل عمران: ١٤٢.
(٣) سورة يونس: ٣٩.
(٤) في "أ": (كثرة).
(٥) في "ب": (البلا).
(٦) في الأصل: (قطع).
(٧) سبب نزول هذه الآية - كما قاله قتادة والسدي-: أنها نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والحصر والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى فكان كما قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. [أخرجه عبد الرزاق (١/ ٨٣) - وابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٠)].
(٨) في "أ" "ي": (فيه).
(٩) هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي الخزرجي، شهد العقبة ثم شهد بدرًا، وقتل يوم أحد شهيدًا، ودُفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام في قبر واحد، وكان عمرو أعرج فقيل له يوم أحد: والله ما عليك من حرج لأنك أعرج، فأخذ سلاحه وولى وقال: والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، ثم قال: اللهمَّ ارزقني الشهادة ولا تردَّني إلى أهلي خائبًا، فكان له ما تمنى ورآه النبي - ﷺ - يطأ في الجنة بعرجته - ﵁ - وأرضاه. [الاستيعاب (٣/ ١١٦٨)؛ صفوة الصفوة (١/ ٦٤٣)؛ الإصابة (٤/ ٦١٥)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٣٤٢)].
(١٠) في "ب" "ي": (من).
(١١) في "ب": (بدر).
[ ١ / ٣٧٨ ]
سأل رسول الله - ﷺ - كيف ينفق، وكان ذلك قبل الزكاة فأنزل (١): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ عن ابن عباس: لما كتب الجهاد على المسلمين شقَّ عليهم ذلك لما فيه من المشقة، فنزلت الآية (٢). قال ابن عرفة: الكُره بضم الكاف المشقة، والكَره بالفتح ما أكرهت عليه (٣)، تقديره: ذو كره (٤) لكم. (عسى) لعلَّ، وهو حرف يشبه الفعل ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾ شيئًا على قضيَّة الطبيعة أو على قضيَّة (٥) مجرد العقل [﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي على قضيَّة الوحي مثل التقرب بالرأس وبذل النفس في الجهاد ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يعني على قضيَّة الطبيعة ومجرد العقل] (٦) ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ على قضيَّة الوحي مثل الانتفاع بقليل الخمر والانتفاع بالميتة قبل أن يتسارع (٧) إليه الفساد ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ يعني علل النصوص والمصالح فيها.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نزلت في أول غزاة غزاها المسلمون، وذلك أن رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله بن جحش (٨) قبل بدر بشهرين في
_________________
(١) ذكر ابن حجر في "العجاب" (١/ ٥٣٣ - ٥٣٥) أنَّ مقاتل والثعلبي والواحدي في أسباب النزول ذكروه عن ابن عباس من رواية الكلبي، وكذا ذكره ابن عساكر في "ذيل الأعلام"، وعزاه صاحب الدر المنثور (١/ ٢٤٣) لابن المنذر.
(٢) انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (١/ ٢٣٤).
(٣) قرأ الجمهور "كُرْهٌ" بضم الكاف، وقرأ السلمي بفتحها، فقيل: هما بمعنى واحد، أي: مصدران كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، قاله الزجاج وتبعه الزمخشري، وقيل: المضموم اسم مفعول والمفتوح مصدر. وأما تقدير المؤلف بقوله: "ذو كره" هذا على تأويل يجوز معه الإخبار به عن "هو"، وذلك التأويل إما على حذف مضاف فيكون التقدير على نحو ما ذكره المؤلف: "ذو كره" أو على المبالغة أو على وقوعه موقع اسم المفعول. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٨٠) - الكشاف (١/ ٣٥٦) - الدر المصون (٢/ ٣٨٦)].
(٤) في الأصل: (وذكره).
(٥) (أو على قضية) ليست في "ب".
(٦) ما بين [] ليست في "ب".
(٧) في "أ": (تسارع).
(٨) هو عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي، من المهاجرين الأولين، وممن هاجر الهجرتين. شهد بدرًا، واستشهد يوم أُحد، يُعرف بـ: المجدع في الله لأنه مُثِّل به يوم أُحد وقطع أنفه. [الاستيعاب (٣/ ٨٧٧)؛ معجم الصحابة (٢/ ١٠٨)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢٤٨)].
[ ١ / ٣٧٩ ]
ثمانية رهط من المهاجرين منهم واقد بن عبد الله (١) [التميمي إلى بطن نخلة ترصد عير قريش، فمرَّ بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله] (٢) بن المغيرة ونوفل بن عبد الله في يوم يراه المسلمون سلخ جمادى الآخرة وهو غرَّة رجب، فرمى واقد بن عبد الله بن المغيرة (٣) التميمي وأصاب عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا الحكم وعثمان واستاقوا العير، فلما تبيَّن أن اليوم من (٤) رجب أطنب المشركون في لوم المسلمين وتخوَّف المسلمون أيضًا وباله؛ لأنَّ القتال في الأشهر الحرم كان محظورًا إذْ ذلك، فسألوا رسول الله محمد فأنزل الله الآية (٥).
﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ مكسور على طريق بدل الاشتمال (٦)، وبدل الاشتمال هو إبدال حال الشيء أو ما يجري مجراه منه، وإنما نوِّن ﴿قُلْ (٧) قِتَالٌ﴾ لأنه لم يرد به القتال المسؤول عنه ولكن أخبر ابتداء بإنشاء يوجد في الشهر الحرام، فمنها: قتال، كبير، ومنها (صد عن سبيل الله) والصدُّ هُو المنع والصرف، ومنها كفر بالله وبالمسجد الحرام، ثم استأنف وقال: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ وهو الصد المذكور أكبر عند الله إثمًا ووبالًا ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ وهي
_________________
(١) هو واقد بن عبد الله بن عبد مناة بن عزيز بن ثعلبة التميمي، كان حليفًا للخطاب بن نفيل، أسلم قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها، ولما هاجر إلى المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين بشر بن البراء بن معرور. شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وتوفي في أول خلافة عمر بن الخطاب وليس له عقب. [الاستيعاب (٤/ ١٥٥٠)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ٣٩٠)؛ الإصابة (٦/ ٥٩٤)].
(٢) ما بين []، ليست في "أ".
(٣) في الأصل: (غيره).
(٤) (كان) من "أ" "ب".
(٥) الطبري في تفسيره (٣/ ٦٥٠)، وفي تاريخه (٢/ ٢٥٣) من طريق ابن إسحاق عن عروة بن الزبير، وكذا انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٦٠١ - ٦٠٥). وقد روي مختصرًا عن ابن عباس كما عند ابن أبي حاتم (٢٠٢٣)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٥٠) لابن المنذر والطبراني والبيهقي والبزار.
(٦) قال القرطبي (٤٤/ ٣): (عند سيبويه بدل اشتمال؛ لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، أي يسألك الكفار تعجبًا من هتك حرمة الشهر). اهـ.
(٧) في "ب": (فقل).
[ ١ / ٣٨٠ ]
الكفر ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ المسؤول عنه أو المخبر به، فهون القتال مع كبره بجنب الصدِّ والكفر اللذين دعوا إلى القتال لتكون (١) الجريمة من جَنِيَّة الكفار ولا يحزن المسلمون بمباشرتهم القتال المحظور سهوًا.
ثم أخبر عن عقيدة الكفار فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: لا يبرحون عن قتالكم ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ إن قدروا، ثم حذَّر المؤمنين ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي يرتدّ، وهو لغة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ بطلت (٢) ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ (٣) قيل: اشتقاقه من الحبوط، وحبوط العمل مِنْ حبط الدابة وهو أن تفرط في أكل العشب حتى تنتفخ بطنها فتموت حبطًا (٤)، قيل: لما هوَّن الله تعالى أمر القتال وخفَّف عن المسلمين ذلك طمعوا أن يكتب ذلك لهم جهادًا فيثابوا عليه، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم عطف عليه ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ للجمع بين المؤمنين الذين لم يبتلوا بالقتال في الشهر الحرام وبين المهاجرين الذين ابتلوا به خاصة. و(المهاجرة) المفارقة في اللغة، وهي في الإِسلام رتبة لقوم هجروا أوطانهم وإخوانهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة لوجه الله كما ختم الله النبوة بمحمد ﵊ (٥) ختم الهجرةَ بعمِّه عباس فيما يروى، ومجاهدة الكفار: المبالغة في قتالهم باستفراغ ما في الوسع. ﴿يَرْجُونَ﴾ يطمعون.
_________________
(١) في "ب": (لتكون).
(٢) (بطلت) ليست في "أ".
(٣) (أعمالهم) ليست في "أ".
(٤) الحَبَط في الأصل كما قال الأزهرى نقلًا عن الليث هو وجع يأخذ البعير في بطنه من كلأ يستوبله، وإذا عمل الرجل عملًا ثم أفسده قيل: حبط عمله. وقال ابن السكِّيت: حبط بطنه إذا انتفخ. ومنه قوله ﵇: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا أو يُلِمّ" ومعنى الحديث كما قال الأزهري: أن الحريص المفرط في الجمع والمنع مثل الربيع ينبت أحرار العشب التي تحلو للماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلك، فهو كصاحب المال يجمع ويشح على ما جمع فيهلك في الآخرة. [تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٥) - اللسان "حبط " (٩/ ١٣٩)].
(٥) في "ب": (لمحمد عليه الصلاة) وفي "ي": (لمحمد عليه) وفي الأصل "أ": (لمحمد ﵇).
[ ١ / ٣٨١ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ نزلت في ذكر سؤال عمر - ﵁ -: ما هذه الخمر المضيعة لأموالنا المفسدة ذات بيننا؟ (١)، وهي (٢) سؤال بعضهم عن المال الذي يجب إنفاقه، وقيل أن حمزة هو الذي سأل عن الخمر والميسر، وقيل: اتَّخذ بعض الصحابة دعوة فيها سعد بن أبي وقاص فشربوا وتفاخروا وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار فشجَّه بعضهم ثم ترافعوا إلى رسول الله - ﷺ - (٣) فأنزل (٤)، والخمر المجمع عليها عصير العنب إذا غلي واشتدَّ وقذف بالزبد، واشتقاقها من الخمر وهو كل ما سترك من شجر أو نبات، ويقال: اختمرت المرأة إذا لبست الخمار، وليس كل ما يخامر العقل خمرًا (٥) كما أنَّه ليس كل (٦) ما يبدع بدعة ولا كل ما يبحر بحيرة، وقد روي عن ابن عباس: حرمت الخمر بعينها والسكر من كلِّ شراب (٧)، وقال
_________________
(١) هذه هي رواية مقاتل في تفسيره (١/ ١١١ - ١١٢) وهي ليست في عمر بل عبد الرحمن بن عوف وعلي ونفر من الأنصار، وكذا هي عند الثعلبي في تفسيره كما في "العجاب" لابن حجر (١/ ٣٥٦). وهو مشهور عن عمر بن الخطاب عند الإمام أحمد في مسنده (١/ ٥٣؛ ٢/ ٣٥١)، وأبو داود (٣٦٧٠)، والنسائي (٨/ ٢٧٦ - ٢٨٧)، والترمذي (٣٠٤٩)، والطبري (٣/ ٦٨١)، والحاكم (٤/ ١٤٣)، والبيهقي (٨/ ٢٧٥). وسنده صحيح.
(٢) في "أ" "ي": (وفي).
(٣) (ﷺ) من "ب" "أ".
(٤) (فأنزل) ليست في "أ".
(٥) قال الزجاج: تأويل الخمر في اللغة أنه كل ما ستر العقل، ويقال لكل ما ستر الإنسان من شجر وغيره خمر، ومنه خمار المرأة لأنها تغطي به رأسها. ومنه الخُمْرَة التي يُسْجَد عليها، سمِّيت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض أي تغطيه، ومنه الحديث الذي رواه البخاري (٦/ ٣٥٥)، ومسلم (٣/ ١٥٩٤): "خمِّرُوا آنيتكم"، وقول الشاعر: ألا يا زيدُ والضحاكَ سيرا فَقَدْ جاوزتما خَمرَ الطريقِ [معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٩١) - القرطبي (٣/ ٥١)].
(٦) (كلما) ليست في "أ".
(٧) ثبت عن ابن عباس من قوله رواه النسائي في المجتبى (٨/ ٣٢١)، والكبرى (٥١٩٤، ٥١٩٥، ٦٧٧٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٤٠٦٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢١٤)، وأبو حنيفة في مسنده (٤٥)، والطبراني في الكبرى (١٠٨٣٧، ١٠٨٤١، ١٢٣٨٩، ١٢٦٣٣) وبحشل في تاريخ واسط (١٥٧)، =
[ ١ / ٣٨٢ ]
الحسَن: تحريم الخمر ثبت بهذه الآية؛ لأنَّ الإثم لا يكون إلا في تناول المحظور مع أنَّ (١) الله صرَّح تحريم الإثم (٢) بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ (٣) وقال قتادة: ثبت بآية المائدة وهو قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤) يدل على النهي ويدل عليه ما روي عن عمر أنه كره شرب الخمر فدعا فقال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر، فنزل قوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعا ثانيًا فنزل قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٥) فدعا ثالثًا فنزل قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال عمر: انتهينا انتهينا. وقد حصل إجماع أهل الإِسلام على حرمة الخمر وإن اختلفوا في محرمها (٦).
الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه بقداح لهم سمي ميسرًا لأنه موضع التجزئة وكل (٧) شيء جزَّأته فقد يسرته، والياسِر الجازر (٨).
_________________
(١) = وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢٤)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ١٨٩، ٢٠٢)، والبيهقي في سننه الكبرى (٨/ ٢٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٥٧) وقد ورد مرفوعًا ولا يصح.
(٢) (أن) ليست في "أ".
(٣) إطلاق الإثم على الخمر معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: نشرب الإثم في الصباحِ جهارا فترى الكاس بيننا مستعارا وقول الشاعر أيضًا: شربتُ الإثم حتى ضَلَّ عقلي كذاك الإثمُ تذهبُ بالعقولِ [لسان العرب "أثم" (١٢/ ٦) - تهذيب اللغة (١٥/ ١٦١) - تاج العروس "أثم"].
(٤) سورة الأعراف: ٣٣.
(٥) سورة المائدة: ٩١.
(٦) سورة النساء: ٤٣.
(٧) اختلف أهل العلم في هل لهذه الآية تأثير في تحريم الخمر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن هذه الآية تقتضي ذمها دون تحريمها، وهو مرويٌّ عن السدي وأشياخه وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة ومقاتل. الثاني: أن لها تأثيرًا في التحريم، وهو قول جماعة من أهل العلم منهم الزجاج. وانظر: زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٢٤١). وأما قول عمر بن الخطاب - ﵁ - الذي ذكره المؤلف عندما نزل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال عمر: انتهينا انتهينا، فرواه الطبري في تفسيره (٣/ ٦٨٢).
(٨) في "أ": (فكل).
(٩) (الجازر) ليست في "أ".
[ ١ / ٣٨٣ ]
قال الأزهري (١): وعن مجاهد: الميسر كعاب فارس وقداح الروم (٢)، وعن ابن عمر: الميسر القمار (٣)، وعن القاسم بن محمَّد (٤) أنه سئل عن النرد والشطرنج فقال: كل ما صدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (٥)، وعن ابن سيرين (٦): ما كان من شرب أو قنان أو نَصَفٌ فهو الميسر (٧).
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ هي مثل الربح في بيع الخمر واللذة والنشاط في شربها والفوز بالأموال في القمار ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٨) لأنَّ إثمهما باقٍ ونفعهما فانٍ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ نزلت في جواب السائلين عن المنفعة في الآية الأولى. و﴿الْعَفْوَ﴾ الفضل الذي يسهل دفعه (٩)، يقال: خذ ما
_________________
(١) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (١٣/ ٥٩) والقرطبي في تفسيره (٣/ ٥٣).
(٢) الطبري في تفسيره (٣/ ٦٧٥).
(٣) الطبري في تفسيره (٣/ ٦٧٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٠٥٠).
(٤) هو القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي المدني - ﵃ -، كنيته أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمَّد، من سادات التابعين، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وهو أفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وعقلًا وفهمًا. مات بقديد سنة ثلاث ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقيل غير ذلك. [رجال مسلم (٢/ ١٤٠)؛ تقريب التهذيب (٤٥١)؛ الطبقات الكبرى (٥/ ١٨٧)].
(٥) الطبري في تفسيره (٣/ ٦٧٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٠٥٦).
(٦) محمَّد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري مولى أنس بن مالك. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، سمع جمعًا من الصحابة منهم أبو هريرة وعمران بن حصين وابن عباس وغيرهم. وصفه الذهبي فقال: الإمام شيخ الإسلام. قال المزني: من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا فلينظر إلى محمَّد بن سيرين. توفي سنة عشرة ومائة. [طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٣)؛ التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٩٠)؛ تاريخ بغداد (٥/ ٣٣١)؛ السير (٤/ ٦٠٦)].
(٧) في الطبري (٣/ ٦٧٦): كل قمار ميسر حتى اللعب بالنرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه.
(٨) في الأصل "ب": (منافعهما).
(٩) أكثر المفسرين على أن "العفو" هو الفضل، أي: الفاضل عن الحاجة. انظر: [الطبري (٣/ ٦٨٦) - غريب القرآن/ابن قتيبة (٨٢) - معاني القرآن للفراء (١/ ١٤١) - تفسير البغوي (١/ ٢١٣)].
[ ١ / ٣٨٤ ]
عفا لك، أي جاءك سهلًا، وهذا منسوخ بآية الزكاة وعن ابن عباس والسدي (١)، وقال مجاهد: هذا مفسَّر بآية الزكاة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكير تفعّل من الفكر، وهو البحث عن المعاني (٢) بالاهتمام.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سأل عبد الله بن رواحة (٣) (٤) وعن مقاتل أن السائل عنهم ثابت بن رفاعة (٥) (٦) والسبب في ذلك أنه لما نزل قوله: ﴿إِنَّ (٧) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٨) تحرَّج (٩) الناس وتركوا أموال اليتامى فكان (١٠) يفسد اللبن وينتن اللحم ولا يتعرض أحد، فشقَّ ذلك عليهم فسألوا
_________________
(١) الذي ذهب إلى نسخها السدي عن أشياخه كما في الطبري (٣/ ٦٨٢)، وابن أبي حاتم (٢٠٧٣). وأما عن ابن عباس فذكره الطبري (٣/ ٦٨٢)، وابن أبي حاتم (٢٠٧٣).
(٢) في الأصل "ب": (المعا) وهو خطأ.
(٣) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة، الأمير السعيد الشهيد أبو عمرو الأنصاري الخزرجي البدري النقيب الشاعر، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعده لأنه قتل يوم مؤتة شهيدًا، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة واحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله - ﷺ -. [الاستيعاب (٣/ ٨٩٨)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٠)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ١٨٦)؛ معجم الصحابة (٢/ ١٢٨)].
(٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٤٤) عن أبي سليمان الدمشقي.
(٥) ثابت بن رفاعة الأنصاري ذكره ابن منده وابن فتحون وابن حجر في الصحابة، وكان يتيمًا في حجر عمه وأتى عمه إلى النبي - ﷺ - فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: "أن تأكل بالمعروف من غير أن تَقِيَ مالك بماله، ولا تتخذ من ماله وفرًا" [أخرجه الطبري في تفسيره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد]. [الإصابة (٢/ ٩)؛ الطبري (٦/ ٤٢٢)؛ الدر المنثور (٢/ ١٢٢)].
(٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٤٤) عن مقاتل.
(٧) (إن) ليست في "أ".
(٨) سورة النساء: ١٠.
(٩) في "أ": (تخرج).
(١٠) في "أ": (وكان).
[ ١ / ٣٨٥ ]
رسول الله - ﷺ - (١) (٢) مخالطتهم، وعن الشعبي (٣) والضحاك (٤) أنهم كانوا يتورَّعون (٥) عن أموال اليتامى ويتشاءمون بمخالطتهم على العادة الجاهلية.
قوله: ﴿عَنِ الْيَتَامَى﴾ أي: عن أموالهم ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ﴾ الرعاية والحفظ ﴿خَيْرٌ﴾ من الإضاعة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ بالأموال فتأكلوا معًا وتشربوا معًا من غير تمييز فهم إخوانكم، وقد قال الله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي الذي يخالطهم ليفسد أموالهم ليسَ (٦) كالذي يخالطهم ليصلح أموالهم ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لكلَّفكم ما يشقُّ عليكم، والعنت المشقة، وأكمة عنوت أي شاقَّة المصعد، وعنت البعير إذا أحدث في قوائمه كسر بعد جبر (٧)، وقال ابن الأعرابي: أصل العنت التَّشديد، يقال: فلان يتعنَّت فلانًا ويُعْنِتُهُ ثم نقل إلى معنى الهلاك (٨).
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي (٩) وكان
_________________
(١) (ﷺ) من "ب".
(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٢٥)، والنسائي (٦/ ٢٥٦)، والحاكم (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وسفيان الثوري في تفسيره (٩١).
(٣) الطبري (٣/ ٧٠١).
(٤) الطبري (٣/ ٧٠٤).
(٥) في "أ ": (يتنازعون).
(٦) كلمات غير واضحة فلعلها (ليفسد).
(٧) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٢٧٣) - معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٨٧) - تفسير البغوي (١/ ٢١٤) - الطبري (٣/ ٧١٠).
(٨) نقله القرطبي في تفسيره (٣/ ٦٦) عن ابن الأنباري، وكذا نقله ابن الجوزي عنه في زاد المسير (١/ ٢٤٤). فلعله تصحيف من الناسخ أو من الجرجاني نفسه. والمعروف عن ابن الأعرابي أنه قال: الإعنات تكليف غير الطاقة. هكذا نقله عنه الأزهري في تهذيب اللغة (٢/ ٢٧٥) كما نقل عن ابن الأنباري قوله: أصل العنت التشديد.
(٩) هو الصحابي الجليل مرثد بن أبي مرثد كناز الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أوس بن الصامت، شهد مرثد بدرًا وأحدًا وقتل يوم الرجيع شهيدًا، وكان أميرًا على السرية، وذلك في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من مهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة. [تهذيب التهذيب (١/ ٥٢٤)؛ معجم الصحابة (٣/ ٧٠)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ٤٨)؛ الإصابة (٦/ ٧٠)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٣٩٣)].
[ ١ / ٣٨٦ ]
رجلًا شجاعًا فبعثه رسول الله - ﷺ - (١) إلى مكة ليخرج ببعض المستضعفين سرًا، وكانت له عشيقة بمكة تسمَّى عناق فأبصرته في الطواف فدعته إلى نفسها فأبى وقال: إن الإسلام قد حال بيننا وبين السفاح، ولكن أستأذنُ رسول الله - ﷺ - (٢) الله في (٣) نكاحك فقالت: أبي تتبرَّم (٤) وصاحت، فاجتمع الناس على مرثد وضربوه، فلما رجع إلى رسول الله - ﷺ - (٥) أخبره بالقصة واستأذن في نكاحها فأنزل الله الآية (٦)، وهي عامة في جميع المشركين كلهم أهل الكتاب وغيرهم عن ابن عباس والحسن ومجاهد والربيع ثم (٧) خصصت بآية المائدة (٨)، وقيل: الآية لم تتناول أهل الكتاب لأنَّها نزلت في مشركة غير كتابية، والله تعالى فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب في جميع القرآن (٩).
و(النكاح) في اللغة عبارة عن الوطء حقيقة لقوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (١٠) ولقوله ﵇ (١١): "ملعون مَنْ نكح يده" (١٢)، وعبارة عن العقد
_________________
(١) (ﷺ) من "ب".
(٢) (رسول الله ﷺ) من "ب" "أ" "ي".
(٣) (في) من "أ".
(٤) (فقالت أبي تتبرم) ليست في الأصل.
(٥) (الله ﷺ) من "ب".
(٦) أورده الواحدي في أسباب النزول (٦٧) عن ابن عباس، وردَّه الحافظ ابن حجر في كتابه "الكافي الشافي" (١/ ٢٦٤) بأنه ثبت عند أبي داود والترمذي والنسائي أن هذا ورد بسند حسن في أسباب نزول قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية.
(٧) (ثم) من "أ".
(٨) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٠٩٥) عن ابن عباس ثم قال: وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن ومكحول والضحاك والربيع بن أنس وزيد بن أسلم.
(٩) وهو قول سعيد بن جبير والنخعي وقتادة كما في "زاد المسير" (١/ ٢٤٦).
(١٠) سورة النور: ٣.
(١١) (السلام) ليست في "ي".
(١٢) ذكره الأزدي في "الضعفاء"، وابن الجوزي من طريق الحبسن بن عرفة في جزئه المشهور من حديث أنس ولأبي الشيخ في كتاب "الترهيب"، والحديث ضعيف كما قال ابن حجر. وقال ابن الملقن: غريب جدًا. وانظر: خلاصة البدر المنير (٢/ ٢٠٢)، وتلخيص الحبير (٣/ ١٨٨).
[ ١ / ٣٨٧ ]
الذي وضع لاستباحة (١) الوطء (٢) مجازًا. و(الأمة) المرأة المملوكة ملك اليمين أصلها أموة مثل فروة، وتصغيرها أميَّة، وجمعها إماء (٣)، والعبد: الرجل المملوك ملك اليمين و(لو) للمبالغة كما قال الشاعر:
فقلتُ يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوارأسي لديك وأوصالي (٤)
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ نزلت في مجامعة النساء في الحيض، والسبب في ذلك أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت ولا يواكلونها ولا يشاربونها، فسألوا رسول الله - ﷺ - (٥) فأنزل الله الآية (٦) وهي تقتضي اعتزالًا عن العموم في الظاهر لكن النبي ﵇ (٧) خصَّصها ببيانه وقال: "جامعوهنَّ في البيوت واصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح" فقالت اليهود: ما يدعُ هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن الحضير (٨) وعبَّاد بن
_________________
(١) في "أ ": (للاستباحة).
(٢) (الوطء) ليست في "أ".
(٣) أصل "أَمَة" أَمَوٌ، فحذفت لامها على غير قياس، وعوض منها تاء التأنيث كـ"قُلَة" و"ثُبَة" والذي يدل على أن لامها واو رجوعها في الجمع، ومنه قول الكلابي: أمَّا الإِماءُ فلا يدعونني ولدًا إذا تداعى بنو الإموانِ بالعارِ وهي على وزن فَعَلَة، وتجمع على إموان أو إماء، والثاني أشهر وأكثر استعمالًا، ومنه الحديث: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجد الله" [أخرجه البخاري (٢/ ٣٨٢) - ومسلم (١/ ٣٢٧)]. [ديوان القتال الكلابي ص ٥٤ - أمالي القالي (٢/ ٢٢٣) - اللسان "أما"].
(٤) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ص ٣٢.
(٥) (ﷺ) من "ب" "أ".
(٦) أخرج سبب النزول هذا مسلم في صحيحه- كتاب الحيض (١/ ٢٤٦/ ٣) من حديث أنس بن مالك، وأبو داود في سننه (١/ ٦٧)، والترمذي (٥/ ٢١٤)، والنسائي (١/ ١٥٢)].
(٧) في "ب": (ﷺ).
(٨) أسيد بن الحضير بن سماك الإمام أبو يحيى الأنصاري الأوسي، أحد النقباء الاثني عثر ليلة العقبة. وكان أبوه رئيس الأوس، فقتل يومئذ قبل عام الهجرة. آخى النبي -ﷺ- بينه وبين زيد بن حارثة، قال - ﷺ -: "نعم الرجل أسيد بن حضير" [أخرجه الترمذي وإسناده جيد كما قال الذهبي]. توفي سنة عشرين من الهجرة. [التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٤٧)؛ الاستيعاب (١/ ١٧٥)؛ أسد الغابة (١/ ١١١)؛ الإصابة (١/ ٧٥)؛ شذرات الذهب (١/ ٣١)].
[ ١ / ٣٨٨ ]
بشر (١) يخبران رسول الله - ﷺ - (٢) بقول اليهود ثم قالا: أفلا ننكحهنَّ في المحيض؟ فتغيَّر وجه رسول الله حتى ظنَّ الناس أنه قد غضب عليهما (٣). وأراد بالنكاح المباشرة فيما تحت الإزار، لقول عائشة - ﵂ -: "ربما باشرني النبي ﵇ (٤) وأنا حائض فوق الإزار" (٥).
وعن عمر أنه قال: وأما الحائض فلك منها ما فوق الإزار وليس لك ما تحته (٦)، والمحيض مصدر كالمسير والمصير، وقيل: اسم لأوان الحيض، كالمغرب اسم لأوان الغروب ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ اجتنبوا، افتعال من العزل، وهو قريب من الصرف ﴿النِّسَاءَ﴾ جمع المرأة وكذلك النسوة والنسوان، و(الأذى) كل ما يتأذى ويتقذر منه ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من الدم، عن مجاهد والحسن (٧).
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ بالماء فيأخذ بنفس الطهر فيما إذا كان أيام عشر أو بالطهارة أو وجوب الصلاة فيما دون العشر ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ باعتزاله عن مجاهد (٨)،
_________________
(١) هو عباد بن بشر بن وقش الأنصاري أبو الربيع الأشهلي، من قدماء الصحابة، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا. كان من سادة الأوس، أبلى يوم اليمامة بلاءً حسنًا، وكان أحد الشجعان الموصوفين، وقاتل حتى قُتل بضربات في وجهه - ﵁ - وهو ابن خمس وأربعين سنة. [الاستيعاب (٢/ ٨٠١)، الإصابة (٣/ ٦١١)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٣٧)؛ الثقات (٣/ ٣٠٦)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ٧٨)].
(٢) (ﷺ) من "ب".
(٣) مسلم (٣٠٢).
(٤) في "ب": (ﷺ).
(٥) البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٤).
(٦) ذكره الأطرابلسي من "حديث خيثمة" (١٩٤)، والضياء في المختارة (١/ ٣٧٥، ٣٧٦).
(٧) عن مجاهد رواه الطبري (٣/ ٧٣١)، وذكره ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٢) بدون سند. وأما عن الحسن فلم أجده وإنما وجدت عكسه عند ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٢) بدون سند.
(٨) عزاه لمجاهد ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٤٩)، وهو عند الطبري (٣/ ٧٣٥) حيث رواه مجاهد عن ابن عباس - ﵄ -.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وعن ابن رَزِين (١) (٢) الأمر بالتطهر ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال عطاء: أراد بالتطهر بالماء (٣)، وعن أبي العالية أراد بالتطهر من الذنوب (٤)، والأول أولى لقوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ نزلت في إباحة إتيان النساء في بيان المأتي والسبب في ذلك ما زعم اليهود أن مَنْ أتى امرأته من ورائها كان الولد أحول، وهذا السبب مروي عن ابن عمر وجابر وأم سلمة (٥) (٦)، واتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإتيان وهو المأتي فهو موضع ابتغاء النسل (٧)، وقد روي أن النبي -﵇- قال لذلك الرجل: "فإن الله تعالى قد نهاكم أن تأتوا النساء في أدبارهن" (٨).
_________________
(١) محمَّد بن الحسين بن رزين الحموي أبو عبد الله، ولد سنة ٦٠٣ هـ. من مشايخه أبو عمرو بن الصلاح والسخاوي وغيرهما. قال السبكي: كان فقيهًا فاضلًا حميد السيرة كثير العبادة حسن التحقيق مشارًا إليه بالفتوى. برع في علم التفسير. توفي سنة ٦٨٠هـ. [طبقات الشافعية (٨/ ٤٦)؛ تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٦٥)؛ الوافي (٣/ ١٨)؛ الشذرات (٧/ ٦٤٢)].
(٢) ابن أبي حاتم في تفسيره (٢١٢١)، والطبري (٣/ ٧٣٨)، لكن فيه "عن أبي رزين" وليس ابن رزين، وهو عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٣٣) كذلك.
(٣) الطبري (٣/ ٧٤٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢١٢٤).
(٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٤٩).
(٥) أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومية بنت عم خالد بن الوليد وبنت عم أبي جهل بن هشام، من المهاجرات الأُوَل. دخل بها النبي - ﷺ - في سنة أربع من الهجرة وكانت من أجمل النساء وأكثرهنَّ شرفًا. وهي آخر من مات من أمهات المؤمنين لما بلغها مقتل الحسين غُشِيَ عليها. وتعدُّ من فقهاء الصحابيات. توفي سنة تسع وخمسين من الهجرة. [طبقات ابن سعد (٨/ ٨٦)؛ الاستيعاب (٤/ ١٩٢٠)؛ أسد الغابة (٧/ ٣٤٠)؛ الإصابة (١٣/ ٢٢١)].
(٦) أما عن جابر فهو عند البخاري (٤٢٥٤)، ومسلم (١٤٣٥). وأما رواية ابن عمر فرواها الطبري في تفسيره (٣/ ٧٥١). وأما عن أم سلمة فرواه الترمذي (٢٩٧٩)، وأحمد (٦/ ٣٠٥).
(٧) في الأصل "ي" كتبت الكلمة (النسـ).
(٨) أخرجه ابن ماجه (١٩٢٤)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢١٣)، والبيهقي (٧/ ١٩٧) من حديث خزيمة بن ثابت مرفوعًا. وقال ابن الملقن: إسناده صحيح وصححه الشافعي.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي من أين شئتم وكيف شئتم يدلُّ عليه ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ واتصال قوله ﴿وَقَدِّمُوا﴾ بما قبله من حيث محافظة واستعمال الأحكام ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مجاوزة حدوده ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يؤمنون بهذه الأحكام ويقبلونها طوعًا يرضون الله تعالى.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ نزلت في أبي بكر حين حلف أن لا يحسن إلى مسطح (١)، وباقي قصته في سورة النور (٢)، وقيل: نزلت فيه حين حلف أن لا يصل (٣) إلى ابنه حتى يسلم (٤)، وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان الأنصاري (٥) (٦) ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه (٧)، واتصالها بما
_________________
(١) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف المطلبي المهاجري المذكور في قصة الإفك، كنيته أبو عبادة، وقيل: أبو عباد، شهد مسطح بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -. خاض في الإفك على الصدِّيقة عائشة - ﵂ -، فجلده رسول الله - ﷺ - فيمن جلد، قال الذهبي: إياك يا جريء أن تنظر إلى هذا البدري شزرًا لهفوة بدت منه فإنها قد غفرت وهو من أهل الجنة، وإياك يا رافضي أن تلوح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتها فتجب لك النار. توفي مسطح سنة أربع وثلاثين وهو يومئذ ابن ست وخمسين سنة، وقيل: شهد مسطح صفين وتوفي سنة سبع وثلاثين. [الاستيعاب (٤/ ١٤٧٢)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ٥٣)؛ الإصابة (٦/ ٩٣)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٣٩٥)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ١٨٧)].
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٤٠٢). وكذا ذكره في زاد المسير (١/ ٢٥٣) عن ابن جريج.
(٣) (يصل) ليست في الأصل.
(٤) هذا مروي عن مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ١١٦)، وكذا ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٥٣).
(٥) بشير بن النعمان بن عبيد الأنصاري الأوسي، ذكره الحافظ ابن حجر في الصحابة، قال ابن القدَّاح: قتل يوم الحَرَّة وقتل أبوه يوم اليمامة. [الإصابة (١/ ٢٦٥)].
(٦) في "أ": (الأنصار).
(٧) أورده الواحدي في أسباب النزول ص ٧٢ عن الكلبي، وذكره ابن حجر في "العجاب" ص ٣٨٧.
[ ١ / ٣٩١ ]
قبلها من حيث التقوى، وللـ (عرضة) معنيان؛ أحدهما: العدة المبتذلة. والثاني: الحائل المانع، وأصله من اعتراض الجدار والجذع أو الخيل أو الحية لك في طريقك، فتقديرها على المعنى الأول ﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾ اسم الله عدة مبتذلة لأيمانكم أن لا تبرّوا، وعلى المعنى الثاني: ولا تجعلوا اسم الله مانعًا لأن تبروا أي أبركم، فيكون ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ في موضع الجرِّ بدلًا عن الأيمان على طريق الاشتمال عند الخليل والكسائي (١)، وعند سيبويه في محل النصب تقديره: تاركين أن تبروا أو لتبروا (٢).
ووحدة الأيمان اليمين وهي الحلف وإنما سمِّي يمينًا لأنهم كانوا يصافحون بأيمانهم عند ذلك، وقيل: للتوثيق والتشديد، واليمن القوة عندهم، وعن ابن عباس أن اليمين اسم من أسماء الله تعالى فإن صحت فاليمين بمعنى اليامن، تقول: يمن الله الإنسان يمنًا ويُمنًا فهو ميمون، تقول العرب: يمين الله وأيمن الله وذلك على الجمع، وربما يستخفّون
_________________
(١) ذكره القرطبي (٣/ ٩٩) فقال: (هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي).
(٢) قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ فيه ستة أوجه إعرابية: الوجه الأول: وهو قول الزجاج والتبريزي أنها في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا خير لكم من أن تجعلوه عُرضةً لأيمانكم. الوجه الثاني: أنها في محل نصب على أنها مفعول من أجله، وهذا قول الجمهور، التقدير: إرادة أن تبروا، وقدره المبرد: لترك أَنْ تبروا، وقدره أبو عبيدة والطبري: لئلا تبروا، واستشهدوا بقول الشاعر: فحالِفْ فلا والله تَهْبطُ تَلْعَةً من الأرضِ إلا أنت للذلِّ عارفُ أي: لا تهبط، فحذف "لا". الوجه الثالث: أنها على إسقاط حرف الجر، التقدير: في أنْ تبرّوا، وعلى هذا التقدير تكون في محل نصب عند سيبويه والفراء، وفي محل جر عند الخليل والكسائي. الوجه الرابع: أنها في محل جر عطف بيان لـ"أيمانكم" أي للأمور المحلوف عليها. وهذه الوجه فيه شيء من الضعف. الوجه الخامس: أن تكون في محل جر على البدل من "لأيمانكم" بالتأويل الذي ذكره الزمخشري وهو أقرب من عطف البيان. الوجه السادس وهو أظهر الأوجه: أنها على إسقاط حرف الجر، وهو نفى الوجه الثالث، إلا أن التقدير يختلف فيكون التقدير هنا هو: لإقسامكم على أن تبروا.
[ ١ / ٣٩٢ ]
فيقولون: وأيم الله (١)، وقال أبو عبيد الهروي (٢): يقولون م (٣) والله ومَ والله ومُ (٤) والله، ومَن الله ومن الله ومن الله (٥)، وأيمِ الله بالكسر.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ نزلت في تنويع الأيمان (٦) فذكر نوعين منهما: اللغو والغموس، وذكر النوع الثالث في سورة المائدة، وهو المقصود المأمور بحفظه مع اللغو، و(المؤاخذة) قريب من المضايقة والمناقشة والمعافاة كالنقيض له، و(اللغو) ما لا حكم له أو ما لا وجه له، واليمين من اللغو أن يحلف على شيء ماضٍ أو حال سهوًا فإذا هو بخلافه عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن ومجاهد والسدي والربيع، وعن ابن عباس (٧): ما يجري في اللفظ من غير قصد مثل: لا والله وبلى والله، واليمين الغموس هو أن يحلف على شيء في الماضي وهو يعلم أنه كاذب، سمَّيت غموسًا لغمسها صاحبها في الإثم ثم في النار.
_________________
(١) الأيمان: جمع يمين، وأصله العضو من اليد اليمنى، واستعملت في الحلف مجازًا لما جرت عادة المتعاقدين بتصافح أيمانهم واشتقاقها من اليمن. واليمين اسم للجهة التي هي عكس الشمال أو اليسار. وتجمع اليمين على أَيْمُن وأَيْمَان. وهل المراد بـ"الأيمان" التي في الآية القسم نفسه أو المقسم عليه؟ يجوز الأمران والأول أولى بذلك. [الدر المصون (٢/ ٤٢٩)].
(٢) أبو عبيد الهروي أحمد بن محمَّد بن محمَّد الهروي الشافعي اللغوي صاحب "الغريبين" الذي اشتهر به حتى انتشر بالآفاق. أخذ علم اللسان عن الأزهري وغيره. توفي في رجب سنة إحدى وأربع مائة. [معجم الأدباء (٤/ ٢٦٠)؛ وفيات الأعيان (١/ ٩٠)؛ الوافي (٨/ ١١٤)؛ البداية والنهاية (١١/ ٣٤٤)، السير (١٧/ ١٤٦)].
(٣) في "أ": (يقولون: والله ومَ والله).
(٤) في "أ": (ولم والله وم الله).
(٥) (ومن الله) أربع مرات في "أ".
(٦) تنويع الأيمان هو ما ذكرته أم المؤمنين عائشة - ﵂ - حيث قالت: "يمين اللغو قول الرجل: لا والله وبلى والله وأي والله" [أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٤٧٧)، وأبو داود (٣/ ٥٧١)، والبغوي في تفسيره (١/ ٢٢١)].
(٧) ذكرهم ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٥٤)، وذكر بعضهم البغوي في تفسيره (١/ ٢٢١)، والطبري (٤/ ٣٢)، وابن كثير (١/ ٣٩٢)، والبحر المحيط (٢/ ١٧٩).
[ ١ / ٣٩٣ ]
﴿غَفُورٌ﴾ لم يؤاخذ باللغو ﴿حَلِيمٌ﴾ لم يتعجل بالعقوبة ومكّن من التربة عن الغموس و(الحليم) الذي لا يغلقه الغضب.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ نزلت في حكم الإيلاء وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يحلفون على ترك قرب (١) نسائهم السنة والسنتين لا يقربوهنَّ ولا يسرحوهنَّ، فوقَّت الله ذلك بأربعة أشهر (٢)، وحكم الإيلاء ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ولا تربص بعدها لحظة كما في المطلقة ثلاثة قروء وفي المتوفى عنها زوجها بعد أربعة أشهر وعشرًا، وإن وقت أقل من أربعة أشهر لم يكن موليًا، والإيلاء الحلف والألية والألوة ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يعني في الأربعة الأشهر، وفي قراءة عبد الله (٣): ﴿فإن فاءوا﴾ فيهن، والفيء للقادر بالحنث، وهو الوطء ولغير (٤) القادر بقوله: فِئْتُ لأن الإيلاء لا يزيل الملك في الحال، وإنما يزيل في ثاني الحال فجاز فيه الاستدراك بالقول إذا لم يكن بالفعل كالطلاق الرجعي.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يعني ترك الفيء إلى انقضاء مدة الإيلاء وقعت تطليقة بائنة، هكذا روي عن عثمان (٥) وعليّ وزيد بن ثابت (٦) وابن عباس
_________________
(١) (قرب) من "أ" "ي".
(٢) رواه الواحدي في أسباب النزول (٧٢) عن ابن عباس، ورواه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٥٨) ولفظه: قال ابن عباس - ﵄ -: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوفت الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء؛ وسنده إلى ابن عباس ضعيف.
(٣) في "أ": (أبي عبد الله).
(٤) في "أ": (وبغير).
(٥) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، والخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين، كنيته أبو عمرو، وقيل أبو عبد الله، ولقبه ذو النورين، له مناقب كثيرة لا تحصى، فقد اشترى الجنة في أكثر من موطن، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة خمس وثلاثين، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وعمره ثمانون، وقيل: أكثر، وقيل: أقل. [الاستيعاب (٣/ ١٠٣٧)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ٥٣)؛ تهذيب الأسماء واللغات (٢٩٧)؛ الإصابة (٤/ ٤٥٦)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ١٢٧)؛ تقريب التهذيب (٣٨٥)].
(٦) هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان، الأنصاري النجاري، أبو سعيد =
[ ١ / ٣٩٤ ]
وابن عمر (١)، ولا تتعلق (٢) هذه الفرقة بقضاء القاضي؛ لأنَّ ابتداءه غير متعلق بحكمه بخلاف فرقة اللعان والعنة. و(العزم) القصد، و﴿الطَّلَاقُ﴾ التخلية والتسريح، وإنما يقال للمرأة طالق لأنَّ هذا نعت مختصٌّ بها كالحائض والحامل، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ المطلقة من التطليق دون الإطلاق للمبالغة (٣) في الوصف لأنَّ طلاقها يتأبد (٤) ويوجب حرمة بخلاف الإطلاق المستعمل في الإرسال، والتربص بالشيء (٥): ترقُّب نزول الحادثة.
وإنما قال: ﴿قُرُوءٍ﴾ ولم يقل: أقراء لذكر المطلقات إذ كل مطلقة منهن تتربص ثلاثة أقراء فيجتمع قروءًا (٦) كثيرة، وقيل: "من" فيه مقدر أي: ثلاثة من قروء (٧)، قال أبو عمرو بن العلاء (٨): من العرب من يسمَّي
_________________
(١) = وأبو خارجة، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ -، وأمره أبو بكر أن يجمع القرآن، وأمره عثمان فكتب المصحف وأبيّ بن كعب يملي عليه، وجاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: "أفرض أمتي زيد بن ثابت". قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. فضائله كثيرة، مات سنة خمس وأربعين وقيل غير ذلك، وحديثه في الكتب الستة. [الثقات (٣/ ١٣٥)؛ رجال مسلم (١/ ٢١٣)؛ تهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٤)؛ الاستيعاب (٢/ ٥٣٧)].
(٢) ذكرهم ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير (١/ ٢٥٧).
(٣) في "أ": (يتعلق).
(٤) في "ي": (المبالغة).
(٥) في "أ": (يتأيد).
(٦) (بالشيء) ليس في "ب".
(٧) (أقراء فتجمع قروءًا) ليست في "ب".
(٨) وهذا مذهب المبرد ذكره في المقتضب (٢/ ١٥٩).
(٩) أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان التميمي المازني البصري شيخ القُرَّاء والعربية. ولد سنة سبعين من الهجرة. قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالقراءات والعربية والشعر وأيام العرب، وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف، ثم تنسَّك فأحرقها، وكان من أشراف العرب. وكان ثقة في الحديث ومن أعيان أهل السنة. توفي سنة سبع وخمسين ومائة. [تاريخ البخاري (٩/ ٥٥)؛ تاريخ الإسلام (٦/ ٣٢٢)؛ بغية الوعاة (٣٦٧)؛ طبقات القرَّاء لابن الجزري (١/ ٢٨٨)].
[ ١ / ٣٩٥ ]
الحيض قرءًا، ومنهم من يسمِّي الطهر قرءًا، ومنهم من يجمعهما فيسمِّي الطهر مع الحيض قرءًا (١)، غير أنَّ الحيض أولى لكونه لغة النبي -﵇- (٢)، وإليه ذهب في تفسير (القرء) عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو الدرداء (٣) ومعاذ وأبو موسى الأشعري (٤).
﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحيض والحبل، وعارض بين الشرط والخبر ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ والبعل الزوج مثل فحل وفحولة، ويقال للمرأة بعلة والمباعلة المباشرة ﴿أَحَقُّ﴾ أولى ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾ في حالة العدة إلى حالة لا
_________________
(١) وقول أبي عمرو بن العلاء هذا تبعه فيه يونس وأبو عبيدة، وقولهم هذا الذي جعلوه من الاشتراك اللفظي وأنه من الأضداد في إطلاق القرْء على الطهر وعلى الحيض. ومن إطلاقه على الطهر قول الأعشى: أفي كلِّ عامٍ أنتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لأقصاها عظيمَ عَزَائِكا مُوَرِّتَةً عِزًا وفي الحَيِّ رفعةً لما ضاعَ فيها من قُروءِ نِسَائكا ومن إطلاق القرء على الحيض قول الشاعر: يا رُبَّ ذي ضِغْنٍ عليَّ فارضِ له قروءٌ كقروءِ الحائضِ أي: كدم الحائض. وهذا مذهب جمهور أهل اللسان. [ديوان الأعشى ص ٩١ - شواهد الكشاف (٤/ ٤٧٠) - الدر المصون (٢/ ٤٤٠)].
(٢) في "ب": (ﷺ).
(٣) عويمر بن زيد بن قيس أبو الدرداء الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة، وهو ممن قرأ على النبي - ﷺ - وجمع القرآن في حياته. أسلم أبو الدرداء يوم بدر، وشهد أُحد والمشاهد، وقال فيه النبي - ﷺ - يوم أُحد: "نِعْمَ الفارس عويمر" وقال: "حكيم أمتي عويمر" والحديثان مرسلان. قال أنس - ﵁ -: مات النبي -﵇- ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء ومعاذ وزيد بن ثابت وأبو زيد. وأخباره يطول ذكرها، توفي سنة أثنتين وثلاثين هجرية. [التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٧٦)؛ الجرح والتعديل (٧/ ٢٦)؛ الاستيعاب (٤/ ١٦٤٦)؛ تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٣٦٦)؛ أسد الغابة (٦/ ٩٧)؛ تاريخ الإسلام (٢/ ١٠٧)].
(٤) ذكره القرطبي في تفسيره (٤/ ٨٧)، وابن الجوزي في تفسيره (١/ ٢٥٩) عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى. وذكر ابن الجوزي أبو الدرداء. أما زيد بن ثابت وابن عمر فقد ذكرا فيمن يفسر القرء بالطهر، ذكره القرطبي (٣/ ١١٣)، وابن الجوزي (١/ ٢٥٩). أما معاذ فلم أرَ من ذكره في هؤلاء أو هؤلاء.
[ ١ / ٣٩٦ ]
يعتدون ولا يقتضي للغير فيه حق لقوله: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ في ذلك الوقت ﴿إِصْلَاحًا﴾ استدراك النكاح لا تطويل العدة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ من حق الصحبة وحسن العشِرة درجة رتبة وشرف لما فضَّلهم الله تعالى في العقل وغير ذلك ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بما شاء، حكيم لا يخطىء في حكمه.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يفيد وقوع الطلاق بعد الطلاق سواء جمع أو فرق على وجه المباح أو المحظور، والمرَّة ظرف زمان الفعل الواقع نظيره التارة ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ يفيد جواز الرجعة بعد تطليقتين، والإمساك قريب من الحفظ ونقيضه الإرسال.
وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ بعد الطلقة الثالثة، والتسريح قريب من الإخراج والإبراز، والسنة بتفريقهن في ثلاثة أطهار لم يجامعها (١) فيها تفسيرًا لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ نهي عن منع المهر وبخسه واسترداده في جميع الوجوه، ثم خصَّ الاستثناء بالاغتصاب وأباح النهي عنه عند الخلع ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ إقامة حقوق النكاح. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ يفيد إباحة المنهي عنه للزوج على هذا الوجه وإباحة الافتداء للمرأة برفع إثم (٣) النشوز عنها، ويصحُّ الخلع في غير مجلس القاضي، وإليه ذهب عمر وعثمان وابن عمر (٤) وهىِ تطليقة بائنة سواء ذكر منه طلاق أو لم يذكر ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ تطاء زوجًا لقوله -﵇- (٥)
_________________
(١) المثبت من "ب" وفي البقية (تجامعها).
(٢) سورة الطلاق: ١.
(٣) في "أ": (اسم).
(٤) رواه البخاري عنهم في صحيحه - كتاب النكاح، باب الخلع (٧/ ٦٠) وبه قال شريح والزهري ومالك والشافعي وإسحاق وأهل الرأي، وهي رواية عن أحمد ذكره عنهم ابن قدامة في المغني (١٠/ ٢٦٨).
(٥) في "ب": (ﷺ).
[ ١ / ٣٩٧ ]
لتميمة (١) بنت وهب (٢): "لا حتى (٣) (تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك) " (٤) وهو قول علي وعائشة وأكثر أهل العلم.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ على المرأة والزوج الأول ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ بنكاح جديد ﴿إِنْ (٥) ظَنَّا﴾ إن كان غالب ظنهما أنهما يؤدِّيان حقوق النكاح. ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدمة.
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قربن من منتهى أجلهن، و(الأجل) هو الوقت المضروب، وإنما عبر عن القرب بالبلوغ على سبيل التوسع، يقال: بلغت قرية كذا ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يعني الرجعة ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ بترك الرجعة ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ لا تراجعوهن للإضرار بهنَّ لتطويل العدة ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ عليهن أو لتتعدوا حدود الله ﴿ذَلِكَ﴾ (٦) إشارة إلى المنهي عنه، والكاف علامة الخطاب، فلذلك جاز الاجتفاء بالتوحيد في خطاب الجمع على تقدير العسل أو الحرب وظلم النفس بكسب الوبال عليها (٧) ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ
_________________
(١) في الأصل (أميمة بنت وهب) وهو خطأ. وهي زوجة رفاعة القرظي.
(٢) تميمة بنت وهب من بني قريظة، صحابية جليلة، قال ابن حجر: لا أعلم لها غير قصَّتها مع رفاعة في حديث العسيلة. وكذا قال ابن عبد البر وابن منده، وحديثها هو عن عائشة - ﵂ - قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: كنتُ عند رفاعة فطلَّقني فَبَتَّ طلاقي فتزوجتُ عبد الرحمن بن الزبير وإنَّ ما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها النبي - ﷺ -: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوق عسيلتك" [أخرجه البخاري (٢٦٣٩)؛ ومسلم (١٤٣٣)]. [الإصابة (١٢/ ١٦٧)؛ النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٤٩)].
(٣) في الأصل: (لأختي) وهو خطأ.
(٤) البخاري (٣/ ١٩٢)، ومسلم (٢/ ١٠٥٥) ولفظ الحديث: أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله - ﷺ - وقالت: إن رفاعة بَتَّ طلاقي وتزوَّجتُ بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال -﵇-: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
(٥) (إن) من "أ" "ي".
(٦) (ذلك) ليس في "أ".
(٧) قوله: "ذلك" المخاطب به الرسول أو كل سامع، ولذلك جيء بالكاف الدالة على الواحد، وأما الجماعة وهو الظاهر فيكون "ذلك" بمعنى "ذلكم"، ولذلك قال بعده: "منكم". [الدر المصون (٢/ ٤٦١) - معاني القرآن للزجاج (١/ ٣١١)].
[ ١ / ٣٩٨ ]
اللَّهِ هُزُوًا﴾ لا تستحقوا بحرمتها فيهون عليكم محاورتها ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ الإسلام، ويحتمل أنها عامة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ راجع إلى الحكم المذكور في الآية أو إلى الأمر بالذكر أو إلى ما في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ نزلت في شأن معقل بن يسار (١) المدني كانت أخته جمل بنت يسار تحت رجل من قضاعة اسمه أبو البداح بن عاصم (٢) فطلَّقها، فلما انقضت عدَّتها هويها وهويته فأرادا أن يتراجعا فمنع معقل فأنزل الله الآية (٣)، وعن السدي أن جابر بن عبد الله عضل ابنة عم له فأنزل الله الآية (٤).
وقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أراد إنقضاء الأجل، ولولا ذلك لكان الزوج يقدر على الرجعة من غير نكاح جديد، والعضل التحريج والتضييق، وكذلك الأمر المعضل، وقال للأزواج: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وفي الآية دليل على أن لهنَّ أن يتولين عقود نكاحهن، وفي
_________________
(١) هو معقل بن يسار بن عبد الله المزني، يكنى أبا علي، من مشهوري الصحابة، شهد بيعة الرضوان ونزل البصرة وابتنى بها دارًا، وإليه ينسب نهر معقل الذي في البصرة، ومات بها في آخر خلافة معاوية، وقيل: في ولاية يزيد. [الاستيعاب (٣/ ١٤٣٢)؛ تهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٢)؛ الطبقات الكبرى (٧/ ١٤)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٤٠٩)؛ سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٧٦)].
(٢) أبو البداح بن عاصم بن عدي البلوي، حليف للأنصار لا يختلف في صحبة أبيه واختلف في صحبته، والصواب كما قال ابن حجر أنه ولد سنة ست وعشرين، أي بعد وفاة النبي -﵇- بخمس عشرة سنة. وذكر ابن عبد البر أنه توفي عند سبيعة الأسلمية، قال ابن الأثير: وهذا وهم من ابن عبد البر. [أسد الغابة لابن الأثير (٦/ ٢٧)؛ الإصابة (٤/ ٣٢٤)؛ الاستيعاب (٤/ ٣٢٩)].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير (٨/ ١٩٢)، والنسائي (٦/ ٣٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٢٦)، والدارقطني (٣/ ٢٢٢) وغيرهم عن معقل بن يسار قال: "فيَّ نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ الآية. قال: كنتُ زوَّجتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها حتى إذا انقضت عدَّتها جاء يخطبها فقلت له: زوَّجتك، وأفرشتك، وأكرمتُك فطلَّقتَها ثم جئتَ تخطبها؟! لا والله لا تعود إليها أبدًا؟ قال: وكان الرجل لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فزوَّجتُها إياه".
(٤) رواه الطبري (٤/ ١٧٨) والواحدي في أسباب النزول ص٨٢، وذكره الحافظ ابن حجر في "العجاب" ص ٤٠٨.
[ ١ / ٣٩٩ ]
تسمية الله إياهم أزواجًا بعد ارتفاع العقد وانقضاء العدة دلالة على بقاء التسمية حقيقة بعد زوال المعنى على سبيل الحكاية.
﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ والتراضي تفاعل عند (١) الرضا، والتفاعل يكون بين اثنين فصاعدًا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى النهي والكف عن العضل ﴿أَزْكَى﴾ أدخل في باب التزكية، وقيل: أزكى: أطهر لكم، فجمع بين اللفظين تأكيدًا ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ و﴿يُجَاهِدُونَ (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم على سبيل الجواب. و(الإرضاع) (٣) سقي اللبن، والرضيع الذي يتغذَّى باللبن (٤) بالارتضاع (٥) لا يتغذى بغيره من صغره حولين كاملين لا ينقص منهما ﴿لِمَنْ (٦) أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ﴾ يوفي الرضاعة المفروضة، والإتمام لا يدلُّ على منع الزيادة كقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ والرضاع والرضاعة اسم من الإرضاع (٧) ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي على الأب نفقة الوالدات المرضعات، و(الكسوة) ما يكتسى من اللباس، وهذا يدلُّ أنها نزلت في المطلقات وإلا لكانت النفقة واجبة للنكاح لا للإرضاع.
﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ التكلُّف: الأمر بغير المراد، والوسع: الطاقة، وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ يحتمل معنيين، أحدهما: لا تدخل الوالدة ضررًا على أب المولود بمنع الدرِّ عن الولد، والثاني: لا يدخل أب الولد ضررًا على الوالدة بالاسترضاع كرهًا من غير أجرة أو بانتزاعه منها كرهًا.
_________________
(١) في "أ" "ي": (من).
(٢) في "أ": (وتجاهدون).
(٣) في الأصل: (الارتضاع).
(٤) (باللبن) ليست في "ب".
(٥) في الأصل "ب": (لارتضاع).
(٦) في الأصل: (من) وفي "ي": (فمن).
(٧) قوله: ﴿الرَّضَاعَةَ﴾ البصريون يقولون بفتح الراء مع هاء التأنيث وكسرها مع عدم الهاء، والكوفيون يزعمون العكس. [الدر المصون (٢/ ٤٦٣)].
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يحتمل هذين الوجهين ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ المراد: كل موسر من ذي رحم محرم الأقرب فالأقرب، فإذا اشتركوا في استحقاق الميراث لزم كل واحد على قدر ميراثه وما أخذ الوارث من الإرث والورث (١) وهو الأصل، يقال: فلان يرجع إلى إرث صدق وقيل: الإرث البقيَّة فالوارث الذي يأخذ الإرث، و(الفصال) الفطام ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ مشاورة، وهو أن يعرض بعض القوم رأيهُ على بعض، من (٢) قولهم شار البائع السلعة يشورها، إذا عرضها للبيع، وفيها دلالة أن بعض (٣) الحولين وقت الرضاع، وعن ابن عباس إنْ تراضيا على الفصال قبل الحولين أو بعدهما (٤) ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ بعد الحولين لأنه رفع الجناح.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ناسخة لقوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ وتقديم الناسخ على المنسوخ في التلاوة والكتابة لأحد سببين. إما التعبد وإما الإيقاف (٥) الذي كان بعد فطم رسول الله -ﷺ- (٦) كما اتفق تقديم سورة الجهاد (٧) على سورة المتاركة وهي: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ اسم مبتدأ (٨) وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا يكون إخبارًا عنه،
_________________
(١) في النسخ عدا الأصل: (الورث والإرث).
(٢) في "أ": (ممن).
(٣) المثبت من "ب" وفي بقية النسخ: (بعد).
(٤) الطبري في تفسيره (٤/ ٢٣٦)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٤).
(٥) في الأصل "أ": (الاتفاق).
(٦) (ﷺ) من "ب".
(٧) أي: سورة الأنفال.
(٨) قوله: "الذين" في إعرابه خمسة أوجه: الوجه الأول: أن "الذين" مبتدأ لا خبر له، بل أخبر عن الزوجات المتصل ذكرهنَّ به؛ لأن الحديث معهن في الاعتداد فجاء الخبر عن المقصود إذ المعنى: من مات عنها زوجها تربصت، وإليه ذهب الكسائي والفراء، وأنشد الفراء قول ثابت بن قطنة العتكي: لعلَّي إن مالتْ بي الريحُ ميلةً على ابن أبي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا الشاهد: "لعلي" ثم قال: "أن يتندما". =
[ ١ / ٤٠١ ]
والوجه أنك إذا ابتدأت باسم ثم ذكرت اسمًا مضافًا إلى الأول أو منه بسبب أجزاك أن يبقي الأول وتخبر عن هذا الثاني، قال الأخفش: إنما جاز أن يكون ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرًا بتقدير ضمير عائد إلى (١) المبتدأ تقديره يتربصن (٢) (من بعدهم والضمير في يتربصن) (٣) عائد إلى قوله ﴿أَزْوَاجًا﴾، وقال أبو العباس: تقديره أزواجهم يتربصن، وقال الزجاج (٤): النون في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ قائمة مقام أزواجهم فكأنه قال: يتربصن أزواجهم، والضمير في يتربصن عائد إلى المقدر دون قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ إلا أنَّ في هذين نظرًا.
و(التوفي) (٥) القبض، تقول: توفيت حقي واستوفيت، والمراد: قبض
_________________
(١) = الوجه الثاني: أن له خبرًا و"يتربَّصْنَ" ولا بد من حذف يصحح وقوع هذه الجملة خبرًا عن الأول لخلوِّها من الرابط، والتقدير: وأزواج الذين يتوفون يتربصنَ، ويدلُّ على هذا المحذوف قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لتلك الدلالة. الوجه الثالث: أن الخبر أيضًا "يتربصن" ولكن حذف العائد من الكلام للدلالة عليه، والتقدير: يتربصن بعدهم أو بعد موتهم، قاله الأخفش. الوجه الرابع: أن "يتربصن" خبر لمبتدأ محذوف التقدير: أزواجهم يتربصن، وهذه الجملة خبر عن الأول، قاله المبرد. الوجه الخامس: أن الخبر محذوف بجملته قبل المبتدأ، والتقدير: فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون، ويكون قوله "يتربصن" جملة مبنية للحكم ومفسرة له فلا موضع لها من الإعراب، ويُعْزى هذا القول لسيبويه. [معاني القرآن للفراء (١/ ١٥١) - البحر المحيط (٢/ ٢٢٢) - الكتاب (١/ ١٥٢) - المحرر الوجيز (٢/ ٢١٥) - الدر المصون (٢/ ٤٧٧)].
(٢) في "أ": (على).
(٣) قال القرطبي (٣/ ١٧٤): (وحذف المبتدأ في الكلام كثير؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ أي: هو النار. وقال أبو علي الفارسي: تقديره: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم، وهو كقولك: السمن منوان بدرهم، أي: منوان منه بدرهم. وتقدَّم تفصيل الكلام على هذه الآية والأوجه الخمسة في إعرابها.
(٤) ما بين () ليس في "أ".
(٥) ذكره الزجاج في معاني القرآن (١/ ٣٥١).
(٦) في "أ": (والتو).
[ ١ / ٤٠٢ ]
الأنفس عن الدنيا بالموت ﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون، وهذا فعل لا مصدر له ولا يشتقُّ منه الاسم ولا يذكر بلفظ الماضي ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ باجتناب الزينة والطيب والكحل بالإثمد وترك النقلة عن المترك هكذا روي عن ابن عباس (١) وابن شهاب (٢) (٣) ﴿وَعَشْرًا﴾ أي عشر ليال، وقال ابن (٤) المسيب (٥) وأبو العالية (٦): إنما زيدت عشر ليال لأن فيها ينفخ الروح في الولد ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ من التخلية بينهن وبين ما يردن من التزين للخاطبين والخروج عن البيت على ما يجوز في الشريعة ولا ينكر على ما ﴿عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ التعريض بالكلام صرفه عن الظاهر وعن المراد ﴿خِطْبَةِ﴾ مصدر كالخطب وهو مثل قولك: إنه لحسن المشية والقعدة والجلسة والزكوة،
_________________
(١) الطبري (٤/ ٢٥٦).
(٢) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، الإمام العلم حافظ زمانه. روى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله. ولد سنة خمسين من الهجرة. روى أكثر من ألفي حديث، وقال الليث بن سعد: ما رأيتُ عالمًا قط أجمع من ابن شهاب، وتذاكرنا الحديث في مجلسه بعد العشاء فلم ينتهِ من مجلسه حتى أصبح. وقال الداوودي: أول من دوَّن العلم وكتبه ابن شهاب. وأخباره يطول ذكرها. توفي سنة ١٢٤هجرية. [التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٢٠)؛حلية الأولياء (٣/ ٣٦٠)؛ تاريخ الإِسلام (٥/ ١٣٦)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٨)؛ البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠)؛ السير (٥/ ٣٢٦)].
(٣) ذكره الإمام مالك عن الزهري كما في القرطبي (٣/ ١٧٦ - ١٧٧).
(٤) في الأصل "ب": (أبو).
(٥) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، وهو أحد الفقهاء السبعة. رأى عمر وسمع عثمان وعليًا وغيرهم من الصحابة، اتفق العلماء على إمامته وجلالته وتقدُّمه على أهل عصره في العلم والفضيلة ووجوه الخير. قال قتادة: ما رأيتُ أحدًا أعلم بحلال الله وحرامه من سعيد بن المسيب. توفي سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وحديثه عند الستة. [تقريب التهذيب (٢٤١)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ٧٤)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧)؛ رجال مسلم (١/ ٢٣٧)؛ الطبقات لابن خياط (١/ ٢٤٤)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢١٢)].
(٦) عن ابن المسيب رواه الطبري (٤/ ٢٥٨)، وعن أبي العالية رواه الطبري (٤/ ٢٥٨)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٨٢٤.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقولك: ما خطبك يا فلان؟ أي ما شأنك وإرادتك؟ فالخطبة من الزوج والاختطاب (١) من ولي المرأة والخُطبة من الخطيب في عقد النكاح أو في غيره من المجامع بما يخاطب (٢) ويسمى التشهد خطبَة الصلاة ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أضمرتم، و(الكنّ) الستر سرّارنا عن إبراهيم والحسن، وقال الشاعر:
ويحرُم سِرُّ جارتهم عليهم ويأكل جارُهم أنْفَ القِصاعِ (٣)
وقال ابن المسيب (٤): السِّر أن يواعدها خفية ما لا لئلا تسبقه بنفسها، والقول المعروف ما أبيح على وجه التعريض ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾ تقصدوا عقدة اسم من العقد، وعقد الشيء ضبطه وإحكامه بنوع تأليف الكتاب ﴿أَجَلَهُ﴾ انتهاء العدة التي أوجبها الله عليها، وخوف الشيء اتقاؤه، وإنما ذكر المغفرة والحلم لئلا يميلهم هذا التحذير عن الاعتدال بين الخوف والرجاء، فالله تعالى رفع الجناح عن شين التعريض والإضمار وحرَّم شيئين: المواعدة سرًا وعزم عقد النكاح، أما التعريض فقد قال ابن عباس: أن يقول بمشهدها (٥): إني أريد أن أتزوج بزوجة (٦)، وأما الإضمار أن يخطر بباله أو ينويه من غير عزم صحيح، وأمَّا المواعدة سرًا فقد سبق ذكرها، وأما العزم فهو أن يؤكِّد رأيه عليها ويقصدها من غير تردُّد فيعظم عليه قوتها.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال الكلبي: نزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة ولم يسمِّ لها مهرًا ثم طلَّقها قبل الدخول فقال ﵇ (٧): "متِّعها ولو بقلنسوتك" أما إنها لا تساوي شيئأ ولكني أحببتُ
_________________
(١) في "أ": (فالاختطاب).
(٢) في "أ": (يخا).
(٣) البيت للحطيئة كما في ديوانه ص ٦٢، وذكره الطبري (٤/ ٢٧٩)، وابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٧٧)، والقرطبي في تفسيره (٣/ ١٩١) وهي في قصيدة يمدح فيها بني رياح وبني كلب من بني يربوع.
(٤) رواه الطبري (٤/ ٢٧٠).
(٥) في الأصل: (المشهدها).
(٦) البخاري (٩/ ١٧٨ - الفتح).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
[ ١ / ٤٠٤ ]
أن أحيي السنَّة (١)، وللآية معنيان؛ أحدهما: إباحة الطلاق للرجال إن شاؤوا في الحيض والطهر واحدة وأكثر ما داموا قبل المسيس، والثاني: أن يقيم (ما) مقام اللواتي أو مقام حين ولا تجعلها شرطًا لاستدامة الحال. وفائدة الرخصة على هذا القول نفي تحرجهم عن تلك لما يرونه فرارًا من المهر. وألمرأد بالمس المطلق في باب النساء وكذلك اللمس المطلق في بابهن.
﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ (أو) بمعنى الواو (٢) تسمّوا لهنَّ مهرًا صحيحًا ثابتًا غير فاسد ولا مجهول، والمتعة لها أمور بها واجبة مما يصلح لمثلها على مثله يراعي جنبة الرجل بذكر قدره وجنبة المرأة بقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وعن عمر: أدنى ما يجرى في متعة النساء ثلاثون درهمًا (٣)، وبذلك أمر شريح (٤)
_________________
(١) ذكره ابن حجر في "العجاب" (١/ ٥٩٦) قائلًا: وقال مجاهد وذكره. قال محققه في الهامش: رأيت مثله غير منسوب لقائل في تفسير "مقاتل بن سليمان" (١/ ١٢٣)، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٧٩) عن مقاتل بن سليمان، وعزاه القرطبي (٣/ ٢٠٢) للثعلبي في تفسيره.
(٢) قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ فيه أربعة أوجه: الوجه الأول: أنه مجزوم عطفًا على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فتكون ﴿أَوْ﴾ على بابها، وهو ما ذهب إليه القرطبي وابن عطية. الوجه الثاني: أنه منصوب بإضمار "أَنْ" عطفًا على مصدر متوهم فتكون "أو" بمعنى "إلا". والتقدير: ما لم تمسوهنَّ إلا أن تفرضوا، وهذا الوجه ذكره الزمخشري في تفسيره. الوجه الثالث: أنه معطوف على جملة محذوفة، والتقدير: فرضتم أو لم تفرضوا، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله، وهذا الوجه فيه بُعْد. الوجه الرابع: أن تكون "أو" بمعنى الواو و﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ عطفًا على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فهو مجزوم أيضًا، وهذا الوجه الأخير هو الذي مال إليه المؤلف وهو أقربها. [المحرر الوجيز (٢/ ٢٢٦) - الكشاف (١/ ٣٧٤) - الدر المصون (٢/ ٤٨٧)].
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٠١)، وعزاه صاحب الدر (١/ ٢٩١) لابن عمر.
(٤) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي الفقيه أبو أمية، قاضي الكوفة، أسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يره، فهو تابعىٌّ ثقة، ولي القضاء لعمر وعثمان وعلي ومعاوية ستين سنة إلى أيام الحجاج. توفي سنة سبع وثمانين وقيل غير ذلك وله مائة سنة وقيل مائة وعشرين سنة. [الاستيعاب (٢/ ٧٠١)؛ الطبقات الكبرى (٦/ ١٣١)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ٢٨٧)؛طبقات الحفاظ (١/ ٢٧)؛ سىير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٠)].
[ ١ / ٤٠٥ ]
رجلًا (١). وعن ابن عباس: أعلاها خادم ودون ذلك ورِق ودون ذلك كسوة (٢)، وروي أنه قدم الكسوة على الورِق، وحكم المتوفى عنها زوجها قبل المسيس والتسمية حكم المدخول (٣) بها قضى (٤) بها عبد الله بن (٥) مسعود باجتهاده، وأخبره معقل بن يسار أنه وافق قضاء رسول الله ﵇ (٦) في بروع بنت واشق الأشجعيَّة (٧) (٨).
﴿الْمُوسِعِ﴾ ذو السعة، والسعة في المعيشة و﴿الْمُقْتِرِ﴾ الذي ضاقت معيشته، والقدْر والقدَر (٩) لغتان، وهو الحد مقدر الشيء، تقديره: إما حد ذاته وإما حدّ شأنه وإما حدّ ما يستحقه من الذكر، ويقتضي نوع نذير ممن
_________________
(١) المعروف في الطبري (٤/ ٢٩١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٣٥١) وغيرهما أن شريحًا متع بخمسمائة درهم.
(٢) الطبري (٤/ ٢٩٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٣٥٠)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٥٦).
(٣) في "ي": (الدخول).
(٤) (قضى) ليست في "ي".
(٥) (بن) من "ي" فقط.
(٦) في "ب" "ي": (ﷺ).
(٧) بروع بنت واشق الرّؤاسية الكلابية زوج هلال بن مرة، صحابية جليلة، وهي التي قضى فيها النبي -ﷺ- عندما نكحت رجلًا فتوفي قبل أن يدخل بها أن لها صداق نسائها، والحديث صحيح ومخرج في السنن. [الإصابة (١٢/ ١٥٦)؛ الاستيعاب (١٢/ ٢٢٤)].
(٨) قصة بروع بنت واشق أخرجها النسائي في سننه - كتاب الطلاق، باب عدة المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل بها (٦/ ١٩٨) ولفظها عن ابن مسعود -﵁-: أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات، قال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى فينا رسول الله -ﷺ- في بروع بنت واشق امرأةٍ مِنَّا مثل ما قضيتَ، ففرح ابن مسعود -﵁-.
(٩) قرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وحفص ﴿قَدَرُهُ﴾ بفتح الدال، وقرأ الباقون بسكون الدال، ثم اختلفوا هل هما بمعنى واحد أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش وأكثر أئمة العربية أنهما بمعنى واحد فجائز أن تقرأ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ بفتح الدال و﴿بِقَدَرِهَا﴾ وسكونها [الرعد: ١٧]، وكذا في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
[ ١ / ٤٠٦ ]
يجد ﴿مَتَاعًا﴾ نصب على المصدر (١) أي ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ متاعًا و﴿حَقًّا﴾ نصب على إضمار حكمنا (٢) أو قلنا أو أخبرنا حكمًا أو قولًا أو خبرًا حقًا، قاله الفراء وقال: الحق والباطل في الأحكام دون الأسماء (٣) وإنما خصَّ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ تشريفًا لهم كقوله: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فنصف ما فرضتم فلهن أو فعليكم نصف المسمى ونصف الشيء جزئيه (٤).
﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يسقطن هذا النصف أيضًا (٥) أو بعض ﴿أَوْ يَعْفُوَ (٦) الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ الزوج عن المرأة استرداد نصف المهر، وقيل: المراد به ولي المرأة وليس بصحيح بدلالة قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن عباس: هذا خطاب للأزواج (٧) والنساء جميعًا ولأنَّ عقد النكاح بعد العقد بيد الزوج دون الولي، وإنما كان أقرب للتقوى لأنَّ من ترك حقَّ نفسه كان أصبر على الكف عن كفِّ غيره.
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ولا تتركوا فيما بينكم تفضل بعضكم على بعض بالعفو والمسامحة.
_________________
(١) هذا أحد الوجهين في نصب ﴿مَتَاعًا﴾ وهو أن ينصب على المصدر، وذلك لأنه اسم مصدر، وذكر صاحب البحر في تفسيره أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسم له ثم أطلق على المصدر على سبيل المجاز. والوجه الآخر: أن ﴿مَتَاعًا﴾ منصوب على الحال والعامل فيه ما تضمنه الجار والمجرور من معنى الفعل وصاحب الحال ذلك الضمير المستكن في ذلك العامل، والتقدير: قَدَرُ الموسع يستقرُّ عليه في حال كونه متاعًا. [البحر المحيط (٢/ ٢٣٤) - الدر المصون (٢/ ٤٩٠)].
(٢) في الأصل: (حكمًا).
(٣) ذكره الفرأء في معاني القرآن (١/ ١٥٤).
(٤) في "أ": (أحد جزئيه)، وفي الأصل: (جزؤه).
(٥) (أيضًا) ليست في الأصل.
(٦) (أو يعفو) ليست في الأصل.
(٧) رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل (٢٣٦٣)، ورواه الدارقطني (٣/ ٢٨٠). وذكره ابن الجوزي في تفسيره (١/ ٢٨٠) كما صحَّ عن ابن عباس - ﵄- فيما رواه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٢٢) قال: هو الولي.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تنبيه للمخاطبين وحثٌّ على الائتمار بالأوامر.
وقوله: ﴿حَافِظُوا﴾ الآيتان عارضتان في إيتاء الأحكام الأزواج من حيث التلاوة والكتابة واتصالهما بما قبلهما من حيث قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ إذ هو يقتضي المحافظة على الصلاة وغيرها والمحافظة محافظة الأموال على إقامتها، وهي مفاعلة من (١) الحفظ وهو ضد التضييع، وقيل: المحافظة المواظبة، فكذلك عداها بـ (على)، وقيل: صلاة الوسطى غير داخلة في الصلوات لأنها عطف عليها، وقيل: دخلت فيها إلا أنه ذكرها ثانيًا تشريفًا لها (٢).
و﴿الْوُسْطَى﴾ الذي بين شيئين. قال ابن عباس (٣) وعائشة (٤) وحفصة (٥) (٦) وأبو هريرة (٧) أنها صلاة العصر، وعن أبي روق (٨) في قوله:
_________________
(١) في "أ": (محافظة الحفظ).
(٢) قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ هي عند التحقيق صلاة العصر، فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام، ومثله قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨] والوسطى فُعْلَى. وفعلى بمعنى التفضيل، ولا يبنى للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص.
(٣) الطبري (٤/ ٣٤٩) من طريق العوفي ومن طريق آخر.
(٤) الطبري (٤/ ٣٤٦).
(٥) حفصة أم المؤمنين بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، تزوجها النبي ﵊ بعد انقضاء عدَّتها من خنيس بن حذافة السهمي في سنة ثلاث من الهجرة، وصحَّ أنه ﵊ طلَّق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل ﵇ له: إنها صوامة قوَّامة وهي زوجتك في الجنة. قال الذهبي: إسناده صالح. توفيت حفصة سنة إحدى وأربعين بالمدينة. [تاريخ الإِسلام (٢/ ٢٢٠)؛ تهذيب التهذيب (١٢/ ٤١١)؛ الإصابة (١٢/ ١٩٧)؛ شذرات الذهب (١/ ١٠)].
(٦) الطبري (٤/ ٣٤٨).
(٧) الطبري (٤/ ٣٤٤).
(٨) أبو روق الهمداني عطية بن الحارث، سمع أنس بن مالك والشعبي وإبراهيم التيمي والضحاك وغيرهم من الأعلام، قال ابن عبد البر: ليس به بأس، صالح الحديث، وهكذا قال أحمد وابن معين، وهو صاحب التفسير. [تهذيب التهذيب (٧/ ٢٢٤)؛ الكنى للحاكم (١/ ١٥٨)؛ الجرح والتعديل (١٣/ ٣٨٢)].
[ ١ / ٤٠٨ ]
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾: أقسم بصلاة العصر، وهي التي شغل عنها سليمان (١) وخبر صلوات الخمس (٢) يدلُّ عليه ﴿قَانِتِينَ﴾ ساكتين عن كلام الناس، قال زيد بن أرقم (٣): كنا نتكلَّم في الصلاة حتى نزلت الآية.
وقال أبو سعيد الخدري: كنا نردُّ السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك (٤).
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ جمع راجل كتاجر وتجار وصاحب وصحاب ﴿أَوْ رُكْبَانً﴾ جمع راكب كفارلس وفرسان يعني إن خفتم ميلة العدوِّ عليكم فصلُّوا رجالًا على ما فسّر في سورة النساء أو ركبانًا على ما بيَّنه النبي (٥) - ﵇ - (٦) (٧)، فإذا زال الخوف فصلّوا صلاة الأمن، وقيل: فاذكروه بالثناء والحمد والتسبيح لإيقاع الفعل بعد الخوف كما شرع قبل الخوف، ولا يجوز صلاة راجل (٨) ماشيًا ولا صلاة راكب مسايفًا أو طاعنًا لأن الآية
_________________
(١) هذا مروي عن علي بن أبي طالب أخرجه الطبري (٤/ ٣٤٤)، وابن أبي شيبة (٨٦١٢)، والكامل (٦/ ٤٣٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٠٥) لوكيع والفريابي وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور ومسدد وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب. وهو مرويٌّ عن قتادة، رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٨).
(٢) في "أ": (الخميس).
(٣) هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان الخزرجي الأنصاري، أبو عمرو، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو عمارة، وقيل غير ذلك. صحابي مشهور، غزا مع رسول الله -ﷺ- سبع عشرة غزوة، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة "المنافقون"، وشهد صفين مع علي وكان من خواصه، قال خليفة: مات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين وقيل غير ذلك، أخرج حديثه الستة. [سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٥)؛ تهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٠)؛ الاستيعاب (٢/ ٥٣٥)؛ الإصابة (٥٨٩/ ٢)].
(٤) البخاري (٤٥٣٤)، ومسلم (٣٥/ ٥٣٩)؛وأبو عوانة (٢/ ١٣٩)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٩)، والطبراني في الكبير (٥٠٦٤)، والطبري (٤/ ٣٨٠).
(٥) (النبي) ليست في "أ".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) بَيَّنَ النبيُّ ﵊ ذلك في القتال أمام العدو في حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي -ﷺ- قال: "وإن كانوا أكثر من ذلك فيصلون قيامًا وركبانًا" [أخرجه البخاري (٩٤٣)، والإمام أحمد في مسنده (١٠/ ٤٧١)، ومسلم (٣٠٦ - ٨٣٩)].
(٨) في الأصل: (الأمية).
[ ١ / ٤٠٩ ]
اقتضت عموم الأحوال لا عموم الركبان والرجال، والمراد: الخوف من العدو أو ما يقوم مقام العدو مما فيه تلف النفس.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ نزلت في رجل من المهاجرين يقال له حكيم بن الحارث (١) مات في أول الهجرة (٢)، فأمر الله تعالى وصيَّة لأزواجهم نفقة سنة لا يخرجن مكرهات من بيوت أزواجهنَّ، فإن خرجن طائعات بطلت النفقة ووجبت العدة ثلاثة أقراء.
وعن مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد وأبوان وامرأة فتوفي (٣) فدفع إلى رسول الله -ﷺ- (٤) فأعطى الوصيَّة الوالدين والأولاد بالمعروف والمرأة نفقة سنة، وكان الحكم أن تسكن المرأة بيت زوجها إن كانت من أهل المدر وإن كانت من أهل الوبر (٥) فأنْ تعتزل، وإن خرجت طائعة بطلت النفقة فنسخت الوصيَّة بالميراث والعدَّة بأربعة أشهر وعشرًا أجمعوا أنها منسوخة وإن اختلف في الناسخ (٦) ﴿وَصِيَّةً﴾ نصب على
_________________
(١) حكيم بن الحارث الطائفي. روى الثعلبي عن ابن عباس أنه هاجر بامرأته وبنيه فتوفي بالمدينة، وفيه نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٤] ورفع أمره للنبي -ﷺ- فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول. [الإصابة (٢/ ٢٧٧)].
(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٨٥) عن مقاتل بن حيان، وكذا ذكره ابن حجر في العجاب (١/ ٦٠٠) وعزاه لإسحاق بن راهويه في تفسيره.
(٣) في "أ": (وتوفي).
(٤) (ﷺ) من "ب".
(٥) في "ب" بياض.
(٦) وهذا ما ذهب إليه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٠٦) مستشهدًا بحكم النبي ﵊ في أخت أبي سعيد الخدري سعد بن مالك واسمها الفارعة أن زوجها خرج في طلب عبدٍ له، فلحقه بمكان قريب فقاتله وأعانه عليه اْعْبُدٌ معه، فقتلوه، فأتت رسول الله -ﷺ- فقالت: إن زوجي خرج في طلب عبد له، فلقيه عُلوجٌ فقتلوه، وإني في مكان ليس فيه أحد غيري، وإنَّ أجمعَ لأمري أن أنتقل إلى أهلي، فقال لها رسول الله -ﷺ-: "بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتابُ أجله". [أخرجه أبو داود (٢٣٠١)، والترمذي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٢٠٣١)].
[ ١ / ٤١٠ ]
إضمار الأمر ورفع بالابتداء (١) و﴿مَتَاعًا﴾ نصب بوقوع الوصية عليه، والمصدر ينصب كالفعل (٢) ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ من غير نصب بانتزاع الخافض عند الفراء (٣) وقيل: الإخراج، وقوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ تفسير لما في قوله: ﴿مِمَّا﴾.
_________________
(١) في قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ ثمانية أوجه إعرابية: الوجه الأول: أن "الذين يتوفون" مبتدأ و﴿وَصِيَّةً﴾ مبتدأ ثانٍ وسوغ الابتداء بها لأنها موصوفة. الوجه الثاني: أن تكون ﴿وَصِيَّةً﴾ مبتدأ و﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ صفتها والخبر محذوف، والتقدير: فعليهم وصيةٌ. الوجه الثالث: أنها مرفوعة بفعل محذوف، والتقدير: كتب عليهم وصيةٌ، وهي قراءة عبد الله. الوجه الرابع: أن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ على حذف مضاف من الأول، والتقدير: ووصية الذين. الوجه الخامس: أن "الذين" مبتدأ إلا أنه على تقدير حذف مضاف من الثاني، والتقدير: والذين يتوفون أهلُ وصية. والوجهان الأخيران ذكرهما الزمخشري. وهذه الأوجه الخمسة فيمن رفع "وصيةٌ" وهم ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم، والباقون ينصبونها. [الكشاف (١/ ٣٧٦) - البحر (٢/ ٢٤٥) - المحرر (٢/ ٢٤١) - الدر المصون (٢/ ٥٠١)].
(٢) قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا﴾ في نصبها سبعة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه منصوب بلفظ "وصية" لأنها مصدر منون ولا يضر تأنيثها بالتاء لبنائها عليه، فهي كقول الشاعر: فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ عقابَكَ قد كانوا لنا كالموارِدِ الوجه الثاني: أنه منصوب بفعل إما من لفظه فيكون التقدير: متِّعوهنَّ متاعًا، أو من غير لفظه فيكون التقدير: جعل الله لهنَّ متاعًا. الوجه الثالث: أنه صفة لوصية. الوجه الرابع: أنه بدل منها. الوجه الخامس: أنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: يوصون متاعًا فهو مصدر أيضًا من غير لفظ فعله، فهو كقولك: قعدتُ جلوسًا. الوجه السادس: أنه حال من الموصين. الوجه السابع: أنه حال من أزواجهم. [المحرر (٢/ ٢٤١) - الكشاف (١/ ٣٧٧) - الدر المصون (٢/ ٥٠٣)].
(٣) ذكره الفراء في معاني القرآن (١/ ١٥٦) وكذا قال أبو البقاء العكبري في "الإملاء" (١/ ١٠١).
[ ١ / ٤١١ ]
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ خبر وليس بأمر لكنه مستحبٌّ عندنا لكلِّ مطلقة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ عارضة في أثناء أحكام (١) الشريعة والذي أوجب إيرادها هاهنا هو الأمر بالقتال بعدها ليكو ن وا أقدر على فريضة القتال بعد إلاعتبار.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تنتهِ رؤيتك إليهم كما تقول للطليعة: أما ترون أما تبصرون إلى موضع كذا غبارًا أو كيفية، والمراد به رؤية القلب وهو العلم كقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) وألف الاستفهام في مثل هذا الموضع لا تقتضي (٣) استعلامًا ولا نفيًا ولا إثباتًا ولكنها للتوقيف كقولك: ألم تسمع، أما سمعت، أما بلغك، إلا أنها مع التوقيف تقتضي إحداث تعجب واستجهال (٤) (في الحقيقة وأما في المجاز فيجوز إطلاقه سواء) (٥) تعجبت واستجهلت أم لم (٦) تتعجب ولم تستجهل (٧)، والفعل رأى يرأى إلا أن الهمزة حذفت استخفافًا فأعطيت الراء حركتها.
و﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ جماعة من بني إسرائيل، روى السدي عن أبي مالك: كانوا في قرية يقال لها داورْدَان تقرب من واسط العراق (٨)، والألوف جمع ألف، وزعم ابن زيد أنه جمع ألف أي مؤتلفة القلوب (٩)، وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف (١٠).
_________________
(١) في "أ": (الأحكام).
(٢) سورة سبأ: ٦.
(٣) في "أ": (يقتضي).
(٤) بدل (واستجهال) فراغ في "ب".
(٥) ما بين () ليس في "ب".
(٦) في الأصل: (كم).
(٧) قال ابن قتيبة: (وهذا على جهة التعجب، كما تقول: ألا ترى إلى ما يصنع فلان) ذكره ابن الجوزي في تفسيره (١/ ٢٨٧).
(٨) أخرجه الطبري (٤/ ٤١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٥٨)، وذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٣٠).
(٩) أورده الطبري (٤/ ٤١٨)، والبغوي في تفسيوه (١/ ٢٥٠)، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢٨٨)، وابن عطية (٢/ ٢٤٧).
(١٠) الطبري (٤/ ٤١٤)، وابن أبي حاتم (٢٤١٣).
[ ١ / ٤١٢ ]
وعن مقاتل ثمانية آلاف (١)، وعن عطاء سبعين ألفًا (٢)، وعن السدي وأبي مالك ثلاثين ألفًا (٣)، وعن أبي روق عشرة آلاف، وعن الضحاك عددًا (٤).
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي الطاعون، وقال الحسن: حذر القتل في القتال (٥) ﴿مُوتُوا﴾ أمر تكوين وتصيير وإلجاء ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ردَّ إليهم الحياة الدنيوية بعد أن صاروا عظامًا في قول السدي وهلال بن يساف (٦) ومجاهد ووهب (٧) وبعد أن أروحت (٨) أجسادهم (٩) رائحة الموتى من قول الكلبي ومقاتل،
_________________
(١) ابن الجوزي (١/ ٢٨٨)، وذكره القرطبي (٣/ ٢٣٠) دون نسبة لأحد.
(٢) عند الطبري في تفسيره (٤/ ٤١٨) ذكر عن عطاء أنهم كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر، وهو عند البغوي في تفسيره (١/ ٢٩٣)، وذكره ابن الجوزي (١/ ٢٨٨) ولكنه ذكر (تسعين).
(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٢٢٣) عنهما، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٧)، وذكره ابن الجوزي (١/ ٢٨٩) عن أبي مالك. أما عن السدي ببضعة وثلاثين ألفًا.
(٤) وأقرب الأقوال في ذلك ما رجحه الطبري في تفسيره - والله أعلم- حيث قال: وأولى الأقو الذي مبلغ عدد القوم قول من حَدَّ عددهم بزيادة عن عشرة آلاف، وذلك أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفًا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: ألوف. وإنما يقال: هم آلاف إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدًا إلى العشرة آلاف، وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف أو عشرة ألوف. الطبري (٤/ ٤٢٣).
(٥) المشهور عن الحسن أنهم خرجوا فرارًا من الطاعون كما في زاد المسير (١/ ٢٨٨)، والقرطبي (٣/ ٢٣٢).
(٦) هو هلال بن يساف ويقال: ابن أساف الأشجعي الكوفي، يكنى أبا الحسن، تابعي أدرك عليًا، ذكره ابن حبان في الثقات. وكان ثقة كثير الحديث، استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له في الأدب، وروى له الباقون. [تهذيب التهذيب (١١/ ٧٦)؛ رجال مسلم (٢/ ٣٢٥)؛ الثقات (٥/ ٥٠٣)؛ تهذيب الكمال (٣٠/ ٣٥٣)].
(٧) أما عن السدي فرواه الطبري (٤/ ٤١٧)، وابن أبي حاتم (٢٤٢٠). وأما عن هلال بن يساف فرواه ابن أبي حاتم (٢٤١٨)، والطبري (٤/ ٤٢٢). وأما عن مجاهد فذكره ألطبري (٢/ ٥٨٧). وأما عن وهب فرواه الطبري (٤/ ٤١٨).
(٨) أي أصبحت ذات رائحة.
(٩) في "أ": (أجسامهم).
[ ١ / ٤١٣ ]
قالوا: كان الإحياء بدعوة حزقيل النبي - ﵇ - (١) قال القتبي (٢): هو حزقيل (٣) بن بوزا (٤)، وقال مقاتل أن حزقيل هو ذو الكفل - ﵇ - (٥).
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمر لأمة محمَّد -ﷺ- (٦) مرتب على (٧) الأمر بمحافظة الصلوات، وقال مقاتل بن حيان (٨) أنه أمر لهؤلاء (٩) الموتى بعد الإحياء.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ يعطي القرض، والقرض في الأصل هو القطع، ثم استعير لما تقتطعه من مالك فتدفعه إلى أخيك لينفقه ويغرم مثله من غير عقد ولا تأجيل، ثم استعمل في تقديم الحسن والسيء إذا اقتضت الجزاء، قال أميَّة بن أبي الصلت (١٠):
لا تخلطن خبيثاتٍ بطيِّبة واخلع ثيابك منها وانجُ عريانا
كلُّ امرىءٍ سوف يُجزى قرضًا حسنًا أو سيئًا ومدينًا مثل ما دانا (١١)
_________________
(١) (السلام) ليس في "ي".
(٢) هو ابن قتيبة الدينوري.
(٣) في "ب": (بوحز).
(٤) في الأصل: (يوذا) بالياء والذال.
(٥) (السلام) ليس في "ي".
(٦) (وسلم) من "ب".
(٧) (على) من "أ" "ي".
(٨) في "أ": (حبان) بالباء.
(٩) في الأصل: (تهولا).
(١٠) أمية بن أبي الصلت شاعر جاهلي وُلد ونشأ في الطائف، وهو من أشعر شعراء ثقيف كما قال أبو عبيدة، وقد أدرك الإِسلام ورأى النبي -ﷺ- لكنه لم يسلم. وقال قصيدة في رثاء قتلى بدر من المشركين الذين فيهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وهما ابنا خاله، فشقَّ ثوبه وبكى. وكان يريد الإسلام فلما رأى ذلك رجع وقال: لا حاجة لي بدين من قتل هؤلاء، وقال: الآن حلَّت لي الخمر، فسكر حتى مات. وكما قال النبي -ﷺ- عندما سُئل عنه قال: "آمن شعرُه وكفرَ قلبُه". [البحر المحيط (٤/ ٤٢٢)؛ طبقات فحول الشعراء للجمحي (١/ ٢٥٩)؛ أمية بن أبي الصلت وشعره د. بهجة الحديثي].
(١١) البيتان لأمية بن أبي الصلت، وهما في ديوانه ص. ٦٣ وانظر: لسان العرب "قرض" (٧/ ٢١٦)، وتاج العروس (١٩/ ١٧)، وتهذيب اللغة (٨/ ٣٤٠)، والطبري في تفسيره (٤/ ٤٢٩).
[ ١ / ٤١٤ ]
والمضاعفة والتضعيف أن يزيد (١) على الشيء مثله مرة فصاعدًا ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أراد الأخذ بالقبول والدفع بالجزاء.
وعن أبي أمامة (٢): لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: [استقرض ربُّنا وهو غني، قال النبي - ﵇ -: "نعم، أراد بذلك أن يدخلكم الجنة" فرجع] (٣) واستقبل أبا (٤) الدحداح (٥) عمرو بن الدحداح الأنصاري فأخبره الخبر فجاء أبو الدحداح وقال: يا رسول الله إن أقرضت قرضًا تضمن لي بالجنة؟ قال: "نعم" قال (٦): وزوجتي؟ قال: "نعم" قال (٧): وصبيتي؟ قال: "نعم" قال: فإني أُشهدك يا رسول الله أني (٨) جعلتُ حائطيَّ قرضًا لله ﷾، فقال رسول الله: "يا أبا الدحداح إنا لم نسألك (٩) كليهما فأمسك إحداهما معيشة لك ولعيالك" قال: إذًا فخيرهما للهِ تعالى ثم رجع حتى أتى أمَّ الدحداح وهي تحت النخل مع صبيانها وأنشأ يقول:
هداك ربي إلى سبيل الرشادِ إلى سبيلِ الخيرِ والسَّدادِ
_________________
(١) في "أ": (تزيد) بالتاء.
(٢) أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله -ﷺ-، روى عنه علمًا كثيرًا وهو ممن بايع تحت الشجرة وصحب النبي في حجة الوداع وكان عمره ثلاثين سنة. توفي سنة ست وثمانين هجرية. [طبقات ابن سعد (٧/ ٤١١)؛ التاريخ الكبير (٤/ ٣٢٦)؛ الجرح والتعديل (٤/ ٤٥٤)؛ تاريخ ابن عساكر (٨/ ١٤٥)]
(٣) ما بين [] ليس في الأصل.
(٤) في "أ": (أبو).
(٥) ويقال أبو الدحداحة الأنصاري المحابي، قيل: اسمه ثابت، وقال ابن عبد البر: لا أقف على اسمه ولا على نسبه غير أنه من الأنصار، وكما في صحيح مسلم: "كم من عذق مدلى في الجنة لأبي الدحداح". [الاستيعاب (٤/ ١٦٤٥)؛ تهذيب الأسماء (٢/ ٥١١)].
(٦) (قال) من "أ" "ي".
(٧) (قال) من "ي".
(٨) (أني) من "أ" وفي البقية (إن).
(٩) في الأصل: (نسلك).
[ ١ / ٤١٥ ]
تدني من الحائطِ بالودادِ وقد مضى قرضًا إلى التنادِ
أقرضتُة لله على اعتمادِ طوعًا بلا منٍّ ولا ارتدادِ
إلا رجاء الضعفِ في المعادِ فارتحلي بالنفسِ والأولادِ
والبر لا شك فخير زادِ قدّمه المرء إلى المعادِ
قالت أم الدحداح: أما إذا بعتَ من الله ورسولِهِ فبيع ربيح لا يقال ولا يستقال، وأيم الله لولا ذلك لم تملك إلا حصتك، فأنشأ يقول:
بشَّرك (١) الله بخيرٍ وفرح مثلك أدَّى (٢) مالديه ونصح
أزلك الحظ إذا الحظ وضح (٣) قد متَّع الله عيالي ومنح
بالعجوة السوداء والزهر البلح والعبد يسعى وله ما قد كدح
طول الليالي وعليه ما اجترح
ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أتوا الحائط الآخر، فقال النبي -﵇- (٤):"كم من عِذقٍ رداح وقصر فياح لأبي الدحداح في الجنة" (٥).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ
_________________
(١) في الأصل: (بشوك).
(٢) في "أ": (مثل أجري).
(٣) هذا البيت غير موجود في بعض المصادر،
(٤) (السلام) ليس في "ي".
(٥) بهذا السياق ذكره القرطبي في تفسيره (١/ ٢٣٧ - ٢٣٩)، وساق القرطبي سنده للرواية. والقصة موجودة في الطبري (٤/ ٤٣٠)، وابن أبي حاتم (٢٤٣٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠١)، والبزار (٥/ ٤٠٢)، وسعيد بن منصور- كتاب التفسير (٤١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٤٩). وأصل الحديث في صحيح مسلم (٩٦٥) من حديث جابر بن سمرة.
[ ١ / ٤١٦ ]
أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ في أشمويل بن هلقا (١) ويروى هلقاثاو (٢) في شأن داود بن إيشا - ﵇ -، والقصَّة في ذلك أن بني إسرائيل مكثوا دهرًا ما لهم ملك يقاتل، وقد استولى عليهم أعداؤهم يسكنون ساحل بحر الروم (٣) بين مصر (٤) وفلسطين يقال لهم البلشتاثا (ويروى البلشتانا ولهم ملك يدعى جالوت، فلقي بنو إسرائيل منهم بلاء) (٥) شديدًا لما غلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرًا من أولادهم، وكان عهد الله فيما يروى إلى بني إسرائيل من بعد موسى ويوشع - ﵈ - (٦) ألا (٧) يقاتلوا إلا من قاتلهم، فلما آل الأمر إلى ما ذكرنا نبغ في بني إسرائيل طاغية ودعاهم إلى أن يملِّكوه ويبايعوه ليقودهم إلى القتال، فبايعوه على ذلك ثم جاؤوا إلى (٨) أشمويل بن هلقا واسم أمه حنَّة وكان يدعى ابن العجوز (٩). ويروى عن السدي أنه كان يسمى شمعون أيضًا، وهو بالعربيَّة سمعون (١٠) أي سمع الله دعاء أمه فيه واختاره للنبوة.
ويقال: هو المراد بإسماعيل المذكور في سورة الأنعام بين إلياس واليسع وكان من نسل هارون، وطلبوا منه ملكًا يرجون أن يشيرهم إلى
_________________
(١) الذي وجدته في الطبري (٤/ ٤٣٩): (شمويل بن بالي)، وفي بعض المصادر (شمويل بن حنة) نسبة لأمه. كما ذكره الطبري في تاريخه (١/ ٤٥٩).
(٢) في الأصل بياض.
(٣) هو البحر الأبيض المتوسط الآن.
(٤) (مصر) ليست في "أ".
(٥) ما بين () ليست في "أ".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في "أ": (أن لا).
(٨) (إلي) في "أ".
(٩) في "أ": (الفجور).
(١٠) الأثر هذا عن السدي بطوله الذي ذكره المؤلف. أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٤١)، وفي تاريخه (١/ ٤٦٧)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٦٣)، وذكره في زاد المسير (١/ ٢٩٢).
[ ١ / ٤١٧ ]
ما بايعوه فقال أشمويل: هل كدتم تمتنعون عن القتال؟ قالوا: لا، فملَّك عليهم بوحي من الله طالوت وهو رجل من سبط يامين وكان مسكينًا راعي حمير وكان خرج من قريته يطلب حمارين له فنزل بأشمويل - ﵇ - (١) فأعلمهم أنه ملكهم فأبوا أن يقبلوه لأنه لم يكن من سبط النبوة وهو سبط لاوي بن يعقوب ولا من سبط الملك وهو سبط يهودا، ولم يكن له (٢) مال أيضًا، فأعلمهم أن الله فضَّله عليهم بالرأي والمنظر والنجدة، وهذه المعاني أسباب الملك دون الأصل، فلما كذبوه أتى بمعجزة على دعواه وهي الإخبار عن التابوت الذي كانت (٣) فيه السكينة وبقيَّة من تركة موسى وهارون ﵉، وذلك أن التابوت إنما كان ذلك من شمشار (٤) مقدار ثلاثة أذرع في ذراع كانت بنو إسرائيل بعد موته في الحروب يجعلونه (٥) أمام جندهم فإذا صوّت وسار ساروا خلفه وإذا سكن وقفوا بوقفه، ثم استولى على ذلك التابوت قوم من العمالقة فذهبوا به فجعل الله في أعينهم الناسُور (٦) (٧) فعلموا أن ذلك أصابهم بغصبهم (٨) التابوت فحملوها على عجل وشدّوها إلى ثورين وتركوا الثورين في (المفازة فبعث الله ملائِكة تسوق الثورين إلى) (٩) ديار بني إسرائيل وأخبرهم أشمويل - ﵇ - بمجيء ذلك التابوت قبل أن يأتيهم (١٠) ذلك فصدقوه وقبلوا طالوت - ﵇ - طوعًا أو كرهًا.
ثم إن طالوت سار بهم إلى العدو، فلما انتهى إلى نهر فلسطين
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في الأصل "أ": (لهم).
(٣) في "أ": (كان).
(٤) في بعض المصادر (شمسار).
(٥) (ويجعلونه) في"أ".
(٦) في الأصل: (الناسوب).
(٧) في بعض المصادر (الباسور).
(٨) في الأصل: (بفضيهم).
(٩) ما بين () ليست في"أ".
(١٠) في "أ" (أتاهم).
[ ١ / ٤١٨ ]
أخبرهم بإلهام الله تعالى وتوفيقه (١) من جهة أشمويل - ﵇ - (٢) أنَّ الله تعالى جعل ذلك النهر محنة للمخلصين وغيرهم.
فمن شرب منه فوق غرفة جبن عن القتال ولم يكن من أصحاب طالوت، ومن اقتصر على مقدار غرفة أيَّده الله تعالى وكان من (٣) أصحابه، فشربوا منه وعصوا أمره إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا من جملة ثمانين ألفًا فإنهم شربوا على (٤) مقدار غرفة فجعل الله لهم رواء وعبروا النهر.
﴿وَلَمَّا (٥) بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ واستنصروا الله (٦) ومدَّ أشمويل بوحي من الله طالوت الملك بداود وهو إذْ ذلك صبيٌّ وله ستة إخوة مع طالوت كلّهم أكبر منه، ونادته في مسيره ثلاثة أحجار كل واحد يقول: خذني يا داود فإني أصنع بجالوت كذا وكذا، فجعلها في مخلاة له، فلما شهد الفئتين وجد جالوت بين الصفين عليه بيضة من نحاس فيها ثلاثماية رطل وبقاسها (٧) الجوشن وسائر السلاح، ووجد طالوت الملك يطوف على أصحابه ويحرِّضهم ويضمن لمن خرج نصف ملكه وتزويجٍ ابنته، فقال داود: أنا أخرج إليه، فاستحقره واستحقره الناس أيضًا، وقال إخوته: إنما يقول هذا القول من عزته وصباه، ثم قال له طالوت: هل جرَّبتَ نفسك؟ قال: نعم، قصد الأسد ذات يوم سائمة أبي فأخذت بفكَّيه وشققته نصفين، قال إخوته: إن هذا لمن عزتهً أيضًا حيث خاطر بنفسه لاستنقاذ السائمة، قال داود - ﵇ - (٨): كان ذلك أمانة مني وشققته على ما لي.
_________________
(١) في "أ" "ي": (أو بتوفيق).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (من) ليست في "ب".
(٤) (على) ليست في "أ".
(٥) (ولما) من "ب" وفي البقية: (وبرزوا).
(٦) (الله) من "أ" "ي".
(٧) في الأصل: (ويقاسها).
(٨) (السلام) ليست في "ي".
[ ١ / ٤١٩ ]
فدعا له طالوت بالبركة فإذا هو طويل عليه فنزعه (١) وبرز إلى جالوت وفي يده مقلاع ومِلقاع لغة، قال جالوت: بم تقاتلني أيها الصبي؟ قال: بمقلاعي هذا، قال: بمثله يقاتل الملوك؟ قال داود: وهل يرمى الكلب إلا بالحجر؟ ثم أدخل يده في مخلاته ليستخرج الحجر من تلك الثلاثة فإذا هي تراكمت وصارت كتلة واحدة فأخرجها وجعلها في ملقاعِه وأدارها من فوق رأسِه ثم رمى بها جالوت، فلما انتهت إليه صارت ثلاثة كما كانت، فوقع أحد الثلاثة في رأسِهِ والآخر في فؤادِهِ والآخر في خاصرتِهِ، فخرَّ جالوت قتيلًا ونفذت الأحجار منه فقتلت أناسًا كثيرًا من الكفار وانهزم الباقون.
ثم إن طالوت ندم على ما ضمن من تزويج ابنته ونصف ملكه وحسد داود - ﵇ - (٢) وتوارى منه داود - ﵇ -، وافترقت بنو إسرائيل فرقتين، وطال القتال إلى أن صفا الأمر لداود - ﵇ - وجمع له الملك والنبوة، وتاب طالوت بعد شرٍّ كثير واستشهد هو وبنوه في سبيل الله (٣) (٤).
وعن مقاتل (٥) أن أصحاب جالوت (٦) كانوا من بني إسرائيل أيضًا إلا أنهم كانوا كفارًا، وذكر ابن المقفى: أنَّ جالوت كان من عشيرة فرعون، وعن قتادة أن هذا النبي هو يوشع بن نون ولا أدري كيف جمع بينهما يعني يوشع وداود من طول العهد، وقيل: إن الملائكة لم تسُق الثورين وإنما رفعته بين السماء والأرض.
_________________
(١) في"ب": (نزعه) بدون واو.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) هذه القصة من الإسرائيليات التي ذكر قسمًا منها جلُّ المفسرين كالقرطبي والطبري وغيرهم. وقد تقدَّم أن الإسرائيليات لا تصدَّق ولا تكذَّب كما قال - ﵇ -: "حدًّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
(٤) (الله) ليست في "ب".
(٥) في "ب": (مجاهد).
(٦) في "ب": (طالوت).
[ ١ / ٤٢٠ ]
﴿الْمَلَإِ﴾ الوجوه والأشراف لا واحد له من لفظه، والأملاء (١) جمع الجمع، وقيل: الملأ جماعة تمتلي بها الأعين، وسمع النبي - ﵇ - (٢) رجلًا يقول يوم بدر: قتلنا عجائِز صلعًا، فقال - ﵇ - (٣): "أولئك ملأ من قريش لو حضرت فعالهم احتقرت فعالكم" (٤) (٥) وإنما حَسُن دخول (هل) على (عسى) لأنَّ (عسى) (٦) يشبه (٧) الأفعال و(ما) للنفي عند المبرد (٨)، وقوله: ﴿أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ في تقدير الابتداء، وقال غيره: (ما) للاستفهام، والعلة في دخول (أن) اعتبار المعنى والمعنى ما يمنعنا أن نقاتل (٩) وكذلك قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾.
_________________
(١) في "أ": (والأملان).
(٢) (السلام) ليست في "ي" وفي "ب": (ﷺ).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١/ ٣٣٣). ويطلق الملأ على حسن الخلق، ومنه الحديث: "أحسنوا الملأَ فكلكم سيروى" أخرجه مسلم، والقرطبي (٣/ ٢٤٣) ويجمع على أملاء، ومنه قول الشاعر: وقال لها الأملاءُ من كلِّ معشرٍ وخير أقاويل الرجال سديدُها وكما قال المؤلف: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه.
(٥) في الأصل: (احتقرتي فعالهم).
(٦) (لأن عسى) ليست في "أ".
(٧) في الأصل "ب ": (تشبيه).
(٨) مدلول "عسى" إن شاء لأنها للترجي أو للإشفاق، فدخول "هل" عليها لأن الكلام محمول على المعنى. قال الزمخشري: والمعنى: هل قاربتم ألا تقاتلوا أراد أن يقول: عسيتم ألاَّ تقاتلوا، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل "هل" مستفهمًا عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير، وهذا القول أقرب ممن قال أنها خبر لا إنشاء. [الكشاف (١/ ٣٠٨) - الدر المصون (٢/ ٥١٦)].
(٩) قوله: ﴿أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ فيه ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنها على حذف حرف الجر، والتقدير: وما لنا في ألا نقاتل، أي في ترك القتال، ثم حذفت "في" مع "أَنْ" فجرى فيها الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه أهي في محل جر أم نصب. الوجه الثاني: وهو مذهب الأخفش، أن "أَنْ" زائدة، ولا يضر عملها مع زيادتها كما لا يضر ذلك مع حروف الجر الزائدة، وعلى هذا فالجملة المنفية بعدها في محل نصب على الحال.=
[ ١ / ٤٢١ ]
﴿أُخْرِجْنَا﴾ أجلينا من ديارنا وأخرجنا من بين ظهراني أهالينا وذرياتنا.
وقيل: إنها خفض قوله: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ على الاتباع، والتقدير: وسبيت أبناؤنا (١) ويجوز الإعراب على الاتباع لقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.
﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ والبَسطة والانبساط التوسع وقيل: الزيادة والفضل ﴿وَالْجِسْمِ﴾ الجوهر المؤلفه ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو الصندوق على وزن فاعول مثل كانون وجمعه توابيت بلغة قريش وبلغة الأنصار التابوه (٢) والتوابيه والتوابيت (٣)، والسكينة فعل في معنى الطمأنينة، والمراد بها ههنا ذات (٤) السكينة، واختلف فيها قال علي أنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان (٥).
وعن مجاهد أنها كانت من الزبرجد وكان لها جناحان ورأس كرأس الهرَّة (٦)، وعن وهب بن منبه أنها كانت روحًا من الله يكلِّمهم بالبيان (٧)، وعن السدي أنها طشت من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ﵈ (٨)، و(البقية) هي عصا موسى ورضراض (٩) الألواح، عن ابن عباس وقتادة
_________________
(١) = الوجه الثالث: وهو ما ذهب إليه الطبري أن هناك واوًا محذوفة قبل قوله: ﴿أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ التقدير: وما لنا ولأن لا نقاتل.
(٢) في "أ": (أباونا).
(٣) قرأ زيد بن ثابت ﴿التابوه﴾ وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء. هذا ما قاله القرطبي (٣/ ٢٤٨).
(٤) في "أ": (والتوابيت).
(٥) في الأصل: (هاهنا الذات).
(٦) الطبري (٤/ ٤٦٧)، وابن أبي حاتم (٢٤٧٤)، والطبراني في الأوسط (٦٩٤١).
(٧) الطبري (٤/ ٤٦٨)، وابن أبي حاتم (٢٤٧٦)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ١١٨).
(٨) الطبري (٤/ ٤٦٩)، وابن أبي حاتم (٢٤٧٩).
(٩) الطبري (٤/ ٤٧٠)، وابن أبي حاتم (٢٤٧٨)، وهو مروي عن ابن عباس كما رواه الطبري (٤/ ٤٧٠).
(١٠) في "أ" "ب": (ورضواض).
[ ١ / ٤٢٢ ]
والسدي (١)، والتوراة (٢) وشيء من ثياب موسى ومن كتب العلم عن الحسن وعمامة هارون وقفيز المن أيضًا في بعض الروايات (٣)، والمراد بآل موسى وآل هارون أنفسهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ على زعمكم، وذلك لأنهم كانوا قد كفروا بردِّهم على نبيهم.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ خرج من البلد كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ (٤) والجنود جمع الجند، وهو الجيش، فمن شرب من مائه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ لم يذقه، والطعم يشمل المأكول والمشروب (٥) جميعًا ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ الاستثناء راجع إلى الشاربين خصَّ نَهْيَهُ به (٦) بعد العموم، والغرفة من المائع كالقبضة من الذرير ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ على الوجه المحظور ﴿جَاوَزَهُ﴾ (٧) عبره ﴿طَاقَةَ﴾ وسع وهو الاستطاعة ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ ما أكثر من فئة وإن كانت سؤالًا عن كثرة الشيء وقلَّته إذا نصب ما بعده فإنه يعبر به عن الكثرة عند المبالغة إذا جرَّ ما بعده، وكذلك كائن إلا (٨) أن (كم) أعم (٩)
_________________
(١) أما عن ابن عباس فرواه الطبري (٤/ ٤٧٣)، وابن أبي حاتم (٢٤٨٤). وأما عن قتادة فرواه الطبري (٤/ ٤٧٣). وأما عن السدي فرواه الطبري (٤/ ٤٧٤).
(٢) المثبت من "ب" وفي البقية: (التورية).
(٣) عن الحسن لم أجده، لكن ورد ذكر التوراة والعلم في رواية مجاهد وعطاء بن أبي رباح، وورد ذكر عمامة موسى ولم أجد (عمامة هارون) وقد ورد ذكر السنن وعمامة موسى في رواية مقاتل. انظر: زاد المسير (١/ ٢٩٥)، والقرطبي (٣/ ٢٥٠).
(٤) سورة يوسف: ٩٤.
(٥) ومنه قول العرب: طعمت الشيء أي: ذقت طعمه، ومنه قول الشاعر [وينسب للعرجي]: فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكمُ وَإنْ شئتِ لم أَطْعَمْ نُقَاخًا ولا بَرْدا [الكتاب (٢/ ٢٩٠) - القرطبي (٣/ ٢٥٢) - ديوان العرجي ص ١٠٩].
(٦) (به) من "أ" "ي".
(٧) في الأصل: (مجاوزة).
(٨) في الأصل: (لا).
(٩) قوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ "كم" خبرية، فإن معناها التكثير، ويدلُّ على ذلك قراءة =
[ ١ / ٤٢٣ ]
منه، و(الفتنة) الفرقة، قال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (١) وهو مأخوذ من قولك فاوت رأسه وفايته إذا شققته فانفرف و(الغلبة) العزّ بفتح الغين.
﴿بَرَزُوا﴾ خرجوا، والمبارز الذي يخرج في وجه خارج غيره للقتال ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ أي صبَّه علينا صبًّا يغمرنا كما يغمر الماء الإنسان ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: شجِّعنا فلا ننهزم، وتثبيتك الشيء إقامتك إياه، الأقدام جمع قدم وهي مقدم الرجل ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ كسروهم، وأصل الهزم الكسر (٢)، وسقاء منهزم أي منكسر بعضه على بعض، ويقول: هزمت البئر والبير الهزيمة التي خسفت حتى فاض ماؤها، ومنه الحديث: "زمزم هَزْمَةُ جبريل" (٣) أي ضربها برجله، وقصب منهزم منكسر، ثم كسر الجند منهزم وردهم والنيل منهم بالأسر والقتل ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ والحال يدلُّ عليه.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولولا دفع الله بعض الناس ببعض ﴿لَفَسَدَتِ﴾ خربت (٤) ثم اختلف في كيفيَّة الدفع، قيل: يدفع الكفار بالمؤمنين، وقيل: يدفع الرعاء (٥) بالملوك، وقيل: يرفع الله البلاء عن البعض ببركة بعضهم كما روي في الحديث: "لولا رجال خشَّع وصبيان رُضَّع وبهائم رُتع لصُبَّ عليكم العذاب صبًّا" (٦).
_________________
(١) = أُبَي ﴿وكائن﴾ ومحلها الرفع بالابتداء، و"من فئة" في محل نصب على التمييز لأن "من" زائدة واْكثر ما يجيء مميزها ومميز ﴿وكائن﴾ مجرورًا بـ"مِنْ". [البحر المحيط (٢/ ٢٦٧) - الدر المصون (٢/ ٥٣٢)].
(٢) سورة النساء: ٨٨.
(٣) ذكره القرطبي (٣/ ٢٥٦).
(٤) الحديث رواه الدارقطني (٢/ ٢٨٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩١٢٤) موقوفًا على مجاهد، والحديث ضعفه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٥/ ٢٢٣).
(٥) في "أ": (لخربت).
(٦) في الأصل "أ": (الدعاء).
(٧) الحديث رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠٩)، وفي الأوسط (٦٥٣٩، ٧٠٨٥)، وأبو يعلى في مسنده (٦٦٣٣،٦٤٠٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٩٦٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٦٤)، وابن قانع في معجم الصحابة (٦٧٥)،=
[ ١ / ٤٢٤ ]
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، والآية دليل على نبوة نبينا - ﵇ - لأن الوحي الظاهر لا يكون إلا إلى الأنبياء فأخبر عن رسالته أيضًا لئلا يتوهم سامع الآية نبوة من غير رسالة. ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى المرسلين ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أفاد العلم بتفاضل الرسل -﵈- بالخصال الشريفة بعد استوائهم في رتبة الرسالة كتفاضل المؤمنين فيها بعد استوائهم في رتبة الإيمان، وتقدير ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ كلَّمه الله والذين كلَّمهم الله مثل آدم وموسى ونبينا ﵈. و﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب على التفسير (١) كقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ (٢).
وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ (٣) بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٤) والدرجة كالخطوة يقال: جاء على أدراجه، وذهب على أدراجه، ودرج القوم إذا مضوا وانقرضوا، إلَّا أنَّ أكثر استعمالها في المعاني ولذلك تسمى الثنايا الغلاظ مدارج، وتدرج فلان إذا ترقى شيئًا بعد شيء، فإذا الدرجة المرقاة، والمراد ههنا الرفعة بالشأن دون الجثث (٥)، ومن الذين رفعهم الله درجات آدم بسجود الملائكة وافتتاح النبوة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (٦) وإدريس برفعته ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٧) ونوح
_________________
(١) = وابن عدي في الكامل (١/ ٢٤٣؛ ٦/ ٣٨٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٤٥)، وفي الشعب (٩٨٢٠) والحديث ضعيف غير ثابت.
(٢) قوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ في نصبه ستة أوجه، ذكر المؤلف الوجه الأول منها وهو النصب على التفسير. والوجه الثاني: أنه مصدر واقع موقع الحال. والوجه الثالث: أنه حال على حذف مضاف، والتقدير: ذوى درجات. الوجه الرابع: أنه مفعول ثانٍ لـ"رفع" على أنه ضمن معنى بلَّغ بعضهم درجات. الوجه الخامس: أنه بدل اشتمال أي: رفع درجاتٍ بعضهم. الوجه السادس: أنه مصدر على معنى الفعل لا لفظه، لأن الدرجة بمعنى الرفعة، فكأنه قال: ورفع بعضهم رفعات. [البحر (٢/ ٢٧٣) - الدر المصون (٢/ ٥٣٦)].
(٣) سورة الإسراء: ٢١.
(٤) في "أ" "ي": (أنبئكم) وهو خطأ.
(٥) سورة الكهف: ١٠٣.
(٦) في "أ": (الخبث).
(٧) سورة البقرة: ٣١.
(٨) سورة مريم: ٥٧.
[ ١ / ٤٢٥ ]
بالنصرة العامَّةِ ونشر ذريته، وإبراهيم بالبركة عليه وعلى آله، وبأن له لسان صدق في الآخرين، وموسى بالكلام والكتاب وابتعاث الأنبياء على شريعته، وعيسى بالآيات والرفع، ونبينا بالدعوة العامة والمعجزة الباقية وبنسخ الشرائع وختم النبوة وبالمعراج الأعلى والشفاعة المدَّخرة صلوات الله على جميع الأنبياء والمرسلين ﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ﴾ ما اختلف الذين وما اشتجروا يدلُّ عليه قوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ وإنما عبَّر عنه بذلك لأنه قضيته (١) وغايته ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ دليل على أنه لم يشأ اتفاقهم وشاء اختلافهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ يدلُّ على أنه شاء كينونة اختلافهم فخلقه فيهم تمكينًا ومدًّا على ما أراد من غير إخبار ليميز الخبيث من الطيب بالحكمة.
﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ لا دفع بالثمن كما أن الشراء أخذ بالثمن والبيع دفع به ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ صداقة وهي مصدر الخليل، وعن الحسن (٢) أن المراد بالنفقة الزكاة (٣)، وعن ابن جريج (٤) التطوع وإنما أمر بالمبادرة ليقدموا خيرًا فلا يخسروا يومًا لا بيع فيه فيفتدوا ولا خلَّة فينبسطوا في خير أخلائهم ولا استبداد لِأَحَدٍ في الشفاعة فيشفعوه إلى أن يفدي الله تعالى من شاء من المؤمنين بمن شاء من الكافرين ويزيل الأهوال عن أفئدة المتقين فيعودا متحابين متشفعين بإذنه ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بترك المبادرة.
عن أُبي بن كعب أن النبي - ﵇ - (٥) سأله: "أي آية في كتاب الله تعالى أعظم؟ " (قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أبا المنذر! أتدري أي آية في كتاب الله تعالى أعظم؟ ") (٦) قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ
_________________
(١) في الأصل: (قضيته).
(٢) عن الحسن ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٣٠١)، والقرطبي (٣/ ٢٦٦).
(٣) في "ب": (الصلاة) وهو خطأ.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٢٣)، وعزاه السيوطي في الدر لابن المنذر (١/ ٣٢٢)، وذكره القرطبي (٣/ ٢٦٦).
(٥) (السلام) ليست في "ي" وفي "ب": (ﷺ).
(٦) ما بين () ليست في "أ".
[ ١ / ٤٢٦ ]
الْقَيُّومُ﴾، قال: فضرب على صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر" وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١). واتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الفريقين والإنذار بيوم الدين ليزيد ذكر الله تعالى خشوع قلوب قدّر لها الخشوع، واسم الله مبتدأ و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبره و﴿الْحَيُّ﴾ ذو المشيئة والقدرة (٢) و﴿الْقَيُّومُ﴾ الدائم الفعل، وقيل: الثابت بنفسه، وقيل: القائم بالحوائج (٣) وزنه فيعول من القيام والقيام فيه لغة، و(السِّنة) الوسن وهو النعاس ومخامرة النوم مع اليقظة، و(النوم) السبات وانقباض الروح من غير قطع وسبب مع بقاء القوى الحيوانية (٤) في الجسد، وإنما نفى النوم بعد الوسَن على طريقة قولهم: ما لفلان قليل ولا كثير ونفي القليل ربما أثبت
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥٥٦)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٤١)، والحاكم في مستدركه (٣/ ٣٠٤) وصححه، ووافقه الذهبي والبغوي في تفسيره (١/ ٢٦٧).
(٢) هذا جنوح من المؤلف عن المعنى الحقيقي لـ "الحي"، ومعناه كما قال ابن جرير الطبري (٤/ ٥٢٧): الذي له الحياة الدائمة والبقاء الذي لا أول له بحد ولا آخر له بأمد. وبهذا التفسير لمعنى الحي عليه عامة المفسرين كالبغوي في تفسيره (١/ ٢٦٨) والزجاج في معاني القرآن (١/ ٣٣٣) والسمعاني في تفسيره (٢/ ٣٩٢) وغيرهم، ومع أن المؤلف أشعري في تأويلاته لآيات الصفات فهو يخالف بتفسيره هذا حتى الأشاعرة الذين يثبتون صفة الحياة لله -﷿-، فالأشاعرة عامتهم يثبتون سبع صفات لله جمعت في قول الناظم: له الحياة والكلام والبصر علم إرادة وخلق واقتدر ولعل المؤلف ما أراد تفسير ذات الكلمة "الحي" بهذا التفسير وإنما أراد شيئًا متعلقًا فيها، فما من حي إلا وله مشيئة وقدرة، والله أعلم بمراد المؤلف.
(٣) قوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ بمعنى القائم بالحوائج كما قال المؤلف، وبه فسر الطبري معنى القيوم مستشهدًا بقول أمية بن أبي الصلت: لم تُخْلَقِ السماءُ والنجومُ والشمسُ مَعْها قَمَرٌ يعومُ قَدَّرَهُ المهَيمنُ القَيُّومُ والحشرُ والجَنَّةُ والجحيمُ إلا لأمر شأنُهُ عظيمُ وأصل "قيُّوم" قَيْوُوم، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء فصار قيومًا. [الطبري (٤/ ٥٢٨) - ديوان أمية ص ٢٤].
(٤) في "ب": (للحيوانية).
[ ١ / ٤٢٧ ]
الكثير كقولك: غير مرَّة وغير واحد ولا يطيقه رجل ورجلان، فأكد النفي بهما كما قال زهير (١):
لا سنة في طوال الدهر تأخذهُ ولا ينام ولا في أمرِهِ فندُ (٢)
﴿مَا﴾ قائم مقام الأشياء، أي له الأشياء التي ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من غير عرض وجوهر ﴿مَنْ ذَا﴾ استفهام بمعنى النفي كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ والاستثناء مخصص للنفي وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [يفيد إحاطة العلم بهم من أولهم إلى آخرهم (٣) ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، (٤) أي بشيء من معلومه إلا أَنَّ الإحاطة بصفة الله من المحال كما تقول: هذا الدرهم ضرب الأمير، وفيه دليل على أن العقول قاصرة عن إدراك أقصى العالم وإن كان محدودًا متناهيًا في علم الله تعالى والكرسي مبنيٌّ على النسبة كالدَّردي والخرثىّ والمراد به العلم عند بعضهم (٥) و(العرش) الرفيع المستوي عليه عند
_________________
(١) هو زهير بن أبي سُلمى-بضم السين- واسم أبي سلمى: ربيعة بن رياح بن قرط بن مازن، وزهير هو الشاعر الجاهلي المشهور، قال ابن عساكر: كان معاوية يقول: كان أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وأشعر أهل الإسلام ابنه كعب، وحدث حرملة بن يحيى فقال: سمعتُ الشافعي يقول: كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحَّر في الشعر فهو عيال على زهير، قال أبو أحمد العسكري: كان موت زهير قبل المبعث. [الطبقات لابن خياط (١/ ٣٩)؛ تاريخ بغداد (١٣/ ٣٤٦)؛ تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٣٤)؛ الإصابة (٥/ ٥٩٥؛ ٦/ ٣٠٧)].
(٢) ديوان زهير بن أبي سلمى ص ١٢٨.
(٣) في "ب": (آخرهم إلى أولهم).
(٤) ما بين []، ليست في "أ".
(٥) هذا القول نصره الطبري في تفسيره بأدلة أثرية ولغوية. ولم يثبت أثره عن ابن عباس. والكرسي ثبت أنه موضع قدم الرب ﷾ عن ابن عباس في الطبري وابن أبي حاتم، وهو الأثر الثابت الوحيد في التفسير المأثور، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٥٧): والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في المستدرك وقال: إنه على شرط الشيخين عن ابن عباس -﵄- أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله -﷿-. وكذا قال الطحاوي في شرح العقيدة الطحاوية وردَّ كلام الطبري. ورجح الأزهري كلام ابن كثير كما في تهذيب اللغة (١٠/ ٥٤) =
[ ١ / ٤٢٨ ]
بعضهم وكرسي دون العرش عند الآخرين (١) وسمي الكرسي المعهود لاستقلاله بما يوضع عليه أو بمن يجلس عليه.
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ أي لا يوقره ولا يكله ولا يعجزه، والكناية راجعة إلى الله تعالى عند بعضهم، والكناية في ﴿حِفْظُهُمَا﴾ عائدة إلى الجنسين السماء والأرض ﴿الْعَلِيُّ﴾ العالي عن مساواة غيره ﴿الْعَظِيمُ﴾ الممتنع بجلاله عن الإحاطة به.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ عن الحسن وقتادة والضحاك: نزلت في أهل الكتاب والمجوس إذا بدلوا الجزية (٢)، وعن السدي وابن زيد أنها منسوخة بآيات القتال (٣)، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: نزلت في أبناء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لأحدهم الولد دفع ما ولد له من ولد إلى اليهود ليعيش تَيَمُّنًا بأهل الكتاب (٤) فنشأ كثير من أولادهم فيما بين اليهود متهوِّدين، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا أن يخيِّروا أولادهم على الإسلام فنهاهم الله تعالى عن ذلك (٥)، وقيل: الإكراه إنما يكون قبل الإعجاز وإقامة الحجة، فأما العمل على الحق بعد البيان فلا وإن كان بالسيف
_________________
(١) = وأثبت أن الكرسي موضع القدمين وقال: هذه الرواية - رواية ابن عباس التي أخرجها الحاكم- اتفق أهل العلم على صحتها والذي روي عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار.
(٢) الصحيح -والله أعلم- أن الكرسي هو غير العرش، وهذا الذي ذكره ورجحه ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٥٨)، والقرطبي (٣/ ٢٧٨)، والطحاوي في عقيدته (ص٣١٢). وقال ابن كثير: روي عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش، وهذا لا يصحّ عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره [البداية والنهاية (١/ ١٣)] أو صحَّ عنه ﵊ عن أبي ذر الغفاري مرفوعًا: "الكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة" رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره (١/ ٢٣).
(٣) ذكر عن الثلاثة في أهل الكتاب كما في القرطبي (٣/ ٢٨٠) ولم يذكروا المجوس، وكذا عند الطبري (٤/ ٥٥١).
(٤) ذكره عنهما ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٣٠٦).
(٥) في "ب": (من أهل).
(٦) رواه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائي في تفسيره (٦٨، ٦٩)، وابن حبان (١٤٠) وسنده صحيح.
[ ١ / ٤٢٩ ]
كالمطالبة بالحق بعد شهادة الشهود، والإكراه الحمل على غير المراد وإلجاء واضطرار ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ الإصابة والاستقامة و﴿الْغَيِّ﴾ ضده، والرشد والرَّشد والرشاد (١) بمعنى.
و(الطاغوت) اسم لكلِّ معبود دون الله تعالى أو مطاع في معصية الله (٢)، وهو واحد يذكر في لفظه مشتق من الطغيان، وقال أبو علي: هو مصدر يوضع موضع الجمع والواحد (٣) (٤)، و(الاستمساك) والتمسك بمعنى اللزوم وشدة الأخذ. و(العروة) المتعلق يقال: عروة الجوالق وعروة الكوز وعروة الباب، قال الأزهري (٥) (٦): وعروة الكلأ ما له أصل نابت كالشيح الأرضي، وهذا مثل للتمسك بالمعرفة والتوحيد بإذن الله ﴿لَا انْفِصَامَ﴾ انكسار وانصداع من غير أن يبين (٧)، وفي الحديث: "درَّة بيضاء لا فصم فيها ولا قصم" (٨) ويروى: "ولا وصَم".
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أراد ولاية النص، ولذلك خصَّ المؤمنين
_________________
(١) في "أ": (والرشد).
(٢) وهو راضِ بذلك (المحقق).
(٣) (والواحد) ليست في " ".
(٤) ذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٨١)، والسمين الحلبي في تفسيره (٢/ ٥٤٧) ونقلا مذهب أبي علي الفارسي من أنه مصدر في الأصل، ولذلك يوحد ويُذَكَّر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان وقيل: هو اسم جنس مفرد، فلذلك لزم الإفراد والتذكير، وهذا مذهب سيبويه وقيل: هو جمع وهذا مذهب المبرد وهو مؤنث بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.
(٥) (قال الأزهري) ليس في "أ".
(٦) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ١٥٩) وقال في معنى الآية: فقد عقد لنفسه من الدين عقدًا وثيقًا لا تحلّه حجَّة.
(٧) وهذا قول الجوهري كما في تهذيب اللغة (١٢/ ٢١٣) ومنه قول ذي الرمَّة يذكر غزالًا شَبَّهَهُ بدمْلُج فضة: كأنَّهُ دُمْلُجٌ من فضةٍ نَبَهٌ في مَلْعَبٍ من جوارِي الحيِّ مفصومُ
(٨) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة" (٤٦٠)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (١٩٦ - زوائده)، والخطيب البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٢٩٦) والحديث ضعيف.
[ ١ / ٤٣٠ ]
يخرجهم بالتوفيق والتأييد دون الإلجاء فلا يستحقون ثوابًا إذا أدّوا الدعوة فيشاركهم غيرهم، وإنما شبَّه الكفر بالظلمات لأنه وإن كان ملَّة واحدة فإنَّ فيه اعتقادات مختلفة، وجعل النور مثلًا للإيمان لأنه اعتقاد واحد، فأما ضلالات أهل البدع في الإيمان فليس بإيمان هان لم يكفروا بها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ (١) الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالتسويل (٢) والغرور بعد خذلان الله ومشيئته العامة التي هي علَّة الأشياء كلها، ومثل النور الفطرة، إذ كل مولود يولد على الفطرة، وقيل: المراد به بعض من الاعتقادات (٣)، وقيل: إنه الإيمان فتكون الآية خاصة في المرتدين، وقيل: إنه العقل.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ نزلت في شأن إبراهيم - ﵇ - ودعوته نمرود إلى الإسلام، والقصة فيه أن نمرود قيل هو فريدون بن كنعان بن حام بن هويجهان (٤) بن أرفخشد (٥) علا في (٦) الأرض بعد الضحاك بن علوان بن عمليق بن عاد واعتقد في النجوم القدرة وتدبير الدنيا، واتَّخذ أصنامًا على أسمائها ثم ادَّعى الربوبية لنفسِهِ على أحد الأوجه الثلاثة، إما على وجه المخاريق واليزنجات، وإما على وجه ما رزق من الغلبة والقهر واستعباد الناس واحتواء الممالك، وإما على وجه رأى لنفسه في قضية أحكام المنجمين من العلو في الأرض، والوجه الأول أظهر لوقاحته وارتكابه بقوله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ وكان قد اتفق له ظن بخروج (٧) إبراهيم - ﵇ - إما من جهة أخبار الأنبياء المتقدمة وإما من جهة الأراهيص والأوهام، وإما من جهة أحكام المنجمين فكاد يقطع النسل
_________________
(١) في الأصل: (أولياء).
(٢) في "أ": (بالتسوية).
(٣) في "أ" "ي": (الاعتقاد).
(٤) في الأصل: (توجمعان) وفي "أ": (يونجهان).
(٥) اسمه في بعض المصادر (النمرود بن كوش)، وفي بعضها (النمرود بن كنعان)، وفي بعضها (النمرود بن فالج)، وأما بقية الاسم فلم أجده.
(٦) بدل (علا في) بياض في الأصل.
(٧) في "أ": (خروج).
[ ١ / ٤٣١ ]
لذلك وأبى الله إلا إتمام نوره، والقصة طويلة، فلما بعثه الله إليه (١) دعاه إلى ربِّه تعالى فأنكر عليه وسأله: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فلبَّس أمره نمرود على الناس وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ودعا رجلين من جنسه استوجبا القتل في حكمه فقتل أحدهما وأطلق الآخر وقال: أمتُّ هذا وأحييتُ هذا ليوهم الناسَ أن إبراهيم كان يعنيه، أو ليوهمهم أن إبراهيم كان يجادله فانقطع بالمنع أو نحوه.
فلما علم إبراهيم ذلك منه جادله أيضًا وتحدَّاه إلى أن يأتي بالشمس من المغرب معارضة فبُهت وكان (٢) عجزه عن الفعل دلالة على كذبه، وعجزه عن الجواب معجزة لإبراهيم - ﵇ - حيث لم يقال أنا الآتي بها من المغرب أو لا أسلم أن ربك الآتي بها من المشرق أو آية دلالة على الربوبية في الإتيان بها من المشرق، وإنما جادله إبراهيم بهذه النكتة الثانية ولم يجادله بحقيقة الإحياء والإماتة؛ لأنَّ هذه الثانية كانت أقرب إلى أفهام المستمعين حولهما، وقيل: جادله بالنكتة الأولى وأظهر تمويهه وأخذه بالمجاز وأقام الحجة بتلك النكتة، ثم أتي بالنكتة الثانية بعد إلاستفتاء إلا أن الله أوجز القصة، والأصح أنه لم يكن يجادل أولًا وإنما ذهب نمرود إلى الجدال.
﴿أَلَمْ تَر﴾ يقتضي تعجبًا فكأنه قيل (٣): هل رأيت كمثله (٤) والهاء في قوله ﴿أَنْ آتَاهُ﴾ (٥) راجعة إلى نمرود، ويجوز تسليط الكافر ابتلاء كقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ والشمس جسم منير جعلهُ الله آية النهار وسيره في ذلك، واختلف في حرِّها، قيل: شعاعها (٦) يوصل إلينا حرارة النار من دون الفلك بإذن الله تعالى،
_________________
(١) في "أ": (اليد)
(٢) في الأصل: (فكان).
(٣) في "ب": (قال).
(٤) في "ب": (مثله).
(٥) في الأصل "ي": (اتيه).
(٦) في "أ": (شعا).
[ ١ / ٤٣٢ ]
وقيل: هي نار في الخلقة، واختلف في سيرها والله أعلم بحقيقتها (١)، و(البهت) كالدهش، قال: فبهتهم ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ لا يوفِّقهم للاهتداء ولا يرشدهم، والمراد به: المقدّر عليهم أن يموتوا على الكفر.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ نزلت في عزير - ﵇ - (٢)، وقيل: في أرميا النبي - ﵇ - (٣) (٤)، وقيل: في الخضر - ﵇ - (٥)، وقيل: في كافر (٦)، والأصح أنه عزير أو أرميا ﵉، وذلك في أيام بخت نصَّر والتجاء بعض بني إسرائيل إلى صاحب مصر وخراب إيليا، وذكر في قصة أرميا أنه توارى بمصر حيث تبعهم بخت نصر واستردَّهم من صاحب مصر ثم اتخذ جنتيه بمصر يتعيش بهما، فأوحى الله تعالى إليه ليجزيك هذا البلاء الذي قضيته على إيليا وأهلها وأنه ليس زمان العمران ولكنه زمن الخراب فاعمد إلى جنتيك (٧) فاهدم جدرها وانتف بقلها وعوّر نهرها والحق بإيليا فلتكن بلادك حتى يبلغ كتابي أجله، فخرج أرميا مذعورًا وركب أتانًا له معه سلة فيها عنب وتين وقربة من ماء، فلما لحق بأرض إيليا رفع له شخص بيت المقدس من بعيد ورأى خرابًا عظيمًا فهاله (٨) ذلك فخطر
_________________
(١) النص منِ كتاب الله قاطع في سير الشمس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.
(٢) ذهب إلى ذلك علي بن أبي طالب وأبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير وناجية بن كعب وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل. وانظر: الطبري (٤/ ٥٧٨)، وابن أبي حاتم (٢/ ٥٠٠)، وزاد المسير (١/ ٣٠٩)، والقرطبي (٣/ ٢٨٩).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ذهب إلى ذلك وهب ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير، وقالوا: اسمه إِرْميَا بن حَلْقِيا وكان من سبط هارون بن عمران. وانظر: الطبري (٤/ ٥٨٠)، وابن أبي حاتم (٢/ ٥٠٠)، وزاد المسير (١/ ٣٠٩)، والقرطبي (٣/ ٢٨٩).
(٥) ذهب إلى ذلك محمَّد بن إسحاق ووهب بن منبه كما ذكر ذلك النقَّاش، وذكر ذلك القرطبي (٣/ ٢٨٩)، وابن كثير (١/ ٤٦٤).
(٦) ذهب إلى ذلك ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٣٠٩) وعزاه لمجاهد.
(٧) في الأصل بياض.
(٨) في الأصل: (لهاله).
[ ١ / ٤٣٣ ]
بباله أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها فتلفظ به من غير إنكار، فابتلاه الله في الحال.
وقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ معطوف (١) على معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ وقد ذكرنا أن معناه هل رأيت كمثله، وقيل: معناه أو الذي على طريقة من يعبر عن يقين بمثله ﴿خَاوِيَةٌ﴾ خالية، ويعبر به عن الزوال والسقوط ﴿عُرُوشِهَا﴾ والعرش البناء من غير سقف أي ظل، وكان ابن عمر إذا نظر إلى عروش مكة قطع التلبية (٢) (إحياء القرية) عمارتها.
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أقمت بمكان أو على حال، وإنما قال ﴿يَوْمًا﴾ لأنه لم يرَ الشمس حتى انتبه، فلما حقق النظر رأى بقيَّة أثر الشمس فقال: أو بعض يوم، وإنما لم يشعر بمدة لبثه لأحد معنيين: إما لأنه لما غير عليه الحال أنساه الحالة الأولى أعني (٣) حالة الموت، وإما لأنه لم يرَ في حال الموت شيئًا كالنائم الذي لا يحتلم لم يدر مقدار نومه وإن رأى رؤيا
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ قيل أنه معطوف على المعنى، وتقديره عند الكسائي والفراء: هل رأيتَ كالذي حاجَّ إبراهيم أو كالذي مرَّ على قرية. والعطف على المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير: تقيٌّ نقيٌّ لم يُكَثِّر غنيمةً بنَهْكَةِ ذي قُرْبَى ولابِحَقَلَّدِ فإن معناه: ليس بمكثر ولا بحقلد، وجاءت الباَء زائدة في خبر "ليس". وقيل: إنه منصوب على إضمار فعل، وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، والتقدير: أو رأيتَ مثل الذي. وقيل: الكاف زائدة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وقيل: إن الكاف اسم بمعنى مثل، لا حرف، وهو مذهب الأخفش، وهذا أقرب الأقوال - والله أعلم. وان كان جمهور البصريين على خلافه، ويشهد له قول الشاعر [ينسب لامرىء القيس]: وإنك لم يفخر عليك كفاخرٍ ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ [معاني القرآن للفراء (١/ ١٧٠) - ديوان زهير ص ٢٣٤ - الكشاف (١/ ٣٨٩) - الإملاء (١/ ١٠٩) - ديوان امرئ القيس ص ٤٤].
(٢) ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٠٦)، ويروى عن عمر كذلك كما في شرح مسلم للنووي (٨/ ٢٠٤).
(٣) في الأصل: (عني).
[ ١ / ٤٣٤ ]
استدلَّ بها على طول نومه، و(المائة) اسم لعشر عشرات من العدد، وإنما كتبت بزيادة الألف لئلا يشتبه بمئة و(١) (العام) الحول.
واختلف في قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قيل: هو التسني من السنين والسنوات والمساناة (٢)، وقيل: هو التسنه من المسانهة (٣) (٤)، وقيل: هو التسنن من الحمأ المسنون (٥)، و(الحمار) ما يتولد بينه وبين الفرس البغل، فالله تعالى حبس الآفات عن طعامه وشرابه ولم يحبس عن حماره ليشتبه عليه أمره ولا يقدر على قياس ثم تبيَّن بتبيين الله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ الواو لأحد معنيين: إما لكونه معطوفًا على سبب مضمر قبله أو التقديم مسبّب بعده (٦) كقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧) و(العظم) ما جاوز حدَّ العصب صلابة من جسَد الحيوان و(اللحم) ما جاوز العلقة انعقادًا.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي﴾ نزلت في إبراهيم، والقصَّة فيه أن نمرود لما لبس أمر الإحياء والإماتة على الناس أحبَّ إبراهيم - ﵇ - (٨) أن يصير
_________________
(١) في الأصل بياض.
(٢) ذهب إلى ذلك الكسائي، ذكر ذلك عنه السمعاني في تفسيره (٢/ ٤١٢) وقال معناه: كأنه لم تأتِ عليه السنون وقطف من ساعته وكذا أورده البغوي في تفسيره (١/ ٢٧٨)، والقرطبي (٣/ ٢٩٣).
(٣) أي أن الهاء فيها أصلية، ويشهد له قول الشاعر [وهو منسوب لسويد بن الصامت]: وليستْ بِسَنْهَاءٍ ولا رَجَبيَّةٍ ولكن عرايا في السنينِ الجوائِحِ وانظر: زاد المَسير (١/ ٣١١)، والقرطبي (٣/ ٢٩٣).
(٤) في الأصل: (المهالفة) وفي "ي": (المانهة). في "ب" بياض، والصحيح هو المثبت.
(٥) هذا قول أبي عمرو الشيباني كما في القرطبي (٣/ ٢٩٣) وردَّه الزجاج.
(٦) قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه متعلق بفعل محذوف مقدر بعده، والتقدير: ولنجعلك فعلنا ذلك. والوجه الثاني: أنه معطوف على محذوف، والتقدير: فعلنا ذلك لتعلم قدرتنا ولنجعلك. الوجه الثالث: أن الواو زائدة واللام متعلقة بالفعل قبلها، والتقدير: وانظر إلى حمارك لنجعلك، وليس في الكلام تقديم أو تأخير. [البحر (٢/ ٢٩٢) - القرطبي (٣/ ٢٩٣) - الدر المصون (٢/ ٥٦٥)].
(٧) سورة الأنعام: ١١٣.
(٨) (السلام) ليست في "ي".
[ ١ / ٤٣٥ ]
ذلك من جهة الله تعالى محسوسًا (١) له بعد أن كان معقولًا (٢)، والدليل على مزية العلم الضروري على غيره أنك تقول فيما علمته بالأخبار علمته حتى كأني شاهدته، ولا تقول فيما شاهدته علمته حتى كأني عقلته، وقيل: إن نمرود توعَّده إن لم يره ما ادِّعاه لربِّه تعالى من الإحياء والإماتة، وقيل أن إبراهيم مرَّ على جيفة فرأى السباع تصيب منها والطيور، وربما ألقت الطير بعض أجزائها في البحر فتلقمه الحيتان، فخطر بباله من كيفية الإحياء بعد التلاشي فسأل ربه أن يريَه كيف يحيي الموتى، والإراءة إحداث الرؤية في الرائي، وذلك لا يتعدَّى إلى مفعولٍ واحد وربما كان إظهار الموتى له فيتعدَّى إلى مفعولين (٣).
والمراد بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إثبات إيمانه كما قال حسَّان (٤):
ألستُم خيرَ من ركِبَ المطايا وأندى العالمينَ بطون راحِ
وكان (٥) هذا السؤال لإظهار شأنه للسامعين وتزكية عن الشكِّ والإنكار كسؤاله عيسى - ﵇ - (٦): ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٧) ﴿قَالَ بَلَى﴾ آمنتُ، ولكن أريد هذه الرؤية ليطمئنَّ قلبي ولا يخطر بباله شيء من الشبه (٨)،
_________________
(١) في الأصل "ب": (نحوسًا)، وفي "أ": (محبوسًا) والمثبت هو الصواب.
(٢) قصة سبب النزول هذه ساقها الطبري بسنده كما في تفسيره (٤/ ٦٢٤)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٨٦)، وذكرها ابن حجر كما في "العجاب في بيان الأسباب" ص ٤٣٧.
(٣) الأصل أن "رأى" تتعدى إلى مفعول واحد، فلما دخلت همزة النقل أكسبتها مفعولًا ثانيًا. وأجاز الزمخشري أن تكون منقولة من "رأى" بمعنى عرف فتتعدى لاثنين. [الكشاف (٣١١/ ١)].
(٤) البيت ليس لحسان كما قال المؤلف، وإنما هو لجرير، بل هو مشهور النسبة إلى جرير كما هو في ديوانه ص ٨٥، وقد نسب لجرير في عامة المصادر منها شرح شواهد المغني (١/ ٤٢)، ولسان العرب (٧/ ١٠١ - نقص)، ومغني اللبيب (١/ ١٧).
(٥) في الأصل: (فكان).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) سورة المائدة: ١١٦.
(٨) في "أ" "ي": (الشبهة).
[ ١ / ٤٣٦ ]
والاطمئنان هو السكون ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال محمد بن كعب (١) وعبد الله بن سلام: أخذ ديكًا وحمامة وطاوسًا وغرابًا (٢)، وعن ابن عباس بدل الطاوس بطة (٣)، فقطعهن وخلط بعض أجزائهن ببعض ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ وأمسك الرؤوس ففعل ذلك ثم ناداهنَّ فامتازت أعضاء كلٍّ منهن وائتلفت به ثم أتته سعيًا ثم دفع إلى كل شخص رأسه.
و(الصرّ) (٤) القطع (٥)، و(الجبل) الطود، وهو واحد الأجبل،
_________________
(١) هو الإمام العلامة أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني، من حلفاء الأوس. كان من عبَّاد المدينة وعلمائهم بالقرآن، ومن أفاضلهم علمًا وفقهًا، ولد سنة أربعين على الصحيح، قال عون بن عبد الله: ما رأيتُ أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه، وكان يقص في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف فمات هو وجماعة معه تحت الهدم سنة ثمان عشرة ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة، وقيل غير ذلك. [تهذيب التهذيب (٩/ ٣٧٣)؛ رجال مسلم (٢/ ٢٠٣)؛ الثقات (١/ ٦٥)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ٦٥)].
(٢) ذكره ابن إسحاق عن بعض أهل العلم فيما رواه الطبري عنه في تفسيره، كما رواه الطبري أيضًا عن مجاهد وابن جريج وابن زيد. ولكن الأقرب في ذلك ما قاله ابن كثير في تفسيره، قال: اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مهم لنصَّ عليه القرآن. [الطبري (٤/ ٦٣٤) - ابن كثير (١/ ٤٦٦)].
(٣) ذكره ابن أبي حاتم (٢٧٠٤).
(٤) في الأصل: (الصورة).
(٥) القراءة المسْهورة هي بضم الصاد ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. وهي مأخوذة من قول القائل: صُرْتُ إلى هذا الأمر، إذا ملت إليه. وفي الكلام حذف استغني عنه لدلالة الظاهر عليه، فيكون المعنى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي: اضممهنَّ إليك، ثم قطِّعْهُنَّ، ثم اجعل على كلِّ جبل منهن جزءًا. أما من فسَّر "صرهن" بـ: قطعهن وهو تفسير ابن عباس - ﵄ - فلا يحتاج إلى تقدير، وهذا التفسير معروف في كلام العرب، ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: فلمَّا جذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ بأطرفِ عيدانٍ شديدٍ أُسُورُها فأَدْنَتْ ليَ الأسبابَ حتى بَلَغْتُهَا بنَهْضِي وقد كان ارتقائي يصورها يصورها، أي: يقطعها. [تفسير الطبري (٤/ ٦٣٥) - السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠].
[ ١ / ٤٣٧ ]
و(السعي) العدو والمشي. قيل: فائدة تخصيص الطير عموم الاعتبار ولأنها تطير كالجن وتمشي كالإنس والبهائم والحشرات وتبيض كالحيتان.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ نزلت في الحثِّ على النفقة من فرض ونفل واتصالها بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وما بينهما من القصص عارض، وفي الآية مضاف مضمر تقديره: مثل نفقة أو كمثل زراع حبَّة (١) والحبة ثمرة السنبل والسنبلة من الزرع كالعنقود من الكرم والنخل، وفيها تشريف عدد السبع قبل ينبت ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وقيل: هذا شيء متصور وإن لم يوجد، وذلك يكفي في التمثيل لقوله: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ يزيد على سبعمائة مثلها فصاعدًا.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (٢) (٣)، (الإتباع) الإعقاب (المنّ) تذكير النعمة اقتضاء
_________________
(١) لا بدَّ من حذف حتى يصح التشبيه، لأن الذين ينفقون لا يُشَبَّهُونَ بنفس الحبة، واختلف في المحذوف فقيل: من الأول، والتقدير: ومثلُ مُنْفَق الذين أو نفقة الذين. وقيل: من الثاني فيكون التقدير: ومثل الذين ينفقون كزارع حبة. [الدر المصون (٢/ ٥٧٨)].
(٢) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد العشرة، أسلم قديمًا ومناقبه شهيرة، وهو أحد الستة أهل الشورى، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام. عاش خمسًا وسبعين سنة ومات سنة اثنتين وثلاثين. ودُفن بالبقيع، وكان مثلًا للغني الشاكر فقد خلف بعد موته ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا. [الاستيعاب (٢/ ٨٤٤)؛ الإصابة (٤/ ٣٤٦)؛ تهذيب التهذيب (٦/ ٢٢١)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٦٨)].
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (٨٧) عن الكلبي، وذكره ابن حجر في "العجاب" ص ٤٤٢ عن الثعلبي، أما عن عبد الرحمن بن عوف فإنه جاء إلى النبي -ﷺ- بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضها ربي. فقال له رسول الله -ﷺ-: "بارك الله فيما أمسكت وفيما أعطيت". أخرجه البزار (٢/ ٨٥) وأصل القصة في صحيح البخاري- كتاب الزكاة، باب رقم (١٠). وأما قصة عثمان بن عفان -﵁- فقال: علىَّ جهاز من لا جهاز له -وذلك في غزوة تبوك-=
[ ١ / ٤٣٨ ]
الشكر، وذلك لا يحقُّ إلا لله (١) تعالى؛ لأنَّه هو المنعم على الحقيقة و(الأذى) النكرة والشتم على الصدقة أو الحلف المكروه بالفقير بتعييره ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ مبتدأ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عطف عليه خبر على التفضيل (٢) و(الصدقة) ما يتصدق به من الخير والمعروف ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن الصدقات ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بعقوبة المانِّ بصدقته.
﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ إبطال الصدقة إحباط ثوابها، ولا يحبط الخير شيء إلا المنّ لهذه الآية، والكفر لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ والربا لهذه الآية، ولأنه لا يقع لوجه الله كالذي يحتمل أن يكون تشبيهًا بمشار معروف من المنافقين أو من اليهود والمشركين، ويحتمل أن يكون تشبيهًا لمن يوجد بهذه الصفة و(الرياء) مصدر كالمرأة (الصفوان) الحجر الأملس و(التراب) أجزاء الأرض و(الوابل) المطرُ الشديد (الصلد) الحجر الذي لا غبار له وهو يبرق، ويقال للأرض التي لا تنبت صلدة.
﴿وَتَثْبِيتًا﴾ تثبتنا والتفصيل يجوز مكان التفعل عند زوال الاشتباه قال الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٣) وقيل: تثبيت النية أو الثواب.
والرَّبوة والرُّبوة والرِّبوة والرباوة وهو ما ارتفع من الأرض عن مسيل الماء (٤) وهي أبهى بقاع الأرض وأبهجها، وفي حديث الفردوس: "ربوة الجنة"
_________________
(١) = فجهَّز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وتصدَّق بـ"رومة" - وهي بئر كانت له- على المسلمين فنزلت فيهما هذه الآية. [أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الوصايا، باب رقم (٢٣) (٥/ ٤٠٦)، والترمذي (٥/ ٦٢٥)، وا لنسائي (٦/ ٢٣٦)؛ وأحمد (١/ ٥٩)].
(٢) في "أ" "ي": (الله).
(٣) قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ مبتدأ نكرة، وساغ الابتداء بها لوصفها وللعطف عليها، و"مغفرةٌ" عطف عليها وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة إذ التقدير: ومغفرة من السائل أو من الله. و"خير" خبر عنهما، وهناك وجه آخر وهو أن يكون ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، أي: أمثل أو أولى بكم، و"مغفرة" مبتدأ و"خير" خبرها. [الدر المصون (٢/ ٥٨٤)].
(٤) سورة المزمل: ٨.
(٥) قاله الخليل وهي مشتقة من ربا يربو إذا ارتفع، وقد أخطأ السدِّي في تفسيره للربوة =
[ ١ / ٤٣٩ ]
والأكل الثمار المأكول له ﴿وَابِلٌ﴾ طش وهو المطر، وإنما قالَ ذلك لأنَّ مثل هذه البقعة قلَّ ما يحط به المطر من وابل أو طل (١)، وقولُه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية مثل كمثل الصفوان وفيه تحذير عن موجبه ونقيضه وهو المنّ والأذى. ﴿نَخِيلٍ﴾ جمع نخلة واحدته نخلة ﴿وَأَعْنَابٍ﴾ جمع عنب، والعنب ما يسمى يابسه زبيبًا، وإنما خصهما لأنهما أعم نفعًا لأنه ينتفع به (٢) حالة الرطوبة والجفاف والعصر تفكهًا واقتياتًا وتداويًا (٣) ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ الشيخوخة، قال زكريا - ﵇ -: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ (٤) ﴿ضُعَفَاءُ﴾ جمع ضعيف كالفقراء والشركاء، والمراد به: النسوان والولدان الذين لا يهتدون بِحِيْلَةٍ ولا كسب ﴿فَأَصَابَهَا﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ لأنه بمنزلة لو كانت يقال وددت أن يكون كذا ووددت أن لو كان كذا (الإعصار) من النكبات وفي المثل: إن كنت ريحًا فقد (٥) لاقيت إعصارا (٦) يضرب لمن
_________________
(١) = حيث قال: هي ما انخفض من الأرض وتثلث راؤها ويقال: رابية، ومنه قول زهير: وغيثٍ من الوسمِيِّ حُوٍّ تِلاعُهُ أجابَتْ روابيهِ النِّجَاءَ هواطِلُهْ وقرأ الأخفش بضم الراء بحجة أنها تجمع على رُبَى ومثله: بُرْمَة وبُرَم، وصُورَة وصُوَر، وقرأ ابن عباس -﵄-: "رِبْوة" بالكسر. [السبعة ص ١٩٠ - الشواذ ص ١٦ - القرطبي (٣/ ٣١٦) - البحر (٢/ ٣١٢)].
(٢) الوابل: هو المطر الشديد، والطل: المطر الخفيف الذي لا تكاد تسيل منه الجداول الصغيرة، وهذا تفسير قتادة والسدي والضحاك والربيع. وعن ابن عباس -﵄-: الطل: الندى، رواه عنهم الطبري في تفسيره (٤/ ٦٧٦) وابن أبي حاتم (٥٢١)، وفي معنى الوابل يقول امرؤ القيس: ساعةً ثم انتحاها وابلٌ ساقِطُ الأكنافِ واهٍ مُنْهَمِرْ
(٣) (به) ليست في "أ".
(٤) في الأصل: (وتناوقًا).
(٥) سورة آل عمران: ٤٠.
(٦) في "ب": (فقد).
(٧) هذا المثل أورده العسكري في كتا به "الأمثال" (١/ ٣١)، والميداني في الأمثال (١/ ٣٠) وابن سلام في الأمثال (ص ٩٦)، والزمخشري في المستقصى في أمثال العرب (ص ٣٧٣). والإعصار: ريح ترتفع كالعمود نحو السماء، وتسميه العرب وسائر الناس زوبعة. [تهذيب اللغة (٢/ ١٥) - لسان العرب (٦/ ٢٥٤)]
[ ١ / ٤٤٠ ]
يعتقد قدره (١) في نفسه فيبتلى بمن فوقه. و(الاحتراق) افتعال من الإحراق، والإحراق إفساد (٢) النار الشيء.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ فيها أمر بالنفقة فهو على الوجوب، ولذلك قلنا العشر واجب من قليل الخارج وكثيره، ولقوله - ﵇ -: "فيما سقت السماء العُشر" (٣) و(التمِمم) القصد و﴿الْخَبِيثَ﴾ ضدّ الطيب، والمراد به الحرام، وقيل: هو الرديء من الجنس كالمهزول والمسن من السائمة والسود من البيض والدقل من الرطب والمتدود من الرطاب ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ من غير مائكم ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي إلا على إغماض أو بإغماض عن حقكم مسامحة ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في صفاتِهِ وقيل: شكور مثنٍ على عباده بخير وفقهم هو له، فعملوه بإذنه.
﴿الْفَقْرَ﴾ خلو اليد عن المال، فالشيطان يخوِّف المتصدِّق به ويأمره بمنع الزكاة، عن مقاتل: كل فحشاء في القرآن فهو بمعنى الزنى إلا هذه.
﴿يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث إن من أوتي الحكمة اعتقد وعد الله لا وعد الشيطان (٤).
وفي قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ حثٌّ على الصدقة والعزم على الخير وإيجابه والنذر إيجاب خير في الذمة والتزام طاعة لم يكتبها الله، وفي الحديث: "قضى عمر وعثمان في الملقاط بنصف نذر الموضحة" (٥)
_________________
(١) (قدره) ليست في الأصل.
(٢) في "ب": (الفساد).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٣٧٧)، وأبو داود (١٥٩٦)، والنسائي (١/ ٣٤٤)، والترمذي (١/ ١٢٥)، وابن ماجه (١٨١٧) وغيرهم عن عبد الله بن عمر -﵄- مرفوعًا.
(٤) الحكمة كما قال ابن عباس -﵄-: هو حكمة القرآن، وهو أن يعرف ناسخه ومنسوخه، ومقدمه ومؤخره، ومحكمه ومتشابهه، وحرامه وحلاله، وأمثاله. [أخرجه البخاري (٥/ ٧)، والبغوي في تفسيره (١/ ٢٩١)]. وقال ابن وهب وابن زيد: الحكمة: الفقه في الدين، ورجح الطبري أن معناه: الإصابة فعلًا وقولًا، وقال: إن جميع الأقوال التي قالها القائلون داخلة فيما قلنا.
(٥) لم أجد للأثر أصلًا فيما بين يدي من المصادر.
[ ١ / ٤٤١ ]
بفتح الذال يعني الأرش وهو عبارة عن الواجب أيضًا، وفي فحوى قوله: ﴿اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ القبول والإنابة، والهاء راجعة إلى الظالمين الآخذين بوعد الشيطان الممسكين عن النفقة.
﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ الصدقة (١) تظهروها، ومنه البداء وهو ظهور الشيء في الرأي و(نعم) ضد بئس ﴿تُخْفُوهَا﴾ تسرُّوها (٢) فيما يستحبّ أبدلوه من الصدقات هي الزكاة المفروضة وما تنفقون في سبيل الله بالتعاون وما يستحبّ إخفاؤه صدقة التطوّع ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ لأن ما يخفى لا يخالطه العجب والرياء ويحتمل الوصف من غير تفضيل، وتكفير السيئة مغفرتها وتمحيصها.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ نزلت فيمن دفع الصدقة المسنونة والمندوبة إليهم، والسبب في ذلك أن أسماء بنت عُميس (٣) (٤) امرأة أبي بكر (٥) امتنعت عن الإنفاق على أقاربها من المشركين في عمرة القضاء إلى أن تستأذن رسول الله -ﷺ- (٦) فنزلت (٧)، وقيل: إنَّ (٨) الأنصار أمسكوا عن
_________________
(١) في "أ": (الصدقات).
(٢) في الأصل: (نشروها).
(٣) أسماء بنت عميس بن معبد الخثعمية أم عبد الله، من المهاجرات الأُول. أسلمت وهاجر بها زوجها جعفر الطيار إلى الحبشة ثم إلى المدينة. واستشهد زوجها يوم مؤتة، فتزوَّج بها أبو بكر الصديق حتى توفي فغسلته. ثم تزوج بها علي بن أبي طالب. [طبقات ابن سعد (٨/ ٢٨٠)؛ الاستيعاب (٤/ ١٧٨٤)؛ أسد الغابة (٧/ ١٤)؛ تاريخ الإسلام (٢/ ٢٧٣)؛ الإصابة (١٢/ ١١٦)؛ السير (٢/ ٢٨٢)].
(٤) في جميع النسخ: (عميش) وهو خطأ.
(٥) (أبي بكر) ليس في "أ".
(٦) (ﷺ) من "ب".
(٧) هنا خطأ المؤلف، فالذي ورد في أسباب نزول الآية هي (أسماء بنت أبي بكر الصديق) وليست (أسماء بنت عميس) امرأة أبي بكر الصديق، وما ورد عن أسماء بنت أبي بكر ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (٨٣)، وذكره ابن حجر في "العجاب" (١/ ٦٣٢) عن الثعلبي وصححه ورواه النيسابوري في غرائبه (١/ ٦٩) والسمرقندي في بحر العلوم (١/ ٢٣٣).
(٨) (أن) ليست في"أ".
[ ١ / ٤٤٢ ]
الإنفاق على أقاربهم من الكفار ليضطرُّوهم إلى الإسلام (١) فأنزل (٢)، ومعناه لا تسأل عنهم لتؤخذ بضلالتهم ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ خاصٌّ في المؤمنين المخلصين، وقيل: هو خبر بمعنى النهي (التوفية) التكملة والقضاء.
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ﴾ نزلت في المستحقين الزكاة وفيها إضمار (٣) وتقديره: صدقتكم المفروضة للفقراء أو (٤) ادفعوا إلى الفقراء ﴿أُحْصِرُوا﴾ أشغلوا عِن الكسب بما ألزموا من الهجرة والغزو وأنواع الصدقات ﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ مشيًا وتقلُّبًا ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ يظنُّهم من لا يعلم حالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾ من سبب تعفُّفهم عن السؤال والإلحاح و﴿التَّعَفُّفِ﴾ (٥) التصبر، وقال جرير:
وقائلة ما للفرزدق لا يرى عن السرِّ يستغني ولا يتعفَّف (٦)
و(السيما) علامة الحال تبدو في الوجه كالضيزى والشعرى
_________________
(١) الطبري (٥/ ١٤) عن ابن عباس -﵄-.
(٢) في "ب": (فنزل).
(٣) الجار والمجرور في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ إما أن يكون متعلقًا بفعل مقدر يدلُّ عليه سياق الكلام، والتقدير- كما ذكره أبو البقاء-: اعجبوا للفقراء، والأقرب في التقدير: أعطُوا للفقراء، أو اجعلوا للفقراء على تقدير الزمخشري. وقيل: إن هذا الجار خبر مبتدأ محذوف تقديره: الصدقات التي تنفقونها للفقراء. وحذف المبتدأ الموصوف سائغ في كلام العرب، ومنه قول الشماخ: تسألني عن زوجها أيُّ فتى خَبٌّ جروزٌ وإذا جاعَ بكى يريد: هو خب. والجروز: الأكول. والخب: اللئيم. وقيل: إن اللام تتعلق بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ وهو مذهب القفال، وهو مستبعد لكثرة الفواصل. وقيل: إن ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ ورده الواحدي والسمين الحلبي لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه. [الإملاء (١/ ١١٦) - ديوان الشماخ (ص ١٠٧) - الدر المصون (٢/ ٦١٥)].
(٤) في الأصل "أ": (وادفعوا).
(٥) في الأصل بياض.
(٦) ديوان جرير ص ٩٣٢.
[ ١ / ٤٤٣ ]
و(الإلحاف) الإلحاح لأنَّ السائِل إذا ألحَّ فقد جعل سؤاله لازمًا للمسؤول شاملًا إياه كاللحاف.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ نزلت في علي بن أبي طالب -﵁- كانت له أربعة (١) دراهم ليس له غيرها، فسأله سائل بالنهار فأعطاه درهمين، وسأله سائلٌ بالليل فأعطاه درهمين، وخرج من (٢) ماله فأنزل الله ثناء عليه (٣)، وقيل: نزلت في علف دواب المجاهدين (٤).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ الفضل (٥) في المداينات وإنما نزلت على فضلِ الصدقات لأنه في الأموال، والربا (٦) في اللغة عبارة عن الزيادة والنماء، وفي الشرع عبارة عن عقد فاسد بصفات معهودة، والأصل فيه حديث أبي سعيد الخدري: "الذهب " الخبر (٧) تلقته الفقهاء بالقبول فدخل في حيِّز التواتر، وعلَّتها بقياس غيرها عليها التقدير مع الجنس؛ لأنَّ التقدير تعلق به الحكم كالجنس لا يقومون يوم القيامة.
﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ والخبط باليدين كالذي (٨) بالركبتين والرمح
_________________
(١) في "ب": (أربع).
(٢) في "ب" "ي": (من).
(٣) ورد في أسباب النزول عن علي بن أبي طالب -﵁- من عدة وجوه كلها ضعيف لا يثبت منها شيء. - ما ذكره مقاتل في تفسيره (١/ ١٤٥) وعنه الواحدي وهو عن الكلبي. - ما ورد عن ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٨٨٣) وأورده عبد الرزاق في تفسيره (٣٧) وعنه الواحدي في "أسباب النزول" (٨٦) كلهم من طريق عبد الوهاب بن مجاهد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨٠)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٨)، والواحدي في "أسباب النزول" (٨٤) مرفوعًا ولا يصح سنده.
(٥) في "أ": (أفضل).
(٦) في "أ" "ي": (الربو).
(٧) حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أخرجه البخاري (٢/ ٣١)، ومسلم (٥/ ٤٢)، ومالك (٢/ ٦٣٢)، والنسائي (٢/ ٢٢٢)، والبيهقي (٥/ ٢٧٨)، وأحمد (٣/ ٣٩) ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي سواء".
(٨) في "أ" "ب" "ي": (كالذين).
[ ١ / ٤٤٤ ]
بالرجلين والتخبط (١) كمثل، وفيه معنى الصرع والمس إلمام الجن وهو الجنون، وذلك إشارة إلى قيامهم ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ قاسُوا أن الزيادة في آخر العقد بالإنساء كما هي في أول العقد (٢)، فردَّ الله عليهم قياسهم وعاقبهم على ذلك وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٣)﴾ قال: ما سلف، أي ما سبق حالة الحظر ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عفا عنه ما ارتكب من الشيء المكروه في العقول بغير إباحةٍ في الشرع، والدليل على كراهته في العقل أنه يؤدي إلى قطع الرحم والأخوة ويذم فاعله ولا يحمد.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ﴾ المحق النقص (٤) يعني ذهاب البركة، ومنه محاق القمر ﴿وَيُرْبِي﴾ يزيد الصدقات بالإثابة عليها، جاء على التجنيس (٥) كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ وقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ في العائد على آكل الربا مستحلًاّ له (٦).
_________________
(١) (والتخبط) ليس في "ب".
(٢) في قوله: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فيه ما يسميه البلاغيون بالتشبيه المقلوب، أي أنهم يريدون أن الربا مثل البيع ليصلوا إلى غرضهم، فعكسوا الكلام للمبالغة فأصبح المشبه به قائمًا مقام المشبه وتابعًا له، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول البحتري يصف بركة بناها المتوكل: كأنها حين لجَّت في تدفُّقِها يَدُ الخليفة لَمَّا سال واديها وقول الآخر: وبدا الصباح كأنَّ غرتهُ وجه الخليفة حين يمتدحُ [إعراب القرآن وبيانه - الدرويش (١/ ٤٣٠)].
(٣) في "أ" "ي": (الربو).
(٤) وهذا تفسير ابن عباس -﵄- حيث فَسَّر المحق بالنقص، رواه الطبري في تفسيره (٥/ ٤٥).
(٥) التجنيس: هو الباب الثاني من البديع عند ابن المعتز، وعَرَّفَهُ: هو أن تجيء الكلمة تجانس كلمة أخرى ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها. ومَثَّلَ الخليل لذلك بقول الشاعر [وهو منسوب للخريمي]: يومٌ خَلَجَتْ على الخليجِ نفوسهم غَضَبًاوأَنْتَ لمثلها مستامُ [كتاب البديع لابن المعتز ص ٥٥ - معجم البلاغة العربية لبدوي طبانة ص ١٣٩].
(٦) في "ب" العبارة: (في العارض على أكل الربا استحلاله).
[ ١ / ٤٤٥ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عارضة وإنما اقتضى الحث على دفع الصدقة وترك الربا (١) بالترغيب في ثواب الطاعة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ نزلت في عباس وعثمان وخالد قد أسلفوا وأُمروا بتركه (٢). والأظهر أنها نزلت في مسعود (٣) وحبيب (٤) وعبد ياليل (٥) وربيعة [أبناء] (٦) عمرو بن عمير الثقفي (٧) كانوا يداينون بني
_________________
(١) في "أ" "ي": (الربوا).
(٢) ورد عن العباس عند الطبري (٥/ ٤٩) وفيه العباس ورجل من بني المغيرة، وسماه الواحدي في أسباب النزول (٨٧ - ٨٨) خالد بن الوليد. أما عن عثمان فذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٣٣٢).
(٣) هو مسعود بن عمرو بن عمير أخو حبيب وربيعة وعبد ياليل الذين نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]، كان له ولإخوته ربًا عند بني المغيرة بن عبد الله، فلما أسلموا طالبوهم، فقالوا: ما نعطي الربا في الإسلام، فلما اختصموا نزل قوله ﵎ بترك الربا، وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]، نزلت في رجل من ثقيف ورجل من قريش، والثقفي هو مسعود بن عمرو. [الإصابة (٦/ ١٠٢)].
(٤) حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف الثقفي. ذكره الحافظ ابن حجر في الصحابة، وذكر سبب نزول هذه الآية التي ذكرها الجرجاني، لكن الحافظ الذهبي في التجريد قال: في صحبته نظر، ونقله عن ابن منده. [الإصابة (٢/ ٢٠٥)؛ تجريد أسماء الصحابة (١/ ١١٨)].
(٥) هو عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، كان وجهًا من وجوه ثقيف، وهو الذي أرسلته ثقيف على رأس وفد إلى رسول الله -ﷺ- في إسلامهم وبيعتهم. [الثقات (٣/ ٣٠٥)؛ الاستيعاب (٣/ ١٠٠٧)؛ الطبقات الكبرى (٥/ ٥٠٦)؛ الإصابة (٥/ ٢٥٢)].
(٦) في الأصل "بن" والصواب ما أثبتناه.
(٧) هو ربيعة بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، اْخو أبي عبيد والد المختار، روى ابن مندة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو وأصحابه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. [الإصابة (٢/ ٤٧٠)].
[ ١ / ٤٤٦ ]
المغيرة ابن عبد الله المخزومي وغيرهم من قريش وكانوا (١) قد أسلموا على أن كل ربا (٢) عليهم فهو موضوع (٣) (وكل ربا (٤) لهم فهو غير موضوع) (٥) وكان - ﵇ - (٦) أمر بأن يكتب لهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلممن، وكان فعلهم (٧) هذا دفعًا لهم وحسن نظر في شأنهم من غير خيانة ولا غَدْر، كما روي أن رجلًا أسلم على أن لا يصلِّي إلا صلاتين فقبل (٨) - ﵇ - (٩) إسلامه، فلما تمكَّن الإسلام من قلبه دخل في الصلوات كلها، وهؤلاء الثقفيّون ظنّوا أنه أجابهم إلى ملتمسهم فلما حلَّ الأجل طالبوا بني المغيرة فاختصموا إلى عتَّاب بن أسيد (١٠) فكتب أسيد قصتهم إلى رسول الله -ﷺ- (١١) فأنزل الله الآية وبعثها النبي - ﵇ - (١٢) إليهم فأذعنوا لأمر الله وعلموا أن حكم المؤمنين (١٣) ذلك لا
_________________
(١) في الأصل: (فكانوا).
(٢) في "أ" "ي": (الربوا).
(٣) رواه الطبري (٥/ ٥٠)، والواحدي في أسباب النزول (٨٨)، ورواه ابن أبي حاتم (٢٩١٣)، وذكره ابن حجر في "العجاب" ص ٤٦٠.
(٤) في "أ" "ي": (الربوا).
(٥) ما بين () ليس في "أ".
(٦) (السلام) ليس في "ي".
(٧) في "أ" "ي": (فعله).
(٨) في الأصل: (وقبل).
(٩) (السلام) ليس في "ي".
(١٠) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي -ﷺ- على مكة عام الفتح حين خروجه إلى حنين، ولم يزل أميرًا عليها حتى قبض رسول الله -ﷺ- وأقره أبو بكر عليها، ولم يزل عليها واليًا إلى أن مات، وكانت وفاته يوم مات أبو بكر الصديق وقيل غير ذلك. [الاستيعاب (٣/ ١٠٢٣)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ٨٢)؛ معجم الصحابة (٢/ ٢٧٠)؛ الإصابة (٤/ ٤٢٩)].
(١١) (ﷺ) من "ب".
(١٢) (السلام) ليس في "ي" وفي "ب": (ﷺ).
(١٣) في "ب": (المسلمين).
[ ١ / ٤٤٧ ]
الذي توهَّموه من قبل (١). و(البقاء) ضدُّ الفناء و(الحرب) ضد السلم و(رأس المال) أصله (٢) [﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الربا (٣) و﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بمنع رأس] (٤) المال.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مديونًا لكم، و(العسرة) ضيق المعيشة والحال، والعسر ضد اليسر ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أي تصدقكم بالإبراء خير لكم من النظرة.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ روى الكلبي عن أبي صالح (٥) عن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل - ﵇ - وقال النبي - ﵇ - (٦): "ضعها في رأس المائتين وثمانين من سورة البقرة" (٧) ونزولها بمنى في حجة الوداع، وعاش النبي - ﵇ - (٨) بعدها أحدًا (٩) وثمانين يومًا (١٠)، وفي رواية:
_________________
(١) القصة بطولها أخرجها الطبري في تفسيره (٥/ ٥٠)، وابن أبي حاتم (٢٩١٥) عن مقاتل بن سليمان وفي آخرها أنه ﵊ كتب إلى معاذ بن جبل "أن اعرض عليهم هذه الآية فإن فعلوا فلهم رؤوس أموالهم، وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله ورسوله".
(٢) في الأصل: (صلة).
(٣) في "أ" "ي": (الربوا).
(٤) ما بين []، ليس في "ب".
(٥) قال الرامهرمزي في المحدث الفاصل: أبو صالح صاحب التفسير الذي يروي عنه الكلبي هو أبو صالح مولى أم هانئ واسمه باذان، روى عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ومولاته أم هانئ، قال سعيد القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح، وما سمعت أحدًا يقول فيه شيئًا، قال يحيى بن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، وهذا الرجل من طبقة السمان لكنه عاش بعده نحوًا من عشرين سنة. انظر: المحدث الفاصل (ص٢٩١)، والطبقات الكبرى (٦/ ٢٩٦)، وتهذيب الكمال (٤/ ٦)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٧).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) هذه الرواية أخرجها الطبري في تفسيره (٥/ ٦٧)، وذكرها القرطبي في تفسيره (٣/ ٣٧٥) عن مكي بن أبي طالب. كما أخرجها الواحدي في تفسيره (١/ ٣٩٩).
(٨) (- ﵇ -) ليست في "ي".
(٩) في الأصل: (أحد).
(١٠) هذا مروي عن ابن عباس كما في القرطبي (٣/ ٣٧٥)، وزاد المسير لابن الجوزي (١/ ٣٣٥).
[ ١ / ٤٤٨ ]
إحدى (١) وعشرين يومًا (٢)، وعن ابن جريج: تسعة أيام (٣)، وهذا يقتضي أن يكون نزولها بالمدينة بعد الرجوع عن حجة الوداع، يقال: وفيت حقك ووفيت حقك إليك ما كسبت جزاء ما كسبت من عمل، وقيل: ما كسبت من جزاء بعملها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ التداين المداينة، وإنما أكَّد بدين لئلاَّ يوهم المجازاة، وقيل: للتأكيد كما تقول: تكلَّمت بكلام وإنما قال: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ليعلم أن الدين إنما يكون مؤجلًا وأن جهالة (٤) الأجل في البيوع نسيئة (تفسدها) وإنما هو لفظ وتسمية لا شيء غيرها، قال ابن عباس: أشهد أن الله تعالى أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم وأنزل فيه الحول آية من كتابه (٥).
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ليكون الصك وثيقة للحق وهو على الندب، ولهذا أبدل (٦) الرهن منه وجوَّز الائتمان بعدهما كانت بالعدل لا ينقص من حق الدائن ولا يزيد على المديون، فلذلك استحبَّ تعديل الشروط.
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ نهى عن الندب والاستحباب يدلُّ على أن الكاتب يحبُّ أن يكون عالمًا بالشروط، وقيل: شكرًا لما علمه الله ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ أي فيملي (٧) كما يقال: تطننت وتطلينت (٨) و(الإملاء) إلقاء الكلمة على الكاتب، وأصلهُ من الإمهال لأنه يلقى فيميل ليكتب ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ليكون
_________________
(١) في "ب": (إحدى).
(٢) هذا قول ابن عمر كما في القرطبي (٣/ ٣٧٥).
(٣) هذا قول سعيد بن جبير كما في ابن أبي حاتم (٢٩٤٤)، وعن ابن جريج كما في زاد المسير (١/ ٣٣٥)، والقرطبي (٣/ ٣٧٥) وهو عند الطبري (٥/ ٦٧).
(٤) في الأصل: (جهالات).
(٥) الطبري (٥/ ٧١)، وابن أبي حاتم (٢٩٤٨).
(٦) في الأصل "ب": (البدل).
(٧) في "ب": (ليملي).
(٨) في الأصل: (تطليت).
[ ١ / ٤٤٩ ]
ذلك إقرارًا منه ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ ينقص قال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
و(السفيه) الجاهل عند مجاهد (١) لم يذكر صغرًا ولا كبرًا، وهو ينصرف إلى الصغير لذكر (٢) الضعيف بعده، وبه قال السدي (٣)، والضعيف ضعيف العقل من عتهٍ أو جنونٍ، وقيل: من لا يحسن العبارة ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ لا يقدر ولعجمة أو خرس ﴿وَلِيُّهُ﴾ ولي المديون عن الضحاك وابن زيد (٤).
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الأحرار المسلمين كقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ فإن لم يكن الشهيدان ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ شهودًا ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ ممن تحمدونهم بالصلاح والعفَّة دون الفسق والمجون، وفسق الديانة من أهل الدين لا يبطل الشهادة كشهادة أهل (٥) الكتاب بعضهم على بعض بخلاف فسق (٦) المجنون، والمراد بالضلال النسيان والتذكير والادِّكَار الذكر، وزعم ابن عيينة (٧) (٨) أنه ما يضاد
_________________
(١) الطبري (٥/ ٨٢)، وابن أبي حاتم (٢٩٧٣).
(٢) في الأصل: (لذلك).
(٣) الطبري (٥/ ٨٢)، وابن أبي حاتم (٢٩٧٤).
(٤) أما عن الضحاك فذكره الطبري (٥/ ٨٥)، وذكره ابن أبي حاتم (٢/ ٥٥٩). وأما ابن زيد فذكره الطبري (٥/ ٨٥).
(٥) (أهل) ليس في الأصل.
(٦) في الأصل: (فسوق).
(٧) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام، قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: ما بقي من معلِّمي أحد غير ابن عيينة، قال ابن سعد: أخبرني الحسن بن عمران بن عيينة أن سفيان قال له بجمع - آخر حجة حجها-: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كلِّ سنة: اللهمَّ لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله، فرجع فتوفي في السنة الداخلة، سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة. وحديثه عند الستة. [تقريب التهذيب (٢٤٥)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ١٠٤)؛ سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)؛ تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٦)؛ طبقات الحفاظ (١/ ١١٩)].
(٨) الطبري (٥/ ٨٩).
[ ١ / ٤٥٠ ]
التأنيث ففيه (١) نظر إذا ما دعوا لإقامتها إلى الحاكم (٢) عن قتادة والربيع (٣).
﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ لا تملّوا ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿أَقْوَمُ﴾ أبلغ في انتظام الشهادة وتلخيصها عن الزيادة والنقصان وصونها عن النسيان. (التجارة الحاضرة) ما تكون يدًا بيد.
﴿تُدِيرُونَهَا﴾ صفة ثانية للتجارة، و(الإدارة) التعاطي ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾ [إن كانت الراء المدغمة مفتوحة فمعناه أن لا يشتغل الكاتب والشهيد عن شغلهما] (٤) وإن كانت الراء المدغمة مضمومة فمعناه أن لا (٥) يميلا فيضرا بأحد المتعاقدين.
﴿فَرِهَانٌ﴾ ارتفع لتقدير وهو بدل عن الكتاب (٦) وأجمعوا أن الرهن ما يأخذه الدائِن من ملك المديون بحق العقد لا يجوز أن يكون الحر والمكاتب وأم الولد مرهونًا وكذلك قولنا في المدبر واتفقوا أَنَّ القبض شرط في الرهن، ولذلك لم يجز رهن المشاع لأنه يؤدي إلى زوال القبض بالمهاياة.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية منسوخة عن ابن عباس وابن
_________________
(١) في الأصل: (وفيه).
(٢) في الأصل: (الحكم).
(٣) الطبري (٥/ ٩٣)، وابن أبي حاتم (٢٩٩٢).
(٤) ما بين []، من "ب".
(٥) في "ب": (إلا).
(٦) قوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه مرفوع بفعل محذوف، والتقدير: يكفي عن ذلك رهان مقبوضة. الوجه الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فرهان مقبوضة تكفي. الوجه الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فالوثيقة رهان مقبوضة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿فَرِهَنٌ﴾ بضم الراء والهاء. [السبعة ص ١٩٤ - الكشف (١/ ٣٢٢) - الدر المصون (٢/ ٦٧٨)].
[ ١ / ٤٥١ ]
مسعود وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسَن (١)، وهذا يدلُّ على جواز نسخ الوعيد على ما سبق من وجوه النسخ، فإن قيل: هل كان يجوز قبل النسخ تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: هو على وجهين: تكليف ما لا يتوصل إليه إلا بطلب النفس وهو جائز عقلًا وشرعًا لجواز طلب الحق إذا كان وجوده مرجوًا من غير إلمام النفس كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) الآية، والآخر تكليف ما لا يتوصل إليه بوجه ما، وهو جائز على وجه العقاب والعدوان دون التعبُّد، قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (٣) وقال ﵇: "من كذب في رؤياه كلِّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقدهما أبدًا" (٤) وقيل: الآية عامة خصصها قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويحتمل أنها عامة في اللفظ خاصة في المعنى لدلالة الحال، ويحتمل أنها فيما سبيله الاعتقاد دون العمل، ويحتمل أن تكون المحاسبة على وجه الإخبار دون السؤال والجزاء، قيل:
_________________
(١) هذه الآية منسوخة بالآية التي بعدها كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله - ﷺ -: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ اشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - فأتوا رسول الله - ﷺ - ثم بركوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: من الصلاة والصيام والصدقة، وقد أنزلت هذه الآية ولا نطيقها، فقال: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما اقترأها القوم، وذلَّت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. [أخرجه مسلم - كتاب الإيمان (١/ ١١٥)، وأحمد في مسنده (٢/ ٤١٢)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٣٥٠)، وأبو عوانة في مسنده (١/ ٧٥) وغيرهم]. وقد ذكر النسخ عمن ذكرهم المؤلف وقد ذكرهم الطبري (٥/ ١٣٠)، وابن الجوزي كما في تفسيره (١/ ٢٤٣)، والقرطبي (٣/ ٤٢١) وغيرهم.
(٢) سورة النساء: ٦٦.
(٣) سورة المدثر: ١٧.
(٤) الحديث في صحيح البخاري (التعبير ب ٤٥)، وأبي داود في سننه - كتاب الأدب (٨٨)، والترمذي - كتاب الرؤيا (٨) وغيرهم بلفظ: "من تَحَلَّم بحلم لم يره كلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل".
[ ١ / ٤٥٢ ]
لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ شقَّ ذلك على المؤمنين فشكوا إلى النبي -﵇- فـ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فأثنى الله تعالى على نبيِّه وعلى المؤمنين بذلك وخفَّف عنهم، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند النبي -﵇- سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: "هذا باب من السماء فتح اليوم لم يُفتح قط إلا اليوم"، فنزل منه ملك فقال: "هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم" فسلَّم على رسول الله فقال: "أبشر بنورين أوتيتَهما لم يؤتَهُما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم البقرة لم تقرأ بحرف إلا أعطيته" (١) فأما ابتداء نزول الآية فقيل أنه كان ليلة المعراج وإنما قال: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ لأنه ردّ في اللفظ ولو ردّ إلى المعنى لقال: آمنوا، وقد نزل القرآن بالطريقتين جميعًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ وإنما لم يبن (كل) إذ أنقطع عن المضاف لأن فيه معنى الإضافة، وإن انقطع بخلاف قبل وبعد ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ﴾ أي يقولون: لا نفرق ضدَّ ما قالت الكفار: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ﴾.
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ السمع الإجابة والطاعة إتيان الطاعة واستعمالها وهي ضد المعصية ﴿غُفْرَانَكَ﴾ نصب على سبيل السؤال والطلب قريب من الإغراء (٢).
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ الآية قيل أن جبريل قال للنبي -﵇-: إن الله
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه- كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥٤٤/ ٤٣) عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا.
(٢) قوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ منصوب إما على المصدرية، قال الزمخشري: منصوب بإضمار فعله يقال: "غفرانك لا كفرانك" ومذهب سيبويه تقدير ذلك بجملة طلبية كأنه قيل: "اغفر غفرانك"، ونقل ابن عطية هذا عن الزجاج، والظاهر- والله أعلم - أن هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها لنيابتها عنه، وقد اضطرب فيها كلام ابن عصفور فعدَّها تارة مع ما يلزم فيه إضمار الناصب نحو: "غفرانك لا كفرانك" وتارة مع ما يجوز إظهار عامله. [الكشاف (١/ ٧٠٤) - الكتاب (١/ ١٦٤) - المحرر (٢/ ٣٨٨) - معاني القرآن للزجاج (١/ ٣٧٠) - الدر المصون (٢/ ٦٩٦)].
[ ١ / ٤٥٣ ]
تعالى أثنى عليك وعلى أمتك فسله حاجتك، فدعا النبي -﵇- بهذه الدعوات فذكر الله أخبارًا عنه وعن أصحابه ليكون ذلك ثناء عليهم أيضًا، وعن علي قال: خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش.
﴿إِنْ نَسِينَا﴾ النسيان ضد الذكر، وكانت المؤاخذة عليه جائزة على ما سبق في تكليف ما لا يطاق، فأما من يُعرض اليوم للنسيان فيجوز أن يكون مؤاخذًا أيضًا، والخطأ ما يقع من غير قصد كتولد القتل من الضرب وإصابة الإنسان برمي الصيد ﴿إِصْرًا﴾ ثقلًا كتحريم البقية، وقال -﵇-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ مثل ما أوجبته على من قبلنا من تعليق التربة بالقتل وقطع الجلد بإصابة النجاسة ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ لا تكلِّفنا ما يستحيل فعلهُ منَّا على وجه العذاب والعقاب ولا ما يتلف أنفسنا علينا في فعله على وجه الشرع و(التحميل) التكليف، وفي المثل: النفس عَزُوف وما حملتها احتملت.
﴿وَاعْفُ﴾ امسح ومحص عنا ذنوبنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ واستُر قبائحنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أرد بنا الخير، وهذه الأدعية وغيرها عبادة وإظهار للحاجة وتعرض القضايا المعلقة بالشروط دون أن يطالب الله بإحداث ما لم يشأه ولم يعلمه إذ ذاك ﴿فَانْصُرْنَا﴾ أعنَّا على قهرهم وردِّهم ولا تكلنا في ذلك ولا غيره إلى أنفسنا فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، وعن النبي -﵇- مخبرًا عن الله تعالى عند كل فصل من هذه الأدعية: "فعلتُ واستجبت"، والله أعلم.
***
[ ١ / ٤٥٤ ]
الخاتمة
الحمد لله الذي بفضله ومنَّته أكرمني بهذا العمل الجليل حتى يسَّر لي بلوغ خاتمة بحثي واكمال فصوله ومباحثه، فعلَّقت على كلِّ ما يحتاج إلى تعليق فجليت المبهمات وفصَّلت المجملات وحررت المسائل المختلفة وترجمتُ الأعلام وأسندت الأشعار إلى دواوينها والمفردات إلى معاجمها، وناقشتُ المسائل الفقهية والأصولية والعقدية واللغوية والنحوية وأوضحتُ الراجح منها وفق الأدلة والبراهين والاستدلالات بعيدًا عن الجمود والتعصب متجردًا للحق. وقد جليت عملي وأوضح التى بسطت طبيعة عملي في التحقيق من خلال الفصول والأبواب والمباحث التي تضمنها العمل وفق المعايير العلمية في تحقيق المخطوطات.
كما تجلَّى لي من خلال عملي في هذا الكتاب أن مادة الكتاب تحوي جوانب عدة تعرض لها المؤلف:
الجانب الأول: أن مادة الكتاب بسطت بأسلوب في غاية السهولة والجزالة والاختصار، فهي تصلح لعامة طبقات القُرَّاء المتخصصين منهم وغير المتخصصين.
الجانب الثاني: أن مادة الكتاب يمكن أن نستلَّ منها معجمًا لغويًا لكثرة المفردات اللغوية التي طرقها المؤلف وبسط القول في معانيها.
الجانب الثالث: أن المؤلف قد حرر وناقش كثيرًا من المسائل النحوية والإعرابية، بل يكاد يطغى على كثير من صفحات هذا الكتاب التفسير
[ ١ / ٤٥٥ ]
النحوي، زيادة على ذلك إسناده لمذاهب النحاة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه والفراء والزجاج والكسائي وغيرهم من أعلام النحاة والمدارس النحوية البصرية والكوفية والبغدادية، ويمكننا أن نجعله مرجعًا ومصدرًا لمعرفة آراء النحاة.
الجانب الرابع: المسائل البلاغية المنثورة في الكتاب على قلَّتها فقد بسط القول فيها وحررها في مواضعها، وهذا مما يستغرب على المؤلف الذي يعد إمام البلاغيين وكان المتوقع أن يحشو مادة الكتاب بهذا الجانب لكن ربما أراد أن يأخذ كتابه طابع الاختصار.
الجانب الخامس: بسط المؤلف في أسباب النزول بكثرة، ولو جمعت من التفسير كله لاستوعبت مجلدًا كاملًا لكثرتها.
الجانب السادس: استعمل المؤلف أسلوب التقسيمات فيما يحتاج إلى تقسيم، والتعداد فيما يحتاج إلى تعداد، والتفصيل فيما يحتاج إلى تفصيل وهكذا محاولًا تحقيق أسلوب الحصر لهذه المسائل لتقريبها.
وبهذا يتبين لنا قيمة الكتاب وما يحويه من مادة علمية رصينة، وقد بذلت قصارى جهدي بعد ما أدركت جلالة الكتاب وقدره وجلالة وقدر مؤلِّفه، مما دفعني إلى مضاعفة الجهد بأقصى ما لديَّ من إمكانيات. وأرجو أن أكون قد أدَّيتُ ما عليَّ بأحسن وجه بما يرضي الله -﷿- ثم بما يرضي قُرَّاءَنا الكرام، والله الموفق.
***
[ ١ / ٤٥٦ ]
توصيات
١ - يوصي الباحث بضرورة الاعتناء والاهتمام بهذا الكتاب وطباعته لما يتضمنه من محتويات علمية رصينة، وما لمؤلفه من مكانة مرموقة بين الباحثين والعلماء.
٢ - كما أوصي نفسي أولًا - حيث أخذت العهد عليها- بإتمام باقي الكتاب إلى تفسير سورة الناس ليخرج الكتاب كاملًا وليحصل به النفع.
٣ - أوصي الباحثين في مجال النحو والصرف بالاستفادة من تحرير المسائل النحوية المنثورة في هذا الكتاب فهي كثيرة ومفيدة جدًا لا يستغني عنها طالب العلم.
هذا والله أسأل أن يكون عملي خالصًا لوجه الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين.
إلى هنا ينتهي العمل برسالة الماجستير التي قدِّمَت
لجامعة الجنان في لبنان - وقد نقلنا الفهارس إلى آخر
التفسير، وذلك لتوحيد العمل ولئلا يتشتت القارئ
[ ١ / ٤٥٧ ]
دَرْجُ الدُّرَرِ في تَفْسِير الآي والسُّورْ
تَأليِفْ
عَبْد القَاهِر بن عَبْد الرَّحمن الجرجَاني
المتوفي (٤٧١هـ)
تحقيق
وَليدْ بن أحمَد بن صَالِح الحُسَيْن * إيَاد عَبْد اللَطيف القَيْسي
مِنْ سُورَة آلْ عِمْران إِلى سُورَة التَّوْبَة
المجلَّد الثَّاني
[ ٢ / ٤٥٨ ]