مدنية (١)، وهي اثنتا عشرة آية بلا خلاف (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذكر الكلبي أن النبي -﵇- دخل بيت حفصة ذات يوم واليوم يوم عائشة، فوجد البيت خاليًا وحفصة خارجة إلى بيت أبيها زائرة، فأرسل إلى أمته مارية القبطية وجلس معها خاليًا، فرجعت حفصة بعد ساعة وأبصرت الجارية وأخذت تعاتبه وتقول: قد رأيت من قد (٣) كانت عندك، فقال لها النبي -﵇- (٤): "حرمت هذه الجارية على نفسي فاكتمي عليَّ هذا الحديث ولا تخبري به عائشة ولك عندي بشارة" قالت: وما هي؟ قال: "أن أبا بكر وأباك سيملكان هذه الأمة بعدي ولا تخبري بهذه البشارة أحدًا" فلم تصبر حفصة حتى أخبرت عائشة بالأمر جميعًا فأظهر الله نبيه على إفشائها، فعاتبها رسول الله (٥) على حديث مارية (٦)؛ لأنه لم ينل بإظهاره وتكراره
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٤/ ٥٦٨) عن ابن عباس وابن الزبير.
(٢) انظر: "البيان" (٢٥٠).
(٣) (قد) ليست في "أ".
(٤) (-﵇-) ليست في "أ" "ي"، وبدله في "ب": (ﷺ).
(٥) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٦) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٣٠٢) عن ابن عباس من طريق العوفي. وقريبًا منه عند ابن جرير (٢٣/ ٨٨).
[ ٤ / ١٦٣٧ ]
ولم يتعرض لحديث البشارة معًا (١) متغافلًا عنها لأنه يحب إظهارها وتكرارها.
ثم اعتزل نساءه جميعًا شهرًا فظن بعض النساء أنه طلقهن فدخل عمر بن الخطاب - ﵁ - على ابنته حفصة وبالغ في لومها والإنكار عليها وقال لها: والله لئن كان رسول الله (٢) قد طلقك تطليقة لما كلمتك أبدًا، فقالت: لم يطلقني وإني لعلى شرف ذلك، وهي تبكي، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٣) الآيات، واختار رسول الله (٢) لكفارة يمينه عتق رقبة، واليمين: هي تحريم ما أحل الله له من صحبة مارية القبطية، فأعتق رقبة ورجع إلى مارية وهي أم إبراهيم بن محمَّد رسول الله - ﷺ - (٤).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن النبي (٥) -﵇- (٦) طلق حفصة ثم راجعها، وصححه الطحاوي في "تأويل مشكل الأخبار" (٧)، وهذا يصدق الكلبي من قول عمر.
وعن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة زوج النبي -﵇- (٨): أن النبي -﵇- (٨) كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب (٩) عندها عسلًا فتواصيت أنا وحفصة أيَّتنا ما دخل عليها النبي -﵇- (٨) فلتقل: إني لأجد
_________________
(١) (معًا) من الأصل.
(٢) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٣) قصة عمر هذه عند البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩)، وليس فيها أسباب النزول.
(٤) (وسلم) ليست في "ي".
(٥) في "ب": (النبي ﷺ).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) وأخرجه أبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي (٦/ ٢١٣)، وابن ماجه (٢٠١٦)، وأحمد (٣/ ٤٧٨) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٣): إسناده قوي، وانظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي (١٢/ ٢٤).
(٨) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
(٩) في "ب": (ويشرب).
[ ٤ / ١٦٣٨ ]
منك مغافير، فدخل - ﷺ - على إحداهما فقالت ذلك فقال: "بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له" فنزلت ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١).
﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ لعائشة وحفصة، وعن ابن عباس قال: لم (٢) أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي -﵇- (٣) قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج عمر وحججت معه فصببت عليه من الإداوة، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي -﵇- (٣) اللتان قال الله تعالى (٤) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾؟ فقال لي: واعجبًا لك يا ابن عباس. قال الزهري: وكره والله ما سأل عنه ولم يكتمه فقال: هي عائشة وحفصة، ثم أنشأ يحدثني الحديث، قال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضَّبْتُ على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني فأنكرت من أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك؟! فوالله إن أزواج النبي (٥) ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قال: فقلت في نفسي: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، قال: وكان منزلي بالعوالي في بني أمية، وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله (٦)، قال: فينزل يومًا فيأتيني بخبر الوحي وغيره وأنزل يومًا فآتيه بمثل ذلك، قال: فكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا.
قال: فجاء يومًا عشاء وهو يضرب على الباب، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم، قلت: أجاءت غسَّان؟ قال: أعظم من ذلك، طلق
_________________
(١) هذه الرواية نفسها في البخاري (٤٩١٢) فلا أدري لماذا جلب رواية الكلبي، وهذا يدل على قلّة البضاعة الحديثية للمؤلف. والحديث أيضًا في مسند أبي عوانة (٣/ ١٥٨)، والبيهقي في السنن الصغرى (٦/ ٣٤٧)، وأحمد (٦/ ٢٢١).
(٢) (لم) ليست في الأصل.
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
(٤) (تعالى) ليست في "ي" "أ".
(٥) في "ب": (النبي ﷺ).
(٦) في "ب": (رسول الله ﷺ).
[ ٤ / ١٦٣٩ ]
رسول الله (١) نساءه، فقلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن أن هذا كائن، فلما صليت الصبح شددت عليَّ ثيابي ثم انطلقت حتى دخلت على حفصة فإذا هي تبكي.
فقلت: أطلقكن رسول الله (١)؟ قالت: لا أدري هو معتزل في هذه المشربة، قال: فانطلقت فأتيت غلامًا أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليَّ قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، فانطلقت إلى المسجد فإذا حول المنبر أخر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج، قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، قال: فانطلقت إلى المسجد أيضًا، فجلست، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليَّ قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، فوليت منطلقًا، فإذا الغلام يدعوني قال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فإذا النبي (٢) -﵇- يتكئ على رمل حصير رأيت أثره في جنبه.
فقلت: يا رسول الله أطلقت نسائك؟ قال: "لا"، قلت: الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتعصبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت ذلك فقالت: ماذا تنكر فوالله إن أزواج النبي -﵇- (٣) ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، [فقلت لحفصة: تراجعين لرسول الله؟ قالت: نعم تهجره إحدانا اليوم إلى الليل] (٤)، قال: فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها بغضب رسول الله (٥) فإذا هي قد هلكت،
_________________
(١) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٢) في "ب": (النبي ﷺ).
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
(٤) ما بين []، من "أ" "ي".
(٥) في "ب": (رسول الله ﷺ).
[ ٤ / ١٦٤٠ ]
فتبسم النبي -﵇- (١)، قال: فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله (١) ولا تسأليه شيئًا وسليني ما بدا لك، فلا يغرنك أن صاحبتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله، قال: فتبسم أخرى، قلت: يا رسول الله استأنس قال: "نعم" قال: فرفعت رأسي فما رأيت إلا أهُبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله اُدع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسَّع الله على فارس والروم وهم لا يعبدونه، فاستوى جالسًا فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة (٢) الدنيا" قال: وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة اليمين.
قال الزهري: حدثني عروة عن عائشة قال: فلما مضت تسع وعشرون دخل عليَّ بدأني قال: "يا عائشة إني ذاكر لك شيئًا فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك" (٣) ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] على ما سبق ﴿فَقَدْ (٤) صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ مالت قلوبكما عن الحق وجزاؤه مضمر تقديره ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ توبا أو فأسرعا ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر وعمر (٥) وعلي، فتقديره: ومن صلح من المؤمنين ظهير كالفقيه.
وعن عمر بن الخطاب: وافقت الله في ثلاث ووافقني في ثلاث (٦)؛ قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (٧) مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فقلت: يا رسول الله إنه يدخل عليك
_________________
(١) (السلام) ليست في "ب"، وبدله في "ب": (النبي ﷺ).
(٢) في "ب": (حياتهم).
(٣) البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩).
(٤) (فقد) من الأصل.
(٥) روي عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا قال ﵊: "من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر". أخرجه ابن عساكر (٣٠/ ٢٢٣)، والخطيب البغدادي في تاريخه (١/ ٣٠٤)، والطبراني (٦٠٤٧٧) وهو مروي عن مقاتل بن سليمان والضحاك بن مزاحم.
(٦) (ووافقني في ثلاث) ليست في "أ".
(٧) من قوله (فأنزل) إلى هنا ليس في "أ".
[ ٤ / ١٦٤١ ]
البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين، فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني بعض معاتبة النبي (١) على (٢) نسائه فاستقربت أمهات المؤمنين، فدخلت عليهن فجعلت أستقربهن واحدة واحدة فقلت: لئن (٣) انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله أزواجًا خيرًا منكن، حتى انتهيت إلى زينب أو بعض أزواجه فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ أزواجه حتى تعظهن أنت؟! فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ (٤).
﴿سَائِحَاتٍ﴾ مهاجرات إلى الله ورسوله (٥) وقيل: صائمات (٦)، وقيل (٧): حاجات ومعتمرات، وقيل: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ بقلوبهن في ملكوت الله تعالى ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ اللواتي كان لهن أزواج ﴿وَأَبْكَارًا﴾ اللواتي (٨) لم يكن لهن أزواج.
وكان علي - ﵁ - إذا قرأ ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: علَّموهم وأدّبوهم (٩) (١٠)، وعن ابن مسعود ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ حجارة من كبريت خلقه الله كبريتًا كما شاء (١١).
والقول مضمر عند قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يقال لهم. ابن عباس في قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: الندم بالقلب والاستغفار باللسان
_________________
(١) في "ب": (النبي ﷺ).
(٢) (على) ليست في "ب".
(٣) في "أ": (أي).
(٤) هذه رواية أحمد (١/ ٢٤، ٢٦)، وابن حبان (٦٨٩٦)، والحديث في صحيح البخاري (١/ ١٥٧)، ومسلم (٤/ ١٨٦٥).
(٥) قاله زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن، أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٠٢).
(٦) في الأصل و"أ": (صائمًا).
(٧) قاله ابن عباس والجمهور وهو قول قتادة والضحاك. أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٠١)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٠٢).
(٨) في "ب": (اللاتي).
(٩) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٠٣)، وابن جرير (٢٣/ ١٠٣)، والحاكم (٢/ ٤٩٤)، والبيهقي في "المدخل" (٣٧٢).
(١٠) في "أ": (علموهن وأدبوهن).
(١١) ابن جرير (٢٣/ ١٠٤).
[ ٤ / ١٦٤٢ ]
والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود (١)، وقال عمر: يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه (٢). وفائدة ضرب هذين المثلين هو الإعلام أنه ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩] الآيات.
_________________
(١) ذكره القرطبي عن الكلبي (١٨/ ١٧٤).
(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٣١٣).
[ ٤ / ١٦٤٣ ]