مدنية كلها (٢)، وعن مجاهد أنها آخر ما نزلت (٣)، وعن عطاء عن ابن عباس: سور (٤) القرآن ماية وثلاثة عشر (٥)، فكأنه عدّ الأنفال [والتوبة سورة واحدة، وقال ابن عباس: قلت لعثمان: مالك م عمدتم إلى الأنفال] (٦)، وهي (٧) من (٨) المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر.
_________________
(١) ولها تسعة أسماء؛ أشهرها: سورة التوبة وسورة براءة، والثالث: سورة العذاب قاله حذيفة، والرابع: سورة المقشقشة قاله ابن عمر، والخامس: سورة البحوث؛ لأنها بحثت عن سرائر المنافقين، قاله المقداد بن الأسود، والسادس: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين قاله ابن عباس، والسابع: المبعثرة؛ لأنها بعثرت أخبار الناس وكشفت عن سرائرهم، قاله الحارث بن يزيد وابن إسحاق، والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة، والتاسع: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، قاله الزجاج. [زاد المسير (٢/ ٢٣٠)، القرطبي (٨/ ٤٠)].
(٢) في "ب": (كلها مدنبة).
(٣) الذي ورد أن آخر آية في التوبة هي آخر ما نزل، وانظر: الدر المنثور (٧/ ٦٠٩ - ٦١٦)، وقيل: آخر آيتين كما ذكر ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٢٣٠)، وهي قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(٤) في الأصل: (سورة).
(٥) عزاه السيوطي في الدر (٧/ ٦١٧) لابن مردويه.
(٦) ما بين [] سقط من الأصل.
(٧) في "أ": (وهو).
(٨) (من) ليست في "ب".
[ ٢ / ٨٥٧ ]
قال: لأن سورة التوبة آخر القرآن نزولًا، وقصتها تشبه بقصة سورة الأنفال، فقبض رسول الله -﵇- (١) ولم يبين لنا حكمها فقرنَّا بينهما، ولم نكتب بسم الله الرحمن الرحيم (٢).
وكذلك روى القاضي أبو عاصم عن أبي بن كعب. وهي ماية وثلاثون آية في غير عدد الكوفة (٣).
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّه﴾ إن الله كان قد أنزل على نبيه -﵇- في أول ما أنزل بالمدينة قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فكانت ذمم (٤) النبي -﵇- (٥) منعقدة على هذه الشريطة، فلما فتح الله مكة وانسلخ شهر رمضان ودخل أشهر الحج الأكبر (٦) وكثر من القبائل مكرها وغدرها ونكثها أمر الله تعالى نبيه أن ينبذ إليهم عهودهم ويعلمهم ذلك ليكونوا على سواء، وأمرهم أن يردّوا العهود الزائدة على أربعة أشهر إلى أربعة أشهر، ويرفع العهود الناقصة إلى أربعة أشهر أوّلها غرّة شوال، وقيل: أولها يوم الحج الأكبر وذلك اليوم العاشر من ذي القعدة كان الموسم انتقل إلى ذلك الوقت بنسيء الكفار، وآخرها انسلاخ الأشهر الأربعة المحرمة بالذمة والعهد، وقيل: انسلاخ الأشهر الحرم انسلاخ رجب، كان قد بقي من مدة بني ضمرة وهم من كنانة تسعة أشهر
_________________
(١) (السلام) ليست في "ب"، وبدلها في "ب" "أ": (ﷺ).
(٢) أبو داود (٧٨٦، ٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٧)، وابن أبي شيبة (١٤/ ١٢٠) وابن حبان (٤٣)، والحاكم (١/ ٢٢٢، ٣٣٠)، والبيهقي (٧/ ١٥٢)، والنحاس في ناسخه (٤٧٧، ٤٧٨)، وابن أبي داود في المصاحف (٣١)، وفي سنده ضعف.
(٣) الكوفيون يقولون هي (١٢٩) آية، وانظر: "البيان في عد آي القرآن" لأبي عمرو الداني.
(٤) في "أ": (فكان ذم).
(٥) في "ي" لا توجد (السلام) وبدلها في "ب": (ﷺ).
(٦) (الأكبر) ليست في الأصل.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
أوّلها غرّة ذي القعدة فأمر الله نبيه أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، وقيل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] في قوم (١) لم يكن لهم ذمة فأجلهم رسول الله بخمسين يومًا أوّلها يوم الحج الأكبر، وليس هذا بسديد؛ لأن من الحج الأكبر إلى انسلاخ المحرم ثمانين يومًا على التخمين، وكان -﵇- قد بعث أبا بكر إمامًا للناس في الحج فنزل جبريل (٢) -﵇- (٣) وأمر النبي -﵇- (٤) أن يبعث رجلًا من أهل بيته - ثلاث عشرة آية من أول هذه السورة - إلى الموقف والمنحر ليقرأ على الناس فبعث عليًا فقرأها عليهم، قالوا: برئنا منك ومن ابن عمك وبرئتما منا إلا مِنَ الضرب والطعن، ثم ندموا وأقاموا على العهد المذكور إلى أن دخلوا في الإسلام أفواجًا.
﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه براءة، قوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ وقيل: براءة مبتدأ، ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ خبره (٥) وكذلك ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ خبره وإنما أسندت المعاهدة إلى المؤمنين؛ لأن أمر رسول الله -﵇- (٤) وأمر المؤمنين واحد.
﴿فَسِيحُوا﴾ تمهيل، والسياحة: هو الضرب في الأرض.
_________________
(١) في الأصل و"أ": (قوله) وهو خطأ.
(٢) (جبريل) ليست في "أ"، وفي "ب": (ونزل جبريل) بالواو.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "ي" لا توجد (السلام) وبدلها (صلى الله ﵇).
(٥) الجمهور على رفع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ فقيل كما ذكره المؤلف أنها خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه براءة، ويكون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلقاَ بنفس ﴿بَرَاءَةٌ﴾ لأنها مصدر. والقول الثاني: إن ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مرفوعة بالابتداء والخبر قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ وجاز الابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بالوصف بالجار بعدها، وأما على قراءة النصب ﴿بَرَاءَةٌ﴾ فتكون منصوبة على الإغراء، والتقدير: التزموا "براءة" كما قال ابن عطية وهذه القراءة قراءة عيسى بن عمر. [مختصر شواذ ابن خالويه (ص ٥١)، البحر (٥/ ٤)، المحرر (٨/ ١٢٥)، الدر المصون (٦/ ٥)].
[ ٢ / ٨٥٩ ]
﴿وَأَذَنٌ﴾ إعلام الحج الأكبر من الحجة المعروفة ذات الوقوف، والحجة الصُّغْرَى هي العمرة، وقيل: الأكبر صفة اليوم، وهو يوم عرفة، فإن الوقوف فيه، وقيل: هو يوم النحر لاشتماله على الرمي والنحر والحلق وطواف الزيارة، ثم غلب هذا الحج على حجة أبي بكر سنة تسع، وحجة النبي -﵇-، وسميت بحجة الوداع.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾ (١) المؤمنين الذين يتمون ويتقون نقضه من غير سبب موجب للنقض.
﴿انْسَلَخَ﴾ انكشف فالأشهر ملابسة إيانا فإذا مضت فكأنها انسلخت عنّا، والمراد بـ (القعود) الاعتراض لقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿مَرْصَدٍ﴾ الطريق الذي لا بدّ منه، ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ يعني لترك الاعتراض، والتخلية أن يجعل الشيء فارغًا خاليًا لما أمر الله برفع ذمم مشركي العرب أن يضع بين المسلمين وبينهم أسباب الرسالة لئلا ينقطع السبيل فيتعذر التبليغ.
﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: طلب منك الجوار والإجارة ﴿مَأْمَنَهُ﴾ دار الحرب.
﴿كَيْفَ﴾ للتعجب وأسباب التعجب بعدها، والاستثناء عارض وأسبابه فهؤلاء المستثنون من تقدم ذكرهم، وقيل: قوم من بني بكر من كنانة، وقيل: هم بنو خزيمة، ولما طال العارض بين التعجب وأسبابه أعاد التعجب وقريب منه قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى أن قال: ﴿وَلَمَّا (٢) جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ (٣)﴾ [النساء: ١٥٥] إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا
_________________
(١) في الأصل: (المبين).
(٢) (فلما) من "ي" "ب".
(٣) (ميثاقهم) من الأصل.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قوله: ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿إلًا﴾ (الإلّ) القرابة قال حسان:
لعمرك أن إِلّك من قريش كألِّ السَّقب من رألِ النَّعَام (١)
الإل العهد والذمة قال:
كأنه لم يكن بيني وبينكم إلٌّ ولا خُلةٌ تُرعى ولا ذمم (٢)
والإلّ: اسم الله وربوبيته، قال أبو بكر الصديق: ويْحكم إن هذا لم يخرج من إل (٣).
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الرياسة والعصبية والخمر والزنا والقمار.
﴿لَا يَرْقُبُونَ﴾ الخبر الأول خبر عن نياتهم معلق بشرط القدرة، وهذا الخبر خبر عما هم يفعلون في الحال، وقيل: الخبران واحد والتكرار للتأكيد.
﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل أعانوا حلفاءهم من بني وائل من بكر، على خزاعة حلفاء نبينا -﵇- (٤)، فقدم على رسول الله عمرو بن سالم وبُديل بن ورقاء المدينة مستنجدين، وكان بديل يرتجز (٥) (٦):
لاهمَّ إني ناشدٌ محمدا حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا
_________________
(١) البيت في ديوان حسان (١٠٥)، وكذا ذكره ابن الأنباري في "الوقف والابتداء" كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢٥٠). والسَّقب هو ولد الناقة الذكر، وأما الرئل فولد النعام. وينسب هذا القول إلى ابن عباس الفراء وأبي عبيدة والضحاك والسري ومقاتل على أن الإل القرابة نقله عنهما السمين الحلبي (٦/ ١٨).
(٢) البيت لطريح بن إسماعيل الثقفي كما في الأغاني (٤/ ٣٠٥).
(٣) مرّ الكلام عليه في سورة الأنفال.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) روي ذلك عن ابن عباس بدون ذكر تفاصيل الأشخاص، وفَصَّل قتادة في تفاصيلهم أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١١/ ٣٦٣، ٣٦٥).
(٦) في الأصل (عمرو بن سالم وبديل بن ورقا يرتجز).
[ ٢ / ٨٦١ ]
كنت لنا ولدًا وكنت والدا ثمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا
أبيض مثل البدر يسمو صعدا إنَّ قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقعدوا بكرًا رصدا (١) (٢)
فقال رسول الله: "لا نصرني الله إن لم أنصركم" ثم أمر الناس أن يتجهزوا إلى مكة، وكان أبو سفيان يومئذٍ عند هرقل بالشام فكتبت قريش إليه بالخبر، فلما قرأ الكتاب استأذن هرقل في الرجوع وقال: إن محمدًا كان عاهدنا شيئًا وهو يريد النكث، قال هرقل: ولم ذلك؟ قال: لأنا أعنا حلفاءنا على حلفائه، قال: هو معذور فإنكم إذا قاتلتم حلفاءه فقد قاتلتموه (٣). وانصرف أبو سفيان من الشام يريد الإصلاح حتى دخل المدينة على فاطمة بنت النبي -﵇- وطلب منها الإجارة فلم تفعل، وطلب من الحسن والحسين (٤) فلم يفعلا، ثم خرج إلى أبي بكر فردَّه وإلى عمر فردَّه وقال: والله لنضربن استك أبا سفيان، فقال: ما أسفهك يا ابن الخطاب، ثم خرج إلى علي - ﵁ - طلب منه الإجارة فقال (٥) علي: يا أبا سفيان، أتظن برسول الله أنه يريد (٦) أمرك، اخرج إلى الناس واضرب إحدى يديك على الأخرى فقل (٧): آجرت بين الناس، فقال (٨) أبو سفيان: أهو كما
_________________
(١) لم نجد فيما بين أيدينا من المصادر أن المرتجز بديل بل المرتجز هو عمرو بن سالم، إلا ما ذكر في الإصابة (١/ ٢٧٤) في ترجمة بديل بن كلثوم بن سالم الخزاعي من رواية البارودي أنه هو قائل الشعر، ورد ابن حجر الرواية بأن سندها منقطع والشعر لعمرو بن سالم الخزاعي.
(٢) الشعر في بعض أبياته اختلاف عن بعض المصادر، وقوله: (أبيض مثل البدر) لم أجده وإنما: (أبيض مثل الشمس) كما في بعض المصادر وجاء البيت كعجز وليس كصدر.
(٣) المثبت من "ب"، وفي البقية: (قابلتم حلفاء قد قابلتموه).
(٤) هو طلب من فاطمة ومن ابنها الحسن أن يجير بالناس والحسن صغير عمره قرابة (٣) سنين.
(٥) في الأصل: (وقال).
(٦) في "ب": (يرد).
(٧) في "ب" "ي": (وقل).
(٨) في "ب": (وقال).
[ ٢ / ٨٦٢ ]
يقول؟ قال علي: سترى (١) ما يكون، فخرج أبو سفيان فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: آجرت بين الناس ورجع إلى مكة، وقال: آجرت بين الناس، قالوا: كيف؟ فأخبرهم بالقصة، قالوا: لم تفعل شيئًا، وإنما استهزأ بك علي، ثم سار رسول الله في جيوشه إلى مكة ولم يلق أحدًا مقبلًا ولا مدبرًا إلا حبسه لئلا يخبر أهل مكة بسيره إليهم، فخرج أبو سفيان متجسسًا أخبارهم فلقيه العباس في جوف الليل وأجاره وأردفه خلفه على بغلة رسول الله -﵇- (٢) حتى أدخله عليه - ﷺ -، وأحسّ به عمر فسابقه إلى النبي -﵇-، فسبقه وحال بينه وبين أبي سفيان ثم ردَّه رسول الله - ﷺ - إلى مكة.
فلما كان ببعض الطريق أمر عباسًا ليتبعه فيحبسه على الطريق ليمر به كتائب العسكر، فلما لحقه العباس خافه أبو سفيان على نفسه وقال: أغدرًا يا بني هاشم؟ قال: كلا ولكن أبصر كتائبنا (٣)، وكان كلما مرّ عليه كتيبة، قال: أفى هؤلاء محمَّد؟ وكان عباس يقول: لا، هؤلاء بنو فلان وهؤلاء بنو فلان حتى مر رسول الله (٤) كالبدر المنير تحت المغفر في ثلاثة آلاف فارس من الأنصار متكفرين بالسلاح.
وأسلم أبو سفيان، فقال عباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الصيت فاجعل له شيئًا يفتخر به، قال رسول الله -﵇-: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وانصرف أبو سفيان إلى مكة ونادى: من دخل داري فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند وأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا هذا الخبيث، فضربوه ضربًا شديدًا.
وكان خالد بن الوليد على الميمنة فاستقبله جمع من المشركين
_________________
(١) في "أ": (سترى سترى).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "أ" "ب ": (- ﷺ -).
(٣) في "أ": (كاهنًا) وهو خطأ.
(٤) في "ب": (- ﷺ -).
[ ٢ / ٨٦٣ ]
وعليهم حماس بن قيس ومقيس بن ضبابة وعكرمة بن أبي جهل فقاتلهم خالد حتى هزمهم، وكان رسول الله - ﷺ - قد نهاه عن ذلك فلمَّا علم بذلك قال: "عسى أن يكون خيرًا". وروى ابن (١) إسحاق أنهم قتلوا من المسلمين كرز بن جابر وحبيش بن خالد (٢) وأصيب من مزينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم أنفروا، وقوله -﵇- (٣): "إني أعوذ من صنيع خالد" لم يكن في هذا اليوم وإنما كان من قبله، في جذيمة يوم بالغميصاء (٤)، وجمع رسول الله - ﷺ - الأنصار حواليه يوم فتح مكة ثم أمرهم بأن يحضروا أوباش قريش، قال أبو هريرة: وما كنا إلا قادرين على قتل من نشاء أن نقتله، فجاء أبو سفيان، وقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد هذا اليوم، فقال رسول الله - ﷺ -: "من أغلق بابه على نفسه فهو آمن" (٥).
واستثنى أربعة من المشركين وأمر بقتلهم (٦).
وأجارت أم هانئ رجلين من مخزوم فأراد أخوها علي بن أبي طالب أن يقتلهما فجاءت إلى رسول الله تشكوه والنبي -﵇- (٧) يصلَّي صلاة الضحى وذلك قبل أن يدخل مكة، فقال: "أجرنا من أجرت" (٨).
_________________
(١) في "ب": (أبو).
(٢) رواية قتل هذين الصحابيين في البخاري (٤٠٣٠).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) هذه الحادثة قبل فتح مكة عندما أرسل رسول الله - ﷺ - خالدًا إلى بني جذيمة وعندما أمر خالد بقتل الأسرى، والحادثة رواها الإمام أحمد (٢/ ١٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٥٩٦)، وابن حبان (٥٩٦١).
(٥) مسلم (١٧٨٠).
(٦) هم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل ومقيس بن ضبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وذكرهم في كتب السنن والآثار.
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) أجارت أم هانئ عبد الله بن أبي ربيعة والحارث بن هشام بن المغيرم وهما من مخزوم. وقصتهم في البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٣٣٦).
[ ٢ / ٨٦٤ ]
وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار"، فنادى: يا معشر الأنصار، أجيبوا رسول الله (١)، فجاؤوا كأنما كانوا على ميعاد ثم قال: "اسلكوا هذا الطريق ولا يشرفن أحد عليكم إلا آلمتموه"، أي: قتلتموه، وسار رسول الله - ﷺ - حتى دخل المسجد. وما قتل ذلك اليوم إلا أربعة، ودخل صناديد قريش الكعبة يظنون أن السيف لا يرفع عنهم فأخذ رسول الله بعضادتي الباب، وقال: "ما تظنون؟ "، فقال: نقول: أخ وابن عم حليم رحيم، فقال رسول الله -﵇- (٢): "إني أقول كما قال يوسف -﵇-: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] " الآية فخرجوا من الكعبة كأنما نشروا من القبر ودخلوا في الإسلام (٣).
قالت عائشة: ما من بلدة إلا فتحت بالسيف إلا المدينة فإنها فتحت بـ "لا إله إلا الله" (٤).
وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ [الفتح: ٢٢] في شأن أسد وغطفان، وقيل: في الحديبية وذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] كان المشركون بعثوا أربعين رجلًا وقتل اثنا عشر لاغتيال أصحاب (٥) رسول الله عام الحديبية فأظهرهم (٦) الله عليهم فأخذوهم وجاؤوا بهم إلى النبي -﵇- (٧) فأطلقهم. قد دلَّ كتاب الله وتواترت الروايات وأجمع أصحاب السير أن مكة فتحت عنوة، ثم منَّ عليهم النبي -﵇- (٧) وأطلقهم ولم يقسم أموالهم فسمُّوا طلقاء، فمن قال: فتحت صلحًا فقد خالف الكتاب والسنة وخرق الإجماع (٨).
_________________
(١) في "ب": (ﷺ).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) ذكره الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٣٢٥).
(٤) لم نجد هذا الأثر عن عائشة - ﵂ -.
(٥) (أصحاب) ليست في الأصل.
(٦) في الأصل: (فأظهر الله).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) ممن ذهب إلى أن مكة لم تفتح عنوة الشافعي فقط، وهذا دليل جديد على أن مؤلف التفسير حنفي المذهب.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾ الشفاء إزاحة الأذى من مرض أو غضب أو حزن، وكان شفاء المؤمنين حين صعد بلال على سطح الكعبة ورفع صوت الأذان، قال خالد بن أسيد (١): الحمد لله الذي لم يبق أسيد إلى هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: إن كنت لأبغض أن ينهق عليها بلال بن أبي رباح، وقال سهيل بن عمرو: دعوه إن لها ربًا (٢) إن شاء أن ينصرها نصرها، وقالت جويرية بنت أبي جهل حين سمعت اسم رسول الله في الأذان: والله لقد رفع ذكرك، ولما سمعت قوله: قد قامت الصلاة، قالت: أما القيام فسأقوم ولكني لا أحب قاتل أخي أبدًا، والمؤمنون يسمعون منهم أحاديثهم هذه ويضحكون عليهم.
﴿وَلِيجَةً﴾ هو الذي يلج عليك وتلج عليه على كل حال ولا يكتم عنه سره (٣) (٤).
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ نزلت في الرد على المشركين حين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقي الحجيج، وقيل: إنما نزلت هذه السورة في آخر ما نزلت في المدينة في أيام فتح مكة وتوفي [رسول] (٥) الله قبل أن يبين موضعها، فالظاهر أن المفتخرين: أبو سفيان والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسهيل ابن عمرو (٦) وخالد بن أسيد.
_________________
(١) قول خالد عند ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٠) وأبوه قتل في معركة بدر، ورأيت رواية للواقدي ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٢٣٢) ذكر فيها قريبًا من هذا وليس فيه ذكر للحارث بن هشام.
(٢) في الأصل (عمير ودعره بن أيا ربا).
(٣) قال أبو جعفر النحاس والفراء وابن قتيبة: الوليجة -كما في الآية- بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة. [معاني القرآن للفراء (١/ ٤٢٦)، إعراب القرآن للنحاس (٨٣)، زاد المسير (٢/ ٢٤٢)].
(٤) في "أ": (مرة).
(٥) في جميع المخطوطات (وتوفى الله) وهو خطأ فظيع وشنيع وأن السقط واقع لا محالة.
(٦) (بن عمرو) ليس في "أ".
[ ٢ / ٨٦٦ ]
﴿مَا كَانَ﴾ أي: لم يكن معتدًا به ولم يصح ولم يقع موقعه فعلهم ذلك، و(العمارة) ضد التخريب، (شهادتهم) على أنفسهم بالكفر: جهرهم به وإن لم يعدوه كفرًا وإنما صحّ العمارة من آمن بالله.
﴿أَجَعَلْتُم﴾ فضيلة سقاية الحاج كفضيلة، ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله - ﷺ -: "لا تدعوها فإن لكم فيها أجرًا" (١) فلولا أن الآيات نزلت في فتح مكة ولكن رسول الله ولى السقاية عمه عباسًا وأولاده بعد الفتح وقال: "انزحوا ولولا أن يزاحمكم الناس لنزحت معكم" (٢)، وأذن في البيتوتة بمكة لأجل السقاية ليالي مني (٣)، فصار عباس جامعًا بين السقاية وبين الهجرة والجهاد، ونال بكلتي الفضيلتين ثم نال فضيلة الاستسقاء على منبر رسول الله في أيام عمر (٤) مع ما خصّه الله تعالى من عمومة نبيه -﵇- وولاية مواليه وذريته وأبوَّة خلفائه من غير منازع ولا مدافع فللَّه الحمد (٥).
﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ شرفًا أو ثواب الدنيا ليصح التفضيل على الكفار، وإن حُمل على درجات الآخرة، كان التفضيل على سبيل التوسع (٦) والمجاز.
﴿نَعِيمٌ﴾ رفع لقوله ﴿لَهُمْ﴾ فيحسن الوقف على ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ ويجوز أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ فيوقف على ﴿لَهُمْ﴾ (٧).
_________________
(١) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣) لأبي الشيخ.
(٢) البخاري (١٦٣٥).
(٣) استئذان العباس مروي في الصحيحين.
(٤) استسقاء عمر بالعباس في البخاري (٩٦٤).
(٥) يقصد خلافة بني العباس.
(٦) في "أ": (التوسيع).
(٧) يجوز في ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] أن تكون صفة لـ ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ وأن تكون صفة لـ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ [البقرة:٢١٨] وجوز ذلك مكي والسمين الحلبي، وجوز مكي أن تعود الصفة على البشرى المفهومة من قوله: ﴿يُبَشِرُهُم﴾، ويجوز أن يكون (نعيم) =
[ ٢ / ٨٦٧ ]
﴿اسْتَحَبُّوا﴾ اختاروا وارتضوا.
﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قرابتكم (١)، ﴿كَسَادَهَا﴾ أراد ضد الرَّواج ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بفتح مكة عن مجاهد (٢)، ويحتمل أنها نزلت بعد فتح مكة، والأمر الموعود فتح تبوك أو تخريب مسجد ضرار أو صدّ المشركين عن المسجد الحرام أو الموت الذي لا بدّ منه.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ﴾ لما فرغ رسول الله من فتح مكة وكسر الأصنام ورجع إليه خالد وسائر السرايا قصد إلى حنين، وحنين وادٍ بين مكة والطائف، فقصد إلى حنين يغزو العرب كانوا تجمعوا لقتاله ثلاثين ألفًا من هوازن وثقيف وهلال وجشم يقودهم مالك بن عوف النضري، وكان حمل مع نفسه دريد بن الصمة الجشمي براية، وكان دريد معروفًا بالبأس والنجدة وأصالة الرأي، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وذهب بصره، وحمله مالك مع نفسه، وكلّف الناس على حمل البيوت والأثقال إلى المعركة، فلما نزلوا ببعض المنازل سمع دريد جلبة وأصواتًا مختلفة فسأل مالك عنها، فقال: هذه أصوات الصبيان والنساء يختلف الناس على حمل بيوتهم إلى المعركة ليقاتلوا فيها ويحموها عن النهب والسلب، قال دريد: بئس الرأي ما رأيت يا مالك، فإن هؤلاء يزيدون المقاتلين شغلًا وخوفًا وفشلًا وجبنًا، فلم يلتفت مالك إلى قول دريد، حتى إذا كان يوم اللقاء جاء بأجفان سيوف الناس إلى دريد وهو في الخيمة، وقال دريد: ما هذه؟ قال: هذه أجفان السيوف أخذتها لأكسرها إذا اشتد الأمر، قال دريد: ولماذا تكسرها؟ قال: ليعلموا أنه لا سبيل إلى غمدها وإلى الانهزام، فضحك دريد وقال: يا مالك، إنك راعي الغنم فشأنك به ودع
_________________
(١) = فاعلًا بالجار قبله وهو أولى لأنه يصير من قبيل الوصف بالمفرد كما يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره الجار قبله. [المشكل (١/ ٣٦٠)، الدر المصون (٦/ ٣٣)].
(٢) (قرابتكم) ليست في "أ" "ب".
(٣) ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٧٢).
[ ٢ / ٨٦٨ ]
أمر القتال، أترى هؤلاء القوم لئن انهزموا ليمنعنهم كسر أجفان سيوفهم فيصيرون على القتل لمكانها؟!
وإن النبي -﵇- (١) لما خرج من مكة استعار من صفوان بن أمية دروعًا، وكان صفوان مؤجلًا إلى أربعة أشهر ليسلم ولم يسلم بعدُ فخرج مع النبي -﵇- (٢) لمكان دروعه، وكان النبي -﵇- (٢) في عشرة آلاف فارس وأمر أبا سفيان فخرج في ألفي فارس من طلقاء مكة فكانوا اثني عشر ألفًا، فلما اقتربوا إلى العدو وصعد عباس (٣) على بعض التلول واطلع على عسكر المسلمين وأعجبته الكثرة ونادى: يا رسول الله، لن نغلب اليوم عن قلة، فقال رسول الله: "مَهْ يا عم وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم"، فلم يمض عليهم ساعة حتى التقت الفئتان وكان رسول الله (٤) يومئذٍ راكبًا بغلته الشهباء.
وكان العباس أخذ بلجامها وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بفرزها (٥) وعلي يقاتل بين يدي رسول الله، فأمر مالك بن عوف جموعه أن يحملوا على المسلمين حملة واحدة، لم يقم أحد من المسلمين وانكشفوا عن رسول الله (٦) وكان كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ إنما ابتلوه (٧) لكلمة عباس وإعجابه بالكثرة وكما قال عباس: أعجب بالكثرة وكان كثير من الناس أعجبوا بها فلم يبق مع رسول الله إلا عباس وعلي والفضل بن عباس وسفيان بن حارث بن
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي" وبدلها في "ب": (ﷺ).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) لم نجد مَنْ عزاه للعباس وإنما عزوه لمجهول، وبعض الروايات عزته لأبي بكر الصديق - ﵁ -.
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) بفرزها: الفرز: ركاب الرجل، لسان العرب: (فرز)، وقد تطلق على النصيب كما في الحديث: "من أخذ شفعًا فهو له ومن أخذ فرزًا فهو له" [العين (٧/ ٣٦٢)].
(٦) (عن رسول الله) ليست في "أ".
(٧) في "ب": (ابتلوا).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
عبد المطلب وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيدة وأسامة بن زيد ورجل آخر، وفي ذلك يقول ابن عباس (١):
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وقد ذر من قد ذر منهم فاقشعوا
وثامننا لاقى الحمام بسيفه بما مسه في الله لايتوجع
وفرح أبو سفيان بن حرب ومن معه من طلقاء مكة فشمتوا بالمسلمين، وقال أبو سفيان (٢): اليوم بطل السَّحر، فقال له صفوان بن أمية وهو كافر: فضّ الله فاك؛ لأن يربنا رجل من قريش خير من أن يربنا رجل من هوازن (٣)، ثم أمر رسول الله - ﷺ - عمه عباسًا لينادي بالأنصار وكان جهوري الصوت، فقال: يا أصحاب بيعة العقبة، ويا أصحاب بيعة الشجرة، ويا أصحاب سورة البقرة، فعرفوا صوته، ورجعوا إلى رسول الله - ﷺ - (٤)، ونزل رسول الله - ﷺ - عن بغلته وسلَّ سيفه وباشر الحرب بنفسه وكان يقول (٥):
"أنا النبي لاكذب أنا ابن عبد المطلب" (٦)
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ عليه وعليهم، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهزم الكفار بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة، حتى إن الرجل الواحد من
_________________
(١) البيت للعباس وليس لابن عباس وورد في جميع النسخ المخطوطة لابن عباس. وقد ورد الشعر في مصادر كثيرة وفي بعضها (تسعة) (وعاشرنا) ولعل سبب الاختلاف هو عدد من ثبت مع النبي - ﷺ -.
(٢) القائل في جميع المصادر هو كلدة بن حنبل أو جبلة بن حنبل أخو صفوان لأمه، أما أبو سفيان فقال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
(٣) هذه الحادثة رواها من طريق ابن إسحاق الطبري في تاريخه (٢/ ١٦٨)، وابن حبان (٤٧٧٤)، وأبو يعلى (١٨٦٣)، وسندها حسن.
(٤) من قوله (الشجرة) إلى هنا ليست في "أ".
(٥) (يقول) ليست في النسخ المخطوطة ولا بدّ منها.
(٦) الحادثة أصلها عند مسلم (١٧٧٥)، وابن سعد (٨/ ١٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٧٤١)، والنسائي في الكبرى (٨٦٤٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٧٣)، والحاكم (٣/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٨٧٠ ]
المسلمين قد تولى قتل ثلاثين وأربعين وخمسين نفسًا من الكفار، والتجأ مالك بن عوف إلى الطائف مذعورًا مدحورًا في نفر يسير من الأشقياء، وغنم المسلمون أموالهم ونساءهم وذراريهم، وبلغ عدد النبي ستة آلاف رأس، وعثر رجل من الأنصار على دريد بن الصمّة يريد قتله، قال دريد: ومن أنت؟ فتعرف له الرجل. قال دريد: أما إني قد أنعمت (١) على أمهاتك وفككت (٢) من الرق ثلاثًا (٣) من جداتك قبل أن خلقت وسماهن له، فضرب الرجل بسيفه ضربة في عنقه فلم يخدشه خدشة فكأنما ضرب على صمدة (٤)، فقال دريد: بئس شيء سلحتك أمك، خذ سيفك من وراء المحمل واضربني به ولا تضرب على العظم ولا على الجلد المنزي ولكن اتبع اللحم، ففعل الرجل كما علمه دريد فاجتز رأسه (٥).
وأعطى رسول الله أبا سفيان وأصحابه من الغنيمة هذه (٦) أموالًا كثيرة يؤلف قلوبهم بذكر الله، واستوحش الأنصار بذلك ثم رضوا بحكم الله ورسوله، فقال لهم رسول الله - ﷺ -:"أما ترضون أن يرجع الناس إلى ديارهم بالأموال وترجعون إلى دياركم بنبي الله؟ " فاستهلوا بالرضا والحمد لله (٧).
﴿مَوَاطِنَ﴾ جمع موطن وهو موضع القرار والسكون والرحب السعة وقوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: ضاقت برحبها ومع رحبها، وذلك من شدة الخوف وانسداد سبيل الهزيمة بالدهش واستقبال العدو من كل وجه.
_________________
(١) في "أ": (منعت).
(٢) في "أ": (وملكت).
(٣) في "أ": (تتثا).
(٤) في "أ": (صمة).
(٥) قتل دريد بن الصمة عند ابن هشام في السيرة (٥/ ١٢٢)، وابن حبان في الثقات (١/ ٣٤٦)، وابن كثير في البداية (٤/ ٣٣٧) والذي قتله ربيعة بن رفيع السلمي.
(٦) (هذه) ليست في الأصل.
(٧) البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم (١٠٥٩).
[ ٢ / ٨٧١ ]
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ يحتمل أنها عامة ويحتمل أنها في الذين أتوا رسول الله مستسلمين يفدون الأسارى فمنَّ عليهم رسول الله -﵇- (١).
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الحال تدل على أنهم مشركو العرب لأنهم كانوا يقربون المسجد الحرام ويختلفون إليه بالحج والعمرة دون سائر الناس، وإن (٢) اعتبرنا بالغالب من إطلاق الكتاب والسنة دلَّ ذلك أيضًا وهم عبدة الأوثان دون سائر الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، وقال -﵇-: "من أسلم من أهل الكتاب كان أجره مرتين وله ما لنا وعليه ما علينا، ومن أسلم من المشركين كان له ما لنا وعليه ما علينا" (٣)، وإن اعتبرنا الشأن والنزول دل ذلك أيضًا، قال أبو هريرة: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله فنادى بأربع: "أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانًا، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر" (٤) وهكذا روى مقسم عن ابن عباس في حديث طويل، ودلته الدلائل أن عرفة حرمة قربان المشركين كالمسجد الحرام وعرفة ليست من الحرم فهي كسائر مساجد الإسلام، ودلَّ كتاب الله أن المستجير مستثنى من جملة المشركين، ويجوز له أن ينتهي إلى رسول الله - ﷺ - في المسجد الحرام حتى يسمع كلام الله ثم يعود إلى مأمنه. أبو الزبير عن جابر في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الجزية (٥)، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: قال المؤمنون: كنا نصيب متاجر
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "أ": (وإنما).
(٣) أحمد (٥/ ٢٥٩)، والطبراني في الكبير (٧٧٨٦)، والحديث صحيح.
(٤) أصل الحديث في البخاري (٣٦٢)، ومسلم (١٣٤٧)، والحديث بهذا اللفظ أخرجه الترمذي (٣٠٩١)، والنسائي (٥/ ٢٣٤)، وأحمد (٢/ ٢٩٩).
(٥) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٧١، ٢٧٢)، وابن جرير (١١/ ٤٠٤)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٧٥).
[ ٢ / ٨٧٢ ]
المشركين فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضًا لهم (١)، قال الطحاوي: العوض هي الجزية المذكورة بعد هذه، وقال الفراء: العوض هو خصب تبالة وحرش أسلموا وحملوا طعامهم إلى مكة (٢)، (النجس) شيء مستقذر وإذا قرنت به الرجس كسر النون قيل رجس نجس، ﴿عَيْلَةً﴾ فقرًا، ووجه تعليق الموعود بالمشيئة تصور موت كثير منهم قبل إنجاز الوعد وتصور فقر كثير منهم مع وجود الشرط وهو خوف العيلة بسائر أسباب الفقر وكل ذلك بتقدير الله.
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ عامة في قتال أهل الكفر، وتقديرها: والذين لا يحرمون والذين لا يدينون، وقد خرج عن عمومها النساء والذرية والمشايخ غير ذوي الرأي والعميان والزمنى (٣) والأساقفة والرهبان الذين وقع الأمن من جهتهم، قال علي: كان رسول الله (٤) إذا بعث جيشًا من المسلمين قال: "انطلقوا بسم الله في سبيل الله" إلى أن قال: "ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا كبيرًا" (٥).
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث جيوشه قال: "اغزوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" (٦)، وكذا أبو بكر الصديق إلى يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين بعثهم إلى الشام (٧)، ويحتمل أن الآية خاصة في المقاتلين دون من وقع الأمن من
_________________
(١) ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٧٧).
(٢) قول الفراء مروي قريب منه عن عكرمة كما عند القرطبي (٨/ ٩٥).
(٣) (والزمنى) بياض في "أ".
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٣٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٨٣)، وسعيد بن منصور (٢٤٧٦)، وتمام في فوائده (٢٠٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٣٣).
(٦) أحمد (١/ ٣٠٠)، والطبراني في الكبير (١١٥٦٢)، وفي الأوسط (٤١٦٢)، وأبو يعلى (٢٥٤٩)، والحديث حسن.
(٧) ورد ذلك في وصية أبي بكر لجيش أسامة كما في الطبري في تاريخه (٢/ ٢٤٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٥٠).
[ ٢ / ٨٧٣ ]
جهتهم، وإلى هذا أشار -﵇- حين رأى امرأة مقتولة (١). و﴿الْجِزْيَةَ﴾ اسم المقضي عن الرقاب والظاهر أن يكف عن قتالهم حتى يعطوا الجزية نقدًا، إلا أن (٢) الدلالة قامت على وجوب الكف بالالتزام على شرط اليسار، ﴿عَن يَدٍ﴾ عن نعمةٍ منكم عليهم وذمة منكم لهم، وقيل: عن قهر. وقيل: عن نقد كقوله في حديث الربا: "يدًا بيد" (٣).
ومقدار الجزية ما روي عن عمر أنه بعث حذيفة بن (٤) اليمان وعثمان بن حنيف إلى السواد حتى وضعا عليهم الجزية، فصنفا الناس ثلاثة أصناف ووضعا على الأغنياء ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى الأوساط المحتملين أربعة وعشرين، وعلى الفقراء المكتسبين اثني عشر درهمًا، ولم يوجبا على النساء والصبيان والفقراء الذين لا يقدرون على الكسب شيئًا (٥)، ودلت الآية على سقوط الجزية بالموت والإِسلام لفوات القتال، وفي الآية جواز أخذ الجزية عن أهل الكتاب وليس فيها نفي جوازه عن غيرهم.
وقد صح عنه -﵇- (٦) جواز أخذها عن عبدة (٧) الأوثان من العجم (٨) وعن مجوس هجَر وهم عبدة النيران (٩).
_________________
(١) البخاري (٢٨٥١)، ومسلم (١٧٤٤).
(٢) في الأصل: (الآن).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: المساقاة، باب الصرف (٥/ ٢٦٦)، والنسائي (٧/ ٢٧٤)، والإمام أحمد (٢/ ١٠٩).
(٤) (بن) ليست في الأصل.
(٥) فعل عمر ذلك ذكره مالك في الموطأ (٣٣٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٣٠) (٦/ ٤٢٩) وغيرهم، أما حادثة بعث حذيفة فلم أجدها، وأما عثمان بن حنيف فذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٤٦).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في "أ": (عهده).
(٨) يقصد ما قاله المغيرة بن شعبة لرستم قبيل معركة القادسية عندما خيره بين الإسلام أو الجزية، وانظر ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٨٠).
(٩) ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٨٧٤ ]
﴿عُزَيْرٌ﴾ بن سُوْيا (١) من أولاد فنحس بن عازور بن هارون بن عمران، وكان عزير يوم سبى بخت نصر بني إسرائيل ابن ست سنين معه أمه، ثم ماتت أمه وكفله دانيال -﵇-، وعلمه الكتابة قصدًا من التوراة، وهما دعوا كيرش الملك ملك فارس إلى توحيد الله ودينه وعمارة بيت المقدس وردّ خزائنه وأهله إليه، ثم توفي دانيال وهو ابن مائة وثلاثين سنة فخلفه عُزير وهو ابن ثلاث وتسعين سنة فصار قاضي القضاة وحكم الحكماء، وقد ذهب أكثر التوراة عن اليهود ولم يبق منها نسخة إلا نسخة الصابئين باليمن ونسخة مدفونة ببيت المقدس بحث عنها المسيح -﵇- فكتبها لهم عزير بإذن الله تعالى وإلهامه بخمسة أقلام، وكان يستمد بقلم من تلك الأقلام فيكتب به ما شاء الله فإذا انقطع المداد كسر القلم ورمى به وأخذ قلمًا آخر، فانتهت التوراة بانتهاء هذه الأقلام الخمسة، وكان ذلك آية من آيات الله تعالى معجزة لعزير -﵇-، فلما فرغ من الكتابة مرض من يومه فختم على التوراة وسلمها إلى رجل صالح يسمى زكريا وأوصى إليه إملاء التوراة إلى بني إسرائيل، وتوفي عزير وتوفي بعده بيومين هذا الرجل الصالح وصارت التوراة عند ينجايل بن نبيا وكان رجلًا خمِّيرًا شرّيبًا، فرفع الختم وحرف الكلم عن مواضعه ثم ردّ الختم كما كان حتى رفع الختم ثانيًا بمشهد من بني إسرائيل وأملاها عليهم بالتبديل والتحريف ولبسَ الأمر عليهم.
قال ابن عباس: كان عزير يصلي، فبينا هو كذلك إذ نزل نور ودخل جوفه وعاد إليه ما ذهب من التوراة، فأذن في قومه: قد ردّ الله علي التوراة، فجعل يعلمهم فقابلوا ما أخذوا عنه بما وجدوه في التابوت فوجدوه مثله فقالوا: ما أوتي عزير هذه إلا أنه ابن الله (٢)، وعن الكلبي: أنه مات مائة سنة ثم أحياه الله تعالى فجاء إلى بني إسرائيل بالتوراة فلم يصدقوه حتى أخبرهم عن أبيه عن جده أن نسخة من التوراة مدفونة في
_________________
(١) في المخطوطات (سويا) ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر فلعلها (سورخا) كما في "قصص الأنبياء" لابن كثير (٥٠٠)، وابن عساكر (٤٠/ ٣٢٤).
(٢) هذه القصة لم نجد ذكرها بهذا السياق.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
موضع كذا وكذا، فانطلقوا إليه وبحثوا عنها فلم يجدوه غادر منها حرفًا، فعند ذلك وقعت لهم الشبهة وقالوا: إنه ابن الله (١)، وإنما أسند هذه المقالة إلى جماعة من اليهود على طريق المجاز (٢) كما تقول الروافض علي إله، وقالت الخوارج: تعذب الأطفال، وإنما قالت الإسماعيلية (٣) من الروافض والأزارقة من الخوارج فقط.
﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يشابهون ويماثلون الذين كفروا من قبل، هم الذين ادعوا حلول الباري سبحانه في أجسام ترابية منهم جمّ الملك والذين عبدوه، ونمرود وفرعون والهنود وبنو المليح (٤) الذين زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ وهو تركهم كتاب الله بتاويلاتهم وإعراضهم عن القرآن وسائر الآيات المعجزة الإلهية إلى اعتقادهم الباطل في المسيح -﵇- (٥).
(إطفاء نور الله) بمسهم إبطال القرآن والإيمان بتأويلاتهم وأكاذيبهم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أي: ولا يريد الله لنوره إلا إتمامه وإن كره الكافرون ذلك، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) قريبًا من هذه القصة ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٤٣) عن إسحاق بن بشر.
(٢) لو قال كما قال القرطبي (٨/ ١٠٧): (هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص؛ لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك)، فليس هناك ثمة مجاز بل خاص وعام. ولشيخ الإسلام ابن تيمية توجيه أحسن من هذا فقد سئل عن هذه الآية فقال: (الحمد لله المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] لم يقل: جميع الناس ولا قالوا: إن جميع الناس قد جمعوا لكم، بل المراد به الجنس، وهذا ما قال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل الفلاني يفعلون كذا، وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك فيشتركون في إثم القول، والله أعلم) اهـ. انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٧).
(٣) يقصد بعض الإسماعيلية والنصيرية.
(٤) ذكر بنو المليح القرطبي في تفسيره (١٥/ ١١٨)، وكذا تفسير أبي السعود (٦/ ٦٣) وروح المعاني (١٥/ ١٩٥) وهناك أقوال أنهم خزاعة وكنانة وجهينة وبنو سلمة بنو عبد الدار.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٨٧٦ ]
﴿بِالْهُدَى﴾ الأصل وبـ (دين الحق) الفرع إن شاء الله، ويحتمل بـ (الهدى) الفرقان وبـ (دين الحق) الإسلام، وقيل: هما واحد، واختلاف اللفظين، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ لينصر (١) أهله على أهل الأديان كلها وليجعله أبين وأوضح من سائر الأديان، وقد كان بحمد الله.
وإنما أخبر عن حال الأحبار والرهبان ليبين أنهم ليسوا معصومين كالأنبياء، ويجوز تصديقهم وتقليدهم (٢) من غير مطالبة بالدليل والأكل والأخذ والإمساك ولذلك ابتدأ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ وهم المرادون بهذه الصفة المشروطة، و(الكنز) (٣) كل مال مدّخر لا ينفق، والاكتناز الاجتماع، والهاء في ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾ عائدة إلى الأموال والكنوز، وقيل: إلى الذهب، وقيل: إلى الفضة وحدها (٤) على ما قدمنا، وجواب الشرط ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾.
﴿يَومَ﴾ نصب على الظرف والعامل العذاب لا البشارة، ﴿يُحْمَى﴾ يولد الحرارة، ويحتمل أن يحيى الذهب على الفضة في نار جهنم، ويحتمل يحيى شيء من الحطب والفحم على كنوزهم في نار جهنم حتى يصير نارًا، و(الكي) إمساس البشرة شيئًا حاميًا لينًا وثوبه يحترق، و(الجبهة) ما فوق الأنف، وكيها أقبح وأبلغ في العلامة، وكي الجنوب
_________________
(١) في الأصل: (ليصغر).
(٢) في "ب": (كالأنبياء فيجوز تقليدهم وتكذيبهم وتصديقهم).
(٣) في "أ": (وأكثر).
(٤) ذكر الزجاج القولين المشهورين في توجيه هذه الآية: الأول: أن الضمير يرجع إلى الكنوز والأموال. والثاني: أنه يرجع إلى الفضة، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة ومنه قول عمرو بن امرئ القيس: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلفُ التقدير: نحن بما عندنا راضون. وقال الفراء: إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٤٣٤)، زاد المسير (٢/ ٢٥٥)].
[ ٢ / ٨٧٧ ]
والظهور يمنع راحة الاضطجاع. ﴿هَذَا﴾ أي: يقال لهم: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ (١).
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث الإنكار على الأحبار (٢) والرهبان وذكر صدهم عن سبيل الله، فمن جملة صدهم عن سبيل الله (٣)، أنهم وجدوا الزمان المشتمل على المشهور الاثني عشر قاصرًا عن الاشتمال على الفصول الأربعة، نقلوا عن مواضعها بعد ما كانت معلقة بالقمر، أما اليهود فجعلوا السنة المجبورة ثلاثة عشر شهرًا وكرروا السنة التاسعة عشر جامعة لكسوره (٤) المجتمعة من الشرعيات، وسمّوا الشهر الزائد آذار فكان لهم في السنة المجبورة آذاران (٥) (٦)، أما السريانيون فجعلوها تشرين الأول زائدًا بيوم والكانون الأول زائدًا والكانون الآخر زائدًا وجعلوا شباط ثمانية وعشرين في ثلاث سنين وتسعًا وعشرين يومًا في السنة الرابعة (٧)، فاستدركوا بهذا الحساب أوقات زرعهم وتجارتهم وضربهم في الأرض، وأبطلوا مناسكهم وأعيادهم ومواسم دينهم فضلُّوا وأضلُّوا بتركهم مصالح معاشهم فأنكر الله ذلك عليهم وأخبر أن الشهور في كتاب الله ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ودور الأفلاك وسير الشمس والقمر والنجوم في بروجها، فتبين أنّ الشهور معلقة بالقمر لا محالة، وإلى هذا ذهبت العانانية (٨) من اليهود فاتخذوا رؤوس شهورهم
_________________
(١) في الأصل: (كفرتم).
(٢) (على الأخبار) ليست في "أ".
(٣) (فمن جملة صدّهم عن سبيل) ليست في "أ".
(٤) في الأصل "ب": (لكسور).
(٥) في الأصل: (إذاء وإن كان).
(٦) هذه أسماء المشهور الشمسية التي لا تزال مستعملة في بعض البلاد العربية كالعراق والأردن وغيرها.
(٧) وتسمى اليوم السنة الكبيسة.
(٨) هذه الفرقة اليهودية ذكرها ابن حزم في كتابه: الفصل في الملل والنحل (٢/ ٦)، والأحكام (٥/ ١٥٠).
[ ٢ / ٨٧٨ ]
بالأَهلَّة وعدّوا ثلاثين إذا لم يروا الهلال واتخذوا المغاربة من اليهود رؤوس شهورهم من ليلة القدر. ﴿مِنْهَا﴾ من جملة المشهور الاثني عشر، ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ محرمة وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد، وتحريمها تحريم القتال فيها على وجه الابتداء، وكان هذا الحكم فيها بين العرب وفي ابتداء الإسلام وهو اليوم منسوخ، ولا يعرف له ناسخ (١)، وقيل: تحريمها تشريفها وتعظيمها ليكون الثواب فيهنّ أعظم وكذلك العقاب، ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ في هذه الأشهر الأربعة، ويجوز تخصيص النهي مع كونه عامًا كقوله في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] الآية.
وفائدة تعظيم الذنب في الزمان والمكان كفائدة تفضيل (٢) العمل فيهما، كما أنه يجوز أن يكون حالًا للمأمورين ثم يسقط الفرض عن القاعدين بكفاية المجاهدين، ويجوز أن يكون حالًا للمشركين ثم تخصيص هذا العموم في آية الجزية.
﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ ليوافقوا ويماثلوا، وأصله أن تطأ سيرة غيرك، والهمز وترك الهمز لغتان. محمَّد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان الناسىء رجلًا من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة بن عوف (٣)، وكان يكون على الناس بالموسم (٤) فإذا همَّ الناس بالصدور وفرغوا عن حجهم قام فخطب الناس، وقال: يا أيها الناس، أنا الذي
_________________
(١) بل ناسخهُ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية. وانظر: ابن جرير (٢/ ٣٩٥)، والناسخ والمنسوخ للنحاس (١٢٤).
(٢) في الأصل: (تفضيله).
(٣) ورد عند القرطبي (٨/ ١٢٥)، والبغوي (١/ ٤٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٣٥) أنه نعيم بن ثعلبة من بني كنانة، ثم كان بعده جنادة بن عوف، أما نعيم عن ثعلبة بن عوف فلم أجده. وليس في روايات الكلبي ذكر لجده عوف، وإنما جنادة بن عوف فلعله اختلط على المؤلف الاسم الأول مع الثاني.
(٤) في الأصل: (على الموسم).
[ ٢ / ٨٧٩ ]
لا أعاب ولا أجاب ولا مَردّ لما قضيت، فيقول (١) المشركون: لبيك (٢) ربنا، ثم يسألونه أن ينسيهم شهرًا يغيرون فيه، فإن قال: إن صفر العام حرام حلّوا الأوتار ونزحوا الأزجة (٣) والقطب وإن قال: حلال، عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة والقطب، وخرجوا فأغاروا على الناس، قال محمَّد: فقلت للكلبي: إذا كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا (٤) فكيف كان الناس لا يأخذون حذرهم في نوبة الحلال، قال: إنما يفعلون ذلك في السنين وهم أغرّ ما كانوا، فكان التحريم والتحليل في هذين الشهرين المحرم وصفر، وإنما فعل ذلك بهم لأنهم كانوا يصيبون على ظهور الدواب من الغارة، وكانت معيشتهم منها فشق عليهم توالي الأشهر الحرم.
محمَّد بن إسحاق عن الكلبي قال: أول من أنسأ الشهر من مصر مالك بن كنانة، وذلك أنه نكح إلى معاوية بن ثور الكندي وكانت النساة (٥) في كندة وهم ملوك ربيعة ومُضَر فورثها مالك بن كنانة منهم، ثم نسأ ثعلبة بن مالك بن الحرث، ثم نسأ بعده سدير بن القَلَمَّس، ثم كانت النسأة في بني فُقَيْم من بني ثعلبة، وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد ابن فُقَيم (٦) قال: وكانوا يسمون المحرم صفر الأول فيقول (٧) صفران وشهرا ربيع وجماديان ورجب
_________________
(١) في الأصل و"أ": (فنقول له).
(٢) في الأصل: (إليك).
(٣) في الأصل: (الإزاحة).
(٤) (عامًا) من الأصل.
(٥) في الأصل: (النساء).
(٦) رواه ابن عباس - ﵄ - أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٢)، قال: النسيءُ: أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادى: ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب ألا وإن صفر العام الأول حلال فيحله الناس، فيحرم صفر عامًا، ويحرم المحرم عامًا فذلك قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] وأخرجه أيضًا عن ابن عباس ابن أبي حاتم (١٧٩٣).
(٧) في الأصل و"أ": (فيقولون).
[ ٢ / ٨٨٠ ]
وشعبان وشهر رمضان وذو القعدة وذو الحجة فكان الناسىء ينسىء سنة ويترك سنة، وليحلوا (١) الحرام ويحرموا الحلال فإذا قال: نسأت من هذه السنة صفرًا طرحوه ولم يعتدوا به وقالوا: الصفر وشهر ربيع الأول صفران ولشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى شهرا ربيع ولجمادى الآخر (٢) ورجب جماديان على هذا الترتيب، ثم يمسك عن الإنساء في السنة الثانية ويقول: يا أيها الناس، لا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم وقد أحللت دماء المحلين طي وخثعم في الأشهر الحرم وإنما يحل دماء هاتين القبيلتين لاستحلالهما الأشهر الحرم ومخالفتهما سائر العرب في اعتقاد تحريم هذه الأشهر، ثم ينسأ في السنة الثانية صفر الأول عنده وهو الصفر الثاني في الحساب المستقيم فيقول لشهري ربيع صفران ولجمادين شهرا ربيع ولرجب وشعبان جماديان على هذا الترتيب حتى يستدير الحج في كل أربع (٣) وعشرين سنة إلى الشهر الذي ابتدأ منه، وكان الحج سنة الفتح وهي سنة ثمان قد انتهى إلى ذي القعدة فلم يأمر رسول الله (٤) عتاب بن أسيد، وحج أبو بكر سنة تسع وحج رسول الله سنة عشر فوقف بعرفة، وقال: "يا أيها الناس إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض (٥) فلا شهر ينسى ولا عدة تحظى صوان الحج في ذي الحجة".
وعن مجاهد (٦) وغيره قال: كانوا يحجون في كل شهر عامين فإذا مضت
_________________
(١) في الأصل: ويحلوا.
(٢) في الأصل: (الأخرى).
(٣) في الأصل و"أ": (أربعة).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع (٦٧ - ١٠٥ - ١٧٤١ - ٣١٩٧ - ٤٤٠٦ - ٤٦٦٢)، ومسلم في صحيحه (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨)، وأحمد (٥/ ٣٩) من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٥٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٧٥)، وابن أبي حاتم (١٧٩٥).
[ ٢ / ٨٨١ ]
الثلاث عشرة سنة استقبلوا العدة وكانت حجة (١) أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة وكذلك كانوا حجوا في ثمان ثم استقبل النبي -﵇- (٢) ذي الحجة فذلك قوله: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض".
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ نزلت في شأن غزوة تبوك (٣) استنفرهم رسول الله حالة العسرة والجدب والزمان زمان قيظ والشدة بعيدة والعدو الروم، فتثاقل المؤمنون وتكاسل المنافقون وتخوفوا مثل يوم مؤتة الذي قتل فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله - ﷺ - في خلاصة المؤمنين واثقًا بالله متوكلًا عليه حتى انتهى إلى تبوك فلم يجد من يقابله، وخرج إليه رئيس البلدة مستسلمًا والتزم الجزية، وكذلك التزم الجزية أهل خربا وأدرح، وأرسل رسول الله (٤) خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فصادف صاحبها متصيدًا مع نفر يسير وهو أكيدر بن عبد الملك الكندي من أبناء الملوك، فأخذه وجاء به إلى رسول الله (٤) فمنَّ عليه وأطلقه بعد أن التزم الجزية، ثم رجع (٥) رسول الله على رغم المنافقين إلى المدينة سالمًا غانمًا مظفرًا بفضل الله ورحمته ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بدلًا منها وعوضًا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في قياس الآخرة ومقابلتها، وكان -﵇- (٦) قد استخلف على المدينة في هذه الغزوة علي بن أبي طالب. عن مصعب بن سعد عن أبيه أن النبي -﵇- (٦) قد خلف عليًا في غزوة تبوك وقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟! فقال رسول الله - ﷺ -: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى -﵇- غير أنه لا نبي بعدي" أخرجه مسلم والبخاري وأبو عيسى (٧).
_________________
(١) في "ب": (عدة).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٦٠)، وابن أبي حاتم (١٧٩٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٣٧) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، كلهم عن مجاهد.
(٤) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٥) (رجع) من "ي" "ب".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) البخاري (٣٥٠٣)، ومسلم (٢٤٠٤)، والترمذي (٣٧٣١).
[ ٢ / ٨٨٢ ]
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ (١)﴾ قال ابن عباس: نزلت في حي من أحياء العرب قعدوا عن الخروج مع رسول الله فأمسك الله عنهم المطر وابتلاهم بالجدب فذلك العذاب الأليم (٢)، والمراد بالأبدال: اليمن، وقيل: أبناء فارس وسائر الغزاة إلى اليوم، روي أن عليًا خطب يومًا فأتاه الأشعث وهو يخطب على المنبر فقال: غلبتنا عليك هذه الحمراء، يعني: الموالي، فقال علي: من يعذرني من هذه الضياطرة يتخلف أحدهم يتقلب على حشاياه، إن طردتهم إني إذًا لمن الظالمين، والله لقد سمعت رسول الله -﵇- (٣) يقول: "لينصرنكم على الدين كما ضربتموهم عليه بدًا" (٤).
عن ابن شهاب قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، قال: من أين قدمت يا زهري، قلت: مكة، قال: من خلفت يسود أهلها، قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبما سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية؛ قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبما سادهم؟ قلت: بما ساد عطاء، قال: إنه لينبغي، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ومن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: عبد نوبيٌّ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن أهل الجزيرة، قلت: ابن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك من يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي،
_________________
(١) (يعذبكم) ليست في "ب".
(٢) أبو داود (٢٥٠٦)، وابن جرير (١١/ ٤٦١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٩٧)، والحاكم (٢/ ١١٨)، والبيهقي (٩/ ٤٨)، وسنده ضعيف.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ذكره الشافعي في الأم (٧/ ٢٥٩)، وكذا ذكره ابن منظور في "لسان العرب" (٤/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٨٨٣ ]
قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري فرَّجت علي، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال الزهري: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط (١).
﴿إِلَّا ننَصُرُوُه﴾ نزلت في تذكرهم نصرة الله نبيه -﵇- وصاحبه أبا بكر الصديق حين خرجا من مكة و﴿الْغَار﴾ الشق الكبير في الجبل، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ في الموالاة والحفظ، ﴿سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ يحتمل في النبي -﵇- (٢) ويحتمل في أبي بكر ويحتمل فيهما، لكن كنى عن أحدهما على سبيل الاقتصار كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وتأييده بالجنود يومئذ بإنزال الملائكة ليصرف عنهما، وقيل: أراد تأييده يوم بدر ويوم حنين، وأراد بالكلمة الدين والدعوة. فخرج إلى طلبها سراقة بن مالك بن جعشم القصة، وقصة (٣) مرض النبي -﵇- وقال: "مروا أبا بكر ليصلي بالناس" إلى أن بايعوا أبا بكر. عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله ثم (٤) قال: لما كان اليوم (٥) الذي قبض فيه أبو بكر الصديق فسجوه بثوب ارتجت المدينة بالبكاء وأبلس الناس كيوم قبض فيه النبي -﵇- وجاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مسرعًا مسترجعًا باكيًا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة من أمة محمَّد -﵇- حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر - ﵁ - مسجّى فقال:
رحمك الله أبا بكر (٦) كنت إلف رسول الله (٧) وأنسه ومستراحه وثقته
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٠/ ٨١).
(٢) (يحتمل في النبي - ﷺ -) ليست في "أ".
(٣) (قصة) من "ي" "ب".
(٤) (صاحب رسول الله ثم) ليست في "ب"، وفي "أ": (صاحب رسول الله قال).
(٥) في "ب": (في اليوم).
(٦) في "ب": (يا أبا بكر).
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٨٨٤ ]
وموضع سرّه، كنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم إيمانًا وأشدهم يقينًا وأخوفهم قلبًا وأعظمهم غناءً في دين الله وأحوطهم على رسول الله (١)، وأحدبهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهمٍ سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة من رسول الله، وأشبههم به هديًا وخلقًا وسمتًا ورحمةً وفضلًا وأشرفهم منزلةً وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرًا، صدقت رسوله (٢) حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقًا فقال -﷿-: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] جاء بالصدق: بمحمد، وصدّق به (٣): أبو بكر، واسيته حين بخلوا وكنت معه (٤) عند المكاره حين عنه (٥) قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وصاحبه في الغار، والمُنَزَّل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله وأمته، فأحسنت الخلافة حين ارتدَّ الناس فقمت في دين الله قيامًا ما لم يقم به خليفة نبي قط، فنهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله (٦) إذ هموا (٧).
كنت خليفته حقًا لم تنازع ولم تصدع بزعم المنافقين وكذب الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين وغيظ الباغين، فقصت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين تتعتعوا ومضيت بنور الله إذ وقفوا واتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتًا وأعلاهم قوتًا وأقلهم كلامًا وأصوبهم منطقًا وأطولهم صمتًا وأبلغهم قولًا وأكبرهم رأيًا وأشجعهم قلبًا وأشدهم يقينًا وأحسنهم عملًا
_________________
(١) في "أ": (وأحوطهم على رسوله واجد على رسوله وأحد بهم).
(٢) في "ب": (رسول الله).
(٣) في "أ": (جاءنا بالصدق محمَّد وصدّق) ساقطة، وفي "ب" "ي": (وجاء).
(٤) (حين بخلوا وكنت معه) ليست في "ب".
(٥) في الأصل (عند).
(٦) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٧) في "أ" والأصل (إذنتموا).
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين (نصيرًا) (١) أولًا حين تفرق عنه الناس وآخرًا حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبًا رحيمًا حين صاروا عليك عيالًا فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وأدركت بعلمك ماجهلوا، تشمرت (٢) إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابًا صبًا وللمؤمنين رحمة وأنسًا وللمؤمنين غيثًا وخصبًا، فطرت والله بغنائها وفزت بحبائها وذهبت بفضائلها وأدركت سوابقها، لم تفلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم يزغ قلبك ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزلزله القواصف، كنت كما قال رسول الله -﵇-: "ضعيفًا في بدنك قويًا في أمر الله، متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله، جليلًا في الأرض كبيرًا عند المومنين"، لم يكن لأحد فيك ولا لقائل فيك مغمز ولا لأحد فيك مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل (٣) عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له، شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقت نهج السبيل وسهل العسير وأطفيت النيران واعتدل الدين فقوي الإيمان وظهر (٤) أمر الله ولو كره الكافرون فخليت عنهم فأبصروا، فسبقت والله سبقًا بعيدًا وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا وفزت بالخير فوزًا مبينًا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدّت مصيبتك في الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله -﷿- قضاءه وأسلمنا لأمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا وصونًا وكهفًا وحرزًا وللمؤمنين فئة وحصنًا وغيثًا وأنسًا وعلى المنافقين
_________________
(١) (نصيرًا) ليست في الأصل و"أ".
(٢) في "أ": (اشمرت).
(٣) (عندك هوادة الضعيف ذليل) ليست في "أ".
(٤) في "أ": (وأظهر).
[ ٢ / ٨٨٦ ]
غلظة وكظمًا وغيظًا فألحقك الله نبينا ونبيك - ﷺ - ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: وسكت الناس حتى انقضى كلامه ثم بكى وبكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله (١).
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ خفافًا (٢): أهل يسار، و(ثقالًا): المعسرين، عن ابن عباس (٣)، وقال مقاتل وطاووس عن ابن عباس: نشاطًا وغير نشاط (٤)، وقال ابن زيد: الثقال: أصحاب (٥) الضيعة، والخفاف (٦): غيرهم، وقيل: العُزاب والمتأهلون (٧)، وعن عطية العوفي (٨): الركبان والمشاة (٩)، وعن مرة الهمداني: الأصحاء (١٠) والمرضى (١١)، وعن الحسن البصري: الشبان والشيوخ (١٢)، وعن الحسن أيضًا: المتفرغون والمشاغيل (١٣).
_________________
(١) البزار (٩٢٨)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ٥٧)، وابن عساكر (٣٠/ ٤٣٠، ٤٣٨) (٣٢/ ٣٩٦)، ومدار الرواية على عمر بن إبراهيم الهاشمي وهو كذاب، والكذب واضح على الرواية.
(٢) (خفافًا) ليست في "أ".
(٣) ذكره عن ابن عباس في زاد المسير (٣/ ٤٤٢).
(٤) أما عن ابن عباس فعند البغوي (١/ ٥٣)، وأما عن مقاتل ففي زاد المسير (٣/ ٤٤٢)، وأما عن طاوس فلم أجده.
(٥) في الأصل: (أهل).
(٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٤٢)، والبغوي (١/ ٥٣).
(٧) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٤٣) عن يمان بن رئاب، والبغوي (١/ ٥٣).
(٨) في الأصل: (العوافي).
(٩) عزاه ابن الجوزي (٣/ ٤٤٢) وقال: عن عطاء عن ابن عباس، وعزاه البغوي (١/ ٥٣) لعطية.
(١٠) في "أ": (الأصحاب).
(١١) عزاه له ابن الجوزي (٣/ ٤٤٣)، والبغوي (١/ ٥٣).
(١٢) عزاه له ابن الجوزي (٣/ ٤٤٣).
(١٣) عزاه للحسن ابن الجوزي (٣/ ٤٤٢) وهو عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٨٨٧ ]
وعن الزهري أن سعيد بن المسيب خرج إلى العدو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل: ليس عليك حرج فإن عليك صاحب ضرر فقال: استنفر الخفيف والثقيل هان لم يمكني الحرب فكثرت السّواد وحفظت المتاع، وهذه الآية منسوخة بقوله (١): ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] عند بعض الناس وغير منسوخة عند الأكثرين.
﴿لَوْ كَانَ﴾ ما تدعوهم، ﴿عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ مقتصدًا دون البعيد فوق القريب، ﴿الشُّقَّةُ﴾ الناحية، عن ابن عرفة جمعه شقق (٢)، قال الفراء ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ يعلمهم كاذبين، العلم واقع على ذواتهم وأخبارهم جملة يدل عليه كسرة الهمزة من قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ ودخول اللام في الخبر، ولو كان العلم واقعًا على مجرد فعلهم لكانت مفتوحة ولما دخلت اللام في الخبر، روي أن الحجاج بنيوسف أخطأ في "العاديات" فقرأ: أنَّ ربَّهم بفتح الهمزة، فلما علم أنه أخطأ استدرك بإسقاط اللام فقال: (يومئذ خبير).
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وإنما قدّم العفو لتلطيف العتاب كقولك: رحمك الله لم فعلت، وعافاك الله لم فعلت. كان النبي -﵇- (٣) أذن في التخلف للمعتذرين إليه على الفور من غير تثبت وتمييز بين الصادقين والكاذبين معتبرًا بالظاهر من أحوالهم وكان ذلك له جائزًا لقوله: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] إلا أنه سلك سبيل الرخصة وترك الاحتياط فأنكر الله ذلك عليه وبين له أنه لو فعل غير ذلك لكان أحسن وأحوط. الاستئذان المنفي عن المؤمنين استئذانهم لئلا يجاهدوا وكراهة أن يجاهدوا، والاستئذان المختص بالمؤمنين في سورة "النور" توقفهم للإذن وتركهم الانسلال والانتشار للحوائج من غير إذن الرسول -﵇-.
_________________
(١) البغوي (١/ ٥٣).
(٢) قال أبو عبيدة وابن قتيبة: الشقة: السفر، وقال الزجاج: الشقة: الغاية التي تقصد، وقال ابن فارس: الشقة: مصير إلى أرض بعيدة، ويجوز ضم الشين وكسرها. [إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٥١)، مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٢٦٠)، زاد المسير (٢/ ٢٦٣)].
(٣) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وفي قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ﴾ دليل على أن الإيمان لا يصح من غير معرفة الله سبحانه لأن للريب مدخلًا وللشبهة موضعًا في الإيمان ما لم يتصل (١) بمعرفة الله تعالى، وإنما كره انبعاثهم لأن انبعاثهم لو وجد لكان معصية ولم يكن طاعة لقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ فهذه الكراهة ككراهة الصلاة بغير طهارة، كره فعلها من غير (٢) وجه وتركها من وجه. (التثبط) التعويق، وقيل: التثقيل، وفلان ثبط أي: ثقل، والقول لهم: ﴿اقْعُدُوا﴾ هو إذن النبي -﵇- (٣) ويحتمل قول بعضهم لبعض، ويحتمل أنه أمر تكوين وتقدير من الله تعالى للقاعدين النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، (إيضاع الإبل) حملها على الإسراع في السير، والمراد به إسراع المنافقين في المشي بالنميمة من المؤمنين وبالأراجيف المكروهة، وفي قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ دليل أن بعض المنافقين أو بعض من كان يخالطهم ويعاشرهم كان قد خرج للنبي -﵇- (٣) (ابتغاؤهم الفتنة) من قبل رجوع ابن أُبي بن سلول يوم أُحُد بثلث الناس وإرجافهم في المدينة بالأراجيف المكروهة وإغراؤهم بين المؤمنين.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ نزلت في جد بن قيس قال له النبي -﵇- (٣): "هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ "، فقال: ائذن لي يا رسول الله ولا تفتني؛ أي: لا تؤثمني فإني رجل كلف بالنساء مستهتر بهن، فإذا رأيت بنات الأصفر لم أصبر عنهن (٤)، وبنو الأصفر هم الروم ينسبون إلى حبشي ملكهم واستولد نساءهم.
﴿أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ شأننا من الحزم والاحتياط.
_________________
(١) من قوله: (دليل) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) (غير) ليست في "أ" "ي".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ابن هشام في السيرة (٢/ ٥١٦) عن ابن إسحاق، والطبراني في الكبير (١٢٦٥٤)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٠٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥١٢)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢١٣، ٢١٤) عن ابن عباس مرفوعًا. وسبب ضعفه أن فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وضعفه الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٠)، وسبب النزول غير ثابت ضعيف.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ هو أن يرزقهم إحدى الحسنيين إما بالنصرة والغنيمة وإما التمحيص والشهادة في كل جهاد لا محالة (١).
﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ من عند الله ما يرسل عليهم في الدنيا من الشدائد ليجعلهم نكالًا ثم يسوقهم إلى عذاب النار وإما يصيبهم الله بأيدينا) الحدُّ والتعزير في الجنايات والحبس في التهم والقتل على ظهور الكفر منهم (٢)، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديد.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ ابن عباس: نزلت في جدّ بن قيس حيث قال: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] هذا مالي خذ منه ما شئت فإني أعينك به (٣)، وقوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ في معنى الشرط (٤) كقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقال أبو الدرداء وجدت (أخبرُ تَقْلِه) (٥)، وفي المثل: (عش رجبًا (٦) تر عجبًا) (٧).
ويجوز أنه إنما لا تقبل نفقاتهم، ﴿طَوْعًا﴾ لأن النفقة لا تكون قربة
_________________
(١) وهذا قول الزجاج، وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: ما قضى علينا. [زاد المسير (٢٦٦/ ٢)].
(٢) وهذا معنى قول ابن عباس - ﵄ -، قال: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢] بالموت، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] قال: القتل. أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٩٧).
(٣) ابن جرير (١١/ ٤٩٩).
(٤) قاله أبو جعفر النحاس وأنه أمر معناه الشرط والمجازاة، والتقدير: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم، ومثله قول الشاعر وينسب إلى كثير عزة: أسِيئِي بنَا أو أحسني لامَلُومَةٌ لدينا ولامَقْليَّةٌ إِنْ تَقلَّتِ [إعراب القرَآن للنحاس (٣/ ٢٤)، ديوان كثير عزة (ص ١٠١)].
(٥) هذا حديث ضعيف غير ثابت، وانظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي (٢/ ٧٢٣)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (٢٥٩)، والسلسلة الضعيفة للألباني (٢١١٠) ومعناه: (أي: كلما خبرت الناس ووثقت بهم هجرتهم وتركتهم وقليتهم) وقد جرى هذا اللفظ مجرى الأمثال.
(٦) في الأصل و"أ": (عجبًا).
(٧) انظر: "مجمع الأمثال" (١/ ٥٧) (٢/ ١٦)، وشرح كتاب الأمثال (٤٦٤).
[ ٢ / ٨٩٠ ]
إلا مع بقاء التكليف وقد زال عنهم تكليف الإنفاق في الغزو مع رسول الله -﵇- (١)، ويحتمل أنهم لو كانوا ينفقون لكانوا يريدون بذلك غير وجه الله (٢).
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ﴾ يجوز أن يكون المنع فعل الله والمستثنى في محل الخفض بإضمار حرف التعليل (٣) أي: وما منعهم (٤) الله عن مساواة غيرهم في قبول الصدقات، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ ويجوز أن يكون المنع فعل شيء مجهول والمستثنى في محل الرفع، أي: ما منعهم شيء عن مساواة غيرهم في قبول الصدقات إلا كفرهم (٥)، ﴿وَلَا يَأْتُونَ﴾، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ يحتمل بمعنى الماضي ويحتمل على ظاهره.
تعذيبهم بأموالهم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تشديد خوفهم على فوتها وتعظيم فوتها على قلوبهم فيمسكونها ويكتمونها ويتباغون عليها ويتحاسدون فيها ولا يزالون في اهتمام وعناء، وإنما يجمعون لوارث يبغضهم ويبغضونه، و(تعذيبهم بأولادهم) ما يصابون فيهم ويرون منهم من المكروه ما لا يرون من الأعداء.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (ﷺ).
(٢) بيَّن الله -﷿- العلة والسبب في عدم تقبله منهم نفقاتهم على أي حال في الطوع أو الكره وذلك بسبب فسقهم وكفرهم ونفاقهم، وبيَّن الله -﷿- هذه العلة في الآية التي بعدها، وقيل: إن الآية نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي - ﷺ - لما عرض عليه النبي - ﷺ - الخروج معه لغزو الروم: هذا مالي أعينك به. أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٩) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٣) الذي جوز الخفض في "أَنْ" الأولى والثانية هو سيبويه نقله عن النحاس في إعرابه، وذهب أبو إسحاق الزجاج أن "أن" الأولى والثانية في موضع نصب على قراءة الكوفيين: ﴿أَنْ يُقْبَلَ﴾ بالياء لأن النفقات والإنفاق واحد. [إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٥)].
(٤) في "ب": (منعه).
(٥) وهذا اختيار أبي جعفر النحاس كما في إعرابه حيث اختار أن تكون "أَنْ" الأولى في موضع نصب و"أَنْ" الثانية في موضع رفع، وقدره بقوله: وما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم. [إعراب القرآن (٣/ ٢٥)].
[ ٢ / ٨٩١ ]
وقال ابن عباس: في الآية تقديم وتأخير، فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة (١) الدنيا (٢)، ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تتلاشى وتبطل.
﴿يَفْرَقُونَ﴾ الفرق: الخوف والخشية وفيه دليل أن من تحقق خوفه من غير الله لم يكن مؤمنًا، وفي الحديث: "لا يجتمع البخل والجبن في قلب مؤمن ولا يجتمع الشجاعة والسخاوة في قلب منافق" (٣).
﴿مَلْجَأً﴾ مفرًا وملاذًا، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ كل ما يغور الإنسان فيه وهو أن يستتر، يقال: غارت الشمس، أي: غابت، ومنه الغور (٤) والغار (٥)، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ أصله مدْتخلًا على وزن مفتعل (٦)، وفي قراءة ابن مسعود
_________________
(١) ورد عن قتادة عند ابن أبي حاتم (٦/ ١٨١٣)، وعند الطبري (١١/ ٥٠٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٤٩) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ ولم نجده عن ابن عباس.
(٢) (الدنيا) ليست في "أ" "ي".
(٣) الحديث ورد عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا يجتمع الكفر والإيمان في قلب امرئ، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعًا، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعًا" أخرجه الإمام أحمد في المسند وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، انظر: مجمع الزوائد (١/ ١٢٢).
(٤) في "أ": (الغوراء) وسقطت (والغار).
(٥) إذا كانت بفتح الميم "مَغَارات" فهي من غار يغير، وإذا كانت بالضم "مُغارات" فهي من أغار يغير، قاله النحاس، ونقله عن الأخفش، وقراءة الضم هي قراءة سعيد بن جبير وابن أبي عبلة، والمغارة هي الغار والنقب الذي يكون في الجبل ويجوز أن يكون معناه السرب في الأرض. [إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٥)، الدر المصون (٦/ ٦٨)، زاد المسير (٢/ ٢٦٨)].
(٦) أي أدغمت الد الذي تاء الافتعال؛ لأن الدال مجهورة والتاء مهموسة وهما من مخرج واحد، وهذه الكلمة فيها خمس قراءات: الأولى: قراءة الجمهور: ﴿مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: ٥٧]، والثانية: قراءة قتادة وعيسى والأعمش بضم الميم وتشديد الدال والخاء مع فتحهما ﴿مدَّخَّلا﴾، والثالثة: قراءة أبي وابن مسعود ﴿مُتَدَخَّلًا﴾، والرابعة: قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن بفتح الميم وسكون الدال وفتح الخاء ﴿مَدْخَلا﴾، والخامسة: نقلها الزجاج بضم الميم وسكون الدال وفتح الخاء ﴿مُدْخَلا﴾. [زاد المسير (٢/ ٢٦٨)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٦)، مختصر ابن خالويه (ص ٥٣)، البحر (٥/ ٥٥)].
[ ٢ / ٨٩٢ ]
﴿متدخلًا﴾، ﴿يحمَحُونَ﴾ يميلون؛ عن ابن عرفة، ويسرعون؛ عن الأزهري (١).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ كان المنافقون ينسبون (٢) رسول الله (٣) في قسم الصدقات إلى الميل والعناية ووضعها في غير موضعها فإن أعطاهم أمسكوا عن العيب وإن لم يعطهم سخطوا فأنزل الله الآية (٤)، و(اللمز): العيب.
وجواب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ مضمر وتقديره: لكان خيرًا لهم (٥)، وفضل الله الغنائم والصدقات وسائر أبواب الرزق، ندب إلى مثله قول علي - ﵁ - (٦):
رضيت بما قسم الله لي وفوضت أمري إلى خالقي
لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي
_________________
(١) الجموح: النفور بإسراع، قال الزجاج: يسرعون إسراعًا لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا قيل: فرص جموح وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام. ومنه الحديث الذي رواه البخاري، كتاب: الطلاق (٩/ ٣٨٨) - الفتح-: "فلما أذلقته الحجارة جمز". ومنه قول امرئ القيس: جموحًا مروحًا وإحضارها كمعمعة السَّعْفِ المُوْقَد [لسان العرب (٣/ ١٩٠) (جمح)، ديوان امرئ القيس (ص ١٨٧)، البحر (٥/ ٣٥)، الدر المصون (٦/ ٧٠)، زاد المسير (٢/ ٢٦٨)].
(٢) المثبت من "أ" وفي البقية (والغلاف).
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) الظاهر في سبب نزول الآية ما روي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يَقْسِمُ قسمًا إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال: اعْدِلْ يا رسول الله، فقال: "ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ " الحديث. [أخرجه البخاري (٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤)، والنسائي في الكبرى (١٢٢٠)، والإمام أحمد (١٨/ ٩٤ - ١١٥٣٦) وغيرهم].
(٥) وقيل: الجواب هو"وقالوا" والواو مزيدة وهذا مذهب الكوفيين. [الدر المصون (٧٢١٦)].
(٦) ورد البيت الثاني عند الغزالي في الإحياء (٣/ ٣٨٣)، والألوسي في تفسيره "روح المعاني" (١٤/ ٢٠٥).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الصدقات فبين الله أنّ أهل الصدقات هؤلاء دون المنافقين الذين يلمزون رسول الله في الصدقات، وفيه دلالة أن حق الأخذ إلى الإمام بدليل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ويجوز أن يكون مستحق الأخذ غير مستحق العين كما في الجزية وأموال اليتيم الفقراء المحتاجين، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ أهل الترحم والرأفة وهم أسوأ حالًا من الفقراء عندنا، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الذين يلون جمع الصدقات وأخذها بإذن الإمام لهم عمالة في الصدقات وهي مكروهة للهاشميين، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أبو سفيان بن حرب ومعاوية بن أبي سفيان ثم حسن إسلامه، وحكيم بن حزام ثم حسن إسلامه، والحارث بن هشام ثم حسن إسلامه، وسهيل بن عمرو ثم حسن إسلامه، وحكيم خويطب بن عبد العزى ثم حسن إسلامه، وصفوان بن أمية والعلاء بن حارثة الثقفي وعيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس ومالك بن عوف النضري والعباس بن مرداس السلمي ثم حسن إسلامه، وقيس بن مخرمة ثم حسن إسلامه، وجبير بن مطعم ثم حسن إسلامه.
كان رسول الله - ﷺ - يدفع إليهم شيئًا من الصدقات ليقطع به شرورهم عن المسلمين فكان يعود نفع ذلك إلى الفقراء والمساكين. ثم انقطع ذلك فلم يعطهم عمر وعثمان وعلي شيئًا، وسأل بعضهم عمر فقال: إنا لا نعطي على الإسلام شيئًا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (١)، وإنما قال ذلك بعد عزّ الإسلام وضعف الشرك ووقع الأمن من جهة هؤلاء، ولكن أبا بكر الصديق دفع إلى عدي بن حاتم من صدقة قومه ثلاثين بعيرًا ولا نعلم أنه من سهم المؤلفة قلوبهم ليؤلف قلوب أقربائه أم من سهم العاملين لأنه كان حقها أم من سهم ابن السبيل لأنه أمره بأن يلحق بخالد بن الوليد فلحق (٢) به في زُهاء ألف فارس (٣).
_________________
(١) الطبري (١١/ ٥٢٢) وذلك عندما جاء عيينة بن حصن وكان من المؤلفة قلوبهم فقال له عمر: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
(٢) في "ب": (يلحق).
(٣) الشافعي في الأم (٢/ ٩٩، ١٠٩)، وابن قدامة في المغني (٧/ ٣١٩)، وانظر: تفسير البغوي (١/ ٦١).
[ ٢ / ٨٩٤ ]
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدون به الكتابة ويدخل فيهم من أعتق شقصه واستسعى في الباقي، وقال -﵇-: "من أعان مكاتبًا في رقبته أو غازيًا في عسرته أو مجاهدًا في سبيل الله أظله الله يوم لا ظل إلا ظله" (١) (٢)، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الذين عليهم الدين ولا يجدون القضاء، و(الغرم): اللزوم والضمان، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الجهاد يدفع إلى فقراء المجاهدين.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر المنقطع عن ماله، والإِسلام شرط في هؤلاء لقوله -﵇- (٣): "وأردها في فقرائكم" (٤) سعيد بن جبير عن علي عن ابن عباس: إذا آتى الرجل الصدقة صنفًا من هذه الأصناف الثمانية أجزأه، وروي مثل ذلك عن عمر وسعيد بن أبي وقاص وحذيفة (٥)، وتابعهم عليه سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبو العالية.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ كان المنافقون يطفئون الدين ويتكلمون بالكفر ويعيبون رسول الله (٦) ويقولون: إن بلغهُ قولنا اعتذرنا إليه وحلفنا عنده فسيقبل عذرنا فإنما هو أذن سامعة، وإنما يوصف بهذا من كان سريع الاستماع سريع التصديق من غير تحقيق، والمتكلم بهذه الكلمة جلاس بن سويد (٧)،
_________________
(١) "الجهاد" لابن أبي عاصم (٩٣)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٣٢٠).
(٢) من قوله: (المكاتبون الذين) إلى هنا ليست في "ب".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) لعله يثير إلى حديث معاذ بن جبل حين بعثه النبي ﵊ إلى اليمن قال له: "وأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة توخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم". أخرجه الترمذي (٦٢٣)، وأبو داود (٣٠٣٩)، والإمام أحمد (٥/ ٢٣٠)، والنسائي (٥/ ٢٥) وغيرهم.
(٥) ذكره ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٥)، والبيهقي (٧/ ٧، ٨) عن حذيفة، وذكر البيهقي كذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي.
(٦) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٧) هذا أحد أسباب النزول وهو أن الجلاس بن سويد وعبيد بن هلال وخذام بن خالد وآخرين كانوا يؤذون رسول الله روي ذلك عن ابن عباس ["زاد المسير" (٢/ ٢٧٢)].
[ ٢ / ٨٩٥ ]
فبين الله أنه أذن خير وصلاح ورحمة يؤمن بما يخبره الله ويشهد للمؤمنين بالصدق، وليس أذن شر وفساد ليصدق المنافقين في أعذارهم الكاذبة (١).
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ نزلت في جماعة من المنافقين كانوا قعدوا فيهم غلام من الأنصار، وقيل: زيد بن أرقم، وقيل: عامر بن قيس، فقال بعض المنافقين: إن كان ما يقوله محمَّد حقًا فإنّا شرٌّ من حمار، وقال له المؤمن: والله إن ما يقوله محمَّد لحق وإنكم لشر من حمير، فخاصمهم وخاصموه ثم رافعهم إلى رسول الله (٢) وأخبره بمقالتهم وأنكروا وحلفوا فاستحى المؤمن من ذلك، وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى تفرق الصادق من الكاذب فأنزل (٣)، قيل: واعترف الجلاس فاستغفر له (٤) النبي -﵇- (٥) فخلص وحسُن إسلامه (٦). و(إرضاء الله) لفظ مجاز (٧) وحقيقته إتيان ما يرضاه الله من الفعل والتغيير حاصل في مبتغى الرضا دون الله.
﴿يُرْضُوهُ﴾ عائد إلى الله، وقيل: إلى رسوله (٨)، وهذا لكراهة الجمع
_________________
(١) قريبًا من هذا ذكره عن السدي ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٢٦).
(٢) في "ب ": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) ذكره ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٢٨)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٦٠) عن السدي. وذكر فقط عامر بن قيس.
(٤) في "أ": "لهم".
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) الجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته وإسلامه، وهو ممن تخلف في غزوة تبوك حتى نزل فيهم قرآن، وهو معدود في الصحابة الكرام -﵀ -. [الإصابة (١/ ٥٩٩)، أسد الغابة (٧٦٩)، الاستيعاب (٣٥٤)].
(٧) لأن المؤلف أشعري فهو يؤول كل صفة لله باستثناء الصفات الثمانية التي يثبتها الأشاعرة.
(٨) الأظهر أنه عائد عليهما جميعًا، أي أن الضمير عائد على الله وعلى رسوله لأن رضاء الله ورسوله شيء واحد من أطاع الرسول فقد أطاع الله. وقيل: إن الضمير عائد على المئنى بلفظ الواحد بتأويل المذكور، ومنه قول رؤبة بن العجاج: فيها خطوط من سوادٍ وبَلَقْ كأنهُ في الجلد تَوْليْعُ البَهَقْ أي كان ذاك المذكور. =
[ ٢ / ٨٩٦ ]
بين اسم الله واسم من دونه في كتابة واحدة، ولهذا قال -﵇- لمن قال (١): ومن يعصهما فقد غوى: "بئس الخطيب أنت" (٢).
﴿يُحَادِدِ﴾ يشاقق ويجانب.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ نزلت في جدّ بن قيس ووديعة بن خذام والجهير بن خمير (٣) كانوا يسيرون فيما بين العسكر بين يدي رسول الله (٤) في غزوة تبوك يتحدثون ويتضاحكون وكان كلامهم: يطمع هذا الرجل أن يستولي على قصور الشام وحصونها؟! فنزل، وقال -﵇- لعمار بن ياسر: "أدركهم قبل أن يحترقوا واسألهم عمّا هم فيه فسيقولون لك: إنا كنا نخوض في حديث العسكر ونلعب" فأدركهم عمار فسألهم فقالوا: إنا كنا نخوض في حديث العسكر ونلعب، فقال: احترقتم حرقَكم الله، فجاؤوا إلى النبي -﵇- معتذرين، وقال الجهير بن خمير: أنا ما تكلمت بشيء ولكن كنت أضحك معهما فمناه رسول الله الجميل (٥) ووعد له التوبة (٦)، وقيل أنهم
_________________
(١) = وذهب المبرد إلى أن هناك تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله فكان الحذف من الثاني، وذهب سيبويه إلى أنه حذف خبر الأول وأبقى خبر الثاني وهو أقرب من قول المبرد لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ وخبره، وفيه أيضًا الإخبار بالشيء عن الأقرب إليه، ومنه قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلف أي نحن راضون. ولا بأس في الجمع بين الله ورسوله بواو العطف في مثل هذا الموطن. [المحرر (٨/ ٢٢١)، الكتاب (١/ ٣٨)، الدر المصون (٦/ ٧٥)].
(٢) (لمن قال) ليست في "ب".
(٣) مسلم (٨٧٠).
(٤) لعل ما ذكره المؤلف من اسم الرجلين خطأ في نقله والصواب كما عند الطبري وابن كثير وما ذكره ابن إسحاق أن اسمهما وديعة بن ثابت ومخشن بن حمير، والآية نزلت في غزوة تبوك. [تفسير الطبري (١١/ ٥٤٣)، تفسير ابن كثير (٢/ ٤٥٤)].
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) في "ب": (الجهل).
(٧) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٦٣).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
كانوا أربعة نفر والذي لم يكن يتكلم هو المختبي، وقيل: المخشي بن خمير وكيفية حذرهم عن نزول السورة أنهم يظنون أن هذه السورة من جهة النبي -﵇- يتقولها من جهة نفسه فيهم وفي أمثالهم فكانوا يكتمون عنه كفرهم لئلا ينزل من جهته الرفيعة شيء في شأنهم الوضيع (١)، ويحتمل أنه خبر بمعنى الأمر، أي: فليحذر المنافقون.
﴿طَائِفَةً﴾ اسم يقع على الواحد والجماعة، ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ هو الذي لم يكن يتكلم واعترف بذنبه، وقال: استغفر لي يا رسول الله، والطائفة المحتوم على عذابها سائر الركب.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ قال قتادة: كانوا يسمون هذه السورة الفاضحة (٢) لأنها فضحت المنافقين لم تزل تنزل فيها: ومنهم ومنهم حتى لم تترك منافقًا إلا نبهت عليه، وعن قتادة أيضًا: كنا نسمي هذه السورة المثيرة (٣) لأنها أثارت مثالب المنافقين ومخازيهم. وعن الحسن كانوا يسمونها الحفارة (٤) لأنها حفرت فاستخرجت ما في قلوب المنافقين.
وعن عطاء أن سبعين رجلًا من المنافقين أنزل الله أسماءهم ثم نسخ تلك الأسماء (٥) رحمة منه على خلقه، فإن أولادهم وعشائرهم كانوا مسلمين.
وقيل: لما رجع رسول الله (٦) من غزوة تبوك عرض له في الطريق اثنا عشر نفسًا من المنافقين في ليلة ظلماء متنكرين يريدون الفتك برسول الله، ووإن عمار بن ياسر يقول راحلة رسول الله - ﷺ - وحذيفة
_________________
(١) زاد المسير (٣/ ٤٦٣).
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٢٥) لأبي الشيخ من طريق ابن عباس، وذكره أبو عبيد في فضائل القرآن (١٣٠).
(٣) أورده السيوطي في الدر الممئور (٧/ ٢٢٦) وعزاه لابن المنذر ولمحمد بن إسحاق.
(٤) ذكره القرطبي عن الحسن (٨/ ١٨٠).
(٥) القرطبي عن ابن عباس (٨/ ١٨).
(٦) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
يسوقها (١)، فقال -﵇- (٢) لحذيفة: "اضرب وجوه رواحلهم " فضربها حتى نحاهم وطردهم خائبين، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "من عرفت من القوم؟ "، قال: لم (٣) أعرف أحدًا غير أني عرفت جمل فلان، فسماهم له رسول الله (٤) حتى عدَّهم أحاد أحاد قال: وفيهم نزلت قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] فقال حذيفة: لا نبعث إليهم يا رسول الله من يقتلهم؟ قال -﵇-: "أكره أن تقول العرب: لما ظفر محمَّد بالعدو أقبل على أصحابه يقتلهم، ولكن الله تعالى يكفيناهم بالدُّبيلة"، قيل: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: "شهاب من جهنم يرسل على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه" (٥)، وعن المقبري عن أبي هريرة أن النبي -﵇- (٦) سمى لحذيفة المنافقين، وقال: "إياك أن تخبر بأحد منهم حتى آذن لك في ذلك"، وتوفي رسول الله (٤) قبل أن يأذن له، فمكث بذلك حذيفة حتى سأله عمر في خلافته فقال: أنشدك الله هل أنا فيمن سمى لك رسول الله؟ فقال: لا والله، ووالله لا أبرىء أحدًا بعدك (٧)، وإنما سأل عمر لأجل الطاعنين والمتهمين إياه بالجور والميل ولم يكن آمنًا من التخلق ببعض أخلاقهم، فإنما قال حذيفة: والله لا أبرىء لالتزام وصية النبي -﵇- (٦) أن لا يخبر به أو خوفه لإعجاب من يبريه أو سمّاهم على النعت دون التعيين، وقيل ما يجد عاريًا عن تلك النعوت جملة.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ تركوا ذكره ومراقبته، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: خذلهم ولم يذكرهم بالرحمة والخير (٨).
_________________
(١) في "ب": (يقول بها).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٣) (لم) ليست في "أ".
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٦٠، ٢٦١).
(٦) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٧) أحمد (٦/ ٣١٢)، ومن طريقه ابن عساكر (٤٤/ ٣٠٧)، وسند الأثر صحيح.
(٨) هذا قول الزجاج هذا الذي يتعين في حق الله تعالى أن يكون النسيان بمعنى الترك =
[ ٢ / ٨٩٩ ]
﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ أوعد (١) الله.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ التشبيه للوعيد عند الزجاج (٢)، ولأفعالهم عند الفراء (٣)، ويحتمل اللعن والعذاب المقيم، ويحتمل لكون بعضهم من بعض، ويحتمل النسيان والفسوق، و(الاستمتاع بالخلاق) هو الاستمتاع بالرزق على غير الوجه المباح المأذون في الشريعة؛ كاستخراج الخمر من العنب، ولبس الديباج والذهب، وإمساك النرد والشطرنج للعب، واتخاذ المعازف واتخاذ القينات وإخصاء الغلمان ونحوها، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم الذي خاضوا (٤).
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ استفهام على سبيل التقرير والإثبات وحث على اعتبار
_________________
(١) = وعليه عامة المفسرين كالطبري وابن كثير والبغوي وغيرهم؛ ولأن حقيقة النسيان التي هي الذهول عن الشيء وعدم تذكره صفة نقص يتنزه عنها المخلوق فضلًا عن الخالق، وقد استعمل الله النسيان بمعنى الترك في موضع آخر من كتابه، فقال: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]. [تفسير الطبري (١١/ ٥٤٩)، ابن كثير (٢/ ٤٥٥)، زاد المسير (٢/ ٢٧٦)].
(٢) الأصل أن وعد غير أوعد، فالأولى تستعمل في الخير، والثانية تستعمل في الشر، وتقدم الكلام على هذا ومنه قول الشاعر: وإني إذا ما أوعدته أو وعدته لمُخْلِف ميعادي ومنجز موعدي أما في هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [التوبة: ٦٨]، فوعد هنا بمعنى أوعد كما قال المؤلف.
(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٢/ ٥١٠).
(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٤٤٦).
(٥) أي أن "الذي" تفع مصدريه وهذا مذهب الفراء ويونس، والتقدير: وخضتم خوضاَ كخوضهم، ومنه قول الشاعر: فَثَبَّتَ اللهُ ما آتاك مِنْ حسنٍ في المرسلين ونَصْرًا كالذي نُصِروا أي: كنصرهم. وهناك أوجه أخرى منها: أن "الذي" صفة لمفرد مُفْهِمٍ للجمع، والتقدير: وخضتمِ خوضًا كخوض الفريق الذي خاضوا، وقيل: الكاف كالتي قبلها وحذفت النون تخفيفًا أو وقع المفرد موقع الجمع. [معاني القرآن للفراء (١/ ٤٤٦)، الدر المصون (٦/ ٨٤)].
[ ٢ / ٩٠٠ ]
الآيات، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قريات لوط سميت بهذا لانقلابها ظهرًا على بطن (١)،وقيل: لإفك أهلها (٢).
﴿سَيَرْحَمُهُمُ﴾ أي: سينيلهم ما أراد لهم من الخير في سابق علمه ومشيئته.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جمع بين صفة المنافقين (٣) وما وعد لهم في معادهم وصفة المؤمنين وما وعد لهم في معادِهم على سبيل الإطباق للجمع بين الوعد والوعيد والبشارة والإنذار، ﴿عَدْنٍ﴾ خلود وإقامة، تقول: عدنت بأرض كذا وكذا أَعدن وأُعدن عدُونًا وعدنًا ومنه المعدن، وسأل ابن عباس كعبًا عن العدن، فقال: هي الكروم والأعناب بالعبرانية (٤)، وعن عطاء: أنه نهر جناته على حافتيه (٥).
وعن الأعمش: وسط الجنة (٦)، وعن الكلبي: أعلى درجة في الجنة (٧)، ﴿وَرِضْوَانٌ﴾: رفع بالابتداء وخبره ﴿أَكْبَرُ﴾، ثم وهو يحتمل معنيين؛ أحدهما: الجنة من عنده ووعده خير من النار والعذاب المقيم، والثاني: إرضاؤه عنهم أكبر من وعده (٨) لهم؛ لأن الرضا يوجب أمن العافية ودوام العافية والجنة لا توجب ذلك، فإن آدم وحواء أُخْرِجَا منها على سبيل التأديب والتعذيب، وأخرج منها الطاووس والحية على سبيل
_________________
(١) روي ذلك عن قتادة أخرجه الطبري في تفسيره، وهي جمع مؤتفكة كما قال الزجاج: ائتفكت بهم الأرض، أي: انقلبت، والمادة تدل على التحول والتصرف، ومنه قوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات: ٩]، أي: يصرف. [الطبري (١١/ ٥٥٥)، زاد المسير (٢/ ٢٧٧)].
(٢) في الأصل "أ": (أهلكها).
(٣) (المنافقين) من "ب" "ي".
(٤) الطبري (١١/ ٥٦٠)، وفيه بالسريانية بدل العبرانية.
(٥) الطبري (١١/ ٥٦٠).
(٦) ورد في تفسير (عدن وسط الجنة) عند القرطبي دون نسبة لأحد، وعزاه الشوكاني في فتح القدير (٩/ ٢٦٤) للقشيري.
(٧) البغوي (١/ ٧٣)، والقرطبي (٨/ ١٨٦).
(٨) في الأصل (وعد).
[ ٢ / ٩٠١ ]
المسخ (١)، وأخرج إبليس على سبيل الطرد واللعن وكان من الصاغرين، وفي الحديث: "إن الله تعالى يقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد بيضت وجوهنا ويسرت لنا الحساب وأنقذتنا من النار وأجزتنا على الصراط وأدخلتنا الجنة؟! فيقول الله ﷾: إن لكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: وما ذلك يا ربنا؟ فيقول الله تعالى: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدًا" (٢).
و(مجاهدة المنافقين) هو التعنيف في الملامة والإنذار والتعزير والحبس ما لم يظهروا أمرهم فإذا أظهر أمرهم فالسيف، ومن علم منهم أنه يتوب بلسانه تقية لم تقبل توبته، و(الغلظة) ضد الرقة ولا تصلح المجاهدة بغير غلظة كما لا تصلح المسالمة بغير رفق.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ هو قول الجلاس بن سويد (٣): إن كان ما يقوله محمَّد حقًا فنحن شر (٤) من حمير، وقيل: قولهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] لنقعدن على رأس ابن أُبي تاجًا (٥)، وقيل: قولهم: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وكلمة الكفر: كل كلمة تخالف مقتضى الإسلام، وفي الآية دلالة أن الإيمان والإسلام واحد.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قصدهم الفتك، ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في إغناء الله إياهم بالغنائم الإسلامية تحت الراية النبوية حتى صاروا أهل كنوز وصهيل بعد أن كانوا أهل زرع ونخيل، ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ بيُمن رسوله قابلوه بالعيب والطعن والمكر وبطروا وكفروا
_________________
(١) لم أجد نصًا في مسخ الطاووس والحية وإنما وجدنا ابن جماعة في كتابه "إيضاح الدليل" (ص ١٥٤) يذكر أنهما مما تغيرت صورته بعد الإهباط بخلاف آدم فإنه بقي كما هو.
(٢) البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).
(٣) مرّ الكلام عليه.
(٤) (شر) ليست في "أ".
(٥) ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٤٥).
[ ٢ / ٩٠٢ ]
نعمة الله فذكر الله حالهم ذلك، وسئل الحسين بن الفضل (١) عن قولهم: اتق شر من أحسنت إليه هل يوجد في القرآن، فقال: نعم وذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ تطميع لهم في التوبة، قيل: لما سمع الجلاس هذه الآية قام وتاب إلى الله ورسوله فاستغفر له رسول الله - ﷺ -.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله - ﷺ - وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، قال: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، قال: ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، فقال: "ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثل رسول الله - ﷺ -، والله لو سألت أن تسيل علي الجبال ذهبًا لسالت"، ثم رجع وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني الله مالًا، والله لئن آتاني الله مالًا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله - ﷺ -: "اللهم ارزق ثعلبة مالًا"، فاتخذ غنمًا فنمت حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلوات مع رسول الله - ﷺ - ثم يخرج (٢) إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة فتنحى بها وكان يشهد الجمع مع رسول الله - ﷺ - ثم يخرج إليها، ثم نمت فاشتغل بها وترك الجمع والجماعات وجعل يتلقى الركبان، فقال: وما وراءكم من الخبر وما كان من أمر الناس؟ فأنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] قال: واستعمل رسول الله - ﷺ - على الصدقات رجلين رجلًا من الأنصار ورجلًا من بني سليم وكتب لهما الصدقة وأسبابهما وأمرهما أن يصدّقا الناس وأن يمرا بثعلبة فيأخذا من صدقات (٣) ماله، ففعلا حتى دُفعا إلى ثعلبة، فقال: صدّقا الناس فإذا فرغتما فمرّا
_________________
(١) هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي النيسابوري، إمام لغوي محدث، توفي سنة ٢٨٢ هـ بعد أن عمّر أكثر من مائة سنة. وقوله هذا ذكره القرطبي في تفسيره (٨/ ١٨٨)، والسيوطي في "الإتقان" (٢/ ٣٤٦).
(٢) في "ب" "ي": (خرج).
(٣) في "ب" "ي": (الصدقة).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
بي، ففعلا فقال ثعلبة: ما أرى هذه إلا أخية الجزية، انطلقا حتى ألقى رسول الله - ﷺ - (١) فأنزل الله على رسوله - ﷺ - (٢): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فركب رجل من الأنصار ابن عم ثعلبة راحلة حتى أتى ثعلبة، فقال: ويحك ثعلبة، هلكت فأنزل الله فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة وقد وضع على رأسه التراب وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، فلم يقبل منه رسول الله - ﷺ - (٢) صدقته حتى قبض رسول الله (٣) - ﷺ - (٢)، ثم أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر قد عرفت موضعي من قومي ومكانتي من رسول الله - ﷺ - (٢) فاقبل صدقتي، فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عمر فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عثمان فأبى أن يقبل منه. ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان - ﵁ - وترك قتل ثعلبة مع ظهور نفاقه (٤)، وقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١] إما لكراهة تنفير قلوب ووقوع الفتنة فيما بينهم كما روينا في حديث حذيفة حيث أرادوا الفتك به، وإما لأنه لم يصرح باسم ثعلبة ولم يعينه وهو لم يعد تصريح كفر بل كان يعتذر ويتضرع. وينبغي للمسلم الرضا بالقسمة وترك الاختيار والتسليم لله والوفاء بالعهود، فإن ثعلبة لو رضي باليسير من الرزق وترك مطالبة رسول الله (٥) بما يتمناه، لما شُغِل عن الجمع والجماعات، ولو سلم الله أمره ولم يسم الزكاة أخيّة الجزية لما أعقبه الله في قلبه نفاقًا، ولو وفي بعهده لما افتضح في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٢) (- ﷺ -) ليست في "أ" "ب".
(٣) في "ي" "أ": (الله رسول).
(٤) ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٤٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٢٥) (٨/ ٢٦٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٣٧٥)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٨٩)، وابن عساكر في تاريخه (١٢/ ٩)، والحديث استنكره ابن حجر والألباني وغيرهما، ونكارته سندًا ومتنًا لأن ثعلبة شهد بدرًا ولا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية، وقال البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٨٩): هذا حديث مشهور عند أهل التفسير وأسانيده ضعاف.
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٩٠٤ ]
وفي الآية دلالة أن النذر فيما قبل المُلك يصح بالإضافة، وأن النذر بالقرب يُلزم الإنسان ويجب الوفاء به، إما بإتيان الملفوظ به بعينه وإما إتيان المعبر عنه بالألفاظ المعدولة عن ظاهرها مثل قوله: عليَّ أن أذبح ولدي أو علي أن أصرف بثوبي حطيم الكعبة أو ثوبي في رياح الكعبة، أو قال الشيخ الكبير: لله عليَّ أن أصوم أو لله عليَّ أن أتصدق بمالي، ولا نذر في المباح والمعصية وكفارته كفارة يمين، وقوله: عليَّ عهد الله، وبريت من عهد الله يمين.
في الآية دلالة أن دفع صدقة الأموال الظاهرة إلى الإمام ولولا اشتهار ذلك بين الصحابة لكان ثعلبة يدفعها إلى الفقراء ويريح نفسه من مذلة الردّ، وفيه دلالة أنه كان يعرض على النبي -﵇- (١) والخلفاء من بعده رياء وسمعة وقصدًا لإزالة العار لا لوجه الله تعالى؛ لأنَّ النفاق الكائن في القلب يضاد ابتغاء مرضاة الله.
﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ قول ثعلبة: هذه أخيّة الجزية.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قيل: إن عبد الرحمن بن عوف كان عنده ثمانية آلاف دينار فأمسك أربعة آلاف فجاء إلى (٢) رسول الله بأربعة آلاف وقال: أقرضتها ربي عزوجل وأمسكت مثلها لنفسي وعيالي، فقال -﵇-: "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت"، وكان عند أبي عقيل الأنصاري صاعان من تمر فجاء إلى رسول الله (٣) بصاع وأمسك لنفسه صاعًا، فقال المنافقون: أما عبد الرحمن فأنفق على وجه الرياء، وأما عقيل فأنفق طمعًا في الزيادة والله غني عن صدقته، فأنزل (٤)، ﴿إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ إلا مقدار وسعهم وطاقتهم.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "أ": (- ﷺ -).
(٢) (إلي) من "ب" "ي".
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) البزار (٢٢١٦ - كشف)، وابن جرير (١١/ ٥٩٢)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥١) وسنده حسن.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
و﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما مات ابن أبي ابن سلول دعي إليه رسول الله (١) ليصلي عليه، فلما قام رسول الله وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي عليه؟ وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله (١) وقال: "أخّر عني يا عمر"، فلما أكثرت، قال: "إني خيّرت فاخترت، ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت عليها"، قال: فصلَّى عليه (٢) (٣)، وكذلك روى نافع عن ابن عمر والشعبي عن جابر بن عبد الله (٤)، والتخيير قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وصلاته عليه محمول على الاستغفار والدعاء دون صلاة الجنازة، لما روي عن نافع عن ابن عمر أن النبي -﵇- (٥) أعطاه قميصه فكفن فيه ثم حضره ليصلِّي عليه فجذبه عمر وقال: أتصلي عليه (٦) وقد نهاك الله؟ فقال: "أنا بين خيرتين"، فقول قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٧)، وقول عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله تعالى؟ تأويل منه لقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقوله -﵇- (٨): "أنا بين خيرتين" ردّ منه على عمر تأويله، والدليل على أن قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ نزل في هذه الحادثة بعد قول عمر قبل صلاة رسول الله (٩) ما روى أبو الزبير عن جابر أن ابن أبي ابن سلول لما هلك جاء ابنه إلى رسول الله (٩) وقال: يا رسول الله، إنك لم تشهده، ولم يزل يعتريه حتى
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) البخاري (١٣٦٦، ٤٦٧١).
(٣) في الأصل و"أ": (عليهما)، وفي "ب" "ي": (عليها)، والجميع خطأ.
(٤) لم نجده عن الشعبي عن جابر بن عبد الله بل هو عن الشعبي مرسلًا أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٩٩)، وابن سعد (٣/ ٥٤١).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) (عليه) ليست في "أ".
(٧) البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٢٤٠٠)، وابن ماجه (١٥٢٣)، والترمذي (٣٠٩٨) وغيرهم.
(٨) (السلام) ليست في "ي".
(٩) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٩٠٦ ]
أتاه وقد أدخل حفرته، وقال: يا رسول الله، أفلا قبل أن يدخلوه حفرته، فاستخرج فتفل عليه رسول الله من قرنه (١) إلى قدمه وألبسه قميصه (٢)، دلّ أنه لم يصلِّ عليه صلاة الجنازة، ولكنه كان مخيَّرًا بين الاستغفار وتركه لإشماله عشائرهم وأولادهم، والمقصود من لفظة السبعين هي المبالغة دون العدد (٣)؛ لأنها مأخوذة من السبع التي هي نهاية كثير من الأعداد؛ منها عدد آيات فاتحة الكتاب، وأجزاء القرآن والسور الطوال والمثاني، وعدد التائبين مع رسول الله (٤) يوم حنين، وعدد السماوات والأرض والأنجم السيارة والأقاليم والأبحر، والأيام والألوان وأعضاء السجود، وطبقات النار، وليالي عاد، وسني يوسف -﵇- (٥) والسنبلات والبقرات، وأشواط الطواف وأشواط السعي، وأركان الصلاة وهي: الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والخروج، وأجناس أموال الزكاة، وهي: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والخيل وما أخرجت الأرض، وأجناس الحيوان: كالطائر والقافز والماشي والزاحف والعائم والمنساب والمحتلج، والجهات المستقيمة مع الحيثية.
ومما أخذ من السبع للمبالغة قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]
_________________
(١) في الأصل و"أ": (قرن).
(٢) هذه رواية أحمد (٣/ ٣٧١) عن أبي الزبير عن جابر، ورواه مسلم (٢٧٧٣) عن عمرو أنه سمع جابر.
(٣) ومثله ما تقدم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] وهو أمر بمعنى الخبر -كما قال الزمخشري- ومثله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وهذا أسلوب معروف في كلام العرب ومنه قول كثير عزة: أَسِيْئي بنا أو أحسني لا ملومةٌ لدينا ولا مقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّت وقوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، هو أن حصر العدد بالسبعين أسلوب تكثيري تستعمله العرب في الآحاد من سبعة، وفي العشرات من سبعين. [زاد المسير (٢/ ٢٨٤)، الكشاف (٢/ ١٩٥)، ديوان كثير عزة (١/ ٥٣)].
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٩٠٧ ]
وقول النبي -﵇- "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة" (١)، وفي الحديث أنه صب على رأسه الماء من سِباع في شهر رمضان (٢)، يريد به الجماع، وسمي السبع سبعًا لأن قوته مضاعفة، وفي الحديث: "إن المنافق يأكل في سبعة أمعاء" (٣)، وفي الحديث: "إن صاحب اليمين يقول لصاحب الشمال أمسك فيمسك سبع ساعات من النهار" (٤)، فإن تاب لم يكتب عليه، وفي الحديث: "سألت الشفاعة لأمتي، فقال: لك سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقلت: ربّ زدني، فقال: مع كل ألف سبعون ألفًا، فقلت: رب زدني، فقال: لك هذا فحثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله" (٥)، وفي الحديث أن سائلًا قال: كم أعفو عن الخادم في اليوم؟ فقال: "سبعين مرة" (٦)، وفي الحديث؛ "أن الكافر يهوي في النار سبعين خريفًا" (٧).
وقيل: خصت السبعة بالمبالغة لأن كميتها مشتملة على ثلاثة من أوتار العدد وثلاثة من الأشفاع.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قيل: كان رسول الله -﵇- (٨) برز
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٢) وحسنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي من حديث ابن مسعود مرفوعًا وصله في الصحيحين.
(٢) النهاية لابن الأثير (٢/ ٨٤٢).
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (الأطعمة ١٢)، والترمذي (الأطعمة ٢٠)، وأ حمد (٢/ ٢١) وغيرهم.
(٤) هناد في الزهد (٩٢٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٥٢٦، ١٢٢٨)، والبيهقي في الشعب (٧٠٤٩ - ٧٠٥١) والحديث حكم عليه الشيخ الألباني -﵀- بالوضع في السلسلة الضعيفة (٢٢٣٧).
(٥) أصل الحديث في الصحيحين ورواية الزيادة رواهاهناد في الزهد (١٧٨) وعلي بن الجعد في مسنده (٢٨٤٩)، والزيادة صحيحة.
(٦) أبو داود (٥١٦٤)، والترمذي (١٩٤٩)، وأحمد (٢٠/ ٩٠)، وعبد بن حميد (٨٢١)، والطبراني في الأوسط (١٧٦٥)، والبيهقي (٨/ ١٠) والحديث صحيح.
(٧) أحمد (٢/ ٣٥٥) والحديث سنده صحيح.
(٨) (السلام) ليس في "ي"، وبدله في "ب": (- ﷺ -).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
بعسكره إلى ثنية الوداع حين خرج إلى غزوة تبوك وترك ابن أبي بن سلول أسفل من الثنية مع المنافقين، فلما ارتحل رسول الله تخلّف ابن أُبي مع بضع وثمانين رجلًا فأنزل الله الآية، و(المقعد) القعود مصدر كالمطعم والمشرب والملبس، ﴿خِلَافَ﴾ مخالفة مفعول له (١)، ﴿فِي الْحَرِّ﴾ في أوان الحر (٢) وهو القيظ، والحر ضدّ البرد، وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ كالشرط لحصول الخير في علمهم، وتقديره: أعلمهم أن ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ قريب منه ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٣).
﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾، ﴿وَلْيَبْكُوا﴾ أمر كينونة وإلجاء لا أمر شرع وتعبد بدلالة ذكر الجزاء، وضحك الشيء غاية ظهور جماله عند وجود مراده أو مسرته أو شهوته أو حاجته الطبيعية، يقال: ضحك الفجر إذا طلع، وضحك
_________________
(١) قوله: "خِلافَ" فيه ثلاثة أوجه إعرابية: الأول: ما ذكره المؤلف من أنه مفعول لأجله والعامل فيه إما "فرح" وإما "مقعد" بمعنى - فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله حيث مضى هو للجهاد وتخلفوا هم عنه، وإلى هذا ذهب الطبري والزجاج. والوجه الثاني: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، والتقدير: تخلفوا خلاف رسول الله. والوجه الثالث: أنه منصوب على الظرفية والتقدير: بعد رسول الله، ومنه قول الشاعر وينسب للحارث بن خالد المخزومي: عَقَبَ الربيعُ خلافَهُمْ فكأنما بَسَطَ الشواطبُ بَيْنَهُنَّ حصيرا وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر والأخفش، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس وأبي حيوة وعمرو بن ميمون "خَلْفَ" بفتح الخاء وسكون اللام. [تفسير الطبري (١١/ ٦٠٤)، معاني القرآن للزجاج (٢/ ٥١٣)، المجاز لأبي عبيدة (١/ ٢٦٤)، الشواذ (ص ٥٤)، الدر المصون (٦/ ٩٠)].
(٢) في الأصل و"أ": (الحب).
(٣) يريد المؤلف أن الفقه بمعنى العلم وهذا صحيح، ولذا قال ابن فارس: الفقه العلم بالشيء ومنه قوله ﵊: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، ولذا قال ابن الجوزي في قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾: معناه يعلمون. [زاد المسير (٢/ ٢٨٥)].
[ ٢ / ٩٠٩ ]
السحاب إذا برق، وضحك الشيب إذا تبيّن، وضحكت الشمس إذا ازداد
ضوؤها، وضحكت الأرض إذا اكتست بالأنوار، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس: ٣٩،٣٨] والبكاء ضدّ الضحك،
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النجم: ٤٣]، وقوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ [الدخان: ٢٩].
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ نزلت في غزوة تبوك قبل رجوع رسول الله (١) إلى
المدينة، فإنما قال: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ لمعنيين؛ أحدهما: الزجر
والمعاقبة، والثاني: أنه لم يخرج بعد ذلك إلى غزوة حتى قبضه الله
تعالى، وقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] مختلف فيه، قيل: دعاهم إلى الخروج مع علي بن أبي طالب في غزوة طي، فخرج
علي بهم وأغار على طي وسبق ابنة حاتم الطائي أخت عدي فمنَّ عليها
وأطلقها فتبعت أخاها وأخبرته بالقصة ولم تزل (٢) به حتى حملته على (٣) أن
وقد على النبي -﵇- (٤)، فلما رآه قام بين يديه إكرامًا له ولم يكن يقوم
بين يدي أحد من المشركين، ثم خرج إليه من المسجد وأخذ بيده فذهب
إلى الحجرة، فلما كان ببعض الطريق استقبلته امرأة ترفع إليها حاجتها،
فجلس لها رسول الله حتى سمع قصتها وقضى حاجتها ثم قام وانطلق مع
عدي إلى البيت، فاستدل عدي بتواضعه على أنه نبي وليس بملك جبار.
ثم عرض عليه النبي -﵇- (٤) الإسلام فأسلم (٥).
وقيل: دعاهم إلى الخروج مع أسامة بن زيد إلى اليمن فتوفي قبل
خروجه وسرحه أبو بكر مع القوم بعد ما تردَّدوا في أمرهم وترفعوا أن
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) في "ب": (فلم تزل)، وفي "أ": (فلم يزل).
(٣) في "أ": (حتى).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخه (٦٩/ ١٩٣) وليس فيه أسباب النزول في هذه الآية.
[ ٢ / ٩١٠ ]
يكونوا تحت راية أسامة وسرح مع عمر بن الخطاب وخرج لمشايعته راجلًا.
وقيل: دعا أبو بكر إلى قتال طليحة بن خويلد الأسدي ومسيلمة الكذاب بعد وفاة رسول الله - ﷺ - (١)، وهذا أصح لأنه لو كان دعوة رسول الله - ﷺ - (٢) لقال: سأدعوكم أول مرة، أي: أول مرة لما بعدها.
وقيل: أراد بأول مرة كراهتهم الخروج في غزوة بدر.
وقيل: أراد تخلفهم عن الحديبية قبل غزوة خيبر وفتح الطائف وهذا أقرب.
﴿الْخَالِفِينَ﴾ المتخلفين، قال موسى -﵇- (٣) لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال الله تعالى: ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ نزلت في شأن ابن أبي بن سلول (٤) روي أنه لما مرض مرضه الذي مات فيه دعا رسول الله -﵇- (٥) فحضر رسول الله - ﷺ - وقال: "أما نهبتكم عن موالاة اليهود؟ "، قال: لم يوالهم سعد بن معاذ فمه (٦)، ثم قال: إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنبني، ثم سأله أن يعطيه قميصه الذي يلي جسده ليكفن فيه فأعطاه قميصه، فقيل: يا رسول الله أتعطي قميصك منافقًا؟ قال: "إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئًا، وإني أؤمل أن بدخل في الإسلام بهذا السبب خلق كثير"، فكان كما قال، أخلص وأحسن الإسلام يومئذٍ ألف من الخزرج (٧). ﴿أَبَدًا﴾ نصب على
_________________
(١) ذكره البغوي (١/ ٣٠٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٤٣٢).
(٢) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في الأصل (أبي بن سلول) وهو خطأ.
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٦) (فمه) ليست في "أ".
(٧) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٤٧٩) لأبي الشيخ.
[ ٢ / ٩١١ ]
الظرف، و(القبر): الشق في الأرض يدفن فيه الميت، والنهي عن القيام على القبور لأنه فعل الأولياء والأحباب وأصحاب المصيبة والتفجع.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ﴾ خطابه والمراد به كل واحد من (١) أمته، ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ برحمة وبيان للسورة.
و﴿الْخَوَالِفِ﴾ النساء (٢) الفواسد، يقال: نبيذ خالف؛ أي: فاسد.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ أصحاب الأعذار الصحيحة، عن مجاهد، وأصحاب الأعذار الكاذبة، عن قتادة. وقد جاء الفريقان ليأذن لهم في القعود، ولا تنافي بين القولين، ﴿الْأَعْرَابِ﴾ أصحاب المواشي الذين ينزلون البوادي، مجاهد عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عباس (٣) قال: أشار على نمرود بإحراق إبراهيم رجل من الأعراب فقيل لابن عباس: ولهم أعراب، قال: نعم، والأكراد أعراب فارس، والمراد بالأعراب ههنا الذين ينزلون حوالي المدينة من أسد وغطفان وغيرهما، بما ﴿كَذَبُوا اللهَ﴾ أي: أظهروا لله ورسوله غير ما يعلمه الله من ضمائرهم، فلما تواترت الآيات في المتخلفين تخوف منها أصحاب الأعذار الصادقين فأنزل الله فيهم.
_________________
(١) (من) ليست في الأصل.
(٢) هذا هو تفسير ابن عباس والضحاك وقتادة والحسن ومجاهد وغيرهم، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١١/ ٦١٧، ٦١٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٥٩)، وهذه الصفة -الخوالف- جمع خالفة من صفة النساء وهي صفة ذم في حق الرجال، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: وما أدري وسوفَ إخالُ أدري أقوم آل حصنٍ أم نساءُ فإن تكن النساءُ مُخَبَّآتٍ فَحُقٌ لكل محصنةٍ هداءُ وقول عمر بن أبي ربيعة: كتب القتل والقتالُ علينا وعلى الغانيات جَرُّ الذيول [البحر (٥/ ٨٣)، ديوان زهير (ص ٧٤)، ديوان عمر بن أبي ربيعة (٣٣٨)].
(٣) الذي ورد عن ابن عباس في هذه الآية قال: نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حول المدينة. ذكره ابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٢/ ٢٩٠)] وهو لا يختلف من حيث المعنى عما ذكره المؤلف. وأما قصة النمرود فلم نجدها عن ابن عباس ولا عن غيره.
[ ٢ / ٩١٢ ]
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾، ﴿إِذَا نَصَحُوا﴾ أخلصوا العمل عن الغش، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ الناصحين، ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ في لومهم على تخلفهم.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ نزلت في سبعة نفر من الأنصار وسابعهم عبد الله بن معقل الأنصاري (١) كانوا فقراء، وقيل: نزلت في أبي موسى الأشعري، وقيل: في ابن أم مكتوم (٢)، وأصحابه، ﴿قُلْتَ﴾ أي: قلت لهم وهو صفة ﴿الَّذِينَ﴾ (٣)، و﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ﴾ ظرف لهم وتقديره: ولا على الذين قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه إذا ما أتوك لتحملهم، ﴿تَوَلَّوْا﴾ فتولوا، وإنما حسن إسقاط الفاء لحسن الوقوف على ما قبله، ﴿حَزَنًا﴾ أي: من حزن أو حزنوا حزنًا، وقيل: تقديره حازنين (٤)، ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ بيان لسبب الحزن، ونصب يجدوا بـ (أن) (٥).
_________________
(١) هكذا في الأصل وفي كثير من المصادر، والصحيح (عبد الله بن مُغفَّل) وقد ورد في رواية ذكرها ابن سعد (٢/ ١٦٥)، ويعقوب بن سفيان في تاريخه (٦/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٦٢) وهؤلاء السبعة ويسمون بالبكائين هم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وعبد الرحمن بن كعب وعمرو بن الحمام وعبد الله بن المغفل المزني وهرمي بن عبد الله والعرباض بن سارية.
(٢) لم نجد من ذكر أبا موسى الأشعري وعبد الله بن أم مكتوم في هؤلاء.
(٣) ذكر السمين الحلبي في تفسيره بأن يكون معطوفًا على الشرط، فيكون في محل جر بإضافة الظرف إليه بطريق النسق وحذف حرف العطف، والتقدير- وقلت-، وهناك وجه آخر وهو أن يكون جوابًا لـ (١) الشرطية، وإذا وجوابها في موضع الصلة وهناك وجه ثالث وهو أن يكون في موضع نصب على الحال من كاف: ﴿أَتَوْكَ﴾ وإليه ذهب الزمخشري. [الكشاف (٢/ ٢٠٨)، الدر المصون (٦/ ٩٩)].
(٤) يجوز في "حزنًا" ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه مفعول من أجله والعامل فيه "تفيض" وإليه ذهب ابن عطية. والوجه الثاني: أنه في محل نصب على الحال، أي: تولوا حزينين. والوجه الثالث: أنه مصدر ناصبه مقدر من لفظه، أي: يحزنون حزنًا، وإليه ذهب أبو البقاء العكبري. [البحر (٥/ ٨٦)، الإملاء (٢/ ٢٠)، الدر المصون (٦/ ١٠١)].
(٥) ذكر القرطبي في تفسيره (٨/ ٢٠٨)، والسمين الحلبي (٦/ ١٩) ما يلي: (قال الجرجاني: التقدير، أي: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] وقلت: ﴿لَا أَجِدُ﴾ فهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو، والجواب: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الجملة في موضع نصب على الحال: ﴿حَزَنًا﴾ مصدر: ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ نصب بأن). اهـ. =
[ ٢ / ٩١٣ ]
﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ لن نصدقكم في أعذاركم، ﴿نَبَّأَنَا﴾ خبرنا بأشياء، ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾، ﴿وَسَيَرَى الله﴾ في المستقبل من التوبة والإضرار، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ بعد ما عميت عليكم الأنباء.
والمراد بـ (الإعراض): الإعراض عن مباحثتهم ومجادلتهم وإنما أمروا بالإعراض لتسكين الفتنة التي يبغونها بخلابتهم في الجدال.
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ نزلت في جد بن قيس بن (١) قشير، والظاهر أنها في شأن الأعراب (٢).
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ أغلظ أكبادهم وقساوة قلوبهم وهم الفداؤون الذين نعتهم رسول الله (٣) بالجفاء والقسوة و(أشد نفاقًا) لمكرهم وحيلهم في الحروب والمهادنات، ﴿وَأَجْدَرُ﴾ وأحرى وأحق، ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ لبعدهم عن حضرة (٤) رسول الله (٣) وكونهم بمعزل عن
_________________
(١) = والجرجاني الذي يكثر من ذكره والنقل عنه هو أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، ومن كتابه: "نظم القرآن" المفقود، والذي نقل البغوي عنه في نفس الكتاب "نظم القرآن". والألوسي في "روح المعاني" ومكي بن طالب القيسي لأنه لخص "نظم القرآن" وابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ١٦٤) ويجوز كما قال الفراء، معاني القرآن (١/ ٤٤٨)، وهو قول البصريين: "أن لا يجدون" يجعل "لا" بمعنى ليس.
(٢) (بن) ليست في المخطوطات وأضفتها وهو الجد بن قيس بن صخر تقدمت ترجمته وهو معدود في الصحابة [الإصابة (١١١٣)، وأسد الغابة (١/ ٥٢١)] ولم أجد من قال: إن الآية نزلت في هؤلاء إلا أن أبا السعود في تفسيره قال: إن الآية التي بعدها: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ [التوبة: ٩٧] نزلت فيهم. انظر: تفسير أبي السعود (٤/ ٩٥).
(٣) قيل: إنها نزلت في عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين حين حلف لرسول الله - ﷺ - لا أتخلف عنك، وحلف عبد الله بن أبي سرح لعمر بن الخطاب وجعلوا يترضون النبي - ﷺ - وأصحابه. ذكر ذلك مقاتل كما نقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٢٩٠)، وكذا ذكر القرطبي في تفسيره (٨/ ١٤٧).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) الحضرة لفظة صوفية تستعمل في خاصة الأولياء مع أن الجرجاني -﵀- لم يعرف عنه هذا التوجه، فالله أعلم.
[ ٢ / ٩١٤ ]
الجمع والجماعات ومجالس العلم والوعظ واشتغالهم عن القراءة والتفقه في دين الله بمصالح معاشهم، وقد جعل الله النهب والفتك والنخوة والعزة في أهل البوادي حيث كانوا، فهم بمنزلة السباع، وجعل الرفق والسخرة والانقياد والذلة في الحواضر حيث كانوا (١)، فهم بمنزلة البهائم، وجعل الحكم (٢) والعلم والسلطنة وتصريف الأمور (٣) في البدويين الذين نزلوا المدن والأمصار وتركوا التبدي فهم بمنزلة الناس من سائر الحيوان، هذا هو الغالب.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلت في أسد وغطفان (٤)، ﴿يَتَّخِذُ﴾ أي: يعد ويعتقد، ﴿مَغْرَمًا﴾ غرمًا، وهو أن يلزم الإنسان من غير أن يعود إليه منه نفع، ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلت في مزينة وجهينة وغفار وأسلم (٥).
﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: الرتبات المضيئة التي يكون صاحبها مراقبًا مشاهدًا، و(صلوات الرسول) (٦) دعواته الصالحة، والضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ عائد إلى الصدقات، وقيل: إلى الصلوات، وقيل: إليهما جميعًا، ﴿في رَحْمَتِهِ﴾ في قضية رحمته وهي النعمة والجنة.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ عن الشعبي أنّ (٧) السابقين الأولين ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الذين بايعوا (٨) رسول الله (٩) بيعة الرضوان (١٠) بالحديبية
_________________
(١) (حيث كانوا) من "ي" "ب".
(٢) في "ب": (الحكمة).
(٣) (الأمور) من "ي" "ب".
(٤) لم نجد من ذكر سبب النزول هذا.
(٥) ذكر البغوي عن الكلبي (٨٦) عن أسلم وغفار وجهينة، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٤٨٩) عن ابن عباس. وذكره ابن جرير (١١/ ٦٣٥، ٦٣٦)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٦٧) عن مزينة.
(٦) (الرسول) ليست في "أ".
(٧) (أنّ) من "ي" "ب".
(٨) في الجميع (تابعوا) والمثبت من "ب".
(٩) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(١٠) في "ب": (بيعة الحديبية).
[ ٢ / ٩١٥ ]
تحت الشجرة (١)، ويحتمل أن ﴿مِنَ﴾ لتبيين الجنس كما في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، والدليل لزوم اسم التابعين قومًا أدركوا الصحابة وأخذوا العلم منهم (٢) ورووا الحديث عنهم، فلو كان (من) للتبعيض لكان اسم المبايعين لازمًا لسائر المهاجرين والأنصار.
وفي قوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ دلالة أن النبي -﵇- (٣) ما كان يعلمهم بأعيانهم علمًا مقطوعًا به لكن لغلبة الظن ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمَّد: ٣٠]، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ في الدنيا مرة وفي القبر مرة عن أبي (٤) مطيع عن أبي حنيفة (٥) -﵀- من قال: لا أعرف عذاب القبر فهو من الطبقة الخبيثة الجهمية الهالكة لأنه أنكر قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧]، فإن قال: أؤمن بالآية، ولا أؤمن بتأويلها (٦) وتفسيرها، فهو كافر لأن من القرآن ما تأويله تنزيله.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ قال الكلبي: نزلت في ثلاثة: أبي لبابة وأوس بن ثعلبة ووديعة بن خزام (٧)، وعن الضحاك وقتادة: أنهم سبعة (٨)، وعن زيد بن أسلم: كانوا ثمانية (٩)، وعن ابن عباس: كانوا عشرة فشدَّ منهم سبعة أنفسهم على السواري، قيل: وحلف أبو لبابة أن لا يحل نفسه حتى
_________________
(١) أخرجه عنه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٣٧)، وابن أبي حاتم (١٧٦٨).
(٢) في الأصل "أ": (عنهم).
(٣) (السلام) من "ب" فقط.
(٤) (عن أبي) من "ب"، وفي البقية (مرة أبو مطيع).
(٥) نقله عن أبي حنيفة الدكتور محمَّد بن عبد الرحمن الخميس في كتابه "الشرح الميسر" (١٣٧).
(٦) في "أ": (ولا أومن بالآية ولا أمعن بتأويلها).
(٧) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٤٩٤) من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٨) ذكر ابن الجوزي عن قتادة (٣/ ٤٩٤) أما عن الضحاك فلم أجده.
(٩) ذكر ابن الجوزي عن زيد بن أسلم (٣/ ٤٩٤).
[ ٢ / ٩١٦ ]
يحلَّه رسول الله، فبلغ ذلك رسول الله (١) فحلف أن لا يحله حتى يأمر الله بأمره فيه (٢)، قيل: وكان أول أمر أبي لبابة أنه خاصم يتيمًا إلى رسول الله (١) في عذق (٣) فقضى له به ثم تشفع إليه ليعطيه اليتيم فأبى فقال: "أعطه إياه ولك مثله في الجنة"، فأبى، فانطلق إليه أبو الدحداح واشتراه منه بحديقة له ثم أتى رسول الله (١) [فقال]: أرأيت إن أعطيته اليتيم ألي مثله في الجنة؟ قال: "نعم"، فأعطى اليتيم فكان -﵇- (٤) يقول: "كم من عذق (٥) مدلي في الجنة لأبي الدحداح". ثم إن أبا لبابة أدركه شؤم هذه المعصية فخان رسول الله (٦) حين استنزل بني قريظة وأشار إلى حلقه يخوفهم بالذبح، ثم تخلف عن غزوة تبوك، ثم ألقى الله في قلبه التوبة والندم فشد نفسه بالسارية فبقي كذلك سبعة أيام حتى غشي عليه فأنزل الله فيه وفي أصحابه الآية (٧)، ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ كقولك: خلطت الماء واللبن، ولو قلت: خلطت الماء باللبن لجاز أيضًا (٨).
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لما أنزل الله توبة هؤلاء جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله (٦) وقالوا: هذه خلَّفتنا عنك فتصدق بها، فتوقف في ذلك رسول الله (٦) فأنزل الله (٩)، روي أنه أخذ ثلث أموالهم وترك الباقي عليهم
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) ابن جرير (١١/ ٦٥١، ٦٥٢، ٦٥٩، ٦٦٢، ٦٦٣، ٦٦٧، ٦٦٩)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٢، ١٨٧٤. ١٨٧٥، ١٨٧٦، ١٨٧٨)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧١).
(٣) في الأصل و"أ": (عدن).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في الأصل و"ي": (عدن).
(٦) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٧) عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٤٦)، والبيهقي في السنن (٦/ ١٥٨)، وفي سنده انقطاع وإرسال.
(٨) جَوَّز بعض نحويِّي البصرة الوجهين وهو معروف في لسان العرب كما تقول: استوى الماءُ والخشبة، أي: بالخشبة؛ وخلطت الماء واللبن، أي: باللبن. ويجوز تقديم أحدهما على الآخر وهو اختيار ابن جرير الطبري وأبي البقاء العكبري. [الإملاء (٢/ ٢١)، تفسير الطبري (١١/ ٦٥٠)].
(٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٥٩)، وابن أبي حاتم (١٨٧٤) عن ابن عباس -﵄ -.
[ ٢ / ٩١٧ ]
و﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ خطاب للنبي -﵇- (١) وهو في تقدير الحال، ﴿سَكَنٌ﴾ سكينة وطمأنينة، و﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾، و﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾ لتأكيد الوصف والأخذ وهو القبول والإثابة.
﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول لتشريفهم أو لتعليق الأحكام الشرعية بهم بعد وفاة رسول الله (٢).
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ نزلت في الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (٣) وكل المؤمنون بهذه الصفة إلا المبشرين بالجنة.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ نزلت في سبعة عشر نفسًا من بني عمرو بن عوف بنوا قريبًا من مسجد قباء مسجدًا لأجل أبي عامر الفاسق (٤) وكانوا (٥) يسمونه الراهب، وكان بالشام، فبنوا هذا المسجد لأجله ينتظرون قدومه عليهم في ذلك المسجد، وكان يؤمهم مُجَمَّع بن جارية كالنائب عن أبي عامر الفاسق وكان منافقًا قارئًا للقرآن، فطلبوا من رسول الله (٢) قبل خروجه إلى غزوة تبوك أن يحضرهم فيصلِّي بهم في مسجدهم يبتغون بذلك (٦) عذرًا لأنفسهم، فقال -﵇- (٧): "حتى أنصرف من هذه الغزوة" فأنزل الله في منصرفه (٨)، ﴿ضِرَارًا﴾ مضارّة وهو نصب
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٨)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٥٢٢) لابن المنذر ولأبي الشيخ، وأخرجه الطبري (١١/ ٦٧٠) عن مجاهد وقتادة والضحاك.
(٤) (الفاسق) ليست في الأصل.
(٥) (وكانوا) ليست في الأصل و"أ".
(٦) في الأصل و"أ": (ذلك).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) هذه رواية مقاتل كما في زاد المسير (٣/ ٤٩٩) والأشهر ما ذكره الغوي (٩٣) أنهم (اثنا عشر رجلًا). وقصة أسباب نزولها مشهورة في كل كتب التفسير؛ عند الطبري (١١/ ٦٧٥)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٨، ١٨٨١)، عن ابن عباس -﵄ -. =
[ ٢ / ٩١٨ ]
على أنه مفعول له (١)، ومن ﴿حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ هو أبو عامر الفاسق (٢) كان قد ترهب ولبس المسوح بالمدينة قبل مقدم رسول الله، فلما هاجر إليها رسول الله أتاه أبو عامر الفاسق، وقال: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال -﵇- (٣): "هذا دين إبراهيم" قال أبو عامر: فأنا على دين إبراهيم، فقال -﵇- (٣): "هذا دين إبراهيم أنا عليه" قال أبو عامر: بل أدخلت فيه ما ليس منه، قال رسول الله: "بل جئت بالحنيفية بيضاء نقية"، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدًا وحيدًا، لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، وانضوى إلى الكفار فقاتلوا يوم أحد وبعد ذلك إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن ويئس الملعون (٤) عن مشركي العرب خرج إلى الشام ليستنصر قيصر، وكان يأمر المنافقين ببناء هذا المسجد ويخبرهم بأنه سيأتيهم بجنود لا قبل لهم بها: لا حد بها فلم يمكنه الله ﷾ من ذلك وأماته بالشام طريدًا وحيدًا، وابن أبي عامر الفاسق إنما هو حنظلة غسيل الملائكة (٥)، ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا (٦)، ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ إلا استمالة أبي عامر ليرجع ويسلم فكذبهم الله تعالى.
_________________
(١) = وابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٦٢، ٢٦٣).
(٢) هذا أحد الأوجه في إعراب "ضرارًا" أي: مُضَارَّةَ لإخوانهم. والوجه الثاني: أنه مفعول ثانٍ لـ "اتخذ" قاله أبو البقاء العكبري، والوجه الثالث: أنه مصدر في موضع الحال من فاعل "اتخذوا" أي: اتخذوه مُضَارِّين لإخوانهم. [الإملاء (٢/ ٢٢)، الدر المصون (٦/ ١٢٠)].
(٣) ذكره ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٩) وأما قصة أبو عامر الراهب فذكرها البغوي (٩٣)، والقرطبي (٧/ ٢٨٠).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) (الملعون) ليس في "ب".
(٦) أي: أن حنظلة بن أبي عامر أسلم فأصبحِ من خيار الصحابة واستشهد في غزوة أحد، ولما نودي بالجهاد في غزوة أُحد خرج مسرعًا وهو جنب فقتل في غزوة أحد فقال -﵇-: "إن صاحبكم تغسله الملائكة"، وانظر: الإصابة (٢/ ٢٩٨)، رقم الترجمة (١١٣٩).
(٧) أي: أن "إِنْ" نافية ولذلك وقع بعدها "إلا" وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ جواب لقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾.
[ ٢ / ٩١٩ ]
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ قال مقاتل: أرسل النبي - ﷺ - بعد نزول هذه الآية مالك بن الدُّخْشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيًا قاتل حمزة إلى هذا المسجد الظالم أهله، فهدموه وأحرقوه، وأمر ان يتخذ ذلك الموضع كناسة يلقى فيها الجيف (١)، وفيه دليل لمحمد (٢) على أن المسجد إذا خرب وتعطل رجع إلى المالك، قال أبو يوسف: هم لم يكونوا بنوه على نية المسجد حقيقة.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ مسجد رسول الله -﵇-، وعن أبي سعيد الخدري أن النبي -﵇- (٣) قال: "هو مسجدي هذا" (٤) يدل عليه (٥) ما روى أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أنه لما أنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال النبي -﵇- (٦): "يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم هذا"، قال: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي (٧) بالماء، قال: "هو ذلك فعليكموه" (٨)، وقيل: إنه مسجد قباء.
روي عن عبد الله بن الحارث أن أهل قباء أتوا النبي -﵇- (٩) فذكروا له الاستنجاء بالماء، فقال: "إن الله أثنى عليكم فدوموا" (١٠)، ﴿رِجَالٌ
_________________
(١) ذكره البغوي (٩٣)، والقرطبي (٨/ ٢٣١).
(٢) يقصد محمَّد بن حسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) مسلم (١٣٩٨).
(٥) في الأصل: (على).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في الأصل و"أ": (ونستحمي).
(٨) الحديث رواه ابن ماجه (٣٥٥)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٨٢)، وابن الجارود في المنتقى (٤٠)، والدارقطني في سننه (١/ ٦٢)، والحاكم (١/ ١٥٥)، وابن عساكر (٣٨/ ٢٢٩، ٢٣٠)، عن أبي أيوب وجابر وأنس، والحديث صحيح.
(٩) السلام) ليس في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(١٠) الحديث مشهور عن عويم بن ساعدة -وكان من أهل بدر- قال: قال رسول الله - ﷺ - =
[ ٢ / ٩٢٠ ]
﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، وعن أبي هريرة أن النبي -﵇- (١) قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء، ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآية، قال: "كانوا يستنجون بالماء" فنزلت هذه الآية فيهم (٢). والأصح أن المسجد مسجد رسول الله (٣) وأن الرجال المتطهرين عامة الأنصار من أهل المسجدين جميعًا فدلَّ عليه ما روي أنه حمَّ الأنصار فعادهم رسول الله (٣) وقال: "أبشروا فإنها كفارة طهور"، قالوا: يا رسول الله، ادع الله أن يديمها علينا أيامًا حتى تكون كفارة لنا فأنزل الله تعالى يثني عليهم، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بالحمى عن معاصيهم (٤). والتأسيس موضع الأساس، والأساس قاعدة البناء، من ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ﴾ هو رسول الله مع أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ هو أبو عامر الفاسق مع أصحابه المنافقين. والأول: هو التأسيس على حالة التقوى أو نية التقوى، والثاني: على وجه المثل، و(الجرف) هو التجويف الذي جرفت السيول والأودية حشوه ﴿هَارٍ﴾ هائر، قدمت لام الفعل وأخرت عينه على سبيل القلب (٥) كقولك:
_________________
(١) = لأهل قباء: "إني أسمع الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور " الحديث أخرجه الطبري (١١/ ٦٩٠)، والطبراني في الأوسط (٥٨٨٥)، والإمام أحمد في مسنده (١٥٤٨٥)، والحاكم (١/ ٥٥١١) وغيرهم.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧)، والحديث صحيح.
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) أورده الإمام أحمد (٣/ ٣١٦)، وأبو يعلى (٢٣١٩)، وابن حبان (٢٩٣٥) عن جابر بلفظ: استأذنت الحمى على رسول الله - ﷺ - فقال: "من هذه؟ " قالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء فلقوا منها ما يعلم الله فأتوه فشكوا ذلك إليه فقال: "ما شئتم، إن شئتم دعوت الله فكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهورًا"، قالوا: أو تفعله؟ قال: "نعم"، قالوا: فدعها. والحديث سنده جيد وفي متنه غرابة، وقد رواه الطبراني في الكبير (٦١١٣).
(٦) ما ذكره المؤلف هو أحد الأوجه في "هار" ويريد المؤلف أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه وذلك أن أصله: هاور أو هاير بالواو والياء لأنه سمع فيه الحرفان. هار يهير وهار يهور وتهيَّر البناء وتهوَّر البناء. =
[ ٢ / ٩٢١ ]
هو شاكي السلاح وشائك، وقد تحذف الهاء من هائر حذفًا حقيقيًا من غير قلب، في حديث خزيمة وذكر السنة، قال: تركت المخ رارًا والمطي هارًا (١)، والهور والانهيار: الميل، ومنه التهور والهوارة، في الحديث: "من أطاع ربه فلا هوارة عليه" (٢)، وروي: "من انقى الله وُقي الهوارة" (٣).
﴿بَنَوْا رِيبَةً﴾ أي: سبب ريبة، ﴿تَقَطَّعَ﴾ تفسخ، فمن حمل الكلام على الغاية والتوقيت قال: ترتفع الريبة عند تقطع القلوب لأن الارتياب في فعل الأحياء دون من هلك وتلاشى، ومن حمل على المبالغة والتأكيد قال: يجوز بقاء الريبة مع تقطع القلوب لجواز بقاء الحياة والعقل (٤) فيهما بتبقية الله تعالى كحياة الشهيد (٥)، وحياة الذين يُسألون في القبور، وهذا أشبه. ويمكن الجمع بين القولين بأن يحمل أَحَدهما في طائفة من المنافقين والأخرى في طائفة أخرى منهم.
﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر الرجال الذين
_________________
(١) = والوجه الثاني: أنه حذفت عينه اعتباطًا، أي: لغير موجب. والوجه الثالث: أنه لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هور أو هَيرَ فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفًا وهذا أقرب الأوجه لأنه جار على الأصل خلافًا للقلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل. [البحر (٥/ ١٠٠)، الدر المصون (٦/ ١٢٥)].
(٢) حديث خزيمة بن ثابت رواه الطبراني في الأوسط (٧٧٣١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٣٧٣، ٣٧٥) وقد جاء محرفًا في الطبراني الأوسط بلفظ (المخ رزامًا والمطي هامًا) والتحريف من الأصل وليس في المطبوع لأنه هكذا ورد في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٤٢) ومعنى رارًا: أي: ذائبًا، والهار: هو صوت الكلب دون نباحه من قلّه صبره، والتعبير كله عن الشدة والبؤس.
(٣) ذكره مسندًا الحربي في "غريب الحديث" (٢/ ٦٨٥)، وذكره ابن الجوزي في "غريب الحديث" (٢/ ٥٠٤)، وابن الأثير (٥/ ٦٥٧)، والزمخشري في الفائق (٤/ ١٢١).
(٤) ذكره مسندًا الحربي في "غريب الحديث" (٢/ ٦٨٣)، وذكره ابن الجوزي في "غريب الحديث" (٢/ ٦٨٥)، وابن الأثير (٥/ ٦٥٧)، والزمخشري في الفائق (٤/ ١٢١).
(٥) في الأصل و"أ": (والفعل).
(٦) في الأصل: (الشاهد).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
يحبون أن يتطهروا، عن عبد الله بن رواحة قال يوم البيعة: اشترط يا رسول الله لربك ولنفسك، قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهاليكم"، قال: فإن فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة"، قال: ربح البيع لا نفيل ولا نستقيل، فأنزل الله بها هذه الآية (١)، واشترى الله من عباده ما يملكه عليهم إنما على سبيل التفضيل واللطف وهو كالاستقراض منهم وإيجاب الأجر لهم، أبو هريرة يحدث عن النبي -﵇-: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" (٢).
﴿التَّائِبُونَ﴾ أي: هم التائبون، وقيل: رفع على المدح (٣)، ﴿السَّائِحُونَ﴾ السياحة هي رحلة الشتاء والصيف في الجهاد والحج وطلب العلم وزيارة المشايخ في بيوتهم وقبورهم (٤).
قال -﵇- (٥): "سياحة أمتي الجهاد" (٦)، وقال -﵇-: "الصوم
_________________
(١) ابن جرير (١٢/ ٦، ٧) وفيه انقطاع، وله شاهد عند ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٨٦) عن جابر بن عبد الله.
(٢) البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٧٦) وغيرهما.
(٣) يريد المؤلف أن تكون: ﴿التَّائِبُونَ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم التائبون. ويجوز أن تكون ﴿التَّائِبُونَ﴾ مبتدأ وخبره، ﴿الْعَابِدُونَ﴾ وما بعده أوصاف أو أخبار متعددة، وقيل: إن ﴿التَّائِبُونَ﴾ بدل من الضمير المتصل في ﴿يُقَاتِلُونَ﴾. [الكشاف (٢/ ٢١٦)، المحرر (٨/ ٢٨٥)].
(٤) زيارة المشايخ في قبورهم للدعاء لهم وتذكر الموت واليوم الآخر، أما زيارة قبورهم للتوسل بهم أو دعائهم أو سؤالهم أو الاستعانة بهم في كشف التفسير أو جلب النفع، فهذا كله من المحاذير الشركية الممنوعة شرعًا.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) أبو داود (٢٤٨٦)، والطبراني في الكبير (٧٧٠٨، ٧٧٦٠) وفي مسند الشاميين (١٥٢٢)، وعنه ابن عساكر (٥٣/ ٢٨٩)، والبيهقي في السنن (٩/ ١٦١)، وفي الشعب (٤٢٢٦)، والحاكم (٢/ ٨٣) والحديث حسن.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
سياحة أمتي" (١)، لأنه يلقى من الشدة ما يلقاه السائح في الأرض. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن هذه صفتهم عند الله ورسوله مع ما يتعاطونه من الذنوب سرًا وجهرًا.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر محافظة حدود الله؛ عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضر أبا طالب الوفاة جاء رسول الله (٢) فوجد أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية عنده فقال النبي -﵇- (٣) لأبي طالب: "يا (٤) عم قل: لا إله إلا الله كلمة نجاح أشهد لك بها عند الله"، وقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل النبي -﵇- (٣) يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي (٥) -﵇- (٦): "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنه"، فأنزل الله الآية، فأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآية (٧).
وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله (٨) خرج يومًا وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلًا، ثم ارتفع نحيب رسول الله (٨) بالبكاء، فبكينا لبكائه -﵇-، ثم إن النبي -﵇- (٩) أقبل إلينا فتلقاه عمر، فقال: ما الذي
_________________
(١) ورد بلفظ: "السائحون الصائمون" أورده ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٢٠)، والدارقطني في العلل (٨/ ٢٠٦) وهو حديث ضعيف، وقد ورد موقوفًا على الصحابة والتابعين.
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (فقال رسول الله - ﷺ -).
(٤) في "ب" "ي": (أي عم).
(٥) (النبي) ليست في "ب".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (٢٤) وغيرهما.
(٨) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٩) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٩٢٤ ]
أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ رسول الله بيد عمر ثم أقبل إلينا (١) فقال: "أفزعكم بكاي؟ " فقال: نعم يا رسول الله، فقال: "إن القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، وأنزل عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معه (٢) ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، "فأخذني ما يأخذ الولد للوالدين من الرقة" (٣)، قال الأمير (٤): ويمكن الجمع بين الروايتين: كان يستغفر لأبي طالب سنين حتى زار قبر أمه يومئذٍ فأنزل الله الآية فانتهى عن الاستغفار لهما، قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت الآية فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار للأموات، ولم ينههم عن الاستغفار للأحياء حتى يموتوا.
ثم أنزل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية استغفر له ما كان حيًا فلما مات أمسك عن الاستغفار له (٥)، (الأوّاه) كثير التأوه خوفًا من الله ﷿، عن الأزهري، وقال أبو عبيدة (٦): الأوّاه: المتأوه شفقًا وفرقًا ويقينًا ولزومًا للطاعة، ويحتمل أنه كان يتأوه على هلاك قومه وكفرهم بالله ويتحلّم عنهم ولا يخاشنهم [ولا يزيد على التأوه لأنه لم يكن مأمورًا بالقتال.
_________________
(١) من قوله: (فتلقاه عمر) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ليست في "ي"، و(معه) سقطت من "أ".
(٣) ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٩٣، ١٨٩٤)، والحاكم (٢/ ٣٣٦)، والبيهقي في الدلائل (١/ ١٨٩، ١٩٠) وفيه ضعف يسير.
(٤) لا أدري من الذي يعنيه المؤلف بالأمير، وهذا أول ذكر له من بداية التفسير مما يدل على أنه لم تجر عادة المؤلف ذكر الأمير، ولا يعرف أحد من مشايخ المؤلف من هو ملقب بالأمير، فالله أعلم.
(٥) ابن جرير (١٢/ ٢٣، ٢٤)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٩٣).
(٦) أما قول الأزهري فذكره في تهذيب اللغة (٦/ ٤٨١)، وأما قول المؤلف: قال أبو عبيدة فالصواب - والله أعلم - أبو عبيد وليس أبو عبيدة. فقد ذكر الأزهري في تهذيب اللغة - أبو عبيد - نفس التفسير الذي نقله المؤلف عن أبي عبيدة. انظر أيضًا نفس المصدر السابق وأنشد بيت المثقب العبدي: إذا قمتُ أرحَلُهَا بِلَيْلِ تَأَوَّهُ آهةَ الرَّجُلِ الحزينِ
[ ٢ / ٩٢٥ ]
﴿لِيُضِلَّ﴾، الإضلال ههنا لتخطئته وتضليله] (١) وتضليله ومؤاخذته إياهم بما لا علم لهم به ثم اختلفوا، فقيل: نزلت الآية في مؤاخذة الله إياهم للعمل بالأحكام المنسوخة قبل العلم بالنسخ كالصلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر، وقيل: نزلت في مؤاخذة الله إياهم (٢) بالاستغفار للمشركين قبل بيانه (٣) أنه لا يجوز، وإنما وصف بالعلم لأن هذا الحكم المذكور من قضيّة علمه وحكمته، وإنما وصف نفسه بأن له ملك السموات والأرض لتبيين جواز تصرفاته في مملكته من النسخ والإضلال والمغفرة والعذاب وغير ذلك.
﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ﴾ وهو قوله: ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] والتوبة على المهاجرين والأنصار عفوه عنهم زلاتهم من التخلف وغير ذلك، ﴿في سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وقت الضيق والشدة. كان الأمر قد بلغ إلى أن نحو بعضهم ناقته فعصر أكراشها وشرب عصارتها (٤).
وعن مقاتل أن التمرة كانت فيهم بين الاثنين والثلاثة يلوك هذا ثم يعطي هذا، وعن الحسن أنهم كانوا يعتقبون على رواحلهم وزادهم شيء من دويق الشعير وإهالة منتنة (٥)، وعن عمر قال: أصابنا عطش شديد فدعى النبي -﵇- فأمطر الله السماء فعشنا بذلك (٦)، ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ لشدة الابتلاء وقلة الصبر وكثرة الوسواس.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ (٧) الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي: خلفهم الله بتقديره أو الشيطان
_________________
(١) ما بين [] ليس في الأصل.
(٢) من قوله: (بالأحكام المنسوخة) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) (بيانه) ليست في "ب".
(٤) هذا ورد عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب عند ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٩٨)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٢٧).
(٥) قريبًا منه عند البغوي (١٠٤) عن الحسن.
(٦) قول عمر مطولًا عند ابن جرير (١٢/ ٥٢، ٥٣)، وابن خزيمة (١٠١)، وابن حبان (١٣٨٣)، والحاكم (١/ ١٥٩)، وأبو نعيم (٤٥٢)، والبيهقي (٥/ ٢٣١)، والحديث صحيح.
(٧) (الثلاثة) ليست في "ب".
[ ٢ / ٩٢٦ ]
بغروره أو أموالهم وأهلوهم بفتنتها، ويحتمل تخليف رسول الله إياهم عن مجلسه وحضرته ومهاجرته إياهم بخمسين صباحًا، ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: برحبها وسعتها، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: صدورهم وقلوبهم، وضيق النفس أن تمتلىء بالحزن والهم حتى تختنق فلا تسع شيئًا، ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا، وإنما استثنى الملجأ إليه للتنبيه على رحمته ورأفته بعد ابتلائه ومحنته، وفي الآية دلالة أن توبة الله عليه توبة العبد.
عن كعب بن مالك، قال: لم أتخلف عن رسول الله في (١) غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرًا، ولم يعاتب النبي -﵇- أحدًا تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى، ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله في الناس لبدر وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، ثم لم أتخلف عن النبي -﵇- (٢) بعد في غزاة غزاها حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها رسول الله -﵇- (٢)، وأذَّن النبي -﵇- (٢) الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم وذلك حين طاب الظلال وطابت الثمار، وكان قلَّ ما أراد غزوة إلا ورّى بغيرها وكان يقول: "الحرب خدعة" (٣). فأراد النبي -﵇- (٢) غزوة تبوك أن يتأهب أهبتهم وأنا أيسر ما كنت قد جمعت راحلتين وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ، وأنا في ذلك أصعر إلى الظلال وطيب الثمار، فلم أزل كذلك حتى قام النبي -﵇- غاديًا بالغداة وذلك يوم الخميس فأصبح غاديًا، قلت: أنطلق إلى السوق وأشتري جهازي ثم ألحق بهم، فانطلقت إلى السوق بالغد فعسر عليَّ بعض شأني، فرجعت فقلت: أرجع غدًا إن شاء الله فألحق بهم، فَعسر عليَّ بعض شأني أيضًا، فلم أزل كذلك حتى التبس فيَّ الذنب تخلفت عن رسول الله (٤)، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة
_________________
(١) (في) ليست في "ب".
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٣) البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٣٩).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٩٢٧ ]
فيحزنني أن لا أرى رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، وكان ليس تخلف أن ذلك سيخفى وكان الناس كثيرًا لا يجمعهم ديوان وكان جميع من تخلف عن النبي -﵇- (١) بضعة وثمانين رجلًا، ولم يذكرني -﵇- حتى بلغ تبوك قال: "ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من قومي: خلفه يا نبي الله برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ: بئس ما قال، والله يا نبي الله لا نعلم إلا خيرًا، قال: فبينا هم كذلك إذا هم برجل يزول به السّراب فقال النبي -﵇- (٢): "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة.
فلما قضى النبي -﵇- (٢) في غزوة تبوك وقفل ودنا من المدينة جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة النبي -﵇- (٢) وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، حتى إذا أقبل (٣) النبي -﵇- (٢) مصبحكم بالغداة زاح عني الباطل وعرفت أن لا أنجو إلا بالصدق، ودخل النبي -﵇- ضحى وصلَّى في المسجد ركعتين، وكان إذا جاء من سفر فعل ذلك؛ دخل المسجد فصلَّى ركعتين ثم جلس، فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه فيستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.
فدخلت المسجد فإذا رسول الله (٤) جالس، فلما رآني تبسَّم (٥) تبسُّم المغضب فجلست بين يديه فقال: "ألم تكن ابتعت ظهرك؟ "، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فما خلفك؟ "، قلت: والله لو بين يدي أحد من الناس غيرك جلست لخرجت من سخطه عليَّ بغير عذر، لقد أوتيت جدلًا ولكن قد علمت يا نبي الله أني إن أخبرك اليوم بقول تجد عليَّ فيه وهو حق فإني أرجو فيه عقبى الله، وإن حدثتك اليوم حديثًا ترضى عني فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك عليَّ، والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذًا مني حين
_________________
(١) في "ب": (النبي - ﷺ -).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب" "ي": (قيل).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (تبسم) ليست في "أ".
[ ٢ / ٩٢٨ ]
تخلفت عنك، فقال: "أما هذا فقد صدقكم الحديث، قم حتى يقضي الله فيك"، فقمت فثار على أثري ناس من قومي يؤنبوني، فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنبًا قبل هذا، فهلا اعتذرت إلى النبي -﵇- (١) بعذر يرضى عنك فيه وكان استغفار النبي -﵇- سيأتي من وراء ذنبك ولم يقف نفسك موقفًا لا تدري ماذا يقضي الله لك فيه، فلم يزالوا يؤنبوني حتى هممت (٢) أن أرجع فأكذب نفسي، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة ذكروا رجلين صالحين قد شهدوا بدرًا لي (٣) فيهما أسوة حسنة، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبدًا ولا أكذّب نفسي.
قال: ونهى النبي -﵇- الناس عن كلامنا أيها الثلاثة، قال: فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلِّمني أحد وتنكّر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكرت لنا الأرض حتى ما هي بالأرض التي نعرف، وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج وأطوف بالسوق وإلى المسجد وأدخل فآتي النبي -﵇- (٤) فأسلم عليه فأقول: هل حرك شفتيه بالسلام؟ فإذا قمت أصلِّي إلى سارية فأقبلت قبل صلاتي نظر إليَّ بمؤخر عينه فإذا نظرت إليه أعرض عني. واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار ولا يطلعان رؤوسهما.
قال: فبينا أنا أطوف بالسوق وإذا رجل نصراني جاء بطعام له يبيعه
يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليّ، فأتاني بصحيفة من ملك غسان فإذا فيها: أما بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك ولست بدار مضيعة ولا هوان فالحق بنا نواسك، فقلت: هو أيضًا من البلاء والشر، فسجرت لها التنور فأحرقتها. فلما مضت أربعون ليلة إذا رسول رسول الله (٥) قد أتاني فقال: اعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ قال:
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في الأصل و"أ": (همت).
(٣) المثبت من "ب"، وفي الجميع (إلى).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٩٢٩ ]
لا، ولكن لا تقربها، فجاءت امرأة هلال فقالت: يا نبي الله إن هلال بن أمية شيخ ضعيف هل تأذن لي أخدمه؟ قال: "نعم، ولكن لا يقربنك"، فقالت: يا نبي الله والله ما به حركة لشيء، ما زال يبكي الليل والنهار مذ كان من أمره ما كان.
قال كعب: فلما طال عليَّ البلاء اقتحمت على أبي قتادة حائطه وهو ابن عمي فسلَّمت عليه فلم يرد علي، فقلت: أنشدك الله يا أبا قتادة أتعلم أني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت حتى قلتها ثلاثًا، فقال أبو قتادة في الثالثة: الله ورسوله أعلم، فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت الحائط خارجًا. حتى إذا مضت خمسون ليلة من حيث نهى النبي -﵇- (١) عن كلامنا صلَّيت على ظهر بيت لنا الفجر، ثم جلست وأنا في المنزلة التي قال الله قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا، إذ سمعت نداء من ذروة سلع: أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدًا وعلمت أن الله قد جاءنا بالفرج، ثم جاء رجل يركض على فرس يبشرني، فكان الصوت أسرع من فرسه فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين، قال: وكانت توبتي نزلت ثلث الليل على النبي (٢) -﵇- (٣) فقالت أم سلمة: يا رسول الله ألا نبشر كعب بن مالك؟ قال: "إذًا يحطمكم الناس ويمنعونكم النوم سائر الليل"، وكانت أم سلمة محسنة في شأني تحزن بأمري، فانطلقت إلى رسول الله (٤) فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر، وكان إذا سرّ بالأمر استنار، فجئت وجلست بين يديه فقال: "أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك مُذْ ولدتك أمك"، فقلت: يا رسول الله، أمن عند الله أم من عندك؟ قال: "بل من عند الله"، ثم قرأ عليه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ حتى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وفيها أنزل أيضًا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فقلت: يا نبي الله إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا،
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي،، وفي "بإ: (النبي ﷺ).
(٢) (على النبي) ليست في "أ".
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٢ / ٩٣٠ ]
وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله (١) وإلى رسوله، فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال كعب: فما أنعم الله عليَّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله (١) حيث صدقته أنا وصاحباي أن لا يكون كذبنا فهلكنا كما هلكوا، وإني لأرجو (٢) أن لا يكون الله أبلى أحدًا من الصدق مثل الذي أبلاني ما تعمدت (٣) للكذب بعد وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال الزهري: هذا ما انتهى إلينا من حديث كعب بن مالك (٤).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال أبو بكر الصديق: إياكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان (٥). سئل النبي -﵇-: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: "لا" (٦).
﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ ولا أن يرغبوا، ويحتمل أنه مجزوم على النهي، و(رغبتهم بأنفسهم عن نفسه) إيثارهم أنفسهم على نفسه، ﴿ظَمَأٌ﴾ عطش، ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعب، ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعة، و(الوطء) موضع القدم وكذلك الموطىء ويجوز أن يكون مصدرًا، ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ صفة للموطىء، أي: يغيظ الكفار وطؤهم إياه، و(النيل): الإصابة، والضمير في (به) عائد إلى كل واحد من الأشياء المذكورة.
(قطع الوادي): سلوكه، والوادي ما بين العدوتين، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ قال الكلبي: لما أنزل الله عيوب المنافقين
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) في "ب" (أرجو).
(٣) في الأصل و"أ": (تعهدت).
(٤) القصة في البخاري (٤١٥٦)، ومسلم (٢٧٦٩)، ولكن أضاف إليها المؤلف من روايات أخر.
(٥) أحمد (١/ ٥) وسنده صحيح.
(٦) مالك في الموطأ (١٧٩٥)، والبيهقي في الشعب (٤٨١٢).
[ ٢ / ٩٣١ ]
المتخلفين، قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن سريّة بعد هذا، فكانوا يخرجون السرايا ويتركون رسول الله (١) بالمدينة فأنزل، قال الكلبي: وفيه وجه آخر وهو أن أحياء من بني أسد قدموا على رسول الله (١) بالنساء والذراري فنزلوا في سكك (٢) المدينة وأفسدوا الطريق على الناس فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣) يأمرهم بأن يفد من كل قبيلة وفد على النبي -﵇- ولا يفدوا بأجمعهم.
وعن مجاهد أن رسول الله (١) كان أرسل بعض أصحابه إلى قبائل العرب دعاة يدعونهم إلى الإسلام ويعلمونهم الشريعة، فلما سمعوا ما نزل في المتخلفين عن رسول الله (١) خافوا أن يكونوا من المتخلفين فالتحقوا بالنبي -﵇- (٤) فأنزل الله الآية (٥)، و(المتفقه في الدين) المنذر قومه إذا رجع هذا النافر إن كان مع النبي (٦) بالمدينة، والله أعلم بالمراد. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يجوز أن يكون خبرًا حقيقيًا فإنهم لم ينفروا كافة قط منذ زمان رسول الله -﵇- (٧) إلى زماننا هذا، ويجوز أن يكون خبرًا بمعنى النهي (٨)، وفي الآية دلالة أن خبر الواحد يوجب العمل والحذر وإن لم يوجب العلم لأن الطائفة اسم الواحد فصاعدًا.
﴿يَلُونَكُمْ﴾ يجاورونكم، وفيها دلالة على كراهة أن يترك أهل كل ثغر جهتهم ويسير إلى جهة أخرى إلا بعد الكفاية والاستغناء، قال -﵇-: "عصابتان من أمتي أحرزهما الله تعالى من النار: عصابة تغزو الهند وعصابة
_________________
(١) في "ب": (- ﷺ -).
(٢) في "ي": (سكن).
(٣) البغوي (١/ ١١١).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) ابن جرير (١٢/ ٧٦، ٧٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩١٠، ١٩١٣).
(٦) في "ب": (النبي - ﷺ -).
(٧) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٨) وذهب أبو إسحاق الزجاج وأبو جعفر النحاس إلى أنه خبر بمعنى الأمر. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٧٥)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٤٦)].
[ ٢ / ٩٣٢ ]
تكون مع عيسى -﵇- (١) عند نزوله من السماء" (٢). أبو هريرة قال: وعدنا رسول الله -﵇- غزوة الهند فإن أدركها أنفق فيها نفسي ومالي فإن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر (٣)، وكتب عثمان بن عفان من المدينة إلى عبد الله بن عامر بن كريز يأمره بأن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره فوجّه حكيم بن حزام بن جبلة العبدي فلما رجع أنفذه إلى عثمان فسأله عن حال البلاد فقال: يا أمير المؤمنين، ماؤها وشل وتمرها دقل ولصُّها بطل، إن قل الجيش ضاعوا وإن كثروا بها جاعوا (٤).
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر الذين يلوننا، ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ والمنافقون من جملتهم لأنهم أقرب الكفار إلينا جوارًا، كانوا يتساءلون ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السورة، ﴿إِيمَانًا﴾ على وجه الإنكار وفي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ردّ من الله عليهم إنكارهم وبيان بأن المؤمنين ازدادوا بهذه السورة إيمانًا.
وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قريبة من قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] فتنهم، ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ إظهار لعامتهم. وعن مجاهد: أنها القحط والشدة (٥)، وعن الحسن وقتادة: أنها الدعوة إلى الجهاد (٦).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) النسائي (٦/ ٤٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٨)، والبخاري في تاريخه (٦/ ٧٢)، والجهاد لابن أبي عاصم (٢٨٨)، والطبراني في الأوسط (٦٧٤١)، وفي مسند الشاميين (١٨٥١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٦١)، والبيهقي في السنن (٩/ ١٧٦)، والحديث حسن.
(٣) النسائي (٦/ ٤٢)، وأحمد (٢/ ٢٢٢٨، ٣٦٩) والفتن في المروذي (١٢٣٧)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٥٣٧)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (٢٩١)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٣٧٤)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٧)، والحاكم (٣/ ٥٨٨)، والبيهقي (٩/ ١٧٦).
(٤) ذكره الحموي في "معجم البلدان" (٥/ ١٧٩، ١٨٠)، كما ورد هذا الوصف حول (كرمان) لعمر بن الخطاب وللحجاج، كما ورد في وصف بلاد السند وفي صفة سجستان.
(٥) ابن جرير (١٢/ ٩١، ٩٢)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩١٥) بلفظ (بالسنة والجوع).
(٦) أما عن الحسن فرواه ابن أبي حاتم (٦/ ١٩١٥)، وأما عن قتادة فعند ابن جرير (١٢/ ٩٢)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩١٦).
[ ٢ / ٩٣٣ ]
﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كان المنافقون إذا رأوا رسول الله قد غشي عليه ليوحى إليه نظر بعضهم إلى بعض يتفقدون المسلمين المخلصين هل يجدونهم ناظرين إليهم متبعين أحوالهم فإن وجدوهم كذلك سكنوا ونكسوا رؤوسهم وقعدوا كارهين، وإن لم يجدوهم كذلك تفرعنوا بعقولهم وانصرفوا خوف الفضيحة فأنزل الله الآية فيهم (١)، وقوله: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يجوز أن يكون على وجه الإخبار ويجوز أن يكون على وجه الدعاء.
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عن أبي بن كعب، قال: آخر آية نزلت على رسول الله (٢)، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ الآية، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من العرب (٣)، قال الزجاج (٤): معناه أنه بشر مثلكم وفي الشواذ ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) من النفاسة وهي الكرم والرفعة والقدر، ﴿عَنِتُّمْ﴾ أثمتم (٦) تقول: عزّ عليَّ ما نزل بك، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ على إيمانكم ورشدكم، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في الحديث: "أن النبي (٧) لم ينتصر من مظلمة ظلمها قط ما لم تنتهك
_________________
(١) ابن جرير (١٢، ٩٥/ ٩٦)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩١٦).
(٢) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٣) ابن سعد (١/ ٢١)، وابن عساكر (٢/ ٣٨٢، ٣٨٣).
(٤) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٤٧٧).
(٥) انظر: شواذ القراءات للكرماني (ص ٢٢٣) وشواذ ابن خالويه (ص ٥٦) عزاها ابن الجوزي في "زاد المسير" لابن عباس وأبي العالية والضحاك وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو.
(٦) الأصل في معنى العنت هو المشقة والشدة، وما ذكره المؤلف هو رواية أبي صالح عن ابن عباس - ﵄ -، قال: شديد عليه ما آثمكم، والرواية الثانية عن ابن عباس - ﵄ - قال: شديد عليه ما شق عليكم رواها الضحاك عنه، ذكر ذلك ابن الجوزي في تفسيره، وذكر الطبري في تفسيره رواية ثالثة عن ابن عباس - ﵄ - قال: ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ ما ضللتم، ورجحها الطبري، وقال: هي أولى القولين في ذلك بالصواب. [الطبري (١٢/ ٩٨)، زاد المسير (٢/ ٣١٣)].
(٧) في "ب": (الحديث عن النبي ﷺ).
[ ٢ / ٩٣٤ ]
محارم الله ﷾ فإذا انتهك شيء من محارم الله كان من أشد الناس غضبًا" (١)، وعنه -﵇- (٢): "ما خُيِّرت (٣) بين أمرين إلا اخترت (٤) أيسرهما ما لم يكن مأثمًا" (٥)، وقال -﵇- (٢): "ارحموا الضعيفين: النساء والذراري" (٦)، وقال -﵇-: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان" (٧)، وقال يوم وفاته: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) قريبًا من هذا اللفظ عند الحميدي (٢٥٨) وقد ورد بألفاظ أخر عند النسائي في الكبرى (٩١٦٤)، وأحمد (٦/ ٣١، ٢٨١)، والطبراني في الأوسط (٤٢٦٦، ٥٤٢٨، ٧٦٥١)، وفي الصغير (٨١٤)، وأبو يعلى (٨١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٦٦) (٨/ ١٢٧)، والبيهقي في السنن (٧/ ٤٥) والحديث صحيح، وأصله في الصحيحين في الحديث القادم.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (خيرت) من "ب"، وفي البقية: (خير).
(٤) (اخترت) من "ب"، وفي البقية: (اختار).
(٥) البخاري (٣٣٦٧)، ومسلم (٢٣٢٧).
(٦) الطبراني في الكبير (١٦٨) وهو مرسل.
(٧) الترمذي (١١٦٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٦٩)، وابن ماجه (١٨٥١)، وابن أبي الدنيا في العيال (٤٧٤) والحديث حسن.
(٨) ابن ماجه (١٦٢٥)، وأحمد (٣/ ١١٧) (٦/ ٢٩٠، ٣١١، ٣١٥، ٣٢١)، والنسائي في الكبرى (٧٠٩٤، ٧٠٩٥) وغيرها، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٤، ١٥٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٠٦، ٣٧٩)، وأبو يعلى (٢٩٣٣، ٢٩٩٠، ٦٩٣٦، ٦٩٧٩)، والبيهقي في الشعب (٨٥٥٢)، والحديث صحيح.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
درجُ الدُر في تَفْسِيرِ الآي وَالسُّور
تأليف
عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني
المتوفى (٤٧١هـ)
تحقيق
وَليدْ بْن أحَمد بن صَالِح الُحسَيْن إيَاد عَبْد اللَطيفْ القَيْسي
مِنْ سُوَرة يُونسْ إِلى سُوَرة الأَحْزَابْ
المجلَّد الثَّالث
[ ٣ / ٩٣٦ ]