مكية (١)، وهي ثمان وعشرون آية بلا خلاف (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ الهاء عماد وهو ضمير الأمر والشأن، وهذه السورة في النفر السبعة الذين استمعوا لقراءة رسول الله -﵇- (٣) ببطن نخلة وهو راجع من الطائف دون الذين أتوه بالحجون بعد ذلك (٤) (٥).
وقوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ يدل على أنهم لم يكونوا موحِّدين قبل ذلك مع معرفتهم موسى -﵇- (٦)، كان قد استزلَّهم سفيههم بالشبهات عن خالص التوحيد، كما استزل اليهود والنصارى مع معرفتهم موسى وعيسى -﵉-، وكما استزل مع معرفتهم إبراهيم -﵇- واستعمالهم طائفة من شريعته.
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر (١٥/ ٥) عن ابن عباس وابن الزبير.
(٢) انظر: "البيان" (٢٥٦).
(٣) (-﵇-) ليست في "ي" "أ"، وفي "ب": (صلى).
(٤) (بعد ذلك) ليست في الأصل.
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٧)، وذكر البغوي في تفسيره (٤/ ٤٠١) أنهم تسعة نفر من الجن وأنهم من جن نصيبين، وكذا قال السمرقندي في تفسيره (٣/ ٤٨٠)، والثعلبي في تفسيره (١٠/ ٤٩). وأصل الخبر في صحيح البخاري (٤/ ١٨٧٣)، ومسلم (١/ ٣٣١ - ٤/ ٢٣٢١).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٦٦٥ ]
﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي عظمة ربنا (١)، و(الجدّ) في الناس: السعادة (٢)، وفي صفات الله: ما ينفي الشقاوة، و(سفيهنا): إبليس الأبالسة.
فظنهم الأول والثاني: اعتقادهم (٣) الفاسد، وظنهم الثالث: حقيقة العلم عند إيمانهم.
﴿حَرَسًا﴾ جمع حارس وهو الرقيب بالليل.
﴿قِدَدًا﴾ جمع قدة وهي الرهط والفرقة (٤).
﴿رَهَقًا﴾ عبءًا وخطأ.
﴿تَحَرَّوْا﴾ طلبوا ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: الجائرون الذين يأخذون قسط غيرهم. عن أنس بن مالك قال: الجن لا يثابون، ليس لمحسنهم ثواب، ولا لمسيئهم عقاب. وعن ابن عباس مثله، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: لمحسنهم الثواب وعلى مسيئهم العقاب (٥).
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ على الكفر من معنى قوله ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ (٦)﴾ [الزخرف: ٣٣]. فقال القتبي: هي استقامتهم على طريقة الإسلام في معنى قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]
_________________
(١) ورد عن ابن عباس - ﵁ - "جد ربنا" قال: أمره وقدرته. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٧٧)، وما ذكره المؤلف هو تفسير مجاهد وعكرمة وقتادة. ذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٤٠١).
(٢) السعادة أو المال أو الجاه، ومنه حديث المغيرة بن شبة - ﵁ - مرفوعًا: كان - ﷺ - يقول خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٢٤٣)، ومسلم (١/ ٣٤٣) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع.
(٣) في الأصل: (في اعتقادهم).
(٤) (والفرقة) من "ي" "أ".
(٥) لم نجد من ذكر ذلك عن أي واحد من هؤلاء الثلاثة.
(٦) في "ب": (ومعارج).
[ ٤ / ١٦٦٦ ]
الآية، وقيل: هي الطريقة الواحدة من خير أو شر لا يعينها في معنى قوله ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
﴿مَاءً غَدَقًا﴾ كبيرًا واسعًا (١)، وهو عبارة عن المال وحسن الحال.
﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ شاقًا أحدُّ من الصعود وهي العقبة.
﴿الْمَسَاجِدَ﴾ بيوت الله، وقيل: أعضاء السجود.
و﴿لِبَدًا﴾ متلبدين، وذلك من اجتماعهم وازدحامهم، حتى غاية للغيبة إن شاء الله.
﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ لا يطلع على حقيقة غيبه باليقين أحدًا؛ لأن الكهنة يزيدون وينقصون، وأصحاب الفراسة يخطئون ويصيبون.
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى﴾ إلا أحدًا ارتضاه لرسالته فإنه تعالى يسلكه، ﴿رَصَدًا﴾ من الملائكة يرصدون الشياطين ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ كيلا يلبسوا الأمر عليه، وهذا بعد ما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته.
﴿لِيَعْلَمَ﴾ الرسول (٢) أن قد أبلغت الرسل كلهم رسالات الله بإذنه من غير زيادة ولا نقصان، وأن ربهم تعالى قد أحاط بما لديهم ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾.
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٣٢)، والبغوي في تفسيره (٤/ ٤٠٣)، والقرطبي (١٩/ ١٨) إلا أنهم قالوا: كثيرًا، بدل: كبيرًا.
(٢) (الرسول) ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٦٦٧ ]