مكية (١)، وعن عطاء: إلا ثلاث آيات نزلن في ثلاثة من المؤمنين: حمزة وعلي وعبيدة، وثلاثة من الكافرين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة من قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] وعن ابن المبارك الآيات قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] (٢) وعن الحسن وهمام وعن قتادة والمعدل أنها مدنية إلا أن بعضها نزل في السفر، وقيل: بين مكة والمدينة (٣)، وهي ستة وسبعون آية في عدد أهل الحجاز (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: بينما نحن نسير
_________________
(١) لم نجد من قال بمكيتها فحسب دون استثناء، سوى تفسير النسفي (٣/ ٩٤). وقد ورد عن ابن عباس وعن عبد الله الزبير وقتادة أنها مدنية كما في الدر المنثور (١٠/ ٤٠٩). والتزم ذلك أبو السعود في تفسيره (٦/ ٩١).
(٢) ذكره ابن الجوزي عن عطاء بن السائب، انظر: زاد المسير (٥/ ٤٠١). وهناك أقوال في الآيات المستثناة.
(٣) نقل القرطبي (١٢/ ٥) عن الغزنوي قوله: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلًا ونهارًا سفرًا وحضرًا مكيًا ومدنيًا سلميًا وحربيًا ناسخًا ومنسوخًا محكمًا ومتشابهًا. ونقل ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٤٠٢) عن هبة الله بن سلامة قوله: هي من أعاجيب سور القرآن لأن فيها مكي ومدني.
(٤) كما في "البيان في عدّ آي القرآن" (١٨٩)، وفي الشامي (٧٤) آية، (٧٥) في عدِّ أهل البصرة، (٧٨) آية في عدّ أهل الكوفة.
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
مع رسول الله في بعض المسير إذ نزلت عليه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ فتفاجَّت ناقة رسول الله -﵇- (١) من ثقلها، فنادى بها رسول الله (٢) ثلاث مرات ثم قال: "يا أيها الناس أتدرون أي يوم ذلك؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، ويسكر فيه الكبير من غير شراب، وتضع الحوامل ما في بطونها، وينادي مناد: يا آدم أبعث بعثًا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: من كل كم كم؟ فيقال: من كل ألف تسعماية وتسعة وتسعين (٣) إلى النار وواحد إلى الجنة".
قال: فشقَّ ذلك على أصحابه مشقة شديدة وحزنوا له، فلما نزلوا راحوا إلى النبي -﵇- (٤) كأنما على رؤوسهم الطير من هول ما سمعوا في مسيرهم فقالوا: يا رسول الله ما نزل فيما مضى أشد مما نزل عليك في مسيرك هذا، فلما رأى رسول الله مشقة ذلك عليهم قال: "أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، ثم قال: "أيسرُّكم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، فقال لهم: "إني لأرجو أن تكونوا أكثر من شطر أهل الجنة، إن معكم أمتين لا تكونان مع قوم إلا كثرتاهم يأجوج ومأجوج سوى من أهلك الله قبلهم وسوى من هو مهلك بعدهم"، ثم قال: "بينا أنا بين النائم واليقظان إذ عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي يأتي في الواحد من قومه -وهو ياسين- ورأيت النبي يأتي في الأربعة من قومه، ورأيت النبي يجيء في أقل من ذلك وأكثر، حتى رأيت أمة أعجبتني فقلت: أي رب أمتي هذه؟ فقيل لي: هذه أمة [عيسى ابن مريم، ثم رأيت أمة أعجبني كثرتها فقلت: أي ربي أمتي هذه؟ فقيل لي: هذه] (٥) أمة موسى، ثم رأيت أمة أعجبتني كثرتها فقلت: أي رب أمتي هذه؟ فقيل
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) في "ب": (تسع مائة وتسعين وتسعة).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
لي: هذه أمة يونس بن متى، ثم قيل لي: انظر، فنظرت قبل مكة فإذا سواد كثير، ثم قيل لي: انظر، فنظرت قبل العراق فإذا هو سواد كثير، ثم قيل لي: انظر، فنظرت تحتي فإذا شيء ينتعش كثرةً فقيل لي: هؤلاء أمتك وسبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب".
قال: فقام عكاشة بن محصن الأسدي أحد بني غنم بن دودان فقال: يا رسول ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له رسول الله، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني الله منهم، قال: "سبقك بها عكاشة". قال جابر بن عبد الله الأنصاري: فظننا أن الأنصاري كان منافقًا فقالوا: لولا ذلك لم يسأله أحد إلا قال: نعم.
ثم دخل رسول الله والمسلمون يخوضون في السبعين الألف فقال بعضهم: هؤلاء قوم أدركوا النبي -﵇- (١) وآمنوا به وجاهدوا معه، وقال بعضهم: هؤلاء قوم ولدوا في الإسلام وماتوا عليه، وقال بعضهم: هؤلاء قوم آمنوا به ولم يروه، قال: فأكثرنا في ذلك فخرج إلينا رسول الله (٢) ونحن نخوض في ذلك، قال: "ما قلتم في هؤلاء السبعين الألف؟ " قالوا: يا رسول الله، قال بعضنا كذا وبعضنا كذا؟ فقصوا عليه القصة فقال رسول الله - ﷺ - (٣): "بل هم قوم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (٤).
فيه بيان نزول الآية أنها نزلت يومئذ وهكذا الحسن عن عمران (٥) بن
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) (وسلم) ليست في "أ" "ي".
(٤) سرد المؤلف حديثًا طويلًا لم أجده، والذي وجدته هو عدة أحاديث: - إلى قوله "شطر أهل الجنة" قريبًا عن أبي سعيد الخدري، رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢١). - والثاني حديث عكاشة رواه عمران بن الحصين، رواه مسلم (٢١٨).
(٥) في "أ": (عن ابن عمران).
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
حصين وعن (١) علقمة قال: إن الزلزلة قبل الساعة (٢)، وهو الاضطراب الشديد وأصله من الزلل.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ أراد التحيل والحسبان (٣) ﴿تَذْهَلُ﴾ تسلى عما لا يتسلى عنه، و(العمل) بالفتح: ما اتصل من الثمار، و(العمل) بالكسر: ما أحمل من الأوزار (٤).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عباس أن النضر بن الحارث بن كلدة يقول: ما يأتيكم محمَّد إلا بمثل ما كنت آتيكم به (٥)، فنزلت. فتقديرها من يجادل في آيات الله وفي كتابه إن كنتم في ريب من جواز البعث وإمكانه لنبين لكم أن البعث جائز ممكن متصور غير مستحيل، وقد وجب لاتصاله بوعد الله، وفي الآية دليل أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري كالمشاهدة.
﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ مصورة وغير مصورة (٦)، وقيل: مصورة خلقًا بعد خلق، وغير المخلقة ما لم يكن ترابًا ولا نطفة، وعن عامر الشعبي عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال: أي رب أمخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة، قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال للملك: اذهب
_________________
(١) (وعن) ليست في "أ".
(٢) ابن جرير (١٦/ ٤٤٦)، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم.
(٣) الضمير في "ترونها" يعود إلى "زلزلة الساعة".
(٤) الذي في الآية "حمل" بفتح الحاء والمعنى كما قال الحسن وابن زيد: أن تلقي الحوامل ما في بطونها لغير تمام للكرب الذي نزل بها. [الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٥٦)].
(٥) ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ٤١٨) وعزاه لابن أبي حاتم، وليس فيه (ما يأتيكم).
(٦) قاله الحسن البصري نقله عنه ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٢٢٣).
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان. ثم تلا عامر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الرحم دمًا وان كانت مخلقة تكست دمًا نسمة (١).
وعن أبي سعيد الخدري قال: بلغ رسول الله - ﷺ - (٢) أن اليهود يقولون أن العزل هو الموؤودة الصغرى، فقال: "كذبت يهود" وقال: "لو أقضيت لم يكن إلا بقدر" وقال: "لا يكون موؤودة حتى تمر بالتارات السبع" ثم تلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] (٣) الآية (٤) وقدروا واو الاستئناف ﴿طِفْلًا﴾ أي أطفالًا (٥) ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ اللام لمضمر أي ثم يحاسبكم ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ أي ثم يبقيكم لتبلغوا ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ حالة الخوف (٦) ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾ الواو لعطف الجملة وهي تدل على جواز البعث ﴿هَامِدَةً﴾ جامدة خامدة ﴿بَهِيجٍ﴾ اسم من البهجة وهي الطراوة والنضارة (٧).
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي ثانيًا عطفه، و(الثني) بالفتح: العطف، و(عطفا
_________________
(١) قريبًا منه جاءت روايات عند البخاري (٣١٨)، ومسلم (٢٦٤٦) عن ابن مسعود.
(٢) (- ﷺ -) ليست في "أ" "ي".
(٣) ذكره الطبراني في الكبير (٤٥٣٦) عن علي - ﵁ -.
(٤) (الآية) ليست في "ب".
(٥) إنما وَحَّدَ "طفلًا" لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل فيلزم الإفراد والتذكير - قاله المبرد- نقله عنه القرطبي في تفسيره (١٢/ ١٢)، والبحر (٦/ ٣٤٦).
(٦) قوله تعالى: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الأظهر في معنى الآية ما قاله الطبري (١٦/ ٤٦٥): ومنكم من ينسأ في أجله فَيُعَمَّرُ حتى يهرم فيرد إلى أرذل عمره فيعود كهيئته في حال صباه لا يعقل من بعد عقله الأول شيئًا.
(٧) أصل الهمود الدروس والدثور دراسة الآثار من النبات والزرع، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس: قالت قُتَيْلَةُ ما لجسمك شاحبًا وأرى ثيابك بالياتٍ هُمَّدَا [اللسان (درس) ديوان الأعشى (ص ٢٢٧)].
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
الإنسان) جانباه، يقال: ثنى فلان عطفه وثنى جبينه وصعّر ولوى عنقه: إذا تكبَّر.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: نزل في بني الخلاف من بني أسد بن خزيمة والخلاف هو الحارث بن سعد منهم: سوادة بن الحارث، ومرة بن الحارث، وحنة بن الحارث، ومالك بن الحارث من بني سعد بن ثعلبة، أصابتهم سنة شديدة فأجدبوا فيها وقحطوا فاحتملوا بالعيال حتى قدموا على رسول الله - ﷺ - (١) ثم جعلوا يغدون على رسول الله - ﷺ - (٢) ويروحون، فأغلوا الأسعار وأفسدوا طرق المدينة وجعلوا يمنون على رسول الله - ﷺ - (٣) بإسلامهم فيقولون: أتتك العرب بأنفسها فآمنت ونحن أتيناك بالأنفس والذراري والأثقال فأعطنا، فإن أعطوا من الصدقة وولدت نساؤهم الغلمان وأنجبت خيلهم المهور قالوا: نعم الدّين هذا ما رأينا منذ دخلنا فيه إلا ما نُسرّ به، وإن لم يعطوا من الصدقة ما يرضيهم وولدت نساؤهم الجواري وأزلفت خيولهم وسقمت أجسامهم قالوا: بئس الدين هذا ما رأينا منذ دخلنا فيه ما نُسرّ به فأنزل (٤).
﴿حَرْفٍ﴾ جهة. وفي الحديث أن اليهود يأتون النساء على حرف واحد (٥)، ومنه قوله -﵇-: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" (٦).
﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ﴾ ضر الأصنام أقرب من نفعها لأن الله تعالى خلقها سباباَ للمنافع، و(العشير): الخليط من المعاشرة.
_________________
(١) (- ﷺ -) ليست في "أ" "ي".
(٢) (- ﷺ -) ليست في "ب".
(٣) (- ﷺ -) من الأصل فحسب.
(٤) ورد مختصرًا بعض منه عند البخاري (٤٧٤٢).
(٥) أبو داود (٢١٦٤)، والحاكم (٢٧٩١) والحديث حسن.
(٦) أبو داود (١٤٧٧)، والنسائي (٢/ ١٥٣)، وأحمد (٥/ ٤١) والحديث صحيح.
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ (١)﴾ اتصالها من حيث اعتبار فرية داعي الله على داعي الأصنام. قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصره الله يرزقه فليأخذ حَبْلًا يربطه في سماء (٢) بيته فليختف به فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق (٣)، وهذا تأويل ممكن لأن النصر قد يكون بمعنى إيصال المنفعة.
﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (٤) ثم ليهلك والاستراحة من ضنك المعيشة مما يغيظ. وذكر الكلبي أنها نزلت في المنافقين الذين يظنون أن الله لا ينظر رسول الله (٥) في الدنيا والآخرة وذلك تأويل (٦) ممكن؛ لأنهم كانوا يتغيظون على رسول الله وعلى أنفسهم ويتأسفون على إيمانهم به لما يرون منِ الفقر والمصائب، ويحتمل أنها كقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٣٥] حقيقة وفيها الرزق ان استطاع ثم ليقطع ذلك إن استطاع فلينظر هل ينفعه أحدها.
﴿وَالْمَجُوسَ﴾ (٧): عبدة النيران، واحدهم (٨) مجوسي، وهم الذين ينكحون الأمهات والأخوات، نسبوا إلى رئيس لهم يسمى موكوش (٩) فغيرته العرب فجعلته مجوس.
وعن ابن عباس قال: في سجود "الحج" الأولى عزمة والأخرى تعليم (١٠).
_________________
(١) في الأصل: (عميد حل).
(٢) في الأصل: (هما).
(٣) عزاه في الدر المنثور (١٠/ ٤٣١) لعبد بن حميد. وقريبًا منه عند ابن جرير (١٦/ ٤٨٠)، والحاكم (٢/ ٣٨٦).
(٤) (ثم) ليست في "أ".
(٥) (الله) من الأصل فحسب وفي "ب" "أ": (رسوله).
(٦) (تأويل) ليست في "ب".
(٧) في "ب": (المجوس) مرتين.
(٨) في "ب": (واحدها).
(٩) ذكره الألوسي في تفسيره "روح المعاني" (١٧/ ١٢٩).
(١٠) ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٢٥١) عن ابن عباس، وروي مرفوعًا عن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله أفي الحج سجدتان؟ قال: "نعم ومن لم يسجدهما =
[ ٣ / ١٢٥١ ]
عن. قيس بن عباد قال: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ هم (١) الذين تبارزوا يوم بدر (٢).
﴿يُصْهَرُ﴾ يُذَاب.
﴿مَقَامِعُ﴾ واحدها مقمعة وهي كالهوادة العظيمة تسمى حزرًا، وقيل: مشتق من قولهم قمعته فانقمع أي أذللته فذل.
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: ما يحجر من القطر في جوف الصدف في البحر سمي لتلألؤه وبراقته، ويسمى الكبار دون الصغار مرجانًا ﴿حَرِيرٌ﴾ ما رق من ثياب الإبريسم.
﴿وَهُدُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الكلمة الطيبة لا إله إلا الله ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ الإسلام.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عن ابن عباس: أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه منعوا رسول الله الحج والمسجد الحرام أن يدخلوا زمن الحديبية وأن ينحروا الهدي في المنحر، قال: فبعث رسول الله إليهم عثمان بن عفان أن يخلوا بينهم وبين دخول مكة فأبوا ذلك، فكره النبي -﵇- (٣) قتالهم وهو محرم بعمرة، فسألوه أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا عامًا قابلًا ثلاثة أيام، فلما كان من العام القابل أخليت له مكة وخرجت قريش منها كهيئة البدا (٤) مثقلة، فطافوا بالبيت وقضوا المناسك ثم انصرف رسول الله ورجع قريش إلى الحرم (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ
_________________
(١) = فلا يقرأهما " أخرجه أبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٥٧٨)، والدارقطني (١/ ٤٠٨)، والحاكم (١/ ٢٢١)، وأحمد (٤/ ١٥١) وغيرهم. والجملة الأولى من الحديث صحيحة، أما الجملة الثانية من الحديث وهي قوله: "ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما" فلا تصح حيث انفرد ابن لهيعة بها وهو ضعيف.
(٢) في الأصل: (لهم).
(٣) البخاري (٣٩٦٥).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) في "ب": (كهبة البدء).
(٦) أشار إلى ذلك القرطبي في تفسيره (١٢/ ٣١).
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي وهم يصدون أو: إن الذين يكفرون (١) ويصدون، وقيل: الواو مقحمة، وقيل: التقدير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي عزمهم أن يصدوا (٢). ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ يدل على أن المقيم برباع مكة ليس بأولى من الحاج. عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -﵇- (٣) قال: "حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها".
وفي رواية: "وحرام أجر بيوتها" (٤) ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ يعتقد ويصر ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي إلحاد ظلم فالباء مقحمة، والظلم بدل من الإلحاد، وبيان له. وتخصيص المسجد الحرام كتخصيص الأشهر الحرام بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ عن ابن عباس قال: لما كان بعد الطوفان الذي أغرق الله قوم نوح ورفع البيت المعمور إلى السماء السادسة الذي كان بناه آدم -﵇- (٥)، أمر إبراهيم -﵇- (٦) أن يأتي موضع البيت فيبني على أساسه، فانطلق فلم ير له أثرًا أو أخفي له مكانه، فبعث الله تعالى سحابة على قدر البيت الحرام في العرض والطول فيها رأس يتكلم له لسان وعينان فقامت على ظهر (٧) البيت بحياله ثم قالت: يا
_________________
(١) في الأصل: (كفروا).
(٢) أي يجوز في هذه الواو عدة أوجه: إما أن تكون واو العطف فتكون معطوفة على ما قبلها ويجوز عطف المضارع على الماضي ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] ويجوز أن يكون المضارع ﴿يَصُدُّونَ﴾ مؤول بالماضي. والوجه الثاني: أن الواو هي واو الحال وهي حال من فاعل كفروا، ذكر ذلك أبو البقاء العكبري، والوجه الثالث: أن الواو مؤيدة في خبر إنَّ. والتقدير: إن الذين كفروا يصدون وهذا مذهب الكوفيين ورده ابن عطية في تفسيره. [الإملاء (٢/ ١٤٢)، المحرر (١١/ ١٩٠)، الدر المصون (٨/ ٢٥٥)].
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٤) ابن أبي شيبة (١٤٦٧٩)، والدارقطني (٣/ ٥٧)، والحاكم (٢٣٢٧).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) (أمر إبراهيم السلام) ليست في "أ".
(٧) (ظهر) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
إبراهيم ابنِ على مداي وحيالي، فأخذ إبراهيم -﵇- (١) قدرها وحيالها، فأسس عليه البيت الحرام وذهبت السحابة، ثم بناه حتى فرغ وطاف به أسبوعًا، وأوحى الله تعالى إليه أن يا إبراهيم لا تشرك (٢) بي شيئًا (٣). ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أي مسجدي من عبادة الأوثان ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ بالبيت من غير أهل مكة، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي المقيمين من أهل مكة، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ من أهل الصلاة من كل وجه، وقيل: إن ترجمة للوحي في فحوى قوله: ﴿بَوَّأْنَا﴾ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) قال مجاهد: هو إبراهيم -﵇- (٥) فلما أذن لم يبق شيء سمع صوته إلا أقبل مليًا (٦)، فقال عطاء: هو إبراهيم ومحمد -﵉- (٧).
وعن ابن عباس (٨) قال: لما فرغ إبراهيم -﵇- من بناء البيت قال: يا رب، قد فرغت من بنائه، وهو أعلم، قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ على أرجلهم ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ركبانًا ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ قال: رب لا أُسمع أحدًا، قال: أذّن وعليَّ البلاغ، فصعد الصفا فقال: أيها الناس عليكم (٩) حج البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء والأرض، فما بقي ممن سمع صوته إلا أقبل يلبي: اللهم لبيك (١٠)، ألا
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (لا تشترك) ليست في "أ".
(٣) قريبًا منه عن قتادة عند ابن جرير (١٦/ ٥١١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٠٩٤ - ٩٠٩٦).
(٤) (بالحج) من الأصل.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) عن مجاهد عزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٤٦٨) لابن المنذر وابن أبي حاتم، وقريبًا منه عن سعيد بن جبير عند الطبري (١٦/ ٥١٦).
(٧) (السلام) ليست في "ي" "أ".
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥١٥)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٥٥٢)، والبيهقي (٥/ ١٧٦).
(٩) (عليكم) ليست في الأصل.
(١٠) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٦/ ٥١٣ - ٥١٤).
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
ترى أنهم يجيئون من كل فج عميق يقولون: لبيك اللهم لبيك ﴿ضَامِرٍ﴾ ضد البطين من الإبل والخيل ﴿فَجٍّ﴾ فضاء بين الجبال ﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، وإنما عبر به لارتفاع شأن مكة، كقولك: رفعت حاجتي إلى المجلس العالي وإن كنت أعلى منه في رأي العين.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال مجاهد: التجارة وما رضي الله من أمر الدنيا (١)، وقيل: المغفرة، وقال ابن عباس: أسواق كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا للدنيا (٢) ﴿وَيَذْكُرُوا﴾ الله ﴿اسْمَ﴾ التحميد والتهليل والثناء عليه والشكر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ [بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ من] (٣) السوائم والهدي، أو البسملة عند الذبح ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال إبراهيم النخعي: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء ترك و﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الذي يبسط يده، مشتق من البؤس وهو شدة الفقر.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ دليل على أن قضاء التفث والنذر والطواف بالبيت مترتبة على ذكر اسم الله تعالى في الأيام المعلومات لا يجوز شيء منها إلا بعد ذلك، وهو يوم النحر. وقال ابن عباس: التفث الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب واللحية والأظفار (٤)، وقال ابن عرفة: التفث: الدرن، وقال النضر بن شميل: قضاء التفث: إزالة الشعث ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ وهو ما أوجبه الإنسان على نفسه من الهدي (٥) ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الزيارة يوم النحر. وإنما قيل: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ [آل عمران:٩٦] أو لأنه أعتق من تملك الناس إياه، وفي
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٢١).
(٢) ابن جرير (١٦/ ٥٢٠).
(٣) ما بين [. .] من "ب".
(٤) ابن جرير (١٦/ ٥٢٦)، إلا أنه لم يذكر ابن عباس الأخذ من اللحية ولكن روي عن محمد بن كعب القرظي. أخرجه الطبري (١٦/ ٥٢٦).
(٥) الذي أوجبه الإنسان على نفسه هو النذر، أما الهدي -هدي الحج- فإن الذي أوجبه على الإنسان هو الله -﷿-.
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
الحديث: "لأنه أعتق من الجبابرة ولم يدعه جبار قط" وذلك إشارة إلى ما تقدم أي الأمر أو الحكم وذلك ﴿وَمَنْ﴾ الواو لعطف الجملة. وعن النبي -﵇- قال: "لا يزال هذا الأمر بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها" يعني مكة، وقال عمر بن الخطاب: لخطيئة أصبتها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة أصبتها بركبة.
واتصال قوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ﴾ بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني في سُورَةُ "المائدة". وعن عبد الله قال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله (١)، قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
﴿سَحِيقٍ﴾ بعيد، ومنه: سحقًا للشيطان، وإنما وقع تشبيه المشرك بهذا المثال لأنه انحط عن درجة السعداء وتعرض للسفهاء والجهلاء وأنواع النبلاء، فإن سلم فلا بد من أن ينهي به عمره إلى البوار ودخول النار.
و﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال محمَّد بن أبي موسى: الوقوف بعرفة من شعائر الله ومن يعظمها فإنها من تقوى القلوب (٢).
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى حالة بعينها وتقليدها من غير كراهة ولا ضرورة، وللمضطر أن ينتفع بها بعد التعيين والتقليد والإشعار، عن أنس أن رسول الله (٣) رأى رجلًا يسوق بدنة قد جهدها قال: "اركبها" قال: يا رسول الله إنها بدنة، قال: "اركبها" (٤) قال: قال﵇- (٥): "اركبوا الهدي
_________________
(١) أخرجه عن عبد الله بن عباس الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٣٦)، بل روي مرفوعًا من حديث خُرَيْم بن فاتك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عُدِلَتْ شهادة الزور بالشرك بالله" ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٤١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٤) وزاد عليه: وبجمع من شعائر الله ورمي الجمار من شعائر الله والبُدْن من شعائر الله.
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
بالمعروف حتى تجدوا ظهرًا إلى البيت العتيق" (١)، يعني حريم البيت العتيق وهو الحرم كله، وكان المشركون ينحرون عند زمزم وهو اليوم في المسجد الحرام، والمسجد ينزه عن القاذورات.
﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال الكلبي: المراد به الأضاحي، وذلك يدل على وجوبها، ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ المتواضعين والساكنين، و(الجنب): المكان المطمئن من الأرض، و(الإخبات): التواضع والسكون.
﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذه صفة أوليائه على بساط الغيب فإذا أكرموا بالمشاهدة اطمأنوا. وقد جمع الصفتين في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ اللام لكون إضافة الصلاة (٢) غير محضة بدليل حسن دخول النون أو التنوين في المضاف وانتصاب المضاف إليه.
﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة، والبدنة: البعير أو البقرة، واللفظ لا يدل على اختصاصه بمكة بخلاف الهدي ﴿صَوَافَّ﴾ جمع صافة، كالدابة والدواب والحاسة والحواس ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت فلصقت بالأرض بعد الذبح والنحر وسكنت ﴿فَكُلُوا﴾ أمر إباحة وهو عام في كل بدنة بلغت محلها وكانت دم تذكية ولم يكن دم جناية ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ عام في أهل مكة وغيرهم، وقال مجاهد: القانع جارك وإن كان غنيًا، وقال مرة: القانع أهل مكة والمعتر الذي يعتريك ولا يسألك.
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ لن ينال ثواب الله وفضله ونعمته لحوم الهدايا و﴿دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وفي زبور داود -﵇-: ليس الأعمال أعمال الجوارح إنما الأعمال أعمال القلوب، وقال النبي -﵇-: "إن الله
_________________
(١) ابن حبان (٤٠١٥) والحديث صحيح.
(٢) في الأصل: (لكون الإضافة غير).
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (١) وقال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢)، وعن الكلبي والفراء (٣): أن الكفار كانوا ينضحون البيت بالدماء ويقولون: اللهم تقبلها منا، وقصد المسلمون بمثل ذلك فأنزل الله تعالى رفع اتصالها من حيث الأمر بالمناسك، وذلك لا يتصور وجوده إلا بعد تمكين المأمورين والذب عنهم.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في القتال ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ تعليل وتسبيب للإباحة، وذلك أن أهل مكة كانوا يستضعفون المؤمنين وينالون منهم وهم يستأذنون في القتال.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ في محل الخفض بدلًا من الذين ظلموا ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير سبب أو علة، فعلى هذا الاستثناء متصل، وقيل: بغير عدل، وعلى هذا الاستثناء منقطع ومثله قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩، ٢٠] ﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة (٤) ﴿وَبِيَعٌ﴾ جمع بيعة وهي المدرسة ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ جمع صلاة، وقيل: صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات كنائس اليهود (٥) ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ المسلمين، وهذه المواضع أشرف وأعظم حرمة من غيرها، يدل عليه إجماع المسلمين على استحباب أن يتخذوا هذه البقاع من ديار الكفار مساجد وأفتحها الله لهم.
_________________
(١) مسلم (٢٥٦٤).
(٢) البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
(٣) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٢٧).
(٤) في الأصل: (صومة).
(٥) الصوامع هي صوامع الرهبان النصارى كما قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد، أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٨١) وكذلك البيع بيع النصارى قاله قتادة والضحاك، وأما الصلوات فقيل: كنائس اليهود وهو الذي رجحه أبو منصور اللغوي، وكنائس اليهود بالعبرانية "صلوتا" وأما المساجد فكما قال ابن عباس هي مساجد المسلمين. [زاد المسير (٣/ ٢٤١)].
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
والمراد ﴿الْمُنْكَرِ﴾ أمة (١) محمَّد -﵇- وقد اختص بها الخلفاء الأربع وبنو عمه الأئمة المهديون.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ فارغة مهملة التي بادر أهلها المستقون منها ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ حصن حصين، وهما معطوفان على القرية.
﴿فَتَكُونَ﴾ نصب لأنها جواب الاستفهام بالفاء، والمعنى: استفادة التجارب والعبر بالسياحة في الأرض ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ وهو الذي لا يغني عنه شيء.
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ ذكر لنفي الاستعجال عمن شأنه الحلم والإمهال. وعن أبي مليكة قال: مررت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسلمنا عليه فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه فقال: يا أبا العباس ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] أي يوم هذا؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني قال: فهي أيام سماها الله تعالى في كتابه وهو أعلم بها أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر من ضربه فجلست إلى سعيد بن المسيب سئل عن المسألة فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثم ذكرته له فسري عنه، وقال: هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيها وهو أعلم (٢) مني.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ (٣) بالتكذيب أو التحريف أو (٤) التبديل.
﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مثل ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الملهمون الراسخون في العلم ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير عائد إلى نسخ ما ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾.
_________________
(١) أي المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] وهذه الأوصاف في أمة محمَّد ﵊.
(٢) ذكره عبد الرزاق في أماليه (١٦٣). وانظر: البغوي (٣٠٠)، والقرطبي (١٨/ ٢٤٤).
(٣) (معاجزين) ليست في "ي" "ب".
(٤) في "ب" "ي": (و).
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيس عن خيره، ويحتمل يوم بدر في حق قريش فإنه أعقمْ نساءهم بقتل رجالهم (١)، وقيل: المراد بالساعة انقراض الدنيا وباليوم العقيم افتتاح الآخرة (٢).
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ في المقتص بالحق ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾ بعد اقتصاصه، واتصالها بما قبلها من حيث بغي الكفار على المؤمنين المستضعفين بعد انتصارهم بالحق والعدل والإنصاف، فقول الله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ لازدواج الكلام وذلك [إشارة إلى النفر الموعود، أي ذلك باقتضاء قدرته وسمعه وبصره، وقيل:] (٣) إشارة إلى الحكم، أي هو بقضية حكمته الموجبة إيلاج الليل في النهار.
﴿فَتُصْبِحُ﴾ رفع لأنه (٤) خبر منفصل عما قبله أو جواب شرط مضمر تقديره أن الله أنزل الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة، وكذلك تقدير في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١].
وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ﴾ دليل على أن إمساكه في الهواء على سبيل القهر والإلجاء إما بوصل الإلجاء وإما باصطدام الأجزاء وإما بمعنى خفي على آراء، ولم يذكر الله تعالى سقوطها إلا بعد انفطارها وانقلابها.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال الكلبي: نزلت في الأضحية وفي مجادلة الكفار في الذبيحة (٥).
_________________
(١) روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير. [الطبري في تفسيره (١٦/ ٦١٦)، زاد المسير (٣/ ٢٤٦)].
(٢) روي ذلك عن الضحاك وعكرمة كما ذكره الطبري في تفسيره (١٦/ ٦١٧).
(٣) ما بين [] ليست في الأصل.
(٤) في "أ": (الآية).
(٥) الذي رجحه الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٢٧) أنه عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله - ﷺ - كانت إراقة الدم في هذه الأيام.
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يبطشون إشارة إلى سطوهم وبطشهم وإشارة إلى ما يتلى ﴿بِشَرٍّ﴾ أي مكروه، أي النار أبلغ في كراهتهم إياها مما يتلى عليكم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ متشابهة فوجب التماس حكمها من المحكمات، و(الذباب): طائر يشبه النملة. وذكر القتبي أن الذباب ثلاثة أجناس: القمعة والنعرة والبراع، ويضرب المثل بالذباب فيقال: فلان أجرأ من الذباب لأنه يقع على أنف الملك وجفن الأسد ولا يبالي، ويقال: فلان كالذباب إذا كان ذا وجهين، ويهمه على السواد بياض وعلى البياض سواد.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ اتصالها من حيث قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ وفيها رد على اليهود والروافض من حيث عداوتهم لجبريل ولأبي بكر وعمر.
﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وتخصيصهما مع ذكر العبادة لتشريف الصلاة وذكر فعل الخير بعد العبادة للتأكيد أو للتفعيل المندوب إليه [بعد الفرض المنصوص والآية مختصة بقريش ومثابهم عند بعض الناس عامة في المؤمنين] (١) عند بعضهم.
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ نصب كانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وقيل: لنزع الخافض أي في ملة أبيكم (٢)، واختلفوا في المخاطبين بالنبوة، قال بعضهم: ربيعة ومضر لأنهما أولاد (٣) نزار بن معد، وقيل: جميع أولاد
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) ويجوز في "ملة أبيكم" أن تكون منصوبة بـ"اتبعوا" مضمرًا قاله الحوفي وتبعه أبو البقاء العكبري، وقيل: هي منصوبة على الاختصاص والتقدير: أعني بالدين ملة أبيكم. وذهب الفراء إلى أنها منصوبة على حذف كاف الجر التقدير: كملة إبراهيم. [معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٣١)، المحرر (١١/ ٢٢١)، الإملاء (٢/ ١٤٧)، الدر المصون (٨/ ٣٠٧)].
(٣) في الأصل: (أولا).
[ ٣ / ١٢٦١ ]
معد بن عدنان، وقيل: قضاعة وقنص وإياد ونزار وأربعة آخرون، وقيل: جميع أولاد عدنان بن أدد مثل عك ومَعْد، واختلفوا في نسبة عدنان بن أدد. وقد روى ابن عباس أن النبي -﵇- (١) كان إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك وقال: "كذب النسابون" (٢) قال الله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] أو قيل: المخاطبون بها عامة المسلمين لأنهم أبناء لأزواج رسول الله (٣) وأمهات المؤمنين بنات إبراهيم لا أشك والجد أبو الأم لا محالة ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿وَجَاهِدُوا﴾ أو إلى قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ وعن أبي بن كعب عنه -﵇- (١) قال: "من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر حجة وعمرة بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي" (٤).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه للحاكم في "الكنى".
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) مرّ الكلام على حديث أبي وأنه موضوع.
[ ٣ / ١٢٦٢ ]