مكّية (١)، وهي تسع وتسعون آية (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ مجاهد وقتادة (٣): التوراة والإنجيل، وقيل: الكتاب والقرآن واحد.
﴿رُبَمَا﴾ حرف جار (٤) لا يدخل إلّا على الأسماء المنكورة (٥)، فإن
_________________
(١) ذكر ذلك عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير - ﵄ -، ولا نعلم في ذلك خلافًا.
(٢) لم يذكر المصنف اختلافًا في ذلك، وهو كذلك. وانظر ما ذكره الداني في "البيان في عد آي القرآن" (١٧٣).
(٣) أما عن مجاهد، فرواه ابن جرير (١٤/ ٥، ٦). وأما عن قتادة، فرواه ابن جرير (١٤/ ٥، ٦)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٠٩٩؛ ٨/ ٢٧٤٨).
(٤) في الأصل: (جر).
(٥) هذا مذهب أبي الحسن، كما في كتابه معاني القرآن (٣٧٨)، وزعم الكوفيون وابن الطراوة أنّها اسم. وبعض نحويِّي البصرة، قال: أُدْخِلَ مع "ربَّ": "ما" ليتكلم بالفعل بعدها، وان شئت جعلت "ما" بمنزلة شيء؛ فكأنك قلت: ربَّ شىء يَودُّ. لكن بعض الكوفيّين يردّ ذلك بحجّة أن المصدر لا يحتاج إلى عائد. و"الودّ" قد وقع على "لو"، ربما يودّون لو كانوا. ويقول الكسائي والفرّاء: لا تكاد العرب توقع "ربَّ" على مستقبل، وإنما يوقعونها على الماضي من الفعل؛ كقولهم: ربّما فعلت كذا. مع أنه جاء في القرآن مع المستقبل؛ كقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ [الحجر: ٢]. وقد ذكر المؤلف أن لفظ المستقبل الذي في الآية واجب لا محالة، فكأنه ماضٍ وعلّل لذلك. [معاني القرآن للفراء (٢/ ٨٢)، الطبري (١٤/ ٧)].
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
صرف إلى فعل كفّ عن العمل بـ (ما) الكافة، ولا تدخل إلّا على فعل ماض أو حال، وإنما دخل هاهنا (١) على الفعل المستقبل لأنه واجب لا محالة؛ فكأنّه ماض. ألا ترى أن أكثر أحوال القيامة مذكررة في القرآن على لفظ الماضي. عن ابن عبّاس: يأتي على الكافر يومٌ يودّ فيه (٢) لو كان مسلمًا (٣). أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم (٤): سألت عن قول الله -﷿-: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قال: يعذّب الله قومًا ممّن كان يعبده ولا يعبد غيره، وقومًا ممن كان يعبد غيره ثم يجمعهم في النار، فيعيّر الذين كانوا يعبدون غير الله الذين (٥) كانوا يعبدون الله تعالى، فيقول: عذّبنا لأنا عبدنا غيرك، فما أغنى عبادتكم إياه وقد عذَّبكم معنا، فيأذن الربّ للملائكة والنبيّين فيتشفّعون فلا يبقى في النار أحد ممّن كان يعبده إلَّا أخرجه، حتى يتطاول للشفاعة إبليس -يعني لعبادته (٦) الأولى- يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٧).
﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم ﴿الْأَمَلُ﴾ الطمع. كانت أطماعهم الفاسدة تشغلهم عن التوبة والإنابة فيوعدهم على ذلك، أي (٨): أصابتهم بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين.
﴿إِلَّا وَلَهَا﴾ فذكر (٩) الواو بعد الاستثناء وقد يحذف إذا كان الكلام
_________________
(١) في "ب": (ههنا).
(٢) (فيه) ليست في "ب".
(٣) أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (١٤/ ٩)، والبيهقي في البعث والنشور (ص ٨٠)، وعزاه السيوطي في الدرّ المنثور (٤/ ٩٢) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) ذكره عن حماد عن إبراهيم مختصرًا الحاكم في "الكنى" كما في "الدرّ المنثور" (٨/ ٥٩٠ - ٥٩١).
(٥) (الذين) ليست في "ي" "أ".
(٦) في "أ": (إبليس لعبادته الأولى)، وفي "ي": (إبليس لعبادته يعني)، وفي "ب": (إبليس يعني لعبادته يعني الأولى).
(٧) (الآية) من "ب" "ي".
(٨) (أي) ليست في "ب".
(٩) في الأصل و"أ": (يذكر).
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
مستقبلًا (١) بنفسه مَعَ طرح الاستثناء، فأمّا إذا لم يستقل لا يجوز إلا بغير واو؛ كقولك: ما أنت إلا بشرًا (٢). ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أجل مسمّى.
﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ نزلت في عبد الله بن أبي (٣) أُمية والنضر بن الحارث وجماعة من قريش (٤)، قيل: على زعمك.
وقيل على سبيل الاستهزاء المجنون المستور قلبه أو دماغه بما يضاد العقل من خيال الجن أو فساد الطبع، وإنما وصفوه بذلك (٥) لخرقه إجماعهم الفاسد وخلافه عادتهم القبيحة.
﴿لَوْ مَا﴾ بمنزلة (٦) لولا (٧) ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ ظاهرين يعرفون بسيماتهم ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الملجىء الذي يبطل الرأي والاجتهاد ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ إذ (٨) أنزلناهم على هذا الوجه حقّت على قريش كلمة العذاب،
_________________
(١) في الأصل و"ي": (مستقلًا).
(٢) القياس أن لا تتوسّط هذه الواو بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، وإنما توسطت في الآية لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وهذا قول أبي البقاء والزمخشرىّ، ولذا ذهب بعض النحويّين إلى أن هذه الواو مزيدة، واحتجّ بقراءة ابن أبي عبلة "إلا لها"بإسقاط الواو. [الإملاء (٢/ ٧٢)، الكشاف (٢/ ٣٨٧)، البحر (٥/ ٤٤٥)].
(٣) (أبي) ليست في النسخ، بل هي منّا.
(٤) نقله ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٨٣) عن مقاتل.
(٥) (بذلك) ليست في "ب".
(٦) (بمنزلة) ليست في "ب".
(٧) العرب تضع "لوما" موضع "لولا"، وكذلك العكس. ومن ذلك قول ابن مقيل: لوما الحياءُ ولوما الدين عبتكما ببعض مافيكما إذْ عبتما عَوَرِي أي: لولا الحياء. وهما يترددان بين المعنيَيْن: الأول: أنهما حرفا تحضيض. والثاني: أنهما حرفا امتناع؛ لوجود لكن إذا كانتا للتحضيض فلا يليها إلا الفعل، وإذا كانتا للامتناع فلا يليها إلا الأسماء، هذا ما قرّره نحاة البصرة. [الدر المصون (٧/ ١٤٣)].
(٨) (إذ) ليست في الأصل و"ب".
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
وارتفع الإمهال ولم ينفع نفسًا إيمانها (١) لم تكن آمنت من قبل، واتّصالها بأن (الذكر) القرآن في قوله: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ هاهنا.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قيل: حفظ الله كتابه عن (٢) الدروس، وقيل: حفظه عن الجنون والخبال والمجون (٣) والضلال.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ رسلًا.
﴿نَسْلُكُهُ﴾ السلك الإيغال والسلوك الوغول والمسلك شبه السرب (٤)، والضمير عائد إلى الاستهزاء، والآية ردّ على المعتزلة.
﴿فَظَلُّوا﴾ يقال: ظلّ يفعل إذا كان عامّة نهاره في فعله، وبات يفعل إذا كان عامّة ليله في فعله، وإذا لم يرد تخصيص ليل ولا نهار، قلت: طفق (٥) يفعل (٦).
﴿يَعْرُجُونَ﴾ يصعدون.
﴿سُكِّرَتْ﴾ حُبِست بالتخييل عن حقيقة المشاهدة.
﴿فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ بروج السماء: أقسامها وأجزاؤها الاثنا عشر (٧)، كل جزء بالمساحة على ثلاثين درجة، وهي ستّون دقيقة لا تفاوت بينها، وفي المشاهدة على كواكب من منازل القمر بينها تفاوت، ثم هذه السماء
_________________
(١) في "ب": (إيمانًا).
(٢) في الأصل و"أ": (من).
(٣) في "ب": (المحور)، وهو خطأ.
(٤) في الأصل: (سهمًا يشرب)، وهو خطأ.
(٥) في الأصل و"ي": (صفق).
(٦) ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. قال ابن عباس - ﵂ -: جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، ولم يحدّد بليل أو نهار، وكلمة طفق مثل كلمة ظلّ، تقول: طفق يفعل كذا، أي ظلّ يفعل كذا؛ قاله ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (طفق).
(٧) أسماء الاثني عشر هي كما قال ابن قتيبة: الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدَّلو، والحوت. وأصل البروج الحصون كما قال ابن قتيبة أيضًا. [زاد المسير (٤/ ٣٨٧)].
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
محدقة بالنار والريح والأرض إحداق قشر البيضة بما فيها، يدور على قطبين: قطب معلوم شمالي، وقطب موهوم جنوبي عند بعض الناس، وهي معلّقة بالقطب الشمالي من فوق الأرض كهيئة الكلية لا قطب لها من ناحية الجنوب عند بعض، وهي (١) مختصّة ببروج غير (٢) هذه البروج الاثني عشر الفلكية عند بعض، فمن تلك البروج الصراح وهو بيت المعمور وسائر البروج مساجد الملائكة ومقاماتهم ومقامات الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ حسّناها بصفاء لونها وبالشمس والقمر والكواكب.
﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ بالكواكب المُنْقَضَّة التي هي رجوم للشياطين، قيل: ألم (٣) تزل السماء محفوظة محروسة بهذه الكواكب المُنَقَضَّة؟ عن ابن عباس: أنّ رجالًا من الأنصار (٤) أخبروه (٥) أنّه بَيْنما هم جلوس مع رسول الله - ﷺ - (٦) ليلةً من اللّيالي رمي بنجم فاستنار، فقال لهم (٧) رسول الله: "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمِي بمثل هذا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنّا نقول: مات الليلة عظيم ووُلد الليلة عظيم، قال -﵇-: "إنه لا يرمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربّنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبّح حملة العرش ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم (٨)، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم، ثم يسال أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة، وكذلك حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدّنيا فيحفظه الجني ليقذفه إلى (٩) صاحبه
_________________
(١) (وهي) من "ب" "ي".
(٢) (غير) ليست في "ب".
(٣) في "ب" "ي": (لم).
(٤) (من الأنصار) ليست في "ب".
(٥) في الأصل: (أخبره).
(٦) (- ﷺ -) من "ب".
(٧) (لهم) ليست في "ب".
(٨) من قوله: (ثم سبح) إلى (يلونهم) ليست في "أ".
(٩) في "ب": (على).
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
ويرمي به، فما جاؤوا به على وجهه فهو الحقّ، ولكنهم يرمون فيه ويزيدون" (١). وعن نافع بن جبير ومحمد بن كعب: أمسكت في أيام الفترة، فلما بُعِث نبيّنا عاد الأمر كهيئته (٢)، وقيل: لم تكن النجوم رميت قطّ حتى بُعِث نبيّنا -﵇- (٣).
﴿اسْتَرَقَ﴾ افتعال من السرقة ﴿شِهَابٌ﴾ شُعْلَة وقبس ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ فرشناها بكليتها على وجه الأرض، وقيل: أراد به ضُرِّسَ أبعاضها إلا مكان التقليب فيها، وهي بكليتها كرة مضرّسة يعلو الماء بعضها ويعلو بعضها الماء لإمكان الحرث والنّسل.
﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ تدلّ أن الجبال ثابتة ملتصقة بالأرض غير ثابتة متعلقة عنها، فكانت الرّياح إذا اضطربت اضطرابًا عنيفًا بإفراط ضغط من الفلك عند ابتداء دورة، فأثارت هذه الرياح المضطربة الأرض إثارة قريات (٤) لوط، فتحجّرت أجزاؤها المماسة للنار العلوية بالنفخ، ثم
_________________
(١) رواه مسلم (٩١)، وأحمد في مسنده (١٨٨٢).
(٢) ذكر القرطبي (١٩/ ١٤) عن نافع بن جبير وأبيّ بن كعب، كما أورده الشوكاني في "فتح القدير" (٥/ ٤٣٨) عن نافع.
(٣) يدلّ على ذلك - أي على أنها لم ترم حتى بعث النبيّ - ﷺ - رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ -، قال: "انطلق رسول الله - ﷺ - في طائفةٍ من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب"، أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٢١٠)، ومسلم (١/ ٣٣١)، والترمذي (٢/ ١٦٧) وغيرهم. قال ابن الجوزي: وظاهر هذا الحديث أنها لم تكن قبل ذلك. وقال الزجاج: ويدلّ على أنها إنما كانت بعد مولد رسول الله - ﷺ - أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء المسرعة، لم يوجد في أشعارها ذكر الكواكب المُنْقَضَّة، فلما حدثت بعد مولد نبيّنا - ﷺ - استعملت الشعراء ذكرها، فقال ذو الرمَّة: كَأَنَّة كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مسَوَّمٍ في سوادِ الليلِ مُنْقَضِبُ [زاد المسير (٤/ ٣٨٨)، ديوان ذي الرمّة (ص ٣٦)، مجاز القرآن (٢/ ٩٥)].
(٤) جمع المؤلف - قرية- على قريات غير فصيح فيما يظهر وعلى غير القياس، والأفصح أن تجمع على قُرَى مع أنه على غير قياس. قال بعضهم: لأن ما كان على فعلة من المعتل فبابه أن يْجمع على فِعال بالكسر، مثل: ظِبية وظِباء وركوة ورِكاء. [المصباح المنير (٢/ ١٥٩)].
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
انحدرت من ثم بإذن الله فوقعت على وجه الأرض. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ مقدور، وقيل: متّزن لكونه مطبوعًا على الفعل والانحدار بخلاف الريح والنار.
﴿وَمَنْ لَسْتُمْ﴾ في محل النصب عطفًا على ﴿مَعَايِشَ﴾ (١) هم الذراري والمماليك والسوائم، وقيل: في محل الخفض عطفًا على الضمير في (لكم)، وهم الأطفال والمجانين والبهائم عندنا في علمنا وحكمنا.
(الرياح اللواقح) التي تحمل الندى والثرى ليتكون غيومًا في أثنائها بإذن الله. وقيل: الملقحات للغيوم والأشجار.
وقيل: هي التي ينتفع بها لما ضمنها الله تعالى من النفع بخلاف العقيم، وهي الدبور، وقيل: اللّواقح ريح واحدة وهي الجنوب وحدها وإنما جمع على الجنس، وقيل: كل ريح أتى بالمطر النافع فهي من جملة اللواقح (٢).
_________________
(١) قاله الفخر الرازي في تفسيره، ودفع توهم استعمال "مَنْ" للعقلاء من ثلاثة احتمالات: الأول: أن كلمة "من" مختصّة بالعقلاء، فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحِجر: ٢٠] العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم والعبيد، فيكون عطف عقلاء على عقلاء. والوجه الثاني: وهو قول الكلبي: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾، الوحش والطير وغيرهما من غير العقلاء، فتكون "مَنْ" مستعملة في غير العقلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الآية. والوجه الثالث: أن هذا من باب التغليب، وأنها تُستعمل لهذا وهذا، وغُلِّبَ العقلاء على غير العقلاء. [التفسير الكبير للرازي (١٩/ ١٧٢)].
(٢) قال ابن مسعود - ﵄ - في هذه الآية: يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء وتمجه في السحاب، ومثل هذا المعنى قال ابن عباس - ﵄ -: الرياح لواقح للشجر وللسحاب، وهو قول الحسن وقتادة والضحّاك. وأصل هذا من قولهم: لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى الماء فيها، فحملت، فكذلك الرّياح. [التفسير الكبير للرازي (١٩/ ١٧٤)، زاد المسير (٤/ ٣٩١)].
[ ٣ / ١٠٥١ ]
﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ من (١) القرون الماضية و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ القرون الباقين عن مجاهد (٢)، وهم المسارعون في الخيرات والمتثاقلون عنها عن الحسن (٣)، وهم من يسلم ومن لا يسلم عن سفيان بن عيينة (٤).
وروى الكلبي عن ابن عباس: أنّها نزلت بالمدينة في الذين قصدوا بيع دُورهم القاصية عن المسجد، واشتروا دورًا قريبة من المسجد لازدحامهم على الصف الأول (٥)، فعلى هذا القول مكية إلاّ هذه الآية أو الآية نزلت مرّتين.
وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: نزلت في الذين كانوا يستأخرون في الصلاة إلى الصف الأخير لينظروا في سجودهم من تحت آباطهم إلى امرأة حسناء كانت تشهد الجماعة مع النساء (٦)، ورُوِيَ موقوفًا على أبي الجوزاء (٧).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ اتّصالها بما جرى من ذكر العالم الأكبر حسن عطف العالم الأصغر والنفس عليها، وقيل: لما جرى ذكر المستقدمين والمستأخرين حسن ذكر ابتداء تخليقهم ليكون أوّل الأمر شاهد الآخرة.
_________________
(١) (من) من الأصل.
(٢) عبد الرزّاق في تفسيره (١/ ٣٤٨)، وابن جرير (١٤/ ٥٢).
(٣) البغوي في تفسيره (٣٧٧)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٣٩٥).
(٤) البغوي في تفسيره (٣٧٧).
(٥) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٩٥) لابن عباس من طريق أبي صالح.
(٦) الترمذي (٣١٢٢)، والنسائي (٢/ ١١٨)، وفي الكبرى (١١٢٧٣)، وابن ماجه (١٠٤٦)، وأحمد (١/ ٣٠٥)، والطيالسي (٢٨٣٥)، وابن جرير (١٤/ ٥٣، ٥٤)، وعزاه ابن كثير لتفسير ابن أبي حاتم. ورواه كذلك الطبراني في الكبير (١٢٧٩١)، والحاكم (٢/ ٣٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٩٨)، والحديث ضعفه الحافظ ابن كثير بقوله: (غريب جدًا فيه نكارة شديدة). ومن المعاصرين محقّقو المسند. أما الشيخ ناصر، فصححه في الصحيحة (٢٤٧٢).
(٧) أبو الجوزاء أوس بن عبد الله البصري ليس بصحابي، والموقوف لا يكون إلا على الصحابيّ، وسبب النزول هذا رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس - ﵄ -، وتقدَّم ذكر ذلك.
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ لمن شبّه الفخار (١) ﴿مَسْنُونٍ﴾ (٢) متغير، وقيل: مصبوب (٣)، قيل: خلق الله تعالى قالبًا من سلالة الأرض على صورة الإنسان، وكان مطروحًا على الأرض أربعين سنة، وكان قد صار صلصالًا كالفخار، فمرّ عليه إبليس يومًا فدخل جوفه ثم خرج منه وتفرّس فيه أنّه يكون ضعيفًا يتمكن فيه عدوّه بالغرور لمكان التخويف وكثرة الاحتياج، ثم نفخ الله فيه الروح، فلمّا حصل في رأسه واستحال رأسه (٤) دماغًا ولحمًا وعظمًا على صورته الأُولى عطس، فحمد الله تعالى بتلقين جبريل -﵇-، فشمَّته الله تعالى بقوله: رحمك ربّك، فلما حصل الروح في صدره ومعدته وانحدر إلى سوأته واستحال كل ذلك لحمًا وعصبًا وعظمًا غلبه الجوع، فقصد النهوض وإن بعضه لطين بعد؛ ففي ذلك يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، فقال: خُلِقت من الشر وخُلِقت من الرحمة، وقيل: العجل الطين، قاله الكلبي وغيره (٥).
و(الجان) أبو الجنّ (٦) بمنزلة آدم منّا، ولم يذكروا مَنْ أُمّ الجنّ، وعن جعفر بن محمَّد الصادق أنّ الله تعالى بعد خلق الكلمة قدّد قددًا من أنواع الخلق، وذلك قوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، فلما خلق الأرض أهبط تلك القدد إلى (٧) الأرض فقدّة النار يسمون الجان، وقدّة الظلمة
_________________
(١) أظهر الأقوال في الصلصال ما قاله ابن عباس - ﵄ -: إنّه الطين اليابس الذي لم تُصِبْهُ نار، فإذا نقرتَه صَلَّ فسمعت له صلصلة، وهكذا قال قتادة وأبو عبيدة وابن قتيبة. وذهب الكسائي وأبو عبيد ومجاهد: أنه الطين المنتن. [زاد المسير (٤/ ٣٩٧)].
(٢) في "أ": (مستور).
(٣) قاله أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيد. [زاد المسير (٤/ ٣٩٨)].
(٤) (واستحال رأسه) ليست في "أ".
(٥) لم نجد من ذكره بهذا اللفظ، ولعله من قبيل الإسرائيليّات.
(٦) رواه أبو صالح عن ابن عباس - ﵄ -، زاد الضخاك أنهم ليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. [زاد المسير (٤/ ٣٩٨)].
(٧) (إلى) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
يسمون الجن، وأذن لهم الكلمة أن يفجروا في الأرض الأنهار، فطرح إليهم غرسًا فغرسوا [من الحبّ والنوى، فعمروا الأرض دهرًا، وكانت أصحاب الحواشي والجان أصحاب الزروع، ثم تحاسدوا فصاروا أحزابًا] (١)، واقتتلوا دهرًا طويلًا.
ثمّ إنَّ الله تعالى خلق خلقًا يقال لهم النفر (٢)، وخلق خلقًا يقال لهم (٣) الرعب، فألقوا (٤) الرعب في قلوب الجن والجان وأيّد ملائكته فقال لهم الكروبيون (٥) بالنصر، وكانت الجنّ والجان تصعد إلى مقاعد السمع فيسترقون السمع فيلقون إلى الكهنة، وزعم بعض أهل النجوم أنّ الله قسم الدهر من البروج الاثني عشر، فخصّ العمل منه اثنا عشر ألف سنة، " وخصّ الثور أحد عشر ألفًا، والجوزاء عشرة آلاف، والسرطان تسعة آلاف، في كل واحدٍ من هذه الحصص لله تعالى عباد خلقهم من العنصر الذي إليه ينسب البروج، وخصّ الأسد ثمانية آلاف (٦)، وهو برج ناري زعموا، ففي هذه الحصة يخلق الله تعالى الجان من نار جهنَّم، وكان إليهم سلطان الأرض، وخصّ السنبلة سبعة آلاف سنة، وهو برج أرضي زعموا، ففي هذه السنبلة (٧) خلق الله آدم --﵇--، فانتقل سلطان الأرض إليه، وزالت دولة الجن وتفانى أكثرهم ولم يبق منهم إلَّا شيطان ممسوخ، ويزعم الهند أنّ (٨) بين الجنّ والإنس نفارًا متصلًا كالنفار بين الماء والدهن غير
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) في "أ": (له النصر).
(٣) في "أ": (فقال له)، وفي "ي": (يقال له).
(٤) في "أ" "ب": (فألقى).
(٥) وهم جزء من الملائكة بل أكثر الملائكة منهم، وهم الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أكثر من أهل السماوات والأرض والجن والإنس [تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٧)، تفسير البغوي (٤/ ٩١)].
(٦) في "ب": (ثمانية آلاف، وفي كل واحد من هذه الحصص لله تعالى عباد خلقهم من العنصر الذي إليه ينسب البرج، وخصّ الأسد ثمانية آلاف وهو).
(٧) في "ب": (السنة).
(٨) في "ب": (أن بين).
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
منفصل كالنفار بين الماء والنار، وأن التّناسل بين القبيلين ممكن، وأن هذين مع سائر الحيوان من مواليد برهم وبشن، وهما زوجان زوجان ألهمهما الله تعالى أن يتوالدا بمواضعة غير المباضعة، وبرهم أفضلهما وأطولهما عمرًا، وله نهار مشتمل على ألف حنزجول، وكل حنزجول مشتمل على (١) أربعة أقسام من الزمان، وكل قسم مشتمل على كذا وكذا ماية ألف سنة، وليله مثل نهاره، ثم تلاشى بإذن الله تعالى، قالوا: فيتوالد على هذه الصفة، فولد الملائكة وأهل الجنّة والجن والشياطين أولًا ثم ولدا سائر المواليد وتوالدت من مواليدهما كذلك، ويشهد لهذا القول مسمّيات العرب الحسن، وزعموا أنّه المتولّد بين الجن والإنس كبلقيس والعملوق بين الجن والآدمي، والسعلاة (٢) والغيلان بين الملك والإنسة (٣)، والنساس (٤) بين الشقّ والإنسان، وقيل: هم يأجوج ومأجوج والدواب بين بعض الحيوان والنبات، ولا يوجب شيئًا من هذه الأقاويل علماؤنا.
﴿السَّمُومِ﴾ الريح الحارة (٥)، فيه دليل على أنّهم لم يخلقوا من النار الخالصة (٦)، وقال: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وهي المختلط بغيرها من دخان أو ريح أو دهن، وذكر صاحب السنّة (٧) أنّ الملائكة مخلوقون
_________________
(١) من قوله (ألف) إلى هنا ليست في "أ".
(٢) في "ب": (السعلان).
(٣) في "أ": (الإنسية).
(٤) في "أ": (النسناس).
(٥) قاله ابن مسعود - ﵁ - وابن عباس - ﵄ -، والسموم في اللغة: الريح الحارة وفيها نار. قال ابن السّائب: هي نار لا دخان لها. [زاد المسير (٤/ ٤٠٠)، تفسير القرطبي (١٠/ ٢٣)].
(٦) والنار الخالصة هي نار جهنم، فهي تختلف عن نار الدنيا، ولذا قال ﵊: "ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنّم"، قيل: يا رسول الله، إنْ كانت لكافية، قال: "فضلت عليهنّ بتسعةِ وتسعين جزءًا كلهنّ مثل حرّها"، أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٢٣٨)، ومسلم في صحيحه (٤/ ٢١٨٤) عن أبي هريرة - ولذا قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم.
(٧) لا ندري مَنْ هو صاحب السُّنَّة الذي يعنيه المؤلف، وليس من عادة المؤلف أن يذكره،=
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
من النور والماء والجنّ من النار والماء، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، فعقوا فيه دلالة أنّهم كانوا مأمورين بالسجود لآدم -﵇- قبل وجوده على شريطة وجوده، وإن حرّف. ثم في هذه القصة وفي سورة "الأعراف" لترادف الأخبار، أو كرّر عليهم الأمر (١) بالسجود.
﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ توكيد بعد توكيد.
﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من صورته الحسنة أو رتبته الرفيعة أو الجنّة أو السماء إلى يوم الدِّين غاية اللعنة على المجازية، يريد به زيادة على الموعود، أي يعاقب بمجرد اللّعنة ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثمّ يزاد في عاقبة نار جهنّم وما فيها من أنواع العقوبات ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ إضافة إلى الوقت لإبهام أحدهما وكون الآخر منصوصًا عليه؛ كقولك يوم العيد: لأزيننّ لهم الأباطيل والمحظورات في الأرض.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ﴾ خصّ الخبيث بهذا الاستثناء أكثرهم الذين قال فيهم: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، هذه (٢) إشارة إلى دين الإسلام.
﴿بِسَلَامٍ﴾ بتسليم وتحيّة منّا لكم أو بتسليم بعضكم على بعض، وقيل: بسلامة.
﴿سُرُرٍ﴾ جمع سرير.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصب لأنه من جنس القول ﴿وَجِلُونَ﴾ خائفون جمع لوجل.
﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ على التعجّب، أتبشروني على حالتي هذه، أتؤملونني غير
_________________
(١) = ولعلّ هذا أول موضع يمرّ ذكره فيه، وما نقله عنه مخالف لحديث عائشة -﵂ - في صحيح مسلم مرفوعًا: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخُلِق آدم مما وُصِف لكم"، فلم يذكر الماء. فلا يقبل كلام صاحب السنّة الذي نقل عنه المؤلف؛ لأنّ الله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]
(٢) في الأصل: (الأمر عليهم).
(٣) في "ب" "ي": (هذا).
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
كائن على ظن أنّي قد مسّني الخوف أفرح بقولكم (١) أم بالحقّ من عند الله، وإنّما سألهم قبل أن يعرفهم.
﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ الآيسين.
﴿قَدَّرْنَا﴾ أراد تقدير الله تعالى، فهو قضاؤه الحتم، وإنْ كان تقدير الملائكة فهو تخمين منهم.
قال لوط: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ لأنّه (٢) لم يعرفهم، فظنّ أنهم لصوص.
﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ﴾ الهلاك والعذاب (٣).
﴿وَقَضَيْنَا﴾ أوحينا ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ الشأن والقضية ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ برحمة للأمر المقضيّ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي حالة إصباحهم.
﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ فلا تخزون.
﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن إجارتهم وحمايتهم.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [مرفوع على الابتداء تقديره: لعمرك] (٤) قسمي، والعمر: البقاء، وفي هذا القسم شرف لرسول الله (٥).
_________________
(١) في الأصل و"أ": (ونقولكم).
(٢) في "ب": (لأنهم).
(٣) (الهلاك والعذاب) ليست في "ب".
(٤) ما بين [] من "ب" "ي" فقط.
(٥) قال القاضي أبو بكر ابن العربي والقاضي عياض: أجمع المفسّرون على أن هذا قسم من الله بحياة محمّد - ﷺ -، وهو قول ابن عباس. قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمَّد - ﷺ -، لأنه أكرم البرية عنده. اهـ. أما القسم من المخلوق بحياة المخلوق، بأن يقول: لعمري؛ لأن معناه: وحياتي، فقد حلف بحياة نفسه، فهذا لا يجوز كما قال إبراهيم النخعي وغيره. مع أن هذه اللفظة في أشعار العرب كثيرة، فمنه قول النابغة: لعَمْري وما عمري عليّ بهيِّنٍ لقد نطقت بُطْلًا عليَّ الأقارعُ =
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الهدّة عند انقلاب القريات من نحو السماء وانحدارها إلى الأرض، ويحتمل أن جبريل صاح بهم حينئذ، وقيل: الصيحة: الفزع والهلاك دون الصوت. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حالة الإشراق، وإنما وقعت العبارة بالإشراق والإصباح جميعًا لأنّ رفع القريات كان في وقت الإصباح، وانحدارها في وقت الإشراق.
﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ المتبصرين (١) المستدلّين بالسِّمات والأمارات، قال -﵇-: "اتّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ (٢).
﴿وَإِنَّهَا﴾ أي المؤتفكات (٣) ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ طريق واضح بيّن أثره، كان أهل مكّة يمرّون بها في أسفارهم، وإنها الأيكة (٤) والمؤتفكات، وقيل: مدبرين والأيكة.
_________________
(١) = وقول طرفة بن العبد: لعَمْرُكَ إنّ الموت ما أخطأ الفتى لكالطَّوَل المُرْخَى وثِنْياهُ باليدِ والأبيات في ذلك كثيرة. [القرطبي (١٠/ ٤٠)، زاد المسير (٤/ ٤٠٨)، التفسير الكبير للرازي (١٩/ ٢٠٣)].
(٢) وهم المتفرّسون، وبه قال مجاهد وابن قتيبة، وهو معنى قول الزجاج حيث قال: هم النُّظَّار المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سِمَة الشيء، ولا يخرج ذلك عن معنى قول ابن زيد والفرّاء بأنهم: المتفكّرون.
(٣) أورده ابن جرير (١٤/ ٩٦) عن ابن عمر وثوبان، وهو عند الترمذي (٣١٢٧)، والطبراني في الأوسط (٧٨٤٣) عن أبي سعيد الخدري، والحديث ضعيف غير ثابت.
(٤) الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ عائد إلى قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ [الحجر: ٦٧]، وهو عائد إلى قرى قوم لوط.
(٥) قال المفسّرون: "أصحاب الأيكة" هم قوم شعيب، سمّوا بذلك لأنّ الأيك هو الشجر الملتفّ، وكان مكانهم ذا شجر، فكذّبوا شعيبًا فأهلكهم الله بالحرّ، كما في سورة هود آية (٨٧)، وتُجمع على الأيْك. [القرطبي (١٠/ ٤٥)]. ولذا قال ابن عباس -﵄ -: الأيك هو شجر المقل. [القرطبي (١٠/ ٤٥)، التفسير الكبير للرازي (١٩/ ٢٠٤)].
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
﴿لَبِإِمَامٍ﴾ طريق (١)، وإنما قيل ذلك لأنّه يتبع إلى المقصد، قال ابن عمر: مررنا مع النبيّ -﵇- (٢) على الحجر، فقال لنا: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاّ أن تكونوا باكين حذرًا أن يُصيبكم مثل ما أصابهم"، ثم زجر فأسرع حتى خلفها (٣)، وإنما أمرهم بالبكاء ليبالغوا في التفكّر والاعتبار، وإنّما حذَّرهم لأنّهم لو لم (٤) يعتبروا لكانوا مستخفّين بآيات الله في أرضه، فاستحقّوا العقاب.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (٥)﴾ اتّصالها من حيث نفي الجور في إهلاك هؤلاء الأُمم الماضية، ومن حيث نفي العبث في التخليق. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ إن كان متاركة فهو منسوخ بآية السيف، وإن كان ما يضاد الإكراه فهو باقٍ في حق العرب لأنّهم إن قبلوا الجزية صفحنا عنهم، وإن كان المراد به ترك الفحش والشَّتم، فهو باقٍ في حق الكافة.
﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ عن النبيّ -﵇- (٦) أن: "السبع المثاني هي سورة الحمد لله ربّ العالمين" (٧).
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا (٨)،
_________________
(١) قاله ابن عباس - ﵄ -. قال ابن قتيبة: قيل للطريق إمام؛ لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. [زاد المسير (٤/ ٤١٠)].
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) البخاري (٣٣٨٠، ٣٣٨١).
(٤) في الأصل: (لولا).
(٥) في الأصل: (السموات والأرض).
(٦) في "ب": (النبي - ﷺ -).
(٧) أورده الدارمي (٢/ ٤٤٦) عن أُبيّ بن كعب، أخرجه الترمذي (٨/ ٩١/ ٢٨٧٨) كتاب ثواب القرآن عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٨) ورد عن ابن عباس عند ابن جرير (١٤/ ١٢٨) بلفظ: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه.
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
فحظر علينا النظر (١) إليها بعين الرغبة. رُوِيَ عنه -﵇- أنّه مرّت به غنم في أيّام الربيع، فغطّى كمّه على عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: "بهذا أمرني ربّي" (٢) ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ رجالًا ونساءً، أو ذكورًا وإناثًا، أو سخيًّا وبخيلًا، أو المكتسبين والعاجزين. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يُؤمنوا ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تواضع لهم وليّن جانبك لهم.
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ التشبيه عائد إلى قوله: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ مجاهد: أهل الكتاب اقتسموا الكتاب (٣) فيما بينهم، فحذفوا بعضًا وحرّفوا بعضًا (٤) واختلقوا في بعض ونقلوا على الوجه بعضًا، أي: آتيناك المذكور. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ الكتاب ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ من قبل، وقال ابن زيد (٥): إنّ المقتسمين هم أصحاب الحجر قوم صالح. ﴿تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. وعن ابن عبّاس (٦): هم الذين اقتسموا وجوه القرآن فيما بينهم، وهم من قريش؛ فزعم بعضهم أنه شعر، وبعضهم أنه سِحر، وبعضهم (٧) ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، وبعضهم أنه ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٨) تقديره: آتيناك المذكور كما أنزلنا العذاب على هؤلاء المقتسمين المستهزئين.
﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ﴾ مجاهد: التوراة والإنجيل والقرآن، وقال ابن زيد:
_________________
(١) في "أ": (عليه النظر).
(٢) ورد قريبًا منه رواه أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن كثير أنّ رسول الله - ﷺ - مرَّ بإبل لحيّ يقال لهم: بنو الملوّح أو بنو المصطلق، قد عبست في أبوالها من السمن، فتقنع بثوبه ومرّ ولم ينظر إليها، لقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨].
(٣) (الكتاب) ليست في "ب".
(٤) (بعضًا) ليست في الأصل.
(٥) نقله ابن الجوزي عن عبد الرحمن بن زيد (٤/ ٤١٨).
(٦) ذكره ابن الجوزي في تفسيره عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -، وفيه رواية أخرى عن ابن عباس ذكرها أيضًا ابن الجوزي عنه: أنهم اليهود والنصارى وبه قال الحسن ومجاهد. [زاد المسير (٤/ ٤١٧)].
(٧) في "ب": (وبعضهم أنه).
(٨) هذا ورد قريبًا منه عن قتادة عند ابن جرير (١٤/ ١٣٢).
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
ما أتى به صالح، وهذا القول على إحدى (١) روايتي ابن عباس. ﴿عِضِينَ﴾ أجزاء واحدها عضّة أصلها عضوة (٢).
﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلاّ الله (٣)، وإنّما وقعت العبارة عن قول لا إله إلاّ الله بالعمل؛ لأن إظهاره من عمل اللّسان، وإنْ لم يكن القول في الحقيقة عملًا.
﴿فَاصْدَعْ﴾ الصدع: الفرق والفصل.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ عن عروة بن الزبير: هم خمسة: الأسود بن عبد يغوث، وأبو زمعة الأسود بن المطلب، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وابن غَيطلة الحارث بن قيس السهمي؛ فجاء جبريل -﵇- إلى رسول الله (٤) - ﷺوهو يطوف بالبيت، فقام (٥) إلى جنبه وهم يطوفون، فمرّ به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء فغمي، ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فقام من الليل فشرب، فحبن بطنه فمات حبنًا، ومرّ به العاص بن وائل فأشار جبريل -﵇- إلى أخمص رجله، فخرج على حمارٍ له يريد الطائف فربض به حماره على شبرقة فدخلت منه شوكة في أخمص رجله منعت عليه فقتلته، ومرّ به الحارث بن قيس وهو ابن العيطلة، فأشار إلى رأسه، فامتحض بها، ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه
_________________
(١) (إحدى) ليست في (الأصل).
(٢) قاله الكسائي وأبو عبيدة، أي اقتسموا بالقرآن وجعلوه أعضاءً، أي أجزاءً فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ومنه قول عليّ بن أبي طالب -﵁ -: "لاَ تَعْضِيَةَ فِي ميراث"، أراد: تفريق ما يوجب تفريقه ضررًا على الورثة كالسيف ونحوه. وهذا المعنى في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس التي تقدَّم ذكرها. [زاد المسير (٤/ ٤١٩)].
(٣) ورد مرفوعًا عن أنس رواه الترمذي (٣١٢٦)، وأبو يعلى (٤٠٥٨)، وابن جرير (١٤/ ١٤٠) وسنده ضعيف.
(٤) في الأصل: (النبي).
(٥) في "ي" "ب": (وقام).
[ ٣ / ١٠٦١ ]
كان أصابه قبل ذلك، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يريش نبلًا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدشه في ذلك الموضع، فلم يكُ شيء يومئذ، فلمّا أشار إليه ببعض ذلك الخدش فقتله، وكان قد أوصى بنيه أن يُطالبوا خزاعة بدمه، وقال: والله إنّي لأدري أني لم أُقتل بسهمهم، ولكن أخاف أن يسبوا بعدي، وذكر باقي الحديث (١).
وعن أبي يزيد المدني قال: جاء جبريل -﵇-، فأخذ بيد النبيّ -﵇-، فأجلسه على طريق المشركين، فمرّوا به قال: فيقول جبريل: مَنْ هذا؟ قال: فلان، ولم يسمّه، قال: كفيناك هذا في عينه، قال: ومرّ به آخر، فقال: مَنْ هذا؟ قال: فلان بن فلان، قال: كفيناك هذا في كليته، وجبريل أعلم بهم منه، قال: منهم من سألت حدقته على نحوه، ومنهم من أخذته في بدنه، فأمّا صاحب اليدين فمرّ برجل يرمي فتعلق سهم بردائه فقطع أكحله، فمات. وعن عكرمة: أخذ جبريل بظهر الأسود بن عبد يغوث فحناه حتى استوقف، فقال -﵇-: "خالي خالي"، فقال جبريل ﵇: دَعْه عنك فقد كفيتك.
وذكر الكلبي: أنّهم ماتوا جميعًا في يوم إلا أبا زمعة، فإنه عمِي يومئذ، ثمّ خرج إلى الصَّحراء ذات يوم ومعه غلام فأتاه جبريل -﵇- وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه فقال غلامه: ما أرى أحد يصنع بك شيئًا غير نفسك، حتى مات وهو يقول: قتلني ربّ محمَّد، قال: وأكل الحارث بن قيس السهمي حوتًا مالحًا، ويقال: طريًا، فلم يزل (٢) ليشرب (٣) عليه الماء حتى انقدّ فمات، وهو يقول: قتلني ربّ محمّد. قال: وخرج العاص بن وائل في يوم مطير وابنان له، فنزل شعبًا من الشّعاب، فلما وضع قدمه على
_________________
(١) هذه رواية ذكرها السيوطي عن "دلائل النبوّة" لأبي نعيم. انظر: "الدر المنثور" (٨/ ٦٥٧ - ٦٥٨)، وسنده تالف لأنه من طريق السديّ الصغير عن الكلبي.
(٢) في "أ": (ينزل).
(٣) في الأصل: (كيقرب).
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
الأرض قال: لُدغت، قال: فطلبوا فلم يجدوا شيئًا، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. وأصاب الأسود بن عبد يغوث سموم فاسودّ حتى عاد حبشيًّا، فأتى أهله فلم يعرفوه، فأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: قتلني ربّ محمد لضيق صدري (١). عن الحسن: كان عند النبيّ (٢) رجل فجعل يعرض عليه الإسلام، قال: فقال: والله إني لكاره لما تدعوني إليه، قال: "وأنا والله، لقد (٣) كنت كارهًا، ولكني أكرهت عليه أنّ الله بعثني بالرسالة، فضقت به ذرعًا ووعدني فيها لأبلغن أو ليعذّبنني"، فقال الحسن: فبلغ والله رسول الله حتى عذره الله، فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات: ٥٤]. ﴿مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ كن ساجدًا، وإنما جمع لوقف رؤوس الآي، ويحتمل أن المراد بالساجدين الأنبياء ﵈ اللهمّ.
﴿يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الموت (٤).
_________________
(١) أما عن أبي يزيد المدني فلم نجده، ولكن الحادثة مذكورة عند الطبرانيّ في الأوسط (٤٩٨٦)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣١٦ - ٣١٨)، عن ابن عباس وفي سنده محمَّد بن عبد الحليم، وهو مجهول. وهناك رواية أخرى عن ابن عباس في الدّلائل وسندها ضعيف، كما في الدرّ المنثور (٨/ ٦٥٨ - ٦٥٧).
(٢) في "ب": (- ﷺ -).
(٣) في "ب": (والله وأنا كنت)، وفي "ي": (والله إني لقد).
(٤) قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور. [زاد المسير (٤/ ٤٢٣)].
[ ٣ / ١٠٦٣ ]