مدنية (١)، وهي ثمان عشرة آية بلا خلاف (٢).
بِسْمِ اللهِ الرَّحّمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله ابن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي -﵇- فقال أبو بكر: بل أمر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي فقال: ما أردت إلا خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ الآية (٣).
وعن مسروق بن الأجدع قال: كنا عند عائشة أم المؤمنين يوم عرفة والناس يشكُّون يرون أنه يوم النحر، فقالت لجارية لها: أَخرجي لمسروق سويقًا وحليه فلولا أني صائمة لذقته، قال: قلت: فإنك صمت هذا اليوم، وهو يشك فيه، فقالت: نزلت هذه (٤) الآية في مثل هذا (٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كان قوم يتقدمون رسول الله في الصوم وما أشبهه، فنهاهم عن ذلك.
_________________
(١) نقل السيوطي في "الدر المنثور" (١٣/ ٥٢٧) عن ابن عباس وابن الزبير مدنيتها.
(٢) "البيان" لأبي عمرو الداني (٢٣٠).
(٣) البخاري (٤٣٦٧، ٤٨٤٧).
(٤) (هذه) ليست في "ب".
(٥) عبد الرزاق في "المصنف" (٧٣١٠)، وابن أبي شيبة (٩٢٨٢).
[ ٤ / ١٥٥٧ ]
وعن الحسن أن قوماَ ذبحوا قبل أن يصلي النبي -﵇- (١) يوم النحر، فأمرهم رسول الله أن يذبحوا ذبحًا آخر، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢).
وعن الكلبي أن الآية نزلت في المنذر بن عمر والساعدي وأصحابه حين قتلوا رجلين من أهل الميثاق فوداهما رسول الله (٣).
وإنما اختلفوا في سبب نزول الآية لعمومها واشتمالها على هذه المعاني كلها وتلاوة رسول الله -﵇- (٤) إياها عند كل حادثة من هذه الحوادث، فمَن سمعها عند حادثة ظنّ أنها نزلت فيها خاصة. وقد جمع مجاهد هذه الأقوال وقال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ أي لا تعاونوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه.
﴿امْتَحَنَ اللَّهُ﴾ ابتلى الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ الآيتان نزلتا في حي من بني العنبر وهم من بني عمرو بن تميم كان قد أغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري بأمر رسول الله (٣) وسبي منهم سبيًا كثيرًا، فحضروا المدينة وقت الهاجرة فوجدوا رسول الله (٣) قد دخل إلى أهله للقيلولة، فجعلوا ينادونه من المسجد: يا محمد يا محمد، حتى أيقظوه، فخرج إليهم وهو يمسح النوم عن وجهه، فجعل حكمهم إلى شبرة بن عمرو وهو رجل منهم وعلى دينهم، فحكم بفداء نصف الشيء وعتق النصف، ولو كانوا صبروا حتى يخرج إليهم رسول الله (٣) لأعتق جميعهم وكان ذلك خيرًا لهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ السبب في نزول هذه الآية أن النبي -﵇- (٥) استعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو الفاسق على
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٢) ابن جرير (٢١/ ٣٣٦، ٣٣٧).
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٥٥٨ ]
صدقات بني المصطلق وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما توجه إليهم استقبلوه بالطاعة لوجه الله تعالى ولرسوله -﵇- (١) فظنّ الفاسق (٢) أنهم استقبلوه ليقتلوه فانهزم إلى رسول الله (٣) وزعم أنهم خرجوا من الطاعة، فهمّ النبي -﵇- (١) أن يغزوهم فقدموا عليه (٤) معتذرين إليه (٥) فلم يصدقهم رسول الله (٣) حتى نزلت الآية (٦).
قرأ أبو سعيد الخدري (٧): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال: هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعتوا فكيف بكم اليوم (٨).
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ عن أنس قال: قيل للنبي -﵇- (٩): لو أتيت عبد الله بن أُبي، فانطلق إليهم، فركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما أتاه وثار الغبار قال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: لحمار رسول الله -﵇- (٩) أطيب ريحًا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله هذه الآية.
وعن أبي مالك قال: حيّان من الأنصار بينهما ملاحي وقتال بغير (١٠) سلاح، فأمر الله أن يصلح بينهما.
وعن أبي مالك قال: اقتتل رجلان فأقبل حيّاهما فاقتتلوا بالنعال
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (الفاسق) ليست في الأصل.
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) في "ب": (إليه).
(٥) (إليه) من "ب".
(٦) أحمد (٤/ ٢٧٩) وسنده حسن.
(٧) (أبو سعيد الخدري) ليست في "ب".
(٨) الترمذي (٣٢٦٩) صحيح.
(٩) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله صلى الله -﵇-).
(١٠) في "ب": (بلا).
[ ٤ / ١٥٥٩ ]
والعصي فأنزل الله فيهم. قال: هذه الآية (١) أصل في قتال أهل البغي وقد اقتتلت طائفتان من المؤمنين بعد رسول الله إحداهما أصحاب والأخرى أهل مصر (٢) فجاء الحسين بن علي ليصلح بينهما فلم يقدر فغلب أهل مصر وقتلوا عثمان - ﵁ -، ثم إنهم تركوا البغي وبايعوا علي بن أبي طالب - ﵁ - فثارت فتنة أخرى ثم أخرى ثم أخرى حتى صار علي - ﵁ - إمامًا في معرفة قتال أهل البغي لأنه قتل الناكثين والباغين والمارقين، وقد قال أبو حنيفة - ﵀ -: لولا علي بن أبي طالب - ﵁ - لما عرفنا قتال أهل البغي.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ قيل: حضر ثابت بن قيس مجلس رسول الله - ﷺ - (٣) بعد امتلاء المجلس بالناس فلم يمرّ بأحد إلا تفسّح له إلا رجلًا واحدًا قال له: أصبت مكانك فاجلس، فذكر ثابت أمه وكان يعير بها (٤)، وشبهت إحدى أمهات المؤمنين طرف إزار الأخرى بلسان الكلب فأنزل الله الآية (٥).
وعن أبي جبيرة (٦) بن الضحاك قال: نزلت الآية فينا ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ جاءنا رسول الله وللرجل الاسمان والثلاثة، فجعل يدعو الرجل فيقول: يا رسول الله إنه ليغضب منه، فنزلت (٧).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا﴾ قال الكلبي: نزلت الآية في رجلين من أصحاب رسول الله -﵇- (٨) قد ضمّ كل واحد (٩) من الفقراء إلى رجلين
_________________
(١) البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩).
(٢) (مصر) ليست في "أ".
(٣) (وسلم) ليست في "ي".
(٤) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٤٦٥) عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٥) نفس الكلام السابق.
(٦) في "ب": (جبير).
(٧) البخاري (٣٣٠).
(٨) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - صلى الله -﵇ -).
(٩) (واحد) ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٥٦٠ ]
من الأغنياء ليخدمهما ولينفقا عليه، فهذان الرجلان قدما صحبهما في سفر ليهيىء لهما المنزل والطعام فغلبه النوم فلم يفعل شيئًا مما أمراه به، فأرسلاه إلى النبي -﵇- ليسأله فضل طعام، فلما غاب قال أحدهما للآخر: والله لو أرسلناه إلى سميحة أو سُمَيحة - وهي بئر ذات ماء كثير - لقال ليس فيها ماء فهذه عيبتهما.
ثم إن الفقير أتى رسول الله -﵇- (١) وأدّى الرسالة فقال رسول الله (٢): "انطلق إلى أسامة بن زيد" وكان أسامة بن زيد يحفظ طعام رسول الله (٢)، فأتاه فلم يجد عنده شيئًا، فرجع إلى صاحبيه وأخبرهما بالقصة، فأتاهما أسامة بن زيد وقالا: هو رجل بخيل أمره رسول الله ولم يعط فهذا ظنهما الذي هو الإثم، ثم إن الرجلين راحا إلى رسول الله (٢) وقد أنزل الله هذه الآية (٣) ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ لحلوله محل الاعتقاد الفاسد ﴿أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ لأن المغتاب ينال من أخيه في حال لا يمكنه الامتناع كالذي يأكل لحم أخيه ميتًا.
﴿شُعُوبًا﴾ وهي الأجيال التي تشعّبت من أولاد نوح -﵇- ﴿وَقَبَائِلَ﴾ هي البيوت من كل جيل، والآية نزلت في ثابت بن قيس (٤).
وعن ابن عباس قال: ما تعدُّون الكرام فيكم وقد بيّن الله أكرمكم عند الله أتقاكم، وما تعدون الحسب فيكم أحسنكم أخلاقًا أكرمكم إحسانًا (٥)، وقال -﵇- (٦): "لينتهين رجال يفتخرون برجال من رجال الجاهلية قد صاروا حممًا في النار ويجعلنَّهم الله أذل من الجُعُل يدفع النتن بأنفه" (٧) وقيل: الفخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره (١٦/ ٣٣١).
(٤) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٤٦٥).
(٥) "الأدب المفرد" (٨٩٩) والحديث صحيح.
(٦) (السلام) ليست في "ي" وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٧) أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥)، وأحمد (١/ ٣٠١) والحديث حسن.
[ ٤ / ١٥٦١ ]
﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أراد به نفي الإيمان ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أثبت الدخول في ظاهر عقد الإسلام بظاهر التصديق على سبيل النفاق، والآية نزلت في نفر من بني الحلّاف، والحلّاف مرّة بن الحارث بن سعد أجدبت بلادهم فحضروا المدينة بذراريهم ونزلوا في طريق المدينة وأفسدوا الطريق بالنجاشة (١) وأغلوا الأسعار، ولم يَزالوا يأتون رسول الله ويقولون: أعطنا يا محمد أعطنا فإنا آمنا بك إيمانًا لم يؤمن به أحد من العرب لأنهم أتوك مثنى وثلاث ونحن انتقلنا إليك بالأهل والذرية حتى أنزل الله فيهم (٢).
_________________
(١) المثبت من "أ"، وفي الجميع: (النجاسة).
(٢) الظاهر أن الآية نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة بنفس القصة التي ذكرها المؤلف وقد رواها مجاهد. أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ٣٨٨) وذكره البغوي في تفسيره تعليقًا (٢٠١٧) وورد بنحوه من حديث ابن عباس - ﵄ - عند النسائي في التفسير (٥٣٩)، أما ما ذكره المؤلف من أنها نزلت في الخلاف مرة بن الحارث بن سعد فلم نجد من ذكر ذلك، والله أعلم.
[ ٤ / ١٥٦٢ ]